أيامنا الحلوة

الساحة الإسلامية => :: قرآن ربي :: => الموضوع حرر بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-07, 19:33:02

العنوان: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-07, 19:33:02
بسم  الله الرحمان الرحيم

وهذا موضوع أضع عليه أيضا تدبراتي القرآنية ... وهذه الروابط للأجزاء السابقة منه :


 emo (13):الجزء الأول :  https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=5765.0

 emo (13):الجزء الثاني: https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=6374.0

 emo (13):الجزء الثالث: https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=6967.0
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:46:31
خواطر سنة 2018

 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سبحان الله !! سبحان الله !!
ليس أقوى في الدين من "التوحيد"...بل هو الدين كله ...
ليس أشفى للقلب العليل ولا أروى للروح الظمأى من توحيد الله تعالى ...
أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الخالق العظيم ...
لا إله إلا الله ... خالق كل شيء ... العظيم المتعال ...
ما أجمل أن تتندّى الروح وتنتعش بها ... !
إنها لَطِبُّ الروح ودواؤها .... إنها لراحة الروح ... إنها لحياة الروح ... !! إنها لماؤها وهواؤها ... !
أشعر وكأنّ الفطرة فيّ تستشعرها لا خلفيّة إسلامي ...
أشعر بفعلها فيّ وكأنه الفعل الفطريّ فيّ ...
وكأنني وإن كنتُ بلا دين فسيكون هذا إحساسي بها ...
أستشعرها تعمل بروحي عمل الفطرة في "الإنسان"   هكذا... الإنسان مجرّدا ...
إنها هي هي لا غيرها تستجيب لها الفطرة التي تسكن الأعمااااق ... ! 
ألا وَيْحَ الإنسان ثُم وَيْحَه ... !
إنه الذي يطمس بهواه وبغفلته نداء الروح ... حياة الروح ... !!
كيف لا ... و"الإنسان" نفخة من روح الله ... فإلامَ غير: "لا إله إلا الله"  تسكن الروح ؟! ... تسكن روح "الإنسان" ... كل إنسان ... !!!
يا رب لا تحرِمْنَهَا ما أحييتنا حتى نموت عليها حياة للروح لا تنقطع حتى مع الموت وبعد الموت ... !
#التوحيد
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:47:50
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سأحكي لكم اليوم حكاية ... 🙂
وإنه لم يعد يزعجني ولا يُحزنني ألا أجد قارئا صبورا يصبر على طول الحكاية ...
كما أنه لم يعد يزعجني  أن يتمتم أحدهم وهو يقرأ أنكِ يا مَن تتعبين وتكتبين وتطوّلين تهرفين بما لا تعرفين، أو أنكِ تتكلمين فيما عفا عليه الزمن ...!
أو أنكِ تُكرّرين ما كرهنا سماعه ...
لم يعد يزعجني حتى أن يُعرض من يقرأ عن إتمام الحكاية إلى آخرها، يغلبه جَزَعُه، ولا يُسعفه شيء من صبر .... أجل لم يعد يعنيني... 🙂
ولكنني قررت أن أكتب .... وإنني وأنا أكتب أفرِغ ما عندي لعلّ شيئا منه يصيب فينفع ... أو لعلّ أذنا بين الآذان تُصغي ...
وإنني حاكية لكم حِكاية .... فمرحبا بمَن يحبّ الحكايات ... ولكلٍّ منا ما يُفضّل من حكايات ... !
جدال واقتتال... وجهاد وتِلاد، وسخرية واستهزاء، وتعالٍ، وافتعال صمم كلما جاء أحدهم على ذكر "نظرية التطور" "نظرية داروين " تلك التي تتعالى أصوات الغرب والعَرَب بأنها قد أصبحت الحقيقة التي لا جدال حولها ولا نقاش فيها .. وأنّ من يفعل ذلك إنما يضيّع أوقات العلميّين المتوثّقين المتخصّصين العارفين بتفاصيل الموضوع، وبآخر ما اكتُشِف داعما للنظرية ومؤيدا لصحتها، وبآخر ما ينطق به علم الوراثة ... وبصيحات علماء الغرب وتناديهم بأنها الحقيقة التي لا مِراء فيها ... قُضي الأمر الذي فيه تستفتون...
حتى وإن نطق بمعارضتها أهل العلم والتخصّص أنفُسُهُم، علماء الغرب المعارضون لها مُهمّشون، مُتّهَمون بأنهم يعارضون من وحي عواطفهم الدينيّة، يتشدّقون بالمنطق وبنِشدان الحق بعيدا عن الدين وعن العِرق، حتى إذا جاء الأمر على النظرية التطورية حكموا من العناوين، ولم يكلّفوا أنفسَهم مجرّد الاستماع، وقبول الحق وإن كان من مؤمن !!
شأنهم في ذلك شأن الجاهليّين الأوائل حين كانوا يحشون آذانَهم كُرسُفا حتى لا يسمعوا القرآن ... وهُم بذلك الهاربون من الحق بالكُرسُف... كذلك أنصار النظرية الهاربون من الحق بدعوى أنه آت من "الخلقويّين" على حد تعبيرهم...
هذا مع ابن جِلدتهم إن هو عارض واعترض وإن كان من قلب العلم ولُبّ الاختصاص، فكيف لا يُتّهم مسلم بذلك وإن كان يقارع الحجة بالحجّة... العلم بالعلم... الدقيق منه بالدقيق والتدقيق والتفنيد العلمي الرصين ؟!!
هكذا أصبح أنصار هذه النظرية لا من الغربيّين وحدَهم بل من المسلمين كذلك ...
فهم يُشهِرون أسلحة متعددة الأبعاد...
**أولاها  ذات البُعد العلميّ وهم يتحججون به حتى مع العلميّين الذين يطلبون المناظرة العلمية (ومن مثله ما تعلنه صفحة الباحثون المسلمون للمرة الثالثة بعدما لم تجد من أنصار النظرية استجابة لطلبها مناظرتهم )
**وأما الثاني فهو تنادي علماء الغرب بصحتها، متغاضين عن كل صوت معارض في الغرب نفسه، من علماء لا من دهماء ...
**وأما البعد الثالث الذي يُطمئِن به المتخصصون من المسلمين أنفُسَهم فهو "التطور الموجّه"  أي النظرية بنسختها الإسلامية .
ورغم أن أحد أهم ركائز النظرية الطفرات العشوائية، أي اللا خَلق، إلا أنهم بطريقة ما يؤمنون بالطفرات من جهة، ويقضون بفعل إله فيها ..! فيعدّلون النظرية ويؤسْلمونها، ولا عجب فنحن أهل الأسلمة لتسلمَ لنا أنفسُنا وتطمئن ...!
ورغم أنّ الطفرات العشوائية عقلا ومنطقا لا يمكن أن تُحدِث تحسينا، بل عُرِفت على مستوى المخابر والعلوم بإحداثها للتشوّهات وعملها بالإفساد لا بالإصلاح ناهيك عن التحسين والتطوير ... !!
ورغم ما ينشره علماء الغرب أنفسهم في المجلات المعتمَدة علميا وعالميا من تخطيئ لكثير مما جاءت به النظرية وجعلته أعمِدتها وأدلّتها، من مثل السجلات الأحفورية،  وما تبيّن من كذب علماء في نِسبتها للسلف الحيواني غصبا، أو باعتمادها في الكتب العلمية بشكل مُحوَّر كفعل الفوتوشوب في الصور لا على حقيقتها ...
ورغم توارد الاكتشافات الداحضة لما يتنادون به دليلا على صحتها، من مثل صيحة التحام كروموسومَيْن اثنَيْن من السلف الحيواني، والذي أنتج الإنسان ...تعليلا منهم لزيادة عدد  كروموسومات الشمبانزي على عدد كروموسومات الإنسان (24زوج مقابل 23). ويأتي الاكتشاف العلمي القوي الداحض لهذا الدليل المزعوم مثلا عن طريق الأطباء الثلاثة المتقاسمين بسببه جائزة نوبل عام 2009.
وليس هذا إلا مثالا على توارد التخطيئات والتفنيدات والدحض العلمي لما يسارعون مسعورين للتشبث به دليلا على صحة النظرية ...
رغم كل ذلك ... النظرية عندهم اليوم حقيقة ... وإن قالوا فيها ما قالوا ... !!
وهكذا هم في لهث محموم وسُعار مفضوح للحفاظ على النظرية عنزةً ولو طارت ... !
يختلقون لها المُسمّيات المتعرّجة الملتوية لتوائم ما يقابلها من اعتراضات وتخطيئات، تسميات وتعديلات يُحدثونها لتستوعب حقيقة سقوط دعاماتهم على كل شكل، فتارة هو التطور الكمي"Quantum evolution" ليتواءم مع ما أثبت تهافُت دَعامة البُطء والتدرّج في التحول من مرحلة إلى مرحلة (الكائنات الوسيطة لا حصرية العدد)بعد ما بينت عديد الأحفورات ظهورا مفاجئا بدل الظهور التدريجي الانتقالي..
وتارة هو التطور المتقطع  "Punctuated equilibrium"
وتارة أخرى هو التطور المتوازي، وهو وهو ..... وللتطوّر اليوم يا متابع الحكاية نُسَخ وأنواع وأشكال، كلها قوالب صُنِعَت لتحافظ عليه "حقيقة"  وإن ضحكوا على عقلك بدل المرة مرات ... وإن انقلب ضحكهم قهقهَااااات .....
لا تقلقوا ... أعلم أنني سأُتَّهم الساعةَ بحشر أنفي فيما لا أعرف، فيما ليس من اختصاصي، وأنني ألقي بالعموميات، وأقتبس من الخلقويّين ... ووو....
كل هذه النعوت التي لا بدّ من إيجادها -ليس لمَن مثلي على الأقل وهم ليسوا أهل اختصاص- بل لأهل الاختصاص أنفسهم إن هم تجرؤوا وكانوا من المعارضين بالعلم وبالدليل العلمي ... وقد نال الدكتور إياد القنيبي وهو دكتور في علم الأدوية وصاحب براءتَي اختراع ما ناله بعد سلسلته المميّزة التي وجدتْ ... أقول وجدتْ آذانا صاغية رغم الأفواه المنتقدة لا لما ألقى من علم، بل فقط بنَعتِه أنه المدفوع بالدين .... وكأنه يقارع النظرية ومعطياتها  بأصول الفِقه وبعلم الحديث .... !
نعم ... لست من أهل الاختصاص، ولكنني سعيتُ سعيي لمتابعة تفاصيل عن النظرية، ولم أسمع للمعارضين وحدهم، بل استمعت حتى لأنصارها، ولم أقرأ للمعارضين وحدهم، بل قرأت لأنصارها... وحاولت قدر الاستطاعة فهمها، ولم أملّ من التفاصيل العلمية الدقيقة وأنا أتابعها، بل استفدت منها، واستحضرتُ غُرَفَ عقلي لاستيعابها وفهمها ... ولله الحمد تكونتْ لديّ صورة في إطار ممنهَج لفهم القضية ...
على كل حال... ربما يبدو ما كتبت أعلاه تكريرا، وإعادة ... ولكنني لم أكتب لأعيّن نفسي أهلا للمناظرة أو للدحض ... بل كتبتُ من بعد ما تابعتُ فيما تابعت فيلما وثائقيا باللغة الفرنسية، يَعرض للتحليل العقلي لمعطيات النظرية، فإذا به من عيّنة "شهد شاهد من أهلها "وهو يمشي الهُوَينى مع العقل ليبيّن تهافُت أركان النظرية ... ولا يكتفي بتاريخها، بل يتقدم إلى ما استجد مع التطوريين اليوم، والكشوفات العلمية والصيحات والإشهارات والتكريسات والتوجيه الممنهَج لتكريس النظرية ولتمكينها من اعتلاء عرش العلم ببصمة وتوثيق وخاتم "العلمية" و"الحقيقة العلمية" التي لا مجال لمقارعتها .... !
وإني ها هنا لأستبق تفاعل المناصرين لها وهم يسمعون مني هذا، فأقول لهم ما سيقولون في كلامي، بأنني أصارع طواحين الهواء، وأضيّع الوقت هباء، وما كان كان والعلم قال كلمتَه ... وأنتِ يا أيتها الحاكية الراوية وأمثالكِ تقارعون بتقوّلكم أنّ العلم مُوجَّه فكرّس باطلا وخرافة !
غُضَّ الطرف عن هذا ... واستمع معي لباقي الحكاية .... 🙂
من ذلك الفيلم الوثائقي، أقتطع هذا الكلام حرفيّا :
******************
"في فرنسا اليوم  يعدّون نظرية التطور حقيقة علمية مُثبتة، لأن نظرية التطور هي النظرية الوحيدة في العلوم لتفسير أصل الحياة (dominante et officielle)  وبالتالي فجميع الكتب المدرسية وإصدارات الكتب العلمية، وبرامج العلوم التلفزيونية تُدار بواسطة أنصار نظرية التطور، لذلك الكثير من الناس يعتقدون أن هذه النظرية هي حقيقة علمية مُثبَتة، ومُنكِرُها جاهل أو متعصّب دينيا. إن جزءا كبيرا من الفرنسيين لا يعرفون أن نظرية التطور حتى اليوم هي النظرية الرسمية ليس لأن هنالك أدلة علمية كثيرة تُثبتها أو لوجود أدلة منطقية متماسكة، بل على العكس تماما، هذه النظرية مُعتَرَف بها عالميا وداخل المجتمع العلمي لا لشيء إلا لأنها البديل الوحيد لتفسير نشأة الحياة(seule alternative)  لأنهم لا يقبلون فكرة الخلق بواسطة قوة خارقة (création surnaturelle).
في الواقع العلم اليوم لشرح نشأة الكون يقبل الافتراضات الطبيعية فقط والتي يمكن اختبارها وملاحظتها في المُختبر. في كتاب نشرتْه الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم نقرأ :
-أضع النص الحرفي الفرنسي، وأعقبه بالترجمة :-
Parce que la science est limitée à expliquer le monde naturel au moyen de processus naturels, elle ne peut pas invoquer des causes surnaturelles dans ses explications.
لأن العلم محدود في شرح طبيعة العالم من خلال عمليات طبيعية، فإنه لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة في التفسير.
فالعلماء عند تفسير المعطيات، لا يمكنهم بأي حال من الأحوال تفسير نشأة الكون بأنها أسباب خارقة أو غير طبيعية، وبذلك تكون نظرية التطور هي التفسير الطبيعي الوحيد الممكن لنشأة الحياة، وبالضرورة أن تُفسَر جميع البيانات العلمية اعتمادا على سيناريو التطور.
**************** 
انتهى نقلي عن الفيلم الفرنسي الذي عنوانه : "Raisonne(Des signes pour des gens qui raisonnent)"   حوالي 30 دقيقة.
** عندما استمعتُ لهذا، تأملتُ ... فإذا المناصرون للنظرية من أهل الإسلام، كثير منهم، لا يكلّف نفسَه مجرد وضع هذا الذي يجعل المختبرات العلمية العالمية، ووسائل النشر والإشهار العالمية تعتمد النظرية حقيقة لا تقبل النقاش، لا يضعونه مجرد موضع الاحتمال... بل تراهم مُبَرمَجين برمجة مستفحلة الصعوبة على عدم تقبل أي رأي فيها، وإن كان علميا حتى النُّخاع ...وليس هذا دَيْدَن من يبحث عن الحقيقة أينما كانت، وكيفما كانت الضريبة لأجل الفوز بها ... !
ربما سيَرون حصون علمهم وسَعْيِهم ودرجاتهم العلمية آيلة للانهيار، فهم يحافظون عليها كما يحافظ أهل النظرية عليها من كل ما قد ينالها من العلم ذاتِه ... !
** تأملتُ ... وأكبر تأمّلي كان مع القرآن ....
فانا –كما أسلفتُ- وإن سعيت سعيي للفهم العلمي لا الاعتباطي السطحي، ولا الانحيازيّ ... إلا أنني لن أدّعي المناظرة العلمية... وإن كنتُ لا أستطيع إغفال صوت عقلي وهو يعي الدليل العقليّ ويستوعبه، ويرى بكل وضوح كيف يقلبون الخُرافة حقيقة.. كيف لا والانتخاب الطبيعي عندهم أعمى ... وإذا بالأعمى يُنتج بصيرا !!
والطفرات عندهم عشوائية، والعشوائية عندهم تصنع النظام المُحكَم والتطور المعقّد  ... !! والعنزة أيها المعارضون عنزة وإن طارت ...
يا أُخَيّْ إنها تطير ....!!  انظُر إنها تطير... !
نعم نعم عنزة إلا أنها العنزة الطائرة ...
آآآآه طبعا ... ما إِحْنَا في نظرية التطور، وكل شيء فيها قابل للتطور ...حتى عجلة التطور ذاتُها تنقلب جناحا هكذا بفعل العشوائية والعمى .... هكذا كفعل السحر ...!! فلا تتعجب ...
** أعود لتأملي .... وإنني وأنا أكتب أعلم أنّ من سيقرأ ويصبر على القراءة قليل، قليل جدا ... إلا أنني ألِفْتُ ذلك وتعودته، وإن قرأ واحد أو اثنان، فلا بأس ... وإنني أبيت إلا أن أكتب ولا أترك ما اعتلج بصدري حبيس صدري ...
** تأملتُ فإذا الطبيعيون، الرافضون للاعتراف بإله خالق مبدع واحد يعبدون نظرية تقضي بعدم وجود إله، وتقضي بأن الصُّدفة والعشوائية هي الفاعل، وتقضي بأن الخلية طوّرت نفسها بنفسها، وتقضي بأن البكتيريا ذكية والفيروس ذكيّ، والمادة ذكيّة ... ! وكله عندهم قابل لأن يكون الفاعل الأول إلا أن يُؤتى على ذكر الخالق المبدع، فعندها تقع الواقعة وتَصعق الصاعقة ... !
وإنّ مما يُضحك شرُّ البلية ... !
ارجعوا إلى ما نقلتُ من أفواه الغَرب أنفسهم ... من شهادات علمائهم المغمورين، أو لنقل الذين يُغمَرون عمدا لأنهم يتحدثون عن خالق ... عن قوة عظمى خلقت، وأبدعتْ وأحكمتْ  ....
تأملوا لتجدوهم يُلغون الخالق والخَلْق من كل حساب، بل وينظّرون للخُرافة باسم العلم، وتتوشّى أكاذيبهم ومساعيهم المسعورة لترسيخ اللاخلق باسم العلم ...
تأملوا وروح الانتقام من اضطهاد الكنيسة عملت فيهم عملها، بل وأغرقت وأغرقت في أنفسهم كفرا وإلحادا، وتأليهاً للمادة، وللخُرافة، وللكذب، وللدجل وللّعب بالعقول والاستخفاف بها باسم ماذا ؟؟ باسم العلم ....  !
وهم إذ لا يعترفون بالخالق في مختبراتهم ... يقدّسون كل شيء إلا أن يقدّسوا خالق كل شيء ... !!
عندها .... عندها تمثّل لي قوله تعالى : "اقرأ ".... فلم تكن "اقرأ" مجرّدة ... لم تكن اقرأ وانتهى ....
بل كانت : "اقرأ باسم ربك"....  باسم ربك يجب أن تقرأ ...أما إذا قرأت هذا الكون، وهذا الإبداع، وهذا النظام المتكامل المتناسق المتّسق هكذا دون اسم ربك ... فستقرأه مقلوبا ... منكوسا، معكوسا ... ستقرأه وأنت تؤمن بالعشوائية، وبأن البيئة والطبيعة تنتقي وتنتخب وتختار ... أما أن يفعل ربك، فلا ... وأما أن يريد ربك فلا وأما أن يقدّر ربك فلا وألف ألف لا .... نعم ستُبهِر الكلّ بما تكتشف من جديد، ولكنك لن تقول يوما أنه من إبداع الخالق ومن إرادة الخالق ... ستنسبه لكل شيء إلا لمبدِعه وخالقه الذي أذِن فعلمتَ ولو لم يأذن لما علمتَ ... 
عندما تقرأ بغير اسم ربك... سيكون كل شيء إلا أن يكون ربّ كل شيء ... إلا أن يكون خالق كل شيء ...
وإنها لم تكن : "اقرأ باسم ربك " وانتهى.... بل كانت : "اقرأ باسم ربك الذي خلق "
أول صفة لهذا الرب ... هذا الرب الذي أنعم أول ما أنعم فخلق ...
"خلق" هكذا مُطلقة ... لأنه خلق كل شيء ... كل شيء....
أيها الإنسان اقرأ باسم الذي خلق.... فإن قراءتك مجرّدة عن الذي خلق، بعيدا عن إيمانك بخالق وخَلْق هي ولا شيء، هي والخُرافة سواء.... هي والعشوائية والخبط والخلط سواء ...
وماذا هُم مُنكِرون أصلا ؟؟ ولأي شيء هم يؤصّلون ويكرّسون أصلا ؟؟
إلى أنه لا خَلق ولا خالق.... تأملوا جيدا آخر ما نقلتُ أعلاه : " لأن العلم محدود في شرح طبيعة العالم من خلال عمليات طبيعية، فإنه لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة في التفسير" ..
"لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة" ......  "محدود"
فما دُمتم تعترفون بمحدوديته، وبمحدودية الإنسان... فلتعترفوا بأن هناك قدرةً صفتها الطلاقة، وعلماً صفتُه الشمولية والكمال ليس لأحد من بني الإنسان ... بل هو لقوة عُليا أوجدتْ هذا المحدود ... بل وجعلت له حدودا ....
وما تزال تتمثل لي أولى آيات كتاب الحق نزولا .... سبحان الله !! وليس عبثا ولا صدفة ولا عشوائية-على حد تعبيرهم- نزولها الأولى ... حاشاه سبحانه وكل شيء عنده بقدر ...
" خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"
هو سبحانه الخالق الأكرم الذي علّم ... هو خالق العقل، ومُكرِم الإنسان بالعقل، ولولا كرمه لما كان الإنسان المتجبّر اليوم، المُنكِر لربه اليوم شيئا يُذكر ...
وإنه لولا كرم ربّه لبقي كما كان : "هَلْ أَتَى عَلَى الِإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا"
ولكنه خلقه ... وعلّمه ... علّمه ما لم يكن يعلم ...
فلما تنعّم وتعلّم .... كفر بالخالق المُنعِم الذي علّمه ...
وما تزال السورة تتْرى آياتُها قُبالتي وأنا مع هذه المتابعات ... مع هذه الكلمات والاعترافات برفض العالَم أن يُقحَم الخالق الذي علّم في العلم ... !!
" كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ"
لقد أقرّ الخالق سبحانه أن الإنسان يطغى ... وها هو ذا يا ربّنا يطغى ... وهو يرى نفسه مستغنيا عنك ...!
فلا تقبل مختبراته تفسير الطبيعة والكون أي "الخلق" بالقوة الخارقة ... بحقيقة الخلق...!
ولا يجدون بديلا عن النظرية ... ويسمّونها "حقيقة" ... وهم لا يجدون في حقيقة الخلق بديلا عن النظرية وعن التُّراهات، وعن الأوهام والخُرافات ...!! 
وأنّى لهم ذلك ومختبرات العلم لا تعترف إلا بالطبيعة وبالعمليات الطبيعية... اعذروها فإنها  لا تستطيع إقحام "القوة الخارقة" في تفسيرها، وتفسير نشأتها ...
فهي إذن لا تستطيع إقحام "الحقيقة" في تفسير الكون والطبيعة والنشأة .... ولو أنّهم كانوا يُنصفون ولم يكونوا يلتوون ويكذبون ويزيّفون ويُغصِبون، لعرفوا من الصنعة الصانع .... ومن الإبداع المُبدِع، ومن الخَلق الخالق ....
ولكنهم حقا حقا يدّعون العقل وهم لا يعقلون ...!
والأسف ليس عليهم، بقدر ما هو على أهل الإسلام، وأهل القرآن من أصحاب العلم والاختصاص، وهُم بين مؤمن بالتطور كما هو، وبين متأوّل ليجعله مُوجَّها ... لأنه هو ذاتُه موجَّه بالغَرب الذي  يلقّنه علما لا بدّ أن يُقسم بقداسته في كل شيء .... وألا ينتقد منه شيئا ...وألا يحتمل مجرّد احتمال توجيه العلم في هذه النظرية بصفة خاصة لخدمة الكفر بالخالق، ولخدمة الإلحاد ...
لا يخفى عليّ ما يحفظه الواحد منهم عن الآخر، وهم جميعا يُردّدون، ويُدَنْدنون، ويتعجبون ويتحيّرون  ممن يهتم اهتماما كبيرا بنظرية التطور دون غيرها، وبفهمها، وبنقدها ... بل ويصل بهم الحال أن يروا نقدَها نافلة ومَضْيعة للوقت الثمين ...
وأنّه قد بُتَّ في أمرها، وفُصِل وحُسِم، ولا مجال لمنتقِد أن يجد آذانا تُصغي وهو.... مَن هو ؟؟
هُو صوت خاااافت خافت لا يكاد يُسمع بين هَيْلماااان العلماء المقرّين بأن النظرية اليوم قد باتت حقيقة ...!!
ولكنهم لا يعلمون أو ربما ينسون أنّ الحق ليس من اليوم، بل من الأمس البعيد أنصاره قلة قلة قلة ..... ولكنه الظاهر يوما وإن طال الأمد ...
تأملوا ... تأملوا بني جِلدتي وديني ...
تأملوا كيف هُم يقرّون أنّ المختبرات لا تقبل "الخلق" لا تقبل القوة الغيبية الفاعلة الخالقة، ولذلك هُم لا يجدون عن التطور المزعوم بديلا .... !
فهلا كلّفتُم أنفسَكم شيئا، واقتطعتم من وقتكم الثمين الذي لا يضيع أبدا شيئا تستمعون فيه لأهل العلم المُعارضين بالعلم ؟!!
أم أنّ هيلمان التكريس العالمي للنظرية بالمال وبالأعمال قد طغى عليكم أيّما طغيان ؟؟ !!
وإنها ... "اقرأ" ... وإنها : "باسم ربك" ....وإنها: "الذي خلق"
وإن القراءة بلا اعتراف بخالق إنما هي الكذب والدجل على العاااالَم كله ....
فلا تكن ممن تنطلي عليهم الأكاذيب والخُرافات وأنت تظنّ بنفسك تمام الفطنة وكمال العقل والعقلانية .... فإنّه يُؤتى الفطِنُ الحذِق فيما يظنّ أنه حاميه المحتمي به...
هي غيرة عليكم يا بني جِلدتي وديني ... وأنتم تبيعون عقولكم بالكليّة لأبواق التوجيه الأعمى في عالَم يسعى لأن يقرأ بغير اسم الخالق الذي خلق ...!
💡ملاحظة 💡 : من كان من المناصرين للنظرية، فإنني لا أدعوه للإنصات إليّ بقدر ما أدعوه للإنصات لأهل العلم المقارِعين بحجّة العلم ... وأنْ كفاكَ عزما على عدم الإنصات لغير صوتك، ولغير صوت بْرُوبَاجَنْدا نصر هذه النظرية ظالمة أو مظلومة، عنزةً ولو طارت ... فعند الغرب اليوم تيارات معارضة بعلمائها ودَهْمائها ... فلا تكن أنتَ الأكثر وفاء لها منهم ....
ولا يعنيني أن تردّ عليّ، بل أن تردّ على نفسك ... وتتواضع للحق، وألا تعيش على وقع صدمة ضرب ما تلقيتَ بالصفر لو أنّ "كابوس" المعارضةِ  والرفض أقنع عقلَك فطالك ... فإن الحق يستحق إن كنت حقا من طلاب الحق...
وإن من يعارضها ليس أبدا بالضرورة مدفوعا بخلفية دينية تصوّر له الخيال والأوهام  لا العلم، بل منهم عقلانيون علميّون، قرؤوا ولكنهم قرؤوا باسم الذي خلق ... ثم هم قد عرفوا من أين تؤكل الكتف، فلا هُم رفضوا السليم المنطقي العلمي الصحيح، ولا هُم قبلوا ما برمجهم عليه علماء تكريس الخرافة في العالم ...إنهم وقد كرّسوا لم  يقدروا على من قرأ باسم الذي خلق، لأنهم أصحاب عقول تُعمَل في الحق .....
وإنني لا أرقُب ردا ولا ردا على الرد، ولكنني فقط كتبتُ لقوم "يَعقِلون" (Pour ceux qui raisonnent)
#نظرية_التطور
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:48:29
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
2-أ) إنها امرأة حُبلى، طائعة، خاشعة لربها، ومن حبها له سبحانه ها نحن نسمعها وهي تنذر ما في بطنها لله محرّرا، والنذر التزام التقرب إلى الله بأمر من جنس العبادات التي شرعها  لعباده بزيادة فوق ما افتُرض عليهم، من مثل نذر بصلاة فوق صلاة الفرض أو بصيام فوق صيام الفرض.. فهي ذي تنذر ولدها المُقبل محرّرا لله تعالى. وكما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير عن المحرر : " أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم يبق فيه شيء من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان ."
وإني أتأمّل : "محرّرا لله" لأجد لها وقعا خاصا، وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعوث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدّان، ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صُنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر، وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق.
كما أرى في قولها: " إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ما يبيّن مدى تقديرها لربها الذي تعلم أنه الذي يسمعها، وليس يسمعها وحسب، بل يعلم حقيقة ما تُبطن زيادة على ما تُظهر وتُعلن بلسانها.
2-ب) ثم نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية هي الفارقة بين زمان وزمان أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى ".. هكذا نستشعر نبرة التحسّر على وضعها أنثى، ليس لأنها أنثى بميزان الجاهليين الذين كانوا يرون تميّز الذكر عنها في كل شيء، بل لأنّ الأنثى لا تصلح لنذرها الذي نذرت، لا تصلح لأن تكون خادمة لبيت الله تعالى لا تبرحه، وهي التي تحيض وتعجز عن التكاليف الكثيرة والثقيلة ..."والله أعلم بما وضعتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، علمها عن عين اليقين بعد أن رأتْها، ولكنّ الله علمه بها من قبل أن تكون، وليس الذكر كالأنثى ... ليس الذكر الذي تمنّت كالأنثى التي رُزِقَتْها، نستشف أنّ الأنثى هنا هي الفاضل، والذكر هو المفضول، هذه الأنثى وما سيجعل الله منها من خير، ما ستُفضَّل به من أمر الله تعالى، وما ستُخصّ به من دون نساء العالمين هي خير بكثير من الذكر الذي تمنّته امرأة عمران... "وليس الذكر كالأنثى" ... وأيّ أنثى هي ؟!!
وتكمل مناجاتها : " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فأما هذا الجزء الثاني من مناجاتها، فهو الرضى منها بما أعطى الله تعالى. سمّتها "مريم" وهو عندهم بمعنى "العابدة"، وزادت فأعاذتها بالله تعالى وذريتها من الشيطان الرجيم... أي أنها استجارت بالله وألجأتها بحصنه المكين من شرور الشيطان الرجيم .
وفي إعاذتها لها وذريتها بالله من الشيطان إشارة إلى عبادة وطاعة تختصّ بهما امرأة عمران أم مريم، فنراها المرأة التي لا تكتفي بإلجاء مولودتها إلى حصن الله تعالى وحِرزه، بل هي تطمع في أن ينجّي الله تعالى ذريتها من الشيطان، فتكون ذرية صالحة، وربما هذا مطمع من مطامع امرأة عمران العابدة، الطائعة لربها، يجعلها لا تيأس من أن يكون في عقِبها خادم لله تعالى محرّر له، كما تمنّت ، فإن لم يكن في مريم ففي ذريتها من بعدها ... وذلك حقا ما كان ... وإن كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه  : "وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ...." إلى آخر الحديث.  فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شِئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. " –صحيح البخاري-
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:48:52
ماذا تُراها هي فاعلة مريم؟ بمَ تُراها ستردّ ؟ كيف ستكون حالها وقد وَعَتْ ..؟!
"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)"
لقد خاطبتْها الملائكة بأمر ربها إليها، ولكننا نسمعها وهي تنادي ربّها دون واسطة... إنها تعلم أنه سبحانه صاحب الأمر فيمَن أرسل إليها يخاطبها، وأنه سبحانه القريب السميع العليم، فلا نجدها تباشر حوارا مع الملائكة وسطاء أن يبلّغوا الله كلامها، بل تنادي ربّها بلا واسطة ...
"رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر"
كيف يكون لي الولد ولم يمسسني بشر يا رب؟!
إنها تستغرب، وتستنكر، وتُفجَع وهي تسمع ما لم تسمع أنه حدث لامرأة، بل هو الذي لم يحدث لامرأة من قبلها قطّ ! إنه التفاعل البشريّ، وفيه الرَّوع من هَول الخطب وجَلَله، ولكنه التفاعل المُشبَع بالإيمان الثابت الذي لا يتزعزع رغم الصُّروف ... !
كيف ذلك ؟؟ ممَّ نستشفّه ؟ ... أليست جازعة وهي تسأل هذا السؤال ؟ أليست مفجوعة؟؟
بلى هي المفجوعة ولكنها ليست الجازعة... ولنتأمّل...
إنّها لم تصرخ، لم تولول، لم تندب حظّا، ولم تشقّ جيبا ... حاشاها أن تفعل ... حاشا مريم القانتة الساجدة الراكعة التي اصطفاها ربها بالتّقى والهُدى أن تفعل هذا ... وهو الذي إن فعلته غيرُها من النساء وهي تسمع هذا الهول لم تُثْرَب!
ولكن لأنها مريم التقيّة، مريم النقيّة، مريم التي لا يزعزع إيمانَها، ولا يُنقص من جمّ أدبها ورقيّ أخلاقها جَلل... لم تفعل هذا ...  بل نسمعها تسأل، تسأل مستعجبة، مستنكرة، مفجوعة ... ولكن بإيمان، برقيّ، بالذي يليق كل اللياق بمريم التي عرفنا ...
نعم بشريّ تفاعلها، عظيم هو وقع النبأ عليها، عظيم ما ينتظرها، يشقّ على الرجل الجَلد ما ستلاقيه، وتعلم أنها مُلاقيتُه ... ولكنّ رقيّ الخُلُق سابق فيها وسائق ... تعظيمها لربها راسخ في جَنانها، متمكّن من كيانها ...
ثمّ إننا لو تتبعنا تفاصيل قصة إلقاء البشرى إليها في سورة "مريم" لوجدناها تقول حين تمثّل لها الملك بشرا سويا : " ... إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا " –مريم:من18- فهي ذي تذكر أول ما تذكر أن تفرّ إلى الله وتستجير بحصنه المنيع وحرزه المكين من كل ما يثير خوفها أو هلعها، وتراه خارج نطاق الأسباب الدنيوية، مما ينمّ عن سلوك تقيّة قويّة ثابتة الجَنان، مستمسكة بعروة الله الوُثقى...
إنها تذكر الأسباب العادية التي تسبب الولد، وتستغرب أن يكون منها مع انعدام الأسباب، ليس عن عدم تقدير منها لطلاقة قدرة الله ووُسع مشيئته، بل عن حكمة أوتِيَتْها تعلم بها أنّ الإيمان بالأسباب وعملها جزء لا يتجزأ من الإيمان بخالق الأسباب ... "رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر" ...
أفالأنبياء أهل المعجزات أم نحن ؟؟ أفهم أكثر الناس معرفة بالله وبتقديره حق قدره أم نحن؟؟
قد يبدو سؤالا عجيبا غريبا ... !! ولكنّ المشاهَد منّا وما نتلمّسه من فكر يَشي بهذا وبما يقاربه ...الأنبياء نعم هم أهل المعجزات، وهم أكثر الناس معرفة بالله، وبتقديره حق قدره، وهم أكثر الناس معرفة بقدرته على كل شيء ....
ولكنهم هم مَن علمنا الأخذ بالأسباب ... وأنّ الصبر لا يساوي القعود، وأنّ الثقة بالله وبقدرته لا تساوي انتظار المعجزة منه تحدث، وأنّ اليقين من أنه على كل شيء قدير لا تساوي أن أقعد مترقبا قدرته على فعل أي شيء دون أدنى حركة مني، أو أخذ بالأسباب ...
لما دعا زكريا ربه أن يهبه ذرية، فاستجاب له، لم يصمت زكريا صمت من يُخيّل إلينا أن ثقته بقدرة الله على كل شيء، ستجعله بهيئة الهادئ الذي لن يزيد عن أن يقول : "الله على كل شيء قدير" ... بل إنه الذي سأل : "أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ؟"
وما هذا إلا سؤال من يعلمنا أن اليقين من قدرة الله على كل شيء لا ينفي التعجب من خرق الأسباب...كذلك لما أن جاءت مريمَ البشرى بعيسى، لم يكن يقين مريم بقدرة الله على كل شيء حائلا دون أن تسأل وتتعجب، وتخاف، وترهب.... لم يكن ردّ فعلها كما قد يُخيّل لمن يعرف أنها أهل اليقين والإيمان العظيم، هدوءا وردّا لا يزيد عن أن يكون : "إن الله على كل شيء قدير" ... بل قد سألت : " رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر " .... ذكرت الأسباب... وتعجّبت من خرقها لعلمها بدورها ...
وهكذا هم الأنبياء أهل المعجزات، وأقرب من تُجاب لهم دعوة .... يقرّون بالأسباب ويعلموننا دوام الأخذ بها ... بل إن الأخذ بها عقيدة، ذلك أنها من الله، وأنّ الله ما جعلها إلا ليأخذ بها الناس لتحقق أمره سبحانه وحكمه ... أما من أغرق في إغفال الأخذ بالأسباب وركن للمعجزة يريدها ويقرنها بيقينه من قدرة الله على كل شيء .... فما أسرع ما يصدّق بالخارقة المختَلَقة .... وما أقرب الخرافة من تصديقه، وما أحبّ ما تتحقق له مُراداته وأمانيه بالقعود مغلّفا بالدعاء ... !!
وما ذاك إلا من فهم زُجّ به ليُنسب للإسلام وللقرآن ... والقرآن منه براء... براء...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:49:17
إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" -آل عمران-
خصّ الله تعالى بالذكر كلا من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران. هم الذين أعلن سبحانه اصطفاءهم على العالمين، على كل مَن كان في زمانهم. والاصطفاء معناه الاختيار والتفضيل. وإذا تأملنا عرفنا أنّهم صفوة الله من عباده الذين خلق أجمعين، من الأولين والآخرين، ذلك أن أنبياء الله تعالى هم خيرة خلقه والأعلَون بينهم، وهؤلاء المُسَمَّون منهم خاصة هم أصل كل الأنبياء على الأرض .
⭐ فآدم عليه السلام ---->  أبو البشر ومنه كل البشر، فمنه كل الأنبياء.
⭐ نوح عليه السلام ----> أول رسول للناس، جاء بعد أن وقع الشرك فعبد الناس آلهة من دون الله.
⭐ آل إبراهيم----> إبراهيم عليه السلام وذريّته، وهو أبو الأنبياء. وآخر نبوة في ذريته هي آخر نبوة ورسالة على الأرض، تلك التي اختُصّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
⭐ آل عِمران----> هو عِمران أبو مريم أم عيسى عليه السلام.
وبهذا يكون تخصيص هذه الأسماء الشريفة بالذكر إنما هو إجمال لذكر كل الأنبياء عليهم السلام في هؤلاء، هي تلك السلسلة اللؤلئية التي تنتظم فيها حبّات خيار خلق الله تعالى، هُداة البشر لرب البشر. وإنّ في هذا التسلسل بيانا لما يلي :
📌 الله واحد ودينه واحد، وبَعْثُ أنبيائه كلهم كان بدعوة واحدة، لدفع كل التباس وتلبيس على هذه الحقائق، وهو ما جاءت هذه السورة تحديدا لدفعه ودحضه وبيان باطله، كما عرفنا من أوّلها إحقاق الحق ليكون المؤمنون على بيّنة منه، وإبطال أباطيل أصحاب الشبهات والاستمساك بالمتشابهات.
📌 رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذه السلسلة التي لا تنفكّ، ولا يتبدّل جوهرُها ولا تختلف غايتُها.
📌 تأتي الآية 34 لتبيّن بما لا يدع مجالا للشك أنّ هؤلاء ذرية بعضها من بعض :" ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" وأنا أرى أنّ "بعضها من بعض" هنا لا تعني البعضيّة النَّسَبيّة وحدها، بأن يكون أحدهم من صلب الذي قبله، بل هي أيضا البعضيّة العقديّة، إذ تجمعهم رَحِم العقيدة الواحدة والدعوة الواحدة. يقول تعالى : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ  بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ..." -آل عمران: من الآية195-
والعرب تقول : هو منّي وأنا منه ، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة :" فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي "
وهذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى كان لآدم أول ما كان... فيقفز التساؤل حول ماهيّة اصطفائه، كيف يكون آدم مُصطفى بمعنى مختارا من بين غيره وهو أول البشر؟!  وهذا ما دعا عددا من التطوّريين (المؤمنين بنظرية التطور.الموجّه) إلى الاستشهاد بهذه الآية على أنّ هناك سلالة من البشر غير عاقلة كانت قبل آدم عليه السلام.
وردا على زعمهم أقول أنه لا يجب أن نَركَن إلى فهم الاصطفاء على أنه اختيار وتفضيل أحدهم بخاصيّة ما من بين أهل زمانه وحسب، ليس بالضرورة ذلك ...فقد يكون اصطفاء آدم من بين البشر الذين قدّر الله خلقَهم من قبل أن يوجِدهم، والذين كانوا في عالم الذرّ، هذا من ناحية ... كما قد يكون سبب الاصطفاء عند الواحد من المذكورين غير سبب اصطفاء الآخر.
-يتبع بعد قراءتكم هذا بإذن الله..
#اصطفاء_آدم
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:49:56
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

منشورنا السابق كان حول اصطفاء آدم ونوح عليهما السلام وآل عمران على العالمين كما جاء في سورة آل عمران... نواصل في هذا المنشور :
والتفضيل من الله تعالى كان لآدم أول ما كان... فيقفز التساؤل حول ماهيّة اصطفائه، كيف يكون آدم مُصطفى بمعنى مختارا من بين غيره وهو أول البشر؟!  وهذا ما دعا عددا من التطوّريين (المؤمنين بنظرية التطور.الموجّه) إلى الاستشهاد بهذه الآية على أنّ هناك سلالة من البشر غير عاقلة كانت قبل آدم عليه السلام.
وردا على زعمهم أقول أنه لا يجب أن نَركَن إلى فهم الاصطفاء على أنه اختيار وتفضيل أحدهم بخاصيّة ما من بين أهل زمانه وحسب، ليس بالضرورة ذلك ...فقد يكون اصطفاء آدم من بين البشر الذين قدّر الله خلقَهم من قبل أن يوجِدهم، والذين كانوا في عالم الذرّ، هذا من ناحية ... كما قد يكون سبب الاصطفاء عند الواحد من المذكورين غير سبب اصطفاء الآخر.
** فنرى أنّ اصطفاء الله لآدم عليه السلام من بين البشر كلهم كان بإسجاد ملائكته له، وبتعليمه أسماء كل شيء، وبإدخاله الجنّة، ولم يُسجد ملائكته لغيره من خَلقه، ولم يعلّم الأسماء كلها غيرَه... فهذا وجه اصطفائه سبحانه له.
**أما سيدنا نوح عليه السلام فوِفقا للتفسير الذي يرى أنّ الطوفان عمّ الأرضَ كلها، فأهلك كل مَن عليها عدا مَن نجا في السفينة فقد اصطفاه سبحانه بأن جعله أبا البشر الثاني، ولن يكون كذلك بالتفسير الذي يرى أنّ الطوفان إنما خصّ أرض قوم نوح دون بقع الأرض الأخرى، وقد فضّله  سبحانه واصطفاه أيضا بأن جعله أول الرسل من بعد أن أشرك الناس وألّهوا غير الله ما بين زمان آدم إلى زمانه عليهما السلام، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فيما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال المؤمنين يوم القيامة وهم يأتون الأنبياء يستشفعونهم أن يريحهم الله من طول الانتظار، فيحيلهم آدم عليه السلام إلى نوح  بقوله : "لستُ هُنَاكُمْ ، ويذكرُ لهم خطيئتَه التي أصاب ، ولكن ائتُوا نوحًا ، فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ".
**ولقد فضّل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن أخرج من صلبه الأنبياء من زمانه إلى الأزمنة التالية نبيّا عن نبي، فكان منه إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، ومن إسحاق كان يعقوب ومن يعقوب كان بنو إسرائيل الذين توالتْ فيهم الأنبياء، داود وسليمان، وموسى وزكريا وعيسى وغيرهم، ومن إسماعيل كان حبيب الله وصفيّه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم : "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا" –النساء:54-
**كما فضّل الله آل عِمران بأن جعل فيهم معجزة خلق عيسى عليه السلام من غير أب، ولقد اصطفى قبله مريم ابنة عمران لتكون أمّه : " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"-آل عمران:42-  وإذا دققنا فإن اصطفاء مريم على نساء العالمين هو من اصطفاء آل عمران على العالمين.
ولا يفوتُني هنا أن أشير إلى أنّ " ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ " تعني بالإضافة إلى ما سلف أعلاه، بعضيّة أمر الله فيهم، مستحضرة مثلا وهْب الله إبراهيم الذريّة على كبر منه ومن زوجه، كالذي كان في زكريا وزوجه :" قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا  إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ"-هود:72- ، وخلقه سبحانه لعيسى بغير أب كأمره في آدم وقد خلقه من غير أب ولا أم : " إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ "-آل عمران:59-
عن "بعضهم من بعض" جعلتها تصميما على الصورة المرفقة.
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:50:16
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77) -آل عمران-
أولئك :
📌 لا نصيب لهم في الآخرة ولا حظ.
📌 لا يكلمهم الله.
📌 لا ينظر إليهم.
📌 لا يزكّيهم .
📌 لهم عذاب أليم.
أي همّ هو همُّهم وأي غمّ هو غمُّهم ؟!! وأي مصيبة وأي كارثة وأيّ رُزْء هو حالهم !!!
إنهم الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم التي حلفوا بها وأقسموا أنّ ما يتقوّلون به هو من قول الله.. أو بأيمانهم التي حلفوا بها على أن يوفّوا بعهد الله...
فبمَ هم يشترون وماذا هم مشترون ؟
⭐ لنتأمل ... ⭐
لقد اشتروا ثمنا قليلا .. فهل يُشتَرى الثمن ؟!
إننا إذا دققنا وجدنا أنهم قد خرجوا كما يخرج المشتري يحمل ما سيتركه ليأخذ مقابله ما يريد أن يمتلكه... وبالتعبير عن فعلهم بالاشتراء فإن نيتهم نيّة المشتري الذي سيترك ما بين يديه لقاء ما يتمنى أن يمتلكه، فما سيمتلكه لا محالة أكبر في نفسه مما سيتركه وهو هنا عهد الله تعالى وأيمانهم أي حلفهم بالله تعالى على أنّهم الموفّون بعهد الله أو على أنّ ما يتقوّلونه هو من قول الله، ذلك ما خرجوا به يريدون تبديله وتعويضه بما يرونه خيرا منه...! وكذلك كان البائع والمشتري يستبدل كل منهما شيئا بشيء. كلاهما يكون مشتريا ويكون بائعا في آن ...
يصف سبحانه هذا الذي سيشترونه ب:" ثَمَناً قَلِيلاً " اشتروا الثمن، بمعنى أنّ أصل ما فعلوه وحقيقته بيع لا اشتراء، لأنّ قيمة ووزن ما جعلوه قيمة للاشتراء مقابل سلعة -هي عندهم مرغوب فيها بينما المشتَرى به مرغوب عنه- ليس هناك على الحقيقة ما يقابله قيمة ووزنا... أيّ شيء هو أعلى قيمة وأثقل وزنا وأغلى من عهد الله ومن الأيمان بالله ؟!
⭐إذن فإنهم يبيعون وهم يحسبون أنهم يشترون ...!⭐
لقد باعوا عهد الله تعالى وأيمانهم المغلظة على التوفية به بعَرَض من الدنيا قليل، هو الجاهُ الذي لا يريدون له زوالا، والحظوة التي كانوا يتمتعون بها كونهم أهل كتب سماوية وأهل بعث الأنبياء فيهم ... هو تمكينهم لأهوائهم على أنها شرائع الله سبحانه ليعيثوا في الأرض فسادا باسم الدين، وليملؤوها ظلما وتجبرا باسم الدين، وليبقوا على تسلّطهم وتفرْعُنهم لا تقوم لغيرهم قائمة.. ولا يسودهم غيرهم ولا يقودهم غير أهوائهم ...
وإنّ هذا دَيْدنهم ودأبهم  لا يتبدّل عبر الأزمنة، تواصوا به واصطلحوا عليه جيلا بعد جيل... يتشدّقون بأنهم شعب الله المختار، وبأنهم أبناء الله وأحباؤه كذبا منهم وافتراء واستعلاء على عباد الله تعالى الذين لا فرق بين فريق منهم وفريق إلا بالتقوى ...
كما أنّ هذه الآية أيضا تذكّرنا بمُروق يمرقه كثير من المؤمنين بالله وبرسوله عن ربقة الدين مستسهلين متمادين، وأنت تسمع مَن تسمع منهم يغلظ الأيمان ويقسم بالله على كذب غير هيّاب ولا مقدّرا لعظمة اليمين باسم الله تعالى، لا لشيء إلا ليحوز عرضا من الدنيا مهما كبر في نفسه فهو أدنى وأقل وأصغر من أيمان بالله كانت في كذب ... وكثيرا ما يكون ذلك في التجارة ..
ونجد في الصحيح من الحديث عن نزول هذه الآية فيمَن حلف كذبا ... وهذا ما يعلّمنا دوما أنّ تربية القرآن لا تُقيَّد بخصوص السبب بل تعمل عملها بعموم اللفظ، فهي هنا مناسبة تماما لعمل أهل الكتاب، كما أنها أيضا مناسبة لكلّ من هذا فعلُه ...
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :" ( مَنْ حلَفَ على يمينٍ يستَحِقُّ بهَا مالًا ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . ثمَّ أنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلكَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إلى - عَذَابٌ أَلِيمٌ} . ثمَّ إنَّ الأشْعَثَ بنَ قيسٍ خرجَ إلينَا ، فقالَ : ما يُحَدِّثُكُم أبو عبدِ الرحمنِ ؟ فحَدَّثْنَاهُ بما قالَ ، فقالَ : صدَقَ ، لَفِيَّ أنْزِلَتْ ، كانَ بينِي وبينَ رجلٍ خُصُومَةٌ في شيءٍ ، فاخْتَصَمْنَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : ( شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ) . فقلتُ لهُ : إنَّهُ إذنْ يحلفُ ولا يبَالِي ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( مَن حلَفَ على يمينٍ ، يسْتَحِقُّ بهَا مالًا ، وهوَ فيها فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . فأنزَلَ اللهُ تَصدِيقَ ذلكَ ، ثمَّ اقتَرَأَ هذهِ الآيةَ ." –صحيح البخاري-
#آل_عمران
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:05
""وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72)"" -آل عمران-
⭐أبدع تصوير... هو تصوير القرآن العظيم ...⭐
وكأننا نرى إعراضهم بأعيننا، وكأننا نتتبّع خطاهم وهم يتسللون بين المؤمنين، يشيعون أكاذيبهم وأباطيلهم وغاية أمنياتهم أن يضلوهم عما جاءهم من الحق ...
ولكأني ألمحهم وهم يعضّون أنامل الغيظ من الحسد والغيرة ... فهم يسعون سعيهم بكل سبيل بإلقائهم الشُّبهات، وتصيّدهم لما يوقع المؤمنين في شِراك الشك والتململ والاضطراب ...
تمهّلوا ...! فسنجمع هذه الأطراف التي تجعلنا نتحرك حيث يتحركون، ونبصرهم وهم يتحيّنون المكان والزمان لردّ المؤمنين عن الحق ...
أين نحن الآن ؟؟
إنّنا نسمع الله تعالى وهو يخبرنا عن مكرهم الذي يمكرون، وكيدهم الذي يخطّطون له بليل، يخططون له خفية عن أعين الناس جميعا، ولكنّ الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية يفضحهم ويُعلِم المؤمنين بما يحسبه أولئك المجرمون يخفى على العليّ سبحانه !
ولكأني بهم يُتمتمون في ليل مُرخٍ سدوله على الناس فهُم في غيابات النوم والسكون، بينما هُم يظنّون من إجرامهم وانعدام إيمانهم وتقديرهم لله تعالى أنّهم يُسِرّون فلا يدري عن سرّهم حتى عالِم سرّ الأسرار، الذي يعلم دِقّ النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ...
أراهم مجتمعين... تقدح أعينهم شرا ومكرا وتنضح قلوبهم حقدا على رسول بُعِث بالحق فكان سبب انفضاح حالهم وقد لبّسوا على العرب زمنا طويلا أنهم أهل الكتاب الذين نزلت فيهم الكتب من السماء، والذين بُعث فيهم الأنبياء ...
أطِلّ من نافذة كلمات الآية ... فألمح رؤساءَهم وأسيادهم الآمِرين، وهم الذين وصفهم الله تعالى في الآيتَيْن السابقَتَيْن بـ : "وَأَنْتُمْ تَشْهَدُون" " وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " ...
الذين يحملون لواء العلم بينهم، ويحملون راية الشهادة على ما أنزل الله تعالى ...
هؤلاء الذين يُفتَرض بهم أن يقودوا الناس إلى هُدى الله، ويبلّغوه لهم وهم ورثة الأنبياء، هم أنفسُهم مَن يسعى حثيث السعي لإضلال الناس ...! وتلك الطامة الكُبرى ...!!
لنستمع إلى ما يقولون... لنستمع إلى ما يأمرون به مَن هُم دونهم لينفّذوه ...
إنّ الآيات ليُصدِّقُ بعضها بعضا ... إني لأرى كيف هُم أولاء أربابٌ آمرون بغير الحق، يأمرون بغير أمر الله، ويتخذهم المأمورون أربابا من دون الله، وهذا ما جعله الله بَندا من بنود الكلمة السواء التي تساوي بين الكلّ وتجعلهم على عقيدة واحدة صافية نقيّة ...
"آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
هذا قولهم الذي قالوا ... هذا ما حسبوه مستترا عن عالِم السرّ والعلانية، هذا ما ظنوا أنهم يُخفونه ويتسارّون به ولا يعلمه غيرُهم، بينما يكشفه الله تعالى في كتابه، ويصبحون بعد ليل مكرهم ذاك وهم يسمعون المؤمنين يتداولونه فيما بينهم، يتْلُونه قرآنا نازلا حديثاً من ربّ السماوات والأرض ...عالم الغيب والشهادة  ...
هم أولاء يأمرون : اذهبوا، وتسللوا بين المؤمنين، وادّعوا إيمانكم بما آمنوا به، ادَّعوا أنكم منهم، وأنكم مصدّقون بما صدّقوا به وجه النهار أي أول اليوم، ثم عودوا آخره وأعلنوا كُفركم بما هُم عليه لعلّ ذلك أن يكون دافعا لهم ليرتابوا ويشكوا، وينظروا في أمركم وأنتم أهل الكتاب المعروفون بينهم من أزمنة بعيدة، الذين اختصّكم الله بالكتب السماوية قبلهم، وتُعرفون بينهم بالعلم... 
سيقولون ما كان لهم أن يؤمنوا أصلا إن كان الحسد دافعهم في إعلان كفركم، بل لقد آمنوا ثم هُم أولاء يكفرون، ولو أنهم وجدوا الحق الذي عرفوه قبلنا من كتب نزلت فيهم لما رجعوا كافرين بما آمنوا به وقتا ...! لا بدّ أنهم قلّبوا في هذا الدين نظرهم الفاحص وأعملوا فيه علمهم الراسخ ... ولذلك قد تركوه ... !!
وهكذا سنحقّق مأربنا ... سنحقّق أمنيتنا بأن نجعلهم في حيرة من أمرهم وشكّ من دينهم...
إنها الحيلة المُحاكة المحبوكة التي لن تجعلنا موضع اتهام عندهم، بل ستجعلنا أصحاب قرار مُتَّخذ عن علم وعن بحث وعن نظر، وأصحاب نوايا حسنة. حتى أننا دخلنا معهم ولم نستكبر، ولم يكن إعراضنا هكذا من غير معرفة بما عندهم ...!
إنهم بهذا سيضطربون، سيشكّون ... وليس أقرب للتراجع عن أمر من الشك فيه... وهذا ما نبتغي... سيرجعون ...
#آل_عمران
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:21
سبحان الله ...!!
لَكَمْ يأخذني أسلوب القرآن، ولكم يُنعشني... ولكم أجد فيه الرَّوح والرّواح، وأتلمّس فيه الجمال وهو موحّد الأطراف، مترابط التركيب، متسلسل المعاني، متّسق الموضوع...!
فلكأنّ الذي يَطَّوَّف برِحابه الطاهرة ويتنسّم أجواءه العليلة النقيّة يتملّى الكمال في الجمال والوحدة في البنيان ...
إنه ذلك الكتاب العظيم ....
إنه تلك النافذة النورانية التي نُشرف منها على الحقيقة والحق، وعلى الهُدى والرشاد، وعلى النور والضياء... وعلى أصل الكون وأصل الإنسان وأصل الوجود وأصل الخلق ...
هذا الكتاب الذي تَطبع منه الدول والهيئات والمنظمات والشخصيات ذات الطَّول ملايين النسخ لتُوزّع على أسقاع الأرض، شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها ليقرأه الناس في كل مكان ...
هذا الكتاب الذي لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منه...
هذا الذي تُرجِم إلى لغات الدنيا...
هذا الكتاب الذي كثيرا ما يُتَّخَذ هدية للإهداء، ويُتّخذ معها القول باللسان أنه أغلى ما يُهدى! فقط لتثمين الهدية ...!
وكثيرا ما يُهجَر في بيت من بيوت المؤمنين، يغفل أهله عن نداءاته : "يا أيها الذين آمنوا"... فلكأنّه المنادي الذي يُكتَم صوته بأياد كاتمة ... إذ هو لا ينفكّ مناديا، ولكنّ صوته لا يُرفع ببيت ما ظلّت أيادي أهله له كاتمة ...!
ما أكثر ما يُطبع بالكلام الواحد الذي لم يُبدّل، وبالحروف ذاتها التي تنتظم انتظام الدُّرر في العقد الموثّق المُحكَم الذي لا تنفكّ حبّاته ... ما أكثر ما يُتداوَل، ما أسهل ما يقع مؤمن على النسخة منه والنسخة...
هو الغالي الذي لا يُفتَقد، وهو الثمين الذي يُقدَر عليه، وهو النفيس الذي لا يُبذَل لأجل حيازته نفيس لا من جهد ولا من مال ... هو العظيم الذي لا يعسُر على طالبيه ... هو الأعلى الذي لا يستعصي على ناشديه، وهو النور الذي لا يحتكره أحد، وهو الحق الذي لا يُحابي عربيا على أعجميّ ولا أسود على أبيض ... !
هو أغلى ما في الوجود وهو أيسر ما يوجَد ... بينما يستعصي على المرء شيء من أشياء الدنيا ومن عرَضها الزائل لمجرّد أنه الذي تنادى الناس بأنه الثمين ...!!
ولكــــــــــــــــــن .... !
رغم يسر اليسر في حيازته، وتمام السهولة في قراءته، فإن تقلّبنا في الحياة، وحركتنا على الأرض لا تُسمِع منه صدى ولا تترك منه أثرا  ... ولقد كان النبي الذي جاء به قرآنا يمشي على الأرض ...!
وربما ستتعالى الأصوات أمام كلماتي، وكأنها أصوات المنبّهين الموقظين لنائمة مغيّبة ضُرب على أذنيها فهي الذاهبة في نومها عن الحياة ... !  يا هذه ...! أليست مساجد المسلمين تمتلئ بالمصاحف وتغصّ بالقراء ؟ أليست مدارس القرآن تُخرّج كل عام مئات الحافظين والحافظات الموسّمين والموسَّمات بشارات الحفظ والترتيل .. ؟! ويْحكِ أما ترين أم أنكِ فقدتِ ما به ترين؟!
أجل أيها اللائم الموقظ لي من نومي ... أدري ...
أدري أن الحفّاظ كُثُر كما أدري أنّ القراء كُثُر، وأدري مع كل هذا أيضا أنّ المؤمن كسيح ما لم يتحرك بقرآنه على الأرض... كسيح ما لم يجعله مِشكاته على دربه ... كسيح ما جعله حروفا تُحفَظ لا يزيد على الحروف إلا تخريجها من مخارجها ..!!
معذرة... فإنّ جمال العيش مع القرآن نعمة حقيق بي أن أحدّث بها  ...
#تدبر_القرآن
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:50
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86) -آل عمران-
إنها تخاطبنا... تخاطب مسلم اليوم...
مسلم اليوم يخاطبه الله تعالى، ويستنكر عليه أن يكفر بعد إيمانه الذي أعلنه، وبعد شهادته أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وبعد ما جاءه من البينات، هذه البينات التي هي كالنجوم الهادية تصطفّ لنا واحدة تلو الأخرى في معرِض خطواتنا على دربنا هذا ...
مسلمو اليوم الذين لا يخلو بيت كل واحد منهم من مصحف بين دفّتَيْه هذا النور وهذا الهُدى العظيم ..
مسلم اليوم الذي عالج كتابُ الله تعالى أحوالَه المتقلّبة على الأرض وعبر الأزمنة المختلفة وصولا إلى زماننا هذا، ففَحْواه يوائم كل المواءمة ما يعترضنا، ما نستشفّ منه أنه العلم الإلهي العظيم المحيط بكل ما كان وبما هو كائن وبما سيكون ... فعرّفه سبحانه بأعدائه، وعرّفه بنواياهم، وبباطلهم وبدأبهم على إضلاله ...
مسلم اليوم الذي نعرف مع بدايات هذه السورة كيف يعلم عنه ربُّه مدى تمكّن الهزيمة النفسية منه وهو يرى علوّ أهل الباطل وتهاوي أهل الحق والحق معهم وهم ليسوا معه ...!
مسلم اليوم وهو ينبهر ويؤخذ بأسباب الدنيا التي سخّرها الكافر وجعلها طوع يمينه على كفره، ويظلِم ولا يُنصِف وهو يرى السبب في تقهقره وتأخره دينه لا هو ولا تقاعسه ! يرى السبب في تأخّره دينه لا سوء فهمِه لدينه...!
مسلم اليوم الذي يتذمّر من حاله ومن تنكّبه عن ركب الحضارات، فيجعل من الدين مِشْجبا يعلّق عليه أخطاءه وارتكاسه ...!
مسلم اليوم الذي لا يعرف من قرآنه إلا أنه الكتاب السماويّ المقدّس، فمن يجوّد حروفه كثيرٌ ما هم ... وكثير كثير من لا يعرف منه إلا النزر القليل حفظا لا فهما ووعيا وتشربا لمعانيه وعيشا بها ...
اليوم والأرض مفتوحة على مصراعَيها، كل ما عليها في حينه مسموع منظور...
وهذه الشبهات التي يلقيها أهل الباطل بكَلّهِمْ وكَلْكَلهم ألوانا وأشكالا، وهذا الطعن في مقدّساتنا صار مضغة أسنان بني الإسلام أكثر مما هو مضغة غيرهم ... طعن في السنة، وطعن في الصحابة، وطعن في صحة ما وصلنا من صحيح الحديث ... طعن في الأصول بدعوى الموروث والتمرّد على الموروث ... وبدعوى العقل وإعمال العقل، وما هو إلا إعمال الهوى وشطحات الهوى والانسياق خلف كل ناعق يُبهِر ويغرّر بالتجديد وبالعقل وبسيادة العقل، والعقل من كل تلك الشطحات براء ... والعقل أكثر ما جاء القرآنُ يستنهضُه ويستنفره ليعمل وليس عن الإسلام غريبا ليأتي من ينصره اليوم نُصرة مكذوبة تُطيح بالأصول وتستسهل الطعن فيها بانحياز للحرب عليها لا بنظر وبإعمال فِكر ...
وكل هذه الانسياقات، وكل هذا الضعف والشحّ في المؤونة من أكبر مقدّمات تخلي المؤمن عن دينه، وتشبّثه بعرض الدنيا الزائل بديلا عنه !
إنّ هذه الآية تخاطب المسلم اليوم... المنبهر، المنهزم نفسيا، ضعيف الحجة في دينه، فاقد الهويّة ومضطربها... ولقد أعرض المفسرون عن هذا البعد في الآية، وهو واحد من أهم أبعادها، ونعايشه في زمنٍ حالُ شبابِ المسلمين فيه كحال المتفرّج على زهرة الدنيا تتفتح بين أيدي غيرهم وتغدق عليهم بألوانها، يُشبعون شهواتهم كيفما كان من غير رادع من دين ولا من خلق، فيرنو المتفرّج لِما يستمتع به الآخر، ويرى نفسه المحروم المكبوت الذي يحكمه الدين فهو حابسُه عن هوى يصبح به وعن شهوة يمسي فيها ... 
هؤلاء من السهل جدا أن يبيعوا دينهم... وإنّا لنغتمّ في كل حين بأخبار شاب مسلم من هنا ألحد وقد غدا يرى نفسه الحرّ المتحرّر من كل قيد، أو العقلانيّ الذي لا يؤمن بإله آمرٍ ناه،  وتَلُوح لنا علامات من شاب آخر هناك تنذِر بشكّ يسكنه ليس شكّ الباحث عن الحقيقة بل شكّ ضعيف المؤونة شحيح الزاد الذي فعلت فيه شبهة قرأها على النّت فعلها فجعلته متخبطا تائها مسوقا لبحر من الشبهات متلاطم الأمواج تهزّه موجة وتُلقي به أخرى، حتى لم يعد يعرف من نفسه قرارا، وصار نَهب الشكوك التي ضيعته وضيّعت دينَه ... !
ونُفجَع بآخر يخوض مع الخائضين فهو المتحرر من الموروث ومن المُملى عليه، يعارض أصول الدين وينتقدها، لا يريد إلا الهوى دينا وحاكما  ...
وحدّثْ عن المتصدّرين لصفحات التواصل الاجتماعي ولا حرج وهم قد صاروا المفتين والمُلقين بالخلط والخبط على أنه تحرّر العقل ونظر العقل في الدين، وليته كان حقا...!
فأيّ عجب في أن يُستخدم العقل مع الدين ؟! بل هو اللامنطق والهوى والكذب في شكل تقريرات ومراسيم من رسمهم يُضفون عليها صبغة التحرّر، والمتابعون المصفّقون أعداد وأعداد، وكلّهم لا يكلّف نفسَه عناء النظر في قرآنه وفي سنة نبيّه نظر الباحث المتدبّر المتأمل المتبحّر، ولكنه يجد سهلا ومُحبّبا أن يتجرأ متجرّئ ويحمل راية النقد العشوائية الناسفة للأساسات والقواعد، وأنّى لمثله أن يكون تصفيقه عن وعي وهو لا يعرف عن المطعون فيه شيئا ... ؟!
وكم انقلب حال كثيرين من النقيض إلى النقيض، ناصبوا السنة العِداء وتنادوا بالانتساب للقرآن وحده حاملين شعار تصفية الدين من الأكاذيب والخرافة ... ! وكأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أبكما لا يتكلم ! منعزلا لا يُخالِط ! 
وغيضٌ هذا من فيض الشبُهات المقدِّمة للتخلّي عن الدين في نفوس من وجدت فيهم مرتعا وملعبا  ...
#آل_عمران
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:54:19
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

إن مؤمن هذا الزمن الصعب لَأحوج ما يكون إلى سورة 🔸آل عمران🔸 إلى العلم الذي فيها، إلى مقومات الثبات التي نتعلمها منها...
إلى أساليب أهل الباطل والمغرضين في التعرض لأهل الحق بأباطيلهم ليصيّروها باسم السيادة المادية في الأرض حقا ... والمؤمن المهزوم نفسيا، المُحبَط الذي لا يرى لأمته قائمة تقوم، بل هو من نكسة إلى نكسة أكثر عرضة لهذا التشويش ولفعل هذه الشبهات التي نعاين عن كثب كيف نصبح ونُمسي على أخبارها ! وشباب المسلمين الذين يعرفون من القرآن اسمه غافلون عن علم عظيم فيه، كفيل بأن ينجّيهم من مساقط الهوى والضلال إن هم استمسكوا بتدبّر معانيه وجني قُطوفه الدانية... إن هم عاشوا مع الآيات عيش التأمل والتملّي...
مؤمن اليوم الذي يُشنّف أذُنَيه لكل ناعق بهواه وبشطحاته وبإنكاراته باسم التحرر الفكري وتحت راية التشدّق بالعقل الذي لا ينقص عن أصحاب العقول الأولى التي تلقّت الهُدى فعاشت به حركة على الأرض فتحت بها مغاليق البلاد للحق وأضاءت بنورها عتمات الأرض ...
ذلك الناعق بالهوى وهو يقول : هم رجال ونحن رجال ... ! وليته فَعل فِعْل الرجال وهو يتخذ القانون الرباني والدليل الرباني للحياة مشكاة تنير الدرب المُعتِم ... بل إنه ليأخذ من"فلاسفة الأنوار" ما يقارع به نور الله تعالى ! وكله تحت مسمى التحرر والعقل .... !
أما أن يشنّف أذُنيه لكلام رب العباد يريد فهمه وتشرّب تربياته وتوجيهاته، وترتيب معانيه في  حُجُرات عقله، ومراقبة اتساقاته ... فذلك عصيّ عليه، بعيد عن تفكيره....!  كتب "التنويريين" أولى من النور المبين !! تلك ثقافة وفِكر وهذا ثابت قديم لم يعرف كيف يرى فيه نفسه  لو أنه كان قائما بين يديه على درب الحياة يقتبس من نوره لتبيّن الطريق المستقيم ... !
فيا أيها المؤمن متى عرفتَ في القرآن بُعدا عن العقل وعن إعمال العقل والتعقّل وهو لا ينفكّ مناديا بكل هذا، داعيا إليه ... لا يخشى من تعقّل الإنسان وما أنزِل إلا لإشباع عقله ولتنوير قلبه ...
أما إن كنت تريد إلصاق ما شُوِّه من فهم للدين بالدين فأنت المُبطل لا المحق، وأما إن كنت تتباكى وترى نفسك ضحية من يُملي عليك الدين إملاء ويحجر عليك أن تمسّ القرآن بعقلك فذلك منك تباكٍ وادّعاء ولا أحد يُملي على أحد هذا الابتعاد ...
وأما إن اتبعت الهوى تريد أن تجعله فوق قانون ربّ العقول والقلوب فأنت المبطل لا المحق، وأما إن كنت تريد أن تجعل من إرضاء الآخر المتنعّم بأسباب الدنيا غاية من أجل تحقيقها تترخّص وتتنزّل ولا تُبقي لك من الثوابت ثابتا ولا من الأصول أصلا فأنت المُبطل لا المُحق ... !
نعم هذا هو الوعي القرآني ... أن أعي وأتعلم وأعرف وأتبصّر بسعي قديم متجدّد لأهل الباطل وأصحاب الأباطيل لإضلال المؤمنين... ولست أَعيب هنا على الذئب أن يرتع في قطيع غنم بلا حارس ولا مُحترس ولكنني أعيب على صاحب الغنم وهو يغطّ في نوم هو مَسَرّة الذئب وفرحه العظيم ... !
الوعي القرآني الذي يفرّق بين حامل الحق وحامل الباطل، ولا يجعلهما سواء، بل يبيّن لصحاب الحق أنه صاحبه ، بل وأنّ تنوير الآخر دوره ورسالته، وأنّ تقبله للآخر ومسالمته وموادعته لا تعني بحال من الأحوال استسلاما وترخّصا وتنزّلا حتى يتساوى الحق بالباطل...
شيء واحد يوحّد بينهما ويجعلهما سواء ... إنها الكلمة السواء ... كلمة التوحيد، كلمة الإسلام ... تفريق ليس هو التفريق العنصري الذي يتباكى أهل التعايش المزيّف أنّه لا يجوز وأن الإنسان إنسان لا فرق بين من ينوّره الهُدى وبين من يُعتمه الضلال!!
لا يتوقفون في شأن المساواة عند حقوق الإنسان على أخيه الإنسان، وواجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان ...بل يتقدّمون في حنان فيّاض ورقة متناهية ليجعلوا دين الحق والأديان الوضعية سواء ! ودين الحق والمحرَّف من أيادي المتقوّلين على الله وعلى رُسُله سواء، وليجعلوا الثقافات سواء، وليجعلوا الحق الواحد ذا أوجه متعددة حتى لا يقول إنسان بأن أحدا من الناس على باطل، فكلٌّ يعمل وِفق حقّه الذي يراه حقا !!
هكذا يريدون للمؤمن أن تُمسخ خصوصيته، أن تذهب عزّته بربّه وبهُداه ... أن يجعل من التنزّل والتنازل والترخّص في الثوابت والأصول عملا بطوليا يحقق التعايش بين الحق والباطل ... ! فيتحقق السلام المنشود !!
#آل_عمران
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:55:37
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
🔸أولا:🔸يأتي الأمر بالاعتصام بحبل الله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ...
وقد عرفنا من قبلُ تقدمة لهذا بقوله سبحانه : وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
فجاءت : "يعتصم بالله"  وهنا جاء الأمر بـ : " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ "
وإنّ لكليهما المعنى ذاته، فالاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالله تعالى، وحبل الله هو الكناية التمثيلية لأمره لعباده الذي أنزله إليهم، وليس ذلك إلا القرآن الكريم . وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  : "إنَّ هذا القرآنَ مَأْدُبَةُ اللهِ فتَعَلَّموا مَأْدُبَتَه ما استطعتم وإنَّ هذا القرآنَ هو حبلُ اللهِ وهو النورُ المبينُ والشفاءُ النافعُ عِصْمَةُ مَن تَمَسَّك به ونجاةُ مَن تَبِعَه لا يَعْوَجُّ فيُقَوَّمُ ولا يَزِيغُ فيُسْتَعْتَبُ ولا تَنْقَضِي عجائبُه ولا يَخْلَقُ عن كَثْرَةِ الرَّدِّ" –السلسلة الصحيحة الألباني-
وإننا لو لازمنا الربط الذي يُلزِمنا هو ألا نغادره وله وقع وتأثير كبير في تناسق المعاني واتساقها لوجدنا أن :
التقوى وهي الائتمار والانتهاء-----> الأمر بالاعتصام بحبل الله .
ومادامت التقوى هي الائتمار بأمر الله فقد أمرنا بـالاعتصام فوجب أن يكون ائتمار حقّ وتطبيقٍ لهذا الاعتصام بالقرآن لا التشدّق بمعرفة الحروف، أو بالانتساب لأمة القرآن انتساب عنوان : " اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ "
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ
و"جميعا" هنا .. معناها أن يرنوا جميعا لهدف واحد على طريق واحد، مستمسكين بحبل واحد. والعادة أن السائرين على طريق واحد متآنسون، متعاضدون متناصحون . متآخون.
لننظر ... فإذا نحن مع دنيا المؤمنين، ومع تكليف المؤمن وأمره وتوجيهه وتحذيره.. نجدُنا ننتقل باللفظ الصريح إلى معنى "الجماعة"  في الإسلام . 
⭐ومن الفرد إلى الجماعة:⭐
جاءت : " يعتصم بالله " تخصّ الفرد . وجاءت:  "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ " للجماعة . كلهم لا يمسك بعضهم بعضا ولا يتحقق اجتماعهم وتوحّدهم إلا وهم مستمسكون بالحبل الواحد . جاءت الحبل استعارة تمثيلية للشيء الذي يجمع الأفراد يجمعهم لهدف واحد، على طريق واحد ...
🔸ثانيا🔸 : ثم جاءت : وَلاَ تَفَرَّقُواْ   للتأكيد على ضرورة اجتماعهم بالنهي عما ينقض الاجتماع، وما يجعل التشرذم عنوانا . جاءت للتأكيد . فكان الترغيب في الاجتماع والذي يشرّفه أن حبله حبل الله، وكان الترهيب من التفرّق الذي يجعل الجماعة أفرادا متشرذِمين . وهو من دواعي الضعف ومن دواعي تجرؤ العدو المتربص، وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية .
🔸ثالثا🔸 : وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أما الثالثة فهي : أن يذكر المؤمنون نعمة الله عليهم، ويأتي تفصيل هذه النعمة بعد "إِذْ" :
🔹1-🔹  كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً: وهذا ما كان بين الأوس والخزرج الذين دامت الحروب بينهم وهم أبناء عمومة ما يزيد عن مئة وعشرين سنة، كان فيها الاقتتال على أشدّه، هكذا كانت حال يثرب قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، قبل أن يحمل إليهم القرآن هاديا يُتلى عليهم، يأمرهم فيأتمرون، وينهاهم فينتهون .
كان أول ما فعله صلى الله عليه وسلم فور دخوله المدينة المؤاخاة بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وإننا لنذكر من أحداث السيرة المطهرة كيف كان يوم لقائه بمكة صلى الله عليه وسلم بالنفر الستة من الخزرج حينما كان يبحث عمّن يُجيره. استمعوا إليه، وأجابوه فيما دعاهم إليه، وقبلوا منهُ ما عَرضَ عليهم منَ الإسلامِ وقالوا له:  إنَّا قد ترَكْنا قومَنا، ولا قومَ بينَهُم منَ العداوةِ والشَّرِّ ما بينَهُم، وعسَى أن يجمعَهُمُ اللَّهُ بِكَ .
وقد جمعهم الله به حقا. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يذكّر الأنصار بعد حُنَين حينما قسم الغنائم ولم يُعطِهم منها حتى وجدوا في أنفسهم قال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم أجِدْكم ضُلاَّلاً فهداكم اللهُ بي، وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللهُ بي، وكنتم عالةً فأغناكم اللهُ بي"
وهذا التأليف بين القلوب لا يخصّ هذه الحادثة المفصليّة في تاريخ الإسلام وحدها، وإنما ينطبق على كلّ مَن كان الإسلام سببا في حقن دمائهم، وإحلال الوئام بينهم مكان الحروب والتقاتل، وقد عُرف العرب قديما بالتقاتل لأتفه الأسباب . وهذا من نعمة الله تعالى أن يصبح المتقاتلون المتناحرون إخوانا .
🔹2- 🔹وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا
الشفا هو الطرف، كنتم على طرف حفرة من النار، ولعلّ القول بأنه الإنقاذ من النار جائز، إلا أنها وقد جاءت "حفرة من النار" يُبعِد نِسبيا عن ذلك المعنى، لأن النار ليست حفرة بل عالم من العذاب، بذلك أرى أنه الإنقاذ من حفرة يهوي في سحيق عمقها مَن هو مشرف عليها لا يبعد عنها إلا مقدار الشّفا، وأي بعد هو بين الشيء وطرفه ؟! حفرة من نار الفِتن في الدنيا ونار الهلاك بالعَيش فيها على الكفر، لا تقوم للعقل ولا للقلب قائمة من حق ... الموت على الكفر وحده حفرة من نار يقع فيها من يصرّ على كفره ما أحياه الله . حفرة من نار تُرديه وتأخذه للنار التي هي العذاب العظيم والقرار السحيق لا الحفرة ...
وأذهب في ذلك مذهب ابن عاشور إذ يقول: " فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله : تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم... بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً ، وأسرعُها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع... والإنقاذ من حالتين شنيعتين. "-التحرير والتنوير-
وتُختم الآية بقوله سبحانه :  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أن ينقلب الأعداء إخوة، وأن ينجو من هو مُشارف على حفرة النار فيغدو ناجيا وقد أوشك على الهلاك ... كلتاهما آيتان من الآيات التي يبينها الله لعباده، كلتاهما من نعمة الله على عباده المؤمنين، كلتاهما من فعل الإيمان وفعل الإسلام في النفوس ...
رقيّ بالإنسان، سموّ به إلى الإنسانية الحقة، الإنسانية التي لا يُحققها شيء كما يحققها الإيمان في نفوس أصحابه. هل من السهل أن يغدو القاتل والمقتول له أخوَين متحابَّيْن ؟! هل من السهل أن يسود الإخاء والحبّ والتعاضد والتعاون من كانوا بالأمس القريب أعداء متقاتلين، كلٌّ منهم يحيك للآخر خيوط المكر والوقيعة به لأخذه على غرة، أو للانتقام منه ...
لقد تحقق ما كان صدمة لليهود الذين كانوا يلهبون نار الحرب بين الأوس والخزرج، كلما خبت نفخوا فيها ليشتد لهيبها ويحمى أُوارها ...
أليست آيات من الله يبيّنها لعباده ؟! أليست محسوسات يلمسها المؤمنون في حياتهم التي انقلبت أمنا ودعة ومحبة وإخاء وقد كانت حربا ودما مُهدرا لا يطلب إلا الدم، وكرها وبغضاء لا حدود لهما ... ؟!
وأذكر في هذا المقام من حدّثني مرة أنّ المؤمن ليس له من خصوصية العطاء الرباني شيء في الدنيا، لا ينكر خير الآخرة المخبأ له، ولكنه ينكر عطاء يخصّ به الله تعالى عباده المؤمنين ...
وهذه الآية تعلّمنا من خصوصية هذه العطايا الربانية لعباده المؤمنين في الدنيا ... وهم يرون بأمهات أعينهم كيف تُزهِر حياتهم وترتقي حركتهم ....
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  .... كلها آيات للهُدى ... ولعلّ أحدا أن يسأل: وكيف يحدّث الله عن هداية من هو مؤمن مُهتد ... أقول إن علامات الهُدى الذي هو على الهُدى لَتلُوح لي في هذه الآيات، إنها الهداية فوق الهداية التي لا غنى للمؤمن عنها .. إنه التثبيت على الهُدى
ألم يقل سبحانه : " ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ " –البقرة:02-
ألم يقل سبحانه : " ...إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى " –الكهف:من13-
فهو هدى التوفيق الذي يزيده الله سبحانه لمن آمن واتقى وليس هُدى الدلالة الذي كان من الله لكل عباده دعوة إليه .
وهو بعبارة أخرى التثبيت من الله  لمَن لم تخلُ رحلة حياته من آليات الثبات التي يعلمنا الله إياها. وعلى رأسها الاعتصام بحبله سبحانه ... تأملوا الصورة المرفقة .
#آل_عمران
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:57:18
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(111) -آل عمران-
لن يضروكم أيها المؤمنون، حقيقتهم أنّ ضررهم مقتصر على الإيذاء " لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى "  ..
🔸فما الأذى وما الضرر ؟🔸
الأذى أخف من الضرر، هو الضرر غير الجسيم، وهذا هو أذى الفاسقين من أهل الكتاب لكم، فهو إيذاء باللسان بقولهم على الله مقالاتهم الباطلة، وبتأوّلهم في عيسى عليه السلام، وكلّه من الإيذاء الذي لا يحبّ المؤمن سماعه في حقّ الله تعالى... أضف إلى ذلك ما يُلقونه من شُبُهات وتشكيكات في صفوف المؤمنين ...
وعلى هذا فإنّ هذا الأذى منهم غير مُهلِك، وليس له كبير أثر على المجتمع المسلم ...
حسنا... وكعادتنا ...ننظر إلى واقعنا بعين فاحصة، ولا نحبّ أن نأخذ من القرآن خيالات حالمة، ليس لأنه يُملي علينا تلك الخيالات إملاء ...كلا وحاشاه ... بل هو يعلّمنا الحق، ولكن لأنه بدافع من دواخل ونفسيات منهزمة يقرأ مَن يقرأ ما يحب أن يقرأ، لا ما يعطينا إياه القرآن على الحقيقة ... نحبّ أن نقرأ الأحلام والكمالات الخيالية، فنقول ونقرّر أن أمة الإسلام هي القائدة وهي الرائدة وهي التي تحمل همّ الأرض على عاتقها ووو... وليس هذا بالباطل بل هو الحق، ولكن شعرة هي الفاصلة بين هذا الحق وبين أن يقرَّر خيالات ... تلك الشعرة هي الشروط ...
إن هذا لمتحقق وكائن وصحيح، ولكن ليس من فراغ ولا من تشدّق بالكلام، بل بشروط يجب توفّرها أولا، وما لم تتوفر فلا يكون شيء من ذلك ... وكما أسلفت فإن القرآن لا يقول بتحققها جُزافا، بل يبيّن تلك الشروط أيّما بيان، ويضعها الأُوْلى، ويضعها اللبنة الأساس التي يأتي بعدها الأمر للأمة أن تضطلع بدورها وأن تقوم بمهمّتها، فلا يأمرها الله بأن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر قبل أن يعلّمها شروط تحقق ذلك منها... عدم طاعة أهل الكتاب، الاعتصام بالله، والاحتكام للقرآن وللسنة النبوية، تقوى الله حق التقاة، الإيخاء، التآلف، عدم التفرّق ... لا يأتي شيء من أمرها بالقيام بمهمتها قبل أن يورِد كل هذه الشروط تِباعا ...
فمَن قال بوَرْديّة حال الأمة وقرّر أنها الخيّرة على الإطلاق وتحت كل الظروف، وفي كل الأحوال دون أن يكون تركيزه على تلك الشروط، ودون أن تكون دعوته الأولى لتحقيقها قبل أن تكون دعوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد حلم، وقد جرّد حقائق القرآن من ثوابتها ومن دعائمها
وها هنا في واقعنا... ونحن على ما نحن عليه من ضعف وهوان وتداعي الأمم علينا، ومن تفرّق وتشرذم، ومن عدم اعتصام بهَدي القرآن، ومن اتّباع للأهواء على أنها الحرية إلى حدّ حبّ الانعتاق من أسر الأمر والنّهي والتكليف الإلهي، ونحن على ما نحن عليه من هزيمة نفسية جعلت ضِعاف الشخصية من المسلمين وأصحاب هويّة العنوان من الإسلام حُثالة تقتات على فُتات موائد الغرب وتتمسّح بأحذيتهم على أنهم في القرار والتقرير سادةٌ وهم لهم العبيد ...!
ونحن على هذه الحال من التبعيّة العمياء لأصحاب القوة المادية... ونحن على هذه الحال من الانبهار بهم وبقوّتهم وبامتلاكهم لأسباب الدنيا ... !
وهي ذي حالنا هل يبقى أذاهم أقلّ درجة من الضرر ؟!
إنّ الآية تقرّر حقيقة حال من أحوال أهل الكتاب إزاء المسلمين ما توفّرت شروط القوة في المسلمين، وما توفرت فيهم الأمة الرائدة بقوة في داخلها معلومة، ذكرها القرآن وعدّد أسبابها التي تحقّقها ... حقيقة أنّ ما يلحق المسلمين منهم وهم في قوة ومَنعة لا يعدو الأذى، الأذى باللسان، بالشُبهة التي لا يتردّد لها صدى ولا يبقى لها أثر بين مسلمين مستمسكين بأسباب قوّتهم...
أما والحال على ما نحن عليه فإن الأذى منهم بوزن الضرر وأكثر .. وهذا ما نلمسه واقعا مُعاشا ... الشُبُهات التي يُلقون، والتي يتلقّفها المسلمون، تترك أثرها في نفوس كثير من شباب المسلمين اليوم، تترك أثرا قويا مُخيفا يُطيح بإيمانهم ويجعلهم كالقشّة في مهبّ الريح ...
وأنّى للقشّة أن تقاوم وهي التي لا تملك من ذاتها قوة ولا تملك من ذاتها مَنعة ؟!
أنّى للمسلم القشّة أن يقاوم عقلُه الشبهات ؟! وأنّى للمسلم القشّة أن يقاوم قلبه الشهوات ؟!
وأنّى لأمة لم توفّر عوامل قوّتها، فداخلها ينخره السّوس وتأكله الأرَضة أن تقاوم الشبهات والشهوات ؟! أنّى لأمّة لم تعرف من قرآنها غير العنوان وغير التشدّق بامتلاك دواء دون معرفة لطريقة تناوله ليخالط الدّم ويسري بين العروق العطشى أن تقوم وتقاوم ؟!
لقد أصبح أذى اللسان منهم داء عُضالا يعاني منه مسلم القشّة الذي لم يُحسن كيف يتعلم من قرآنه، وكيف يكون متكأه وسندَه وسلاحه ضدّ كل شُبهة ... لم يُحسن كيف يرتّب دلالاته ولا كيف ينظّم إرشاداته وتعليماته في عقله ترتيبا وتنظيما يكوّن له قاعدة مُنطلَقه في الحياة ...!
لم يُحسن كيف يجعل منه مشكاته على الدرب، فظلّ خائضا في العتمة يرفُس ويعفس لا يتبيّن حجر عثرة من حجر كريم مشعّ ثمين يزيده على الدرب قوة ونورا... لا يتبيّن حقا من باطل ...!
إنّ جذر علّة الأمة لا يكمن في غياب أو تغييب الأمر بالمعروف فيها والنهي عن المنكر، بل يكمن في عدم استمساكها بالأسباب التي تؤهّلها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك هو الجذر الذي مكمن الداء فيه، وبسببه لم تستوِ شجرة الأمة على سوقِها، ولم تينَعْ لها ثمار ...
إنّ الجذر يفتقد للغذاء من أصل الأرض ومن جوفها، يفتقد للماء المُحيي... ولذلك لم تظهر للشجرة علامات فوق الأرض ... فكيف يكون لها ثمار ولا عود للأغصان على الأرض ؟!
نُدندن أن العلة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول علتنا ضعف كبير في التنشئة على تربية القرآن التي تؤهل للاستمساك به حبلا متينا منقذا ... تربية القرآن التي تؤهّل للأمر بالمعروف ولتقبّل الآمر بالمعروف، وللنهي عن المنكر ولتقبّل الناهي عن المنكر ...
فكفى ظلما للإسلام وإلصاقا لجُرم السّدر في الأحلام والتّيه في الأوهام والترنّح في عالم الخيال بالإسلام، وهو من ذلك كله براء  ... !
وهو الدين العظيم الذي يجعل العيش في الواقع، ولتبيّن أسباب ما عليه الواقع،  ويدعو لتغيير الواقع، وهو يصف تركيبة الدواء الشافي مركّبا بمركّب... ولا يدعو للسبح في خيالات شجرة السؤدد والعزّ من غير جذر مُغذّى بنور الوحي، ومن غير جذر مُسقى بماء الوحي ...!
نعم ... إنهم لن يضرونا إلا أذى باللسان...بالشُبهات التي يُلقونها لغاية الإضلال، ولكنّ أذاهم كان كجُهد الساعي بلا نِتاج لمّا كانوا يجدون قُبالتَهم جبالا شُمّخا أقامها الإسلام وأعزّها، وأغصانا حُبلى بيانِع الثَّمَر رواها القرآن وغذّاها الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وحركة بالقرآن على الأرض...
كان جُهدهم وسعيهم هباء عندما كانوا يجدون من اتبع تلك الخُطى النورانية واقتفى أثرها بإحسان ... وسيكون جهدهم وسعيهم بالإيذاء هباء ما وجدوا تلك الأمة القوية القائمة بوحي السماء في كل زمان ... ما وجدوا تلك الأمة التي يعمل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملهما، فينكر المُنكِرُ ويأمر الآمِرُ وهو المتقبّل، وقد أنشأت -أولا وقبل كل شيء- بكل منظومتها المجتمعية أسرةً ومدرسةً وشارعاً وسوقاً وهيئةً وإدارةً تربيتُها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . عندها سيكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورهما ... عندها ستقوم الأمة بدورها ... متى وفّرت لنفسها بنفسها السلاح اللازم والقوة اللازمة والعُدة اللازمة ...
#أصل_الداء
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:29:19
خواطر سنة 2017

 
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:33:24
في سورة النازعات..

كلمات قليلة...سطران ...
ما هي إلا ثلاثة أسطر فإذا أنت قد عرفتَ الأمر من الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام، وسبب الأمر، ثم تنفيذ الأمر من موسى، يدعو فرعون ويدعم دعوته بالآية يريه إياها.. ثم ردّة فعل فرعون، وثورته...ثم مآله ... !

كله بجوامع الكلِم، سريعا يصلنا...
بليغا، قويا، معبرا، بل ومصوّرا للأحداث أبدع تصوير، وكأنها للعَيان ماثلة ...

{اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ (17) فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَىٰ (20) فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَىٰ (22) فَحَشَرَ فَنَادَىٰ (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ (24) فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَىٰ (25)} [النازعات : 17-25]

تأمل الحق وموسى عليه السلام يَأمره ربُّهُ بتبليغه فرعون... فقل : "هل لك إلى أن تزكى وأهديك إلى ربك فتخشى"

كلمات قليلة ... هل لك في طهارة تُذهب رجس نفسك، وأدلك على ربك فتخشاه...

موسى ذلك الطريد الفارّ من مصر إلى مَدْين، وفرعون يأتمر به ليقتله...
موسى الذي مكث بمدين عشر سنوات...
وفور عودته ها هو ربه يأمره أن يذهب داعيا لمَن كان سبب فِراره وهجرانه أرضه ...

فيأتمر موسى بأمر ربه، ويذهب إلى فرعون، ويدعوه...

بكلمات قليلة...ولكنها ظاهرة الحق، قوية...
 إذ الحق من ذاته قوي، أبلج، ساطع... له أثر...

فكيف كان ردّ فعل فرعون ؟!!

كذّب، وعصى....

أدبر يسعى......

إنني لأراه مُهتاجا، ثائرا، خائفا... متزعزعا... دمغ الحقّ باطلَه، فأفزعه، وروّعه... بكلمات معدودات...

أفقده الجلد ...!!

ثم أدبر يسعى...

فحشر فنادى .... !!

جمع الناس، وكان الأمر بينه وبين موسى عليه السلام، ولم يكن على مرأى من الناس..
أُمِر موسى به وحده، ولكن الكلمات القليلة أفزعته.. فحشر الناس، ونادى فيهم فزِعا:"أنا ربكم الاعلى" ..

لقد خاف من موسى ودعوته...
خاف، وقد عرف في كلمات الحق قوة خشيها على ملكه، فهرع يحشر وينادي...
يثبّت دعائم ملكه بكذبه وادعائه، وهو خائف، مهزوم... !!

فلننظر إلى الحق وهو لا يحتاج إلى صياح ولا إلى هياج، بل قوته منه...في ذاته..
بينما الباطل يستقوي بالصياح والهيجان...
يستقوي بالصوت، بالترهيب والترعيب..

الحق بكلمات قليلة فيه البيان..
ويكفيه أن يعلن عنه صاحبه بهدوء .. كما تُسفر الأرض عن خضارها ونمائها في صمت، بينما ينفجر بركان الحِمم المُهلك مزمجرا غضبانا مهتاجا .. !!

يااااه... !!
أيها الطاغية المتألّه فرعون... كم يكشف القرآن ضعفك وخوفك... كم يُبدع تصويره... حتى لكأني بك المعتوه، الهالك من ساعتك... !!

وكذلك أهل الباطل ضعفاء ، بيّنٌ ضعفهم وإن تترسوا بالدبابات والمزنجرات ... !!
بل إن دباباتهم وطائراتهم وأسلحتهم الفتاكة لصَوت باطلهم الراجف، وصولات فزعهم واهتزازات روعهم، ودقات قلوبهم الواجفة... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:34:14
سورة النبأ ...

عمّ يتساءل هؤلاء المكذبون ؟ عن القرآن وما حوى، وما جاء به من أنباء البعث ويوم الحساب، يوم يقوم الناس لربهم سبحانه مجازيا ومعاقبا إياهم  ...

لنتأمل ... !

كلا سيعلمون، ثم كلا سيعلمون ...

لنتأمل ... !

إنك بعد هذا التأكيد على أن المكذبين سيعلمون، ثم سيعلمون... لَتنتظر أن يجيبك سبحانه بتفاصيل ما سيعلمونه... ما الذي سيعلمونه ؟ ما الذي من المؤكد أنهم سيعلمونه؟!!

ولكن الإجابة ليست عما سيعلمون ... !
إنك تترقب تفاصيل "سيعلمون" ... تترقب بشغف كبير تفاصيل ما سيعلمون ..

ولكنه سبحانه لا يأتي بتلك التفاصيل أولا...
لا يأتيك بالغيب حتى يأخذ بيد عقلك إلى ما يجعلك تصدّقه... لا تستبعده...
يأخذ بيد عقلك لتتمثل الغيب، لتتمثل اليوم الذي سيعلمون فيه... لتعقل أن هذا اليوم وما فيه ليس ببعيد عن قدرة الله... بل إنه الحق لا محالة ...

لنتأمل... !!

فإذا الله سبحانه يأخذنا إلى حيث يعمل العقل، ويستنتج، ويعقل، ويفهم...
يأخذك سبحانه إلى ما حولك ... إلى ما يحيط بك... إلى مجال عمل عقلك..
انظر ... انظر حولك... إلى الأرض التي مُهِّدت لك...
إلى الجبال وهي أوتاد تضرب في أعماقها لتمسكها أن تميد بك...

انظر أليس يعقل هذا عقلك ؟

انظر حولك...
ألم يخلق الإنسان بزوجه ؟ وجعل له النوم، والليل لسكونه وراحته، والنهار لحركته ومعاشه، وبنى فوقه سبع سماوات...
وبالسماء شمس مضيئة... وسحب تُنزل بامر ربها ماء ...

 ثم في عودة جديدة إلى الأرض ..

هكذا في رحلة سريعة من الأرض بمُسخّراتها للإنسان إلى السماء بمُسخّراتها للإنسان... ثم في عودة جديدة للأرض ومُسخّراتها للإنسان ...

هكذا أيها الإنسان رحلة سريعة، ولكنها براحلة ثقيلة... تأخذ المخلوق المُكرَّم وما خُلق له سُخرة بين السماء والأرض...

فيا أيها العاقل...... ها أنت تعقل كل هذا ...
وتصدّق... وتقرّ أنه حق.. وأنك تعيشه وتحياه...
أرض وجبال وسماء وشمس وسحب وماء يسقي الأرض ويُخرج النبات ...

فمن خلق هذا كله من عدم، وخلقك من عدم، وأنت تعقل كل ما حولك ... أفيصعب ويشقّ عليه سبحانه أن يبعثك من مرقدك... وقد كنتَ من قبل بعثك ؟ بينما لم تكُ من قبل إيجادك شيئا مذكورا ...

أفخلقك وخلق الكون من عدم أعياه سبحانه ليُعييه خلقك الثاني وقد كنت من قبلُ حيا ؟! ...

تأمل كيف يأخذ عقلك أولا ليستدلّ على قدرته سبحانه على بعث جديد من قبل أن يقرر أمر البعث عندك ...
إنه لا يأخذك إلى أنباء البعث حتى يحرك عقلك، وكأنه يقول لك لن أفجأك بالغيب حتى تجد بعقلك ما يقرّبه لك، ما يجعلك تصدّق وقوعه...

عقلك لم يُخلَق ليعقل الدنيا وحدها، بل ليقرّب لك صورة الآخرة...

تصل لربك بعقلك... بما يحيط بك من خلقه وأمره، وتؤمن بالغيب بعقل عرف ربه وقدرته، فلم يجد عجبا من الذي خلق فسوى، وقدر فهدى  أن يبعث منَ خلق في خلق جديد ...

إنه لن يخبرك: " إن يوم الفصل كان ميقاتا" حتى يحرك عقلك لتصل به للإيمان بيوم الفصل، كما وصلتَ به لربك...ملك يوم الفصل...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:40:56
في سورة النبأ...

"جزاء من ربك عطاء حسابا"
سبحانه الذي يجازى المتقين عطاء من عنده وتفضلا وزيادة و "حسابا"...  ومن معاني "الحساب"  العطاء الكافي حتى يقول المُعْطَى "حسبي" أي اكتفيت...

هو رب السماوات والأرض وما بينهما ...
هو "الرحمن" ...

أيُّ اسم لله تعالى جاء مع هذا اليوم العظيم ؟!

إنه : "الرحمن" ... لم يأتِ "الملك" لم يأتِ "المنتقم" ...
لم يأتِ "الحسيب" ...

إنه "الرحمن" ... 
ولكنه الرحمن الذي لا يملك أحدٌ أن يخاطبه، من هيبته وعظمته، وجلاله، من تمام عدله... وطلاقة قدرته، وانتهاء الأمر له وحده...

"الرحمن" صفته اللازمة... صفته التي كانت لهذا اليوم العظيم، ذي الأهوال والأهوال والأهوال... !

الرحمن في يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون...
لا يستطيعون كلاما من الخشوع، والخضوع، والطاعة الكاملة... والتقدير العظيم لرب ذلك اليوم العظيم ... لمليكه...
للذي يقضي بقضائه وحكمه، للذي تُطوى السماء بأمره، وتُسيّر الجبال بأمره..  وتُسعَّر الجحيم بأمره... وتُزلَف الجنة بأمره ...

لليوم العظيم الذي تجلّى عن النبأ العظيم الذي كانوا فيه يختلفون !

ولكنه "الرحمن" .... !
الذي لا يملك أحد أن يخاطبه ... ولكنه "الرحمن" .... !

الروح والملائكة لا يتكلمون إلا من أذن له "الرحمن" ...
لا ينبسون بكلمة بغير إذنه ... ولكنه "الرحمن" ...

وفي طه : وخشعت الأصوات "للرحمن" فلا تسمع إلا همسا .

رحمنٌ في يوم الأهوال...

فسبحان رحمنِ يوم الأهوال ... !
سبحان مَن لا يملك أحدٌ منه خطابا وهو الرحمن...!
وسبحان من لا يتكلم أحدٌ إلا بإذنه وهو الرحمن...!
وسبحان من تخشع له الأصوات وهو الرحمن... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:42:52
  :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

الحكمة هي ما ينشد صاحب العقل الراجح، لتكون رأس تفاعلاته وتصرفاته إزاء ما يعرِض له من أحداث ..
خاصة عندما يجد الإنسان نفسه في قلب حدث تندفع له العاطفة، (وهنا أحب أن أنبه أنني لا أقصد الخوف الهستيري من العاطفة بحيث يترصد صاحب هذا الخوف لها وكأنها العدو، فيُصيّر من نفسه عبثا آلة لا إحساس فيها بدعوى "التعقّل" وهذا بحد ذاته شطط ومُجانبة للحكمة إذ أن العاطفة جزء من تركيب النفس البشرية ولا نريد إلغاءها بالمغالاة، ما نريده هو ترشيدها، وألا تكون الحَكَم في التصرفات، وكلّنا نريد أن نتربى على هذا)

أقول عندما يجد الإنسان نفسه في قلب حدث تسارع العاطفة لتكون فيه الحكَم، فإن كان ممن ينشد الحكمة تروّى، وتأنّى وتمهّل حتى لا يكون حكمه عاطفيا بعيدا عن ميزان العقل ..
وإن هذا التأني والتروي يُحيله إلى العقل، فيسمح له بالتفكير في عواقب الأمر، ويسمح له بالنظرة البعيدة الثاقبة، ويسمح له برؤية الأمر على حقيقته وبجوهره لا على مظهره ...
فلنتأمل بعضا من الأحداث ... وتفاعلات أصحابها ..

📌عائشة رضي الله عنها حينما رُمِيت بأخطر وأصعب وأشنع ما تُرمى به المرأة العفيفة في حادثة الإفك، حينما انتهى إلى علمها خوض الناس بعِرضها وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بخوضهم لشهر كامل، قضت ليلتين في بيت أبيها لا يرقأ لها دمع ولا تكتحل عينها بنوم من هول الصدمة وألم الجرح في نفسها وهي العفيفة الطاهرة المحبة لزوجها العظيم، تخشى على علاقتها به نسيم الهواء العابر...

هي ذي لأول مرة بعد شهر كامل ويزيد من خوض الناس في عرضها ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس إليها، فيضعها بين أمرين، فإن كنتِ بريئة فسيبرئك الله، وإن ألممتِ بذنب فتوبي واستغفري...
وتُصعَق عائشة وهي التي تسمع من زوجها ما يشي بأنه يحتمل منها وقوعها في الذنب... !!
وأي صدمة أشد عليها وقعا من سماعها هذا الكلام منه بعد شهر لم تكن تدري فيه أنه يدري، ولكنها عرفت فيه جفوة منه لم تتعودها وإن كان يسأل عن حالها "كيف تيكم؟"

عائشة عند سقوط الصاعقة الكبرى على قلبها، حكّمت عقلها... في قلب المصيبة، وفي قلب مرارتها، في أوج مرارتها حكّمت عقلها... وجنحت للحكمة، فرشّدت عاطفتها، وعلمت أنها لن تكون الحَكَم الصحيح في أمرها، ولن تُجديها نفعا ...

في قلب المصيبة وتَداعي أهوالها تقول عائشة :"قَلَصَ دمعي" بمعنى أنها لم تعُد تجد منه قطرة، عندما صُعقت بالصدمة الكبرى من فم زوجها الحبيب نبي الأمة العظيم رقأ دمعها، وحكّمت عقلها، فالتفتت إلى أمها، إلى أبيها تسألهما أن يجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يقولا شيئا يدفع عنها التهمة...

عندها ..عرفت أن الأمر قد وقع في نفوس الجميع موقع التصديق... فلم تزد على أن تكلمت تخبرهما بما فهمت من أحوالهم، أنهم قد صدّقوا، ولو أنها قالت لم أفعل لكذّبوها، ولو أنها قالت فعلتُ لصدقوها، واعتزلتهم بعد كلماتها القليلة ... ولجأت إلى الله وحده، وقد قوي يقينها أن الله مدافع عنها دون كل خلقه، دون أقربهم إليها، دون زوجها النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودون أبويها...!
هكذا بكلمات قليلة، وبجَلَد ظاهر، وبقوة، تحسم عائشة أمرها، فلا تندب حظا، ولا تشق جيبا(حاشاها)، ولا تُبِحّ صوتا بالعويل والصراخ، واستصراخ النجدة، وتوسل التصديق من هول التهمة التي رُمِيت بها... ولترَ كل امرأة في نفسها ... فإذا هي الأقرب من هذا منها إلى حكمة عاشئة ... ! :)

لم نعرفها تستجدي زوجها وهو مَن هو، ليصدقها باكية ملوَّعة، لم تقسم أيمانا، ولم تُقم الدنيا لتدلّل على براءتها من أفظع تهمة تُرمى بها المرأة العفيفة ...
بل لقد قالت كلمات معدودات من بعد ما عرفت حال مَن حولها... ثم فرّت إلى ربها مستيقنة ... !!
وعندها ... عندها تحديدا ...في تلك اللحظات ينزل الوحي مبرئا لها، وكم استبطأه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ينتظر نزوله شهرا كاملا، ولم ينزل ... عندما تصرفت عائشة بالحكمة في أمرها لا بالعاطفة...

فكان رأس الحكمة يقينها بربها جلّ في عُلاه، وفِرارها إليه وحده في ساعة عُسرتها وهي زوج النبي، كما حكّمت عقلها في ردّة فعلها ولم تدَعْ للعاطفة من مجال للإكثار من غير ما فائدة تُرجى ...
وهذا موقف من المواقف التي أحببت مشاركتكم تأملها .... عندي مواقف أخرى تصبّ في مجرى الحكمة في التصرف إزاء ما نَعرض له ...و حتى لا أطيل عليكم وأُكثر أرجو المتابعة مع المنشور الموالي قريبا بإذن الله :)

#الحكمة
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:44:07
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في نِشداننا للحكمة وللتعقّل والتفكير بعواقب الأمور قبل الاندفاع العاطفي، عرفنا في منشور سابق حكمة عائشة رضي الله عنها في حادثة الإفك، وهذا رابطه :

https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

أما اليوم فمع الموقف الثاني...
في صلح الحديبية، حينما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرسل سفيرا إلى قريش يُعلمها غاية النبي صلى الله عليه وسلم من زيارته، وأنه ما جاء إلا مسالما لا مُحاربا، وأنه يريد أن تُمدّه وتُخلّي بينه وبين الناس، وقد ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه المهمّة عمر بن الخطاب رضي الله عنه .

فأما ابن الخطاب فكان له من هذا الاختيار موقف، إنه لم يقل هذا اختيار النبي صلى الله عليه وسلم ومالي حِياله إلا التسليم والطاعة دون أن أنبس ببنت شفة، بل لقد أفصح لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليس بالرجل المناسب لهذه المهمة، وأرشده إلى عثمان بن عفان بديلا عنه، بل قال عنه أنه الأصلح لها ... !

قال :"يا رسول الله، ليس لي أحد بمكة من بني عَدِي بن كعب يغضب لي إن أوذيت، وقد عرفتْ قريش عداوتي إياها وغلظتي عليها، ولكني أدلك على رجل أعزّ بها مني عثمان بن عفان، فإن عشيرته بها، وإنه مبلّغٌ ما أردتَ."

أولا : لم يكن رأيه المخالف لاختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم له عن عصيان لأمره، بل عن إشارة عليه، وقد علمهم المعلم الأعظم أن الأمر شورى بينهم في غير ما هو وحي.

ثانيا: لنتأمل فإذا عمر رضي الله عنه يقول : "ليس أحد بمكة من بني عَدِي بن كعب يغضب لي إن أوذيت" .

فهل خاف عمر رضي الله عنه على نفسه الموت ؟ وهو الذي كان من أوائل المقتحمين في كل خطب، في كل غزوة من الغزوات، لا يخاف موتة في سبيل الله تعالى، بل يتمناها غير هيّاب ..

ولكنه يعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد صلحا، ويقرأ عمر بعين فاحصة متعقّلة أن هذا الصلح يستدعي مظاهرة ومساندة وتقوية وتعزيزا، وهو لا يريد أن تفتقر الخطوة لهذا فيكون الضعف بدل القوة، ويحلّ الريب من جدواها بدل بذل الجهد المتاح في تعزيزها وتوكيدها من كل جانب ..

💡لنتأمل، إنه لم يفرح بالبعث، وبنَدْب رسول الله صلى الله عليه وسلم له دون كل الصحابة، فيفخر بها ويسارع إليها مسارعة من يقتنص فرص الأجر والثواب، ويسارع إليها مسارعة من همُّه إرضاء الرسول صلى الله عليه وسلم دون تفكير وتمحيص، ودون إشارة بما هو أجدى وأنفع للرسالة وللإسلام وللمسلمين وعزّهم، قبل أن يفكّر بنفسه ...

لم يكن عمر رضي الله عنه ذلك الرجل الذي لا يفكّر بالعواقب....
وقوله أنه لن يجد بمكة من يغضب له إن هو أوذي، أراد بها أن يبيّن لرسول الله صلى الله عليه وسلم نقطة بالغة الأهمية ليست في صالح ما يريد من هذه المهمة . ذلك أنه وهو يغدو هناك المطارَد والمُبغَض الذي لا يُرحَّب به، بل يُترصّد له لن يساهم في تحقيق الغاية التي نشدها رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعثه، بل سينقلب الأمر عكس ما أراد، وهو لا يريد أن يهِمّ المسلمين بهمّ رجل تؤذيه قريش، بل يريد أن ينتقل المسلمون في الخطوات بما يعود على الإسلام بالفتح لا أن ينكصوا على أعقابهم...

💡 لنتأمل أيضا ... يقول أن قريش قد عرفت عداوته إياها وغلظته عليها، وعمر بهذه زعيم، وغير مُنكِر لها، ولكنه في هذا الموقف تحديدا لا يرى في حالته تلك مناسِبة لبعثة يُراد بها الصلح، وعمر كما نعرف، لا ينفكّ شديدا في الحق، وعرفنا له مواقف كان يقضي فيها بالأشد، فهو يخشى أن يكون على تلك الحال في بعثة يُراد منها صلح ومسالمة ...

فلننظر إلى هذا الرجل المفكّر، إلى هذا الرجل المتعقّل، والذي تُتاح له فرصة فيها مما يحب من الأجر والثواب وخدمة الإسلام، ولكن تفكيره لا ينحصر بنفسه، ولا بعاطفة تستبق الثواب، بل يحكّم عقله لصالح الإسلام ولصالح الرسالة، ولصالح ما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعث السفير. ولئِن يُؤجر على إشارة يشير بها ليس له فيها من حظّ أعظم وأوفر عند الله من مسارعته لأجر فرد واحد تكون العواقب بعدها وخيمة على الجماعة ...! فلنتأمل :)

💡 لا بل ويزيد، فيشير على رسول الله صلى الله عليه وسلم بغيره، يقول أنه أعزّ بها منه، عثمان بن عفان، ويوضّح ويُبين أنّ عشيرته بها وهي من المكانة في قريش بحيث تكون المُظاهرة والمؤازرة، وأنه مبلّغ ما أراد ...

لم يفكر بأنانية، ولا باندفاعية، ولا بحبّ سبق-لا على وجه المراءاة وعمر أبعد ما يكون عنها-، بل حتى على وجه العمل الخالص الذي يجني به الثواب، لم يقل أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدراك ما هو يختاره، ويكفيه هذا ليكفّ عن كل محاججة...
بل هو يعرف من نفسه ومن مكانة قومه في مكة، ومن موقفه من رجال قريش ما يجعله يشير بغيره وهو يراه أكثر أهلية للسلام، ولتبليغ رسالة سلام ... فلا يندفع، ولا يجدها فرصة ليشفي شيئا من غليله من قريش... بل يشير بالرجل الأنسب ...

فلننظر كيف لا يدّعي "عظيم" فيهم أنّه الأهل لكل شيء دون منازع، وكيف لا تسبقه العاطفة الدينية من حب الثواب والأجر فتغلب على عقله، بل لقد حكّمه فتبصّر لصالح الإسلام ولصالح المسلمين.
وأخيرا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم المعلم الأعظم، يرى في كلام عمر حكمة وتعقلا، فينزل عند رأيه وإشارته، ولا يصرّ على بعثه هو، بل يبعث عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه ...

وهكذا ... نعرف فيهم تحكيم العقل، والتفكير، الذي يوصلهم لحسن التدبير بعيدا عن عاطفة سرعان ما تهزّهم، ولا تكون إلا وبالا على الإسلام ...حتى الأجر والثواب لا يُسارع إليه على حساب هَلَكة قد تحلّ بالإسلام ... نعرف فيهم التروّي والتفكير والنظر في عواقب الأمور قبل أن يُقدموا على ما يفعلون....فلنتعلم .... :)

وفي منشور قريب بإذن الله موقف جديد من مواقف الحكمة، فانتظرونا :)

#الحكمة
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:44:45
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

والآن مع موقف جديد من مواقف الحكمة والتفكير، والنظر في عواقب الأمور قبل أن يكون الفعل، التعقّل والتدبّر قبل أن تسبق العاطفة فتكون الحَكَم، ومن بعدها يحصل الندم، وفي كثير من الأحيان لا ينفع النّدم...

كنا قد عرفنا موقِفَيْن من قبل، أوّلهما : ردّة فعل عائشة رضي الله عنها إزاء الإفك الذي افتُرِي عليها ، وثانيهما تصرف عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند اختيار رسول الله صلى الله عليه وسلم له مبعوث سلام لقريش من الحديبية ...

وهذان رابطاهما :

أولا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132041583588040&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثانيا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

أما اليوم فمع عثمان بن عفان رضي الله عنه، وقد عرفنا أن عمر بن الخطاب قد أشار به على رسول الله صلى الله عليه وسلم بديلا عنه رسولا وسفيرا إلى قريش يبلّغها عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على السلام ، ونيّته في إنفاذه ...

نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم عند مشورة عمر، وحمّل عثمان رسالته إلى قريش قائلا: "اذهب إلى قريش فادعُهم إلى الإسلام‏ وأخبرهم أنّا لم نأتِ لقتال أحد، وإنما جئنا زوّارا لهذا البيت معظّمين لحُرمته، معنا الهَدْيُ ننحره وننصرف".

وامتثل عثمان، وذهب إلى قريش، فكان ما توخّى عمر بن الخطاب من بعثته، فلقد رُحِّب به وهو على مشارف مكة، ودخلها مُعزَّزا بقومه، وأبلغ قريش رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها...

ثم دعتْ قريش عثمان أن يطوف بالبيت...

💡 تأملوا ... :)

عثمان يدخل مكة  سفيرا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ستة أعوام كاملة، هُجِّروا فيها من موطنهم، من مسقط الرأس، من موطن أحبوه، وعاشوا فيه، ورَوَوْا من مياهه، وأكلوا من ثماره، ورتعوا في ربوعه، وزَهوا فيه بزهرات أعمارهم، وكانت مكة حاضرة البلاد كلها في الجزيرة العربية...

أذاقوهم ألوان العذاب، والتنكيل، وحاصروهم، وجوّعوهم، وقاطعوهم، ليرجعوا عن دينهم، وطال صبرهم،  حتى طُرِدوا، وشُرِّدوا، ونُهبت أموالهم، وهُدّمت بيوتهم، وأُخرِجوا من مكة مستضعفين مسلوبين، محزونين، لا يُسْليهم، ولا يعزّيهم إلا أنهم يتّبعون نبيهم الهادي فيهاجرون حيث أمرهم هجرةً لله ولرسوله...

تلك كانت خَلَجاتُ نفس عثمان، وأشجانه ودواخله، وهو واحد من أولئك المحرومين من هواء مكة، ومن ماء مكة... بل من موطن أول بيت وُضع للناس، مباركا وهُدى للعالمين، وهم يعرفون هذا بنزوله آيات تُتلى وهم في المدينة ...

ها هو اليوم أمام الكعبة ...!! 
ها هو اليوم يُعرض عليه الطواف بها، وهو وأصحابه وعلى رأسهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أمنيتهم أن يطوفوا بها ...!!

🔎 ها هي الفرصة تُعرض بين يديه عرضا من أكابر قريش، وهو في أمان من أمره، لا يخشى على نفسه منعا أو دفعا ...

🔎 ها هو والحنين يشقّ عُباب نفسه شقّا، وتعظيمه للكعبة دين من دينه، وحبّه لها قديم وجديد قد كبُر وكبُر ...
وعثمان اليوم رسول آمن، مؤمَّن... فماذا كان من عثمان ؟؟ !

لقد رفض عرضهم، وأبى أن يطوف بالكعبة حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم ... !

💡 لنتأمل ... ولنتأمّل ...  ولنتفكّر، ولنتفكرّ فيما فكّر فيه عثمان ... :)

إن عثمان رضي الله عنه لو فعل ذلك لما أُثِم، ولكنه يرفض، ولا يرضى أن يطوف بالبيت قبل أن يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم...

يرفض أن يطوف بالبيت وهو غاية أمنياته وزهرتها، وهو يتوق لذلك توقا، ويهزّه إليه الشوق هزّا ...!!
يرفض ونفسه تجيش وتفيض حنينا إلى ما عُرض عليه ...

💡 تأملوا، وهو بكلماته، وبإبائه، وبرفضه عرضهم، قد فكّر، قد أحال نفسه إلى عقله، رغم كمّ العواطف التي يحملها بين جَنَباته لهذا البيت العظيم، رغم ما تجيش به نفسه من ذكريات، وآلام، وأوجاع، وظلم مسّه ومسّ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، وأنهم ما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد...

رغم ما تنطوي عليه نفسه من حنين وشوق للطواف، للطواف بكلمات التوحيد يردّدها، يُلقيها على بيت الله كما يحب الله ويرضى، وهو البيت الذي ما يزال يرزح تحت نَيْر الوثنيين وأوثانهم ...

💡 لنتأمل... كيف طوى عثمان كل تلك العواطف، وخبّأها لساعتها المناسبة، وهو لا يرى تلك ساعتها بعدُ ...!

وساعتها عنده  : "حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم"

لقد تعقّل، وفكّر، وقدّر ... ولله درّه كيف قَدّر .... !

حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى تكتحل عين رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكعبة، وتقَرّ بالطواف...

وليس هذا فحسب، بل إن عثمان لَيَرى بعين عقله، ما لا تُريه إياه عاطفته المتلهّفة للكعبة وللطواف...
إنه يرى طواف رسول الله صلى الله عليه وسلم بها "فتحا"...!!

أجل كان يراه الفتح... وذلك هو الطواف الذي يريد، طواف الفتح ....

لا بأس بالصبر ... لا بأس بالتريّث... لا بأس بانتظار الوقت المناسب لفعل ما يحبّ...
إنه الوقت الذي يُعَزّ فيه الإسلام، ولا يُعَزّ فيه عثمان وحده ...!

هذا ما أراد عثمان .... أراد العزّة للإسلام والمسلمين قبل أن يريدها لنفسه ...

أراد مظهر القوة والقيادة والنصر والفتح ورسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بألف وأربعمائة من أصحابه جاؤوا الحديبية ....!

رأى أن الحكمة كل الحكمة في مظهر الفتح والقوة وإن تأخّر... وإن كان على حساب حبّ وشوق وتَوق، وحنين، لا يُؤثم إن هو أشبعه بطوافه ... وإن لم يكن ضامنا بعدُ  أنهم داخلون البيت ومطوّفون به عامهم هذا ... لا بأس أن يتأخر وإنْ بعد عامهم هذا ...

رأى أن الحكمة في إنفاذ مُراد رسول الله صلى الله عليه وسلم من فتح مكة مهبط الوحي، ومن إعزازها بالإسلام، ومن تطهير بيت الله الحرام من الأوثان والأصنام المحيطة به، والأنصاب المنصوبة لها ... في دخول مكة جماعة عظيمة عزيزة تُظهر القوة، وتُحقق القوة ...

يُريد مظهر العزّ وجوهر العزّ في آن .... ! 💡

إن عثمان اليوم وهو السفير، وهو الرسول، وهو حمامة السلام الطوّافة .... لا يذهب عن خَلَدِه أنه ما جاء إلا تمهيدا لفتح عظيم ... فتح لن يخفى عليه وهُو وأصحابه يرنون إليه خلف قائدهم ... وإن لم يَبُح به القائد بَوْحا، فإن ملامحه لَتَرتسم لعقل عثمان ... فلا يغادرها، ولا يخرج عن خطها، ولا يبتعد عن الهدف الذي يفهم أنه لأجله قد بُعِث .... وأنهم لأجله يسعون، وأنهم لأجله يمهّدون ...

نعم إنهم جاؤوا زُوّارا ... جاؤوا معتمرين، جاؤوا ليطوفوا، ثم يعودوا، ولكنّ عثمان يفهم أنه الفتح قبل الفتح ... وكيف لا يكون فتحا ...وهم قد خرجوا مستضعفين مطرّدين، ويعودون أضعافا معزّزة قوية، ذات شأن وبال وحال ....

وهكذا يؤجِّل عثمان فرحته، ليقيسها بميزان الجماعة، بميزان الفتح، بميزان العزّة للإسلام ...
بميزان الاتباع للقائد الذي يدينون له بإخراجهم من الظلمات إلى النور ...

💡 فلا يسارع ملبّيا نداء عاطفته الجيّاشة ...

بل يأوي إلى ركن شديد، هو رُكن عقله الممحّص، المفكّر، المُقدّر أحسن التقدير، فيؤخّرتحقيق أمنيته وحاجته الفردية ويؤثر على نفسه وبه الخصاصة ليتحقق العزّ للإسلام بالجماعة تغشى مكة بفتح يُبهِت العدوّ ويُبهِره، ويُحيله هو الآخر إلى عقله ليفكّر بميزان هذه الجماعة وبميزان الفتح .....! 

💡 يُعرِض عن الفرصة الثمينة رُنُوّا للفرصة الأثمن ...
يفكر بمظهر الفتح وأثره على نفوس الناس أكثر مما يفكر بقضاء حاجة في نفسه التوّاقة المشتاقة...

فلنتعلّم .... :)

#الحكمة
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:45:46
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عرفنا حتى الآن ثلاثة مواقف نشدنا منها الحكمة والتعقل، هي ذي روابطها :

أولا :   https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132041583588040&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثانيا:   https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا:  https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1134407503351448&set=a.639973519461518.1073741827.100003466263333&type=3&theater

واليوم سنعرض لموقف من مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأس الحكمة ومعلّمها...

مشكلتنا يا إخوتي أننا لا نحاول التدبر العميق، والعيش مع كلمات النبوة في حديثه صلى الله عليه وسلم، نعم قد نقع على المعنى العام الذي يريد، وقد نفهم ما أراد من رسالة وتوجيه، ولكن الغفلة عن تفاصيل صغيرة تنطوي عليها توجيهاته، وتربيته، عن كلمات نحلّلها ونحلّل أبعادها العميقة هو ما يجعلنا نتعلم شيئا ونفوّت أشياء ...

الحديث الواحد ينطوي على تربيات لا على تربية واحدة، ينطوي على معان لا على معنى، بعض الكلمات فيه قد تأخذنا لعمق جديد بعيد ...
اليوم مع موقف من مواقفه نِشداناً منا للحكمة ... نشدانا منا لتحكيم العقل قبل سَورة العاطفة، حتى لا تكون الحَكَم على تصرفاتنا فنخسر حتى ربما دون أن نشعر بالخسارة ... حتى ربما ونحسن نحسب أننا نحسن صنعا ...

التعقل في السيرة النبوية، التعقل عند الصحابة...
التعقل هو ما لم يصِلنا بالشكل الكافي ونحن نأخذ الدين عن كثيرين (دون تعميم) كان تركيزهم على استمطار العاطفة الدينية أكثر من بيان مواقف التعقّل وعدم التسرع في الرسول صلى الله عليه وسلم وفي صحابته، وعدم تحكيم العواطف الجياشة ...
ربما عرَّفْنا أو عرّفوا لنا الكثير من مواقفه صلى الله عليه وسلم ب "اللّين" ولا غُبار على هذه الصفة في كثير جدا من تصرفاته، ولكن غاب عنا أن نصفها أيضا ب "التعقّل" وهي في حقيقتها إحالة على العقل نظرا وتدقيقا، وتحليلا وتفكيرا في البعيد لا في القريب،وقراءة في الواقع مع العواقب وفي الغاية المُرادة ...

اليوم أضع بين أيديكم ما ورد في الصحيح من مجيئ شاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله الإذن له بالزنا...!
لنتأمل ... ماذا يسأله ؟ يسأله الإذن ... فيمَ ؟ .... في الزنا ...
وإنه ما سأله ذلك إلا وهو يعلم حُرمة الأمر، بل وأنه من الكبائر، ولكنه جاءه بكل قوة، مُظهرا، مُجهرا بما يريد، لا يخفي: " يا رسولَ اللهِ ائذنْ لي بالزِّنا"...انظروا وهو يصفه ب: "يا رسول الله"، فهو من المسلمين لا من غيرهم، من المؤمنين لا من غيرهم ...

ماذا كان ردّ فعل الرجال وهم يسمعونه ؟!

هلعوا، فزعوا... "زجروه" ... وأرادوا إسكاته بقولهم : "مَهْ مَهْ" وهي عبارة تقال لمن يراد إسكاته ...
فهل تركهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يفعلون به؟؟ هل أقرّ إسكاتهم إياه ؟ وربما لو تركهم لتطوّر الأمر إلى من يضربه أو يعنّفه، لا يُستبعد ذلك...
بل إنه سيعلمهم ...

💡 لننظر.... إنه يطلب أن يدنو منه ... قرّبه منه ...
لنتابع ... لنتابع وكأنّنا لا نعرف ما سيفعل ... أو ونحن نتوقع تصرفا آخر...

فهل ناداه ليعنّفه شخصيا، وهو يعرف طريقة التعنيف اللازمة ؟ هل ناداه ليضربه ضربة يفيق بها من تجرئه على مقام النبوة وهو يسأل الإذن بما يعلم حُرمته ؟
هنا مكمن التعقّل ... لقد أدناه منه ....

لقد زوى ذلك الانفعال العاطفي الذي اسمه "الغضب"... وزوى ذلك الانفعال العاطفي الذي اسمه "الجزع "
كما زوى كل انفعال عاطفي  ينطوي على الاندهاش والتحيّر والتذمّر ...
وأحال تصرفه إلى العقل .... فتعقّل ...
أدناه منه ... والكل يراقب تصرّفه معه ... وشرع في مخاطبته ...

ولم تكن كلماته تقريعا، ولا تأنيبا، ولا وعظا، ولا تذكيرا بالآخرة، ولا تخويفا من غضب الله، ولا ترهيبا من النار.... لا بل ولا تذكيرا حتى بالآيات التي تحرّم الزنا، والتي تذكر أنه كبيرة من الكبائر، لا بل ولا تذكيرا بأنّك تخاطب النبي الذي جاء بتحريم هذه الفاحشة...

💡 بل تأملوا :) تأملوا ..... ونحن أول ما نبدأ نبدأ بالوعظ والترهيب ... :) تأملوا ونحن نحسبها الطريق الوحيدة الموصِلة ... ونحن لا نراعي حالة من نخاطب، ولا حتى مستوى فهمه ...

💡 لقد شرع في مخاطبته العقل للعقل ... وبما هو أقرب لفهمه ...

"قال : أَتُحبُّه لِأُمِّكَ ؟ قال : لا واللهِ جعلني اللهُ فداءَك قال : ولا الناسُ يُحبونَه لأُمهاتِهم "
وسأله السؤال نفسه، عن ابنته، ثم عن أخته، ثم عن عمته، ثم عن خالته ... ولم يكتفِ مثلا بأمه وابنته، أو بأمه وابنته وأخته، بل خرج حتى إلى الأبعد من القرابة المقرّبة ...

وفي كل مرة كان يجيبه السائل بتلك الطريقة ... "لا والله جعلني الله فداءك"
وفي كل مرة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُسقط من جوابه على الناس فيقول له : "ولا الناس يحبونه لبناتهم.... لأخواتهم... لعماتهم .... وهكذا ....
أترون؟؟ كيف جعله يستشنع ما قد طلب ؟ أترون كيف أقنع عقله ؟ إنه لم يسفِّه عقله، بل لقد خاطبه... نعم خاطبه باللّين ... ولا عقل مع العنف ... لا عقل مع الغضب ... لا عقل مع الضرب والتجريح الشخصي ...
كلّ من سارع لهذا ابتعد عن التعقّل، وابتعد عن الحكمة ....

لا يلتقي عمل للعقل مع عنف ...

💡 لقد سمع منه، لقد وعى، لقد اقتنع، لقد استشنع لنفسه ما قد طلب الإذن به ليفعله مع غيره ...
لقدر عرف أن للناس حقا كما أنّ لنفسه حقا ... لقد جعله يضع نفسه بموضع الناس أولا ليفهم مشاعر الناس من حوله وهُم يُفعل بهم ذلك ... ففهم فظاعة الأمر أكثر... فاستشنعه ...

💡تأملوا.... هل كفّره ... ؟! إنه لم يعنّفه ولم يقرّعه بَلَهْ أن يكفره ! ولكن هذا حالنا نحن والخطأ الصغير تقوم عليه الدنيا تقريعا ووعظا، ويصل الأمر بالكثيرين إلى المسارعة للتكفير على ذنوب هل ترك المجال للصحابة أن يفعلوا ؟! ولو أنه ترك لهم المجال لنمت أجيال تضرب وتعنّف وتزوي العقل وتعمل باليد واللسان سلاحا للتحقير والانتقاص والإذلال ....

بعيدٌ هو ديننا عن هذا الذي نراه من حولنا .... بعيد هو فهمه الصحيح عن هذا الذي نراه من حولنا، في البيوت، في الأسر، من الآباء، من الأمهات الذين يسارعون أول ما يسارعون للتقريع والتعنيف والضرب...
نعود، والعود أحمد فالشاب قد تبدّل من كلمات :)
كيف أصبح حاله ؟؟ لقد خرج وهو غير الفتى الذي دخل ... من كلمات ... من خطاب العقل للعقل ... ليس من ضرب اليد، ولا من إذاء اللسان ...

اليوم تحديدا، هذا الصباح، كنت في حوار مع طفل من أقاربنا ... رأيتُه يُكثر على شقيقه الأصغر سنا بالضرب في النازلة وفي غير النازلة، حتى تعوّد معه تلك الطريقة، فأصبح يخوّفه، وأصبح الآخر يخافه ... ولقد عُنّف على هذا، وزُجر، وضُرب وووو... ولكنه لم يرعوِ، بل بقي على حاله ...

فأدنيتُه مني، وقلت له : إنك وأنت تستخدم يدك تضرّ بعقلك ... والقوة ليست قوة الضرب، بل قوة العقل ... حاول أن تغير أسلوبك معه ليس رفقا به أولا، بل رفقا بنفسك، وحرصا على عقلك من الضمور، كلما رأيت يدك تسارع لضربه، ارفق بنفسك أنت... وتذكر ما ينفعك قبل ما ينفعه، عقلك حينها سيتعوّد الركود... وستتعود أن الآلة الأولى التي عليك استخدامها هي يدك لا عقلك ... وكيف لعقل يضمر بهذه الطريقة أن يحصّل علما كما يجب، أو يحصّل فهما كما يجب، أو أن يعرف لنمو الذكاء سبيلا ... ؟  وضربت له مثالا طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المحاورة، وأنه لم يجئ ليضرب ويعنّف، وأنه أصلح الأرض وجاء لها دواء باستخدام عقله وبالحكمة لا بالضرب والتعنيف ...

وأنا أعرف في هذا الطفل ذكاء، وسرعة بديهة وفهم، وهو يحب هذا في نفسه  ... فخاطبته من منطلق ما يحب، وما يحرص على أن يبقى فيه ...
ولقد رأيته يُصغي، ويستسيغ، ويفهم، بل ويعدني أن يغيّر أسلوبه ....
مازلت سأرقب التطبيق منه لأعرف مدى ما وعى  :)
جاءني قبل قليل، وأخبرني أنه عندما رأى نفسه مُقدما على ضربه، تريّث، وتذكر كلامي فأحجم :)

فلماذا نضيّع على أولادنا فرص الفهم، والاقتناع، وتبادل التفكير ونحن نسارع للتعنيف، والضرب والتقريع ...

ولماذا نرى أن الوعظ والترهيب والتخويف هي السبيل الوحيدة، وهي الوصفة التي لا حياد عنها ... لماذا لا نفكّر فيما يكون أجدى وأقرب ... لماذا لا نستلهم التعقّل من مواقف رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟

نعود لذلك الشاب السائل .... أخيرا دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد أن أخذ بأساب المخاطبة والحوار والإقناع العقلي ... بعد أن عرف في الرجل اقتناعا وتحصيلا لما لن يكون مكثه في نفسه ساعة ثم يتلاشى، بل لما سيكون مكثه في نفسه مكث القناعة في القرار المكين ...
فلنتعلم ... ولنتعلّم .... :)

#الحكمة
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:46:37
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

صلح الحديبية ...
هو واحد من أهم أحداث السيرة النبوية، تفاصيله ومُجرياته منهل من مناهل الحكمة والتعقّل التي لا تنضب والتي يُذهلك تصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، ويجعلك تتأمل نظره البعيد الثاقب، ليس تأمّل من يسارع لقولة : "إنه النبي وأين نحن منه ؟" ... فتلك المقولة التي يفرّ بها من يفرّ، ويهرب بها من يهرب عن منبع الحكمة يجعل دروسها إعجازا من الإعجاز الذي لا يجوز للبشر أن يقربوه...!!

وإنما نريد تأملها على سبيل التعلم والتأسّي من أسوتنا صلى الله عليه وسلم ...
لن أركز على الحنكة السياسية لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بقدر ما سأحاول تأمّل مدى استيعابه لمَن حوله من أصحابه الذين لم يستسيغوا التنازلات التي أبداها بإزاء إملاءات المشركين...
سهيل بن عمرو كان مبعوث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لعقد الصلح، وقد أُودِعَ في خلَدِه وهم يبعثونه أن يبلّغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أول ما يبلّغه أنّ قريشا لن تسمح له بدخول مكة عامه هذا...

هذا سهيل بن عمرو مقبل، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لأصحابه : "قد سهل لكم أمركم‏ أراد القوم الصلح حين بعثوا هذا الرجل"...
يبدأ الأمر بالاستبشار، بالتفاؤل، يفهم أن قريشا كانت قادرة على بعث أبي سفيان ولم تفعل، وعلى بعث صفوان بن أمية، ولم تفعل... "سهيل" ربما هو اسم لم يدرج كثيرا في أحداث السيرة السابقة، ولكن اليوم جاء دوره...

رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان بَعثُه لعثمان بن عفان عن احتكام للعقل، وأخذ بمشورة عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أجل تحقيق هدف المسالمة والمصالحة، رأى أنّ قريشا لم تَعدَم حيلة وفِكرا إذ بعثت بسهيل، يسهل الأمر معه، هو الأصلح لهذه المهمة...

💡تأملوا... لقد قدّر حكمة عدوّه ... :)

لقد عرف في اختيارهم لسهيل حِكمة، وليس تقدير رسول الله صلى الله عليه وسلم للحكمة في العدو بغريب عنه، وقد عرفناه يقول عن عتبة بن ربيعة حينما حاول ردّ القوم يوم بدر وقد نجت عيرُ أبي سفيان، أنه أرشدهم، وإن يطيعوه يرشدوا ...
يعرف كيف يُنصف حتى في قلب الغثاء واختلاطه وتراكمه، يُنصف ويَميز بين حق وباطل حتى مع عدوّه... وحتى وهو في حرب معهم ...! فلنتعلم كيف نقرّ بالحق حتى لأعدى أعدائنا...

يُقبل سهيل، ويبدأ علي بن أبي طالب بكتابة العهد، فيبدأ ب "بسم الله الرحمن الرحيم"، فيعترض سُهيل، مستنكرا "الرحمن"، وأنه لا يعرف إلا "باسمك اللهم" ...

وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو اليوم في مَنعة، وفي قوة لا في استضعاف مع أصحابه كما كان من قبل، اليوم هو في ألف وأربعمائة منهم، اليوم هو صاحب النصر المظفر في الغزوة تلو الغزوة تلو الغزوة، حتى اهتزت أركان قريش أخيرا في "الأحزاب" وقد جمعت كل جموعها وعادت تجرّ أذيال الخيبة والخسران، واهتزت أركان اليهود وقد أُجلي منهم من أُجلي، وقُتل منهم من قُتل ...

اليوم وهو تأتيه قريش صاغرة، تعترف بقوته، تعترف بنِدِّيّته وأنهم القوة التي أضحتْ تُعاهَد، ويُعقَد معها الصلح اعترافا لا مَحيد عنه ولا مَحيص ...
يقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ... يقبل أن تُكتب "بسمك اللهم" ولا تكتب "بسم الله الرحمن الرحيم"
يتنازل لسهيل ويحقق له مطلبه، نعم فلن يفرق أن تُكتب هذه بدل تلك..

💡 إنه صلى الله عليه وسلم :

🔎 لن يركّز على الشكل ليضيّع به الجوهر...
🔎 لن يركّز على الوسيلة ليضيّع بها الغاية...
🔎 لن يخلط فيجعل الوسيلة غايته ..

إنه صلى الله عليه وسلم قد رسم هدفا، إنه يريد صلحا، يريد إمدادا لعشر سنوات من السلام تأمن فيها الدعوة لتنتشر، تأمن فيها لتعمّ الربوع، تأمن فيها ليدخل في الإسلام من كان يهاب الحرب، وغائلة قريش فيُعرض ...
وإنه لن يبيع هذه "الغاية" بالإصرار على "شكل الوسيلة" ...

فليهنَأ سهيل بما يطلب، بما يحسبه مُعجِزا، بما يحسبه علوّا وإملاء ...لن يضير... ففي سبيل الغاية لك هذا "الشكل" يا طالب الشكل، يا ناشِد الشكل ... :)

💡 تأملوا إخوتي .... تأمولوا ونحن نصرّ على الشكليات حتى نضيّع بها الحياة ...
تصرّ على أن يأتيها العريس هي الأخرى بما أُتِيت به صديقتها من حُليّ وأشياء و"شْوَيّات" حتى تصل في أحيان كثيرة إلى إفساد العلاقة، وإلغاء الزيجة برمّتها من أجل أنها لم تُؤتَ بما أتِيت به فلانة وعلانة !!! فهي التي لا يليق أن تُعامَل هذه المعاملة الدنيّة ...!!

وقد يصرّ الآخر على شكل يراه للتربية وكأنه الوحي المنزّل، فيضرب ابنَه، وينعم بعدها بصمْته وذلّه بين يديه، ويرى نفسه القاهر فوقه الذي لا يُغلَب، ولا يتجرأ عليه ابنُه، وينسى أنه يضحّي بشخصيته في قابل الأيام... أنه يجعل منه مسخا بلا شخصية ...!

فلا يفكر بالغاية البعيدة، لا يفكر بمصلحة ابنه على المدى البعيد، فيُؤثر عندها أن يتعب هو ويبحث عن طرق التربية، ويغير من أساليبه المتحجرة لغاية كسْب ابنه، وليُشيع السلام في نفسيته، فتنمو شخصيته كما يجب دون عوائق وعقبات ...بل يصرّ على "الوسيلة"، فتصبح هي "الغاية"... بل يغفل أنّ الغاية أسمى من أن تكون : "عزّة بعصاه تُحقق قهره فوق أولاده"...!!

💡 تأملوا ... إن سهيل لا يكتفي بهذا، بل يزيد، ويرفض أن يكتب : "محمد رسول الله" قائلا: "لو صدقنا أنك رسول الله لما صددناك عن البيت ولا قاتلناك"
يصرّ أن يُكتب : "محمد بن عبد الله" ... ويبلغ عند علي بن أبي طالب السيل الزُّبى، ويفيض عنده الكيل، فيأبى أن يمحوها، فيسأله رسول الله أن يُريَه مكانها، فيمحوها بنفسه .. ولكنه هذه المرة يعقّب قائلا: "ولكني رسول الله حقا وإن كذبتموني" ...ثم يمحوها :)

 لا يفوّت أن يصدع بهذا الحق الذي هو حقّ وإن أبوا، وإن تنازل ومحاها من الورقة، فإنها في واقع الحياة لن تُمحى ...

إنه صلى الله عليه وسلم يصرّ على "الغاية" ... يصرّ عليها وإن غلت أنفس الصحابة كغلي المِرجَل، وإن فاضت كؤوس صبرهم ... وإن هزّتهم الغيرة على نبيهم وعلى دينهم وعلى عزّته أعنف هزّ...
رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرّ على تحكيم عقله .... يصرّ على التنازل عن "شكليات" يعلم أنها هنا لن تؤخر ولن تقدم، وأنّ الجوهر الذي يريد يستحق هذه التضحيات ...
💡 فلنتأمل... ولنتعلم .... :)

وحتى لا أطيل بإذن الله موعدي معكم المرة القادمة لنواصل تأملاتنا مع حال الصحابة مِن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف يتصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم وسُهيل يُملي شروطه من جهة، والصحابة يكادون يَهلكون من الغيظ من جهة أخرى ...
كيف سيفعل ؟؟؟

كيف نفعل نحن بإزاء ما يُملى علينا من تنازلات عن "شكليات" لأجل تحقيق "الغاية" السامية..؟💭؟

كيف نتعلم ألا نخلط بين الوسيلة والغاية فنُصيّر الوسيلة غاية ...

قريبا بإذن الله ملتقانا نِشْدانا للحكمة :)

#الحكمة
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة"  :

أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1134406033351595&id=100003466263333

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:47:54
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ما يزال منهل الحديبية يَفيض علينا بزُلاله، ما تزال سياسته فيه صلى الله عليه وسلم تربينا لا تربية السياسة للسياسة فحسب، بل تربية السياسة للحياة، وما السياسة إلا أن تسوس، وما أن تسوس إلا أن توجّه وترشّد وتربّي وتقود...

عرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين جبهَتَين، كلتاهما شاقّة، وعرةالمسلك، صعبة، وإن كانت جبهة بإيمان واتباع وجبهة بكفر وكِبر ...!

هو ذا صلى الله عليه وسلم ما يزال مع سهيل بن عمرو، يتفاوضان، وسهيل مبعوث قريش المقرّة بقوة لم تعد تُنكر أنها التي أصبحت تُفاوَض، وأصبحت تُهادَن، وأصبحت تُسالَم... !

سهيل وهو ممثل المفاوضات، عرفناه يصرّ على الشكليات يحفظ بإصراره عليها شيئا من ماء وجه قريش، يظنّ أنه بإملاءاته يُبقي على شيء من هيبتها، وقد قصر نظره عن بعيدٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرنو إليه، بعيد بلغه نظره الثاقب، وبلغته حكمته السامقة ...

فأعطاه مما أحب أن يجني في توّه، ليأخذ هو مما أحبّ أن يجني لعمر الدعوة كله ...
تسرُّعُ المندفع بعاطفة، الذي يحكمه "الكِبر"، وتروّي المُعمِل لعقله الذي تحكمه "الحكمة"...

ولقد انتهى الأمر بين الطرفَين وانتهى إلى ألا يدخل المسلمون مكة من عامهم هذا، وأن تُعقد الهدنة لعشر سنوات بين المسلمين وبين قريش، وأنّ من دخل في حلف قريش آمن لا يحاربه المسلمون، ومن دخل في حلف محمد صلى الله عليه وسلم آمن لا تحاربه قريش ...وأن من جاء محمدا من المشركين من غير إذن وليّه ردّه المسلمون إلى قريش، ومن جاء قريش ممن مع محمد لم تردّه إليه قريش ...

أما سهيل فيعود أدراجه مزهوّا بإملاءات انصاع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الصحابة فيكاد الغيظ يفتّت أكبادهم... يكادون يَهلكون ... يغلون كغَلي المِرجل...

لم يبلغ بهم الغيظ والأسى ما بلغه بهم يومها ...
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان المجيب، وكان المفاوِض، وكان المتنازل لسهيل، وكان الذي رضي أن تُكتب : "بسمك اللهم" لا "بسم الله الرحمن الرحيم"، ورضي أن تُمحى "رسول الله"، وتُكتب "محمد بن عبد الله"...
ورضي أن يعود المسلمون المُحْرِمون من عامهم هذا، ويُصدّون عن البيت، ورضي أن يردّ على قريش من جاءه منها مسلما من غير إذن أهله، ورضي ألا تردّ قريش عليه من جاءها ممن معه ...

بكل هذا قد رضي .... :)

والصحابة تتفتّت أكبادهم، ويعقد ألسنَتَهم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آمنوا به، وصدقوه واتبعوه ... ويردعهم عن الصدع برفضهم أنه قائدهم ونبيّهم ...

ما كل هذا التسهال، وكل هذا التنازل الظاهر ؟ وهم قد بايعوه هناك، تحت الشجر ة على الموت، على أن يدخلوا مكة بسلاح المسافر لا يهابون الموت، يحاربون قريشا... مبايعة الصادقين المقبلين...
ما بالُهُ صلى الله عليه وسلم وقد توفّرت بين يديه تضحياتهم، وإقبالهم، وفرحهم بالموت في سبيل الله وألا يعودوا عما أرادوا من دخول البيت والطواف به عُمّارا أقوياء... وهو لا يأبه لكل ذلك، ويصرّ على التنازل، وعلى الصلح ؟!

كلّ هذا كان يقتلهم بدل المرة مرات .... !! ولكنّ عمر نطق ... :) وإننا لا نستبعد أن ينطق عمر :)

💡 تأملوا محاججته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ...
💠 "ألستَ نبي الله حقا ؟"... يردّ عليه صلى الله عليه وسلم : "بلى"
💠 "ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟" يرد عليه : "بلى"

💡فلنتأمّل ردّ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على من نطق من مئات الصامتين، على عمر الذي لا يُحسن أن يُبقي بنفسه شيئا وهو الشديد في الحق، القوي فيه...
هل كان جوابه رادعا ؟ هل كان شديدا، هل كان فيه إفاقة لعمر لينتبه أنه يُحاجج النبي المُحدّث من ربه، وأنه يسأل أسئلة أضحت الأجوبة عليها عقيدة لا انحلال لها في قلوبهم ...؟!!

هل قال له : يا عمر أفِق من سَوْرتك ! انتبه من تُحدّث ! كُفّ عن غضبك ! أوَ تشكّ فيما عنه تسأل؟
بل لقد أجابه على قدر السؤال وكأنه يجيب من لا يعرف عنه إجابة : "بلى"...

💡 لقد أعمل عقله صلى الله عليه وسلم ليستوعب ثورة عمر ... ولقد استوعبها...

لم يثُر عليه لثورته، لم يؤنّبه، لم يعنّفه ... بل لقد قبله، لقد قرأ فيما قرأ دوافع نفسه المُهتاجة لدَنيّة ظهرت لعينه، ولنظر منه قصُر عن رؤية أبعد كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ..

💡 تأملوا، هل نبّهه لقصر نظر حالت ثورته دون أن يبعد ؟ هل سفّهَ حالته وثورته، ورأيه الذي رأى؟
تأملوا إنه لم يزد على أن أجابه : "بلى" ... !
ولكنه لم يُرد للّبس أن يبقى في نفسه ساعة سأله : أَولَيس كنتَ تُحَدِّثُنا أَنّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ ؟ قال : لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به .
وليس فوق هذا التوضيح من شيء من تقريع أو تأنيب أو تسفيه ...

💡 لنتأمل ... كم من حالة غضب تعتري مَن حولنا لا نعرف سبيلا لتفهّمها ؟!

لا نُحسن قراءة الدوافع، ولا الحالة التي عليها الغاضب، ولا محاولة امتصاصها بهدوء وروية وتعقّل ... فإذا الغضب يقابله الغضب، وإذا الثورة تقابلها الثورة... وإذا العناد يقابله العناد ... والعقل...أين العقل في كل هذا ؟! إنه المُزوَى المهجور ... إنه الذي تطغى عليه الانفعالات العاطفية فلا تُبقي له من أثر ...!

كم من زوج لا يُحسن قراءة عذر بين الأعذار لزوجته الغاضبة مرة ... الشاكرة مرات، الحزينة مرة والمبتسمة مرات ... فيُنسى كل ماضٍ لها جميل من غضبة ...!

كم من زوجة لا تُحسن تفهّم حال زوجها الغاضب وهو العائد منهكا، متعبا، من لأواء العمل، ومُعترك الحياة ...فتجدها المتذمّرة المتأفّفة التي لا تريد غير الابتسامة المرسومة ...

كم من أب لا يُحسن غير التنبيه على أنّ مقام "الأبوة" لا تجوز معه المُحاججة، ولا السؤال، ولا المعارضة ولا الرأي الآخر المخالِف لرأيه ؟!

💡 فلنتأمل .... أفَمَقام "الأبوة" أو "الأمومة" أجلّ أم مقام "النبوة" ؟! وهو المُحدَّث من السماء ... الموحَى إليه من رب العزة ...!

كم من أب، وكم من أمّ يضجرون من سؤال أبنائهم، ومن تساؤلاتهم، بل من أسئلتهم البسيطة، الساذجة ربما بالنسبة إليهم ... يضجرون من أسئلة غاضبة لهم، يريدون منهم جمادا بلا حِراك..

بل كم ممّن يُحاور ويناقش قد يستهزئ بفهم من يحاوره، ويسفّه عقله ... بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرّع عمر أنه لم يبلغ فهم الغاية التي لأجلها كانت كل تلك التنازلات ...وعمر مَن هو حكمةً وعقلا وذكاء ...

نعم رَفَعَ اللُّبس عن فهمه حتى لا يبقى، ولكنه أجاب على أسئلته البديهية بالإجابات البديهية ولم يستنكر سؤاله إياها ... ولم يشكّك بإيمانه ... ولم يسفّه تفكيره بتلك الطريقة ...

وعمر هو الناطق بين المئات، ولكنّ المئات أيضا مغتاظون، لم يعودوا يملكون زِمام أنفسهم وإن خيّم الصمت عليهم ...!

والرسول صلى الله عليه وسلم يستوعب، ويمتصّ، ويجيب، وهو الذي أقرّ أمره، ونفذه...ومعالم القوة كل القوة في تصرفاته ... ولكنّ نفسه "البشرية" تحمل وتحمل، وتجتاز مرحلة صعبة، صعبة … !!

فأولاء هم الصحابة كلهم من حوله يُبينون عن حالة من شاكلة حالة عمر ...ذلك أنه حينما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا من إحرامهم بذبح الهَدْي والحلق لم يستجب منهم أحد ...

هو النبي، هو القائد، هو الآمر فيهم ... لم يأمرهم مرة واحدة أن ينحروا ويحلقوا، بل أمرهم الثانية... بل أمرهم الثالثة ....! ولا حياة لمن تنادي ...
الصحابة يعصون أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم ... !!

الصحابة يسمعون أمره، ثم يسمعونه الثانية، ثم الثالثة ولا يأتمرون، ولا ينفذون، ولا يفعلون ما أمرهم ....!!

أيّ جبهة عصيّة هي هذه على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجهها، وهو لتوّه قد انتهى من جبهة "سُهيل" وإن كانت الأولى بكفر كافر، والثانية بإيمان مؤمنين ...

لن أطيل ... سأترك البقية للمرة القادمة بإذن الله تعالى ...لنتأمل ونتعلم كيف يمتصّ غضب مَن حوله ويتفهّم غضبهم ...بل ويقبل محاججتهم ..بينما لا يقبل الأب محاججة من ابنه، ولا تقبل الأم محاججة من ابنها ... :)

#الحكمة
#نشدان_الحكمة

-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :

أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1134406033351595&id=100003466263333

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:48:44
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في نشداننا للحكمة، وللتعقل يحكم تصرفاتنا وحياتنا...
اليوم مع حديث صحيح، لرسول الله صلى الله عليه وسلم...
يأتيه رجل وهو بالمسجد والصحابة حوله، فيَبْتدره قائلا: "يا رسول الله إنّي أصبت حدا فأقمه عليّ" ...

ربما نتوقع أن يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماهية الذنب الذي أتاه، وحُقّ له أن يفعل، ليجيبه بما يكون فتوى لمسألته...

وحُقّ له وهو النبي المعلّم الذي يلجأ إليه جميعهم مستفتين، مستفسرين، متعلمين...

وحُقّ له أن يفعل وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى، وهو المُحدَّث من السماء وهو الذي جاء بالشرع وبالحدود وبالأحكام يبيّنها للناس...

ولكننا نُفاجَأ برسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عن الرجل، فلا يجيبه...!

ثم ها هو الرجل مرة ثانية يعيد عليه ما قال : " يا رسول الله إنّي أصبت حدا فأقمه عليّ "...

وربما نسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا وهو يرى الرجل يسأل من جديد، ويصرّ على إقامة الحد عليه، مستعدّ لأن يُقام عليه كائنا ما كان...
وهو يطلب أن يُقام عليه، ولو شاء أن يخفيه أخفاه، ولكنه يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولا يبالي بمَن حوله من الرجال وهم يسمعون عنه ما كان بإمكانه إخفاؤه...

لا يبالي بمَن حطّ من شأنه أو بمن رفعه بينهم...
لا يبالي بمَن حدّث عنه الناس بما سمعه مِن فيهِ...
لا يبالي إلا بأن يطهّره الحدّ، تغشاه خشية الله، وخشية غضبه وسخطه ...

نعم...ربما نتوقع أن يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل وهو يعرف منه كل هذا، فهو ذاك الجزِع، الوَلِع، الخائف من ربه، الذي يُثقله حِمله... الذي ناء بحمله ويريد أن يتخفّف منه لا يبالي ما يكلّفه التخفّف ...
ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عنه للمرة الثانية ...! :)

لا شكّ أنه صلى الله عليه وسلم ليس بالذي لايقيم وزنا لواحد من المؤمنين، ليس بالذي يسكت عنه غضبا، أو بالذي يسكت عنه تجاهلا، أو بالذي يريد أن يتخلّص منه ... حاشاه صلى الله عليه وسلم...

فلنتأمّل إنه يسكت .... !!  💡

كثيرا ما نؤوّل الصمت تأويلاتٍ ونبني عليها بنايات وهي من محض آرائنا وأوهامنا، وليست من الحقيقة في شيء..
فقد نرى الساكت عنا ضعيفا لا يملك بما يردّ، وقد نراه متجاهلا، أو قد نراه موافقا، أو قد نراه معارضا، بينما صمت الحكيم ينطوي على "حكمة" ... ينطوي على بعد نظر...

فلنتأمل💡

إنه صلى الله عليه وسلم يسكت عنه...
ويحدث أن تُقام الصلاة والرجل يسأل المرة الثانية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عنه للمرة الثانية...
ويقوم الناس للصلاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمامُهُم، وينصرف المصلون، وينصرف رسول الله...
والرجل ... أين الرجل ؟؟!

لنتأمّل...💡
إنه صلى الله عليه وسلم زيادة على سكوته عنه، لم يطلب منه أن يصلي الجماعة معهم قبل أن يفارِقَه، لم يحضّه على ذلك، لم يطلب منه أن يشهد الصلاة معهم ثم يعود إليه ...

بل قاموا إلى الصلاة، وصلوا، وانصرفوا عنها ...
أمِنَ السهل أن يُترك الرجل، لا يُدرى أيعود أم لا يعود ؟!
أمن السهل أن نتصور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قام للصلاة وهو على حاله من الصمت والسكوت عن الرجل...

ألا نتوقع أن يذهب الرجل، ولا يعود ... يذهب وقد باء بسكوت رسول الله عنه، فيحمل مع حمله الثقيل حِملا أثقل ؟! أو ربما ذهب وقد فهم أنّه لا أمل له في حلّ، وأنه قد هلك ...!!

الرجل .... ها هو ذا يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انفضاض جماعة الصلاة...
لقد عاد ... رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يواعِده بعد الصلاة ! عاد من نفسه ...
عاد دون أن يحضّه، عاد دون أن يدعوه لحضور صلاة الجماعة، ودون أن يواعده بعدها ؟

لقد عرف فيه الإصرار فلم يحتج إلى أن يأمره بالذهاب إلى الصلاة، ولا حتى لأن يواعده... عرف أن مثله لا ينفك مصرا على التوبة... فكان صمته صلى الله عليه وسلم وهو هذه حاله أبلغ من الكلام...

أين نحن من تقليل كلام مع من نفهم أنه قد "فَهِم"...
أين نحن من التربية بالصمت في حال استدعاء الصمت...حتى لا يستثقل صاحب الحِمل فوق حِملِه...مِنَ التربية بترك المجال للمربَّى أن يفعل مع نفسه بدل أن نفعل له كل شيء... حتى العيش مع نفسه ! ... فلنتعلم :)

عاد يسأله السؤال ذاته : "يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه عليّ"...
وهذه المرة ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم... يجيب ...
ولكنه يجيبه سائلا إياه ... :)

آه ... إنه يسأله الآن إذن ... !
لا بدّ أنه سائله عن ذنبه، ليعرف أحدٌّ حقا هذا الذي أصابه، أم أنّ نفسَه أرته لنفسه حدا من فرط خوفه من غضب الله، لربما كان أقلّ مما حسِب ...

آه ... إنه يسأله ....!
إذن فهو سيستفهم عن ذنبه ليفتيه بما يناسب، بما يكون وِفاقا لما أتى ...
لا ...لا ... لا هذا ولا ذاك .... إنه لا يسأله عن ذنبه البتّة ...! :)

بل يسأله عن أمر آخر : "أرأيت حين خرجتَ من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ؟" فيجيب الرجل: بلى يا رسول الله...
ثم يسأله الثانية : "ثم شهدت الصلاة معنا ؟" ...قال: نعم يا رسول الله ...
فيرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فإن الله قد غفر لك ذنبك "...

انتهى الأمر.... ✉
تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأوان المناسب، بالطريقة المناسبة...
انتهى الأمر ✉وأفتى له رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يعلم ذنبه... دون أن يسأله عنه..!
انتهى الأمر ... ✉

ولكن حذارِ !!

تأملوا .... تأملوا ... 💡

لا نريد أن نخرج منه بذلك الفهم الذي يطفو على السطح، بالذي سيصدع به الكثيرون...
الصلاة تغفر الذنوب، الجماعة تغفر الذنوب، إسباغ الوضوء يغفر الذنوب ...

لا لا .... ليس هذا هو السليم ... ولو كان الأمر كذلك ... لاستسهل كل مستسهل أن يأتي الذنب، وراءه الذنب وراءه الذنب، وهو يحدّث نفسه أن الصلاة ستغفر له، سيأتي ليقوم، ويركع ويرفع ويسجد، فإذا صلاته قد محتْ كل ما كان منه ....

ما أسهلها من وصفة.... كم هي سحريّة هذه الوصفة ... هكذا هو الإسلام فعلُه فعل السحر في النفوس ... تصلي فيُغفَر لك، تتوضأ فيُغفَر لك ... !! فما أسهل أن يعود للذنب والدواء صلاة هي عنده " حركات"...!!

من أجل ألا يكون هذا الفهم السطحي، تأملنا سؤال الرجل المرة، ثم المرة... ومع سؤاله سكوتُ رسول الله صىل الله عليه وسلم عنه المرة ثم المرة ...
بل وانصرافه مع مَن معه للصلاة، دون أن يحضّه على حضور الجماعة ... دون أن يواعِده ...

وما تأملتُ هذا اعتباطا ... وإنما نظرا في ثنايا الحديث، وسبرا لأغواره، وغوصا في أعماقه
أليس الرجل مصرا على التوبة ؟؟
أليس هو ذاك الذي لا يبالي بحديث الناس فيه بقدر ما يبالي بتطهير نفسه من ذنبه، بقدر خوفه من غضب الله ...؟

أليس هو ذاك الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلّه استعداد لأن يُقام عليه الحد... وإن كان ثمنه نفسه ؟ أليس الذي جاء ليكون طَوع أمر وحكم رسول الله فيه ؟

أليس هو الذي عاد من غير مواعدة ؟؟ أليس الذي كان له ألا يعود... ولكنه عاد ؟
بل أليس هو الذي كان له أن يخفي أمره ولكنه أعلنه، يريد أن يطهّره رسول الله بالحد ؟
ويأتنس بالحد يُقام عليه ليرتاح، ولا يأتنس بتوبة سريّة ...لا يرتاح... لا يأمن.. لا يطمئن أن الله عنه قد رضي ...

كل هذا قد نظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم، المُعمِل عقله، الناظر به في أمر الرجل... وكان له أن يسأله عن الذنب، ويُفتي له وكفى ...

ولكنه صلى الله عليه وسلم ينظر إلى أبعد من "العقاب" ... إلى أبعد من "الوسيلة" ...إلى غاية أبعد ...
ثم وقد عاد الرجل وقد فهم منه أنه قد صلى معهم، أنه قد وقف بين يدي الله وهو على تلك الحال، وقف يناجي ربه وهو على تلك الحال، وقف وقد سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّ باب الله وهو يطرقه بقيامه بين يديه مصليا لا يُغلَق...

يقف في صلاته وقفة التائب، وقفة النادم، وقفة الخائف من غضب ربه، وقفة الذي يريد أن يلقاه طاهرا مُطهَّرا مما أصابه من الدنس... يقف ويزيده حضور لقاء ربه ما يزيد خيرا ونماء في نفسه
عاد الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه الصادقة، المقبلة على الله، التوّاقة لرضاه قد استوفَتْ ما بها من صدق ومن إقبال، ومن توبة ... عاد وإصراره على التوبة في ازدياد ...
فبشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر ذنبه ...

هذا هو الذي غفرت له الصلاة ذنبَه... هذا الذي سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، ثم سكت عنه أخرى... وفي صمته قمة التعقّل، قمّة القراءة لما عليه حال الرجل...

لنتأمل....  💡
إن سكوته صلى الله عليه وسلم حكمة قرأ بها ما قرأ من إصرار الرجل، وإن عدم سؤاله عن ذنبه لحكمة أخرى...

إنه يعلمنا صلى الله عليه وسلم كم أن الإسلام يرحّب بالتائب الصادق، وأن إقبال التائب صادقا أولى من اجترار ماضيه كان ما كان، وإنما العبرة بالتوبة والصدق في التوبة، ليُفتَح لصاحب الذنب باب الدخول في رحمة الله لا أن يُزاد عليه بالتقريع والتهويل والتأنيب والتعنيف فيُنفّر بدل أن يُقرَّب ...لا بل لا يحتاج الأمر حتى أن يُعرف ماضيه ما دام هذا هو حاضره...

لنتأمل...💡
إنه لتعقّل بالغ يرشّد الانفعالات العاطفية من غضب وتحسّر وقلق، ويعترف للمذنب بالبداية الجديدة، ويفتح له أبواب القبول، وإنه لاعتراف بالنقص البشري الذي لا يحلّه الزجر والتعنيف بقدر ما يحلّه مراعاته والاعتراف بوجوده، ومحاولة التجاوز عنه ما كان إلى ذلك من سبيل...

فأنت أيها التائب تستحقّ أن تُعرّف مدى سعة تلك الرِّحاب التي جئت مقبلا عليها... لا تُسأل عن ماضيك، بل يُراد حاضرك... لا تُذلّ بماضيك، لا تُقهَر به ....
وهكذا فلنتأمل حكمة "صمت" الحكيم ... ولنتأمل دور الصمت حينما يكون أبلغ من الكلام ... ولنتعلم فإنّ من سكت ليس بالضرورة ضعيفا، ولا بالضرورة متجاهلا ... بل صمت الحكيم "تعقّل" وإعمال للعقل ...
ولنتأمّل كيف لا يقضي مأربا أن نُذلّ الناس بماضيهم السيئ، بقدر ما يقضي مآرب أن نستغلّ حسن حاضرهم ....

ولنتأمل...💡 ولنتعلم ... ثم لنتعلم ... :)

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#الصمت_حكمة
#اجترار_الماضي
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :
أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php…

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

سادسا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1145247608934104&id=100003466263333
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:49:39
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

مازلنا مع الحُديبية ... وإنني ما اخترتُ المكوث بها بعدُ إلا للاستزادة من دروسها الفيّاضة لا حبا في الإطالة ... :)

أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة ما عاهد عليه قريش ممثّلة في سهيل بن عمرو، وبدأ بتنفيذ أول بند، فأمر أصحابه بالتحلّل من إحرامهم وقد مُنِعوا من دخول مكة ...!
والصحابة يسمعون أمره، ثم يسمعونه الثانية، ثم الثالثة ولا يأتمرون، ولا ينفذون، ولا يفعلون ما أمرهم ....!! لِمَا ما بهم من غيظ وحزن على بنود لم يروا فيها إلا الرضى بالدنيّة في الدين كما أفصح عن ذلك عمر بن الخطاب ...

أيّ جبهة عصيّة هي هذه، على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجهها وهو لتوّه قد انتهى من جبهة "سُهيل" وإن كانت الأولى بكفر كافر، والثانية بإيمان مؤمنين ...؟!!

لنتأمل ...💡
ربما سيصيح بهم صلى الله عليه وسلم، سيوقظهم من حالتهم التي غشيًتْهم من الرأس إلى أخمص القدم، حتى لم يعودوا يسمعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعودوا يأتمرون بأمره، وهو يعيد أمره فيهم مرة ومرة ومرة ... !

ربما سيستنكر حالهم، ويذكّرهم أنه النبي لا كذب، وأنه الذي أُمِروا أن يطيعوه، وأن طاعته من طاعة الله عز وجل، كما علمهم القرآن...
ربما سيذكّرهم ببضع آيات من آيات كثيرة نزلت تبيّن وجوب طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم...

لنتأمل ... 💡
إنه لم يفعل شيئا من هذا والأمر جَلَل ...
إنه يدخل إلى خِباء زوجته التي كانت القرعة من حظها في الخروج معه، وهو الذي كان يُقرع بين نسائه إذا ما همّ بسفر أو غزوة ...

يدخل على أم سلمة، يخبرها الخبر، وهو على ما تحمّل وتكبّد من تجرؤات سهيل، وعدم استساغة أصحابه أمر المعاهدة، يزيد فيُفجَع بهم يعصون أمره...!!

يخبرها الخبر، فتشير عليه أن يخرج فيهم، وينحر هو ويحلق أمامهم دون أن يكلّم أحدا، فيعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورتها، ويخرج فيهم ينحر بُدنَه ويحلق رأسه...
فما يكاد الصحابة يرونه يفعل حتى يفعلوا بمثل فِعلِه لا يتأخرون، بل إنّ الواحد فيهم كان يحلق لأخيه حتى كاد بعضهم يُقتَل غمّا من فرط ما كان يختلج في نفوسهم من الحزن والغضب...
ولكنهم فعلوا ....

فلنتأمل ... وإنها لتأملات .... :) 💡

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضٍ في أمره، لا يردّه عنه غضب أصحابه ولا تغيُّظهم، ولا اجتماعهم على تلك الحال، كما لم يردّه عنه من قبل تجرؤ سهيل وترفّعه واشتراطه أن يُكتب ما يريد لا ما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضٍ في أمره، لا ينفعه الحلّ ، فيبحث عن حلّ آخر، لا يعدَم الحلول، ولا يكتفي بطريقته إذ أمرهم، ولا يجْنح للعنف معهم وهم على ما هُم عليه من همّ وغمّ...بل يستشير وهو مَن هو، ويعمل بالإشارة ... !

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يستشير، لماذا لم يذهب إلى صديقه المقرّب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الذي قبل قليل قد أجاب عمر بن الخطاب بالجواب نفسه الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الذي لم يكن إلا راضيا بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصدّقه كعادته تصديقه، بل وينصح ابن الخطاب أن يستمسك بغِرزه وأن يثق برأيه فهو رسول الله وربه ناصرُه...

لماذا لم يذهب لصاحبه يسأله المشورة في أمره ؟ أو حتى لو افترضنا أنه قد استشاره ولم تُروَ استشارته إياه -وهذا بعيد- لننظر كيف لم يستنكف صلى الله عليه وسلم أن يُشرك زوجته في أمر من أكثر أمور الدولة حساسية... بل أشركها، واستمع إليها، وعمل بمشورتها ...

بل لقد كان لرأيها الوقع والأثر الحَسَن، بل لقد كان الحلّ .... إذ لم يعد للصحابة من بُدّ أن يفروا من "فعل" ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم... فلقد تحلّل من إحرامه أمامهم، يبلّغهم بذلك رسالة أنّ الأمر ماض، وأنه وهو النبي المُرسَل الواجب اتباعه قد تحلّل وأن الأمر لا رجعة فيه ... هكذا ليستقرّ في عقولهم أنّ الأمر قُضِي وبُتّ فيه ولا رادّ له ....

ففهموا الرسالة بفعله لما فعل... ولو أنهم لم يتّبعوه، لاختاروا ساعتها أن يتركوا اتباعهم لرسولهم، ولكانت القاضية ...!

لنتأمل... صبر رسول الله عليهم، ومدى استيعابه لحالتهم، فهو لم يعنّفهم، ولم يذكّرهم أنه النبي الآمر فيهم، ولم يخوّفهم من غضب الله، ولم يذكّرهم بآيات وجوب طاعته، وبآيات خسرانهم إن هم عصوه ...

بل لنتأمل.... :). 💡
إنه صلى الله عليه وسلم لم يذكّرهم حتى بيوم أحد، وبما باء به المسلمون وبما تعرّض له صلى الله عليه وسلم والدعوة برمّتها من خطر عظيم من عصيانهم أمره يومها ....

بل لنتأمل أيضا ... :) 💡
فإذا هو صلى الله عليه وسلم لم يذكّرهم حتى ببيعة الرضوان التي كانت بينه وبينهم هنا في الحديبية، تلك التي بايعوه فيها على ما أراد، أطاعوا فيها أمره، لم يذكّرهم بها وهي البيعة العظيمة، ليقارنوا بين حالهم الساعة وحالهم ساعتها ...
بل انطلق إلى زوجه متوكلا على ربه، مصرا على المضيّ في أمره، حتى وجد عندها الحلّ العقلي المُجدي النافع ...

نعَم... إنهم قد جعلوا ينحرون كما نحر، ويحلقون كما حلق...
ونعم... إنهم وهم يحلقون كاد بعضهم يُقتَل غما ... ولكنه "فعَلَ" ما "فَعَلَ" الرسول صلى الله عليه وسلم ... لم يعد لهم من خيار ...

لقد فهموا بذلك أن الأمر في هذه الحال ليس موضوع شورى، بل هو وحي من الوحي...
استشار زوجَه في طريقة إقناعهم بالتحلّل، ولم يستشر واحدا منهم أيقبل شروط سهيل أم يرفضها، أيقبل بالمعاهدة وبنودها أم يرفضها، أيعمل بالبند الأول فيها فيتحلّل ويعود أدراجَه أم يعطّله..
ولكنه في كل حال نراه صلى الله عليه وسلم يستوعبهم... يحتويهم، يتقبل تقلّبهم... ويكون التفهّم منه هو الأسبق ... :)

نعم إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم إنه المُحدَّث من ربه والمؤيد منه...
ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بحكم نبوته يجتاز هذه المِحن بسهولة، لم تكن تمرّ عليه دون أن يتعب، دون أن يتكبّد الآلام ... لم يكن بحكم نبوته يجتازها وهو لا يتعذّب .... بل كان بشرا ...بل كان كل هذا معه يحدث ... كان يتحمّل، وكان يُثقله الحِمل، وكان يُتعبه، ولم يكن أحد غير الله يعلم مقدار ما يتكبده صلى الله عليه وسلم من صِعاب ويتجرّعه من آلام ...

ولذلك ... فإننا هنا ...هُنا مع أحداث الحديبية، غير بعيد ... ورسول الله يعود مع أصحابه إلى المدينة، في الطريق إليها، قريبا منها تنزل عليه سورة "الفتح" ليؤنسه ربُّه، ولن يؤنسه ولن يشدّ من أزره غير الذي يعلم مقدار ما تكبّد ....

فتأتي فواتح "الفتح" هدية له صلى الله عليه وسلم، مُخاطَبَة له، تأكيدا على صحّة ما ذهب إليه من رأي قصرت عنه أنظار أصحابه... تبشيرا له، قبل المؤمنين أنّما صلح الحديبية فتح مبين  : "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً(2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً(3)"

بل وتأملوا سورة الفتح وما فيها من تبشير للمؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيها من عتاب على ما كان منهم ... :)
بل لقد جاء فيها عنهم : "ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً(5)"

كما جاء إعلان الرضوان من رب العزة على أهل بيعة الشجرة، وهُم هُم الذين كان منهم ما كان ساعة أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا من إحرامهم ... :)

فلنتعلم .... !

فلتتعلم الزوجة لزوجها، وليتعلم الزوج لزوجته... ليتعلم كل طرف كيف يبحث عن الحل والحل بدل الحل الواحد، وليصرّ على "التعقّل" ولا يسبِقنّ غضبُه حلمَه ورحمته واحتواءه واستيعابه لحال الطرف الآخر...

لنتعلم أن من عصاه ابنُه مرة، لا ينقلبَنّ عليه من ساعته صاعقةً مُهلكة، بل ليتريث فإن كان في الأمر من طلب رأي، فليطلب منه أن يفسر سبب عصيانه، وإن اقتضت الضروة أن يكون رأي الأب ورأي الأم فليتريث، وليتمهل، وليصبر وليبحث عن حل للإقناع بدل الحل الواحد، ولا يعلِننّ عاصفة غضبه عليه، بل ليسعَ وليبحث عن الحلول العقلية المقنعة... وليستشر إذا ما شحّت ِحيَلُه..

وليخاطب العقلَ في ابنه ولا يقيسنّ ساعة طاعته بساعة عصيانه، فإنه يرى رأيا في أمر ويرى في الأمر الآخر رأيا غيرَه ... ليُخاطب العقلُ فيه العقلَ، وليتسع له صدرُه، وإنه وهو يتحرى التعقّل والاستيعاب وتغيير الحلول سيفتح الله له .... وسيكون له من الأمر ما فيه خير له ولابنه...

ولنتعلم ثم لنتعلم ثم لنتعلم ..... :)

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#الحل_البديل
#للمشكلة_أكثر_من_حل
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :
أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1134406033351595&id=100003466263333

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

سادسا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1145247608934104&id=100003466263333

سابعا وثامنا :  https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1148652611926937&id=100003466263333
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:50:26
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في الحديبية... مانزال بعدُ... ولكنّا اليوم نعتلي منارتَها :)

الحديبية ...ذلك المكان الذي اجتمعت فيه الأحداث العظيمة، المِفصليّة في تاريخ الدعوة، في تاريخ الإسلام ...

من الحديبية... نستطلع تلك العلاقة الشفيفة الدقيقة العميقة ...تلك العلاقة ما بين عطاء السماء، وحركة الأرض ...ما بين وحي السماء والحركة به على الأرض ...
ما بين "الوحي" و"الحياة"...ما بين كلام الله وتفاعل رسول الله على الأرض ...

من الحديبية ... من منارتها، وأنا أستطلع، وأستشرف... يمرّ بي كلام من الكلام كنت قد سمعته من قائليه ... مَن قال عن السنّة... من شكّك بالسنة وبحُجّيتها، من اعتراه داء من أدواء التشكيك يعقبه التشكيك يعقبه التشكيك... من قال حتى بأنّ القرآن وحده كاف للتشريع، وحده ذو الحُجيّة الساطعة ... وأما السنّة فعليها ما عليها ... !!

وأنا بالحُديبية، وأنا مع حالاتها تمرّ بذاكرتي هذه الكلمات التي سمعتُ ...سمعتُ منها مِرارا ومِرارا ... وكثيرا وكثيرا ... وألوانا وألوانا، تُصبغ بلون "العقل" و"الحكمة" وما هي إلا "الهوى" يتلوّى ويُهيّأ لصاحبه أنه العقل والتعقّل ...!!

لننظر... 💡
إننا اليوم على موعد مع تلك "المسافة" .... المسافة التي قطعناها من ساعة الرؤيا التي رآها المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والتي فيها أنه وأصحابه يطوفون بالبيت ...
إلى ساعة العودة من مكة إلى المدينة، بعد انقضاء الكتاب بين المسلمين وقريش، وبعد تحلّل المسلمين من إحرامهم وتنفيذهم للبند الأول، والمتمثل في رجوعهم من عامهم هذا دون أدائهم للعمرة، دون طوافهم بالبيت ...

المسافة ما بين "الرؤيا" و"العودة" .... !!
إنها لمِن المُفارقات .... وإنها لمِن عجيب تناغم المتناقضات .. !
الرؤيا التي اقتضت الطواف والدخول، والاعتمار... والعودة التي اقتضت "عدم" الطواف، و"عدم" الدخول، و"عدم" الاعتمار ....
الرؤيا... وما رؤيا الأنبياء إلا حقّ... والخروج من المدينة بدافعها، ونيّة الزيارة والعمرة بسببها، والعودة دون تحقٌّقها ... !  :)

وإنه لأمر جَلَل ... ألا تتحقق الرؤيا ... وإنه لمِمّا كان السبب الرئيس في تغيّظ الصحابة، وفي إفصاح عمر ومحاججته وتساؤله، وفي استصعابهم قبول العودة من غير تحقيق ما جاء في الرؤيا ...

فلنتأمل ... 💡

هل نزل الأمر بالخروج إلى مكة قرآنا ؟ عبر آية نزلت فيه ؟ هل نقرأ أمر الخروج إليها يومَنا هذا مع ما نقرأ مما وثّق له القرآن يُتلى إلى يوم الساعة ؟

فأين دعاة الفصل بين "حركة" رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، وبين "الوحي" ؟
أين دعاة إنكار السنة من الحديبية وأحداثها؟ من المسافة الفاصلة بين الرؤيا والعودة ؟

أين دعاة التشكيك بالسنة، ونحن نعرف أن سبب الخروج إلى الحديبية لم يكن بأمر آية، بل برؤيا لم يوثّق القرآن تفاصيلها، بل وثّقتها السنة، وثّقتها الأحاديث ...ولم ينزل فيها قرآن إلا بعدما كانت وكانت مُقتضياتها وما نتج عنها، لا قبل أن تكون ...

ورسول الله صلى الله عليه وسلم والرؤيا لم تتحقق، وعلى رؤيا الأنبياء أن تتحقق... وهو لا يعلم وقد خرج إلى مكة بمَن معه أنه مُلاقٍ ما لاقاه ... لم يكن يدري أنه مُرجَعٌ من عامه ذاك ... كيف قطع المسافة من "الرؤيا" إلى "العودة" ؟! كيف قطعها ومِن حوله عمر بن الخطاب مستشيط غضبا، هائج نفسا... يسأله إن كان النبي حقا، يسأله عن الرؤيا، وكيف أنها لم تتحقق ... !

عَبر أي وسيلة قطع صلى الله عليه وسلم هذه المسافة ذات الطريق الوَعر، والمسالك الملتوية ...؟؟
ليس عَبر شيء غير "اليقين" .... !!

لنتأمل .... 💡
إنه لا يرى تحقّق الرؤيا، وإنه ما خرج إلى مكة إلا بدافع منها، إلا وهي التي تسوقه إلى حيث أمرِ الله ... ليس عبر آية، ليس عَبر القرآن، ولكنه من أمر الله رؤيا الأنبياء ...
إنه على يقين تام من أنّ أمر ربه ماضٍ... ماضٍ وإن لم تتحقق الرؤيا ...

نعم لم تتحقق هذا العام، ولكنها العام القابل ستتحقق، هكذا تقرّر يقينه الثابت بربه في المعاهدة وقريش تصرّ ألا يدخلوا عامهم هذا وأن يعودوا من العام القابل ويدخلوا من العام القابل، هكذا تقرّر يقينه الثابت الذي لا يتزعزع، وهو يجيب عمرحينما سأله قائلا: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟

يتقرّر يقينُه وهو راحِلتُه التي قطع بها تلك المسافة الصعبة ... ! من المدينة إلى الحديبية ثم من الحديبية إلى المدينة، من "الرؤيا" إلى "العودة" ... من "الرؤيا" إلى "عدم تحقّقها"...
هنا ... هنا... من منارة الحديبية، من معاليها، يقرع رأسي نَقر حمام زاجل ينقل لي رسالات من الذاكرة :)
منها أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال :ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "...

أي شكّ أنت أولى به يا رسول الله ؟! أي شكّ يراودك ؟؟ وأنت ترى بأم عينيك الرؤيا وهي الحق من الله لا تتحقق...!! ولكنّ يقينك لا يتزعزع، بل تجيب عمر قائلا: "فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به" ...
أي شكّ تنفيه عن إبراهيم عليه السلام، فتضع نفسك موضع من هو أولى بالشك منه ؟!!

ولعَمْرُ الله ما هو لك، ولا لإبراهيم صلى الله عليكما وسلم ... بل اليقين راحلتُك في مسافاتك الهيّنة كما في مسافاتك الصعبة...

أهذا حال من يشكّ ؟؟ أم هو حال من قد يشكّ كلُّ مَن حَوْلَه، ولا يراودُه الشكّ لحظة ...
إنه اليقين، وأيّ يقين هو يقين محمد..... !!!

لنتأمل .... 💡
إنه لم تنزل عليه آية من السماء تؤيّده وهو في قلب الحصار المُحكَم من قريش تُملي وتشترط، ومن أصحابه يستثقلون مُجريات الحديبية... لم ينزل وحي يشدّ من أزره، ويؤيّده...لم تنزل سورة الفتح إلا بعدما تحلّلوا من الإحرام، وعادوا أدراجهم و"تحقق عدم التحقق" ...
بل هي حركته على الأرض بيقينه ...

ومن منارة الحديبية، وأنا أستشرف وأستطلع شأن تلك المسافة بين "وحي السماء" وحركة رسول الله على الأرض.... بين الوحي، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن...حمل إليّ حمام الذاكرة الزاجل رسالة أخرى... :)
رؤيا إبراهيم عليه السلام، وكيف صدّق الرؤيا ...وكيف ائتمر بالرؤيا، وكيف جازاه الله بتنجية إسماعيل بما صدّق بالرؤيا ..."وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ(106)"-الصافات-

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّق الرؤيا، ورآها حقا، وإن لم تتحقق، حتى قال لعمر: "فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به"، فجازاه الله بالفتح، بسورة الفتح تحمل له البُشرى بعد العودة، بعد المُكابدة، بعد أن ابتُلي بحال أصحابه، بعد أن أمرهم، ولم يأتمروا، بعد أن اجتهد يبحث عن حلّ ليسمعوا له ...
فلأصحاب التشكيك بالسنة، وبأنها ليست بالوحي مع الوحي، وبأنّ الحُجيّة للقرآن وحده... لأصحاب التشكيك بنَقَلة السنة يجنح بهم إلى تحييدها ما دامت موضع تشكيك ...وإلى الاقتصار على القرآن دونها ...!!!

إلى كل هؤلاء ... هذا القرآن يصدّق فعل رسول الله على الأرض، يصدّق تفاعله عليها، يصدّق كلامه ... وما فِعْلُه، وتفاعُلُهُ وكلامه إلا "السنّة" ...إلا حياته على الأرض يفعل، ويقول، ويقرّر...
فلا تنزل سورة الفتح إلا بعد انتهاء الفعل والتفاعل مع "الرؤيا" لا مع "الآية من القرآن"...
من هذه الشاكلة هي العلاقة بين وحي السماء ممثَّلا في القرآن، وبين حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض... من هذه الشاكلة هي العلاقة بين "القرآن" و "السنة"....

لهؤلاء أقول : فهل الرؤيا قرآن لتُصدّق أنت بحجّيتها ؟ وقد صدقها القرآن بعد وقوعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا قبل وقوعها ... هل الرؤيا قرآن ائتمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه، ومنها قد انطلقوا إلى مكة ؟ ...

أم أنك أكثر ائتمارا من صحابة رسول الله؟ فلا ترضى إلا أن تأتمر بالقرآن ؟ بل إنك لأكثر ائتمارا من رسول الله ذاته، وهو يأتمر بها، بينما لا تأتمر أنت بالسنة، ولا تنسب لغير القرآن حُجيّة ...؟؟
وهكذا ينزل قرآن يصدّق الرؤيا، بعد حصول الرؤيا، وبعد العودة بلا تحقّقها :
"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً(27) " -الفتح-

تلك هي المسافة بين "وحي السماء قرآنا" وبين "حركة رسول الله على الأرض"...
لا ينفصلان... لا ينبَتَّان، لا يُحتجّ بالقرآن إلا ليُحتج بالسنة، ولا يُحتجّ بالسنة إلا ليُحتجّ بالقرآن ....

"وحيٌ" و "وحيٌ".....

فلنتأمل .... 💡
عملَ اليقين بالله لا تُزعزعه الخطوب على جلالتها ...
ولنتأمل .... 💡
المسافة بين أمر الله وفعل رسول الله وما هما إلا أمر الله وأمر الله ...

فلأصحاب الفصل بين الوَحْيَيْن أقول: أمِنَ الحكمة أن تفصلوا بين ما لا يُفصل بينهما... ؟!

----------------------------------------------------

بالتعليق الأول أدناه تجدون روابط منشورات "نِشدان الحكمة" السابقة...

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#حجية_السنة
#التشكيك_بالسنة
#اليقين
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:51:29
في السورة من القرآن... عندما تكون مع قطاع من الآيات يعالج موضوعا ما... ثم تجد نفسك فجأة مع آيات موالية للتي كنتَ معها، فإذا موضوعها آخر، مخالف، مغاير ...

وقد تتساءل... ما وجه العلاقة بين ما كنتُ فيه، وبين هذا الموالي له  ؟!

مثلا كيف نكون مع أحداث غزوة، حتى نجد أنفسنا مع آيات في التزكية ؟!  (سورة آل عمران).

كيف نكون مع الحديث عن تكذيب المكذبين بالبعث، حتى نجدَنا مع قصة موسى وفرعون ؟!(سورة النازعات)

ربما للوهلة الأولى ... تظنّ هذا البعد، وهذا الاختلاف، ولكنك إذا ما أطلتَ المكوث، وأحسنتَ النظر، وتأملت عرفت أن هذا لا يختلف عن هذا...لا يبتعد عنه، لا يغايره... بل إنّهما لمرتبطان أوثق الارتباط ... وأجمل الارتباط ... !

تأملوا سورة النازعات ... والله سبحانه يُقسم بالملائكة على اختلاف مهامها وأدوارها، نازعات، وناشطات وسابحات وسابقات ومدبرات... على أن وعد الله بالبعث حق ... : " فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة"

ثم تأتي قصة موسى عليه السلام مع فرعون ... !

ولكننا كنا مع البعث، ومع المكذبين بالبعث : " يقولون أئنا لمردودون في الحافرة * إذا كنا عظاما نخرة "

فكيف نُحال على قصة ؟!

📌 أولا : لنتأمل كيف أجمِلت القصة كلها في آيات متتابعة قليلة: ناداه ربه، ثم أمره أن يذهب للطاغية، وأن يسأله إن كان له أن يتزكى، وأن يهديه إلى ربه...

فنجدنا مع موسى عليه السلام يريه الآية، فإذا فرعون مكذب... ! مهتاج...! مضطرب يسعى، يقرع الحق وجدانه قرعا مؤلما، يجعله متخبطا، فيجمع الناس من حوله، يقول أنه الرب الأعلى ... !!

📌 ثانيا : ما علاقة فرعون وحاله إزاء دعوة الحق، بحديث سبقه عن البعث وأنه الحق ؟!

أيها المكذبون بيوم البعث، وبقدرة الله على البعث، أيها المستهزؤون المتعجبون من أن تبعث العظام النخرة بشرا كما كانت حية من جديد ...

هذا فرعون وقد طغى، وكذب بالله وبالبعث، وملك وأمر، وكانت جنوده أوتادا تضرب في الأرض ...

لا بل أكثر من ذلك .... لقد ادعى الربوبية فنادى في قومه : "أنا ربكم الأعلى" ....

أين منتهاه ؟ أين ربوبيته وأين ألوهيته ؟ وأين قوته ؟ ها نحن أولاء نشهد هلاكه نكال الآخرة والأولى...
فأين ستذهبون بتكذيبكم ؟ وأيَّ مأرب أنتم به قاضون ؟!!

أي مبلغ في الطغيان أعلى من أن يدعي الإنسان الألوهية والربوبية، ؟!! لا .... والأدهى أن يجد من يؤلهه، ويسمع كلامه ويطيع على أنه الرب الأعلى ... فيزداد طغيانا وتجبرا وتغطرسا ... وهكذا كان فرعون ... فهل أنجاه هواه وقد كذب بالخالق الباعث ؟ وبالبعث والحساب ؟!

فلننظر... أي افتراق هو بين الآيات والآيات التي تلتها ؟!! بل إنه للرباط الوثيق ...

ثم لنمضِ قُدُما ... إنها آيات أخرى موالية لقصة موسى مع فرعون، والتي انتهت ببيان هلاك فرعون، وكيف جعله الله عبرة لمن يخشى ...

إنها آيات عن الخلق ....
وإننا من البعث، إلى القَصص، إلى الخلق .... لتنتهي السورة بالبعث من جديد  :)

"أأنتم أشد خلقا أم السماء.. بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " ....

يا كل من تتجبر، وتتكبر، وتُكذّب، وتتأله كما كان فرعون ... تأمل... أأنت أشد خلقا أم السماء؟
أم الأرض ؟ أم الجبال ؟

إنك لأهون على الله منها كلها ... فأين يمضي بك غرورك ؟! وأين يمضي بك طغيانك ؟!!

وبعد كل هذا الخلق الذي يحيط بك... بعث ولقاء ويوم هو الطامة الكبرى .... يوم تتذكر سعيك... فأما من طغى فالجحيم مأواه، واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى الذي أوقع فرعون فيما أوقعه فيه، وأوقع كل مكذب فيما أوقعه فالجنة مأواه...

فلنتأمل أي افتراق هو بين الآيات والآيات ؟ وأي اختلاف واي بعد هو لمعنى هذه ومرماها عن معنى الأخرى ومرماها.. ؟!!

بل إنه الترابط الوثيق... الوثيق الذي لا يُرى من "قراءة" بل يُرى من "مكوث" و"تأمل" وتملٍّ في هذه الصور المتناسقة والمعاني المتساوقة المتسقة، بديعة التصوير ...

وهذا عن ترابط قطاعات الآيات ومواضيعها في السورة الواحدة وكيف يبدو الاختلاف والافتراق من حيث هو الارتباط والالتصاق...

وأود أن أشير بعيدا عن هذا إلى شيء من جماليات "النازعات"  :)  :
 الرب الأعلى سبحانه وكيف ينطق عنه بديع صنعه في الدنيا، وينطق عنه تحقق وعده في الآخرة أنه الرب الأعلى :"فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة"  بينما ينطق المتربّب والمتأّله بلسانه المضطرب وقلبه الخائف وكيانه المهزوز : "أنا ربكم الأعلى" ...

وشتان شتان بين "الأعلى" بحق وبين المستعلي بباطل...!

#سورة_النازعات
#الترابط_بين_الآيات
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:52:10
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

مازلنا ننشد الحكمة من نبعها الصافي صلى الله عليه وسلم، مازلنا نريد أن نستقي من نبعه الفيّاض لحياتنا ...
واليوم موعدنا مع حديث من صحيح البخاري... :)

عصر الصحابة...
عصر جعله الله نموذجا للحالات البشرية، للتقلبات البشرية...
نموذجا لارتقاء البشر مُرتقى "الإنسانية"، لا بالكمال ولا بالمثال، ولا بالصورة المبرّأة، بل بالخطأ البشري، والضعف البشري، والزلل البشري...

بكل هذا كانت دروس ذلك العصر حتى يُمَكَّنَ لها أن تكون للقابل من الأزمنة بعد زمانهم دروسا وتعليما وتربية... حتى تكون للمعالجة النبوية من جدوى وهي تضرب في أعماق البشرية التي تتكرر ما تكررت العصور، وتتوالى ما توالت الأزمنة ...

حتى يصحّ أن يكون القرآن تربية للأزمنة كلها، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قرآنا يمشي على الأرض، يجسّد تربية القرآن، وصقْلَ القرآن ودوْرَ القرآن مع النفوس ...

اليوم مع "هلال بن أمية" رضي الله عنه وقد قدِم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاذفا امرأته بين يديه، إذ رماها بالزنا مع رجل يُدعى شريك بن سحماء، هكذا ذكرالرجل الذي اتخذته لها خليلا من ورائه باسمه ... ولم يكن ساعتها قد نزل حكم "اللِّعان" بعد ...

واللِّعان -لمن لا يعرفه- هو الحكم الذي أنزله الله تعالى في شأن الرجل يرى زوجته رَأْيَ العين يواقعها رجل، ولا يراها على تلك الحال معه غيره، فيحلّ حكم اللعان محلّ الشهود الأربعة الذين قضى بهم القرآن لإقامة الحد في الزاني، ذلك أن يجلس الرجل وامرأته بين يدَي الحاكم فيتلاعنان، فيشهد الرجل أربع شهادات بالله أنه صادق فيما قاله عن زوجته والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم يأتي دور المرأة لتشهد أربع شهادات أنه من الكاذبين عليها، والشهادة الخامسة منها أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ...

وبهذا إما أن يقام عليها الحدّ إن لم تشهد وأعلنت توبتها، أو أن تنجو من الحد إذا ما شهدت، ويبقى هنا أنّها قد تشهد تلك الشهادات وهي كاذبة، ولا تكون نجاتها إلا من عذاب الدنيا والحد، وتكون قد باءت بغضب الله تعالى يوم القيامة وهو أشد عليها مما ظنّت عبثا أنها قد نجت منه بشهادات كاذبة ...

ساعةَ جاء هلال بن أمية قاذفا زوجته بشريك بن سحماء لم يكن حكم اللعان قد نزل بعد، ونعلم أن الكثير من آيات القرآن وسوره نزلت بمناسبات، فكان لتنجيم القرآن حكمة عظيمة من الله تعالى وهو يعالج القضايا والمُلمّات تبعا لحدوثها، ولتبقى أحكاما عامة على سائر المسلمين في قابل الأزمنة.

فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم : "البيّنة أو حدٌّ في ظهرك"... والبيّنة هنا -والحكم لم ينزل بعد- إنما هم الشهود الأربعة المفترض توفّرهم لحالة الزنا حتى يقام الحد على من أتاه، وإلا باء صاحب الادعاء -وهو هنا هلال بن أمية- بحدّ القذف، "قذف المُحصنات" وهو ثمانون جلدة في ظهر القاذف الذي لا يُعَدّ إلا قاذفا وهو لا يتوفر على الشهود الأربعة ...

ذاك هو الحكم المعمول به ساعتها، ولذلك كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم "البيّنة أو حدٌّ في ظهرك" ...

تأملوا ... 💡

كيف لرجل يرى رَأْي العين رجلا واقعا على زوجته، يرى العملية بأم عينه أن يلتمس الشهود ؟ هل ذلك بالأمر الهيّن ؟؟ هل هو بالمعقول والمُتاح ؟؟
هل يذهب الرجل يلتمس الشهود واحدا إثر واحد حتى يبلغ الأربعة ليصحّ ادعاؤه؟ أوَلوْ كان صادقا غير مفترٍ عليها ؟؟ أيموت قهرا ؟!

لا بل يُقام عليه فوق هذا كله حدّ القذف ؟؟ يُجلد ثمانين جلدة وهو الصادق فيما ادّعى، وهو الذي لا يمكنه بأي حال أن يجمع الشهود ليأتي بهم فيرَوا معه ما رأى!... كيف لذلك أن يتحقق؟؟ وكيف يُؤخذ للرجل الصادق بحقه ؟؟ وكيف للمرأة الفاعلة ولخِدْنِها وخليلها أن يُعاقبا ؟؟ أفَـيَنْجُو الجاني والمجرم والخائن، ليُعاقَب الصادق المخدوع ؟!!

هل تتصورون أن تبقى هذه الثغرة في الإسلام ؟؟ أتتصورون أن ينقلب المظلوم ظالما في الإسلام ؟؟  ترى إلامَ سيؤول حال هلال ؟؟

لنستمع إلى هلال يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة ؟ "

لنتأمل ... 💡

هل صمت هلال وهو يعلم أنّ إنفاذ حدّ الزاني يقتضي شهودا أربعة، وإلا كان للقاذف حدّ يُقام عليه ؟ هل صمت، وهو يعلم أنّ هذا ما نزل بشأن الأمر ؟
لنتأمل كيف يحاجج هلال بهذا السؤال، محاججة عقليّة لا غُبار على العقل فيها...

لنتأمل 💡 كيف يحاجج بعقل، بمنطق ... وهو يعلم أنه يحاجج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ريب ولا شك في عدله، وفي ائتماره بأمر ربه، وفي تنفيذه لحكمه ...

لنتأمل 💡 كيف لم يمنعه مقام النبي صلى الله عليه وسلم من أن يسأل، من أن يطرح ما عنده، من أن يطرح بالعقل لا بالعشوائية والعبث والهُراء ...

فما كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟
ربما سينبّه هلالا إلى أنه يحاجج رسول الله، وأنه كيف له أن يسأل وأمرُ الله الذي بين أيديهم ساعتها هو ما أجابه به ...ربما سنسمعه يزجره، وينهره ويأمره أن يسمع لأمر الله ويطيع، وألا يسأل ....

لنتأمل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال وهو يسأل ويتساءل : "البيّنة وإلا حدٌّ في ظهرك"
يعيد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله، لا يستطيع أن يحيد إلى غيره، لا يستطيع أن يغيّر الحكم ما لم ينزل في الأمر غيره ...

لم ينهره، لم يزجره، لم يمنعه من السؤال، لم يحرّمه عليه ... لم يصح بوجهه أنه يناقش أمر الله ....
فما تُراه سيكون من هلال بعد هذا الجواب المُكرّر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟
قال هلال: "والذي بعثك بالحق إني لصادق، فليُنزِلنَّ الله ما يبرئ ظهري من الحد ".

تأملوا .... 💡
أي يقين هو لهلال ؟ أي قوة هي في هلال ؟؟ أي فهم للدين هو عند هلال ؟؟ أي فهم عنده للوحي ولدور الوحي ولحاجة الإنسان للوحي ؟
إنه يُقسم أولا أنه لصادق فيما ادعى، وأنه ما دام صادقا فإن يقينه بالله تعالى أن الصادق المظلوم لن يوتَر، ولن يُظلم وسيجعل الله له مخرجا ... ويقينه بالله العدل الحق أنه لن يدع هذه الحالة دون حكم ينزل بشأنها، حالة لا يُستساغ عقليا أن يكون لصاحبها شهود حتى يُصدَّق ...

وليس هلال وحده الذي ناقش الأمر، وحاجج فيه، بل إن مناقشةً أخرى من سعد بن عُبادة واردة في حديث صحيح آخر، ذلك أنه عند نزول آية حدّ القذف :" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) "-النور-
سأل سعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : "أهكذا نَزَلَتْ يا رسولَ اللهِ ؟ " فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : "يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تسمعونَ إلى ما يقولُ سيدُكُم ؟" قالوا : يا رسولَ اللهِ لا تلُمْهُ فإنه رجُلٌ غَيورٌ واللهِ ما تزَّوج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا وما طلَّق امرأةً له قَطُّ فاجترأ رجُلٌ مِنَّا على أنْ يتزوجَها من شِدَّةِ غَيرَتِه ...

فقال سعدٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ إني لأعلمُ أنها حقٌّ وأنها من اللهِ تعالى ولكنِّي قد تعجبتُ أني لو وجَدتُ لَكَاعٍا تَفَخَّذَهَا رجُلٌ (أي امرأة لئيمة يواقعها رجل غير زوجِها) لم يكنْ لي أن أُهيجَه ولا أُحركه حتى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ فواللهِ لا آتي بِهِمْ حتَّى يَقْضِيَ حاجتَه "

وسعد هنا أيضا يسأل، يتعقل، يستخدم عقله، ويُحاجج في الأمر، ويسأل عنه، ويناقش : "أهكذا نزلت يا رسول الله" وهو أكثر ما همّه حال الزوج الذي يكتشف زوجته ورجل واقع بها... وأنه لا يأتي بالشهداء إلا وقد قضى صاحب الحاجة حاجته وانقضى الأمر... وفي هذه الرواية من الحديث، ما لبث أن سأل سعد حتى جاء هلال بقضيته يطرحها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

كلاهما، هلال وسعد تساءلا، فالأول صاحب القضية، والثاني رجل من أشد رجالات العرب يومها غيرة، وكلاهما يتصورالأمر بقوة، فلا يجد للإتيان بالشهداء أو لحد القذف والرجل صادق في دعواه من حلّ...
ولكنّ هلالا زاد فأقسم أن الله منزلٌ ما يبرّئ ظهره من الحد ....

فهل تتصورون ما حدث بعدها ؟؟ بعد قسمه أن الله منزل فيه قرآنا يبرئ ظهره من الحد :)

تأملوا ..... 💡

"فنزل جبريل وأنزل عليه : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)" -النور-
لقد صدّق الله هلالا، ومن توّه نزل جبريل بالوحي يبرئ ظهره، ويبرئ ظهر كل من صدق في دعواه ضد زوجته ... نزل حكم شرعي جديد يسدّ هذه الثغرة، ولا يترك مجالا لبخس حق صاحب حق، ولا لظلم مظلوم، ولا لفتح الباب أمام ظالم متَعَدٍّ، مُعْتدٍ ...

لنتأمل ... 💡
عُلُوَّ يقين هلال، لنتأمل كيف يفهم الدين، وكيف يفهم أن هذا الدين ما نزل إلا لنصرة المظلوم، وأنه نزل لحاجة الإنسان، وأنه نزل موافقا للعقل السليم غير مخالف له ...
تأملوا شدة فهم هلال، وعِظم يقينه بالله ... وتذكروا معي يقين عائشة رضي الله عنها حينما رُميت ظلما بالزنا، وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترقب لشهر كامل وحيا يبرئها ، ولم ينزل، ولكن عندما تيقنت عائشة من ربها، وأعلنت يقينها، وتبرأت مِن حَوْلِها ومِن قوتها ومن حَوْل كلّ مَن حَوْلَها، حتى من زوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ولاذتْ بالله لَوَاذ المؤمن الموقن :" قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي"
وفوْرَما كان منها ما كان أنزل الله على نبيه وحيا يبرئها .....

تأملوا كيف عرفوا الله ... كيف استمسكوا بالله، ولم تكن عبادتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت لله... فعائشة علمت أن الله مبرئها، وهلال أقسم أن الله مبرئ ظهره من الحد ...
فصدق الله من صدقه ... وأنزل وحيا يبرئ ظهر هلال من الحد ....

تأملوا ... 💡
كيف لم يوبّخ رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالا وهو يسأل، ولم يوبّخ سعدا وهو يسأل، بل لم يوبّخه وهو يقسم أنّ الله منزل ما يبرئه ...! لم يَرمِه بالتألي على الله ولم يأمر أحدهم بالسمع والطاعة بخلاف ما أمرهم به في غير هذا الموضع من السمع والطاعة، لأنه كان يعلم، ويعقل أنّ هذا الأمر يستدعي السؤال، وأنّ الوحي ما يفتأ ينزل مع الأحداث لتولد الأحكام الجديدة، ولتُنسخ أحكام أخرى...

كما أدعو نفسي وإياكم في ساحة هذا الحديث إلى تأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إذ يحكم بأمر الله تعالى لا تأخذه العاطفة فيؤخّر حكم الله حتى يسمع لعاطفته تؤخر عنه الحق، فتحول دون أن يطلب من هلال البيّنة ودون أن يذكره بحد القذف...
هلال منا، هلال مؤمن، تقي، هلال من الصعب أن يقذف زوجته كذبا... فلنأخذ بشهادته وهي تكفي، ولا نكذبنّه، ولا نعرضنّه للحد ...
أو لنرسل من يسأل ويتقصى في أمر هلال ويأتينا بسيرته وأحواله مع الناس، لنعرف صدقه من كذبه، فلا نشقّ عليه بالشهود الأربعة، ويكفينا منه شهادة الناس بصدقه معهم ....

لا...لا....
إنه صلى الله عليه وسلم لا يرتضي بغير البيّنة، وإن كان الذي جاءه مَن كان، كيف لا وهو الذي علمنا أنه قاطعُ يد فاطمة بنت محمد إن هي سرقت ... لا تأخذه أقرب عاطفة وأقوى عاطفة في دين الله، وأمر الله...
بل يطبق العدل كما يجب أن يكون العدل دون النظر في قرابة، أو دين أو تقوى أو جاه أو منصب ... بل كل النظر في الحق يؤخذ لصاحبه، وفي الحدّ يُقام على مُصيبه..

كما لا يفوتني أن أنوّه بهذه المساواة الشديدة بين الرجل والمرأة في الإسلام، ليس للرجل على المرأة من زيادة تجعله الأَوْلى بأن يُصدّق، وتجعل المرأة الأولى بأن تُكذَّب، وتجعله الأولى بأن يُنتَقَم له ولكرامته، وتجعلها الأولى بأن يُسارَع إلى معاقبتها والتنكيل بها دونما تبيّن وإشهاد ...

إنما ذلك أمر الجاهلية، لم يعد له في الإسلام من مقام، ولم يعد يُسمع له من رِكز ... إنما ذلك من جاهلية ما تزال تطلّ بوجهها الكالح مُسفرة أو مقنّعة في كل عصر، وليس للإسلام الذي يُرمَى بها من نصيب ... بل إنك يا هلال الأولى بأن تُعاقَب وأنت الزوج، إن لم تأتِ بالبينة .... !!

ونكمل مع الأحداث، وظنّي بكم أنكم تودّون معرفة ما آلت إليه :)

كما نعلم ائتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربّه، أرسل إلى امرأة هلال، فحضرت وهلال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟"
أَوَليس من داع جديد لتأمل مقالة المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه ؟
أحسَبُ أنّه الداعي والداعي ... :)

فلنتأمل .... 💡
إن الله هو الذي يعلم أن أحدكما كاذب، والعلم له سبحانه، وإن كان لهلال بيّنة ضمنيّة تجعله الأصدق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ما أن أقسم بالله أنه منزل ما يبرئ ظهره من الحد حتى نزل جبريل بالحكم الجديد ... أفليس هذا من تصديق الله لهلال ؟ أليس هذا أدعى لتصديقه عنده ؟

ولكنه صلى الله عليه وسلم، وهو اللبيب الذكي الألمعيّ، والذي لا يفوته ما هو أدنى بكثير من هذه، لتفوته هذه، رغم كل ذلك، لا يفصل ... لا يجزم ... بل يدَعُ الأمر لما سيكون، بل يتريث، بل ولا يخاطب هلالا بنبرة ويخاطب امرأته بنبرة أخرى... بل يخاطب كليهما سيّان ...

لا فرق بين هلال وبينها ... ومن حدّة ذكائه، ومن تمام ظُرفِه ورحمته بأصحابه حتى وهو في أصعب الحالات معهم يلوّح إلى أن واحدا منكما كاذب، فلا يشعر واحدٌ أنه المبرأ ويشعر الآخر أنه المُتَّهَم والحكم لم يمضِ فيهما بعد، بل كلاهما عنده الآن مُتَّهَم حتى تثبت البراءة... حتى ينتهي الأمر إلى آخره، حتى ينتهي إنفاذ حكم الله كما نزل ...

"فهل منكما تائب ؟"...
باب التوبة يفتحه صلى الله عليه وسلم، وذلك أول ما يرغّب به، وذلك ما لا يُغلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الناس، وذلك ما يقرّب به العبدَ لربه، وإن كان غارقا في الذنب، وإن أتى الكبيرة، وإن فعل ما فعل، لا يستأثر برحمة الله لفئة دون غيرها، لا يُنكر على المذنب أكبر الذنب أن يتوب ويرجع، لا يجعل باب الله حِكرا على "ملائكة" من البشر دون "بشر" من البشر ...!

وفي هذه أيضا أذكر ما قاله لعائشة رضي الله عنها، وهي زوجه، وهي التي اتُّهمت زورا، وهي التي إن كان صحيحا ما قيل فيها -حاشاها- فهي التي خانت نبيّ الله، ورغم كل ذلك، لا يدفعه إحساس الرجل المقهور المخدوع لأن يُغلق دونها باب التوبة، ولا ييأس من عودتها، بل يدعوها أن تتوب إن هي ألمّت بذنب ...

وهذا دأبه، ودَيْدَنُه صلى الله علي وسلم، وهكذا بُعِث للعالمين رحمة، وهكذا بُعِث هاديا لربه لا مُبعِدا عنه ... وهكذا كان رؤوفا، شفيقا بالناس، عالما بضعفهم، غير مُقنطهم من رحمة الله ولا طاردهم منها ...

ولنعد لأنفسنا ... ولنبحث فيها ... لنجِد من نجد يجتهد اجتهادا في تتبع عورات الناس، وفي اختلاق الأباطيل حولهم من فُتاتٍ لا قيمة له يصنع الفضيحة الصاعقة، ويُصيّر مُستصغر الشرر الشرر القصر ...!
فتنقلب الكلمة كلمات، والفعل أفعالا، والخطأ البشري البسيط فادحةً وجُرما ....
باب التوبة ... هل تفتحينه لزوجك أول ما تفتحين إن هو أخطأ بحقك، وزلّ زلّة ربما كنتِ دافعه إليها وأنتِ لا تعرفين له في نفسك حقا... وقد انقلبتِ من زوجة جذابة تُغنيه عن نساء الدنيا إلى امرأة تفوح منها روائح المطبخ، شعثاء الرأس لا تهدأ لكِ منه شعرة، ولا يتنضّر لكِ وجه، ولا يتبسّم لكِ ثغر...!!

أنتِ أيتها الزوجة ... 💡
هل تفتحين له ذلك الباب، وتعيدين زوجَك لحضنك الحلال، وتنتشلينه من أحضان الحرام يرتمي بها من هول ما صار يلقى من شعثك وغَبَرك ....!! أم أنك إن تيقنتِ من إعجابه بأخرى وعلاقته بها انقلبتِ من تلك الشعثاء المُهمِلة إلى أسد ضرغام ينتقم لكرامته، ولا يعنيه غير كرامته، لتلقي به بين أحضان الحرام ظانّة أنكِ تحسنين صنعا وأنت في عصر "الكرامة"... وإنما أنتِ التي زدتِ فأوصدتِ بابكِ دونه وفتحتِ له باب الحرام على مصراعيه ...!!

فلنتعلم .... :)

وأنتِ أيتها الأم ... 💡
وقد تذكرتْ إحداهنّ فيما تذكرت بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كليهما للتوبة، تذكرتْ وجعلتْ تخبرني كيف كانت كلما احتكمت ابنتاها إليها في شأن، جعلت تنحاز للألْسَنِ بينهما، والتي تكثر الكلام، وتُحسن تنميقه، وتدعي البراءة الدائمة ...وهي تحسب بانحيازها أنها تحسن صنعا، بينما تخطّئ الأخرى وهي الأقل كلاما والتي لا تُحسن استسقاء الحجة به ... تقول أنها قد "تابت" :) ولن تبقى على حالها معهما كلما احتكمتا إليها ...وستساوي بينهما، وستمنح لكلتيهما الفرصة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود...

فلنتعلم .... :)

ثم هل نكمل مجريات الحَدَث؟؟ ولا بدّ أنكم تنتظرون التكملة ... :)

قام هلال فشهد أربع شهادات بالله أنه من الصادقين في دعواه ضدها، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت امرأته، فشهدت أربع مرات أن هلالا من الكاذبين، ولما بلغت الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها الموجِبة .... أي إنها التي توجب عليك غضب الله فانتبهي، فاحترسي، فاحذري، وإنّ توبة نصوحا، وحدّاً يُقام عليك يطهرك فتذهبي لبارئك تائبة كمن لا ذنب له خير لك من نجاة في الدنيا لن تدوم ....!!

قال ابن عباس راوي الحديث: "فتلكّأتْ ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت "... أي أنها أكملت الخامسة .... أكملتها وهي الفاعلة، وهلال الصادق، وهي الكاذبة، واشترت الدنيا بالآخرة، واشترت الدنيا بغضب الله وحُجّتُها "قومها" ... وما لقومها أن يدرؤوا عنها غضب الله يوم لقائه ؟!!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأَلْيَتَيْن، خَدَلّجَ الساقَين فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" .

لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات جمعها أن هلالا صادق، وإن مضت امرأته في شهادتها ولم تنثنِ، ولم ترعوِ، أولها تصديق الله لقَسَمه وإنزاله وحْيا يبرّئ ظهره من الحد، ويكون سبب إنقاذ كل من يأتي بعده بمثل حاله، وثانيها تلكؤها ونُكُوصُها، بل وحتى قولتها : "لا أفضح قومي سائر اليوم" ...

فهل استوقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلكئها ونكوصها، وحال دون أن تكمل شهادتها، وحصرها، أو أمر بإقرارها لتُقرّ ...؟؟
هل كان ذلك دافعا لأن يمنعها من مواصلة الشهادة ؟؟
لا بل تركها لما تفعل ... هكذا يُكمل حُكم الله فيها إلى آخره، وإن اجتمع له ما يبيّن كذبها ما اجتمع ...
ولكنّ هذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الصحابة أن يتتبعوا أخبارها، فإن جاء الجنينُ الذي تحمل ببطنها بالأوصاف التي ذَكَر، وهي أن يكون بارز المؤخرة، ضخم الساقين، أكحل العينين، فهو لشريك الذي رماها به زوجها ... وكان ذلك وجاء الولد بتلك الأوصاف ...

ولكن لنتأمل أمرا آخر في غاية الأهمية ... 💡
إنّ ذلك لم يكن دافعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض شهادتها، وأن يُمضي فيها حكم الرجم ... بل أمضى فيها أمرَ الله وحكمه وكتابه، وبقي ما بينها وبين ربها هو القاضي فيها، وإن نجتْ في الدنيا، ودرأت عذاب الدنيا عنها ...

وهكذا ...
فلنتعلم من كلماته الجامعة، ومن معاملاته الحكيمة ما يكون لنا ضياء ونوارا، وقَبَسا وهُدى في لُجج هذه الدنيا، وما يكون لنا نبراسا يدقّ كلما سارعت أنفسنا لعاطفة تُحيّدها عن الحق، أو لتَسَرّع همجيّ يبعدنا عن الجادة ...

📌 فهذا هلال يسأل ويطرح أطروحة العقل
📌 وهذا سعد بن عبادة يسأل ويطرح أطروحة العقل
📌 وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرمهم السؤال، ولا يمنعهم من التعقّل، ويعلم متى يكون أمرهم بالسمع والطاعة دون سؤال، ومتى يجوز السؤال.
📌 وهذا شرع الله يوافق العقل، ويوافق حاجة الإنسان ولا يترك ثغرة لظالم .
📌 وهذا هلال يقسم بالله مِن يقينه بالله أن الله مبرئه، من فهمه للمبتغى من هذا الدين.
📌 وهذا الله يصدق من يصدقه، فيُنزل في حق هلال حكما إلى يوم الدين.
 📌وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فرق عنده بين رجل وامرأة ولا ينصر أحدهما على الآخر إلا بموجب الحق والعدل. فيساوي بينهما ولا يبرئ ساحة أحدهما ويجرّم الآخر إلا بحق الله
 📌وهذا هو يفتح باب التوبة للناس على مصراعيه مُرغّبا لا مُرهّبا، وداعيا وهاديا لا مُبعدا...
📌وهذا هو صلى الله عليه وسلم يجتمع عنده ما يجتمع ولكنه يأخذ بالظاهر وعدل الله نافذ نافذ وإن بدت نجاة الظالم، إلا أنّ الأمر كل الأمر هو أمر الآخرة لا أمر الدنيا الفانية .

فهلا تعلمنا لحياتنا .... ؟؟
------------------------------------------------------------------------
تجدون روابط منشورات "نشدان الحكمة " بالتعليق الأول أدناه .

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#سؤال_التعقّل
#عدم_تحريم_السؤال
#المساواة_بين_الرجل_والمرأة
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:53:31
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نعم هو منشور طويل... ولكن جرّبوا فهو بإذن الله يستحق ويستحقّ، وبرأيي لا يجوز عليه التقسيم فعذرا  :)

وما نزال ننشد الحكمة، نحيا ما نحيا ونعرف ما نعرف، ولا ندّعي اكتفاء منها واشتفاء، بل إننا نقرّ أننا بمسيس الحاجة للتعلّم، نقرّ بضعف مُلازِم، وبخطأ في التقدير لا ندّعي منه عصمة، وبسوء تعامل مع ما يواجهنا في أحيان كثيرة، وبحَيْرة تعترينا في أحيان أخرى...

كما نقرّ أننا قصّرنا في التعرّف عن كثب إلى "ديننا"، إذ اكتفى كثير منا باختلافات المختلفين، وتصارعات المتصارعين، وبالتطبيقات الشكليّة، ولم تُكَلّف النفس عناء البحث والغوص، والفهم بالعيش، وتوالت الفِتن... فبين علماء "الحاجة" من بلاط وسلطان، وبين مُبلّغ مُغالٍ ومُبلّغ مُسطِّح، ومبلِّغ مميِّع تعرّضت أفهام الكثيرين للتعميم، وحصل النفور، وصارت الثقة في كثير من دعاة الدين ككرة ثلج متدحرجة تظهر للعَيان ممتلئة صُعُدا، وهي التي يَطَالها الذوبان فلا يترك منها إلا قليلا ما يفتأ الذوبان به حالّا لا محالة ... ! ولا نبخس بما نقول حقّ الكثيرين ممّن كانوا منارات هادية في دُجى الظلمات، هُداة مُهتدين، جامعين لا مُشتّتين....

ولو أنّنا عشنا و"القرآن" و"السنة" قرينان، نُنقّب عن كنوز بهما أثيرة وفيرة، فنتساءل، ونتدبّر، ونتدارس، ونسافر سفر الباحث عن الحقيقة في ثناياهما، المستشرف للأبعاد، المدقّق في التفاصيل، الناهل من مَعينِهِما الصافي لذقنا ولعرفنا.. إذ أنّ الإنسان لم يُخلَق ليُترك سُدى، بل خُلِق وأنزِل إليه ما يعلّمه كيف يحيا، ولِمَ يحيا...

واليوم سنكون بين يَدي حديث جديد، وقصة جديدة، ربما يعرفها مَن يعرفها، ولكنّ دأبَنا هو التعرّف إلى ما نعرف :)
فلَكَمْ نحسب أنفسَنا العارفين بالشيء ونحن إنّما طرقنا بابه فلما فُتِح اكتفينا بالوقوف عنده مفتوحا، وتثاقلنا عن الدخول ليس انتظارا للإذن، وقد كان مع الانفتاح، بل تكاسلا عن الدخول...!

اليوم مع "خُوَيلة بنت ثعلبة" سنسافر... سنحطّ رِحالنا عندها... سنستزيد للعودة بـ"الجواب"، وزادنا للسفر "سؤال" :)

في حديث صحيح تروي لنا خويلة بنت ثعلبة قصتها.. هي زوجة لأوس بن الصامت، بلغ من الكِبر مبلغا يوم حدث ما حدث بينه وبينها، خُوَيْلة بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبثّهُ شكواها من زوجها...

دخل عليها يوما، وحدث بينهما ما يحدث بين الأزواج من نقاش قد يصل أحيانا إلى التخاصم، فراجعتْه في شيء(أي جادلتْه فيه) ولم يكن رأيها ورأيه فيه سيّان، فغضب أوس منها حتى قال لها : "أنتِ عليّ كظهر أمي"...
وما أراد من قوله ذلك إلا أن يَهجُرها فلا يمسّها ولا يقربها ولا يكون بينه وبينها ما يكون بين الأزواج من المُعاشرة والمُباشرة ...

أوس وقد ألقى ما ألقى إلى خُويلة، خرج وجلس في نادي قومِه ساعة، ثم عاد إلى بيته، فإذا هو يريدُ زوجته على نفسها، يريد أن يُواقعها ...

وهنا كان من خُويلة ما كان ... 
تُرى هل ستَرضى خويلة ؟ هل ستنصاع لمُراد زوجها منها ؟ هل ستفرح بساعة قُرب تمحو ساعة الغضب والعِراك الذي كان قبل حين بينهما ؟
فما مِن حال يدوم، وقد جعل الله ما بين الزوجَين من أسباب المودّة والرحمة تُذهب العَكَر وتُحِل الصفو محلّه ...
ولكن ... !!
خويلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي.... فماذا تُراها تشتكي ؟

أراد أوس زوجته خويلة على نفسها وقد عاد من نادي قومِه، وكان قد قال لها ما قال قبل ساعة، فما كان من خويلة إلا أن انقلبتْ أسداً هَصُوراً، أبت أن يقربها زوجها أو يمسّها، بل لقد أقسمت يمينا ألا يمسّها وألا تمكِّنه من نفسها، فقالت: " كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ " ...

وهذا أوْسٌ يغُضّ الطرف عن كلامها، وعن يمينها، ويريد أن يصل إلى مُراده منها، فيواثبها، ولكنّ خويلة تصرّ على موقفها، وتتصدّى له بكل ما أوتِيتْ من قوة، ولا تنصاع له، بل تمتنع منه، وتدفعه دفعة هي القوة منها وهو الشيخ الضعيف قُبالتها، تقول : "فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعيفَ فألقَيْتُهُ تَحْتِي" ...

أجل لقد انقلبتْ خويلة أسدا هصورا :) غلبت زوجَها، بل وألقته تحتها، ولم تكترث... !
ياللهول !! ربما قال مَن قال عنها أنها المتوحّشة، المسترجلة، التي غابت عنها معالم الأنوثة، فهي تقاتل زوجها وهو يواثبها، وتطرحه أرضا غير مبالية...
ربما قال مَن قال عنها أنها المرأة العصِيّة على زوجها، التي تُغضبه وقد أُمِرت بطاعته ...
ربما وربما .... :)

هكذا هي المرأة إذا أصرّت على مأرب من مآربها... ولكنّ مأربَ خُويلة غير مآرب النساء.. :)
مأرب خويلة هو مربط الفرس في قصتنا، هو محلّ العقد والحلّ ... هو الجوهر، هو المدار الذي ندور حوله ... !

أين خويلة الآن ؟ ما هي فاعلة وزوجها مُلقى على الأرض لا حول له ولا قوّة، ذلك الشيخ الكبير المسكين، ذلك الذي أراد زوجته فيما يريد الأزواج زوجاتِهم ... 
أينكِ يا خويلة ؟؟ يا مقاتلة مَن واثبك ؟ يا مَن طرحتِه أرضا ... ؟!!

تَسْترسل خويلة في رواية قصتها، فإذا هي عند إحدى جاراتها تستعير منها ثيابا، هكذا وقد خلّفت وراءها زوجها الشيخ الكبير طريح الأرض، ربما يعاني آلاما، ربما خلّفته يغالب نفسه ليقوم من على الأرض ... ! :)

ذهبت إلى جارتها تستعير منها ثيابا ...

لنتأمل .... 💡

ربما أخبرت خويلة جارتَها الخبر، فدَيْدن النساء أن يُثَرْثِرن بما عندهنّ من غير بأس بهنّ ولا ضراء، فكيف وهي صاحبة الشكوى ؟!

ليس لخويلة مِن وقت تقضيه في ثرثرة مع جارتها، ليس لها من وقت تقضيه تفرغ لها شيئا مما بها، ل"تفضفض" أو تحكي، أو تبكي ...
بل إن وجهتَها لَمُحدّدة منذ أن قالت لزوجها وهي تُغَالبه : "وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ "...

إنها ذاهبة حيث الملجأ، والمنجا، والملاذ ... والدواء ...
حيث ستبثّ شكواها، حيث ستجد مَن يفهمها، ومن سيُشير عليها، ومَن سيصوّبها إن كانت مخطئة، وسيُنصفها إن كانت مظلومة، وسيردّ عليها حقها إن كانت صاحبة حق ...

إنها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وطوبى لكِ يا خويلة وأنتِ بين يديه... حيث لن تُظلمي، ولن تُبخسي حقا، حيث ستنعمين بصوته وبوجهه، وبكلماته الحكيمة، حيث ستتعلمين، حيث ستجدين الصدر الحاني، والقلب الرؤوف، والعقل المتزن الذي لن يعيب عليك شكواكِ، ولن يعيب عليك فراركِ من زوجك، ولن يختلق جُرما ليُلصقه بكِ...

تقول خويلة: " ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ فَجعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ، قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( يَا خُوَيْلَةُ اِبْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللهَ فِيهِ )  "

لنتأمل أشياء لا شيئا واحدا.... :) 💡

ربما يخطر ببال مَن لا يعرف تفاصيل القصة، وما انجرّ عنها أنّ تصرّف خويلة هو المعقول، ولا يُعدّ غريبا، أو مميّزا يُرفَع به شأن خويلة عاليا، فإنما هي امرأة مؤمنة لم تنصع لزوجها وقد نطق بكلمات جعلتها حراما عليه : "أنتِ عليّ كظهر أمي" فدفْعُهَا له وإيباؤها عليه هو التصرّف السليم الذي تأتيه كل مؤمنة تعلم أنّ دينها يجعل كلمات ككلمات زوج خويلة حائلا دون مُباشرة زوجية تُعدّ حلالا بين زوجين ...

ولكن لنتأمل .... 💡

إن الحكم ساعتَها لم ينزل بعد (حكم الظِّهار) :)

ولم تكن هناك من آيات نازلات تبيّن حُرمة خويلة على زوجها بموجب تلك الكلمات التي تلفّظ بها...
إنّ خويلة لم تفرّ من زوجها بدافع حرام توقن أنّه الحرام نصا في كتاب الله تعالى، أو ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأوصاهم ألا يأتوه لحُرمته ... بل إن كتاب الله تعالى ساعتَها لم يَنُصّ بعدُ على حُرمة الزوجة على زوجها إن هو قال لها بمثل ما قال أوس لخويلة ...

ويحضرني هنا حال الصحابة في غزوة أُحُد، في العام الثالث للهجرة، وقد اشتُشهِد منهم من استُشهِد والخمر في بطنه، استُشهِد وقد كان شاربا للخمر، لم ينقطع عن شربها، لا لشيء إلا لأن تحريم الخمر لم يُبتّ به بعدُ، ولم يكن إلا في العام الرابع للهجرة... ولم يكن على الصحابة الذين استُشهدوا وهم لها شاربون من إثم ولا حرج، وقد ذهبوا إلى الله مُبرَّئين من تبِعة شرب الخمر، إذ كانوا يعملون بما ينزل في كتاب الله، وكانت الأحكام والشرائع تنزل منجّمة، مفرّقة، حسب الأحداث وحسب النوازل، ومن التحريم ما كان متدرجا لا من مرّة واحدة مثل تحريم الخمر ...

وكذلك حال خُويلة، إنها لو أطاعتْ زوجَها ساعتها، ولبَّتْ مطلبه، وبلّغته مُرادَه، ومكّنتْه من نفسها لم يكن عليها مِن حرج، ولا إثم ...لم تكن لتُعاقَب على انصياعها له والحكم لم ينزل بعد، والحكم ليس نصا تشريعيا في كتاب الله بعد ...

ولكنّ خويلة ............ !!!

خويلة استوعبت معاني الكلمات ...
خويلة عقِلت....
خويلة استخدمت عقلها، واستدلّت بضربه أمّه  مثلا لها أنّها وأمّه سواء، وأمّه حرام ظهرها، وهي الآن بالنديّة معها وقد ساوى بين ظَهْرَيْهما ....

خويلة لم تركن إلى ترجيح الشك على اليقين، لم تركَن إلى أنّ الأمر غيرُ محرّم بنص، فتنصاع وتُهدّئ من روعها، وتُعيد المياه إلى مجاريها ...

بل لقد عقلت .... ولقد دفعها عقلها إلى الورع، إلى الخوف مِن أن تقرب أمرا تكاد تجزم أنه لن يتواءم ومَحجّة الإسلام البيضاء، الخالية من الغَبَش، واضحة المعالم، بيّنة السبيل ...
خويلة فقِهت دينها، وعلمت أنه لا يستقيم وهذه المتناقضات ... تماما كما فهِم هلال بن أميّة صاحب "اللِّعان" الذي بلغ به فهْمُه أن أقسم أنّ الله منزل فيه وحيا يبرّئ ظهره من الحدّ ويحمل الحلّ لكل أمثاله من الذين يرون رأي العين خيانة زوجاتهم لهم ...

خويلة فقِهت أن الإسلام لا بدّ له كلمة في شأنها وشأن زوجها وقد تلفّظ بما جعلها ترى نفسها بعيدة عنه، بما جعلها ترى نفسها غريبة عنه، كغربة غيرها من النساء عنه ....

تماما كما كان الصحابة وتحريم الخمر لم ينزل بعد، يتساءلون ويسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر وعن موقعها من حياتهم بدل المرة مرات،  كانوا هُم من استسقى التحريم استسقاء، وهُم "يعقلون"، وهُم يراقبون حالاتهم عند شربها، وحالاتهم بعيدا عنها، وهم يقارنون، وهُم يتبيّنون كيف تُخمَر عقولهم ساعة الخمر، وكيف تُسفِر وتعمل ساعة الأمر ....

لنتأمل ..... 💡

كيف كانت تشريعات كثيرة، وكيف كانت أحكام، وكيف كانت حدود ينزل بها جبريل المطاع الأمين على النبي الأمين صلى الله عليه وسلم سببها سؤال الصحابة، وفِقْه الصحابة لمعنى الإسلام، ولمعنى الدين، ولمعنى التشريع، ولدور الدين في حياتهم ... فكما كانت الأحداث وهم أبطالها سببا في النزول، كانت عقولهم أيضا سببا في استسقاء الحُكم والتشريع ...

وهنا مَكمَن البطولة في خويلة .... ! :)
إنها ليست بطلة عادية ... بل هي البطلة قبل داعي البطولة ...
هي التي ورِعت، وخشيت، وراحت تتثبّت، وتبحث من غير وجود للحكم، بل وكأني بها المستسقية له استسقاء ....!

لنتأمل .... 💡

خويلة تستعير ثوبا من جارتها لتذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...
إنه لَمِمَّا يشي بفقرها، إنه حالها... وإنّ فيما بقي من قصّتها ما يدلّ على فقرها، بل على فقرها المُدقِع ... ولكنّ فقرها لم يكن حائلا دون "عقلها"، ودون "ورعها"...

لنتأمل وكثير منا يعتاد تعليق أخطائه وآفاته ومصائبه كلها على مِشجب بين المشاجب، فلا يكلّف نفسَه مثقال ذرّة تفكير لا لشيء إلا لأنه الفقير، ومسكين هو مسكين، فالفقر حائل دون أن يفكّر، ودون أن يعقل، وحائل حتى دون أن يتورع ويتّقي ... !!
نعم للأعذار نصيب، ونصيب، ولكن ليس لها كل الأنصبة...
نعم للأعذار وللظروف دور، ولكن ليس لها كل الأدوار ...
نعم للأعذار تأثير، ولكن ليس لها كل التأثير ...

فهي ذي خويلة... لم يَحُلْ فقرها دون أن تقف مع عقلها، لتقارن، ولتستدلّ، ولتفكّر، وإنها إذ فكّرت قدّرت، وإذ قدّرت قد أحسنت التقدير، وإذ استدلّت ونظرت ما غضّت الطرف عن عقلها، ولا عن فهمها لدينها ...
بل ثارت ثورة الأسد الهصور، وأصبحت بقوة المقاتل وهي تدفع عنها مُواثِبها...
ولامرأة غيرها، تدفع عنها عناء التفكير، ومشقّة التقدير، وعَنَت الورع أن تغضّ الطرف وتكتفي بما هو نصّ يحرّم، وما لا نصّ فيه ولا تشريع لا تثريب عليها ولا حرج ...

ولكنها خويلة التي بلغ بها فهْمُها لدينها، و "عقلها" مبلغا إنّا إليه لناظرون، وإنا إياه لمتملّون فيما بقي من قصتها وبطولتها ... :)

لنتأمل.... 💡

إن خويلة قد فرّت ... قد تقوّتْ... قد طرحت زوجها أرضا ولم تبالِ ...
ولكن.... إلى مَن تفرّ ؟؟
إنها الفارّة إلى الله ... إنها التي خلّفت وراءها الدنيا وما فيها، وهل للمرأة المؤمنة المتزوجة من دنيا أسمى عندها من حياتها الزوجية وأسرتها تحمل فيها أكبر معاني دنياها ؟!
فرّت من دنياها إلى الله ورسوله ....
هاجرت إلى الله ورسوله ...
لم تفرّ فِرار التي تطبّق أمر الله .... بل فرّت فِرار التي تبحث عن أمر الله... فرّت فِرار التي تستدعي أمر الله، وقد فهِمت أنّ أمرها محلّ أمر من الله ...!

إنها التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعى...
جاءته تركض... جاءته على عَجل ... وهي إذ عجِلتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عجِلتْ إلى الله سبحانه ليرضى ...
عجِلتْ خويلة إلى ربّها ليرضى ولم يعد يهمّها أن يرضى عبدٌ كائنا من كان، وإن كان زوجها الأحق بأن ترضيه، وهي تراه لم يفهم ما فهمت هي من دينها، تراه يعفِس عفسا يخلط حابلا بنابل ويحسب أنه يُحسن صنعا ...

لم تعد خويلة وقد أسلمت ترضى بالركون إلى "جاهليّة" قديمة حرمت المرأة من "العقل"، وحكرتْه في أحسن الحالات على الرجل -وإن كان العقل ذاتُه في الجاهلية محجورا عليه- ، كشيء من الأشياء الكثيرة التي تكاد تكون "كل الأشياء" التي جعلتها الجاهلية حِكرا على الرجل، وجعلتْ له المرأة بالمقابل متاعا لا يُحسن الاستمتاع به بقدر ما يُحسن كسرَهُ وعفسَه وتشويهَه واللهْو واللعب به ...

لم تعد ترضى بأن تكون طَوعَ بَنان زوجها في الصواب وفي الخطأ منه، في الطاعة وفي المعصية، في المعقول وفي غير المعقول ....
تحرّرت خُويلة حقّ التحرّر، وتحرّرت كل امرأة آمنتْ بربها ففرّت إليه تبتغي مرضاته دون ِسواه من مخلوقاته ... تلكم هي "الحريّة" يا ناشدي "الحريّات" ...!

نعود إلى خويلة، وعودة لتأمل جديد .... :)
إنها تذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى من سوء خُلُق زوجها في سائر أيامها لا في يومها ذاك وحده، وقد بيّنت في مطلع روايتها كيف أنّ خُلُقه ساء بعد أن كبر وصار شيخا سرعان ما يضجر...
وفي حديث صحيح آخر تقول عائشة رضي الله عنها في قصتها وفي شكواها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول:  "يا رسولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي ، ظاهرَ منِّي ، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ .... "
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيبها بقوله : "يَا خُوَيْلَةُ اِبْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللهَ فِيهِ "

فلنتأمل.... 💡

إنه صلى الله عليه وسلم لم يقرِّعها، ولم يؤنّبها، ولم يجرّمها وهي تشتكي زوجَها، إنه وهو يستمع إليها، ويردّ عليها بكلمات فيها الرقيّ يدعوها بها  إلى الصبر ولأن تأخذ بعين الاعتبار كِبر سنّه، فترأف به وتتقي الله فيه، بكلمات ليس فيها من الزجر، والتهديد والوعيد لامرأة تحكي له أنها التي دفعتْه وهو يواثبها، وألقتْه تحتها وتركته يتلوّى وهو الشيخ الكبير، وفرّت منه غير آبهة بحاله ...

لم يضعها بقفض الاتهام، كحال مَن يلجأ إليه أحدهم شاكيا، فيضعه بسرداب مُظلم ويُلقي عليه من مواعظ التقوى والورع ما يُلقي، ويُلجِم لسانَه، ويصدّه، ويحول دون أن يحكي ويُلقي بما يُثقل كاهله "البشريّ"، وكأنّ الناس عندهم ملائكة مقرّبون لهم من القوة والجَلَد ما لا يجوز معه شكاةٌ ولا تعب ولا نَصَب .... !!

تأملوا ..... 💡

ونحن نُنْزِل المفاهيم غير منازلها، فيرى مَن يرى أن المؤمن بعيد عن الشكوى، وبعيد عن تعب وضجر وملل يوصِله للشكوى وللتذمّر ...
ويرى مَن يرى أن الإيمان والتقوى حائلان دون الإحساس البشري بالثِقَل وبالتعب ...
فيحمّل الشاكي فوق ما يُطيق، ويضعه بخانة المتمرّدين، ويُبعِد عنه صفة "التقوى" وربما صفة "الإيمان" لمجرّد أنه اشتكى ما ينوء بحمله ....

لنتأمل ... 💡

ومنّا مَن يجرّم من تشتكي زوجَها -الذي بلغ به مبلغُ السوء معها أوْجَه- إلى أمّ أو أخت أو قريبة أو  صديقة صدوقة حكيمة لا تسعى في إفساد ذات البَيْن بل في أن تستمع لمن تشتكي وهي تراها "البشر" الذي يضجر ويتعب، وقليل من الفضفضة والتفريغ يساعده على التخفّف من ثقله ....

فلنضع أنفسنا بموضع مَن ضاقت به السُّبُل، وناله ما ناله من تعب وثقل ولم يفعل غير أنه باح بشيء من تعبه، وربما سكب عَبرة أو عَبرات فاضت بها نفسه المتعبة ....
ولا نُلزِمَنّ الناس فوق ما تطيق ونجعل "التقوى" حائلا دون الشكوى ... !!

فهذه خويلة تشتكي، وتبوح، وهي التي فرّت إلى الله من شدّة وَرَعِها وتقواها... فهل جرّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرها أنّ من التقوى ألا تشتكي، وألا تتذمّر وألا تتعب ؟!!!

فلنتعلم ....

نعود إلى تتمّة قصة خويلة، وقد حططنا رحالنا عندها... وإنّ عند أمثالها لتُحطّ الرِّحال، رِحال مَن زاده السؤال، وزُّوّاده لعودته الجواب :)

تقول خويلة : فَوَاللهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ فَتَغَشَّى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَغْشَاهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: ( يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ ) قَالَتْ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ:
"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(4)" -المجادلة-

لقد نزل قرآن في خويلة ... :)
لقد نزل فيها قرآن من ربّ العزّة في عُلاه... فيها وفي صاحبها ...
نزل وهي ما تزال بعدُ بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم... نزل وهي تجادِله في زوجها، وهي تشتكي إلى رسول الله...
قد نزل قرآن يُتلى إلى يوم الدين مستَهَلُّ آياته : "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها "

تقول عائشة رضي الله عنها : "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ ..."

كانت عائشة وهي مَن يُساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتَه  تسمع بعض حديث خويلة، ويخفى عنها بعضه، ومساحة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلِّه على ما هي من صغر، لا يكاد يكون بيتُه كله بمساحة غرفة صغيرة ...!
فتسمع شيئا من حديثها وتخفى عنها أشياء ...!! والله سبحانه وتعالى جلّ في عُلاه : "قد سمع"... سمع التي تشتكي إلى الله وهي قد قالت فيما قالت : "اللهمّ إني أشكو إليك"

وهذا كلام الله تعالى يصدّق "تَعقّل" خويلة رغم أنّ الحكم لم ينزل ساعة فعلتْ ما فعلتْ وأبت أن يقربها زوجُها : "الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ"....
"لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً" .... فلا هو المعروف بين زوج وزوجته، ولا هو الحقيقة التي يجب أن تبقى عليها علاقة الزوج بزوجته ... فكيف تكون الزوجة بمثابة الأم ..؟!

وهكذا قد فهمت خولة أنّ الأمر لا يجوز السكوت عنه، ولا أن يُغضّ الطرف عنه وإن لم ينزل فيه  حكم من الله بعدُ.... لقد فهمت، وعقلتْ ... فصدّق القرآن "تعقّلها" ...

أما ما بقي من قصة خويلة ففيه الجمال وفيه خويلة الأنثى التي اطمأنّت، وسكنتْ فوْرَمَا نزل أمر ربّها ... فعادتْ تلك المرأة الحانية، الحنونة ... :)

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( مُرِيه فلْيُعتِقْ رَقَبَةً ) قَالَتْ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ قَالَ: ( فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ قَالَ: ( فلْيُطعِمْ سِتِّينَ مِسْكينًا وَسْقًاً مِنْ تَمْرٍ ) فقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا ذَلِكَ عِنْدَهُ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ( فَإنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ فَقَالَ : ( أصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ ثُمَّ اِسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خيرًا ) قَالَتْ: فَفَعَلْتُ .

لنتأمل.... 💡

هي هي ... هي هي تلك المرأة التي قاتلتْه وهو يواثبها، وغلبته، وطرحته أرضا تفرّ منه إلى الله ورسوله ... وتشتكيه إليه ... وتبوح له بما تلقاه من ضجره وسوء خُلُقه ...
هي هي الآن تشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما ألقى إليها بالحكم أخبرتْه أنه لا يقوى عليه، فهو الرجل الفقير الشيخ الكبير...
وكعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المُهداة للبشر، يرأف ويرحم، وييسّر، حتى يعين أوساً من عنده بعَرق تمر(والعَرق هو القفة التي كان يوضع بها التمر)....
لا بل وتعين خويلة زوجَها بعَرق مثله .... :)

سبحان الله ....!!
سبحان من غيّر حال المؤمنة من القلق والاضطراب، خوفا من الله وحِرصا على دينها إلى الراحة والسكون والحنان مِن بعد أن اطمأنّتْ لأمر الله ينزل في شأنها .... فهي ذي حياتها حلال بلال بحكم من الله ينزل...
وهي ذي خُويلة العظيمة سبب في نزول حكم هو "حكم الظِّهار" هو إلى يوم الدين في شأن كل من ظاهر من زوجته، أي قال لها : "أنت عليّ كظهر أمي" أو : "أنت عليّ حرام"

إن خُويلة لفخرٌ لأوس طريح الأرض قبل ساعة، المشفوع له منها بعد ساعة ... :)
وإنها لفخر لنساء الأمة جميعا وهي تعلمهنّ "الورع" و"العقل" و "الحق" و"فهم الدين"، وكيف يكون الله  أعلى في قلبها وفي عقلها من كل مَن سواه.... وكيف وهي بين يدَي الله تجْأَر بقولها : "اللهم إني أشكو إليك"  تعبد الله ... ولا "تعبد" رسول الله.... !
فكيف بمَن  يعبد زوجا أو إنسانا مثلَه كائنا مَن كان فيُرضيه ويسترضيه على حساب أمر الله ....

وهذه هي خويلة تروي وبكل فخر قصتها، وتستهلّ روايتها التي عايشنا بقسمها فتقول : "فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنْزَل اللهُ جَلَّ وَعَلَا صَدْرَ سُورَةِ المُجَادِلةِ .... "

وهذه خويلة التي سمع الله قولها فأنزل ما يصدّقها، وإنها عند الله لرفيعة الشأن رفيعة، وليس الوزن عنده بدينار أو بدرهم أو بجمال بل بتقوى ووَرَع وفِرار إليه...

وهذه التي لا يلتفت إلى أمثالها أهوَنُ حكّام أرضنا، يُعلي الله من شأنها في قرآن يُتلى إلى يوم الدين مصداقا لقوله تعالى:  "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

فلله درّكِ يا خويلة الخير .... لله درّكِ .... :)

ولنتعلم .... ثم لنتعلم .... ثم لنتعلم ....

------------------------------------------------------------------------
تجدون روابط منشورات "نشدان الحكمة " بالتعليق الأول أدناه .
#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#مواءمة_الوحي_للعقل
#الورع_والتقوى
#المرأة_المؤمنة_ووزنها
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:38:45
عندما كنت أقرأ القرآن، كنت أمر بآيات الوحدانية والخلق والإبداع وأنا أرى الأمر واضحا متجليا لا مراء فيه، وعلى قدر ما كان تأمّلها يترك بالنفس تعظيما وتبجيلا وإجلالا لله جلّ في عُلاه على قدر ما كنت أتساءل عن سرّ كثرتها، وتواجدها بكل مكان من القرآن...
كانت آيات تخاطب كفار قريش أو تصف تعنّتهم...
وكان أكثرها بالسور المكيّة، والتي هي أكبر عددا من السور المدنية...
كان نزولها في مرحلة تأسيس العقيدة ...
في أيامنا هذه، تبدّلت نظرتي لتلك الآيات...!
مع هذه الموجة الصارخة من التشكيك الذي طال الكثيرين من شباب الأمة، بل وطال مَن طال منهم الإلحاد والانسلاخ من الدين كليّا، حتى غدا الإلحاد حديثا من شائع الحديث...حتى طفِق مَن طفِق يبحث عن طرق نقاش الملحدين، وإقناع الملحدين، ومحاولة تنوير الملحدين والمشككين وانتشالهم من براثن الضلال والهوى ...
حتى افتتح هذا مشروعا لتكوين الشباب في مجال محاربة الشبهات، وتفرّغ ذاك لمناقشات عبر وسائل التواصل (التشات)... وألّف آخر عن شبهات حول "السنة" وآخر عن شبهات حول القرآن ...
ومَن افتتح صفحات لدحض الداروينيّة، ومن سجّل مرئيات موضوعها مناظرات بين أنصار الدين وأنصار اللادين ...
وهكذا... بين سعي وسعي...
موازية هي المساعي لكل الطلعات والخرجات المستحدثة من موجة التشكيك الجارفة، وموجة الإلحاد المائجة ...
ومع كل هذا ... عدتُ...فحطّتْ بي راحلتي عند تلك الآيات ذاتِها....
آيات تحكي عن هؤلاء...عنهم في كل زمان، وفي كل مكان ...
ليسوا بِدعا من الناس، ولا قولهم بِدع من الأقوال ... بل هُم هُم أصحاب التكذيب، والكفر والشك، والاهتزاز ....
هم الذين خاطبهم، ويخاطبهم، وحدّث عنهم، ويحدث عنهم رب العزّة سبحانه ...
حطّت بي راحلتي عند هاتيك الآيات، فلم أعد أرى كثرتها في القرآن سِمة من السِّمات وانتهى الأمر...
بل هي التي دورها لكل زمان هو الدور الأول، ووزنها هو الوزن الأثقل ...
التوحيد، العقيدة، النبوات، اليوم الآخر...
مواضيع هي القاعدة التي كانت تُستهدف أول الأمر كلما تطاول على الناس العهد، ليعودوا القهقرى في كل مرة..فتنتكس البشرية وترتكس، وتنكص على عقبيها، وتتمسّح بمسوح الوثنية والخرافة واللادين، فتنكر كلّ ما دعاها إليه نبي بين الأنبياء، ليُبعث نبي بعده، وينزل كتاب بعد كتاب ليجدد الدعوة للدين الواحد، ولعبادة الرب الواحد ...
كانت البشرية تحتاج في كل مرة ل"نبي" لا لمصلح عادي ...
ولكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يكون من بعث جديد، فلا نبي ولا رسول بعده...
ولن تحتاج البشرية مع انتكاسة وارتكاسة تتهددها من كل جانب إلى نبي جديد... بل إلى مصلحين من أمة النبي الخاتم والكتاب المهيمن يبعثون الدين من جديد ...
إنني اليوم حينما تقابلني آيات من مثل قوله تعالى :"فمالهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حُمُر مستنفرة *فرت من قسورة * بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشّرة..."
لم أعد أتمثل كفار قريش فيها كما صرت أتمثّل شبابا من المسلمين سرعان ما جعلت أرضهم الهشّة التي يقفون عليها تهزّهم...
فإذا الكثير منهم كالحُمُر المستنفرة الهائجة الثائرة الفارة من أسد يلاحقها ... !
شباب يفر من التذكرة الربانية فرار مَن يخشاها خشيته من أن يُفتَرَس ... !!!
كثير منهم صار يتألى، ويتمطى وكأنما لن يكفيه إلا أن يُؤتَى من عند الله صحيفة يُعلمه فيها باسمه ورسمه أن :  آمِنْ ... ليؤمن.. !!
اليوم صرت أرى الأمة أحوج أن تقف عند الآيات التي تخاطب العقل ل"يصل" ...
التي تحاجج بالعقل، التي يستنكر فيها العلي القدير على العقلاء ألا يعقلوا. وعلى أولي الألباب ألا يعوا ويتفكّروا...
وما كان ما كان إلا من معرفة بالقرآن لم تكن إلا القراءة للحروف، أو الحفظ لها في أحسن الأحوال.. وما كان ما كان إلا من معرفة بالإسلام لم تتعدَّ "السطح" ...
فربما...
ربما يكون مع هذه الموجات البئيسة التي تجرف من شباب الأمة مَن تجرف، قنوات ينفد منها  مَن يسأل إذ يسأل صادقا مع نفسه، ويبحث إذ يبحث عن الحق والحقيقة، فتعود موجاتٌ كريمة لتكتسح الموجات الخبيثة، موجات من العقول الواعية، والقلوب الصادقة لتبث "الرسوخ" من وحي "الوحي" ...
من تأمله والغوص في مراميه ومعانيه... ولتلوح تباشير نهاية عهدٍ الدينُ فيه شعائر بلا روح ولا حركة، ويبدأ عهد هو "العودة" لما كان أول ما كان ...
"فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:40:19
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ننشد الحكمة، لا نَفْتُر.. لأننا أصحاب ضعف مُلازم، وأصحاب خطأ لا يُفارق، وأصحاب كنز لم نعرف قدره ووزنه وهو بين أيدينا...
حسِبْنا الأمر حِفظا في الصدور، وتباهيا بالحفظ في الصدور، وغفلنا عن سطور الحياة نخطّها بتوجيهاته وتربيته وهدايته ...
فراح منّا مَن راح يبحث وينقّب بعيدا، في ثقافات الغير ومعارف الغير قبل أن يتعرّف إلى ما هو بين يديه... فانبهر مَن انبهر، وقلّد عَمِيّا وانقاد سويّا، وتمسّح بالمُسوح تتراءى له الحُلة البهيّة ... وانسلخ مَن انسلخ عن "الهويّة" بل وصار يستحي من مجرّد الانتماء مفتونا بالبُهرج، غير ثابت ولا مفكّر ولا مقدّر، يتخذ من ضعف الأمة ووَهَنِها مِشجبا يعلّق عليه ضُعفَه ووَهَنَه، ومِن تصارعات فيها وتناحرات مِشجبا آخر، ومِن مغالاة المغالين وتشديد المشدّدين مِشجبا ...
وعلى قدر استحباب واستسهال الفِرار من "الأصل" إلى "الانبهار" كانت المشاجب، وعلى قدر الضعف والهزيمة في "النفس" كان الفِرار وكان الانبهار ...
وأمة ما تزال تتشدّق أنها أمة "اقرأ"، والعلمُ وهي مطلّقان منذ عهد بعيد كان فيه الوئام، وقامت فيه حضارة أثبتت وجودها وعملها لصالح البشرية جمعاء، وأثبتت عدلها وحمايتها للأرض من كل معتد أثيم متكبر متألّه ...
أمةٌ ما تزال تسمّي نفسها أمة "اقرأ" متشدّقة غير فاعلة...
ومِن هذا وذاك يصنع الفارّ المنبهر مَشاجِبَه... وينطلق مُبرّرا تعليقه عليها كلّ ما يعلّق، وهو لا يُحسن النظرَ إلا في القريب، وقصُرعن البعيد نَظرُه حتى يئس ورضي أن يكون مع الخوالف، ولم يرضَ أن يكون بين المُقْبلين على "جهاد" هو ليس جهاد السّاحِ والوغى، بل جهاد الفِكر وصناعة التغيير ...
هي كلمات تحضرني كلما طرقتُ باب موضوعنا محاوِلةً نِشدان الحكمة من نبعها الأصيل، ومن مَعينها الأول ... متأملة، مُمْعنة النظر، مفحّصة، منقّبة، باحثة، سابرة للغور، أزعم أنني أغوص، ولولا اللآلئ التي بصُرْتُ بها لما زعمت زعمي ولا ادّعيتُ ادعائي ... 🙂
تعوّدتُ مِن راحلتي الوفاء تحلّ بي وترتحل بين جنّة لفّاء وجنّة ...
وهي على عهدها اليوم ككل مرة، حطّت بي بين يَدي حديث جديد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
هذه المرة أيضا مع حديث من الصّحاح ...
يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنّ أبا بكر الصديق أمَّ يوما بيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذن ليدخل عليه، والناس جُلوسٌ ببابه لم يُؤذن لأحد منهم، فأذن له  بالدخول، ثم أقبل بعده عمر بن الخطاب فاستأذن بدوره، فأذن له هو الآخر دون غيره ممّن ينتظر ببابه صلى الله عليه وسلم...
فوجدا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جالسا وحوله نساؤه واجما ساكتا...
لم يتحمّل عمر رضي الله عنه ما وجد عليه رسول الله من الوجوم والسكوت، وآلى على نفسه أن يُضحكه بكلمات، يُسرّي عنه، ويُذهب عنه ما يُلاقي مما يضطره للوجوم، حتى هو ذا لا يَنبِس ببِنْت شفة...
وهكذا حال المحبّ إزاء من يحبّ، لا يتحمّل أن يجده مهموما، أو على غير عادته من تبسّم الثغر، وبشاشة الوجه... هكذا حال المحبّ لا يرضى ولا يهنأ له بال إلا أن يجد محبوبه في أحسن أحواله، لا يحزبه أمر، ولا يؤرّقه فكر، ولا يُحزنه حال...
لنتأمل ... وإننا مع بدايات الحديث والحَدث 🙂 💡
إنه عمر لا غيرُه الذي يعزم على إضحاك رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسرية عنه، عمر الحازم الصارم المُهاب، عمر الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرامته ومهابة الناس إياه ... هو الذي يعزم على ذلك ..
عمر الذي يُحسن إنزال المفاهيم منازلها، فهو على شدّته، وحزمه في كل أمر، وصرامته يعرف للضحك دورَه، ويعرف متى يكون، ولا يُنكره، وليس بالذي هو له عدوّ ...
عمر المُهاب، يعرف أنّ هذا الموقف لا يليق معه مزيد جِدّ، بل يليق معه أن يُرفع الضحك سلاحا يقطع عُنق الهمّ  ...
فإنك لتجد الواحد من الناس يُعرَف بالجِديّة والهَيْبة التي يصنعها صُنعا إلى حدّ مُضجِر!
إلى حدّ يحسب معه أنّ الجديّة والوقار لا بدّ أن يكونا ظِلا مُصاحبا لا يغادره، يخشى إن هو تبسّم ثغره أو تحلْحل عن جديّته أن ينهال الناس عليه مُستكثرين منه، مزيحين ستار المهابة...
يحسب أنّ هذا مخلّصه منهم، فلا يعرف الوسطية التي تقتضي الجديّة ساعة الجدّ، والهزل ساعة الهزل، والضحك ساعة يستدعي الأمر ضحكا ...
تجد الواحد منهم يستكثر على الناس أن يضحكوا ضحكة هي الدواء لمَن يحسبهم بلا هموم وهو يراهم دائمي البَشّ والتبسّم، فيكشّ من ضحِكِهم كَشَّ من يريد أن يَصيح بهم زاجرا، وكأنهم يأتون الجُرم وهم يضحكون، ولا يفهم أنّ لكلّ من الناس همومه التي تُثقل كاهلَه... ولو أنه اطلّع إلى همّ الضاحك ساعتها لأشفق عليه، ولفهِم أنه الذي يحتاج أن يضحك ...
لا يُدرك أنّ مِن أحسن ما يعمل المؤمن من عمل أن يدخل السرور على مؤمن ...
فليس شرطا أن ترى الناس بُكاةً شُكاة لتفهم أنّ بهم همّا، بل إن من المهمومين مَن لا يبوح ولا يشتكي وهو يحمل ما يحمل، يحمل ما لا يُطيقه الجِدِيّ صاحب المقام والوقار ...!!
ولا يعني هذا في ميزان الحكمة أن يضحك الضاحك في غير مقام الضحك.. فإنّ كلَّ شيء بميزان 🙂
ولنتأمل أيضا ونحن بعدُ ببدايات الحديث 🙂 💡
الناس جُلوسٌ بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم... على عتبات بابه، هكذا دائما حالهم، وحُقّ لهم، وطوبى لهم ...
وكيف بمَن يعايشه ألا يقف ببابه ينشد الحكمة، ينشد الحلّ، ينشد العلم، ينشد الحق ...  ينشد الخلاص ...وهو صلى الله عليه وسلم خلاص لمن عايشه حيّا، وخلاص لمن لم يعايشه... لأمثالنا...
هكذا نحن ننشد الحكمة مما خلّف لنا من سنّته، من كلماته، من توجيهاته وتربيته، من هدايته... من حكمته، من تعقّله ومن رحمته ...
وإنني كلما كنت على عتبات حديث من أحاديثه، تمثّلتُه واقفا أو جالسا، متكلّما أو صامتا، ضاحكا أو واجما، أتمثّله يستوعب كل مَن يلجأ إليه، يتحمّل همومهم ومشاكلهم، وأخطاءَهم، وزلاتِهم، وشَكاتَهم... وهو الذي عُرف بسّاما، باشّ الوجه، يوجّه ويربّي، ويعلّم، بل ويكون منه العطاء لمن عرف فيه حاجة وعوزا ... ييسّر عليه، ويعطيه ممّا أعطاه الله، وإن كان كلّ ما يملك... !
وهكذا هي حاجتنا إليه صلى الله عليه وسلم وإلى هَديه وحِكمته، حاجة أولئك الجالسين ببابه...
لا أشكّ أنكم تبحثون فيما تبحثون عن تباشير صُبح الحديث، وقد بقيت مع خيط فجره لم أبرح بعدُ... 🙂
فصبراً جميلا... إنه ما بيدي حيلة والحديث يستوقفني، فلا أملك إلا الوقوف ... 🙂
لنتأمّل ... 💡
منعتْه حاله مع نسائه من الإذن للناس بالدخول، ولكنّه أذِن لمن يعرف فيهما قربا أن يدخلا، وكلاهما صهرٌ له صلى الله عليه وسلم، كلّ منهما أبٌ لواحدة من زوجاته، فعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر ...
ولنتأمل أيضا ... 💡
رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله نساؤه، والناس عند بابه ينتظرون الإذن ...
إنّ له شؤونا في بيته لا يجب أن يبخسها حقَّها، إن عددا من نسائه، هنّ التسعة كلهنّ ذوات حقوق عليه، لا يبخسهنّ حقهنّ في الجلوس إليه لحاجة هنّ الأخريات ...
لن يغلق بابه دون أقرَبيه ليفتحه لمن هم أبعد ...
لن يقصّر مع مَن يعيش معهم، ليوفّي مع مَن هم أبعد، فإن لهؤلاء نصيبا ولأولئك نصيبا ...
وكما تحتاجه الرعيّة، تحتاجه نساؤه وهنّ جزء من الرعية ...
هنّ بحاجة إلى أن يسمعَهنّ، إلى أن يُشعِرهنّ بأنه القريب منهنّ ومن حاجاتهنّ ومما يهمّهنّ ويشغل بالهنّ ...
وليتعلم مَن يتعلم أنّ صاحب أكبر مسؤولية على وجه الأرض، لم يبخس أقربيه حقّهم، لم يبخس زوجاتِه حقهنّ ... لم يعش مع المرأة بينهنّ وهو الآلة التي لا تفقه من "الحياة" الزوجية إلا "المعاشرة" الزوجية ...إلا قضاء شهوة الرجل من امرأته، وبعدها هي المتاع لا شيء غير المتاع، لا كيان ولا أحاسيس ولا رأي ولا حاجة ...
ليتعلم مَن يتعلّم كيف يؤخّر حاجة الناس إليه إلى ما بعد الفراغ من حاجة أهله، وهنّ ملتفات حوله لحاجةٍ لهنّ به ...
هذا الرجل الذي فُطرعلى أن يشقى خارج بيته، يُعَلَّمُ كيف يجد وقتا لحاجة أهله قبل حاجة غيرِه، فكيف بالمرأة وهي التي فُطِرت على عطائها لأسرتها، وهي العاملة اليوم تقصّر بحقّ زوجها، وتُقصّر بحقّ أولادها...
هي العاملة التي تركض من أول اليوم إلى آخره، عساها تُثبت لنفسها ولمَن حولها أنّها البطلة المِغوارة التي تفي بحاجات البيت، والزوج، والأولاد، ثم فوق كل ذلك، هي بين غدوّ ورواح إلى عملها تأتمر بأمر مديرها، ولا تملك أن ترفض له طلبا، فهي تعمل وتعمل وتعمل ...
حتى إذا ما عادت آخر النهار، ربما كان زوجها السابقَ إلى البيت، وهي اللاحقة ! وهي فور لحوقها به، ترسم الابتسامة رسما على وجه كلّحَه التعب، وبهّت ابتسامته اللّهْثُ وراء لقب "البطولة" حتى لا يُقال أنها المقصّرة .... !
ثم تستعد لبعض الاستباقات التي تضمن بها شيئا من وقت غَدِها الملآن باللهث المتجدّد ...
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي من وقته لأهله عطاء مَن لا يخشى ظلم غيرهم وهم ينتظرون عند بابه لأنهم الرعيّة مع الرعية، ولأن الواجب إزاءهم واجب لا يجوز معه التقصير ...
تُرى ما قال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، محاولا إخراجه من  وجومه وصمته ؟!
لقد قال له : "يا رسولَ اللهِ ! لو رأيتَ بنتَ خارجةٍ ! سألتْني النفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقها فضحك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقال : " هنَّ حولي كما ترى . يسألنَنِي النفقةَ "
وبنت خارجة هي زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، "لو أنها سألتْني النفقة لقمت إليها فوجأتُ عنقها"، والوجْأ الضرب في العنق بجُمْعِ الكفّ، فضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالة عمر...
لقد أضحكه حقا، وهو يبدو قد قال له ما هو حقّ 🙂 إذ قد أجابه صلى الله عليه وسلم بقوله : "هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة"
لنتأمل ... 💡
لقد نجَحَ عمر في إضحاك النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من صمته ووجومه...
لقد نجح في تغيير شيء مما به، ولكن تأملوا ... إنه لم يقل إذ قال إلا ما كان وِفاقا للموقف الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووِفاقا لما يلقى من نسائه وهنّ ملتفّات حوله ...
إنهنّ حقا يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقة ... !!
فلا يفوتني أن أنوّه بذكاءٍ وفطنةٍ وحدسٍ عند عمر جعله يقول بواقع الحال وهو يمزح، وهو يجتهد لإضحاك رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وهو إذ وجدهنّ على تلك الحال، ووجد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على حاله من الصمت والوجوم، قد فكّر ... ثم قدّر ... فحسُن تقديره، وجاء تخمينه صحيحا، وجاء حَزْرُهُ موافقا لما كان فعلا ...
فهو رضي الله عنه يعلم لينَ جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم لُطفه وشدّة صبره على مَن معه، ويعلم رحمته بكل من معه، بقريبهم كما ببعيدهم...
ويعلم عدله مع نسائه... يعلم كل ذلك منه، ويجده بتلك الحال، لا يفوته أنّ النسوة مِن حوله لا بدّ صاحبات حاجة... ولا يفوته أنهنّ النساء كما كلّ النساء، وإنْ كنّ زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ... 🙂
وعمر وهو يمزح يمزح بكلام يوافق ما يُعرف من شخصيته، من حزمه، ومن شدّته، فلو أن بنت خارجة سألته النفقه، لقام فوجأ عُنُقها... هكذا هو رضي الله عنه، هكذا هو عمر ولا يُستَغرَب منه أن يكون عُمر في كل أحواله ... 🙂
ولنتأمل .... 💡
هذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبلج أساريره البهيّة عن ضحكة منه هي الشمس في كَبد السماء الصافية... هذا وجهه يتهلّل بالضحكة وهو على ما هو عليه، ومِن حولِه نساؤه يسألنه النفقة ...!!
هذا هو صلى الله عليه وسلم يضحك وقد كان قبل ساعة واجما، ويتكلم وقد كان قبل ساعة ساكتا، هذا هو وهنّ ما اجتمَعْن به إلا ليسألنه، وليستكثِرْنَه، وليطلبن منه ...وهنّ مَن هنّ ؟ ... هنّ زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
لقد كان يسمع لطلباتهنّ، وهنّ يطلبن أن يزيد في قيمة النفقة عليهنّ، وهنّ يشتكين شَظَف العيش، وما يُلاقين من مطرقة الفقروسِنْدان الحاجة ما لم تَعُدْن قادرات على تحمّله ....
ما قد أنطقهنّ، وجعلهنّ يطلُبْن المزيد ...
ولا يغيب عنّا -والسِيُّ بالسيّ يُذكر- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي والقائد والحاكم، لم يكن يُعرف بملك ولا بسلطان ولا بما يملك ... بل كان يمرّ على بيته الشهر من ورائه الشهر لا يجدون ما يوقدون عليه ليأكلوا، يمرّ الشهر من ورائه الشهر ولا شيء ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير التمر والماء ...
هذا كان حال بيته، وكان حال عَيشه مع زوجاته وهو نبي الأمة، وقائدها، والحاكم ...
هذا حتى نعلم مقدار ما كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يتحمّلْن، فهنّ وإن كُنّ النساء "البشر" إلا أنهنّ كُنّ العارفات حقّ المعرفة بقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملامسات لسموّ خُلُقه، العارفات بطيب مَعشَره، حتى إنّ الواحدة منهنّ كانت تغار عليه من الأخرى، تريد أن تستأثر به لنفسها، وهو الزوج الرؤوف، الحنون، الرحيم، الذي كان يُعلّم الناس أن : "خيركم خيركم لأهله" وأنه بينهم خيرهم لأهله ...
ولكنّهنّ نساء الرسول... !
ولكنهنّ الرصينات، الحكيمات، الطائعات، المطيعات لله ولرسوله...
ولكنهنّ اللاتي فُزْنَ دون نساء العالمين بالزواج من خير مَن طلعت عليه الشمس، خير البريّة، سيّد ولد آدم ... !
فكيف لهنّ أن يسألن شيئا من أشياء الدنيا، ويُثقِلن على رسول الله، ويُكلّفنَه ما لا يطيق ...؟!
كل هذا ... ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ فيما يقرأ فيهنّ إلا البشرية، لا يسمع فيما يسمع منهنّ إلا صوت البشرية ... كعادته وكما عرفناه، أكثر من يسمع صوت البشرية في كل مَن حولَه...
لم يُقَرِّع واحدةً منهنّ، ولم يلُمْها، ولم يعتَب عليها أنها التي تعلم أنه النبي، وأنّ زواجها من نبيّ يكفيها، وأنّها إذ تحيا وهي تنهل من نبع النبوّة يكفيها، وأنّ هذا فضلٌ من الله عليها لا تكاد عين الواحدة من النساء تكتحل به حلما بين أحلامها ... !
لم يُسمِعْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واحدةً منهنّ شيئا من هذا، بل لقد جالسهنّ صامتا واجما، وفي صمته حكمة ... يسمعهنّ وهو صامت ... لا يقبض عليهنّ قَبْض الشرطي على يد مُجرم متلبّس، لا يثور بوجوههنّ مُذَكِّرا بفضل الله عليهنّ وهنّ ببيت النبوة... بل هو الزوج بإزاء زوجاته...الزوج الكريم، الزوج الرحيم، الزوج الصبور ...
من أيّ كتاب أيها الرجل المسلم تستقي "الرُقِيَّ" في التعامل مع الزوجة، والحكمة في التعامل مع الزوجة؟ قبل أن تتعرّف إلى هذه الحركة، إلى هذه الحياة في كلمات الحديث النبوي ... من حياة معلّمنا العظيم ...
لا مانع أن تُطالع كتُب المتخصصين، ولا حرج، ولا عيب... ولكنّ العيب أن تكون في جهل مُطبق من حياة رسولك صلى الله عليه وسلم، في جهل مُطبق من حياته مع زوجاته، وتتطلّع قبلها إلى ما دونه، إلى غيره تستقي منه الحكمة والمعرفة ...
ربما قرأتَ في كتب المتخصصين ما قرأت، وإذا أنت عند الفعل، وعند التطبيق، وعند العمل ذلك المتحيّر الذي لم يعرف أيَّ قواعد مَرقومةٍ يطبّق، أهي التي أشار إليها الدكتور فلان، أم هي التي أشار إليها المتخصص عِلان ...
فكأنك تَحجُر على مرونة فيك تجعلك تتأقلم ووضعك، وفهم خصوصية وضعِك دون الحلول التي يُشير إليها مَن يشير مُغفلا الإشارة إلى ضرورة المرونة وِفق ما يقابل الواحد من حالة، ووِفق ما يعرف من طباع شريكه...
وربما تضِجُّ المرأة وتتعب، وينال منها الحِمل والعِبء ما ينال، وهي التي تصبر وتتحمّل شَظَف العيش مع زوجها، وتساعده بصبرها عليه، وتُرقّع حاجة بحاجة، وهي التي لا تتكلم، ولكنها إذا نطقت يوما حَكَم عليها الزوج بالنُّكران، وبالجحود وبقلة الصبر، وبأنها تريد أن تتطلع إلى ما فوق ذات اليد ...
بل ربّما تتمنى شيئا بين الأشياء، فتبوح له بما تمنّت، وهي التي لم يعرفها يوما حدّاقة ولا شدّاقة، ولا مقلّدة لغيرها من النساء، ولا متطلّعة لما عند غيرها ممن هنّ أيسر منها حالا ....
ربما إن تمنّتْ يوما، كان يومَ حَتْفِها بالتُّهَم التي تنهال عليها من زوجها أنّها وأنّها ... !
يُريد مَن يريد أن يطبّق القاعدة الدينية بنسخ نموذج ولصقه، لا مراعاة معها لبشرية، ولا لضعف، ولا لحاجة للنفس التي تتمنى أوتشتهي، وكأنّ المؤمن هو ذاك الذي يعيش في الدنيا بلا ميول ولا أمنيات، ولا حاجة للنفس لا تثريب عليها إذ هي الحلال لا الحرام ...
كل هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، صامت لا على امرأة واحدة، بل على نسائه مُجتمعات، وكل واحدة منهنّ تطلب أن يزيدها من النفقة ... بل ويضحك من كلمات عمر وهو في وضع صعب، وهنّ يواجِهنَه بما لم يواجهنَه به من قبل، مجتمعات على كلمة واحدة، وقلّما تجتمع الضرائر على رأي، متظاهرات عليه بما يطلبن جميعهنّ...
تُرى ماذا بعد هذا ؟؟ إلى أين سيصل الأمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين زوجاته، كيف سيكون تصرّفه مع هذا الأمر ؟
"فقام أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجُأُّ عنقها . فقام عمرُ إلى حفصةَ يجُأُّ عنقَها . كلاهما يقول : تسألْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ليس عندَه ؟!  فقُلْنَ : واللهِ ! لا نسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا أبدًا ليس عندَه "
فَوْرَ سماع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لِما أفصح به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهنّ معه، انقضّ أبو بكر على ابنته عائشة يَجُأّ عنُقَها، وانقضّ عمر على ابنته حفصة يجُأُّ عنقَها، ليُصدَّق كلامُ عمر الذي ألقاه مزحة إن سألتْه زوجته النّفقة...
وهذا أبو بكر الليّن الهيّن لا يرأف بابنته وهو يسمع أنها تتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسأله زيادة النفقة... وهذا عمر لا يُخالف طبعه، ولا يلتبس عنده الأمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ إليه من حفصة، وهو لم يرضَ قبل قليل أن يراه واجما، فكيف يرضى أن تكون ابنته واحدة من المتمالئات عليه في سؤال النفقة ...!
وكل منهما يردّد : "تسألْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ليس عندَه ؟!"
إنّهما على يقين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدل الناس مع أهله، وأكرم الناس مع أهله، وأوفى الناس عطاء لأهله، فهما يجزمان أنهما إنما تسألانه مما ليس عنده ...لأن ما عنده صلى الله عليه وسلم لا محالة ذائقاته، وعارفاته وغير محرومات منه... وما بيده ما يجعل الحياة عليهنّ أيسر مما هي عليه ويبخل به صلى الله عليه وسلم ...
لقد أنكر الأبوان على ابنتَيْهما ما لم يُنكره هذا الزوج على زوجاته !! 🙂 بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم . هو الذي يعرف حركة "البشرية" ولا يُنكرها وإن كانت من "زوجة النبي"
فلتتعلم يا زوجَ زوجةِ رجل عادي هو أنت ... 🙂
وليس بعيدا عنا أن حبّ الرجُلَين العظيمَين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من حبهما لشيء في الدنيا، وإن كان الولد... وإن كان الوالد ...
وهذا الحبّ الذي جعلهما أقرب الناس إليه وأحبّ الناس إليه.
وإن أبا بكر وعمر، وكلّ منهما يجُأّ عُنق ابنته، نسمع من ابنتَيهما جواب من ندمت على ما قالت : "واللهِ ! لا نسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا أبدًا ليس عندَه"...
سُرعان ما ارعوَيَتا وكفّتا وهما قد أغراهما صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووُجومه أن تستكثرا، بينما أفاقتا وندمتا وقد هزّتهما ثورة أبويهما ...
بل لعَمري إني لأرى صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كُنّ يطالِبنه به، درسا فوق الدرس، عرفْن فيه الرحمة والاستيعاب، والاحتواء والتحمّل، فكرهْن جُرأتَهنّ عليه ...
وإنّ من الصمت لَما هو المعلّم فوق المعلّمين ...
تُرى إلامَ آل الحال، وإلامَ انتهى الأمر 🙂
"ثم اعتزلهُنَّ شهرًا أو تسعًا وعشرين . ثم نزلت عليهِ هذه الآيةَ : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً(28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)» .
وهذا هو اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، وإنه لم يكن من سبب واحد، بل من أسباب مجتمعة، ففي هذا الحديث يأتي الاعتزال عقب سؤالهنّ النفقة، وفي روايات أخرى صحيحة أيضا تنزل آيات أخرى غير آية التخيير هذه، وفي جمع الروايات أسباب مجتمعة جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتزل نساءه شهرا كاملا ...
لنتأمل ... 💡
لقد صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يَعِبْ على واحدة منهنّ ما سألته من زيادة النفقة، ولم يقرّعها، ولم يجرِّمها، ولكنه رأى صلى الله عليه وسلم ببعد نظر أنّ الأمر يستدعي درسا فعليّا يُقدّمه لنسائه، يستدعي إدخالهنّ في اختبار لا على سبيل المعاقبة على ما كان منهنّ بل على سبيل ترك الفرصة لهنّ للتفكير الحرّ دون غصب، ودون إكراه، ليُجرِّبْن فِراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولِيذقن طعم النّأي عنه، فإن وجَدَتْ منهنّ مَن وجدت في البعد عنه راحة وفي العيش من دونه ما يُسهّل عليها العيش فلا يضطرّها إلى الصبر على ما لا تطيق، ولا على عطاء منه غير محدود يُؤثر به غيره على نفسه... فهذا الاعتزال لها فُرصة عملية تجعلها تتخذ قرارها بالشكل الصائب والمتّزن الذي لا ندم بعده ...
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يحسّن لهنّ من مستوى معيشتهنّ، بل ما يملكه هو أحد أمرَين، أن تُكمِلنَ معه وهو على حاله، أو أن تُفارِقْنَه ليعشن حياةً أيسر عليهنّ تطيب بها أنفسهنّ ...
لا أراه عقابا لهنّ بقدر ما أراه تخييرا عمليّا، بقدر ما أراه إدخالهنّ ساحة الاختبار، ساحة الواقع يُعايِشْنَه، ولهنّ بعدها بِما يَرَيْن لا بما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت "العقوبة" منه لكان بعدها ما يرى هو بزيادة معاقبتهنّ بإجبارهنّ لا بتخييرهنّ ...
لنتأمل .... 💡
بعد اعتزاله لنسائه صلى الله عليه وسلم تنزل آية التخيير من رب العزة :
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً(28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)»
لنتأمل ... 💡
وليتأمل كلّ من يحاول الفصل بين حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن فعل وقول على الأرض وبين الوحي، لنتأمل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى اختبارهنّ بالاعتزال، اختبار مدى تحملهنّ لمفارقته، وهو يرى أنه لا يملك إلا أن يبقَين أو يفارِقنَه، فينزل القرآن مُصدّقا لما رأى... ينزل القرآن فاصلا بأمرهنّ معه... يأمره صلى الله عليه وسلم أن يُخيّرهنّ ...
لنتأمل... 💡
فإذا الله جلّ في عُلاه لم يُنزل قرآنا يَعتَب فيه على نساء الرسول ويلومهنّ على قولهنّ ما قُلن، وطلبهنّ ما طلَبْن ... لم يذكِّرهنّ بفضل الله عليهن وهنّ زوجات النبي، لم يذكّرهنّ بمقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، لم يدعُهنّ للندم على ما كان منهنّ وللتوبة منه ...!
بل نزل القرآن مُقِرا ببشريتهنّ، وواضعا لأمرهنّ موضعه الصحيح..
فلا تجريم ولا تقريع، بل هو التخيير، ودونما وعيد بالغضب من الله إن هنّ اخترنَ فراق رسول الله، ودونما وعيد بالمآل السيئ إن هنّ اخترن فِراقه ...
بل هنّ الحُرّات اللاتي لهنّ أن يخترن ولا تثريب عليهنّ ...
بل مَن تختار الفراق، سيسرحها سراحا جميلا .... لنتأمل إنه : "سراحا جميلا" ...
ولكَم استهجن مَن استهجن وهو يسمع القصة تصرّف نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدّه غريبا، ورأى أنه كيف يكون مع رسول الله ... بينما لم يرَ الله في ذلك شيئا تُعاب عليه نساؤه أو يبُؤْن به بغضب من الله، تماما كما لم يرَ رسول الله في تصرفهنّ ما يدعو حتى لتذكيرهنّ بحُظوتهنّ بمرافقة صاحب مقام النبوة ...
إنهن كنّ يحسنّ الصدق وإن عارضْن، وإنّنا لا نحسن غير الكلام الهائم العائم الذي يوهِم بتمام الاتباع وما هو إلا العاطفة سريعة الاهتزاز...!
ولكنّه بالمقابل : "وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)"...  الله بالمقام الأول، ثم الرسول، ثم الدار الآخرة ...
تذكير دائم بأنّ من يختار الرسول، فقد اختار الله بالمقام الأول، من أطاع الرسول فقد أطاع الله... تذكير دائم بأنّ إرضاء رسول الله من إرضاء الله تعالى... وأن رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رضى الله سبحانه...
فهو الجمع وهو التفريق في آن ... فالله هو المعبود لا رسول الله، ورضاه هو المرجوّ أولا، وما حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تجسيد لما يحبّ الله ويرضى ...
ثم أيضا هي البشرى من الله سبحانه لهنّ، هي القوّة التي يحتاجها المؤمن زُوّادا يستزيد به، ويستعين به على لأواء الحياة، هُنّ وهُنّ مَن هُنّ، ووزنهنّ في الأمة الوزن الثقيل، ودورهنّ الدور العظيم، وخصوصيتهنّ لكونهنّ نساء نبيّ الأمة، ونساء داعي البشرية إلى الله، وأمهات المؤمنين، كُنّ بحاجة إلى هذا الزاد الرباني وَقودا على الطريق الذي خُيّرن فيه...
فالله سبحانه يَعِدهنّ ولا يتوعدهنّ، يُرغبهنّ ولا يُرهبهنّ ... يعدهنّ بالأجر العظيم من عنده ... وكفى بهذا الوعد الخاص، الموجه لهنّ خاصة زادا وقوة ودافعا...
لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصية مقامهنّ بالنسبة للأمة، وللدعوة، فاختبرهنّ بالاعتزال ليترك لهنّ حرية الاختيار عن قناعة وعن تجربة ...
ثم صدّق الله تعالى رسوله وما رأى بأمره أن يخيّرهنّ من غير تهديد ولا وعيد بل بالإحسان يستحثّ فيهنّ الإحسان ...
وما يزال في هذا الحديث المِعطاء بقية خير وعطاء ...
وإني لأقف الوقفة أتأمل، وأنا المندهشة من كلمات النبوة، ومن أفعال النبوة تُغدق على مَن يتأملها ويتملّاها دروسا ودروسا، فأكاد أصرخ بالمُنكرين للسنة ...  وبالمشككين بالسنة...!
تالله إنّ كلام النبوة أيضا ليس ككل كلام ...
إن فعله في النفوس ليس ككل فعل، إنّ له لصوتا جهوريا يأخذك إلى دنيا ليست إلا دنيا "الوحي" مع "الوحي"...
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"فبدأ بعائشةَ . فقال : " يا عائشةُ ! إني أريدُ أن أعرضَ عليكِ أمرًا أُحبُّ أن لا تَعجلي فيهِ حتى تستشيري أبويْكِ " . قالت : وما هو ؟ يا رسولَ اللهِ ! فتلا عليها الآيةَ . قالت : أفيكَ ، يا رسولَ اللهِ ! أستشيرُ أبويّ ؟ بل أختارُ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ . وأسألك أن لا تُخْبِرَ امرأةً من نسائك بالذي قلتُ . قال : " لا تسألْنِي امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها . إنَّ اللهَ لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا . ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا "
نفّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربّه، وها هو أمام عائشة، راقي النفس، رقيق القلب، رحيم، وَدود... يختارها قبل غيرها، وقد سُئِل يوما :"من أحب الناس إليك؟" فأجاب: "عائشة"
يبدأ بأحبهنّ إلى قلبه، وهو في هذا أيضا لا تغادره الحكمة، يبدأ بأحبهنّ إليه ليرتاح قلبُه راحتَه الكُبرى إذا سمع منها قبولا ... وكذلك لا يغادره أمرُ قلبه الذي لا يملكه، وهو يحبّ سماع رأي أحبهنّ إليه ...
ولنتأمل ... 💡
"أحبّ ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" ...
وإنني لأعقل فيما أعقل أنّ الرجل المُحِبّ ما أسرع ما يحبّ سماع كلمات محبوبته أنها تريده، وأنها لا تقوى على فراقه ...
ولكنّ عقلي لا يعقل بالقدر الكافي، ليتوقّع كل هذه الرصانة، وكل هذا العدل، وكل هذه الحرية التي يعطيها مُحبّ لمَن يُحبّ ... !
إنها العاطفة المُرشّدة ...
إنها العاطفة التي لا تُعدِم العقل، بل تجعله سَندا ومؤيدا ومقوّيا لها...
يريدها حقيقية، حرة، متروية، لا مغصوبة، ولا بتأثير عاطفيّ لربما تمحو أثرَهُ  المُلِمّات بعد ساعة ... يريده دائما، ثابتا، رصينا ... حقيقيا، صافيا لا شِية فيه ... "أحبّ ألا تعجلي فيه "
ولنتأمل ... 💡
وعائشة إذ تردّ لا تردّ ردّ المستعجِلة، بل تردّ ردّ الواثقة من حبّها له، ردّ التي هذا أوان رأيها مجرّدا عن تأثير أيّ رأي... 
إنها لو استشارت أبا بكر أو أمها في رسول الله لما وجدت غير دفعها للقبول بالبقاء معه، ولكنّها هي هي التي طالبتْه في ساعة ما بما ليس عنده، هي نفسُها اليوم التي تقرّر قرارها الذاتي البعيد عن كل تأثير، ليصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قويا، قويا قويا ... كما هي حقيقة هذا القرار ...
وليتعلّم مَن يريد أن يتعلّم كيف يملك الرجل قلب زوجته بالحبّ والرحمة، والصبر على بشرية فيها، وكيف يصبح قرارها أن تكون معه وأن تبقى معه رغم كل حال  قرار المحبّة الواثقة...
وأخيرا .... 🙂 ها هي البشرية في عائشة تطلّ من جديد 🙂
ها هي غيرتها على مَن تحبّ تدفعها لأن تسأله ألا يُخبر امرأة من نسائه بجوابها، تريد أن تستأثر بالمكانة عنده، فلعلّ هناك من ستختار البقاء معه غيرةً من عائشة لا حبا في البقاء... !!
فلتفعل منهنّ مَن تفعل ذلك وتلك أمنية بشريّة من أمنيات عائشة 🙂
ولكنه صلى الله عليه وسلم برُقيّ المعلّم العاقل الحكيم، العادل، الرحيم ...
برقيّ الذي يبلّغ عن ربه ويعدل في التعليم والتربية والرحمة وإن غلبه قلبه فيمن أحبّ ...
يردّ عليها قائلا : " لا تسألْنِي امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها . إنَّ اللهَ لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا . ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا"
لنتأمل والحديث بكل أطرافه منجمٌ للتأمل والنظر 🙂 ....
لقد أرضاها مع فعله ما يجب أن يُفعَل ... 🙂
فإن هي سألته الواحدة منهنّ عن جواب عائشة أخبرها، وإن هي لم تسأل لم يُخبرها ...
فهو صلى الله عليه وسلم المعلم الميسّر لا المعنِّت المتعنّت لا المُشقّ على الناس، المتطلع لهَنَاتهم وهفواتهم وزلاتهم  ...
تُرى مَن يُجيد هذا التفريق الدقيق الذي لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة بين الحق الذي يبقى حقا ولا يُميّعه حبّ حبيب ولا مكانة قريب، ولا تُذهِبه مجاملات ولا تقرّبات، فيبقى حقا، ويبقى موجودا، ويبقى فاعلا وإن لم يرتضِه أقرب المقرّبين وأحب المحبوبين ...
وأخيرا ... لنتعلم ... ولنتعلم ... ولنتعلم 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:41:00
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عرفنا في حديثنا السابق حادثة التفاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم حوله يسألنَه النفقة...
وكنا قد عرفنا كيف كان معهنّ متفهّما، رحيما مستوعبا لبشريتهنّ ومطالبهنّ، فلم يزجرهنّ ولم يُلجمهنّ بتذكيرهنّ أنهنّ يسألن الدنيا من النبي المرسل من ربه والذي هو مثال الإعراض عن ملذات الدنيا، ومثال الصبر على شظف العيش ...
لم يُلزمهنّ بغير ما نطقت به بشريتهنّ ...
وعرفنا بالمقابل كيف اعتزلهنّ شهرا كاملا يختبر مدى تحملهنّ فراقه والبعد عنه، حتى نزلت آية التخيير تأمره أن يخيرهنّ بكل حرية بين الدنيا أو الله ورسوله والدار الآخرة، وكان صلى الله عليه وسلم مثالا للعدل والرقيّ، فبدأ بعائشة رضي الله عنها، وطلب منها أن تتمهل ولا تتسرع في قرارها، مقدّرا لعقلها ولاختيارها، فكانت منها المسارعة إلى اختيار الله ورسوله والدارة الآخرة دونما تلكؤ أو تردّد ...
اليوم سنكمل مع السياق ذاته، ولكن مع حديث جديد، ومحطات جديدة تستوقفنا ...
إنها قضية اعتزاله نسائه صلى الله عليه وسلم، ما تزال تعلّمنا ...
في حديث صحيح يرويه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل المسجد يوما، فوجد الناس ينكُتون بالحصى كفعل المهموم الذي يحدّق بالأرض ويضرب عليها بالحُصيّات، يقولون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاته، وذلك من عِلمِهنّ باعتزاله إياهنّ لأيام كثيرة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في المسجد ثم يأوي إلى مَشرُبةٍ له فوق حُجراته...
والمَشْرُبة مكان يُتخذ لجمع الأثاث والحاجيات غالبا ما يكون في الأعلى ...
ويُتخذ إليه دَرَج من جذوع النخل يُرتَقَى به إليه ...
فكان صلى الله عليه وسلم يتجاوز كل حجرات زوجاته ويأوي إلى تلك المَشرُبة، والناس يعلمون منه ذلك وهم يرَوْنَه بين غدوّ ورواح منها إليها ...
فقال عمر : "لأعلمنّ ذلك اليوم" يريد أن يتحقّق من الأمر بنفسه، ولم يكتفِ بما سمعه من الناس المهمومين بالمسجد ...
وكعادتنا يستوقفنا الحديث من بداياته .... 🙂
هؤلاء المؤمنون ينكُتون بالحَصى مهمومين منشغلين مفكّرين يَرُوعُهم أن يسمعوا أنّ رسولهم صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاتِه ...
هؤلاء المؤمنون مِن حوله لا يجرؤون على سؤاله والاستفهام منه عن أمر من خاصّ خصائصه ولكنهم يهتمون لأمره صلى الله عليه وسلم أيّما اهتمام ...
يغتمّون، يخشون أن يكون الخبر حقيقة، ينظرون في مآله، وفي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطلّق لكل زوجاته ...
هكذا عَلَّمهم صلى الله عليه وسلم أنّه لا يؤمن أحدهم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، فكيف إن خصّ الأمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحبّ الناس إلى قلوبهم، وأقربهم إلى نفوسهم، وأحنّهم عليهم، وأرأفهم بحالهم...؟!
الذي لا يعنّتهم ولا يشقّ عليهم ولا يطمئنّ ولا يسكُن وأحدهم مشغول البال أو مكسور أو مخذول أو مظلوم حتى يقتصّ للمظلوم ممّن ظلمه، وحتى يشفي غليل السائل إذا سأله، وحتى يُغيث الملهوف، وحتى يقضي للمضطر حاجته، وحتى يعلّم المتعلم المستزيد، وحتى يُريح بال المهموم المحزون ... وحتى ييسّر على كل مُعسِر، وحتى يؤلّف بين القلوب...
كيف بمَن هذا دَأبُه ودَيْدنه معهم ألا يهتمّون لهمّه ولا يغتمّون بغمّه ... ؟!!
هكذا كسب القلوب صلى الله عليه وسلم، فكان أوْفاهم إذا وعد، وأدمثهم خُلقا إذا عاشر، وألْيَنهم عريكة ومَوْطئا ...
ولقد شهد له ربّ العزة سبحانه إذ قال في كتابه الحكيم : " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128)"-التوبة-
ولقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلقه فقالت في كلمتين : "لقد كان خُلُقُه القرآن "
فهلا تعلّمنا منه صلى الله عليه وسلم ؟!
هلا تعلّم منه الزوج كيف يكسب قلب زوجته ؟
وهلا تعلمت منه الزوجة كيف تكسب قلب زوجها ؟!
بالرحمة، بالرأفة، بحُسن الجمع بين حروف البشرية لقراءة حالة المخطئ منهما إذا أخطأ، ولفهم نفسيّة الزالّ إذا زلّ ... و ليتفهّم أمر الذي يلازمه الصبر إذا ما ضجر يوما فنطق ...
عندها سيكون لذلك الودّ موقعٌ من الحياة، وستكون للرحمة مكانة منها، وسيهتمّ الزوج لحال زوجته، وسيفعل ما بوسعه للتّسرية عنها، وسيكون طبيبها إذا اعتلّت نفسها، وستكون طبيبته إذا اعتلّت نفسه...
وليس الأمر قصرا على الزوجين، بل فيما بين المؤمنين كافة، بالرحمة وبالرأفة، وبإحساس الأخ بأخيه، وباستشعاره لألمه إذا تألم، وبحبّه للفرحة تغمر قلبه...وبأن يكون سَنَده...
فلا يشقى مؤمن بين المؤمنين، ولا يموت جوعا، ولا يُهلِكُه حزن وإخوانه مِن حوله، هذا يشدّ من أزره، وهذا يُسعفه في حاجة، وذاك يُدخل السرور عليه بكلمة، وذاك يبشّ في وجهه ...
تِلْكُم هي حياة الجماعة، وذَلِكُم هو تصديق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضُه بعضا " ...
نعَم ... تلكُم كانت ثمارَ التعليم النبويّ السامي لأصحابه ...
فهُم أولاء اليوم همُّ نبيّهم همُّهم، وفرحه فرحهم ... فهُم اليوم ينكتون الحصى اغتماما بأمره وقد أشيع أنه قد طلق نساءه صلى الله عليه وسلم ...
ولنتأمل ...💡
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يرى ما يرى، يؤلي على نفسه أن يتحقّق مما سمع، أن يأتي بالنبأ اليقين من مصدره ... أن يتثبّت ...
هذا هو رضي الله عنه وعلامات الوصاية على المؤمنين والمبادرة إلى حلّ مشاكلهم والفصل في أمرهم تلوح في شخصيته من قبل أن يُوَلَّى أمرَهَم لعشر سنوات كاملة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأرضاهما ...
ها هو ذا وهو الذي يتحمّل دون غيره من المؤمنين أمر هذه المهمّة...
أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستفهمه في شأن من شؤونه الخاصة، يريد أن يقطع الوهم بالحقيقة ...
وهذا عمر الآن ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة أول من يكلّمها، ومن بعدها حفصة ابنتُه، يروي عمر فيقول :
"فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْتُ : يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟، فَقَالَتْ : مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ، قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
عمر رضي الله عنه يعتب على عائشة، فيستنكر عليها أن كانت سببا من أسباب اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولصويحباتها من نسائه...
ولَعَمْري إني لأرى هذه الكلمات منه هي كلمات كُلٍّ منا وهو يستغرب ويستهجن أن يبلغ بواحدة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبلغ أن تتسبب في إغضابه، وأن تسأله ما ليس عنده، وأن تعكّر صفو الحياة عليه وهو الذي يتحمّل ما يتحمّل من هموم الأمة، ويتجشّم ما يتجشّم من صِعاب، ويواجه ما يواجه من عقبات وعراقيل...
هي كلمات لا أحسبها إلا قد نطق بها كلُّ مَن عرف عن أمر نسائه معه...
أرى ابن الخطاب رضي الله عنه يقولها عنّا جميعا ... 🙂
يقولها ونقولها، بينما لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحدة منهنّ ...!!! 🙂 : "أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ "
لم يُخْفِها عمر في نفسه، لم يُكبِر أن يكون منه تجرؤا على مقام زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدفعه حبه الشديد لرسول الله، وقد عرفنا كيف أقبل يجُؤُّ عنق حفصة حينما فهم أن أمرها من أمرصويْحباتها الملتفات حوله يسألنه النفقة ...
هكذا هو عَهْدُنا بعمر رضي الله عنه... القوة، والصدع بالحق، والمُواجهة العَيْنيّة ...
وهذه عائشة رضي الله عنها تردّ عليه قائلة : "مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ؟"
لنتأمل .... 🙂 وإنها لكلمات منها تدعو للتأمل والتأمل ... 🙂
عائشة لم تصمت، لم تنحنِ، لم ترَ في عمر القوي الشديد المُهاب حائلا دون أن تدافع عن نفسها، ودون أن تقول له كلمات رأتْها حقا لا يعيبُها أن تنطق بها ...
"مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعَيْبتك" و "العَيْبَة" لغةً الوعاء يكون فيه المتاع، وهو هنا كناية عن خاصّة الرجل وأهله، وقد أرادتْ بذلك حفصة، أي أنها الأَوْلى بكلماتك منّي وهي ابنتك، وألا شأن لك بي أنا ...
ولنتأمل كيف أنها لم تُدْلِ حتى بعُذرها لتبرّئ نفسها عنده ... 💡
ترى الأمر يخصّها، وترى حبّها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي زوجُه ليس بالذي تُعلن عنه على الملأ ليقال عنها أنها المُحبّة التي لا ترتضي غضب محبوبها منها ...
بل هي القوية التي تترك أمرها وأمره لنفسها، كشأن من يحبّ حبّا عظيما فلا يجد ما يصفه به كالذي يصفه به عند محبوبه، فلا أفْقَهَ من محبوبه لحبّه ...
أيّ اضطهاد هو للمرأة ؟؟ أي انتقاص من قدرها ومن حقها هو المُدَّعَى على الإسلام ؟؟
وهذه عائشة تردّ بكل قوة على أشد رجال المسلمين قوة وأوفرهم مهابة ...
عمر الذي أخاله إذ أخال طلعتَه علينا والرجولة تنضح منه نضحا يجعل القامات تنحني أمامها... !!
أخال طلعته علينا طلعة "الرجولة" في أبلغ تعريفاتها، وأبهى حُللها.... !! 🙂
هي ذي عائشة تردّ ردّ التي لا تخشى أن تُوصَم بشيء وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما أسكنوا بأذهاننا صورة لنساء النبي، فلكأنهنّ الملائكة لا البشر، لكأنهنّ الصمّاوات البكماوات اللاتي لا ينطقن، ولا ينبِسْن ببنت شفة ...
هكذا أرادوا أن يصوّروا لنا المرأة المؤمنة المثالية..!!
أن يجعلوها خشبة مُسنّدة...فهي تلك الخانعة، الذليلة، الضعيفة التي لا يحِقّ لها بوجه من الأوجه أن تتكلم، ولا أن يسمعها الرجال، ولا أن يعرف الرجال منها حقا...
هكذا هي الكائن الذي خُلِق ليُدفَن حيّا لا وَأْدا كوأد الجاهلية، بل أشد ....!!
فليس الوأد بإهالة التراب وحده يكتم الأنفاس، بل بإهالة تراب الاضطهاد والكَبْت يكتم الفِكر والنظر والرأي والصوت ...!!
ماذا عساي أقول في هذا المقام ؟!! إلا أنّ كلّ مَن مكّن لتلك الصورة الذهنية عن المرأة المسلمة قد ظلم وهو يحسب أنه يُحسن صنعا، قد ظلم أيّما ظلم وقد جاء بما لم يجئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشاه- ولا مَن بعده من أكابر صحابته العظماء الحُكماء ...
لقد ابتدع وهو يكرّس لتلك الصورة في أذهان النساء وأذهان الرجال على السواء ...
بينما هذه عائشة بكل قوة، بلا إسفاف، ولا غلط، بل بكلمات بيّنة لا غُبار عليها، تردّ على ابن الخطاب أنه لا شأن له بها، وأن يلتفت إلى ابنته ويدَعَها ....
هكذا تعلّمتْ عائشة في بيت النبوة، أنها صاحبة رأي وصاحبة مقام، وأن لها الحقّ في أن تدافع عن نفسها، وتنتصر لنفسها...
ويحضرني حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسابقها وهي تسابقه إذ تباعدا عن الجيش مسافة في أحد أسفاره ... وهو ينحني لترى مِن خلف ظهره الأحباش وهم يستعرضون ألعابهم...والجاريات عندها يُنشِدْن، وهو لا يرفض منها هذا كله، ولا يصدّها عنه...صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ....
ويدّعي من يدّعي رجولة زائفة كاذبة، فيُضيّق على امرأته أو ابنته أو أخته، وهو إذ يفعل لا يرى إلا نفسه و"أنَاه" يخشى أن يقولوا عنه، أو يتكلموا عنه أنّ فلانا ابنتُه تفعل أو تفعل ....
بينما الحلال بيّن والحرام بيّن، والعيب بيّن ....
وما عدا هذا لا تُحرم المرأة منه، ولا تكون في معزل عنه، وكأن الرجل إنسان وهي إنما شبه إنسان ... شُبّهت بالإنسان لتتواءم وحاجة الرجل لا غير .... !!!
ألا سُحقا لكل هذه الأفكار المتطرّفة التي نسبها الظّلمة للدين وما هي منه ...!!
والآن ..... 🙂
أين عمر من ردّ عائشة رضي الله عنها ؟ أين القوي الشديد من ردّها عليه وصدّها له ؟ ومن إحالته على ابنتِه ؟
إنه الشديد الشديد ... فلربما كبُر عليه أن تصدّه امرأة، لربما كبُر عليه أن تردّ غضبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... !
عمر ما جاء لينتصر لنفسه، بل جاء لينتصر لحبيبه صلى الله عليه وسلم...
عمر على شدّته وصعوبته فإنه ليس بالذي يخلط حابلا بنابل فيرى في حقّ الرد تعدّيا، بل هو اللبيب العادل الذي لا يمنع أحدا من حقّ ...
أجَلْ هي ذي معالم القيادة ترتسم في شخصية عمر، معالم الحق ترتسم فيه وهو لا يرد صاحب حق في قول أو فعل ...
هي ذي معالم عدله وهو يعرف للمرأة قدرَها، فلا يسارع لوصْمها والطعن بما تأتيه بحجة أنها "المرأة" الضعيفة المَهيضة التي لا يحقّ لها أن تقارع الرجال وإنْ بوجه حق ...
وهُو هُو عمر الذي تخطّئه امرأة بعد حين وهو أمير المؤمنين على الملأ، فلا يملك إلا أن يقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" مُحقا للحق لا يبالي في ذلك أن يُخطَّأ على الملأ من امرأة...
وسيّان عنده في الحق المرأة والرجل، وسيّان عنده في إبطال الباطل المرأة والرجل ...
الحق عنده أولى من عمر...
فلنتأمل.... 💡
" فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
ها هو ذا مع ابنته أكثر راحة منه مع عائشة، يقرّعها، ويؤنّبها، ويربّيها، ولا يعنيه -والهمّ همّ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم- أن تغضب ابنتُه، لا يعنيه أن تبكي، وقد علم شدّتها ساعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقة مع مَن سألتْه ... وهذا هو عمر 🙂
ثم سألها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتْه أنه بالمَشرُبة، فتوجه إليه حيث هو:
يقول رضي الله عنه : "فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ - وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْحَدِرُ - فَنَادَيْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي ، فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاللَّهِ ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ عُنُقِهَا ، لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا ، وَرَفَعْتُ صَوْتِي ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ "
هذه المَشرُبة حيث يرقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها عبر جذع يُدلّي عليه غلامه رباح رِجلَيه، وهذا عمر يستأذن للدخول عليه من خلال رباح....
وإذا رباح ينظر إلى المَشْرُبة حيث رسول الله، ثم يولّي وجهَه قِبَلَ عمر، وهكذا مرة ومرة، وقد فهم عمر من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بالدخول...
وكعادتنا نعرف من عمر النباهة والفطنة وسرعة البديهة، بل وسرعة التصرف يعقب سرعة الفهم، فرفع صوته ليُسمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما جاء من أجل حفصة ليشفع لها عنده، بل إنه لو أمره أن يضرب عنقها لفعل ... 🙂
وهذا عمر رضي الله عنه، لا يخفى عنا وإن وُورِي عنا اسمُه، صحنا أنه عمر 🙂
رضي الله عنه وأرضاه ... شديد في الحق، قوي في حُبّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أحب إليه من ابنتِه، لا يؤُدُه أن يضرب عُنُقها إن هو أمره أن يفعل، لا يريد إلا أن يطمئن رسول الله ويهنأ...
رفع صوتَه بحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رفعه يُعلِن أنك يا رسول الله أحبّ إليّ من فلذة كبدي.... أنّ شأنك الذي يعنيني ولا يعنيني شأنها ...
وكيف لا يُحبّ الذي كان سببَ خروج عمر من الظلمات إلى النور...
كيف لا يُحَبّ من اقتلع عمر من براثن الجاهلية إلى سنا الإسلام يحمل رجلا مثله إلى المكان الذي يستحقّ ...
كيف لا يُحِبّ مَن أعلن أنه حين رأى ما رأى ليلة أُعرِج به، مرّ بقصر وعليه جارية، فأبى أن يرفع عينَه بها وقد عرف أنها لعمر في الجنة حين ذكر غيرتَه.... 🙂
هكذا كانوا يقولون : "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" قولة الصادق الفاعل ...
وباء عمر بالفلاح، وقد أذِن له رسول الله بعْدها، أذِن له وقد فطِن ابن الخطاب أنّ هذا ما كان يريد سماعه، أنه لم يأتِ ليشفع لحفصة عنده ...
بل لنتأمل ...... 🙂 💡
** كيف يشفع لحفصة أبوها -وهو الذي قرّعها قبل قليل- عند مَن لم يقرّعها ساعة التَفَفْن حوله يسألنه ما ليس عنده !
** كيف يشفع لها عنده وهو الذي إن أذِن له بقطع رأسها لفعل مقبلا غيرَ مُدبر ... !!
والآن وقد أذِن رسول الله لعمر بالدخول، يبدأ عمر رضي الله عنه بوصف الحال التي وجد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ ، فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ "
عليه إزارُه صلى الله عليه وسلم، والإزار ما يغطّي الجزء السفلي من الجسم، وليس عليه غير هذا الإزار، مضطجع على حصير قد أثّر في جنبه من خشونته، وقبضة من شعير وقبضة من قرظ يُدبغ به الجلد، وأفيقٌ (أي جِلد) معلّق ...
هذا كلّ ما بغرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوى إليها ...!
لنتأمل ....
لقد اعتزلهنّ بعدما سألْنَه النفقة، وهو ما ليس عنده، وها هو بالمَشرُبة يصف عمر كلَّ ما بها...
لعلّه اعتزلهنّ فرارا من الحياة الزوجية وفيها ما فيها من طلبات الزوجة وتأفّفاتها، فها هو إذ يعتزل ويعيش وحيدا ذلك كل ما يملك ... ليس بالذي فرّ من الطلبات ليستقلّ فيستمتع وحده !
بل هذا ما يملك لنفسه، وهذا ما يملك لهنّ ...
لقد بكى عمر ..... !
لقد بكى القويّ الشديد ... لقد جادتْ عيناه وهو يرى ما يرى، وهو يرى جنب الحبيب المصطفى يأكل منه الحصير لا يرأف به .... !!
ولكنه لا يشتكي 🙂 لا يشتكي ولا يتأفف، ولا يعنيه إلا أن يبلّغ الرسالة ويؤدّي الأمانة ...
يقول عمر:
"فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، قَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى ، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
حصير وقبضة من شعير كل ما يملك نبي الأمة، والنور المبعوث للأرض ... !!
لسنا ندعو للزهد إذ ندعو أو لعَيش الفقر غصبا إذا قلنا أيّ شظف يُعاني منه مَن يُعاني مقارنة بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!
أيّ فاقة وأيّ حال هي الصعبة يتحجج بها مَن يتحجج لئلا يدرس أو يعمل، أو يعيش، أو يتبسم ...
أو يعطي للأمة مما يعطيه الله من عطاء فكر أو نظر أو وعي ...
حصير وقبضة شعير تلك هي الدنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عنده بمعناها الحقيقي ...
وإنّ هذا الحديث والذي قبله وما فيهما من أحداث كانت في العام التاسع للهجرة، في عامٍ الأمة فيه ميسورة الحال، الدولة الإسلامية فيه ممكّنٌ لها، والغزوات والغنائم ألوان ...ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه منها، ولكن أين هو مِن هذا الذي عليه وعليه زوجاته ؟؟؟ !!
نعم له منها نصيب، ولكنّ جُلَّه إلى الصدقة وإلى ذوي الحاجة والعوز من المؤمنين ....
ولمَن سيرى ما أقول بِدْعا في زمنٍ الدنيا فيه متفتّحة أزاهيرها، أقول: تأمل قول عمر رضي الله عنه : " وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ" ...
لقد كان بمَلْكِه أن يملك ولم يملك، ولقد كان بمَلْكه أن يتملك وما تملّك ...
ولقد كان في عصره مَن يغوص في النعيم غَوص مَن لا يُطلّ له رأس، فهو الغوّاص أبدا ....
إنني لا أدعو للزهد أو لتعمّد الافتقار أو للتلذذ به، بل أتعجّب من أمر مَن لا يبلغ به الاحتياج مِعشار ما بلغ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القانط المشتكي، المتأفف، المتشائم، المتطلع إلى ما عند غيره لا يشبع إلا إذا كان عندَه مما عند غيره وغيره وغيره وغيره ....
وأنّى لهذا أن يشبع أو أن يرى نفسه صاحب كفاف ؟!!!
وهذا رد الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
كلمات قليلة معدودة ... هي من الجوامِع، هي من الشوامِل، هي الكافية الوافية الشافية ...
وردّ عمر القصير، كلمة .... ولكنها كلمة المتيقّن الصادق : "بلى" ...
ولكلمة الصدق من صاحبها القول والفعل والمثال ....
يقينٌ هو عند عمر رضي الله عنه لا يزحزحُه مزحزح ... نعم نختار الآخرة ...
فلنتعلم ... ولنتعلم .... حتى نرضى بما قسم الله لنا، لا رِضى المستدلّ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على كسله ونوْمِه، بل رضى الذي هذا هو قَسَمُه من بعد سعيه وأخذه بالأسباب لا يتطلع إلى ما عند غيره تطلّع النَّهِم الذي لا يشبع وإن عبَّ ما عبّ ....
يُكمِل عمر وقد تعلّم من أول دخوله على رسول الله، ومن أول سؤاله، من الذي بكى لحاله، عبّ منه وهو تلك حاله مع الدنيا، وهو على حاله من الفقر، تعلّم منه وهو الغنيّ بإيمانه الفيّاض...
يُكمل فيقول : "، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ ، إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } ، { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
لنتأمل ....
إنني لأرى عمر يتأمل دقائق حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتفحّص وجهه يريد أن يطمئن، فلا تجيبه الكلمات، بل تجيبه ملامِحه، يرى في وجهه الشريف الغضب... فيسأله عما يشقّ عليه من أمر نسائه، وقال له كلمات رجا عمر أن ينزل من عند الله ما يصدّقها، وعمر رضي الله عنه يُعرف بتصديق القرآن لكثير مما قال، لقوله في حجاب نساء رسول الله، ولقوله في مقام إبراهيم عليه السلام، وفي أسارى بدر، وفي طلاق زوجات الرسول، وفي تعقيبه بــ: "تبارك الله أحسن الخالقين" وفي غيرها كثير ....
ولنا أن نتأمل مقام مَن يصدّق القرآن كلماته ....
لنا أن نتأمل حكمتَه ورزانة عقله ...
لنا أن نتأمل مع هذا ومع ما عرفنا في الصحابة من استسقائهم للقرآن استسقاء...
في هلال بن أمية وهو يقسم أن الله منزل ما يبرئ ظهره من الحد فتنزل آية اللِّعان، وفي فَهْم خويلة بنت ثعلبة وهي التي تدفع عنها زوجها وقد قدِم عليها بحاجة له فيها من بعد أن ظاهر منها، ولا حُكم تستند عليه فيما فعلتْ، وهرعت إلى رسول الله تشتكي حتى نزل قرآن يصدّقها ...
وفي عائشة تعلن فرارها إلى الله وحده ولَوَاذَها به وحده فينزل قرآن يبرئها ...
وفي الصحابة على رأسهم عمر رضي الله عنه يسألون عن الخمر ويسألون ويسألون حتى يحرّم ويحرّم تدريجا إلى أن يُبَتّ في أمر تحريمه كليا ....
وفي الصحابة يسألون عن كَيْت وكَيْت .... وينزل القرآن مصدّقا لما يقولون، مجيبا لحاجتهم ...
لنا أن نتأمل حالهم مع القرآن، وحال القرآن معهم وقد فقهوا معناه ودوْره من قبل نزول آياته...
"فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ"
تلك كانت كلمات عمر رضي الله عنه ...
إن طلقتهنّ فإنك لست بالوحيد، ولا بالمحزون، ولا بالمتروك، بل إن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وعمر وأبو بكر، والمؤمنون ....
هكذا يريد عمر أن يُفهِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يخفّف عنه إن هو فعل وطلّق زوجاته حقا، لا يخفف عنه بكلام وَهْم، بل بكلام حق ....
ونزل كلام الله تعالى يصدّق كلمات عمر رضي الله عنه :
" عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)"-التحريم-
"وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ " -من الآية 4 من التحريم-
من الآية الأولى لنا أن نتأمل تأثيرها في نفوس زوجاته صلى الله عليه وسلم : "مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا"
لنا أن نتخيّل تأثيرها بنفوسهنّ...
ولمَ لا يكنّ المسلمات المؤمنات، القانتات، التائبات السائحات ؟؟
وكأنّه تحفيز لهذه الخصال في نفوسهنّ، وكأنها إثارة لغيرة إيمانية في نفوسهنّ، وهنّ أهل لمثل هذه الغيرة، وهنّ بما يتميّزن به أهل لأن يتذكّرن بنزول قول الله هذا فيهنّ ... فيزددن إيمانا على إيمان، ويزددن رضى على رضى، ويعتَبِرن ويتربَّيْن وتتحفّز فيهنّ أخلاقهنّ وتتأهّب بعُدّة أكبر ....
أما الآية الثانية فنزلت في شأن تمالُئ حفصة وعائشة على زينب بنت جحش رضي الله عنهن،
إذ اصطلحتا على أن تدّعي كل واحدة منهما أنها تشم في رسول الله ريح مغافير إذا ما دخل عليها، وهي ريح منتنة لنبتة بين النبتات، فكانت ليلة حفصة، فما أن دخل عليها حتى قالت ما قالت، فأجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل عسلا عند زينب، وأقسم ألا يعود لأكله، وطلب منها ألا تخبر أحدا. وفي هذه الحادثة نزل صدر سورة التحريم مُستَهلّها قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)"
وجاء في السورة عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريمه العسل وهو المُحلَّل له، وجاء فيها إخبار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن حفصة أخبرت عائشة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهو الذي أوصاها ألا تخبر أحدا ...
وفي هذا السبب، مع سؤال نسوته النفقة، وفي غيره من أمر مارية القبطية...
من الأسباب كلها مجتمعة كان اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه، ولم يكن من سبب واحد، وهذا الأرجح مع تحمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهنّ وهنّ يعشن بروح الغيرة البشرية في الضرائر إذ يَجْتمِعن ....
وفي الروايات الأخرى والأحاديث الصحيحة الأخرى، من مثل الحديث الذي عايشناه المرة الفارطة ما فيه نزول آية التخيير التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهنّ بعد الانتهاء من اعتزاله، فكان التخيير، وكان منهنّ الاختيار، اختيار الله ورسوله والدار الآخرة ....
هكذا نتعلم أن البشرية وزلاتها، وحاجات النفس البشرية، وميولها ... كلها من الطبيعة البشرية التي لا خِلاف عليها، والتي لا يخالف فيها إلا كل مدّعٍ للرهبنة وللملائكية تتلبس به، وهو في ذلك كثيرا ما تغلبه نفسه فتُظهر منه عكس ما كان به يتشدّق من الانقطاع عن الدنيا والتبتّل المغرِق ....
نتعلم أن هذه البشرية لا تتعارض والتديّن، والتعلق بالله، والعودة لله، واختيار الله ورسوله والدار الآخرة .... لا تكون تلك الميولات في الإنسان أو تلك الزلات أو الأخطاء حائلا دون عودة ورجوع وتوبة تجعل منه الأقوى والأقوى في طريقه إلى الله ....
ويستطرد عمر رضي الله عنه :
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، يَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، أَفَأَنْزِلُ ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ شِئْتَ ، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ."
هذا عمر رضي الله عنه بعد أن واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبادر إلى إذهاب همّه قبل أن يبتدره بالسؤال، هذا الآن يسأله عن حقيقة ما سمع من المؤمنين بشأن تطليقه نساءَه ...
فأجابه رسول الله أنه لم يفعل....
فأخبره عندها أن المؤمنين ينكُتون بالحصى ويقولون أنه صلى الله عليه وسلم طلّق نساءه، وسأله إن كان له أن يخبرهم أنّه لم يطلقهنّ....
"قال صلى الله عليه وسلم : نعم، إن شئت"
لنتأمل ....
هذا عمر يستوثق من المصدر عن صحة ما سمع من المؤمنين...
هذا هو وقد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأكّد وليتحقّق وقد وجد المؤمنين على مَا هُم عليه مِن حال ...
ولكن بعد ماذا؟؟
بعد أن سرّى عنه، وبعد أن حاول أن يُذهب من همّه وغضبه ...
لم يأتِ يؤدي مهمّة كالآلة يوكَل بها العمل فهي التي لا تشعر بل تتحرك فتنفّذ، لم يأتِ وهو الذي
لا يهتمّ لحيثيات الموقف، ولحيثيات الوضع، ولحال من يحدّث ...
1- جاء وقد فعل أول ما فعل أن طمأنه أنه لم يأتِ شفيعا لحفصة، بل جاء لأجله لا لأجلها ...
2- جاء وعينُ بصيرته تعمل مع عينه، فوعى جيدا عُسر الحال التي هو عليها حتى دمعت عيناه مما وجده عليه.
3- جاء وجعل يؤيّده على ما هو عليه، وأنه إن هو طلقهن، فليس بالمتروك، ولا الوحيد، بل إنّ الله معه وملائكته وهو وأبو بكر والمؤمنون.
"نعم .... إن شئت" ....
أي رقيّ هو رقيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!! "نعم إن شئت"..
أي تواضع هو تواضعك يا رسول الله ؟!! وأنت إن أمرتَ ابتدروا لأمرك ولم يألوا جهدا لإرضائك ...
ولم يزل عمر رضي الله عنه يحدّثه، حتى تحسّر الغضب عن وجهه...حتى ضحك ..
يصفه عمر فيقول : "كان من أحسن الناس ثغرا"...
إني لأرى عمر يتملّى وجهَ حبيبه وهو مُسفر بضحكته، وأرى بالَه يهنأ، وقلبه يطمئن وهو قد قلب غضبه ابتساما، وقلب حزنَه ضحكا ... 🙂
لَكَمْ أستشعر حبّ عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم...! لكم أستشعره قويا كقوته، شديدا كشدّته...لَكَمْ أستشعره حُبّا خاصا من ذلك الرجل الذي دَيْدَنه قطع رأس مَن تسوّل له نفسه مسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء ... !!
لله درّك يا عمر، ولله درّ حُبٍّ عُمريّ الملامح، عمري الحركة، عُمريّ التعابير ...
ويستطرد عمر رضي الله عنه، فيقول:
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ ، قَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي ، لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ. "
لنتأمل ....
إني لأعرف في عمر رضي الله عنه وأرضاه فيما أعرف من سِماتٍ، التدقيق ومدى تحرّيه الحقيقة والصواب ... !!
تأملوا ....
"يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" لا يُخفيها عمر رضي الله عنه في نفسه، يسأل، يريد أن يتثبّت، يريد أن يعرف على وجه الحقيقة ...
إنها سِمة عُمريّة عظيمة .... ويحضرني هنا ما قاله عن تقبيل الحجر الأسود : "إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ ولولا أني رأيت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يُقبِّلُك ما قبَّلتك"
عمر كما وصف نفسه مرة بقوله : "لست بالخِبّ ولا الخِبّ يخدعني"
عمر لا تنطلي عليه الأكاذيب، ولا تخدعه المظاهر، ولا تقنعه دغدغة المشاعر في عقله الراجح الموزون ...
يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد عدّ له تسعا وعشرين يوما، وقد آلى أن يعتزل شهرا، فيجيبه أنّ الشهر يكون تسعا وعشرين ...
وهكذا ينتهي الأمر بعودة عمر إلى المؤمنين بالمسجد، يصدع بالحقيقة على أسماع الناس، يُذهِب ريح ما شاع من أنه طلق زوجاته : "لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ "...
وهكذا هي السِّمات العُمريّة، هكذا هي استباقات شِيَمِه قبل توليه أمر الرعية.... !!
هذا هو يقطع دابر فتنة كانت ستحلّ بين الناس وقد شاع بينهم أن رسول الله قد طلّق زوجاتِه ...
بدأنا مع الحديث، وهو قد سمع منهم ما سمع، فعزم على إتيان رسول الله ليتحقق، وها نحن ننهيه وقد تحقّق، وذهب بالحقيقة ليشيعها بين الناس، وليكفي الألسنة عناء النقل بلا دليل، ليكبر الوهم من واحد إلى واحد ... ويكبر ويكبر إلى أن يشيع ما يشيع من أكاذيب....
وضع لها عمر حدّا ...وبفعله هذا نزل قوله تعالى : "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ"
فكان درسا عظيما عظيما للأمة ألا تكون أُذْنَ شرّ تلقف أي خبر وتنشره على أنه الحقيقة...
ولننظر ... ولنتأمل....
لنتأمل حال المسلمين اليوم، وهُم يطوّح بهم كل موج ... وتتمايل بهم الأهواء...وإذا العقول في غفلة ... ألِفتِ السُّبات والغطّ ...
فلا يكلّف مسلم نفسَه تحرّي دقة خبر، بل ينقل وينقل وينقل ... وينشر وينشر دونما أدنى احتراس، أو شك، دونما محاولة للتثبّت، وسعي للتحقّق ...
حتى عاد الدين محطّ أخذ بلا تمحيص، فيُنشر ضعيف الحديث، والمكذوب منه، ويصدّق القراء، ويصدّق المستمعون، وكأن كل ناقل نبي لا يُشك في كلامه ...
وهذه الصورالمُفَبرَكة يتناقلها المسلمون على أنها المعجزات، فحصان يركع، وقط يسجد، وطائر يسجد ... وجذع شجرة يركع، وسحاب يكتب اسم الجلالة ... ووووو !!
وتؤخذ المعلومة كيفما اتفق ومن أي مكان على أنها الحقيقة لا مِراء ولا جِدال ... فاختلط حابل بنابل...
وليتَنا ....يا ليتَنا تحلّينا بالسّمة العُمرية ...
ليتنا عرفنا أنه ما تحقّق العدل على يد الفاروق عمر إلا لأنه ما كان الخبّ ولا الخبّ خدعه ....
ما كان له أن يحقق العدل، ويكون بابا على الفتنة لو أنه كان أذنا تصدّق كل ما هبّ ودبّ ... ويتأثر بكل ما يسمع...
لو كان كذلك لعرف كل ظالم كيف يصطنع الوَداعة ويلبس جلد الحَمَل ويفوز بخداع عمر...
لو كان كذلك لانطلت عليه الأكاذيب، ولكانت عاطفتُه في مهبّ رياح الاجتذابات يُمنة ويُسرة، ولتميّع الدين، ولأصبح على حرف ...
لو لم يكن صاحب العقل الراجح المفكّر المتدبّر الممحّص لما حقّق العدل على الأرض كما لم يحقّقه أحد ...
إنها السِّمة العُمَرِيّة البارزة ....
ولم يكن عُمر إلا ابن هذه الأمة، ولم يكن إلا أحد أحب أصحاب رسولها الذي ما جاء إلا بالحق، وما دعا إلا للحق، وإلا لنِشدانه ....
فلِمَ لا نعرف من عمر التفكير العُمريّ، والحِرص العُمريّ على الحقيقة، والسعي العُمريّ لمعرفة الحقيقة ...
لماذا لا نُدندِن إلا بكونِه الفاروق العادل، وغاب عنا البحث عن سبب تحقيقه للعدل ...
وما هو إلا ذاك العقل الذي ليس بعقل خبّ ولا الخبّ يخدعه .....
وهكذا مع هذا الحديث ....
** عرفنا علامات القيادة في عمر رضي الله عنه من قبل تولّيه أمر الرعية، وهو الذي سارع لدرء فتنة تطلّ برأسها في شكل رجال ينكُتون الحصى ويتناقلون خبرا كَذِبا مفاده تطليق رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، ولو أنه بقي دون ساعٍ للبحث عن حقيقته من مصدره لانقلب فتنة عظيمة ...
** عرفنا كيف لا يُهدّئ من ثورة عمر إلا الحق يدق باب عقله، فينشرح له صدره، وفي سعيه نزل التعليم الرباني للأمة جمعاء أن تتوخى الخبر من مصدره لا من أفواه النقلة عن النّقَلة دون دليل ولا تمحيص...
** وعرفنا الحبّ العُمريّ القوي كقوته، والشديد كشدّته في الحق ...
وأخيرا فلنتعلم ولنتعلم ولنتعلم .... 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:42:56
"وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً"
هجرا جميلا... اصبر على أذاهم من ألسنتهم، واهجرهم هجرا دون أن تؤذيهم ..
وقبل أن يُؤمر صلى الله عليه وسلم بالصبر والهجر، ربّ العزة يأمره بقيام الليل، فالقول الذي سيُلقى عليه ثقيل ثقيل يستدعي أن تكون له من القوة اللازمة لتحمّل ثقله ...
هذه القوة سيستمدها من الاختلاء بربه ليلا ... إذ إن طاعة الليل أشد وطئا وأقوم قيلا ..
من قيام الليل، ما تيسّر له منه سيتزوّد لتحمّل ثقل ذلك القول الذي سيُلقى عليه، تحمّل ثقل الرسالة، ثقل الأمانة ... ثقل القرآن...
"وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (😎 رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)"
 1-  من  قيام الليل، 2- من ذكر الله  3- من اتخاذه وكيلا
من هذا كله سيتزود للصبر على ما يقولون، وليكون هجره لهم هجرا جميلا ... هجرا بلا أذى ..
قيام الليل زاد للنهار ...
وهذا سبحانه يأمر المزمل صلى الله عليه وسلم بقوله : قم الليل ...
وهذا سبحانه يأمر المدثر صلى الله عليه وسلم بقوله :   قم فأنذر...
فهو صلى الله عليه وسلم قائم بالنهار نذيرا، وقائم بالليل، للصلاة مقيما، ذاكرا، داعيا...
هو بين قيام وقيام ... فقيام يتزود منه لقيام... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:43:18
كعب بن مالك رضي الله عنه حينما تخلّف عن غزوة تبوك، وتاب الله عليه، وجاءته البشرى ... وعرف مآل صدقه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال أنه لم يُؤتَ في حياته كلها نعمة بعد الإسلام أعظم من صدقه رسولَ الله صلى عليه وسلم، وآلى على نفسه ألا يكذب كذبة بعدها، وقال أنه لم يعرف سبيلا إلى الكذب من يومها، وسأل الله أن يوفقه للصدق ما بقي من عمره ...
تأملوا ... إنه واحد من أصحاب بيعة العقبة الثانية وما أدراك ما العقبة !  وإنه لم يتخلّف عن غزوة من الغزوات عدا تبوك، وإنه من أصحاب بيعة الرضوان وما أدراك ما بيعة الرضوان !
ولم يقل أنه الذي لا يعرف الكذب، ولم يقل أنه الذي لم يكذب منذ أسلم، ولم يرَ صدقَه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بطولة من نفسه بل رآه فضلا من الله ونعمة، ولم يعزم على ألا يكذب ما بقي من عمره دون أن يعزو ذلك لفضل من الله عليه... !!
فلنتعلم ممّن لا يزكّون أنفسهم ... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:43:58
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نعود ننشد الحكمة والتعقّل والسّداد في القول والرأي، لا ندّعي سلامةً في التفكير أو إحسانا في التدبير...
بل نحتاج أن نتعلّم...نحتاج أن نرانا على حقائقنا، أن نستكشف مواطن الضعف فينا، ونَصدُق أنفسنا حتى نقع على ما يقوّم اعوجاجَنا، ويُثقّف أعوادَنا ...
نحتاج مرآةً تُرينا الخَلَل قبل أن تُرينا الجمال، ترينا العِلل قبل أن ترينا الصحّة والكمال... لأنّ النفس من عوائدها ومن طرائقها أن تُزيّن، وأن تختلق الأعذار ... من عوائدها التذرّع والتّمَسكُن والتبرّؤ...
فلا نحتاج مع العادة والطريقة أن ننظر في مرآة تُرينا القشور والظاهر، بقدر حاجتنا إلى مرآة تسبُر الغَور فتُرينا الجوهر والباطن ...
لا نحتاج إلى ساعة زُهُوٍّ وإعجاب بقدر حاجتنا إلى ساعة إفاقة وإسرار النفس للنفس أنّ هذه بكِ علّة، وأنّكِ إلى الطبيب الآسي أحوج منكِ إلى المُثني المادح...
وأنّ ساعة اعتداد وتفاخر لن تقضي فيكِ إلا كما تقضي المساحيق بوجه كالح شاحب سُرعان ما يرى صاحبُه كلوحَه وهي الزائلة لا محالة  ... !
موعدنا هذه المرة مع حديث عظيم ... 🙂 
هذا الحديث الذي لا أجد مناصّا من مَدْحه وذكر حُسنِه وجماله من قبل أن نخوضه على هذه الصفحات 🙂
لا بُدّ أنكم تتشوقون لمعرفة عنوانه ... !
صبرا جميلا فالعُنوان جمال والموضوع جمال...
إنما هو تلك المرآة التي عنيتُ ...
حديثنا اليوم هو حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ...
كعب فيه الراوي، وكعب فيه المعنيّ بالرواية، وكعب فيه الصادق صدقا لو أنّ أحدا روى عنه لما وجدتَه يبلغ بصدق الوصف مبلَغَه وهو يصدق عن نفسه...
يصدق عن علاتها وعوراتها قبل حسناتها، هذا إن كان قد ذكر من حسناتها إلا ما قد رآه بعيدا عن ساحة مُداواتها، فأبعده ...
كعب يروي قصّة تخلّفه عن غزوة تبوك التي كانت في العام التاسع للهجرة، وقد أراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرومَ ونصارى العرب بالشام.
ويذكر كعب أنه لم يتخلّف عن غزوة قطّ قبلها، كما أنه لم يشهد غزوة بدر، وهي التي دعا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج لا على وجه الغزو بل على وجه اعتراض عيرِ أبي سفيان، ولم يُعاتَب أحد من المتخلّفين عنها، ولم يُعتَبَر متخلّفا، إذ قد التقى الجمعان على غير ميعاد مُسبَق مُعلَن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان أمر الله تعالى لهم بعد خروجهم، فانقلب لقاء العير إلى لقاء بين جيشَيْن ...
وقد كان كعب بن مالك رضي الله عنه من رجال العقبة الثانية، كان من الثلاثة والسبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة في النشاط والكسل، وعلى أن ينصروه فيمنعوه إذا قدِم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجَهم وأبناءَهم ...
يقول كعب أنّ بدرا على شهرتها وذكرها بين الناس، إلا أنه لا يحبّ أن تكون له ببيعة العقبة...
وبعيدا عما يحبّ كعب ويفضّل فإن بيعة العقبة الثانية بميزان عظيم عظيم، وهي التي كان فيها نصر الإسلام، والحَول دون أفول نجمِه، واستئصال شأفته ... هي النّقلة التي أعلَت الإسلام، وجعلت له الدولة والقوة والمَنعَة، وقد كان قبلها مُضطهَدا أهلُه، مستضعَفا أتباعُه...
وإننا ونحن نتعرّف إلى كعب، وإلى ما شهِد، يهمّنا أن نعرف تاريخ إسلامه، وهو الأنصاري المُبايِع...
فإذا عرفنا أنّ بيعة العقبة الثانية كانت في العام الثالث عشر للبعثة النبوية، عرفنا أنّ إسلام كعب إن لم يكن في العام الثاني عشر -العام الذي قضاه مصعب بن عُمير مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعلّم أهلَها الإسلام- لكان في العام الثالث عشر، العام الذي انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخره إلى المدينة المنورة ...
وعلى هذا فإن عمر إسلامه -إذا عددْنا ما بين إسلامه إلى تبوك- تسعة أعوام  ...
عام تبوك هو العام التاسع من إسلام كعب بن مالك الذي يروي لنا قصّة تخلّفه عنها ...
وإنّ من أوّل خبره في شأن غزوة تبوك، أنّه لم يكن قطُّ أقوى ولا أيسر منه حين تخلّف عنها ...
فلنتأمّل.... 💡
وهذه أُولى البوارق "الكَعْبِيّة" ...
هذه أولى ملامح الجمال في وصف كعب...
هذه هي المرآة التي عنيتُ ...
هذه المرآة الكَعبِيّة المميّزة ...
هذه المرآة التي علينا أن ننظر فيها لنجد أنفسَنا ... لنجد حقائقنا مع ما وجد كعب ...
لنتأمل مبلَغَ صِدقِه، فهو ذا لا يبدأ بالأعذار والاعتذار، بل يبدأ بالعلّة مُجرّدة عن كل عُذر...
ومن علامات يُسر حاله أنه ما اجتمعت له راحلتانِ قطّ إلا زمن غزوة تبوك ...
لم يجمع قبلها ما جمعه يومها، لم يكن ميسور الحال كما كان زمَن تبوك ...
لم يكن قويا بالقدر الذي عرفه من نفسه زمَن تبوك، لم يكن صاحب مرض ولا صاحب حاجة ...
إنّني لأرى كعبا وهو المتخلّف عن الغزوة بلا عذر الأحوج أن يُدلي بأضعف عُذر لا على سبيل الكذب بل على سبيل التحجّج حتى بضعف النفس الذي هو سِمة البشر، إنه لم يتخذ حتى من هذه السِّمة تَعِلّة ومُتكأ، بل ها هو ذا يذكر عِلّته، ويصف داءَه كما يُشخّص الطبيب الماهر الداء فيعالج أصله لا أعراضه...!
ها هي ذي المرآة الكَعْبِيّة تتمثل لنا من مُبتدأ القصة ... ها هي ذي المرآة الكَعبِية أستشعر قوّة ظهورها وحُضورها في أنفسنا لا في نفسه وحدَه ...
هل من السهل أن يصدُق المرء مع نفسه إلى هذه الدرجة ؟؟
هل من السهل أن يُعدّد أسباب تخاذله لا أعذارَه القوية والضعيفة مُتّحدة للإبقاء على المظهر المُلطّخ بالمساحيق الحاجبة للحقيقة ؟!!
لنتأمّل ... 💡
لنبحث في أنفسنا، فهل تُرانا نصدُقُها كصدق كعب نفسَه ؟
هل تُرانا نُعدّد علَلَها إسرارا مُبتغين العلاج والدواء بَلَهْ أن نُعدّدها إجهارا كما هو ذا كعب يفعل ؟!!
ربّما استغرب مَن استغرب ما قال كعب عن نفسه... ربما رآه مبالغا وهو يفتح الجبهات عليها ولو أنّه تلطّف فصدق وتعلّل لكان أسلَمَ له وأنجى...
وقد يُكّذِّب مَن يُكذّب الواحدَ من الناس وهو يحدّث عن غيره، ولكن مَن ذا يُكذّبُ متحدّثا عن نفسه بسوئها وسَوْأتِها وهو لا يُتَّهَم في عقله ... ؟!
هكذا يبدأ معنا كعب... فإذا صوتُ الصدق فيه جهوريّ صادع يعلن عن الصدق في أصعب صُوَرِه ...
ثم يصف كعب غزوة تبوك ووَجْهَها بأنها التي كانت في حرّ شديد، واستقبل فيها المسلمون سفرا بعيدا وقَفْرا، وعدوّا كثيرا، وذلك من وَزْن هذه الغزوة في ميزان الدولة الإسلامية التي تقوّت وأصبحَتْ مُهابة من أعتى قوّة على وجه الأرض، من الإمبراطورية الرومانية التي لم تجرُؤ غير الإمبراطورية الفارسية على مُقارعتها النِدّ بالنِدّ ...
لنتأمّل ... 💡
إن كعبا وهو إذ يصفها، يصف ما ضاع عليه من الأجر والثواب الحاصل من قطع مسافتها البعيدة، ومن تحمّل أذى الحرّ الشديد فيها ...
وكعب لم يكن واحدا من المنافقين الذين يُعرفون بالإعراض عن القتال في سبيل الله، بل وخشية هذا القتال خوفا من الموت ورغبةً في الحياة، وهم كثيرا ما كانوا يسعون لتثبيط المؤمنين ولإضعاف عزائمهم بأن يُكَبّروا عدوَّهُم في أعينهم ويُكْبِروا إقدامهم عليه وعلى قوّته وسلاحه ...وأنهم الذين يُلقون بأيديهم إلى التهلكة ...
بل إنني أراه وهو يصف الغزوة وما عليها من صعوبة من كل نواحيها، من بُعدِ مسافتها، ومن كثرة العدوّ فيها وهو أعتى قوة على الأرض يومَها... أراه يصف ما فاته من الثواب، ويعرف مقدار ما ضيّع من الأجر العظيم وهو يتأخّر عنها ...
كما يزيد كعب، فيُحدّث أن المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَها كثير، ربما اجتمع إليه فيها ما لم يجتمع إليه في غيرها من الغزوات، وهم يعرفون أنهم مُقبلون على عدوّ شرس قويّ متين، خبير بالحرب وبأهوالها، وإنّ ذلك العدد الذي استجاب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطاعه، واندفع معه للغزْوِ لمِمّا يزيد كفَّةَ كعب تهاويا ويزيدها خفّة ... !!
لنتأمل .... 💡
إنه هو الذي يفعل بنفسه هذا ولا يفعله به أحد ... !!
كعب يجمع كلَّ ما من شأنه أن يُجلّيَ وضعَه وموقفه على وجهه الصحيح دون أدنى دفاع يُذكر من نفسه عن نفسه ... دون أن يُخلّل كلامَه بكلمة عُذر من هنا أو كلمة عُذر من هناك ...
فهو الذي أقسم يمينا أنه ما كان يوما أقوى منه ساعة تبوك، وما كان يوما أيسر حالا منه ساعتها، وأنّ الجيش الإسلامي استقبل البُعدَ والحرَّ والعدوّ الكثير، وأنّ المسلمين يومَها حول رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثير كثير، كلّهم مستجيبون لدعوته، مطيعون لأمره، بينهم الأعسر حالا منه، وبينهم الأضعف منه، ولكنهم جميعا معه مقبلون غيرُ مُدبرين ...
يقول كعب أنه قلّ مَن أراد التغيّب والتخلّف ظانّا أنّ أمرَه سيخفى...
إنه من فرط جلاء أمرِ الناس يومَها، فهم إمّا مؤمن مطيع مستجيب لم يتخلّف، وإما مؤمن متخلّف بعُذر، وإما منافق تخلّف مُدّعيا العُذر، وكلّهم نزل فيهم قرآن يكشف أمرَهم، ونعرف هذا في سورة التوبة التي سُمّيت الحافرة والكاشفة، وهي تكشف أمرَ المنافقين يومها، وتذكر حال أصحاب الأعذار، وحال المؤمنين المُقبلين على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالغَزْوِ ...
تأملوا معي هذا الجوّ الذي وضعنا به كعب .... 💡 ولتَصْدُقوا من جنس صدقه 🙂
أوَلَيس الرجُل يُهلِك نفسَه إهلاكا ويُرْديها إرداء وهو يُحيطها بكل ما يُضعِف حُجَّتَها ويزيد من بيان كِبَر خطئها ... ؟! إنه كذلك يرى ما وقع به...
لا يُحاول تصغير ذنبه، بل يريد أن يُعطيه حجمَهُ الصحيح ليجد لنفسه الدواء المناسب ...
لا ... 😊 ومازال بجُعبة كعب المزيد 📣
يقول أن موعد الغزوة كان هو ذاتُه الموعد  الذي طابت فيه الثمار والظّلال ... وهو ما جعله مائلا إليها، فيقول ذلك بحَرْفِه : "وأنا إليها أصعَر" أي أنه إليها يميل ...
مائل إلى جَناها، وإلى ألا تضيع عليه، وهو الذي ما حرث وما زرع وما سقى وما رعى إلا ليجني ويحصد ... فلما أنْ جاء وقتُ الجَنْي، وحان أوانُ الحصاد جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغَزْوِ، واتّخاذ كل تلك الثمار الدانية ظِهْرِيّا ...!!!
ما أصعب هذا الأمر .... !!!
والأصعب منه أن يُقِرّ كعب  بمَيْله إلى ثماره الدانية، وظلاله الوارِفة .. كعب المؤمن الذي لم يتخلّف عن غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي كان من أهل العقبة الثانية، بايَعَه على الطاعة في كل حال، وعلى نُصرته في كل حال ...
كعب الذي كان من أهل شجرة الرّضوان ... !!
شجرة الرضوان، وما أدراك ما شجرة الرضوان .... !! بيعة الرضوان ... !
وهذا ثِقَل آخر في ميزان كعب، هذا وجه من أوجُه هذا الصحابي الجليل المؤمن ...
هذا وزن ثقيل ثقيل ثقيل، ما أثقله لهذا الصحابي الجليل ...
بيعة الرضوان التي كانت بالحُدَيْبِيّة ...
بيعة الرضوان التي نزل في شأنها قرآن يعلن به المولى عزّ وجلّ أنه قد رضي عن الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة ...
هذا الذي أعلن الله تعالى عنه مع مَن أعلن عنهم رضوانه عليهم، أعلن صدقَ سرائرهم التي لا يعلم حقائقها غيرَه سبحانه ...
هذا الذي هو من أهل تلك الشجرة .... أفتُرانا نراه يتكئ عليها ؟؟؟؟ !!!
أتُرانا نراه يتكئ على تلك الشجرة ليأخذ من ظلها الوارف الظليل المَديد المَديد لتخلّفه عن غزوة تبوك ؟؟ !!
أتُرانا نراه يأخذ من ظل شجرة الرضوان لحرّ تخلّفه عن تبوك، فيجد العزاء، ويعرف لنفسه النجاة فلا يُثقِل عليها وهو من أهل الشجرة ؟؟ !!
لله درّك يا كعب ........ فكم نستبيح لأنفسنا الخطأ والخطأ والخطأ يجرّ الخطأ والخطأ ولا نرانا إلا المُسوّفين للتوبة، المُتذرّعين برحمة الله أكثر من خشيتنا سخطه ...
لله درّك يا صحاب الشجرة ... أما وجدتَ فيها ظلا لحَرِّك ؟؟؟ !!
والله ما وجدتَ ولا أوجدتَ لها منه... بل إنك الذي يصف ضعف نفسه كما لم أعرف أحدا وصف ضعفَ نفسه ... !
"فأنا إليها أصعَر" .... تلك كلمات كعب ...
إليها أميل .... مَيلٌ إلى الدنيا وزينتها هو ممّا جعله متخلّفا ...
وصدقٌ مع النفس وللنفس، هو ما جعله واصفا لنفسه وضعفها كمَن يصف أهوال عدوّ من أعدائه ...
والآن .... سننتقل إلى مرحلة أخرى، إلى وصف آخر ...
كعب الآن يصف نفسَه مع التجهّز للخروج للغزوة ...
كعب قد وصف مَيْلَه للثمار، وقد وصف قوَّته ويُسْر حالِه، وقد وصف كثرة المسلمين من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصف صعوبة حيثيّات الغزوة من مسافة وحرّ وقَفر، وعدوّ كثير سيواجهه المسلمون ...
والآن هذا هو يصف نفسَه مع التجهّز ...
يقول كعب : "فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي : أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ، إِذَا أَرَدْتُ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا ، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي ".
إنه :
** يعلم من نفسه القدرة إذا هو أراد، ولكنه لم يقضِ شيئا .
** يتمادى به تكاسل نفسه ومماطلتُه، بينما يأخذ الجِدّ من أصحابه في الاستعداد والتأهّب.
** غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه للسفر وغدا وعاد ليتجهّز ويستدرك ما فاته ولم يقضِ شيئا .
** ما تزال به المُماطلة حتى أسرع الجيش وابتعد عن المدينة في وِجهته وهمّ أن يُدركهم ولم يفعل...
كلّ هذا كان منه، وهو إذ يصف لا يجد لنفسه من الأعذار عُذرا، ولو أنّ أحدا تمادى به ما تمادى بكعب  لتعلّل بالعَين أو بالحسد أو بالسحر أصابه فهو يُنكِر من نفسه ما لا يريده فيها وما لا يعرفه من طِباعها، ولا يقوى على تجاوزه ...
وما أسرع ما يتشبّث المسلمون اليوم بالعَيْن والحسد والسحر مِشجبا قريبا غير بعيد يعلّقون عليه أهوالَهم ... مُبرِّئين للنفس، مُخرِجين لها من دائرة اللوم والعتاب، والصدق، والمصارحة والتربية والتعليم، والمُداواة إلى دائرة التبريئ والإعذار للإبقاء على البُرود والتكاسل والخطأ أصحابا لها مُلازِمين، فتضعف وتضعف وتضعف، وهم يظنّون بها العلّة البسيطة التي لا تحتاج إلى كبير اهتمام والتفات ...
أو ربّما سارع مَن سارع إلى وصف تهذيب النفس ومُصارحتها والصدق في وصف عِلَلها وتشخيص أدوائها، بأنه "جَلْد الذات" الذي يُغالي صاحبُه...
فهو بهذه المسارعة في الوصف يسارع إلى التهاون واللامبالاة للاعتراف بالبرود والكسل والسلبية أعراضا لا حرج في تبنّيها والإبقاء عليها ... وإنما الحِكمة بين الأمرَيْن، فلا الجلد الذي لا دواء بعده ينفع ويُجدي، ولا الاستسهال الذي لا يلتفت للداء أصلا ينفع ويُجدي ...
وأما كعب ... فليس بالجلاد الذي ينزوي ويبكي على أطلال أخطائه، وإنما هو الجَلْد المجالد الذي يَصْدُق ليُصْدَق ....
وليس بعيدا عنّا بيان هذا الذي نقول في كعب ... ليس بعيدا.... 🙂
يتبع بإذن الله لاحقا 🙂 فهل نكمل ؟
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:45:04
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نكمل مع كعب بن مالك، وهذا الجزء الثاني من تأملات في قصته  🙂 وكان هذا الجزء الأول منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
------------------------------------------------------------------------------------------
ليس بعيدا... إنما هو القريب... بين أيدينا على هذه الصفحات ... 🙂
انتهى الأمر الآن ....
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيشُه ...لقد تبيّن حال كعب لكعب ....
لقد عرف أنه المتخلّف .... جعل يصارع في نفسه تكاسلا لم يعهده منها، جعل يعترف بمَيْله للثمار والظلال تُلقي جمالها وجاذبيتها، يُقرّ أنها فعلت في نفسه فِعْلَها  ...
وهذا كعب "العَقَبيّ" وهذا كعب "الرُّضوانيّ" ...
وهذا كعب الذي لم يتخلّف من قبلُ عن غزوة .... هو هُو كعب الذي يصف ضعفا في نفسه فلم يجعل من شجرة الرضوان له متكأ يخفّفه عنه، ولا مِن العقبة .... بل لَعَمْري إني لأرى الرجلَ يجعل من هذه ومن تلك دافعا لاتّهام نفسه أكثر فأكثر .... 
وهكذا هي الأنفس تختلف، وهكذا هي نظرتها للأمور تتفاوت ... فمَن يهوّن على نفسه حتى تَهُون، ومن يُعطيها حقها من التربية حتى تُصقَل وتتربى وتُهذّب وتُزَكّى، ومَن يُغالي فينكفئ عليها مهموما محزونا لا يعرف للأمل سبيلا ....
وبين النظرة المُفرِطة والنظرة المُفَرِّطة تقع الحِكمة ......... 🙂
والآن كعب سينتقل بنا إلى مرحلة أخرى، ولكنه ما يزال الواصف ...
فهل تُراه سيكفّ عن وصف ما يزيد الصورة قتامة ؟ هل سيكفّ عن الوصف حتى نعرف ما فعل عند عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
لا...لا .... بل سيصف المزيد ........ 🙂
ابتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة ومعه المؤمنون...
ويخرج كعب من بيته إلى أطراف المدينة، إلى أسواقها، إلى ساحاتها .... فلا يجد نفسَه وهو يطوف بأطرافها إلا بين أحد اثنَيْن من الناس، رجلا عُرِف عليه النفاق، أو رجلا من أصحاب الأعذار الذين حالت أعذارُهم دون أن يكونوا من المجاهدين الغازين ...
وكم كان يُحزِن كعبا أن يجد نفسَه بين هؤلاء، فلا يجد صاحبَه المؤمن المبرَّأ فيمَن بُرّئ من أصحاب الشجرة، ولا يجد صاحبَه الذي بايع معه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على النصرة والطاعة عند العقبة ساعة واثقُوه على إعلاء الإسلام واحتضان دعوته ...
ولا يجد صاحبَه الذي يذكّره أجر الجهاد ويحضّه ونفسَه عليه ...
إن هم إلا بين منافق أو معذور ....!!
وليته كان المعذور مع المعذورين، بل إنه القويّ الميسور القاعد ... !!
لكُمْ أن تتخيّلوا فِعل هذا العذاب في نفس كعب  ....
لقد انتهت مرحلة التكاسل والنظر في الثمار ...
لم يعد يحلو لكعب النظر في ثماره الدانية، ولم يعد يتلذّذ طِيبَها  ...
بل إنّ كعبا ليتعذب ....  إنه لنادم أشدّ الندم ... إنه لحزين مهموم ... وهذا حال المؤمن إذا تخلّف عن أمر الله ...
عن كل أمر من أوامر الله، وليس التخلّف عن الجهاد وحده ....
هذا حال النفس المؤمنة المتيقّظة إذا هي تخلّفت عن أمر الله ...
ليست النفس المؤمنة هي تلك التي تأتي الصحيح والصواب ولا تأتي الخطأ والذنب، بل هي تلك التي تأتي الذنب فتشعر بظُلمته وتتشوّف لشقشقة النهار فيها، تستوحش الظلمة، وتنشد النورَ من جديد ...
وللحكيم ألا يرى في ضَغطة لوم النفس وعتابها واستيحاشها بالذنب سجنا يفرّ منه قبل أن يُحاكَم، فيغدو كذلك الذي لا يعرف الراحة وقد فرّ، فهو من مأوى إلى مأوى لا يُريحه مأوى ولا يهنأ له فيه بال... بل له أن يصبر حتى يصدر الحكمُ، فما يلبث أن يتحرّر ويحلّ النور مكان الظلمة، ويغدو في ساحات الدنيا سعيدا مُحرّرا لا فارا مستخفيا  ....
يستطرد كعب، وهو يحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبره إياه أصحابه بعد العودة، إذ قد سأل عنه حينما بلغ تبوك، فأجابه أحدهم أنّه ما حبسه إلا النظر في عِطفَيْه كناية عن الإعجاب بنفسه ...
فدفع عنه معاذ بن جبل بقوله : ": بِئْسَ مَا قُلْتَ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا"
ولنتأمل هنا ...
كم صوّروا لنا الصحابة مجتمعا من الملائكة، لا نكاد نرى فيهم الخطأ البشري والزلل البشري، ربما ظنا منهم أنهم بإضفاء هذه الهالة سيمنعون المتجرئين من التجرئ عليهم، بينما غفلوا أنّ هذه الهالة لم تمنع المتجرئين من التجرئ، ولكنها منعت المؤمنين من حُسْن التعلّم من الصحابة وهم البشر الذين يخطئون كما نخطئ، وتزلّ أقدامهم كما تزلّ أقدامنا، وليس العيب في هذا ولا الغريب ...
ولكنّ العيب ألا نتعلم كيف كانوا يتُوبُون، وكيف كانوا يعودون، وكيف كانوا يصححون أخطاءهم، وكيف كانوا يسارعون بالعودة والفرار إلى الله... تجاوزوا بنا هذه المسافة الفاصلة وكأنها لم توجَد عندهم ... وهي المسافة التي ارتقى فيها الإسلام بالأنفس البشريّة...
هذا ما لم يتركوا لنا مجالا فسيحا لتعلّمه من الصحابة "البشر" بإضفاء قُدسية ملائكية على أشخاصهم جعلت من الصعب على الكثيرين جدا أن يتقبلوا أن الصحابة كانوا يخطئون ... فغدا من الصعب عليهم أن يتعلموا كما يجب كيف يسارعون في التوبة والعودة ...
وإنّني وأنا أعرف عن الصحابة هذا لأزداد لهم تجلّةً وإكبارا وحبّا وتقديرا، وأنا أعرف فيهم الخطأ  والبشرية والضعف، وكيف ينقلب الضعف فيهم قوّة بالمجاهدة والمصابرة، والتوبة والمسارعة بالإقرار بالخطأ والعودة إلى الحق ...
فهذا الذي تكلم عن كعب، واستغلّ غيابه فاغتابه، صحابيّ أيضا غلبته نفسه، وهذا معاذ بن جبل صحابي سمتْ به نفسُه فدفع عن كعب تلك التهمة  ... وشهد له بخلاف الذي شهد عليه، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سكت  .... 🙂
لقد سكت سكوت حكمة صلى الله عليه وسلم، فلا هو قرّع الذي تحدث به سوءا، ولا هو أقرّ الذي تحدث به خيرا ... لا هو دافع عن كعب ولا هو أقرّ ذنبَه، بل صمت حتى يعود ...
إنه يعلم من كعب إيمانَه وصدقَه، ولكنه أيضا لن يُظهر أمر غيبته هيّنا أمام أصحابه فيستسهلوا فعلَه ولا يَرَوا فيه حرجا ....
والآن ........  🙂
رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلٌ من تبوك، ويبلغُ كعبا نبأُ قفولِه، فيحضره حزنُه وبَثُّه 🙂
إن ذلك هو الذي يغمّه، وهو الذي أنساه طيبَ الثمار، فانقلبت حلاوتها في حلقه غُصّة، وانقلب المَيل إليها والفرح بها حزنا وغما ....
وهذا كعب، طفِق يتذكّر الكذب ليخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم، طفِق يبحث في ثنايا عقله عن قصة يختلقها، وعذر يعتذر به إليه...واستعان على ذلك بكل ذي رأي من أهله، يبحث عن الرأي عندهم، وما ذو الرأي إلا صاحب الحكمة والخبرة، والذي يشير على الناس بالحل إذا ما شحّت الحلول ...
ولنتأمل ....
لقد تعوّدنا على صدق كعب، فهو ذا يصدق عن نفسه، فيحدّث ببحثها عن الكذب يخلّصها به من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم... !
تأملوا صدقَ كعب، وهو إذ يصدق لا يخاف لومة لائم، ولا يخاف أن يحطّ حاطٌّ من قدره، ولا أن يُتحدّث به في أوساط الناس أنه الذي طفق يبحث عن الحيلة يخلّص بها نفسَه وهو صاحب العقبة وصاحب شجرة الرضوان ...!!
تأملوا ...
والواحد منا يخطئ فيُكبِر أن يعترف بخطئه حتى فيما بيْنه وبين نفسه ليصدقها التشخيص والعلاج ....
تأملوا والواحد منا يستصعب الاعتراف بالخطأ حتى وإن جرّ كتمانُه البلاوَى والكوارث .... كيف يفعل؟؟ وهل يترك المجال للناس أن يتحدثوا به أنه المخطئ ؟؟!!!
ويا ليت خوفَه من سخط الله وغضبه كان كمثل خوفه من سخط الناس وغضبهم ...!
رسول الله قد أظلّ قادما .... إنه أدنى مكانا من المدينة ... لم يبقَ إلا اليسير من الوقت ويدخلها .... أما وقد عرف كعب ذلك فقد زاح عنه الباطلُ ....
زاح الباطل عن كعب ... وما أن زاح عنه حتى عرف أنه لن ينجو من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ....
وإنها والله لحكمة حكيم أن يرى هذا ...
وليست حكمة الحكيم في كونِه لا يخطئ، بل حكمته في أن يعرف الباطل في نفسه فيُسمّيه باطلا ويتزحزح عنه،  ويعرف الحق فيها فيميل إليه ...
لقد عزم كعب على أن يَصدُق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... 🙂
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ ...
وكان من عادته أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتَين، ففعل، ثم جلس للناس...
وما أن جلس للناس حتى جاءه المخلّفون وجعلوا يعتذرون له ويحلفون له، وكانوا أكثر من ثمانين رجلا ... فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن قبل منهم علانيّتهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله تعالى ...
هكذا... بسرعة انتهى أمر ثمانين رجلا، اعتذروا، وحلفوا، فقُبِلوا واستغفَرَ لهم رسول الله ووكل  سرائرهم إلى الله ...
لنتأمل ...
ما أسرع ما نجا الكاذبون ... ! ما أسهل ما استسهلوا الحلف بالله على الكذب !
وهذا كعب .... !
كعب لم يمرّ أمرُه بالسرعة نفسها ... بل لقد أصبحت له قصة طويلة بتفاصيل كثيرة ....
كعب وقد عزم على صدق رسول الله ها هو ذا يتقدّم نحوَه ويسلّم عليه... فكان أول ما لمحه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتسامته، ولكنها كما يصفها كعب : "فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ "
لقد عرف في وجهه الغضب ... أتُرى هذا الغضب كان من كعب وحده، أم كان من الذين حلفوا له أيضا ؟؟
نعم ... ربما كان ذلك التبسّم المغضب منه لكعب كما كان لمن سبقه، ولكنّ المنافق لن يراه 🙂
أجل لن يهتمّ المنافق بغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغاية اهتمامه أن ينجو بكذبه، ويمرّ ... أما كعب، فقد رأى غضبتَه، لقد عرفها ... لأنه لم يكن يهمّه أمرُه  ونجاتُه بقدر ما  كان يهمّه رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقترب منه، فاقترب، فسأله : "مَا خَلَّفَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ؟ "... رسول الله يعلم أنه صاحبُ راحِلة ...
لنتأمل ....
كيف أنّ كعبا لم يبادر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالكلام، بل كان رسول الله هو مَن ابتدره بالسؤال، إنه لم يأتِ ليسارع بالكذبة يلقيها بين يديه وينتهي، إنما هو ذلك المغموم المهموم المحزون الذي حضره حزنُه وبثُّه وهو بين يدي حبيبه صلى الله عليه وسلم، بين يَدَي من بايعه على النصرة والطاعة، وهو ذا الآن وقد عصاه وتخلّف من غير ما عذر ... فكيف سيجد الكلام الذي يسارع به إليه في غمرة ما يعتريه من مشاعر الحزن والأسى والخِزي .....
أما جواب كعب، فسأورده بكلماته، بحُروفه ... فهو الذي لن تعوّضه كلماتي، وإن جعلتُ أحلّل، وأبحث بين الثنايا، وإن جعلتُ أعبّر وأستنبط وأفهم، وأقف عند ما يستوقفني، وكثيرٌ ما هو ... 🙂
وإن جعلت أطيل ... وليس التطويل مني لغاية الإطالة، وإنما هو بحر الحديث إذ أغوص بأعماقه فأجدني أحدّث بلآلئه وأحدّث، حالَ مَن لا تريد الاستئثار بها لنفسها، ومَن تريد أن تصرخ أنّ الكنز بين أيدينا ولكننا نمرّ به كأننا اكتفينا وشبعنا من الكنوز بألوانها وضُروبها، فلم يعد يعنينا التملّي .... !!
قال كعب مجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ، وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ "
هل تأملتم وأنتم تقرؤون جوابَه ؟؟ ... هل تعوّدتُم التأمل بدل المرور السريع ؟؟
هل ترون أنّ هذه الكلمات منه من السهل أن تمرّ علينا دونما معرفة بقوّتها وتقدير للحكمة فيها تنضح نضحا ؟؟
لقد أُعْطِي كعب جدلا، أعطِي لسانا فصيحا وذكاء يعرف كيف يخلق به العذر لنفسه فيخرج من سخط الساخط عليه وكأن دافع السخط لم يكن أصلا ... ولكنّه علم أنه لو كذب على رسول الله لأطلعه ربّه على كذبه، ولسخط عليه أكثر من سخطه الأول، وأنه لو صدقه بما يُغضبه عليه فإنما هو يرجو من صدقه رضى الله عنه...
فها هو ذا يعلن أنه لم يكن له من عذر قطّ ... بل يُقسم يمينا أنه لا عذر له، وأنه ما كان أقوى ولا أيسر منه حين تخلّف ....
إنه يقول له فيما معناه، أنّ هذا كعب أمامكَ يا رسول الله، هذه حقيقته ... هذه مرآتي التي رأيتُني فيها على حقيقتي، وأُرِيكَني فيها على حقيقتي ... فإن غضبتَ مني، فإنما أرجو رضى الله عني بصدقي ...
وإن كان قد حضر كعبا بثُّه، فلقد حضرني مع صدقه وابتغائه وجهَ الله، ابتغاء عائشة رضي الله عنها وجهَ الله، وهي ترى رسول الله وقد فعل به حديث الناس فعلا، فلم تعد ترى فيه النصير، فلجأت إلى الله وحده موقنة أنه ناصرها ومبرّئها وهي الصادقة ...
ولقد حضرني هلال بن أمية وهو يروي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه من اتخاذ زوجته خِدنا وفعلها الفاحشة معه، ورسول الله يسأله البيّنة على ادعائه أو أن يقام على ظهره حدّ القاذف، فيقسم أنّ الله منزلٌ فيه  قرآنا يبرئ ظهره من الحد ...
ولقد حضرني بقول كعب : "إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ"  قول الله تعالى لعيسى عليه السلام : "هذا يوم ينفع الصادقين صدقُهم"  وما ذلك النفع الذي يُنتفع به الصادق في ذلك اليوم إلا عُقبى الله التي رجاها كعب...!
استمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلامه، وردّ عليه بكلمات قليلة، ولكنّها نمّت عن معنى جليل كما عادة كلماته الجامعة صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضي الله فيك"
تأملت قوله صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق"، فجُمِعت لي المعاني لا المعنى الواحد...
إن المعلم لو سأل تلاميذه سؤالا، فأجابه جمعٌ منهم، وسكت عن جواب كل واحد منهم، ثم قام آخرُهم ليجيب، فعقّب على جوابه بقوله : "أما جواب هذا فهو الجواب الصحيح" ...
فإن المعلم هنا قد جمع بين قولين هما :" كل الأجوبة السابقة خاطئة، وهذا هو الجواب الصحيح" ...
إنه صلى الله عليه وسلم وقد وَكَلَ سرائر الذين حلفوا له إلى الله تعالى، كان يعلم منهم الكذب، ولكنه تعامل مع علانياتهم، ولما استمع إلى كعب علم منه الصدق، فأعلن صدقَه ... وأمره أن يقوم حتى يقضي الله فيه بأمره، ولم يستغفر له كما فعل مع السابقين ...
ترى لماذا استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين وقد كذبوا، وسكت عن كعب المؤمن وقد صدق ؟؟ !!
إنني وأنا أنظر للأمر، أعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمَر بعد بعدم الاستغفار للمنافقين، ولذلك استغفر لهم، وهو بعدَ حين، بعد نزول آيات سورة التوبة التي هي من أواخر ما نزل، إذ نزلت بعد انتهاء غزوة تبوك لن يعود لاستغفاره لهم بأمر من الله ينزل فيها ...
ثم ما الذي يمنع أن يستغفر لكعب وقد علم صدقَه ؟؟
ربما سيجيبنا ما بقي من أحداث القصة .... فلنتابع .... 🙂
أما الآن ... وقد خرج كعب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتظر قضاء الله فيه بأمره، فقد بدأ شوط جديد ... بدأت مرحلة جديدة ... 
كيف سيكون فيها كعب ؟
إنها مرحلة فيها ما سيعترض كعبا في غضون هذه المدة التي لا يعلم كعب كم ستدوم، متى سيكون قضاء الله فيه بأمره ...
سيعترض كعبا في هذه المدة ما سيعترضه ... وتلكم هي المرحلة الجديدة ...
إن رجالا من أصحابه اتّبعوه، من بعد ما علموا بالذي كان منه، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتبعوه بعرض مُغرٍ جدا، بالغ الإغراء في النفس ...!
رجال يبدو من كلامهم أنهم يعرفون كعبا ويعرفون حُسنَ إسلامه ... أنّبوه إذ لم يعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بواحد من الأعذار وهو الذي لا يعرفون عليه ذنبا، وأنه لو اعتذر بشيء، ومع استغفار رسول الله له لما كان له من حرج عند الله ...
لو أنه فعل ما فعله المخلّفون من قبله، فاعتذر كذبا، لن يُضيرَه ورسول الله يعقّب اعتذارَه بالاستغفار له، وأي حُظوة هي أن يفوزَ باستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم له ؟!!
لو أنّك أنجيتَ نفسَك بكذبة، كذبة يستغفر لك رسول الله عقبَها ...ما كان سيضرك منها ؟؟
"فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ ، اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ...."
أليس إغراء صعبا هذا الذي قالوا به ؟؟ !! أليس استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمُغرٍ لكل مؤمن ؟؟
ومازال به أصحابه يؤنبونه، حتى هَمَّ كعب أن يرجع إلى رسول الله فيكذِّب نفسَه، ويقول بغير ما أدلى به بين يدَيه، يقول بعذر ما يعقُبُه استغفاره له منه...
لنتأمل ....
مايزال الضعف ملازِما لكعب، وما يزال كعب يحدّثنا عن ضعفه، لا يتحرّج منه، بل يصدق، ويروي عن نفسه بشريّتها ... يرويها ولا يرى في ذلك غضاضة ولا حرجا... ولا يُكبِر أن يُعلن أنه الضعيف الذي تؤثّر به المغريات، ولا يدّعي أنه الذي نجح في تعدّيها من أول وهلة، لا يدّعي أنه الصلب الذي ثبت من الوهلة الأولى ... بل يصدق ...
وإنما صدقُهُ هذا أكبر علامات قوة في نفسه، هي قوّة الاعتراف بضعفه... هي قوّة الصدق مع نفسه ومعرفة مواطنها على حقيقتها التي هي عليها، لا على ما يجب أن تكون عليه، فمعرفتها على حقيقتها تؤهّله لتقويمها على الوجه الذي يُستَحسَن أن يكون ...
فلنتعلم ... ولنقرّ بضعفنا لأنفسنا على الأقل ... وأهمّ محطات القوة أن نصدق مع أنفسنا قبل أن نصدق عن حالها مع غيرنا ... فربما يكون صاحبُها المريضَ والمُداويَ في آن بعون الله وهُداه وتثبيته ...
وبينما حال كعب هي تلك تتأرجح بين الانصياع لإغراء أصحابه باستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفيه ذنبَه، وبين الثبات على صدقِه كما عزم وأجمع ... إذ به يسألهم إن عرفواأن أحدا حالُه من حاله، فأجابوه أن اثنَيْن آخَرَيْن قد قالا لرسول الله بمثل قوله، وقد قال لهما بمثل ما قال له، وإذا هما اثنان من رجال بدر ...
فكأنما كان ذلك برهانَ ربّه الذي أراه ليعزف عن فكرة الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبه نفسه لينجو ... بهذا عزف كعب، وعدل عن الرجوع القهقرى ...
بهذا ثبت كعب، وبقي على صدقه، بهذا تعدّى كعب أول إغراء اعترضه ...
لقد ثبّته الله ...
لنتأمل .....
أليس هذا كعب الذي عرف من نفسه ساعة التجهّز لتبوك ما لم يكن يعرفه منها ؟؟
أليس هذا كعب الذي كان يهمّ أن يتجهّز فيعود ولم يقضِ شيئا ؟؟
أليس هذا كعب الذي همّ أن يدركهم بعد خروجهم، فإذا هو لم يفعل ؟؟
أليس هذا كعب الذي مال قلبُه لثماره الطيّبة ولظلالها الدانية ؟؟
هو هذا كعب الذي أقرّ بضعف نفسه، وروى لنا ضعفها كأصدق ما تكون الرواية، والإتيان بتفاصيل الخطأ من صاحبه، وعادةً ما تُلطّف النفس عن نفسها  ....!!
وما يزال لنا مع كعب عالي الكعب تفاصيل ومواقف، فهل نكمل ؟ 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:46:00
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نكمل مع كعب بن مالك، وهذا الجزء الثالث من تأملات في قصته  🙂 وكان هذان الجزءيْن الأول والثاني  منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1212053745586823&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
--------------------------------------------------------------------------------------------
هو ذاتُه كعب الذي نجح في تجاوز الإغراء وثبت ....
ألستم ترون معي الآن كعب القويّ الثابت ؟؟
يستطرد كعب راويا ....  وما تزال المعترضات تعترضه .... 🙂
يُحدّث كعب الآن عن أمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجّهه للمؤمنين بشأنه وبشأن الاثنَين البَدْرِيَّيْن معه ...
لقد أمر المؤمنين أن يقاطعوهم ثلاثتَهم، فلا يكلموا منهم واحدا، ولا يكلم الواحد منهم أحدا ... أمرهم باعتزالهم...
يقول كعب: " تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الْأَرْضُ ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً "
تنكّرتْ له الأرض فما هي الأرض التي يعرف، وكيف يعرف الإنسان من لا يكلمه، ومن لا يردّ عليه إذا ما هو كلّمه، ومن يجتنبه فلا يخالطُهُ، ومن يُعرِض عنه فلا يحدّثه ...
كيف يعرف المرء أرضا أهلُها عنه معرضون ... مستجيبون لأمر نبيّهم فيه، فلا بائع يكلمه إذا ما أراد ابتياعا، ولا صديق يواسيه، ولا مؤمن يبشّ في وجهه تصدّقا عليه ...
كيف يعرف المرء أرضا تنكّرت له .... ؟؟
يااااه ........... ما أصعب هذا على النفس !!!
ولبث كعب وصاحباه على ذلك خمسين ليلة !!
لم يكن يعلم كعب والمؤمنون ممتثلون لأمر رسول الله باعتزاله كم سيدوم الاعتزال ... 
إنه يخبرنا به وقد عرفه من بعد انقضاء الأزمة وانتهائها، أمّا وهو في خضمّها، فإنه لم يكن يعلم إن كان لاعتزالهم إياه من نهاية أو حدّ ...
لا بل إن كعبا فعل ما لم يفعله صاحباه ...
أما صاحباه فقد مكثا ببيْتَيْهما يبكيان، وأما هو فكان أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكان يخرج من بيته، ويشهد صلاة الجماعة، ويطوف بالأسواق ولا يكلمه أحد .... !
لقد وضع كعب نفسَه بقلب العذاب، وذاق من مرارته العلقم بألوانه، ولو شاء لكفى نفسَه بما كفى به صاحباه نفسيْهِما ...ولكنه كان يرى من اعتزال الناس له وإعراضهم عنه رأي العَين، وكان يلامس هذا العذاب ملامسة ....
ألا ما أشدّ هذا وما أصعبه على النفس...!!
وإني لأسألكم أن تتخيلوا أنفسَكم وهذه الحال أنتم في قلبها ... لتحاولوا تخيّل مقدار ما كان يتعذّب كعب .... يتعذّب وهو لا يعرف إن كان للأمر من نهاية ...!!
لا.... وكان كعب يفعل أكثر من هذا ...
لقد كان يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويسلّم عليه ... وهو يتمنى أن يحرّك رسول الله شفتَيه بردّ السلام عليه ... كان يراقب شفتيه، لعله كان يحركهما بذلك ...وما كان يسمع منه ردّا .... !
لا .... وأكثر من هذا ....
لقد كان يصلي قريبا منه، وكان يُسارقه النظر إذا لم يكن مقبلا على صلاته، فإذا أقبل كعب عليها، لمح رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فإذا هو التفت إليه أعرض عنه ...
بأبي هو وأمي  صلى الله عليه وسلم ...
كان يلتزم بما أمر به أصحابَه، ولكنّه بقلبه الحاني، كان ينظر في كعب نظرات الحنون المحبّ الذي يتطلّع إلى وجهه من غير أن يعرّفه ذلك منه، ولكنّ كعبا عرفه منه ....
ولَعَمري لعلّ كعبا كان يستزيد من تلك النظرات الحانية المستخْفِية، لعله كان يرى فيها زادا وكفاية مع ما هو عليه من شدّة وضيق ... لعلّها كانت تُذهِب عنه بعض ما كان يعانيه من لأواء الاعتزال، ووحشة الإعراض...
وطالت على كعب جفوة المسلمين، واستوحشت نفسه، وتعبتْ ... ونال منه الاعتزال منالا..
لنتأمل ...
أيّ جُرم أتاه كعب وقد صدق ؟!! ألأنه قد صدق ؟؟ ولو أنه اعتذر بكذبة لاستُغفِر له، ولعاد بين الناس لا يقاطعه أحد، ولا يذوق من هذا العذاب شيئا ...
ألأنه صدق ؟؟   ربما حدّثتْ الواحدَ نفسُه بهذا إن كان مكان كعب ...
أهذه عاقبة الصدق ؟؟ انظر يا كعب ما فعل بك صدقُك .. انظر ولو أنك اعتذرت وكذبت لنجوت ... !! وهؤلاء المنافقون مُكلَّمون من الناس، يشترون ويبيعون، ويحدِّثون ويُحدَّثون، ويضحكون  .... وهذا كعب المؤمن الصادق يذوق من العذاب ألوانا ...!!
طالت عليه جفوتهم، فهرع إلى أقرب وأحب إنسان إليه بينهم، إلى ابن عمّ له، تعوّد أن يتسوّر بُستانَه ، فتسوّره حتى كان بين يديه، فناشده بالله إن كان يعلم منه أنه يحب اللهَ ورسولَه ... فأعرض عنه ابن عمّه ولم يجبه، فسأله الثانية، فأعرض عنه الثانية، فسأله الثالثة، فما ملك إلا أن يقول : "الله ورسوله أعلم "...!
لقد بات كعب يرى نفسه وكأنه المنافِق الأكبر المنبوذ، وكأنما هو الكافر العتيّ العُتلّ الذي يعتزله المؤمنون كرها وبغضا .... لقد بات يسأل إن كانوا يعرفون منه حبا لله ولرسوله ... إن كانوا يذكرون منه إيمانا ....
لنتأمل ....
كم موقفا اعترضَنَا في هذه الحياة الدنيا، عرفنا أن كذبة صغيرة "بيضاء" تنجّينا من مغبّته وعاقبته ومشاكله التي يُعلَم أنها الصعبة المتشابكة ... ؟!
لنسأل أنفسَنا ... كم موقفا وُضِعنا به، أو سنوضع به، كذبةٌ تخلّصنا من تبِعَاته ؟
فما كان اختيارنا، وما سيكون اختيارنا...ألكذبة منجّية نستغفر بعدها، أو لصدق قد يورِدنا المشاكل المتشابكة، ولكنه الصدق الذي نبتغي به عُقبى الله، وإن كان في ذلك اختبار يتلوه امتحان للثبات في أنفسنا...
كم تُرانا سنصدق، فنحدّث بصدق ما هي عليه حال أنفسنا حيال ما يعترضنا ....؟
أما كعب فقد فاضت عيناه بعدما قال له ابن عمّه ما قال، فاضت عيناه، وفاضت نفسُه المنهَكة .. !
أما فكّر كعب في الرحيل عن هذه الأرض التي نبذتْه وتنكّرتْ له ؟ أما فكّر أن يغادرها إلى أرض تحتضنه، ولا يُعرض عنه أهلها إذا حدّثهم، ولا يُجانِبه ناسُها ...؟
ألم يحدّث نفسَه بهذا، وهو الذي لا يعلم إن كان لهذه الحال من نهاية ... ؟!
ومازال كعب يحدّثنا...
وهذا من أطول الأحاديث التي عرفت ومن أغناها بالدروس والعِبر، وكم برقتْ دمعاتٌ بأعين أخوات لي وأنا أحدّثهنّ بما لحق بكعب، وكم حَزِنَّ على حاله، وتمنّيْن لو أنّ فرجا قريبا يلمع في أفق ما هو آت...
ألا ترون معي فيما رأيت أن كعبا يُمتَحَن ؟؟ ألا ترون أن ثباته يُختبر ؟
ألا ترون أنّه وقد صدق لم يُقضَ أمره بالسرعة التي قُضي بها أمر المنافقين فهم بين الناس يغدون ويروحون ولا حرج ... بل إن أمره ما يزال معلّقا... وما يزال يُمتحن حتى يقضي الله فيه بأمره ...
فاضت عيناه ومضى...
وبينما هو يمشي بسوق المدينة إذا نبطيٌّ مبعوث من أهل الشام يسأل عن كعب بن مالك، فيدلّه الناس عليه، فيأتيه ويدفع إليه كتابا من ملك غسّان، فيه الإغراء وانتهاز الفرصة ومحاولة الولوج من الثّغرة كدأب المتحيّن لساعة أو حالة ضعف في المؤمن ليُغْويَه ...
ملك غسان يعرض على كعب أن يأويه ويحتضنه بقوله : "أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ "
"الحقْ بنا نواسِك" .... وهو يسأل كعبا أن يلحق به، يفتح له بابا هو موصدٌ دونَه بين أهله، يكفيه عذابا لا يعرف له نهاية، يكفيه جفوة لا يعرف لها حدا ... نالتْ منه وأنهكتْه
يسأله أن يلحق به، ليفتنه عن دينه، ليهيّئ له كم هانَ على صاحبه (رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يجافيه، وأنّه بالمقابل هو مَن سيُؤويه ويحتضنه ويكفيه هذا العذاب الذي لا يستحقه وقد صدق !!
أي إغراء هذا .... أيّ إغراء صعب ...!! يأتي بوقته المناسب وكعب يعاني عذابات الاعتزال ...
تُرى ما هو فاعل بكتاب ملك غسان ... ؟!
قال كعب كلمة نمّت عن فهمه لما يعترضه : ": وَهَذِهِ أَيْضَا مِنَ الْبَلَاءِ فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا "
لنتأمل ....
لقد عرف أنّ هذا من البلاء الذي يُبتَلى به، عرف أنها من الاختبار، وما أجمل أن ينتبه المؤمن للابتلاء، بتثبيت من الله تعالى ينتبه ويعرف أنه ابتلاء، فينجح في تجاوزه ولا يكون في نفسه من ثغرة ينفذ إليها مُغرٍ بإغرائه ... حتى وإن اتّحدت شياطين الإنس والجنّ، ينتبه ويفهم، ويقرأ الرسالة الربانيّة بعنوانها الصحيح، فلا يرى الفرج في الإغراء، بل يراه الابتلاء ... فسرعان ما تقفز همّتُه للفصل في الأمر ...
يسارع كعب بالكتاب إلى التنور (وهو موقد النار)، فيحرقه به ...
ولنتأمل ....
هذا كعب الذي عرفناه في بدايات القصة يصف ضعفه، ويصف ويصف، هو ذا اليوم كعب الثابت، الصابر....
لقد قدّم كعب لنفسه، قدّم لها بصدقه ... حتى ها هو اليوم يُحسِن قراءة العارض يعترضه، ويُحسن التصرّف بثباته ...
وهذه "عُقبى الله" التي رجاها بصدقه ... ما تزال تُحجَب عنه بالابتلاءات والاختبارات المتوالية ... ما يزال لم يُقضَ فيه بعدُ بأمر الله، ولكنّ نفسَه تتقوّى، تتزَكّى، تتطهَّر بكل هذه العذابات ...كفعل النار في الذهب، تفتِنُه ليُخلَّصَ من كل شائبة ويبقى الذهب الخالص ...
قبل قليل أسمعتُ نفسي وإياكم صوتا نعرف أنه الذي يتعالى في ساعات العُسر...
صوت النفس الضعيفة، تتكالب عليها المِحَن، صوت النفس التي تصدق فلا ترى عاقبة صدقها دانية الجَنى، بل ترى المِحنة تعقبها المِحنة وهي التي صدقت، بينما ترى بالمقابل الكاذب والمنافق والمُلتوي ينجو ويرغد عيشُه  ... !!  و"عقبى الله" التي ارتجاها الصادق إذ صدق تبدو لصاحبها كما يبدو بصيص النور للأعمى ... سوادا في سواد ...!
ولكنّ "السرّ" المنجّي، والجسر الموصِل أنّ الصادق الذي يبتغي وجهَ الله بصدقه غاية الابتغاء يُوفَّق إلى قراءة الرسائل الربانية التي تُصاحب المحنة والابتلاء قراءة صحيحة فيَثبُت .......
وكذلك حال كعب .... لا نراه إلا القوي الذي تزداد قوّته مع كل ابتلاء، فهو يطوف بالأسواق ويشهد الصلاة والكلّ عنه مُعرض، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه معرض، وأحب الناس إليه لا يشفي غليلَه، فلا يشهد أنه عرف منه يوما حبا لله ولرسوله، والشرّ الملتحف بلحاف الخلاص يأتيه عبر كتاب ملك غسان يدعوه دعوة الذي أشفق لحاله من جفوة صاحبه له، فيتيمّم التنور يحرق به كتابَه ...
فلنتعلّم ..... إنما هو "الصدق" وتحرّيه ابتغاء عُقبى الله... والله لا يبخسُ الناسَ نواياهم، فهو سبحانه الذي يجزي بالتثبيت .... فيكون الثبات ...
وأحبّ أن أذكر شيئا مما قالته لي أختٌ من الأخوات اللاتي أسمعتُهنّ قصة كعب، وكنا نتملّى محطاتها، ونتريّث ونحن نتأمل...
قالت أنّ كعبا وهو يواجه هذه الابتلاءات لا نراه ذاك الذي يوعِز ما يلقاه إلى غضب الله عليه كفعل الكثيرين ممّن يُبتَلَون فيفسّرون الابتلاء بالغضب، فينزوُون، ويقنطون، ولا يرون من بارقة أمل ...
أجل... لم يكن كعب من القانطين .... كعب لم يكلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يردّ عليه، وقاطعه المسلمون، ووافاه رسول ملك غسان بالكتاب المُغري، ورغم ذلك كله لا نراه ينزوي باكيا، قانطا، منكفئا يفسّر كل ذلك بغضب الله حتى تأكله الحسرة، وتُوهِنَه الخشية المبالَغ فيها والتي تورد صاحبَها اليأس من رحمة الله ...
والآن .... 🙂
لقد مضت أربعون ليلة على حال كعب وصاحبَيْه، وكعب الأشبّ والأجلد، فهو الأكثر عرضة للعذاب منهما ...
جاء كعبا وصاحبَيْه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُبلِغُهم بأمر رسول الله أن يعتزلوا نساءَهم... 🙂
أي حال هي هذه ؟؟ أي مآل ..... !!
قَال كعب : " فَقُلْتُ : أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلِ اعْتَزِلْهَا ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا "
فما كان من كعب إلا أن ألحق امرأتَه بأهلها حتى يقضي الله في أمره...
وكانت امرأة أحد الثلاثة وهو هلال بن أمية قد استأذنت رسولَ الله في أن تخدم زوجَها وهو شيخ كبير، فأذن لها على ألا يقرَبَها ... فأشار بعض الناس على كعب أن يستأذن رسول الله هو الآخر في زوجته، فأبى ...
أبى أن يستأذنَه فيها، فيأذن له أن يبقيها معه، وهو يعلم من نفسه شبابا وإقبالا عليها، فكان إلحاقه إياها بأهلها كالمانع من أن يخطئ كعب، متحرّيا أن يأتمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحذافيره، فيتفادى كل ما من شأنه أن يُضعفَه فيه ... بل إنه لو أمره بتطليقها لفعل...!
لنتأمل .... تأملوا يرحمكم الله ...
ألستم ترون كم أنّ كعبا تقوَّتْ نفسُه ؟! ألستم ترون ثباتَه، والابتلاء يعقُبُه الابتلاء ؟؟
ألستم ترونه مع كل ابتلاء يزداد قوة وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكأنّي به يعوّض تخلّفه عن الغزوة، وتخلّفه عن طاعة أمره صلى الله عليه وسلم فيهم بالغزوِ بهذه الطاعة، وهذا الثبات ... هذا عدا عن جَنى صدقِه الذي ابتغى به عُقبى الله ...
ومازال لنا مع كعب شوط أخير... فهل نكمل ؟
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:46:47

 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

واليوم نحن مع الجزء الأخير من قصة كعب بن مالك رضي الله عنه، وقفات مع محطاتها الزاخرة بالعبرة والتربية ...وكنت قد قسمتها أجزاء، هذه الثلاثة الأولى منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1212053745586823&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1215567461902118&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
-----------------------------------------------------------------------------------
وتمّت لكعب خمسون ليلة من يوم اعتزله الناس، وهو على تلك الحال التي لم يكن يعلم ساعتها متى تكون نهايتها .... وهو على ما عرفنا من الثبات بما قدّم لنفسه حين صدق ...
وفي صباح اليوم الواحد والخمسين، كعب على ظهر بيت من البيوت قد ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهذا الوصف الذي جاء من ربّ العزّة في القرآن، سبحانه الأعلم بدواخلِ عباده وما يختلجهم ... !
لقد ضاقت على كعب نفسُه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ... لقد بلغ به الضيق مبلغا عظيما، فلكأني بقلبه وقد بلغ حنجُرَتَه، لكأني بقلبه لم يعد يتسع للنّبض بَلَهْ أن يتسع لحاله ...!!
إنها النفس البشرية .... إنها الضعيفة ...
إنه كعب الذي عهدناه أصدق لسان يصف الضعف البشريّ، ثم عرفناه القويّ الثابت على أمر الله ورسوله، عرفناه الصابر المحتسب، عرفناه الذي يذوق علقم المقاطعة، ويتعدّى عقبات الإغراءات ... فيتقوى ويتقوّى ...
يعود ليصف ضعفَه المُلازِم وهو البشر ... بل إنّ رب العزة سبحانه يصفه في قرآنه، ضاقت عليه نفسُه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ...!
بينما كعب تلك هي حالُه .... إذ به يسمع صوت صارخ مِن على جبل : "يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ " !!!
وفور سماعه كلماته... فَهِم كعب... 🙂 🙂 فخرّ ساجدا، وعرف أن قد جاء فَرَج ... 🙂
لقد عرف كعب أنّ الفرج قد حلّ .... لقد فهم ... لقد تشوّف لهذا... لقد ترقّبه، ونشده وثبت له، وصبر له حتى بلغه ....
وأخيرا ..... هذه عُقبى الله التي رجا كعب 🙂   هذه تباشيرها قد لاحت مع لَوْح فجر هذا اليوم ...
وقد أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله على كعب وصاحبَيْه بعد صلاة الفجر، وهرع الناس يبشّرون ثلاثتَهم، وخلع كعب ثوبَه وألبسَه البشير... واستعار ثوبَيْن ولبسهما، وسارع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وها نحن أخيرا مع مرحلة جديدة من مراحل هذه القصة الفريدة ... 🙂
ها نحن مع هذه النهاية السعيدة من بعد ما ضاقتْ أنفسُنا مع كعب مما لاقى، من بعد ما جلّت لنا تلك "المرآة الكعْبيّة" حقيقة ضعفنا جميعا، وحقيقة ما يعترينا من الضعف والزلل والخطأ ... لا ندّعي ثباتا من أنفسنا، ولا ندّعي قوّة منها، ولا ندّعي أننا نتجاوز العقبات بسهولة ولا تحيك في أنفسنا المغريات ...
لقد علّمتنا المرآة الكعبيّة الصادقة أن نزداد صدقا على صدق، وألا نسارع للعذر قبل العلّة، بل أن نعترف بالعلّة قبل العُذر الذي غالبا ما نصنعه صنعا...
ها نحن مع "العُقبى "  ..... 🙂
هذا كعب بين يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسجد، والناس مقبلون عليه مهنّئين أفواجا أفواجا، وانقلبت المقاطعة إلى تهانٍ وتبريكات بتوبة الله عليه... 🙂
يقول كعب : "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ قَالَ فَقُلْتُ : أَمِنْ عِنْدِكَ ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَقَالَ : لَا ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ ، قَالَ : وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ ".
لنتأمل ....
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرق من السرور 🙂 وأبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ... !
فيسارع كعب إلى سؤاله صلى الله عليه وسلم : أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟
يريد أن يفهم أهي توبة الله عليه أعلنها رسول الله وقد أنبأه الله بها كما شأنه يُنبِئه ربّه بأمور وهو النبي، أم أنه الوحي نزل قرآنا يُتلى ؟
فأنبأه أنها من عند الله ... 🙂
ولنا أن نتخيّل فرحة كعب بالتوبة عليه من الله تنزل قرآنا يُتلى إلى يوم الدين ...
فإن التائب منا ليتوب وهو يرجو عُقبى الله، ولكنه لا يعلم على وجه الدقة أتاب الله عليه وقبل توبته أم أنه لم يقبلها، ويعيش على أمل ورجاء أن يتقبله الله ...
ولكنّ كعبا كان التائب الذي أعلمه الله تعالى بأنه قد تاب عليه، وقبله، وعفا عنه ....
هنيئا لك يا كعب .... هنيئا لك توبة الله عليك بكلمات الله تُبينُها ... 🙂
وإنني لأجد نفسي المهنئة من غير سابق تفكير، انسابت التهنئة من قلبي إلى قلمي انسيابا من فرط استشعاري لوزن هذه العطيّة الربانيّة العظيمة .... 🙂
لقد رجوتَ عُقبى الله ... فهي ذي عُقباه سبحانه رِضى ورضوانا يا صاحب الرضوان 🙂 
نزل قرآن يعلن رضاه عنك مع مَن أعلن يوم الشجرة، وينزل اليوم قرآن يعلن توبة الله عليك، فهنيئا هنيئا يا صاحب الرضوان والتوبة .... 🙂
والآن .....
هذا كعب يحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث ...
لقد قال له أنّ من توبته أن ينخلع من مالِهِ كلّه، فأشار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقي لنفسه منه، فأمسك عليه سَهْمَه من خيبر، وتصدق بما بقي لله ورسوله...
لنتأمل....
ولكأني بكعب يجدّد توبته، لكأني به بما صدق رسول الله، وبما ثبت فيما اعترضه من الابتلاء، ولكأنّ الخمسين يوما الماضية لم تكن منه توبة، وهي إنما كانت توبة ...
فهو ذا يجدّدها... أهي شكر لله على توبته عليه ؟؟ أهي الشكر منه على تثبيته إياه ؟؟
إنني لأرى كعبا الصادق، وهو لا يرى نفسه قد أبلى بثباته، وبصدقه، بل أراه يوعِز الفضل كله لله، فها هو ذا يشكره على أن وفّقه فصدق، وعلى أن وفّقه فثبت ... وعلى أن تاب عليه
يااااه .... كم أنتِ صادقة أيتها المِرآة الكَعْبيّة ... كم أنتِ حكيمة ... كم أنت "مدرسة" 🙂
ولا يفوتني أن أذكر ما حضرني بانخلاع كعب من ماله توبةً لله، وهو الذي مال للثمار ساعة تبوك...
أين حلاوة الثمار التي كانت قريبا سببا من أسباب تكاسُله عن الخروج ؟؟ أين ضعفه ساعتها، من قوته اليوم ؟؟ أين مَيْلُه إليها ساعتها من انخلاعه منها اليوم ؟؟
كما حضرتي "أُحُد"   بقياس عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمَرَهُم ألا يتزحزحوا عن أماكنهم وإن رأوا المؤمنين يجمعون الغنائم، فتزحزحوا عنها، ومالتْ أنفُسُهم للغنائم، مالتْ للدنيا وهم في لقاء العدوّ ... فكانت الهزيمة، وكانت مدرسة أُحُد الزاجرة والمعلمة للأمة كلها...
وهذا كعب اليوم وصاحِباه أفراد يتكاسلون عن أمر رسول الله، فيتخلّفون عن القتال في سبيله ، عن لقاء العدو... عصيان لأمر رسول الله في أُحُد وعصيان لأمره في تبوك، وهذا كعب يقول بمَيل نفسه للثمار وقد طابت، فيُرجِئ رسول الله هؤلاء الأفراد ليقضي الله في أمرهم، ليكونوا درسا للأمة بالمثل، درسا يعلمهم مغبّة معصية أمره صلى الله عليه وسلم، ولو أنه تساهل معهم لتساهل المؤمنون بشأن أمره أبدا ...
وكما تعوّدنا من كعب المِدرار ... 🙂
هذا شيء مما آلاه على نفسه : ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا ، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى يَوْمِي هَذَا ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ"
من توبته ألا يحدّث إلا صدقا، من أكثر مَن أنعم الله عليه بصدق الحديث، وإنه ليرجو من الله أن يحفظه بالصدق فيما بقي ....
يُرجِع الفضل كله لله، في أنه  "أنجاه"، وأنه  من أكثر مَن "أنعم" عليه بالصدق، وأنه يرجو أن "يحفظه" بالصدق فيما بقي ...
ثم يذكر كعب الآيات التي نزلت فيها توبة الله عليه وعلى صاحبَيْه :
"لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (117)وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) "  -التوبة-
فلنتأمل ....
هذه الآيات تُفتتح بتوبة الله على النبي وعلى المهاجرين والأنصار الذين لم يتخلّفوا عن غزوة تبوك، ثم تعقبها مباشرة توبته سبحانه على الثلاثة الذين خُلّفوا ...
لقد تخلّفوا، ولكنهم اليوم يُذكرون بمثل ما ذُكِر به المجاهدون ! فأولئك كانوا المجاهدين في ساحة الوغى، وهؤلاء الثلاثة كانوا المجاهدين في ساحة النفس ...
ولَعَمري إنّ جهاد النفس لعظيم عظيم عظيم ... وإن كعبا لأبلى البلاء الحسن في ساحة نفسه، بعظيم صدقه، وبالاعتراف بضعفه، وبمجاهدته هذا الضعف فيه، وبثباته بوجه الإغراءات ...
لكأني بكعب يفوز بالمكانة ذاتها التي فاز بها المجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من فرط ما صدق، ومن فرط صدق توبته ...
أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ...
وإنني لأتأمل وصف الله تعالى لهم، في قوله سبحانه: "وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"
والظن هنا هو الاعتقاد، فاعتقادهم الذي غشى قلوبهم أنّه لا ملجأ من الله إلا إليه...
كعب وقد اعتزله كل الناس، بل واعتزله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعد يرد عليه إذا حدّثه، وانتهى به الأمر إلى اعتزال زوجته ...فمَن ذا بقي معه ؟؟ إنه الله تعالى ....
وهو الاعتقاد الذي لفّ نفس كعب لفا ... لا ملجأ من الله إلا إليه  .... وهذه عُقبى الله التي رجا ...
ويستطرد كعب، فيقول أنه لم يعرف نعمة أجلّ ولا أعظم بعد الإسلام من صدقه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... وأنه لو كذبه ساعتَها لهلك كما هلك الذين كذبوه، وحلفوا على الكذب، ذلك أن الله تعالى كشف أمرَهم في سورة التوبة في قوله سبحانه: "سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "-التوبة-
ولنعد إلى الوراء بقصتنا، لنجد كعبا وهو يَصدُقُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول له أنه لو أراد الخروج من عند أحد بعذر لما كبُر عليه ذلك وقد أعطِي جدلا، ولكنه معه لو أنه خرج من سخطه بعذر، ليوشكنّ الله أن يُسخِطه عليه ...
وهذا ما عنى كعب، وكان متعقلا، حكيما ذكيا، ففهمه قبل نزوله قرآنا ... هذا ما نزل في هلاك الكاذبين الذين نجوا بكذبتهم بين يدي رسول الله، أولاء هم اليوم المفضوحون بين يديه بما أنزل الله فيهم من آيات الهلاك وغضب الله عليهم ...
ولا يفوت كعبا أن يُفهِمنا في هذا الحديث، معنى قول الله تعالى : "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا"
إذ أنّ "خُلِّفوا" هنا لا تعني تخليف الله لهم عن الغزوة، بل تعني تخليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرهم، وإرجاءَهم بخلاف الذين حلفوا لهم فقبلهم ولم يخلّفهم ...
كما لا يفوتني أنا أيضا أن أدعوكم لتأمل دور الحديث النبوي في تفسير الكثير من معاني القرآن الكريم، في إشارة دائمة مني إلى الذين يريدون الاقتصار على القرآن وحده، وإلى الذين يشككون بدقة نقل الحديث .... أقول لهم : أين ستجدون رجالا بدقة صدق هذا "الكعب" الذي يُحدّث عن نفسه بكل سَوْءاتها، وقد عرف وزن الصدق...على شاكلته هم نَقَلة الحديث النبوي .... فأنّى تُؤفَكون ؟!
وينتهي الحديث... وتنتهي القصة ... ولا تنتهي آثارها في أنفسنا ... 🙂
استشعرت ثقل كعب منذ الوهلة الأولى وهو يروي عن نفسه، ولا يعتذر، ولا يتذرّع بذريعة...
قد رجا عُقبى الله... فلم يُستغفَر له، ولم ينتهِ أمره بالسرعة التي انتهى بها أمر الكاذبين، بل قد خُلّف إلى أن يقضي الله بأمره ... ولم يهتزّ...
بل رأيناه يزداد قوة مع كل ما اعترضه من الابتلاء ... يعلّمنا أن عُقبى الصدق ليس بالضرورة أن تُرى من الفور، بل قد تتأخر إلى أن يُمتَحن الراجي في ثباته ... فإن هو ثبت (وغالبا سيُوفّق للثبات من تقديمه لنفسه بصدقه) جاء الفرج، وعرف الخير عاقبة في الدنيا، ونفعه صدقُه يوم ينفع الصادقين صدقُهم ....
وعلى خطاك يا كعب أقول: " أرجو أن يحفظني الله وإياكم بالصدق فيما بقي "
فلنتعلم ولنتعلم ............ ولنتعلم .... 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:47:33
"أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ" -يونس-
"إلى رجل منهم" ....
إلى رجل منهم ------->  يعرفونه
إلى رجل منهم -------> لبث فيهم عمرا من قبله
إلى رجل منهم -------> يعرفون صدقه وأمانته
إلى رجل منهم ------->يأتيهم بالآيات البينات
من أين لرجل منهم يعلمون عنه كل هذا أن يكون له كل هذا العلم وكل هذا البرهان، وكل هذا البيان، وكل هذه الحجة ؟؟ ! .
علمه ربه كل هذه الطرق في المحاججة بالعقل، بالسؤال تارة للتحفيز على التفكّر، بالتوجيه للنظر، للاستدلال ...
عَبْر "بشر" يحثّ العقل، فيعلّم البشر إعمال العقل ..وهذا أدعى أن يتفكروا فيما جاء به،  ليوقنوا أنه ليس بقول بشر ....
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:47:49
" يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُون" -يونس-
1- أجمعوا أمركم (اعقدوا عزمكم على إهلاكي الذي تريدون) + 2- مع شركائكم + 3- لا يكن أمركم عليكم غمة (لا تترددوا في إمضائه) + 4- اقضوا إلي (أنفذوه فيّ) + 5- لا تنظرون(لا تمهلوني)
غاية الشجاعة والتوكل على الله والثبات في نوح عليه السلام، وهو قد لبث فيهم قرونا داعيا مُكَذَّبا... !!!
أي شجاعة وثبات في سيدنا نوح عليه السلام وهو الذي يلتفت فيجد ابنَه كافرا، ويلتفت فيجد زوجته كافرة ... ! ويلتفت فلا يجد غير المكذِّبين .... !!
كم يشبه حاله حال سيدنا إبراهيم عليه السلام، فكان أباه الذي حُرِمَه مؤمنا، كما كان إبراهيم ابنَ نوح الذي حُرِمَه مؤمنا ... وأي أبوة وأي بنوّة !!!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:06
في قوله تعالى :{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76)} [يونس : 75-76]
لقد استكبروا أولا...
فرعون وهو ملك مصر، ومَلَؤُه وهم حاشيته المقرّبة من ذوي الجَاهِ والمكانة...
فرعون هو الذي استخفّ قومه، واسترهب فكرهم حتى كان يحثهم على الاستدلال على ملكه بالأنهار تجري من تحته، وهو يستنكر عليهم بقوله : "أفلا تبصرون" ...!
استكبر لما جاءه موسى وهارون بآيات الله حتى ادّعى الربوبية بقوله: "أنا ربكم الأعلى"...
واستكبر حتى ادّعى الألوهية فقال : " ما علمت لكم من إله غيري"...
أما عندما جاءهم الحق من عند الله، بالبينات الساطعة المفحمة، وعندما عرفوا أنه الحق، ولم يبقَ لأهل اللجاج وقد أفحمهم الحجاج، وزهق الباطل اللجْلج بالحق الأبلج...
لم يجد أهل الاستكبار إلا أن يقولوا : "إن هذا لسحر مبين"...
والسحر أخيلة تصوّر الباطل حقا...
هكذا ألقوا بصفة السحر على الحق ينفذ للعقول من منافذها، ويملك القلوب من عروشها...
وهكذا حال من استرهب العقول والأفهام، واستبدّ بمفاتيحها وبمغاليقها، يفتح منها لنفسه ويغلق منها لما عداه ... فيقلب في تصوّرهم الحق باطلا، فيرونه كذلك... ويقلب الباطل حقا، فيرونه كذلك... إي وربي، فإن المفاتيح والمغاليق بيد السجّان لا بيد السجين...!!
عندما تُغتصب العقول، فتفقد حريتها، تصبح كالعبد بيد سيّده لا حركة إلا لما يحب، ولا سكنة إلا لما يبغض...
يصبح كاللعبة بيد صاحبها، مِطواعة ليده، إن شاء التهى بها، وإن شاء خبأها، وإن شاء أظهرها، وإن شاء مزّقها إربا إذا تملكته السآمة منها والملالة...
والمستكبر إذا أُفحِم باطله بحق... صار دَيْدَنه -كما وصف ابن عاشور- التدرج من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبيّة...
فهو شنشنة المغلوب عديم الحجة الذي قهرته الحجة وبهره سلطان الحق...
نعم من استكبار ، إلى بهتان مبعثه الشعور بالمغلوبية... هكذا هو ديدن المستكبرين، المستعبدين للعقول...
وإن لزماننا هذا لفراعنَتَه المتعالمين أو الآسرين بالعبارات الرنانة الذين يقلبون الحق باطلا والباطل حقا لكل مَن أسلمهم عقله..
فليت شعري... لا حق ليد أن تمسك بمفاتيح عقلك ومغاليقه إلا يدك... فافتح للحق ينفذ... وأغلق دون الباطل يُمسك... ولا إله عليه إلا الله، ولا رب له إلا ربنا...الله... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:27
في قوله تعالى : "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) " -يونس-
قصة عظيمة هي قصة موسى عليه السلام عند خروجه بقومه...!!
وإنك إذا لملمتَ أجزاء القصة المنتشرة في آيِ القرآن الكريم من سور مختلفة، لغدتْ أمام عينيك وكأنها المتمثّلة بشخوصها، وأدواتها، وحركاتها... وبتفاصيلها...
فتجدكَ في قلب المغامرة، في قلب الحدث، وكأنما انتقلتَ إلى زمانهم، وإلى مكانهم، فالبحر من أمامك، والعدوّ من ورائك ....
وإنّ قلبك ليرجف وليهتزّ هلعا، وخوفا على مصير موسى وقومه، في لحظات حاسمة، خطيرة، مصيريّة ....لحظة لا يتبيّن فيها المصير أإلى خير ونجاة، أم إلى هلكة وفوات ...!
تجدُك مع الآيات تُسلط الضوء حينا على موسى، وعلى أتباعه حينا آخر، ولا تنفكّ مراقبا لفرعون وجنده، ويدك على قلبك المنخلع خوفا من مصير خطير مُحدق....!
إن الآية التي بين أيدينا من سورة يونس، تبيّن في إيجاز مُنجز مُعجز، كيف أن الله تعالى جاوز ببني إسرائيل البحر، وكيف أتبعهم فرعون وجنوده، وكيف أدرك الغرقُ فرعونَ ....
إنها لكلمات معدودات تصف الحدث، لتنتهي إلى مصير فرعون، وحاله وهو يغرق...
ولكنّ الجوامع التي بين يديّ تشوّقني للتفاصيل؟ فهل لي أن أعرفها ؟!
لسائل يقع على هذه الآية، ولم يقع على غيرها أن يسأل: تبدو قصة فريدة، فهل من تفاصيل؟
ولمن يبحث، ويجول بين حنايا القرآن أن يأتي بها شافية وافية كافية ....  🙂
لقد خرج موسى بقومه خفية عن فرعون وشيعته، ليلا على حين غفلة منهم : "فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23)" -الدخان-
فلنتأمل...
إنّ موسى عليه السلام لما خرج ليلا بقومه، ممتثلا لأمر ربه، لم ينجُ من اتباع فرعون له، ولكنّه بالمقابل قد نجا نسبيا، نجا بأن قطع بقومه طريقا بلّغهم شاطئ البحر، نجا بالقدر الذي جعل بينهم وبين فرعون وجنوده مسافة لها دورها وإن لحقوا بهم... وإن اتبعوهم...
والقرآن يومِض في عقل السائل والمتتبّع للتفاصيل، بمفتاح جديد ... 🙂
وذلك في قوله تعالى : "فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ(60)".... لقد أتبعوهم مشرقين... وبين الليل والإشراق مسافة، لا بدّ أن لها دورا ...لا بدّ... وإن اتبعوهم ...
إنه الإشراق... إنها الشمس تُسفر بجدائلها عن انقضاء الليل، وابتداء يوم جديد...
أتراه سيكون جديدا مشرقا في حياة بني إسرائيل، أم تُراه سيزيد إلى ظلمتها ظُلمة ؟؟!!
أين سيذهب موسى بقومه؟ أين يفرّ بهم والبحر من أمامه والعدوّ من ورائه ؟!
أمِن أمل في لجّ الخطر المُحدق؟!
إنني لأراني أعود القهقرى... قليلا إلى الوراء... إنها عودتي وحدي إلى الوراء، ذلك الوراء الذي فيه كل الوبال على بني إسرائيل، وإن هلاكهم لفي خطوة واحدة إليه ....!!
أما أنا فعودتي إليه لنتأمل...  🙂
لنتأمل دقة الكلمات القرآنية، ودقّة مواضعها ...
لنعرف تصديق القرآن بعضه بعضا..."فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ" ...
"إنكم متبعون" مؤذنة باتباع فرعون لهم، إنه سبحانه قد أعلم موسى مع أمره بالخروج ليلا، أعلمه أنهم متّبعون... ولا بدّ أن من شأن هذا أن يحثّ في نفس موسى عليه السلام الأخذ الأقصى بالأسباب، فلا يُستبعد أنه قد كان القائد المسرِّع لقومه، يوازن بين التخفّي والإغفال من جهة، وبين تسريعه قومه من جهة أخرى...
وإن لنا أن نتخيل خطورة هذه المغامرة على موسى وهو قائد لكل قومه، فإما بهم إلى نجاة ومَنعة، وإما بهم إلى هلاك ولوعة...!! هلاك لو خُيّروا وهم يُحدَّثونه لاختاروا بقاءهم على ذلّهم وعبوديتهم...!
ولكن... ماذا سبق كل هذا ؟؟
** لقد سبقه توكّل بني إسرائيل على الله ... "فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا"
** لقد سبقه دعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للظالمين وأن ينجّيهم "رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
** لقد سبقته قيادة موسى قومه أولا إلى الصلة بالله قبل أن يقودهم إلى النجاة "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ "
** لقد سبقه دعاء موسى عليه السلام على فرعون وملئه "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ"
** ولقد سبقه أيضا إعلام الله نبيَّيْه أنه قد أجاب دعوتهما "قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا "
** ولقد سبقه امتثال موسى وهاورن عليهما السلام لأمر الله تعالى بالثبات والاستقامة "فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ"
لقد كان كل هذا من قبل، لنكون اليوم قُبالة هذه المشاهد الحيّة، في غِمار هذا الحدث العظيم، هذه القيادة الرائدة لموسى، والبحر من أمامه والعدو من ورائه ...!!
إننا لا ننفكّ نلتفت إلى الوراء، حيث فرعون وجنوده...
لا ننفكّ نرقب تحركات ذلك الظالم المتجبرّ المتكبرّ المتألّه، وهو وجنوده يلحقون بموسى عليه السلام وأتباعه ....
إن الضوء مُسلط الآن عليه ...
تُرى ألَحِقَ بالقوم ليناديهم ويُسمعهم صوتا حمائميا مسالما، وليبثّ عهود الأمن والأمان، وليوادعهم ويحفظ لمملكته قوما لطالما سخّرهم لخدمته، ولخدمة ملكه ... ولطالما كانوا عبيده وطوع إشارة من بَنانه وأمر من لسانه ...؟!!
ها هو القرآن، يفصّل، ويُبين، فلا يترك لقائل أن يتقوّل بغير حقيقة الحال، من الآية ذاتها التي بين أيدينا "فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً"...
ظلما وجورا، وغاية في الاعتداء، وتماديا في الجبروت، وإسرافا في التألّه ...!!
فأيّ جرم اقترفه من غادر أرضه ووطنه، مفرّطا بحقّ من أعظم حقوقه، منقلعا من جذوره، لائذا بالفِرار...؟!
أي جرم اقترفوه وهم إذ يفرّون، يهيمون في الأرض على وجوههم، لا يدرون أيّها مأواهم، وأيها ملاذهم ...؟!
لقد حكمهم بغيا وعدوا، واتبعهم وهم فارّون بغيا وعدوا ....
ماذا تُراه سيفعل موسى؟؟
إنه الإشراق، إنه الصبح، إنه العدوّ يتبع، وإنه على آثاره وآثار قومه، لا يغادر...لا يرجع.. لا يَني ....
وها هو القرآن مرة أخرى يومِض، ويضيئ حجرات مظلمة في العقل السائل ...
ها هو الضوء من هناك يأتي بمفتاح جديد... بحبكة من حبكات هذه القصة، لتتلاحم كلها، فتنتج مشهدا متكاملا، متناسقا...
لقد أوحى إلى موسى ربُّه، لقد علّمه ما يفعل ..."وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى(77)" -طه-
فموسى عليه السلام يعلم أنّ عليه ضرب طريق يبس في البحر ... ذلك كان عنوانا... ولكن! كيف سيضرب لهم هذا الطريق؟؟!
لقد بلغت قلوب بني إسرائيل الحناجر، حتى قالوا وأعينهم ترقب العدوّ من خلفهم يلاحقهم، "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "....
عندها ردّ عليهم موسى بيقين العبد المتوكّل على ربه، الواثق به عظيم الثقة، وبهدايته إياه ....
"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)"-الشعراء-
يوقن أن ربه سيهديه، سيعلّمه الطريقة، سيُجليها له .... تيقّن أن معه ربه... "سيهدين"
ليأتي بعد يقينه، وبعد كلماته الموغلة في الإيمان بمعيّة الله، بفاء العطف التي تفيد السرعة في الإجابة والهداية.... "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)"
فضرب البحر... فانفلق... فكان كل فرق كالطود العظيم...
فاءات ثلاث متعاقبات دلّت كلها على سرعة في التعليم والهداية، وسرعة في العون والكفاية ....
فيجاوز الله ببني إسرائيل البحر، (في آيتنا هذه) .... ويتبعهم فرعون وجنوده، ولكنّ هذا الاتباع، هو اتباع على الطريق اليبس الذي مُدّ في البحر، اتباع على ذات الطريق الذي لم يكن لعقل أن يتخيّله في البحر مُمَهّدا للخطوات ...! اتباع على الطريق الذي ما فتئ بنو إسرائيل يفرحون به خلاصا حتى فوجئوا بالعدوّ عليه يقتفي الخطوات ...!
إن الخطورة ما تزال مُحدقة .... كيف لموسى أن يدفع هذا الخطر المُلازم ؟؟!
إن الأمر سيّان ففرعون وجنوده يستطيعون إدراكهم واللحوق بهم، بل إنهم على خطاهم على يبس البحر ...!! أيضرب موسى في البحر مرة أخرى بعصاه ليعود بحرا بلا يبس؟؟
إن الحلّ هنا... غير بعيد .... إنه مع أمره موسى أن يسري بالقوم ليلا، قد علّمه ما يصنع بالبحر !!
"فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)" -الدخان-
على نسق أمره سبحانه له باتخاذ السبب، مع بيان اتباعهم له رغم اتخاذه السبب، يُعطَف قوله تعالى : "وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ"
إنه الأمر مع النّذارة، يليه الأمر مع البشارة ...
لا تفكر في حلّ جديد لينقطع الطريق على فرعون وجنوده، اترك البحر على حاله، جبالا مائية يتخللها اليبس ... اتركه رهوا، إنهم جند مُغرقون ...
سيتكفل الله بإرجاع البحر لسُيُولته ...أجل لقد تكفّل سبحانه بذلك ....بإرجاع البحر لأصل حاله، مع نجاة كل قومك، وإغراق فرعون وكل جنده ...
لقد أطبق الله جبال الماء عليهم فأغرقتهم .....
وتلكُم كانت نهاية هذه القصة العظيمة ... 🙂 بمشاهد متحركة حيّة ... بأضواء مُسلطة على كل موقع... بحبكات منتظمات انتظام الخرز في سلسلة متّسقة منسجمة لا يفرّقها فلل، ولا يشوبها ثَلم...
وهذا هو القرآن يفرّق الأخبار بين ثنايا السّور لتجتمع في مشهد حيّ متحرّك محتبك متكامل لا تُداني جماله أروع وأحدث ما تصوّره تقنيات وصناعات البشر...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:47
في قوله تعالى : "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" -هود-
عندما نتأمل: "ليبلوكم" ... وهي اختبار الله تعالى لعباده، وأنه خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء ...
لم يكن من شيء ... لم تكن السماوات والأرض، لم يكن الإنسان شيئا مذكورا ....  وكان عرش الله تعالى ... وكان الله تعالى .....
ثم خلق السماوات والأرض -----> ليبلوكم، ليختبر الإنسان.
يحضرني هنا قوله تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
كما يحضرني أيضا قوله تعالى : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
سبحانه :
1- خلق الإنسان ليعبده
2- خلقه ليبتليه .
3- خلق السماوات والأرض ليبتلي الإنسان .
وفي الابتلاء بخيره وشرّه ، والصبر عليه أو شكره تظهر العبادة، تتجسد العبادة .... كيف ذلك ؟؟
إننا إذا تأملنا ما يأتي من آيات موالية لآيتنا أعلاه من سورة هود ....
1- "وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ"
2- "وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ" .
3- وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ
4- وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
لنتأمل .....
1- خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء... أهذا أهون عليه أم بعث الإنسان من بعد الموت ؟!!! فلننظر للإنسان وهو يكفر بالبعث، وقد عرف السماوات تظلّله والأرض تحمله وكلها لم تكن شيئا، ولم يكن الإنسان شيئا ... وما كانت إلا وعرشه سبحانه على ماء، فأيها أهون عليه ؟؟
لنتأمل الجحود، وغياب العقل، والقياس، والاستدلال ....
ثم :
2- سبحانه برحمته يؤخر العذاب، ويُمهِل فيرى الإنسان هذا عجزا، فيتجرأ ويطلب العذاب ويسأله، ويتساءل ما يحبسه، وما حبسه إلا رحمة الله وإمهاله ....
لنتأمل عدم تقديره لله حق قدره، وكيف يتجرأ، وكيف يظن أن الله سبحانه نازل عند هواه، وعند ما يُملي وما يريد تشدّقا بالكلام .... !! وهو الذي كان عرشه على الماء، ولم تكن السماوات والأرض ولم يكن هو شيئا مذكورا .... !
ثم :
3- إنه إذا ما نزع الله منه رحمة ليبتليه أيصبر أم يجزع فهو يؤوس كَفور ....! وهو الذي ما خلق السماوات والأرض إلا ليبتليه ... ليختبره، فلا تدوم النعمة عنده على حالها، فإذا نُزِعت إذا هو يؤوس، كَفور .... هذا الابتلاء، فأين الصبر منه ... ؟
ثم :
4- وهذه النعماء يذيقه الله إياها بعد ضراء، فإذا هو متبطّر، فرِح، فخور، متكبر .... يغرق بالنعمة، وينسى المُنعم ....
فلننظر، ولنتذكر قوله تعالى: "نبلوكم بالشر والخير فتنة" ....
فالخير منه ابتلاء وامتحان، أيعمل الإنسان صالحا، ولا ينسى أنّ ما فيه من نعمة هي من  المنعم سبحانه، أينسى إخوانَه المحاويج من حوله ؟ أيُبطِره ماله والنعماء التي يغرق فيها، أم تُذكره بالله وهو في رخاء  فيشكر ...
والشر الذي يصيب الإنسانَ ابتلاء منه سبحانه ... أيصبر أم يجزع ؟؟
فلننظر ولنتأمل، فإذا الإنسان :
1- لم يكن شيئا مذكورا، ولم تكن السماوات والأرض، وقبلها كان عرشه سبحانه على الماء، ورغم ذلك هو ذا يكذب ببعث الإنسان بعد الموت وقد كان شيئا الأهون عليه سبحانه من خلق السماوات والأرض وما فيها، وخلق الإنسان من عد ولم يكن شيئا ...
2- متجرئ يسأل العذاب، ويظن الله نازلا عند هواه وإملائه .
2- يتجرأ، ولكن ما أن تُنزع منه رحمة كانت عنده إلا وييأس ويكفر.
3- ما أن تصبه نعماء حتى يتبطر ويتكبر وينسى المنعِم .
فما حاله مع الابتلاء الذي ما خلق سبحانه السماوات والأرض إلا ليُلازم الإنسان .... إنه التقلب، إنه الجحود....
فمَن ذا ينجو وينجح ؟؟
الجواب في الآية الموالية :
"إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(11)"
1- صبروا    +   2- عملوا الصالحات .
1- صــــــــــــــبروا -------->  ليبلوكم .
2- عملوا الصالحات---------> أيكم أحسن عملا.
فليس صبرا مع قعود، بل مع عمل ... ورأس العمل أن يتذكر الإنسان وهو يُبتَلى بالخير أو بالشر أنّ الله يبتليه، فيشكر عند النعماء، ولا يتبطر، ولا يستكبر، ويذكر من هم أقل حالا منه، ويُغدِق عليهم، ويستنهض همّة مكلوم مجروح، ويعطي مِن علم تعلمه، ويخلص في عمل وُضِع فيه ووووو
ويصبر عند الضراء، ويعمل ولا يركن للهمّ والحزن، بل يرجو الخير من الله دوما، ويوقن أنه امتحان، فيعمل ويتأمل، ولا تذهب نفسه حسرات، ولا ييأس ولا يقنط من رحمة الله ...
وهكذا ............ سبحانه ما خلق السماوات والأرض إلا ليبلو الإنسان بالخير والشر ...
ولن يفلح ولن ينجح إلا من صبر وعمل الصالحات ....
فكيف لا يكون "للمؤمن" الذي عرف الابتلاء بخيره وبشره، فصبر عند الشر، وشكر عند الخير حياة غير حياة غيره ؟!
كيف لا يكون عنده فهم للحياة على حقيقتها وهو يحسن قراءة الرسائل فيها...
كيف لا يكون هناك تأثير من هذا الفهم وهذا التصور  في نفسه وفي حياته ؟! كيف لا يكون للإيمان من أثر على الحياة يجعلهاعند صاحبها من جنس ما وعد به الله عباده المؤمنين :
"وأن استغفروا ربكم وتوبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى"
"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة"
هكذا "طيبة" و"بمتاع حسن" وهي ابتلاء بالخير وبالشر، بكليهما... وبضعف في الإنسان مجبول عليه يكره معه المصيبة ويحب معه الخير، ولكن الإيمان يذكّره، ويقويه، ويعلمه أن مع الصبر خيرا، وأن مع الشكر خيرا... خيرا ليس إلا للمؤمن...
وسبحان مَن قرآنُه بهذا التناسق والاتّساق والتسلسل، والجمال والكمال  ..... 🙂
فانتبهوا، ولتعرفوا أنّ الآية تسوق للآية، وأن ما يبدو لكم بعدا في المعنى بين آية وآية إنما هو قِصر في نظرنا.... فإذا ما أمعنّا النظر وتأملنا عرفنا العلاقة ونعِمْنا بالاتّساق يقودنا من أمر إلى أمر حتى نصل .... 🙂
فاللهمّ فهِّمنا وأبلِغنا وأوصِلنا واعفُ عنا واغفر لنا تقصيرنا ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:52:12
قوم نوح لما دعاهم نوح أجابوه أنّهم ما يرون أتباعه إلا الأراذل منهم بادِيَ الرأي...
" فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ -هود-
 أي أنهم يرونهم  اتبعوه دون بحث ولا تعقل، ولا تمحيص، هكذا بالأخذ بالظاهر 🙂 !!
عجبا !!!  🙂
عجبا لأهل الباطل وأهل الخرافة والكفر والمظاهر والسطحيّات وهم يَصِمون أهل الحق والنظر والتعقل بهذا !!
ولا أدَلَّ على سطحيتهم من تكبّرهم على أتباع نوح لأنهم "الأراذل" وارتباط الحق عندهم ب"الأكابر" ... !
ولكن لا تعجب بعد معرفتك لقولهم ممّن يقوم اليوم فيقدح في أهل الحق والبحث والتعقل فيصفهم بالمتبعين "بادي الرأي" يصِمهم بقلة النظر والبحث والتعقل... !
فمن قلة التعقل وقلة النظر يُرى "العمق" سطحا .. !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:52:32
" فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِّثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِين(27)َ" -هود-
تأملوا :
📍 أنت  بشر.
📍  أتباعك هم أراذلنا.
📍 مالكم أنت وأتباعك من فضل علينا.
📍 أنتم كاذبون .
أين قولهم شيئا عن الدعوة ؟! أين نظرهم في الدعوة التي جاء بها : "ألا تعبدوا إلا الله"  "أخاف عليكم عذاب يوم أليم"
هل سألوا عن المعنى ليفهموا أكثر ؟ هل تدبروا ؟ هل ناقشوه فيما جاءهم به مناقشة العقل للعقل ؟
بل إنّ مدار كل مقالهم حول شخص نوح وشخوص اتباعه ... أنت وأنتم ... !
هل سالوا عن الإله الذي دعاهم لإفراده بالعبادة ؟
وهكذا كلما كان الطرف الآخر متعنتا، قصير النظر، متصلبا، صاحب كِبر كلما نظر في شخص مخاطِبِه لا في خطابه
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:52:49
أي جدال هو جدال نوح عليه السلام لقومه !!
وهو كما في الآيات من 28 إلى 31
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)} [هود : 28-31]
يقول بالآتي :
📍 أنه على بينة من ربه.
📍 آتاه رحمة من عنده ببعثه نذيرا لهم لينقذهم من العذاب.
📍 فإن عميت عليهم الرحمة  ... واللفظ لو نتأمله مقابل لتكرارهم : "ما نراك"
"عميَتْ" توحي بأنهم لم يروا شيئا من الحق الذي أريد لهم أن يروه... لقد حالت أهواؤهم وحال كِبرهم دون أن يروا الحق، إذ عميت عليهم الرحمة ...
وفي قول نوح عليه السلام ما فيه من التلويح لهم أن يزيحوا أهواءهم الحاجبة، وكِبرهم الحائل دون الرؤية، وقد استعمل لذلك قوله : " أرأيتم" ... رغم أن الرحمة عميت عليهم، وما عميت إلا من الحواجب...
ثم هذا نوح عليه السلام يعلم نزوع قومه إلى الماديات حتى حقّروا أتباعه، فهو :
📍 يبين غِناه عن مالهم.
📍 لن يطرد أتباعه ويحقرهم نزولا عند رغبتهم، واتباعا لنظرتهم المادية السطحية.
📍 مواجهتهم بوصفه لهم بالجهل وهم هذه نظرتهم وهذه سطحيتهم .
📍 يبين لهم أن الله يغضب لأوليائه المتقين الصالحين وأنه لن ينصره منه سبحانه أحد وهو يسايرهم فيما يريدون ...
تأملوا قوته وثباته على ما عنده، وعدم تزعزعه وهم يسألونه غير ما أرسِل به...
مازال نوح يجادلهم ... مازال يستبق ما يريدون سؤاله إياه ...
تريدون الخوارق  لتؤمنوا ؟
تريدون الكنوز ؟
تدّعون انكم لن تؤمنوا لبشر، ولو أنه كان ملكا لآمنتم ؟
تريدون أن يُزدرَى الفقراء، وتكون لكم الأولوية في الظهور ؟
فهذا نوح عليه السلام يستبق كل هذا منهم :
📍 لا أقول لكم عندي خزائن الله.
📍 لا أعلم الغيب.
📍 لا أقول إني ملك.
📍 لن أزدري الضعفاء وأقلل من قيمتهم.
تأملوا قوته وثباته وصبره...
تأملوا ثقته بما عنده، لا يضيق صدره بما أرسل به وليس فيه مطالبهم، ولا يلبيها ...
سيثبت عليه لقرون، وهم يخرصون، ويسألون، ويتمطّون، ويكذبون... سيثبت على ما جاء به كما أراده الله لا كما يريدونه لقرون.. !!!
هكذا هو الوحي، شئتم أم أبيتم، قولوا أنه العجز عن الإتيان بمسائلكم... تراجعوا ومطالبكم لا تُلَبّى ولا تأتيكم المعجزات لتؤمنوا، ولتزدادوا تعنتا وعتيا وأنتم تحكمون على الوحي بالنقص والعجز وهو لا يأتيكم بمرادكم ولا يحقق مطالبكم...
ليكن ما يكُن منكم، لن يرضيكم النبي على حساب الوحي...
وعلى هذا يعود بنا الحال إلى آية سابقة لكل هذه الآيات... وفيها تثبيت الله لنبيه صلى الله عليه وسلم :
" فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ -هود : 12-
هكذا كان نوح عليه السلام في جداله لقومه مدرسة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلم منها لقومه ...
وهي المدرسة لكل صاحب دعوة حق إزاء دعاوى الباطل.. لا يُبدَّل القول لإرضاء المدعوّين، ولا تُختلق الخوارق ولا يُزَجّ بها زجا بدعوى التقوية والتأييد لاسترضاء أصحاب الأهواء على اختلاف صيحاتهم.. ففي دعوة الحق ما يكفيها من ظهورها بذاتها
فأي قوة وأي ثبات وأي ثقة وأي جدال بالحكمة والحق هو لسيدنا نوح عليه السلام ..  !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:53:06
مما قاله قوم هود لهود عليه السلام :
" إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ"
قال :
" إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِن دُونِهِ ۖ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم ۚ مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (56)" -هود-
إن كان بعض آلهتكم قد اعتراني بسوء، فكيدوني جميعا، أنتم وآلهتكم، ثم لا تمهلوني، بل سارعوا ونفذوا كَيدَكم ...
إني توكلت على الله ربي وربكم، ما من دابة تدب على الأرض إلا هو آخذ بناصيتها، إلا وهو قاهرها، ومذلُّها ... لا يكبر عليه كبير بأعينكم ...
آخذ بنواصيكم أيها المستكبرون المُعتدّون بقوة أبدانكم، وبضخامتكم، أيها المعتدون بما بنيتم وأعليتم ...
من جنس قوة أجسامهم العظيمة هي ذي قوة إيمان هود وتوكّله على ربه، عظيمة عظيمة !
فهيا أيها الأقوياء مجتمعون كيدوني ولا تمهلوني ... !!
إنه مثال للمؤمن "القوي"... ! وأي قوة ... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:53:28
أما قوم صالح عليه السلام فقد قالوا لصالح :
" يَا صَالِحُ قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَٰذَا ۖ أَتَنْهَانَا أَن نَّعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ" -هود : 62-
كنتَ فينا مرجوّا، ذا رأي وحكمة وتدبير.. نقصدك عند الملمّات. ونستشيرك ... كل هذا كان فيك قبل أن تدعونا لترك آلهتنا ولأن نعبد إلهك الواحد .. !
يالِلأسف ويالِلحسرة على "صالح" قبل "هذا"... ويالخسار " صالح"   بعد "هذا" .... !!
هكذا هم الناس ما أن تحدثهم بما يخالف أهواءهم حتى يستجمعوا دموعهم وحسىراتِهم وأسفهم عليكَ ليبادروك بأنك قد تبدّلتَ من حسن إلى سيئ ... ويا حسرَتَى عليك ويا أسَفَى ..!!
أما صالح. فقد عرف ذلك فيهم، ولم يغرّه مدحهم لصالح قبل "هذا" .. فهو لا يبحث عن استرضائهم والرضوخ لأهوائهم ...
فقال : "فمن ينصرني من الله إن عصيته فما تزيدونني غير تخسير"...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:53:43
صالح عليه السلام جعل يذكّر قومه نعَمَ الله عليهم :
"قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ "-هود-
ونعلم قوّتهم وعمارهم الأرض... ولكنّ إلفَ الناموس يُذهِب الإحساس في النفوس...
فهم يرون ما هُم عليه عادة جارية لا يحسبون حسابا لساعة انقلابها ....
الغرق في النعمة وإِلفُها يُنسي شكر "المنعِم"
تقديس السبب يُنسي النظر فيما وراءه، في " المسبب" ..
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:53:58
سيدنا لوط عليه السلام، كلما قرأت آياتِ قصته مع قومه، استشعرت ثقل ما كان يحمل من ألم وشدة وضيق وقومُه أخبث أهل الأرض، بل ما سبقهم بفاحشتهم أحد من العالمين ... !!
ويبلغ السيلُ الزُّبَى ونحن نعرف أنهم يهرعون إلى لوط عليه السلام ذاته وعنده ضيوفه من الملائكة... !!
وهو إذ يعلم خسّتَهم يضيق ذرعا بضيوفه ويقول :
"هذا يوم عصيب" ...
لم يكن يدري أنه يوم "الفرج".. !
يهرعون إلى مَنْ دَيْدنه بينهم نَهْيُهم عما يفعلون... !!
يهرعون إليه بقولهم : " وإنك لتعلم ما نريد " ... !
بكل وقاحة وخسة وخبث وعمى ... !!
حتى قال سيّدنا لوط : " لو أنّ لي بِكُم قوة أو آوي إلى ركن شديد " .
قالها قبل أن يسمع من ضيوفه أنهم رسل الله إليه بموعد العذاب...
فلكأني بالله عزّ وجلّ بعث إليه بالملائكة "رجالا" يريد بهم قومُه الفاحشة عنده وهو النبي الذي ما ينفكّ ناهيا منذرا حتى يعايِن مدى ما يستحق قومُه العذاب ! وحتى لا يبقى في نفسه من مجال لتمنّي الرحمة بهم...
في اليوم ذاته التقت أمنيته بأمر الله... 
فهو يوم أمر الله، وهو يوم تمنّيه أن تكون له قوة أو أن يأوي إلى  ركن شديد.. لم يكن يدري أن القوة بين يديه قد غدت، وأنه قريبا آوٍ إلى الركن الأشد...
ليست إلا ساعات فارقات ستجعله على موعد مع الصبح ... أليس الصبح بقريب ؟
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:54:18
شعيب عليه السلام دعا قومه لعبادة الله وحده، وألا ينقصوا المكيال والميزان، وأن يوفوهما ولا يبخسوا الناس أشياءهم وألا يعثوا في الأرض مفسدين ...
فماذا كان رد قومه عليه ؟
لقد قالوا :
 "يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ" -هود-
تأملوا ....
"أصلاتك تأمرك" ...
نعم ... ولكأن الذين لا يفقهون يفقهون... !
صلاته تأمره... تأمره تماما كما هي الناهية : "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"
صلاته تأمره أن يدعوهم لترك ما كان يعبد آباؤهم، ولترك نقصهم المكيال والميزان...
وهكذا هي الصلاة عماد الدين مع كل الرسل، ففقهوا -وإن كانوا لا يفقهون- أن صلاته قد أمرته بما دعاهم إليه من معروف وبرّ وخير تماما كما هي تنهى عن الفحشاء والمنكر.
وهكذا هو حال مَن "لا يؤمن" بالأمر أو الحكم وهو الحق، يواجه به خصيمه، ويقوله له متهكّما ساخرا مستهزئا ... ويوغلون مستهزئين مُردفين بقولهم : "إنك لأنت الحليم الرشيد"
ومِن هذا النسق في القول بالحق على سبيل التهكُّم قول الله جلّ في عُلاه مستهزئا بأهل النار : " وإن يستغيثوا يُغاثوا بماء كالمُهل " .
وقوله تعالى : " بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما".
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:54:33
أدهشتني كلمات شعيب عليه السلام القليلة ...
حتى مكثت مع آية واحدة ما شاء الله لي أن أمكث !! 🙂
ولا أدري إن كنت استوفيتُ حاجتي أم لم أستوفِ ... !!
لقد دعاهم إلى :
1- إفراد الله بالعبادة .
2- عدم الإنقاص في المكيال والميزان .
3- إلى أن يوفوا الكيل والميزان.
4- ألا يبخسوا الناس أشياءهم .
5- ألا يعثوا في الأرض مفسدين .
فكان جواب قومه استهزاؤهم بصلاته، وكيف انها تأمره أن يدعوهم  لترك ما يعبد آباؤهم أو أن يفعلوا بأموالهم ما هم فاعلون...
فكان ردّ شعيب عليه السلام الذي استوقفني في هذه الآية طويلا .... !
" قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" -هود : 88-
لنتأمل :
📍. لقد عرفوا منه فعلا "مُخالفا"  لأفعالهم وهو صلاته.
📍 هذا الفعل "المُخالف" منه نتج عنه دعوتهم لما يخالف ما تعوّدوه (أن يعبدوا الله الواحد بدل أصنامهم )
📍 هذا الفعل "المخالف" منه نتج عنه دعوتهم لما يخالف ما تعودوه (أن يوفوا الكيل والميزان ولا ينقصوهما).
إذن فشعيب عليه السلام "يخالفهم" ...
فلنتأمل جوابه لهم :
"قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ" -هود : 88-
إن مُنطلَقَه عليه السلام لم يكن أنه "مخالفٌ" لهم من وجه ما يفعلون، وإنما كان جوابه أنه لا يريد أن يخالفهم إلى ما ينهاهم عنه ... 🙂
ولكأني به يريد بهذا أن يؤكد على أن ما جاء به هو الأصل وهو الحق الذي ينطلق منه ليقارن أو ليضعهم في الصورة من حاله إزاء هذا الحق، وحالهم إزاءه أيضا ...
📍 لا أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه = لا أريد أن أكون على ما أنتم عليه .
📍 لا أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه = أريد أن "أخالفكم" فيما أنتم عليه .
📍 لا أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه = لا أريد أن أنهاكم عن شيء وأفعله أنا.
وعلى هذا :
1- إني أولكم اهتداء وعبادة لله ---> بقرينة :"على بينة من ربي".
2- إني أولكم استمساكا بالرزق الحسن وبعدا عن إخباثه ----> بقرينة : "ورزقني منه رزقا حسنا"
** وعلى ضوء هذه البينة الربانية فهذا ليس رأيا أراه ولا هوى يلفّ جوانبَ نفسي، ولكنه الحق بُعِثت به...
** ومادام الحق والأصل فهو الذي أريد أن تعودوا إليه.
** ولم أجئ لأدعوكم للأصل وأخالفكم بعدُ فيه.
** بل لقد جئتُ على هدى من ربي جعلني "صالحا"
** ولا أريد أن أستأثر بالصلاح لنفسي، بل لأعدّيه، فأصلح .. أريد "الإصلاح".
وهكذا لم يعلن مخالفته لهم وهو المخالف لما هم عليه، بل أعلن عدم مخالفته لهم في الحق الذي يريد أن يعودوا ويثوبوا إليه. في إعلاء منه للحق وللرسالة التي جاء بها وجعلها الحالة الجامعة بينه وبينهم قبل التطرق إلى ما يفرق بينه وبينهم، وفي بيان لباطل ما هم عليه بإعلانه دور الإصلاح فيهم ...
فهو الخطاب الإصلاحي المقرّب بين الداعي والمدعوين حتى بالألفاظ، المُظهر للحق، المبطل للباطل ... المرجع للفضل لله ابتداء بالبينة، وتوسطا بالعمل مع التوكل وتوفيق الله، وانتهاء بالإنابة له سبحانه.
فلله درّ شعيب عليه السلام ... لله درّه ... !!!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:54:51
في سورة الأعراف إذا تأملنا قول ملأ فرعون عن الأرض، مع ردّ فرعون :
"أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ "
وقول موسى لقومه عن الأرض :
"اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا ۖ إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ "
وذلك الفرق بين تفكير من يفقه أنه المستخلَف من ربه في ملكه وتفكير من يتأله فيرى الأرض ملكَه ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:55:06
{ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة : 124]
رغب بالإمامة لذريته، فأجابه العليم الخبير أن الظالمين منهم لن ينالوها، تنبيها إلى أن كونَهم ذريته ليس بالدافع الأول..
وهذا إبراهيم عليه السلام، سريعا ما يتعلم من ربه، فيدعو هنا دون أن يخصّص ذريته بالعهد والرسالة:
{رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة : 129]
فإذا الرسول نعم منهم....وأيضا من ذريته... !
إذ أنّ كَونهم ذريّته ليس بالحائل أصلا ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:55:22
وأنت تقرأ "آل عمران"  هل تراءتْ لك ملامح "التثبيت" ؟
هل تُراك تأملتَ أولها إذ يحذرنا الله تعالى من الشهوة التي تأخذ للشبهة ؟
تلك الشهوة التي إذا فاقت حدود الطبيعي انقلبت "انبهارا" بما عند الآخر، بتَرَف الآخر، برغد عيش الآخر، وما بلغه من أسباب العلوّ في الأرض، حتى يغزو الانبهار النفس، فيأخذ صاحبه للشبهة التي تؤدي في حالات كثيرة إلى التشكيك في دينه وهو يرى الأمة لا تعرف ذلك الرّفاه والترف بل تعيش مرحلة من الضعف شديدة ... !
تأمل كيف تحذّر آل عمران من هذا السبيل...
تأمل كيف نزل فيها "العلم" بالحقائق التي علم الخبير العليم سبحانه أن أصحابها الذين حوّروها وحرفوها سيأخذون بها المؤمنين، فزوّد المؤمنين بها في آل عمران...
حقيقة عيسى عليه السلام، حقيقة مريم، حقيقة إبراهيم عليه السلام...
حقيقة دعوة الأنبياء، ووحدتها... بيان باطل ما عند أهل الكتاب، وأن الحق في كتاب المؤمنين...
بيان أن الرسالة أصبحت على عاتق أمة محمد صلى الله عليه وسلم وهو سبحانه يذل من يشاء ويعز من يشاء... في إشارة إلى أن رسالة الإصلاح في الأرض قد غدت على عاتق أمة محمد، من بعد ما فشل أهل الكتاب في أدائها ...من بعد ما حرفوا الحق الذي أنزل على أنبيائهم، وعصوا، واعتدوا، وعتوا...
"العلم" الذي يجب أن يتزود به المؤمن حتى لا يزيغ، وحتى لا يتلاعب به أهل الكتاب بأكاذيبهم وتحريفاتهم...ليثبت...
ملامح التثبيت في "آل عمران" بدتْ لي واضحة جليّة ... حتى سمّيتُها "سورة التثبيت" ...
ومدرسة أُحُد، وهي تشغل قسما كبيرا من السورة ...
هل تساءلتَ عن علاقة ورودها بتفاصيلها، من بعد بيان حقائق عيسى وإبراهيم عليهما السلام، وبيان باطل مساعي أهل الكتاب، وطرقهم لتحقيق هدفهم من ردّ المؤمنين عن دينهم ... ؟
هل تساءلتَ ؟
ثم هل تساءلتَ عن الرابط بين الغزوة مع بداياتها يتخللها النهي عن الربا، وأكله، والحث على كظم الغيظ والعفو، والإنفاق، في فاصل يبدو لمن لا يتساءل عن الروابط فاصلا 🙂  ثم تعود بعدها تفاصيل الغزوة...
هل تساءلتَ عن الرابط بينها، وبين هدف السورة "التثبيت" ؟ ... 🙂
وهذا غيض من فيض ...
على هذه الشاكلة فلتكن قراءتنا للقرآن ...
وإنه لعظيم عظيم عظيم ... لو أننا نحسن القراءة ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:42:49
اليوم مع سورة المائدة ...
في قوله تعالى : " {لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ۖ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ (28) إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ ۚ وَذَٰلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (29)}
ربما من الوهلة الأولى يبدو موقف هابيل غريبا ونحن لا نراه يقابل دناءة أخيه بما يوافقها من دفع حتى وإن أودى على يديه، فإنما هابيل في موقف المدافع عن نفسه وقد أريد به غاية السوء، ولم يكن الأظلم إذ لم يكن البادئ...
اليوم تأملتها كما لم أتأملها من قبل - وإن كان هذا ديدن القرآن يغدق بالجديد في كل مرة 🙂 -
"إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار"
من ناحية كان انتقامه من أخيه المقبل عليه قاتلا، أكبر وهو يكِلُهُ ليوم الفصل والحساب، يوم العذاب المقيم ...
ولكن الجديد هو استحضاري لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيح الذي جاء فيه أن المسلمَيْن إذا التقيا بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، ذلك أن المقتول أيضا كان حريصا على قتل صاحبه...
وإننا نرى هابيل يفقه هذا، ويجسده في قوله : " ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك" ... وهو يريد أن يبوء أخوه بالإثمَيْن ... فينجو هو من النار ويقع أخوه فيها بالإثمَيْن لا بالإثم الواحد ...
لكأني بالحديث يستقرئ حادثة الأخوين الأولين على الأرض، والمسلمان المتقاتلان إنما هما الأخوان المتقاتلان ...
أو لكأني بهابيل يفقه الحديث لولا أنه الأسبق زمانا .. 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:43:09
أواخر آيات سورة المائدة، ذلك المشهد من يوم القيامة الذي يضعنا الله في قلبه، مُتمَثّلا...
ذلك الحوار بينه سبحانه وبين عيسى عليه السلام ... يضعه الله بين أيدينا، نسمع  حديث ذلك المشهد، ونعلم من أخباره...
وإنا له لمجموعون... وإنا فيه لحاضرون... وإنّا لحديثه لسامعون...
"إذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة : 110]
وكأنما الحدث قد كان وانتهى، بصيغة الماضي تأكيدا لحصوله ...
مع سؤاله تعالى  عيسى عليه السلام:
{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} [المائدة : 116-118]
إنها الآيات التي كلما قرأتها وكأنها الجديدة...
لا تبلى عندي، ولا يبهت لونها، ولا ينقضي سحرها، ولا ينقص جمالها...
آيات خاصة جدا... لن أخوض في جمالها، فذلك حديث آخر بلون آخر...
ولكنني تمثلتُ سيدنا عيسى عليه السلام ورب العزة يذكّره بنعمه عليه على الملأ في ذلك اليوم العظيم...
على مرأى ومسمع من كل مفترٍ، كذاب تأول في عيسى عليه السلام فدعاه لله ولدا...
على مرأى ومسمع من كل من ألّهه، وألّه أمه، وافترى عليه كذبا، أنه الذي دعاهم لاتخاذه إله ... يذكّره بنعمه عليه على الملأ...
تخلق "بإذني"، تنفخ فتكون طيرا "بإذني"، تبرئ الأكمه والأبرص " بإذني"، تخرج الموتى "بإذني" ...
كل هذا، وعيسى عليه السلام يسمع، والناس قائمون لرب العالمين، بين يديه يسمعون ...
وتلك الطائفة العظيمة من الناس عبر الأجيال والعصور، وكلها قد تنادت بألوهية عيسى، وبأن الله ثالث ثلاثة وبأن عيسى وأمه إلهان ...
أتمثل ذلك المشهد العظيم ...!!
ويُسأل عيسى من رب العزة، فيجيب...
إجابة عظيمة، دقيقة، مؤدبة في حضرة العلي العظيم...
صادقة ليس عند صاحبها ذرة توجس وريبة، وهو البريئ من كل ادعاءات المفترين ...
رُفع عيسى عليه السلام، ولم يدرِ ما سيفعل مَن بعده من تحريف وتأويل وتأليه وغلو في الدين...
وتعج الأرض بهم وبدعوتهم وبنسبهم كل تلك الافتراءات لعيسى عليه السلام وأنه الذي دعاهم أن يتخذوه إله ...
ويُبرّؤ عيسى على الأشهاد ... !
فأتذكر ....
أتذكر حَدَّيْن من حياته عليه السلام...
عيسى في المهد،  وعيسى المبعوث يوم القيامة والمسؤول على الأشهاد ...
وفي كليهما عيسى يُبرّأ من افتراءاتهم، عيسى في المهد وقد أنطقه الله تعالى بالحق :
"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) "
وعيسى يوم البعث وقد استنطقه الله تعالى ليعيد الحق ذاته :
"مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " .
وهذا عيسى عليه السلام ... والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعث حيا ...
وكيف لا، ورب العزة يجيبه وقد سأله فأجابه مبعوثا : "هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"
وتلك عاقبة كل من اتخذه إلها، وافترى عليه أنه الذي دعاهم لاتخاذه إلها.... مجموعون ليوم عظيم، ولمشهد عظيم تشخص فيه أبصارهم، وتُشنّف فيه آذانهم لسماعه وربه يحاوره... وقد كانوا يدينون بالباطل دينا ...
فعليك السلام يامن أُنطِق بالحق وليدا، واستُنطِق بالحق مبعوثا ... يا مَن السلام عليك يوم ولدتَ ويوم تموت ويوم تُبعث حيا...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:43:26
سورة الأنعام وما أدراك ما سورة الأنعام ... !
📍 هل تأملتها والله سبحانه فيها يُمضي أمره بأنه القادر على أن يبعث الآيات، ولكنه لن يبعث الآيات بعد القرآن...  !
فليطلبوا المَلَك المصاحب... !
فليسألوا الآيات الخارقات ... !
فليعدّوا الله وهو لا يستجيب لطلباتهم غير قادر ...!
لن ينزل سبحانه آية ... !!
لقد مضى عصر المعجزات العينية، إنهم لو أُنزل عليهم كتاب في قرطاس، بل ولو لمسوه بأيديهم ما آمنوا ....
إنّه يؤكد لرسوله أنّ الآيات لن تنفعهم وكل ما حولهم آية لو أنهم "يعقلونها" ...
لن ينزل الله آية ..... !
📍 هل تأملتَ الأنعام والله فيها يقرّ أنه لن يرسل عذابه المهلك كما أرسله في الأمم السابقة ...
📍 هل تساءلت ماذا تريد الأنعام من المؤمن؟
من الإنسان ؟
إنها تريد أن توصله بعقله ...
تلكم هي المعجزة الكائنة في الإنسان...
تلكم هي المعجزة التي تحركها معجزة ...
"العقل" يحركه "القرآن"...
يستحثه، يجعله يعمل ليصل ... ليصل إلى بارئه...
📍 هل تُراك تأملتها وهي تحض على السير، والنظر ...
"قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين "
📍 ثم تأمل الحث على النظر بالعقل حتى في الغيب !
أجل في الغيب 🙂
في يوم البعث، وفي مشاهده، وفي حال الكافرين متمثلين أمامنا وهم يخرصون بالسفه كما كانوا يخرصون سفها في الدنيا ...
هلا عقلت... هلا عقلت قبل أن يأتي يوم تتحسر على ما فرطتَ ؟
📍 تأمل كيف نُدعى للنظر بعقولنا في "البعث"..
كثير وكثير جدا في سورة الأنعام ...
كله حركة للعقل، وتحريك للعقل، وإعمال له للوصول به إلى خالقه ...
غيض هو من فيض... من فيض روعة وتفرّد سورة الأنعام ... !!
📍 رحلة للعقل في أطراف الحاضر والغيب، في ربوع العقيدة وأركانها وأساساتها ... بالعقل لا بغيره ..
رحلة للعقل وبالعقل تعرفك بربك وبطلاقة قدرته، وبالرسالة وبالرسول وبدوره وحدوده مقابل تلك الطلاقة ...
حتى "الموت"  و"البعث" تعرّفك الأنعام أن ،"تعقلهما" في كل مرة تنام فيها ثم تستيقظ ...
إنك تشهد الموت والبعث وتجربهما وأنت حيّ في الدنيا...  فاعقل ...!
تأمل ... فكلّ الأنعام دعوة للتأمل ولأن نعقل...
إنها الأنعام وما أدراك ما الأنعام ثم ما أدراك ما الأنعام ... !!
إنما ألقي شذرات... شذرات...
تلقَّفْها وامضِ في رحلة "الأنعام"... فإنها رحلة لعقلك، هو فيها الراحلة التي بها الوصول .... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:43:46
ومن "عقلانيات" الأنعام، ذلك الحوار الإبراهيمي الرائع 🙂 تلك الحجة العقلية الإبراهيمية الرائدة 🙂
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ(76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(78) "-الأنعام-
كيف كان تفاعل سيدنا إبراهيم عليه السلام في كل مرة؟
إنه تفاعل تدريجي، فهو يجاري قومَه ليخاطبهم بما يفهمون، وليجعلهم أكثر تقبلا لما سيقرّره أخيرا. ..
إنه المهتدي الذي أراه ربُّه ملكوتَ السماوات والأرض، فكان من الموقنين.
1- المرة الأولى عن الكوكب قال: "لا أُحِبُّ الآفِلِين"َ ....
2-في المرة الثانية عن القمر قال: "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّين"َ...
وهو هنا يعرّض بهم ولا يواجههم بقوله مثلا: "لأكوننّ منكم"، كما أنه ينفي أنه منهم، لأنّ الآصرة عنده هي آصرة العقيدة لا آصرة الدم، فماداموا ضالين فهو ليس منهم .كما أنه المهتدي بهدى الله، ولكنه الذي لا يستغني عن هدى على الهدى، "وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى"
3- في المرة الثالثة عن الشمس قال: "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ"...
📍 "لا أحب الآفلين"======> إنه هنا وكأنه يتّبع هوى نفسه، وإن كان هواها مع الحق، هم هنا لن يفزعوا من قولته هذه، ولن يرفضوها، فهو يصرّح عن نفسه وما تحبّ وما تكره، أضف إلى ذلك أنّ عدم حبّه للآفلين، سيُلفت نظرهم إلى أنّ هذا الذي يتخذونه إلها لا يليق أن يكون إله وهو مِن "جمع" الآفلين.
📍 "لئن لم يهدِني ربي لأكوننّ من القوم الضالين " =====> إنه من بعد تصريحه بما تكره نفسه، بدأ الآن بذكر الهدى، ومصدر هذا الهدى الذي يرتجي...
إن مصدره ربّه، فقد انتقل من مرحلة اتباع نفسه إلى مرحلة وَكْل أمرها وهداها لربّه، فكُرهُه للآفلين وإن كان سليما، وطريقا صحيحا، إلا أنه يبرأ هنا من نفسه ومن حوْلها ومن هواها، وإن كان هواها مع الحق....
إنه يبيّن أول الطريق ... أنّ المنهج الذي يهدينا هو الذي يبينه لنا ربنا وليس الذي تبينه لنا أنفسنا .
📍 "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ"=====> أما هذه المرة فهو يعلن براءته مما يشركون، من كل ما يشركون، من بعد ما أعلن براءته من نفسه،يعلن لهم صراحة أنّ هذه المعبودات إنما شركاء...
ليسوا بالقوة التي تقهر، والتي لا تغيب، ولا تأفل، ولا  تظهر عليها قوة...
وفي هذا تمهيد لإعلانه التوحيد ..
📍 براءته من الشرك هي  طريقه للتوحيد ...
والذي سيعلن عنه أخيرا إعلانا قويا ظاهرا لا يخالطه لُبس، وذلك في قوله :"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)"
📍 إنه يوحّد ربّه، ويوجّه له وحده وجهه، ويقرّ بعظيم قدرته، وأنه الذي فطر السماوات والأرض، فطر السماء التي يعبد منها قومه نجوما وكواكب، وشمسا وقمرا، وفطر الأرض التي يتخذون من حجرها ومن خشبها أصناما يعبدونها...
أما هو فيعبد ربّ هذا كله، رب السماوات والأرض وما بينهما، وقد أُرِيَ ملكوت السماوات والأرض وكان من الموقنين . "حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
ما أروع "حنيفا" هنا...!
وهو الذي أعلن مَيْله عن الشرك، مَيْله عن أهواء قومه وخرافاتهم، ميله عما ساد الأرض من شرك وكفر، ميله إلى الحق... !
وإن كان وحده بينهم فقد مال عنهم، عن باطلهم إلى الحق ..... "وما أنا من المشركين"   إنه سأل ربه أن يهديه فوق هُداه، ولم يستغنِ عن هدى فوق الهدى، فزاده الله هدى...
زاده الهدى الذي واجه به كل قومه غير آبه بما يصنعون به، ولا بما ينعتونه به، واجه أباه ،وواجه  مَلِكهم، وواجه به تكذيبهم، وصبر على تعذيبهم، حتى أمر الله النار فتغيّر فعلها فيه ...! 
عرّض لهم بدايةً أنّه لئن لم يهده ربّه ليكوننّ من القوم الضالين، غير معيِّنهم، فلما زاده الله هدى على هداه، أعلن بين جمعهم "وما أنا من المشركين".... لقد عيّنهم، ووصفهم بوصفهم. ...
وهكذا :
🌻🌻هواي وإن كان حقا لا أعوّل عليه====> بل أبرأ من نفسي وأتوكل على الله ربي وأسأله الهدى على الهدى=====>عندها لن يكلني ربي لنفسي ولضعفها وسأفصل بالتوحيد وتوجيه وجهي لله مائلا عن كل باطل إلى الحق وإن عجّ به كل ما حولي...🌻🌻
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:44:03
اليوم وأنا أتأمل سورة الأعراف، وأمشي بين آياتها الهُوَيْنى...
فأجد عقلي يلقف من هذه الكلمة سرا،  ومن ذلك التعبير سرا آخر... ومن ترابط الآية بالآية سرا، ومن تفصيل آية لأخرى سرا...
وجدتُ لذة وطعما، وحلاوة تعقد لساني، وتستوقف كل ذرة في نفسي، وتُبهتني، وتُذهلني عن الدنيا وما فيها، فلا أرى شيئا في الدنيا بأكملها يساوي تلك اللحظات... !
لحظات "أقرأ" فيها القرآن حق القراءة ...
لحظات أرى فيها القرآن يُقرأ آية فآية...
كما يخبئ معنى في الرابط بين الآية والآية، ويخبئ  آخر في الآيات تقدّم لمعنى الآيات اللاحقات، وفي الآيات تفصّل لمعنى الآيات السابقات ...
في ظاهر الآيات معنى، وبين ثناياها وطواياها معانٍ ومعان ... لن يقرأها من يقرأ الحروف ... !
عندها تذكرت المتسابقين على الختمات، المعتدّين بالعدد والعدّادات... !
فصدعت مستنكرة منتفضة مع ما يعتري نفسي من تلك الحالة التي أجدني معها في كل مرة مجددة العهد بالإيمان واليقين، أنّما هذا قول إله حكيم عليم، وما هو بقول البشر ... !
في كل مرة ينكشف لي سرّ من أسرار الكتاب، وتبرز لي ميزة من ميزاته التي تجعله الفريد المتفرّد، وتجعلني في كل مرة بين يديه أجدد الإيمان بأنه المعجزة وبأنه كلام الله لا كلام سواه...
صدعتُ ...
أي شيء هو حاصل من قراءة الحروف، واللهث خلف الحروف، وتقليب صفحات الكتاب سِراعا، وطيّ الكتاب دفّةً تنطبق على دفة ليُفتح مع مرور جديد سريع غايته الوصول لطيّ الدّفتَين من جديد... ؟!
 وهكذا ... !
تلك هي البطولة ... !!
صدعتُ، وانتفضتُ مستنكرة...
ما حصّل صاحب الختمات ؟ صاحب الطيّات تتلوها الطيّات ؟!!
ما تُراه يرى نفسه قد جنى ؟!
سألت وتساءلتُ، وكنت السائلة والمجيبة في  آن...
سيقول أنه قد حصد الحسنات، وذاك الجنى من جنّة القرآن دان... !
الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها ...
وعدد حروف القرآن يا صاح بالآلاف مع المئات مع العشرات، وضربها بعشرة الحسنة الواحدة عددٌ مضاعف الآلاف والمئات والعشرات، بعشرة أضعاف  يا صاح ... !!!
وما هذا بقليل... !!!
ونستكمل عمل العدّ والعدادات ...
ويغدو كل من سلك هذا السبيل رياضيا حاسبا، محاسبا ...
وبعد ُ .... !!
وماذا بعد ؟!
أتُراك تدري ميزانك وما بكفَّتَيْه فعملك ودأبك الحرص على كفة الحسنات ؟!!
في سباق أنت لترجّح كفة على كفة ...
كم تراه سيدوم هذا السباق ؟ سباق على مجهول ؟ على سراب ؟
أتُراك تيقنت من قبول عملك بَلَه من عَدِّه حسنة مسجلة ؟!
كم سيدوم سباقك ؟! العمر كله ؟!
ونفسك ؟!  ما أخبار نفسك ؟ ما أخبار حالها ؟!
هل فكرتَ فيها قليلا وأنت تعدّ وتحسب ؟
ستقول إنما تفكيري بها، لا بغيرها، وأنا لها أعد وأحسب لا لغيرها ...
ألهذا جُعل القرآن ؟ أللعدادات يسرّعها ؟!
أم للنفس أرضا يحرثها ويقلّبها ليخلّصها من الآفات والطفيليات والمفسدات، وليزرع وليسقي وليُنبت وليحيي ما فيها من موات ؟!
أحساب للحسنات أوقع وآكد وأقرب وأحق أم محاسبة للنفس وتغيير لما بها، وعزم على الفهم، وعلى العقل، وعلى الوعي مع كل "أفلا تعقلون ؟". ومع كل " أفلا تتقون" ومع كل "أفلا تتذكرون" ومع كل "أفلا يتدبرون" ...
اسمع واعقل.... وإني معك أسمع وأعقل ...
أفحبة دواء تُذهب الحُمّى تأخذها لحُمّى تصيبك خيرٌ وداؤك من أعراضه الحمى، لا الحمّى ذاتها ... أم دواء يُذهب داءَك لا "موْهومَ" دائك ... ؟!
ستأخذ تلك الحبة ... وستخفّ عنك الحمى إلى حين ... لتعاودك بعد ساعة حمى أشد وطأ وأكثر إيهانا ...
لأنك حاربت الحمى لساعة، ولكنك أبقيت على أصل الداء ينخر جسمك ... وتحسب أنك الطبيب المداوي وما أنت إلا المسكّن لألم ساعة يعاود أضعافا بعد ساعة ...
فدع عنك الحبة تحارب الحمى، وابحث عن دواء يُذهب أصل الداء في جسمك ...
عِش معه حياة وحركة وروحا تنفخ فيك الحياة وستكون نفسا تتحرك على الأرض بالحسنات، لا عدّادا يعدّ الحسنات... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:44:57
{قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِن قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُّرْسَلٌ مِّن رَّبِّهِ ۚ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ} [الأعراف : 75]
ذهب الملأ يسألون المستضعفين الذي آمنوا...
يسألونهم إن كانوا يشهدون على أن صالحا مرسَل حقا...
فأجابهم المستضعفون بقولهم : " إنا بما أرسل به مؤمنون"
تأملوا كيف كان جوابهم...
لقد سألهوم عن صالح، فكان حريا بهم أن يجيبوهم عنه أيضا، إذ من جنس السؤال يكون الجواب ...
كأن يقولوا مثلا : "نعم نعلم أنه مرسَل "
ولكنهم أجابوهم عن الذي جاء به ... وأنهم قد آمنوا بما جاء به ...
إنهم المستضعفون، ولكنهم أصحاب العقول السليمة التي أُعمِلتْ فيما جاء به الرسول، فتعرفوا إلى رسالته، وفحصوها، وقبلتها عقولهم ولم تُحجَب دونها، واعتنقوا ما جاء به بعد بحث واقتناع، ولم يكن شخص صالح دافعهم للإيمان، بقدر ما كانت قناعتهم بما جاء به ...
أما الملأ فكان همّهم "صالح" وإبطال دعواه، وتكذيبه من غير بحث فيما جاء به ولا فحص ...
حتى أنهم لما سألوا المستضعفين سألوا عنه ولم يسألوهم عن "الرسالة"...
فانظر إن أنا سألت إحداهنّ إن كانت فلانة حقا خياطة فأجابتني بقولها : نعم هي كذلك.
وإن سألت الأخرى السؤال ذاته فأجابتني : ياااه لو ترين فستاني الذي خاطته لي، كم أتقنته، وكم هو على المقاس والطراز ... ! 🙂
لأيقنتُ أن الثانية أكثر معرفة بها وهي التي خبِرت صنعتها ، وتملك الدليل عليها، ولاطمأننتُ أنا أكثر إن كان سؤالي عنها غرضه معرفة مدى حذاقتها لا السؤال عن شخصها...
فلنتأمل الفرق بين من يبحث بعقله فيما يعرضه فلان من الناس ليحكم على ما جاء به، وبين من يبحث في شخصه ليحكم على ما جاء به بالنظر إلى شخصه دون النظر فيما جاء به...
من أجل ذلك أجاب الملأ بَالِغين الغاية في التعنت والتصلّب  وتغييب العقل بالهوى والاستكبار : " قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنتُم بِهِ كَافِرُونَ "
وهكذا ديدنهم، النظر إلى الشخوص لا إلى المعروض..
مادمتم "أنتم"  "المستضعفون" قد آمنتم به، فدون نظر فيه نعلن كفرنا به....
بالنظر إليكم كان حكمنا عليه ...
فأي عقل ونظر هو في هؤلاء "المستضعفين"   وأي هوى وسفه هو في "المستكبرين"... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:45:40
في قوله تعالى : " قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ" -الأنعام : 50-
هكذا لقّن المولى عز وجل صفيّه صلى الله عليه وسلم أن يقول، ويعلن عن حدوده، حدود قدرته ..
📍 لا يدعي أن خزائن الله عنده..
📍 لا يدعي علما بالغيب..
📍 لا يدعي أنه ملك ..
📍 لا يتبع إلا ما يوحى إليه..
سبحان الله ... !!
عند العاقل هذا هو الذي يُصدَّق، وهو لا يدعي ما ليس له ...
وهو ينفي عن نفسه ما يسارع الكذابون على الناس من مشعوذين ودجالين لنسبه لأنفسهم ...
وهو يعلن حدود قدرته بإزاء طلاقة قدرة الله عز وجل التي تأتي بعد آيات قليلة ...
📍 فله سبحانه "مفاتح الغيب" لا الغيب وحده ..
📍 وهو القادر على أن يرسل عذابا كيفما شاء..
📍 وهو سبحانه القاهر فوق عباده ...
ولو كان كذابا لسارع لادّعاء كل هذا لنفسه..
فها هم الدجالون يقرؤون "فنجانا" ببقايا قهوته، يقلبونه لترسم القهوة هالاتها على أطرافه، فإذا الفنجان دنيا، وإذا هالات القهوة ملامح مستقبلك يا مترقبا "أقدار" فنجان !!! 😏
وها هو المشعوذ الآخر يدّعي حازما أنه الذي "زوّج" عوانسا وصيّر الزوج المتمرد طوع يمين زوجته بخلطة بين الخلطات أو بورقة تُكتب لتُغسَل فيُغتَسَل بمائها !!
وهذا آخر قد مكّن التاجر من ربح مضاعف، وفاق الطبيب الحاذق إذ صيّر العاقر ولودا  !!
وإن هذا الصدق البالغ أعلى المبالغ  لأدعى أن يُصدَّق صاحبُه عند العقلاء ... وهو ينفي عن نفسه ما ليس لها ولا يدعيه ...
وإن المؤمن لو "تعقل" لما كان للدجال من سلطان عليه، فهذا النبي لا يدّعي كل هذا، فكيف لغيره أن يدّعيه ؟!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:45:56
{خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ} [النحل : 4]
خصيم مبين ...
من نطفة من منيّ تُمنى  هو هذا الخصيم المبين ... !!
من ماء مهين هو هذا الخصيم المبين .. !
من ماء مهين كان إنسانا عاقلا مكرّما.. !
أو ليس ألدّ الخصام  مَن أُوجِد بعد إذ لم يكن شيئا مذكورا لينكر وجود مَن أوجده !
وموجة الإلحاد هي ذي تمتدّ خصاما مبينا.. !!!
فاللهم ثبتنا ..
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:46:24
هل تساءلت يوما عن سر ترتيب المصحف على ما هو عليه ؟
هل تساءلت عن سر ترتيب السور فيه على غير ترتيب النزول ؟
هل علمت أن ترتيب المصحف توقيفيّ من عند الله تعالى..؟ أي بأمر منه سبحانه ..
فهل تساءلتَ عن الحكمة من ترتيبه على هذا النحو ؟
هل تمثلتَ نفسك... بل غيرك ممن لا يعرف عن ترتيب النزول... بل ممن عهده بالإسلام قريب، فهو ينتقل بين السور، يتصفح المصحف، ويقرأ، فيعرف ما يجب أن يكون أولا في هذه السورة، ليعرف بعدها ما يجب أن يكون تاليا في السورة الموالية...
وهكذا انتقالا ...
خطوة فخطوة ... كالسبيل يُقطَع بالخطوات، فتكون عليه قُدُما خطوة تليها خطوة ...
من الفاتحة ---- إلى البقرة ----- إلى آل عمران ---- إلى النساء ---- إلى المائدة ---- إلى الأنعام ---- إلى الأعراف---- إلى الأنفال...
فهل تحسّستَ الرابط بين السورة والتي تليها من موضوع الأولى إلى موضوع التالية ؟
هل لمستَ معنى الخطوة تقود إلى الخطوة ؟
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:46:58
الآن فهمت لماذا كان عمر رضي الله عنه يخاف على الأمة كلما غنموا غنما، أو جاء بيتَ المال فيءٌ أو قسم من خيرات البلاد التي فُتحت في عهده،وقد تفتحت عليهم خيرات الأرض...حتى جعل يبكي عندما وصل المدينةَ من خيرات بلاد فارس... !
الآن فهمت مدى خوفه من العيش الرغيد و حراسته وُلاة بلاد الإسلام وتتبّعه لأحوال معيشتهم، وغضبه من الفاتحين إذا استقبلوه بلباس خاصة وهيلمان خاص...
إنه عمر... !
عمر الذي فهم القرآن، بل تربى بالقرآن وبتوجيهاته... لا شك أن عمر وهو يقرأ سورة الأنفال فهم أن التساهل مع الأمر الذي يبدو صغيرا يؤدي إلى الأكبر فالأكبر فالأكبر...
لذلك لم يكن يستسهل التسويغ ... بل ظل عمر وثبت على عمريته...
عرف من سورة الأنفال أن الله تعالى حذر المؤمنين من التمادي ... وأن الاختلاف في غنائم غزوة بدر كان يستدعي كل تلك التربيات الربانية في سورة الأنفال، وكل ذلك التأكيد على دوام الطاعة الكلية لله وللرسول، والاستجابة لله وللرسول، وعدم خيانة الله والرسول، والتخويف من التنازع، والدعوة لإصلاح ذات البين، وأن من صفات المؤمنين إيمانا حقا الإنفاق حتى لا يقع المؤمن عبدا للمال... !
نعم هو نزاع بسيط بعد نصر مؤزر من الله... ولكن لو ترك دون توجيه وتخويف وتنويه بما هو أولى وأدعى للتسابق عليه لهلكت الأمة ولذهبت ريحها ودولتها...
نعم إن الأمة التي تبحث عن تمكين وقوة وبقاء ودوام هي التي لا تستسهل أمر النزاع البسيط المنجرّ عن الشهوة، وأمر الاختلاف الطفيف...
نعم لا أشك أن ابن الخطاب قد تربّى من "الأنفال" فكان الخليفة العظيم الذي عرفت الدولة الاسلامية في عهده فتوحات وتفتُّحَ خيرات عظيمة، وعرف حق المعرفة كيف يَسُوس الناس في أعوام رخاء ونعماء...
عرف كيف يدفع المؤمنين للشكر والذكر لا للبطر والغفلة...
عرف كيف يجعلهم ذاكرين أن الأمر كله بيد الله وأنه كما نصرهم وهم مؤمنون يخذلهم وهم لاهون، عابدون للمادة، مضيّعون للأواصر والروابط الأخوية من انبهار بها يؤدي إلى نزاع عليها....
لقد قرأ عمر الأنفال...
لقد تشربها... لقد كانت دماً يسري في عروقه....أمدَّ به شرايين الأرض في عهده الفريد... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:47:18
اليوم أحسست بسعادة غامرة، وفرحة خاصة جدا ...
اليوم أُثلِجَ صدري..  🙂
كنا نتفكر في آيات من سورة يونس...
سعدت وقد تعوّدْن التفكر، والتدبر...
فرحت وأنا أسمع منهن ما يُنبي عن فهم، عن تعقّل، عن تفكر ....
لم يَعُدْن يمرُرْن بالآيات مرور الكريم المسلّم، بل مرور الماكث، المتسائل، المقلّب لوجوه المعاني ... !
مرور الذي يريد أن يقطف ثمرة، لا مرور الذي يريد أن يؤدي دوره بقراءة كيفما اتفق، وكيفما كان ...
"قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُم مَّن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ ۚ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ ۗ أَفَمَن يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لَّا يَهِدِّي إِلَّا أَن يُهْدَىٰ ۖ فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" -يونس : 35-
"أمّن لا يهِدّي إلا أن يُهدَى "...أمّن لا يَهتَدِي إلا أن يُهدى،
من الأحق بالاتباع ؟
الذي من خصائصه الهداية، أم الذي ليس من دوره لذاته، لنفسه أن يهتدي إلا أن يهديه الهادي، فكيف أن يكون هاديا ؟!
من الأحق بالاتباع، الهادي أم الذي لا يهتدي إلا أن يُهدى ؟!
ومشينا بين أفياء الآيات المواليات، وشيء في نفسي يحدّثني أن صمتَها مع استغراقنا في الآيات ليس بالذي تعودتُه منها، ليس بالذي هو من عادتها... 🙂
لقد كنت أستأنس بتعقيب منها، بملاحظة، بتفكر تُدلي به وهي تعيش الآيات وبُعدها وعمقها وتصويرها، تتتبّعها وتحلّق في سمائها...
حتى بلغنا قوله تعالى :
"وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)" -يونس-
عندها نطقت ْ ... 🙂
كنت أعلم أن صمتهايخبئ شيئا ...
قالت لي : منذ قرأتِ الآية وفيها مَن الأحق بالاتباع الهادي أم الذي لا يملك حتى أن يهدي ذاته ... وأنا أسقط على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أراه الذي لا يملك أن يهدي، وأنه الذي لا يهتدي إلا أن يُهدى، وأنا أتساءل، فكيف يكون منا اتباع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وصفاته هي تلك ؟!
كانت تقولها وهي التي لا تجرؤ على الصدع بها، تومئ لي بها إيماء، كبرتْ عندها كلمة، حتى جعلت أدفعها لقولها دفعا، وأشجعها عليه ...
تهللتْ أساريرها، وهي تقول لي : لقد وجمتُ أتساءل عن هذا، حتى أجابني الله تعالى ... 🙂 الآن في هذه الآيات المواليات وجدت شفائي ...
قالت : "أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون ؟ "
ها هم كانوا يسمعونه، ولكنهم لم يكونوا يسمعون الحق... كانوا بين يديه، وكانوا يسمعونه، ويبصرونه، ولم يكونوا يهتدون ... !
إذ لم يكونوا يعقلون ...
الآن فهمت ... هذا رسول الله وهذا الحق الذي جاء به بين أيدينا، فمن شاء "عقله" فسمع الحق، وأبصر الحق، ومن شاء سمعه وكأنه لا يسمعه، وأبصره وكأنه لا يبصره ...
نعم إنه الذي لا يهدي، والهادي هو الله سبحانه، واتباعه إنما هو اتباع "تعقل" لا اتباع عن عمى ... الاتباع عن عمى لا يعطي ثمرة الهداية الحقة، هو الإسلام بالوراثة...
أما الذي أراده الله فهو الذي يعقله المؤمن، يتعقل ليدركه، ليبصره وليسمعه ، فيتمكن من النفس تمكنا، ولا يكون الورقة في مهب الريح ...
هل أغنى عنهم أن سمعوه، فما سمعوه بعقولهم، وأن أبصروه فما أبصروه بقلوبهم ؟!
وهل يغني عنا اليوم اتباع بلا تعقل ؟! هل يكون الهدى الراسخ الذي لا يتزعزع ؟!
فرحتْ ... وهي التي وجدت الله يجيب تساؤلها من آية إلى آية ...
وفرحتُ أنا أيما فرح ... وهي تعقل القرآن... وهي تنشغل بآية فتستوقفها، وتتساءل فلا تهنأ حتى تجد جوابها... تجد شفاء غليلها ... 🙂
أجل لقد عمل "المخّ" مع جارحة السمع فسمعوا، ولكن لم يعمل "العقل" مع السمع، فلم يسمعوا الحق ...
ولقد عمل "المخ" مع جارحة البصر فأبصروا، ولكن لم يعمل "العقل" مع البصر فلم يبصروا الحق ...
فرحت بها اليوم... ولم تكن غاية العطاء والفضل من الله الكريم ... 🙂
بل تأملنا الآيات حتى ذُكر بالسِيّ السيُّ ...
فجئت على أمر الإلحاد والملحدين، والموجة التي تجتاح بلاد الإسلام وشبابه... فقلت لهنّ أنني أرى هذا من المحن التي تحمل منحا كبيرة ...
إذ لا محالة هناك من يهلك ويضيع دينه، ولكن هناك من الشباب من سيسأل، ويبحث حتى يصل، وإنما هو الوصول الذي نريد في شباب ترسخ العقيدة في نفوسهم فلا تتزعزع ... إذ لن يكون إسلامهم إسلام الوراثة بل إسلام "التعقل" ...
عندها نطقتْ أخرى وقالت :  فليسألوا، فليبحثوا، القرآن، الدين من القوة والكمال بحيث لا يخاف سؤال السائلين ... بل سيجدون الإجابات التي يريدون ...
لن يخشى الدين سؤالهم... بل سيحتويهم وسيشفيهم ...
عندها هلّلت، وانبلجتْ أسارير نفسي قبل أسارير وجهي ....
وأنا اليوم أنعم بالتفكر، والحكمة والتعقل يلقين بها كلها ...
ولم يكن هذا غاية الفضل منه سبحانه... 🙂
بل لقد ثنّت الأخرى فقالت : إني أراني أعرف نفسي بعقل خُلقتُ... ولكنني لم أكن أستخدم عقلي قبل الآن... كيف كنا نقرأه ؟!! أين كانت عقولنا ؟ ... كيف شُلّت عن الحركة ؟! 
وأردفْن يؤيّدنها ... 🙂  أن نعم لم نكن نعقل قرآننا ... ويالخسار ما كنا عليه !
حتى قالت الأخرى : لقد ظلمونا، كانوا يحثوننا إذا حثونا على حفظ آياته، ولم يكونوا يحثوننا على تدبره بعقولنا ... !
ثم قالت أخرى : يالهذه الحركة !! يالهذه الحياة تدبّ في جنبات هذا الكتاب ... فنرانا فيه، فنتمثلنا في الدنيا، كما نتمثلنا في الآخرة وكأننا في يومها ... !!
أجل اليوم سعدتُ، وأثلجن صدري... 🙂
وأحسست بالحياة تدب في النفوس، وبالحركة تدب في العقول ... وباستشعارهنّ للحال التي يجب أن تكون مع القرآن .... 🙂
لقد تعوَّدْن .... تعوّدن على العيش مع الآيات والكلمات والمرامي... تعوّدن على التساؤل، وعلى التفكر، وعلى الانشغال حتى انبلاج نور الجواب الشافي ... تعوّدن على معايشة القرآن ...
فلله الحمد والشكر والمنة .... 🙂
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:47:43
وأنا أراجع شيئا كتبته في مجمل قوله تعالى :
{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76) قَالَ مُوسَىٰ أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ ۖ أَسِحْرٌ هَٰذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78)} [يونس : 75-78]
وجدتُني كتبت :
إن في الدين حريّةً تُسترجع للعقل...للإنسان...
إن فيه تخليصا من العبودية للعباد، وذلك ما يخشاه المتجبرون في الدين ... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:47:59
في قوله تعالى : {قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ} -يونس:80-
لنتأمل دعوة الله لنبيَّيْه عليهما السلام بالاستقامة وبألا يتبعا سبيل الذين لا يعلمون...
ألا يبدو غريبا أن يُدعى النبي للاستقامة وهو من هو ؟!
وأن يُدعى إلى عدم اتباع سبيل الذين لا يعلمون ؟!
لنتأمل "الذكرى" و "التذكير" ...
ولنذكر بالمقابل دعوة إبراهيم عليه السلام وهو يرفع القواعد من البيت هو وابنه، فيقول : "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم"...
وهو النبي الأمة القانت لله رجاؤه الأوحد أن يتقبل الله منه ... بينما لا ينشغل العاديون من البشر بقضية القبول ... !!
ولنتذكره وهو يثني على ربه سبحانه فيما يثني، فينسب إليه سبحانه الأمر كله، حتى إذا بلغ نفسه وصفها بالذنب بإزاء نعم الله عليها : " وهو الذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين"
ولنتذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يجيب عائشة وقد أنكرت عليه أن يشقّ على نفسه بالقيام مصليا وهو الذي غفر له ربه ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قائلا : " أفلا أكون عبدا شكورا"
عندما نسمع من الأنبياء هذا التواضع لله، نتعلم ما يجب أن يكون عليه حالنا نحن مع الله تعالى..
وعندما نسمع توجيه الله لأنبيائه وتذكيرهم بالاستقامة والثبات ...
كل هذا منطقيا وعقليا من دواعي التأسي بالأنبياء، لا من دواعي القول : "ولكنهم الأنبياء أين نحن منهم ؟! "
كل هذا يؤكد بشرية الرسل، وأن هذه البشرية فيهم عليهم الصلاة والسلام هي ذاتها البشرية فينا، وعلى هذا لم تحُل بشريتهم دون كونهم رسلا كما كان المشركون يحاججون تخرّصا، ويعجبون أن يكون البشر رسولا ...
بل إن بشريّتهم هي الدافع الأكبر لتأسّينا بهم ...
فنبيٌّ يقر بالذنب، ويقر بطمعه في مغفرة الله له، ونبي لا يرى نفسه أجزى ربه شكرا، ونبي يدعو الله وغاية رجائه أن يتقبل الله منه...بل وتذكير من الله لنبيه أن يستقيم وألا يتبع سبيل الضالين !!
ولأن سورة يونس مدارها حول حكمة الله تعالى من جعل البشر رسولا مقابل تعجب الكافرين من أن يكون البشر رسولا، فلنتأمل كيف جاء فيها التوجيه الرباني لرسله :   "استقيما" "لا تتبعانّ سبيل الذين لا يعلمون"
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:48:13
{مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ} [لقمان : 28]
ما خلق الناس جميعا عنده سبحانه إلا كخلق نفس واحدة !
وما بعث الناس جميعا إلا كبعث نفس واحدة ... !
سبحانك ... وعزّتك وجلالك وعظمتك ما قدرناك حقّ قدرك ..... !!!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:48:26
نوح عليه السلام نطقت فيه الأبوة مرّتَين...
مرة حينما دعا ابنه : " يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ" .
ومرة بعدما رست السفينة وقد حال الموج بينهما فدعا ربه بشأنه :
"رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ" .
وكأنما أبوّته حالت دون أن ينتبه لقوله تعالى له :
 "احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ ۚ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ"
"إلا من سبق عليه القول" لقد استثنى الله من أهله مَن سبق عليه القول ...
إلا أن "الأبوة" في نوح غفلت عن هذا الاستثناء، فجعل يبحث لابنه عن مخرج ... !
وضمنيا في دعائه هو منصاع لأمر الله، وذلك وهو يختمه بقوله :"وأنت أحكم الحاكمين"
وسرعان ما آب... سرعان ما استغفر ...
"مشاعر الأبوة "  حتى في النبي برزت وعلتْ... !
فسبحان من زرع بقلوب الآباء والأمهات هذه المشاعر الجياشة ... !! هذه الرحمة الإلهية المتجسدة فيهما ...!!
ربّ ارحمهما كما ربياني صغيرة ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:48:46
القرآن الكريم يعجّ بالصور، بالحركة، بالحياة ...
من لم يقرأ القرآن بهذه الحياة، فاته من روح القرآن الكثير الكثير ... إن لم تكن قد فاتته كل روحه ... !
فإذا الأمواج كالجبال والسفينة في عرضها بسم الله مجراها كما أن بسم الله مرساها ... !
والأب ينادي ابنه، ولا عاصم من الماء إلا رحمة الله، فإذا الموج وهو كالجبل بينهما حائل ... وهو الذي حسب أن الجبل عاصمه من جبال الماء !!
وإذا لوط وضيوفه، وقد سيئ بهم ...
ولكأني بلوط عليه السلام وقد ساءه وفود رجال على بيته وهو يحسبهم لا يعلمون بسيئات قومه وسوئهم، وبفسادهم ...
ومنها إلى ضيقه بهم ذرعا .. 
ولكأني به يضرب كفا بكف، ويغمّه التفكير وما من تدبير ... !!
وإذا الأمر به يشتد ويشتد حتى يبلغ السيل الزُّبى، فينطق بقولته : "هذا يوم عصيب" ... !!
ولكأني بقومه الخبثاء وهم يتدافعون على بابه ... يقتحمون عليه بيته، وبكل صفاقة ووقاحة وعمى يذكرون حاجتهم الخبيثة ومرادهم المقلوب للنبي الذي دعوته فيهم ليل نهار أن يتركوا الفاحشة ويثوبوا إلى رشدهم ... !
عنده  ... يفعلون ما يفعلون .... ! ولا يبالون !!
أي همّ هو همك يا سيدنا لوط ... ؟!!
وخطوات قليلة إلى داخل بيته حيث ضيوفه، سيجد لوط قوّته التي تمنى لو كانت له بهم، وسيجد الركن الشديد الذي إليه يأوي ... !
لكأن المشهد أمامي مااااثل ....
وهم يسألونه أن يسري بأهله بقطع من الليل وألا "يلتفت" والصبح من قطع الليل قرييييب ....
وأراه يسري... فقط يسري كما أُمِر ... ولا يلتفت ...
فإذا عاليها أسفلها، وإذا أسفلها عاليها.. تماما كما قلبوا، قُلِبت عليهم ...
وإذا المطر وعادته وصفته ماء، يغدو نارا مسومة تصيب القوم بأسمائهم ... !!
كأني أراها وقد قُلبت، وقد أحرق أهلها بمطر النار !!!
والصبح قرييييب .... !! قريب من لوط وممّن معه ..
وما أُهلك قوم لوط، إلا وقد بُشِّر إبراهيم بإسحاق ويعقوب ...
فهنا هلاك، وهناك بشرى...
وهنا "قوم" مُهلَكون معذَّبون... وهناك غلام عليم مُبشَّر به ...
فالقوم بعددهم كلا شيء .... والغلام وحده أمة قادمة للإيمان الذي لا يموت ولا ينتهي على الأرض وجوده ... بل يولد مع كل حامل للوائه ..
صور... صور... حركة، حياة ... حياة تنبض هي صفحات القرآن ... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:49:18
سيدنا زكريا عليه السلام كان كلما دخل على مريم المحراب وجد عندها رزقا ..
"قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ" ...
📍 تحيّر سيدنا زكريا، ودُهش من رزق وجده عندها ليس لها ولا لغيرها يد فيه ... فسألها : أنّى لك هذا ؟... أي كيف لك بهذا ؟..
وهو النبي المصطفى الموقن، الذي يعرف طلاقة قدرة ربه حقّ المعرفة، ويعلم علم اليقين أن ربه على كل شيء قدير...
هو النبي المحدّث من السماء... سأل وقد تحيّر من خرق "الأسباب" ... وتجاوزها بمشيئة مسبب الأسباب..
تساءل وقد رأى تجاوزا لما تعوّد من قانون الأسباب...
حتى أجابته مريم ... وهي الأخرى صاحبة اليقين .. أجابته أن الله يرزق من يشاء بغير حساب ...
هنالك ... !! عندها ...!!
عندما رأى ما رأى وسمع من مريم ما سمع ... وهو النبي المحدث من السماء يتعلم من مريم الصديقة فيهرع يدعو ربه ...
"فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ "
استجاب له ربه فور دعائه .. بشّره من فوره ...
ولكن .... !!
📍 هذا سيدنا زكريا عليه السلام للمرة الثانية يسأل...
يسأل بالصيغة ذاتها : "أنى يكون لي غلام ...؟
ولم يكتفِ بهذه الكلمات، بل لقد فصّل ...
فصّل حاله من الكبر وحال زوجه العاقر..
هذا الوضع ... فكيف يُتجاوز ويُسمح بحدوث ما لا تتيحه الأسباب  ؟!
وهو النبي الذي يعلم علم اليقين طلاقة قدرة ربه، وهو قبل قليل قد تزوّد مع زاده من مريم ... يتحيّر فيسأل ... يسأل بموجب ما عرف وتعود من الأسباب ... وهو يرى ما يتعداها ويتجاوزها...
📍 ثم هذه مريم التي أعلمها ربها أنه قد اصطفاها وطهرها واصطفاها على نساء العالمين ... الراكعة الساجدة القانتة لربها، الموقنة بقدرته...تلك التي أماطت عن زكريا حجاب الحيرة من رزقٍ أتاها بلا سبب ...
هي ذي ...يبشرها ربها بكلمة منه، عيسى بن مريم وجيها ومقربا ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ...
ولكن ... !
هي ذي تسأل ... !!
تسأل بالصيغة ذاتها التي سأل بها زكريا : "رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ ...
ولم تكتفِ بها كلمات، بل قد فصّلت بذكر السبب الغائب ... : " ولم يمسسني بشر "..
ذكرت الأسباب... أبدت حيرتها من خرق قانون الأسباب... وهي مَن هي في القرب والاصطفاء ... !!
ورب العزة في عُلاه لم ينكر على أحدهم سؤاله، بل أجابهم ...
هم أولاء صفوة من عباد الله المقربين الأخيار ... يعترفون بالأسباب، وبسريانها، وبكونها القانون الساري والعادة الجارية التي تُعرف بها مسالك الحياة ...
هم أولاء لا يخفون حيرتهم، ويتساءلون، ويسألون وهم يخاطبون ربا يوقنون بقدرته على كل شيء، وهم أهل المعجزات، وهم المحدثون من السماء ...
وهم الذين كُشفت عنهم حُجُب وحُجُب .. !!
بينما سرعان ما يصدق البشر العاديون(المسلمون) بالخوارق في عصر تجاوزته المعجزات ... وسرعان ما يلغون دور الأسباب ... أهل هذا الكتاب العظيم الذي احترم العقل، فخاطبه وأقنعه بالحجة ...
وليتهم... ياليتهم تساءلوا كما تساءل الأنبياء... وكما تساءلت الصديقة أم النبي وهم الأولى بألا يسألوا، ونحن الأولى بأن نسأل ... !!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:49:35
سيدنا إبراهيم عليه السلام لما أخبره ربه أنه جاعلُه للناس إماما .. من فوره فكر بذريته ... قال : ومن ذريتي..
من فرط ما أحب أن تكون الإمامة إلى الخير، إلى الإسلام في ذريته من بعده...
من فرط حرصه على بقاء الدعوة إلى الله من بعده ...
من فرط استحقاقه لتلك الإمامة التي تُعلي أمر الله وكلمته في الأرض كان تمنّيه بقاءها بعد موته ...
ولكن ردّ الله تعالى كان : لا ينال عهدي الظالمين ..
كان تعليما لإبراهيم عليه السلام أنّ الإمامة ليست تشريفا فينالها ابن الإمام وإن كان ظالما ...
كانت ضمنيّةَ أن من ذريته من سيكون ظالما .. فليس انتسابه لأب إمام يخوّل نيله لعهد الله تعالى ... !
ولكن ... ! بالمقابل لا يصل الأمر أن يُحرَم العهدَ من ذريته من يكون له أهلا ..
نمشي الهُوَيْنى مع الآيات ...
"وَعَهِدْنَا إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ "
فها هو إسماعيل عليه السلام ينال العهد ... !
ثم ها هو مع أبيه النبي عليهما السلام يرفعان القواعد من البيت، ويدعوان بأن يتقبل الله منهما... ثم :
"رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ128 رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ 129"
إنهما يدعوان الله تعالى أن يجعلهما مسلمَين له ومن ذريتهما أمة مسلمة ... وأن يبعث فيهم رسولا منهم ...
وقد كان ... !
كان أيضا من ذريته من استحق نيل العهد...
إذ لم يكن من الظالمين ..  وكانت له الإمامة المستحقة ..
لنتأمل كيف دعوا سويا أن يجعلهما الله "مسلمَين" ومن ذريتهما أمة "مسلمة" .. وأن يبعث فيهم رسولا يدعو للإسلام ...
وهذا هو النسب الحق وهذه هي الرحم... "الإسلام"..  وله تكون الإمامة ...وهؤلاء هم من استحقوا العهد ...هؤلاء الذين لم يظلموا ...
أما من قال منهم ظالما كاتما شهادة الحق أن إبراهيم كان يهوديا أو نصرانيا وأن إسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانو هودا أو نصارى  ... وأنْ كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ... وأنه لن يدخل الجنةَ إلا من كان هودا أو نصارى ...
فأولئك الذين لم يستحقوا العهد ...
أولئك الذين ظلموا فاختلقوا غير " الإسلام" ... وافتروا على إبراهيم غير الإسلام ... بل افتروا على الله كذبا أن دعا أنبياؤه إلى غيره...
حتى برّأ الله نبيه من افتراءات "الظالمين" الذين لم يكونوا أهلا لعهد الله : " مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَٰكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
وقال سبحانه: " وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ تَهْتَدُوا ۗ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
وقال سبحانه : " وَقَالُوا لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَن كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ۗ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِين * بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ "
وقال سبحانه :"أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ ۗ قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ ۗ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ "
"من أظلم" منهم أولئك الذين علّم الله إبراهيم عنهم وهم من ذريته، أنهم من ظلمهم لن ينالوا عهد الله ... ! وقد كانوا... وكان ظلمهم بادعائهم على أنبياء الله غير الإسلام وغير الدعوة إليه...كما كان من استحق العهد والإمامة صلى الله عليه وسلم مع من استحق.. فكان إمام المرسلين...!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:49:51
{ وَقَالَ الْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ }
إننا إذا تأملنا وعيد فرعون : "سنقتّل أبناءهم ونستحيي نساءهم" ...
ذلك هو فعلك يا فرعون في قوم موسى من قبل ... ألم تقتّل أبناءهم خوفا ممن سيهدد ملكك ؟! 🙂
وها أنت ذا تعيد وعيدك أمام من سلم ونجا وهو ذا يهدد ملكك...! 🙂
على الأقل قد فعلتَها قبلا توجسا من منامك... سلاحا أشهرتَه بوجه القدر ...لئلا يكبر ذاك الولد .. فما أفلحتَ وما أغنى حَذَرك ...وها هو الولد ذا ماثل بين يديك وما تقدر يا فرعون عليه ..!!
أما اليوم فستقتّل أبناءهم من جديد خوفا ممّن ؟! 
أمِن ولد جديد يكبر ؟!!
ما حزرتَ يا فرعون ... ! وأنت من هول ما أصابك وما تحقق وكنت تحسب نفسك قد حلتَ دون تحقّقه.. تعيد طريقك البائس... 🙂
لقد كبر الولد يا فرعون ... !! ولقد أُيِّد بقوة خير الماكرين...
ولقد غدا القائدَ والمستنهِض.. ولم يعد لك من سانحة لتحقق وعيدا لم تحققه من قبل وقد كانت الطريق أمامك ممهّدة  ... !
إنهم من هول خسارتهم يعيدون طريقهم الخاسر يحسبونه المنجاة .. !
وسيكبر الولد يا كلّ فرعون !! سيكبر الولد ... وستتهدّد وستتوعّد ... ستسلك طريقك البائس ذاتَه... ولن تفلح يومها يا كلّ فرعون............. إذ سيكبر الولد......... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:54:14
من نفحات الأحاديث

في بيعة العقبة الأولى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه : "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوا في معروف... "
دقيقة أعجبتني عند الحافظ بن حجر العسقلاني وهو يقول في اقتصار رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنهيّات دون المأمورات "لا تشركوا" "لا تسرقوا" "لا تزنوا" ....
يقول : (((والحكمة في التنصيص على كثير من المنهيات دون المأمورات أن الكفّ أيسر من إنشاء الفعل، لأن اجتناب المفاسد مقدّم على اجتلاب المصالح، والتخلي عن الرذائل قبل التحلي بالفضائل )))  انتهى.
أقول ..
لقد كانت مرحلة أولى مع الأنصار رضوان الله عليهم، كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم تمام الحكمة وكمال التبصّر باختياره الألفاظ والصيغ اللازمة لهذه المرحلة ...وهم جُدُد مع الدعوة، تلزم معهم "التخلية" حتى يُفسح بعدها للتحلية ...
وهذه كلها -لو تأملنا- أفعال كانت معروفة في الجاهلية ... فكان النهي عن إتيانها أسبق وأولى من الأمر والتكليف ...
صلى الله عليه وسلم ... يعلمنا بحكمته السامقة كيف ننتقي الأسلوب المناسب حسب الحالة، كما يعلمنا المرحلية والتدرج ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:55:29
قالت عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كان قرآنا" ...
فهل اكتفت ؟ 🙂
لا... لم تكتفِ ... بل قالت : "كان قرآنا.... يمشي... "
فهل اكتفت ؟  🙂
لا... لم تكتفِ... بل قالت : " كان قرآنا يمشي... على الأرض"
لقد كانت أريبة ... فاهمة ... يمشي على الأرض ... لم يكن مجرد شعائر تؤدى مجردة ... بل كان حركة، وحياة وتفاعلات وسعيا في الأرض وعلى الأرض...
لم تُكبر رضي الله عنها أن تصف القرآن بالمشي على الأرض 🙂 ولو كنا نحن لأكبرنا ... ! لأن القداسة تقرب في فهمنا من أنها التي لا  تُمسّ، ولا تُشغّل حتى لما جُعلت له ... !!
فهمٌ هو فهم الذين لا ينزلون المفاهيم منازلها... فهم الإبعاد ... فهم الإقصاء عن الحياة ... كيف لا ... وهو الذي يشيع وضعه في المآتم وكأنه جعل للمَوات ولم يجعل للأحياء... !!
يمشي على الأرض ... لا ليخبّأ باسم التقديس .. ولا ليوضع عند الموت لعدم فهم أنه للحركة وللحياة...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 07:56:06
كلما جاءت قصة تبشير الملائكة المرسلين لإبراهيم عليه السلام بالغُلام العليم .. والتعريج منه على لوط عليه السلام ...
شعرت بانتعاشة في روحي .. وأنا أتأمل الجمع بين ميلاد "غلام" عليم وبين إهلاك "قوم" عاصين عادين ...
في سورة الحِجر ... يأتي ذكر توعّد الشيطان بغواية الناس أجمعين إلا عباد الله المخلَصين... ويردّ الله سبحانه بوعيده الحق للغاوين ليملأنّ جهنم منهم أجمعين ...
تليها مباشرة قصة البشرى "بالمولود" العليم، وإهلاك "القوم" الفاسدين ....
لا يؤُدُه سبحانه ... لا يؤده أن يُهلك أقواما بقضّهم وقضيضهم ويُحيي غلاما عليما... وإنها للبشرى بالواحد بإزاء الإهلاك للكثيرين ...
الحق ليس العدد... الحق ليس الكثرة ...  !
وذاك الواحد العليم ذاتُه في موقع آخر من القرآن الكريم : "وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ" -هود : 71 -
فهو العليم مِن ورائه العليم ...
لن يضر أمرَه سبحانه هلاكُ العدد... أمرُهُ حيٌّ لا يموت ... بل يحيا مع الواحد يحقّق موعوده بإتمام نوره ... وحتى مَن يُصنعون على عين ذلك الواحد العليم ليس العددُ منهم مقياسا وأساسا لإتمامه ... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:29:40
فرعون سأل موسى عليه السلام آية وهو يقول له :"إِن كُنتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ"، فلما أتاه موسى عليه السلام بآيتَيْ العصا ويده، وصمه بالسحر...!!
إنّ هذا لدَيْدَنُ المصرّين على الباطل، يرون الحق بأعينهم ويتيقنون أنه الحق، ولكنهم على ضلالهم يصرّون لحاجات في أنفسهم، أولها السلطان في الدنيا، والمال...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:30:04
{بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [يونس : 39]
خطيرة هذه الآية....
هذا عن حال المشركين، وكيف كذبوا بالقرآن من غير ان يتدبروه ويفقهوا معانيه، وينتظروا تأويل (أي تفسير) وتفصيل أحكامه من رسول الله صلى الله عليه وسلم....
فماذا عنا اليوم ؟!!! والشائع حفظ الحروف بلاتدبر أو تفكّر....
أليس هذا ما جعل كثيرا من الشباب سريع التأثر بالشبهات التي تُلقى؟!!
الحكم على الشيء فرع من تصوره...
أليس البعد عن التدبر والتفكر، والمدارسة من عوامل الحكم الجائر من ابناء الإسلام على الإسلام، ومن كثير من أبناء الأمة على القرآن... ؟!!!  ومن كثير من ابناء الأمة على السنة وهي الشارحة للقرآن.. ؟! المفصلة لما أجمل فيه؟!!!
أليس من عوامل مسارعتهم للاستجابة لطعن طاعن او تشكيك مشكك ؟!!
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:30:24
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57)" -يونس-
خطاب لجميع الناس، أن قد جاءتهم موعظة من ربّهم، والموعظة هي النصح بما ينفع، والتحذير مما يضر...
وإذا تأملنا فإن خصائص الدواء كذلك، إذ فيه النفع وإبعاد الضرر، وكذلك حال القرآن، وهو الطبيب يصف للمرضى الدواء، وكل الناس مرضى صدور إلا أن يهديهم الله بهداه، كما تمرض أجسام كل الناس ولا ينجو أحدهم من علّة قد تصيبه...
وما دور الدواء النافع إلا أن يشفي العليل ويكون فيه الشفاء، فكذلك القرآن دواء شاف، ولكن شفاءه لما في الصدور، وليس شفاء علل الأبدان، وما في الصدور هي علل النفس التي يتكالب عليها الهوى مع الشهوة مع الضعف البشري، مع الزلل البشري، مع ما يوسوس به الشيطان ليوغر به صدر الإنسان على ربه ...
أما "الهدى والرحمة"  فإنما هما للمؤمنين خاصة، الذين مالت أنفسهم للدواء، واطمأنّت له، فاستعملته، فكان الشفاء والبُرء...
فإذا حصل الشفاء  كان "هُدى التوفيق" الذي هو حظ المؤمنين خاصة، "هدى للمتقين"... هو الهدى الذي يأخذ بيد المؤمن في درب الحياة من توفيق إلى توفيق ومن تزكية إلى تزكية، ومن مرتقى إلى مرتقى حتى تحصل له بذلك الرحمة، الرحمة التي تصاحبه في الدنيا والآخرة، رحمة بالقرآن ترفق به في كل أحواله، وتصاحبه في كل خطواته، حتى تصبح المُلازم الذي لا يغادره وإن غادرت الروح الجسد، بل تتبعه في الآخرة ليصير رحمة أخروية وقد كان الرحمة الدنيوية...
وعلى هذا فإن :
** الدواء متاح لكل مريض-----------> مجيئ القرآن موعظة للناس كافة.
** والشفاء حاصل لكل من استعمله-------> بداية الاهتداء.
** أما الهدى والتوفيق إلى الصحة الكاملة----> فذلك إلى أهله من المستمسكين بالدواء الواثقين بفاعليته، العائدين إليه عند كل مُصاب، وهم المؤمنون الثابتون المستنيرون بهدي القرآن.
** والرحمة تمام الحماية والعناية والرعاية الحاصلة لصاحبها المستمسك بذلك الدواء الشافي----> التفضل من الله تعالى برحمة القرآن على عباده المؤمنين في الدنيا والآخرة.
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:30:48
خواطر 2016

[/color]

لننظر إلى قرآننا وهو يخاطب العقل، يحاجج بالعقل، يبيّن بالعقل، ويدحض بالعقل...

في سورة يونس من الآية 38 إلى الآية 44  قطاع من الآيات فيه يحاجج الله في صدق القرآن، ويعلّم نبيه صلى الله عليه وسلم كيف يحاجج الكافرين المكذبين فيه ...
"أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(38)"
لقد قال المشركون أن محمدا صلى الله عليه وسلم قد افترى القرآن من عنده، أي اختلقه، من أخيلته، ومن تأليفه ...
فها هي المجاراة ...
إذن فإن كان افتراه، فلتفعلوا ما يعزّز قولكم، ويوثّقه، ويزيده قوة، هيا فإن هذا الذي قلتم عنه مفترٍ تعلمون علم اليقين من لبثه فيكم عمرا أنه الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب، فلتحاولوا أنتم أن تفتروا كما افترى، هاتوا افتراءكم مع من أردتم أن يكون لكم في ذلك ظهيرا من أهل القراءة والكتابة والفصاحة والشعر والبيان، هيا يا أهل اللغة!
افتروا، فإن كان الأمي قد افترى، أفلا تقوَون مع كل من يقرأ ويكتب ويتفصّح أن تفتروا؟! لا شيء أسهل من ذلك عندكم يا أهل الكلام والبيان، إن كان ادعاؤكم افتراؤه -وهو الأميّ- حقيقة ...
أي أن الله تعالى علم نبيه صلى الله عليه وسلم أن يطالبهم بالبرهان "هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين"، فليس أسهل على أهل الكتابة والقراءة أن يفتروا إذا كان عندهم من لم يقرأ ولم يكتب قد افترى ...
إنها المطالبة بالبرهان بأقوى طريقة، طريقة المتيقن من حق عنده لا يُقارَع، ولكنه لا يمنع من يستطيع المقارعة أن يفعل، يفتح له الباب على مصراعيه، دون شروط، يترك له الحريّة، يُفسح له فلا يقيّده بشروط، بل يطالبه بأن يأتي ببرهانه مع المظاهرين الذين يختار ويحب....
ها هي الفسحة لعقولكم، فهاتوا التعقل من عقولكم ...
1- هذا أمي لا يقرأ ولا يكتب قد افترى.
2- وهو وحده بلا ظهير قد افترى.
3- وأنتم يا من تتقنون القراءة والكتابة والبيان والفصاحة افتروا ما افتراه.
4- أنتم مجتمعون والجماعة أقوى على الإتيان بما لا يأتيه الواحد، فهاتوا ما عندكم.
ثم في الآية الموالية:
"بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ(39) وَمِنهُم مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُم مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ(40)"
إذن فحقيقتهم، أنهم لم يكذّبوا بشيء عرفوا ما فيه، وأحاطوا بعلمه، فقاسوا، وفكّروا، واستدلّوا، وأسقطوا فعرفوا أنه الباطل فرفضوه، بل إنهم أصلا لم يعلموا عنه شيئا...بل إنهم فوق عدم علمهم، لم يصبروا على فهم  وبيان ما استعصى عليهم فيه، بيانه من رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم.
1- لم يعلموا.
2- لما يأتهم تأويله : لم يصبروا حتى يأتيهم بيانه وتفسيره.
العلم + الفهم = الحكم الصحيح
العلم + عدم الفهم = الحكم الخاطئ
عدم العلم + عدم الفهم = الحكم الخاطئ
أن تعلم ما فيه دون أن تفهمه نقص، ومدعاة لحكم خاطئ، فوجب العلم مع الفهم لإصدار الحكم السليم من العقل السليم.
فلننظر إلى المحاججة بالعقل !
سبحان الله ....
كثيرا ما نتأمل في آيات القرآن الألفاظ المشتقة من "عقل" لنعرف مخاطبة القرآن للعقل،  ولا نبحث كثيرا في سائر سياقات وتعبيرات القرآن العظيم ... وهي وإن لم تحوِ من تلك المشتقات كانت خطابا للعقل، وخطابا بالعقل ...
ثم :
"وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِيءٌ مِّمَّا تَعْمَلُونَ(41) "
وإن بقي حالهم هو التكذيب  من بعد :
1- طلب البرهان + 2- الدعوة إلى العلم + 3- الدعوة إلى الفهم
فما عليك أنت يا "محمد" إلا أن تتبرأ وتعلم أنهم  مع ما طولبوا به وهُم على حالهم لم يعد ينفع معهم، إن عقولهم قد سُكّرت عن التعقّل ...
أما الآيتان المواليتان :
وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ(42) وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ(43)
الأصم العاقل بإمكانه معرفة الحق، والأعمى ذو البصيرة بإمكانه أن يعرف الحق،
أما أصم بلا عقل وأعمى بلا بصيرة .... أنّى له أن يعقل ؟!!
فلنتأمل قرآننا، ولنبحث في كل خطاباته، وإن لم يكن فيها من مشتقات "العقل"، أو "الفكر" أو "التدبر"، نجد مجالات شاسعة تخاطب العقل، وتبيّن بالعقل، وتدحض بالعقل ....
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:31:45
كثيرا ما يُخطئ مَنْ لا دراية له بمدى اتساع وامتداد اللغة العربية ورحابتها، وتنوّع استخدامات أدواتها، ودلالة الكلمة الواحدة فيها على أكثر من معنى، فيحسب أنه القادر على تفسير القرآن حسب ما يفهم...
بعيدا عن حقّه في التدبّر، بل واجبه في التدبّر، والذي لا يكون على أساس متين إلا إذا أحاط بالمعنى السليم للكلمات، فإنّ محاولة التفسير الذاتيّ للقرآن من غير ما إحاطة بمعاني الكلمات ودور الأدوات قد تأتي مشوّهة، مفتَعَلة، متكلّفة لا تحمل روح المعنى الصحيح، ولا تؤدي المُراد من الآيات، بل إنّ هناك من يطوّع القرآن لمقصد يريد هو الوصول إليه بليّه لعنق اللغة قبل عنق الآية...
وسأضرب مثالا واحدا، أراه يدلّل كبير دلالة على وجوب التحرّس قبل الاعتداد بالفهم الذاتيّ دون تأسيس على فهم صحيح لمعاني الكلمات، ولمواقع الأدوات وأدوارها...
"قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ الْغَنِيُّ ۖ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ(68)" -يونس-
قوله سبحانه "إِنْ عِندَكُم مِّن سُلْطَانٍ بِهَٰذَا ۚ  "  لو أُرخِي العنان للفهم الشائع لدور "إنْ" لقصرها مَن قصرها على أنها أداة شرط، بينما "إِنْ" في اللغة العربية ذات أدوار لا دور واحد ...
وها هنا هي نافية، وليست شرطية ...
"إن عندكم من سلطان بهذا" معناها: ليس عندكم من سلطان بهذا الذي تقولون، ما عندكم من سلطان بهذا الذي تقولون، أي لا دليل عندكم على تقوّلكم وافترائكم ...
🎀إنْ النافية : حرف نفيٍ بمعنى ( ما ) مبنيٌّ على السكون لا محل له من الإعراب ، تدخل على الجملة الفعلية والجملة الإسمية ولا تؤثر فيهما في الإعراب.🎀
 دخولها على الجملة الفعلية من مثل قوله تعالى : "إن أردنا إلا الحسنى" أي ما أردنا إلا الحسنى
ودخولها على الجملة الاسمية من مثل آية سورة يونس أعلاه ...
أما أدوار "إِنْ" الأخرى:
🎇 فهي "الشرطية" من مثل قوله تعالى "وإن عدتم عدنا"
🎇 وهي "الزائدة للتوكيد" وتأتي لتأكيد التعبير وتقويته، في مثل قولنا: "ما إنْ أنهيتُ دروسي حتى اطمأننتُ "
🎇 وهي "المخفَّفة من إنّ" وغالبا لا تعمل عملها فيما بعدها، بمعنى أنها لا تنصب الاسم الذي بعدها كفعل "إنّ" في اسمها...  واللام التي تأتي بعدها تسمى "لام الفارقة"  دورها التفريق بين "إنْ" المخفّفة و"إنْ" النافية، وذلك في مثل قوله تعالى : "إنْ هذانِ لَساحران".
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:32:01
في قوله تعالى :{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76)} [يونس : 75-76]
لقد استكبروا أولا...
فرعون وهو ملك مصر، وملؤه وهم حاشيته المقرّبة من ذوي الجاه والمكانة...
فرعون هو الذي استخفّ قومه، واسترهب فكرهم حتى كان يحثهم على الاستدلال على ملكه بالأنهار تجري من تحته، وهو يستنكر عليهم بقوله : "أفلا تبصرون" ...!
استكبر لما جاءه موسى وهارون بآيات الله حتى ادّعى الربوبية بقوله: "أنا ربكم الأعلى"...
واستكبر حتى ادّعى الألوهية فقال : " ما علمت لكم من إله غيري"...
أما عندما جاءهم الحق من عند الله، بالبينات الساطعة المفحمة، وعندما عرفوا أنه الحق، ولم يبقَ لأهل اللجاج وقد أفحمهم الحجاج، وزهق الباطل اللجْلج بالحق الأبلج...
لم يجد أهل الاستكبار إلا أن يقولوا : "إن هذا لسحر مبين"...
والسحر أخيلة تصوّر الباطل حقا...
هكذا ألقوا بصفة السحر على الحق ينفذ للعقول من منافذها، ويملك القلوب من عروشها...
وهكذا حال من استرهب العقول والأفهام، واستبدّ بمفاتيحها وبمغاليقها، يفتح منها لنفسه ويغلق منها لما عداه ... فيقلب في تصوّرهم الحق باطلا، فيرونه كذلك... ويقلب الباطل حقا، فيرونه كذلك... إي وربي، فإن المفاتيح والمغاليق بيد السجّان لا بيد السجين...!!
عندما تُغتصب العقول، فتفقد حريتها، تصبح كالعبد بيد سيّده لا حركة إلا لما يحب، ولا سكنة إلا لما يبغض...
يصبح كاللعبة بيد صاحبها، مِطواعة ليده، إن شاء التهى بها، وإن شاء خبأها، وإن شاء أظهرها، وإن شاء مزّقها إربا إذا تملكته السآمة منها والملالة...
والمستكبر إذا أُفحِم باطله بحق... صار دَيْدَنه -كما وصف ابن عاشور- التدرج من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبيّة...
فهو شنشنة المغلوب عديم الحجة الذي قهرته الحجة وبهره سلطان الحق...
نعم من استكبار ، إلى بهتان مبعثه الشعور بالمغلوبية... هكذا هو ديدن المستكبرين، المستعبدين للعقول...
وإن لزماننا هذا لفراعنَتَه المتعالمين أو الآسرين بالعبارات الرنانة  الذين يقلبون الحق باطلا والباطل حقا لكل مَن أسلمهم عقله..
فليت شعري... لا حق ليد أن تمسك بمفاتيح عقلك ومغاليقه إلا يدك... فافتح للحق ينفذ... وأغلق دون الباطل يُمسك... ولا إله عليه إلا الله، ولا رب له إلا ربنا...الله...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:32:16
"قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ(77)" -يونس-
وأخيرا... هذه هي حقيقتهم، إنه خوفهم وفزعهم وهلعهم من هذا الذي جاء ليبيّن تهافت ما كانوا يتّبعون من خرافات ومن أهواء، ومن سفاهات....
إنه خوف المتسلط، خوف صاحب الجاه، خوف السلطان على سلطانه ....
فيصوّر أن موروث الآباء قداسة لا تُمسّ ولا يُؤتى عليها، وليت ذلك الموروث هو الحق موروثا، بل هو الباطل، والخرافة والكذب والافتراء من وحي الهوى...وإنه التعلّل بقداسة ما لا قداسة له والحقيقة أنّه مُرادهم من الاستئثار بالسلطان ...
ولكأنّي بهم وهم يعلّلون بـ "وتكون لكما الكبرياء في الأرض" يعلمون أنّ لهذا الحق قوة تجعل من أتباعه أصحاب سلطان في الأرض...
إذن فإنهم قد انتقلوا من 1- "استكبروا"  إلى 2- بهتان الذي غُلب بالحق "إنّ هذا لسحر مبين" إلى 3- نطقهم بحقيقة حالهم "وتكون لكما الكبرياء في الأرض" ....
 "ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُواْ وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ(75) فَلَمَّا جَاءهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هَـذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ(76) قَالَ مُوسَى أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءكُمْ أَسِحْرٌ هَـذَا وَلاَ يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ(77) قَالُواْ أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاء فِي الأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ(78)" -يونس-
وإنّ لهذا الخوف القديم الجديد سببه الواحد... الخوف على سلطان الباطل والجَور في الأرض من سلطان الحق والعدل فيها ...
إنّ في الدين حريّة تُسترجع للعقل الذي سُلِبها...
إنّ فيه تخليصا من العبودية للعباد، وذلك ما يخشاه في الدين المستعبِدون المتجبرون...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:32:36
في قوله تعالى :  "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) " -يونس-
قصة عظيمة هي قصة موسى عليه السلام عند خروجه بقومه...!!
وإنك إذا لملمتَ أجزاء القصة المنتشرة في آيِ القرآن الكريم من سور مختلفة، لغدتْ أمام عينيك وكأنها المتمثّلة بشخوصها، وأدواتها، وحركاتها... وبتفاصيلها...
فتجدكَ في قلب المغامرة، في قلب الحدث، وكأنما انتقلتَ إلى زمانهم، وإلى مكانهم، فالبحر من أمامك، والعدوّ من ورائك ....
وإنّ قلبك ليرجف وليهتزّ هلعا، وخوفا على مصير موسى وقومه، في لحظات حاسمة، خطيرة، مصيريّة ....لحظة لا يتبيّن فيها المصير أإلى خير ونجاة، أم إلى هلكة وفوات ...!
تجدُك مع الآيات تُسلط الضوء حينا على موسى، وعلى أتباعه حينا آخر، ولا تنفكّ مراقبا لفرعون وجنده، ويدك على قلبك المنخلع خوفا من مصير خطير مُحدق....!
إن الآية التي بين أيدينا من سورة يونس، تبيّن في إيجاز مُنجز مُعجز، كيف أن الله تعالى جاوز ببني إسرائيل البحر، وكيف أتبعهم فرعون وجنوده، وكيف أدرك الغرقُ فرعونَ ....
إنها لكلمات معدودات تصف الحدث، لتنتهي إلى مصير فرعون، وحاله وهو يغرق...
ولكنّ الجوامع التي بين يديّ تشوّقني للتفاصيل؟ فهل لي أن أعرفها ؟!
لسائل يقع على هذه الآية، ولم يقع على غيرها أن يسأل: تبدو قصة فريدة، فهل من تفاصيل؟
ولمن يبحث، ويجول بين حنايا القرآن أن يأتي بها شافية وافية كافية .... 🙂
لقد خرج موسى بقومه خفية عن فرعون وشيعته، ليلا على حين غفلة منهم : "فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23)" -الدخان-
فلنتأمل...
إنّ موسى عليه السلام لما خرج ليلا بقومه، ممتثلا لأمر ربه، لم ينجُ من اتباع فرعون له، ولكنّه بالمقابل قد نجا نسبيا، نجا بأن قطع بقومه طريقا بلّغهم شاطئ البحر، نجا بالقدر الذي جعل بينهم وبين فرعون وجنوده مسافة لها دورها وإن لحقوا بهم... وإن اتبعوهم...
والقرآن يومِض في عقل السائل والمتتبّع للتفاصيل، بمفتاح جديد ...
وذلك في قوله تعالى : "فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ(60)".... لقد أتبعوهم مشرقين... وبين الليل والإشراق مسافة، لا بدّ أن لها دورا ...لا بدّ... وإن اتبعوهم ...
إنه الإشراق... إنها الشمس تُسفر بجدائلها عن انقضاء الليل، وابتداء يوم جديد...
أتراه سيكون جديدا مشرقا في حياة بني إسرائيل، أم تُراه سيزيد إلى ظلمتها ظُلمة ؟؟!!
أين سيذهب موسى بقومه؟ أين يفرّ بهم والبحر من أمامه والعدوّ من ورائه ؟!
أمِن أمل  في لجّ الخطر المُحدق؟! 
إنني لأراني أعود القهقرى... قليلا إلى الوراء... إنها عودتي وحدي إلى الوراء، ذلك الوراء الذي فيه كل الوبال على بني إسرائيل، وإن هلاكهم لفي خطوة واحدة إليه ....!!
أما أنا فعودتي إليه لنتأمل... 🙂
لنتأمل دقة الكلمات القرآنية، ودقّة مواضعها ...
لنعرف تصديق القرآن بعضه بعضا..."فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ" ...
"إنكم متبعون" مؤذنة باتباع فرعون لهم، إنه سبحانه قد أعلم موسى مع أمره بالخروج ليلا، أعلمه أنهم متّبعون... ولا بدّ أن من شأن هذا أن يحثّ في نفس موسى عليه السلام الأخذ الأقصى بالأسباب، فلا يُستبعد أنه قد كان القائد المسرِّع لقومه، يوازن بين التخفّي والإغفال من جهة، وبين تسريعه قومه من جهة أخرى...
وإن لنا أن نتخيل خطورة هذه المغامرة على موسى وهو قائد لكل قومه، فإما بهم إلى نجاة ومَنعة، وإما بهم إلى هلاك ولوعة...!! هلاك لو خُيّروا وهم يُحدَّثونه لاختاروا بقاءهم  على ذلّهم وعبوديتهم...!
ولكن... ماذا سبق كل هذا ؟؟
🎇 لقد سبقه توكّل بني إسرائيل على الله ... "فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا"
🎇 لقد سبقه دعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للظالمين وأن ينجّيهم "رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
🎇 لقد سبقته قيادة موسى قومه أولا إلى الصلة بالله قبل أن يقودهم إلى النجاة "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ "
🎇 لقد سبقه دعاء موسى عليه السلام على فرعون وملئه "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ"
🎇 ولقد سبقه أيضا إعلام الله نبيَّيْه أنه قد أجاب دعوتهما "قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا "
🎇 ولقد سبقه امتثال موسى وهاورن عليهما السلام لأمر الله تعالى بالثبات والاستقامة "فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ"
لقد كان كل هذا من قبل، لنكون اليوم قُبالة هذه المشاهد الحيّة، في غِمار هذا الحدث العظيم، هذه القيادة الرائدة لموسى، والبحر من أمامه والعدو من ورائه ...!!
إننا لا ننفكّ نلتفت إلى الوراء، حيث فرعون وجنوده...
لا ننفكّ نرقب تحركات ذلك الظالم المتجبرّ المتكبرّ المتألّه، وهو وجنوده يلحقون بموسى عليه السلام وأتباعه ....
إن الضوء مُسلط الآن عليه ... 
تُرى ألَحِقَ بالقوم ليناديهم ويُسمعهم صوتا حمائميا مسالما، وليبثّ عهود الأمن والأمان، وليوادعهم ويحفظ لمملكته قوما لطالما سخّرهم لخدمته، ولخدمة ملكه ... ولطالما كانوا عبيده وطوع إشارة من بَنانه وأمر من لسانه ...؟!!
ها هو القرآن، يفصّل، ويُبين، فلا يترك لقائل أن يتقوّل بغير حقيقة الحال، من الآية ذاتها التي بين أيدينا "فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً"...
ظلما وجورا، وغاية في الاعتداء، وتماديا في الجبروت، وإسرافا في التألّه ...!!
فأيّ جرم اقترفه من غادر أرضه ووطنه، مفرّطا بحقّ من أعظم حقوقه، منقلعا من جذوره، لائذا بالفِرار...؟!
أي جرم اقترفوه وهم إذ يفرّون، يهيمون في الأرض على وجوههم، لا يدرون أيّها مأواهم، وأيها ملاذهم ...؟!
لقد حكمهم بغيا وعدوا، واتبعهم وهم فارّون بغيا وعدوا ....
ماذا تُراه سيفعل موسى؟؟
إنه الإشراق، إنه الصبح، إنه العدوّ يتبع، وإنه على آثاره وآثار قومه، لا يغادر...لا يرجع.. لا يَني ....
وها هو القرآن مرة أخرى يومِض، ويضيئ حجرات مظلمة في العقل السائل ...
ها هو الضوء من هناك يأتي بمفتاح جديد... بحبكة من حبكات هذه القصة، لتتلاحم كلها، فتنتج مشهدا متكاملا، متناسقا...
لقد أوحى إلى موسى ربُّه، لقد علّمه ما يفعل ..."وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى(77)" -طه-
فموسى عليه السلام يعلم أنّ عليه ضرب طريق يبس في البحر ... ذلك كان عنوانا... ولكن! كيف سيضرب لهم هذا الطريق؟؟!
لقد بلغت قلوب بني إسرائيل الحناجر، حتى قالوا وأعينهم ترقب العدوّ من خلفهم يلاحقهم، "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "....
عندها ردّ عليهم موسى بيقين العبد المتوكّل على ربه، الواثق به عظيم الثقة، وبهدايته إياه ....
"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)"-الشعراء-
يوقن أن ربه سيهديه، سيعلّمه الطريقة، سيُجليها له .... تيقّن أن معه ربه... "سيهدين"
ليأتي بعد يقينه، وبعد كلماته الموغلة في الإيمان بمعيّة الله،  بفاء العطف التي تفيد السرعة في الإجابة والهداية.... "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)"
فضرب البحر... فانفلق... فكان كل فرق كالطود العظيم...
فاءات ثلاث متعاقبات دلّت كلها على سرعة في التعليم والهداية، وسرعة في العون والكفاية ....
فيجاوز الله ببني إسرائيل البحر، (في آيتنا هذه) .... ويتبعهم فرعون وجنوده، ولكنّ هذا الاتباع، هو اتباع على الطريق اليبس الذي مُدّ في البحر، اتباع على ذات الطريق الذي لم يكن لعقل أن يتخيّله في البحر مُمَهّدا للخطوات ...!  اتباع على الطريق الذي ما فتئ بنو إسرائيل يفرحون به خلاصا حتى فوجئوا بالعدوّ عليه يقتفي الخطوات ...!
إن الخطورة ما تزال مُحدقة .... كيف لموسى أن يدفع هذا الخطر المُلازم ؟؟!
إن الأمر سيّان ففرعون وجنوده يستطيعون إدراكهم واللحوق بهم، بل إنهم على خطاهم على يبس البحر ...!!   أيضرب موسى في البحر مرة أخرى بعصاه ليعود بحرا بلا يبس؟؟
الحلّ هنا... غير بعيد .... إنه مع أمره موسى  أن يسري بالقوم ليلا، قد علّمه ما يصنع بالبحر !!
"فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)" -الدخان-
على نسق أمره سبحانه له باتخاذ السبب، مع بيان اتباعهم له رغم اتخاذه السبب، يُعطَف قوله تعالى : "وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ"
إنه الأمر مع النّذارة، يليه الأمر مع البشارة ...
لا تفكر في حلّ جديد لينقطع الطريق على فرعون وجنوده، اترك البحر على حاله، جبالا مائية يتخللها اليبس ... اتركه رهوا، إنهم جند مُغرقون ...
سيتكفل الله بإرجاع البحر لسُيُولته ...أجل لقد تكفّل سبحانه بذلك ....بإرجاع البحر لأصل حاله، مع نجاة كل قومك، وإغراق فرعون وكل جنده ...
لقد أطبق الله جبال الماء عليهم فأغرقتهم .....
وتلكُم كانت نهاية هذه القصة العظيمة .... 🙂 بمشاهد متحركة حيّة ... بأضواء مُسلطة على كل موقع... بحبكات منتظمات انتظام الخرز في سلسلة متّسقة منسجمة لا يفرّقها فلل، ولا يشوبها ثَلم...
وهذا هو القرآن يفرّق الأخبار بين ثنايا السّور لتجتمع في مشهد حيّ  متحرّك محتبك متكامل لا تُداني جماله أروع وأحدث ما تصوّره تقنيات وصناعات البشر...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 08:59:25
اختُبِر المؤمنون بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته...
كان ذلك يوم "أُحُد" حينما أشيع قتله...
وقد كانت لله حكمة عظيمة في ذلك، وإنه صلى الله عليه وسلم يوم مات، كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه مثبّت الأمة، فكان اول من تذكر تلك الآية بالذات التي نزلت عقب "أُحُد"....فتلاها على المسلمين وأحب الناس إلى قلبه مسجّى...
تذكر ذلك الامتحان من الله للمؤمنين : " {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ۚ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا ۗ وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} [آل عمران : 144] -آل عمران-
أفتنقلبون على أعقابكم إذا مات ؟
والصديق رضي الله عنه نفسه هو الذي أقام حروب الردة على من انقلب بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم....
لقد فقه الامتحان بموته، وامتدّ فقهه وفهمه له فعلا على الأرض، فثبّت الأمة ساعة مات حقا، وثبتها وأنقذ الإسلام ساعة انقلبوا على أعقابهم بعد موته...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:00:11
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

إن قضية الإحياء والحياة لمَدارٌ من أهم مدارات سورة البقرة ..
سورة البقرة هي سورة المنهج... المنهج الذي أنزله الله لعباده ليحيوا به...
منهج حيّ مُحْيٍ، منهج جاء للحياة...
🌺 فهذا فيها أول التشريعات سَوقا، تشريع القصاص "ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون" والحفاظ على النفس أول مقاصد الشريعة.
🌺 وهذا ثاني التشريعات سَوقا تشريع الحفاظ على المال، "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم إذا حضر أحدَكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين"  وهو ثاني مقصد من مقاصد الشريعة.
🌺 وهذا تشريع الحفاظ على العقل بورود أول تحريم للخمر "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما"
والتشريعات... ثلاثتها تؤكد مقاصد حفظ النفس والمال والعقل، وكلها أدوات للحياة...
للحياة بمنهج الله تعالى...
إنها سورة تبين أن الإنسان خُلق للحياة، لإعمار الدنيا، لتحقيق الاستخلاف فيها، الاستخلاف بتطبيق أمر الله في الأرض، بتطبيق منهجه المُحيي...
حياة القلوب بالإيمان، وحياة العقول بالحركة والعمل...
وإنّ من يزرع مفهوم مجافاة الدنيا بزعم الزهد فيها إلى الحد الذي تنصّل فيه المسلمون من مسؤولية الاستخلاف والإعمار لهو واحد من أهم الجُناة على روح الأمة، وعلى حركتها وعلى عقول أبنائها وهم قد غدوا يرون النظرة إلى الآخرة نظرة تُحيّد الدنيا من قاموس مفاهيمهم...
حتى تركوا الاختراعات لأهل الدنيا !!
وتركوا العلم لأهل الدنيا بزعمهم !!
وتركوا الخوض في مجالات الحياة لأهل الدنيا !!
أما المسلمون فهم أهل الآخرة وما لهم في الدنيا وحركتها من خَلاق !!
مفهومٌ نكص بالإنسان المسلم على عقبيه، فغدا يستروح بابتغاء الآخرة من حَرّ هجره لحركة العقل وعمل العقل عنده...
وأصبح يستأنس بالخرافة والكذبة ويستسهلها زيادة في الاسترواح والراحة... !!!
أجل فنحن أهل الآخرة..... !! فأميتوا العقل يا أهل الآخرة، فإنما هو نافلة الوجود ...!!
أما سورة البقرة فهي سورة المنهج الذي جُعل للحياة... وهي من هذا الرمي الذي رُمي به الإسلام وتشريعه براء براء...
فيها يدعو الله إلى ذكر الدنيا لا إلى نكرانها : " ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار"
سورة تبين أن حرمة النفس عند الله أشد من حرمة بيته، وأشهره الحُرُم ...
سورة تستحث العقل، وتحترم العقل، وتخاطب العقل...
سورة أتت أول ما أتت على قصة الاستخلاف، وأن العقل في الإنسان معجزة جعلت آدم يتعلم الأسماء كلها... بل وينبئ بها من لا يعلمون...
ولنأخذ عيّنة من عينات مخاطبة العقل في هذه السورة، وإن كانت بهذه العيّنات لعامرة ...
تلك القَصَص الثلاث المتواليات فيها ..
قصة إبراهيم عليه السلام مع النمرود، ثم قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، ثم قصة سؤال إبراهيم عليه السلام ربّه أن يريه كيف يحيي الموتى..
جاءت ثلاثتها مشتركة في قضية الإحياء والإماتة والتي هي بيد الله تعالى لا بيد غيره، هي خصيصة الله سبحانه...
فهي لا تأتي نشازا عن سياق الآيات السابقات من السورة، بل تأتي تأكيدا لأهمية قضيّتي الإحياء والإماتة...
الإحياء اتساقا مع إحياء القلوب بنهج الله، وإحياء العقول باستحثاثها على العمل ..
فأما إبراهيم عليه السلام مع النمرود...
فإنه لما عرف فيه طغيانا جعله يتأله ويدّعي ما ليس له: "أنا أحيي وأميت"، لم يتمادَ إبراهيم عليه السلام معه في موضوع الإحياء والإماتة، لم يبرّر له، لم يشرح له اختلاف ما يعتقده إحياء من نفسه عن إحياء الله، ولا اختلاف ما يعتقده إماتة من نفسه عن إماتة الله، لم يسترسل معه في هذا الموضوع، بل لقد غيّر وجهته، لقد وجّهه إلى موضوع سواه... إلى قضية أهون من قضية الإحياء والإماتة ...
لقد عرف ما يفعل بمَن كان تفكيره بهذا التحجّر، علم أنّ الأخذ والرد معه حول الموضوع ذاته مضيعة للوقت بلا جدوى... فخاطبه بما ناسب تفكيره، أفحمه، سأله، طلب منه ...
إن كنت ترى أن قضية الإحياء والإماتة بيدك، فهاكَ ما هو دونها، فلتأتِه ... "إن الله يأتي بالشمس من المشرق، فائتِ بها من المغرب"  يا من تدعي أنك تحيي وتميت، إن هذا لأهون عليك ... فائتِه !!
فبُهِت الذي كفر ........... !! لقد أفحِم ... أفحِم بسؤال أن يأتي ما دون ما ادّعى فعله وإتيانه ...
دروس في مخاطبة العُتاة ... دروس في إفحامهم بالحجة العقلية، بالذكاء المُفحِم، بطريق هو الأقصر للغاية المرجوة ...
وأما الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها، فلنتأمل، فإذا الله تعالى يحترم العقل، يسدّ الثغرة على التساؤلات، وعلى التشكيكات...
يميته مائة عام، ثم يحييه، ثم يسأله عن ملبثه، ليكتشف الذي ظنّ أنما لبث يوما أو بعض يوم، أنه قد لبث مائة عام ...!
ولكن سيقفز سؤال من يسأل ... !  أنّى للرجل أن يستيقن أنه لبث مائة عام ؟؟ أنّى له ذلك وطعامه وشرابه لم يتسنّه ... أليس له أن يستريب في ذلك ؟
إن الله تعالى قد ترك فسحة للعقل السائل، للعقل الذي لا يرى الحقيقة حقيقة إلا بالدليل...
فكان دليله حماره ...!
أراه الله قبالة عينيه كيف ينشر عظام حماره عظما تلو عظم، ثم كيف يكسو العظام المجمّعة لحما، لقد زوّده بالدليل الذي عقِلَه ... الذي طمأنه، الذي أعطاه اليقين ...
إنه سبحانه يعلّمنا احترام العقل، وهوسبحانه يحترمه، ويزوّده بما يُشبعه وبما يجعله يوقن بالحقيقة، ويسلّم بها...
وأما في قصة إبراهيم الأخيرة وهو يسأل ربه أن يريه كيف يحيي الموتى ...
فقد لقي طلبه القبول من عند الله، ولم يلقَ الصدود، ولم نعرف طعنا من الله في إيمان إبراهيم عليه السلام، وهو يسأل ...
وهو سبحانه إذ سأله: "أو لم تؤمن"  نعلم نحن علم اليقين أن الله يعلم ما بقلبه، يعلم إن كان مؤمنا أو غير مؤمن، ولكنه يسأله ليبلغنا نحن جواب إبراهيم عليه السلام :"بلى ولكن ليطمئن قلبي"... ولنتعلم أن السؤال الذي النية من ورائه الاطمئنان مُباح، وغير مُنتَهَر صاحبه .... بل الإجابة هي حلّه ...
وأجابه ربّه ... وأمره أن يأخذ أربعة من الطير، ثم يصرهنّ إليه، ثم أن يجعل على كل جبل منهنّ جزء ....
لقد تساءلتُ ... لماذا لم يجعل الله سبحانه بيده تلك الطيور على الجبال على عين إبراهيم ؟؟ لماذا لم يفرّقها سبحانه عليها بيده، لماذا ترك ذلك لإبراهيم ؟؟
إنه ليترك لعقل إبراهيم أن يعقل، وأن يذكر ما فعل بيده، وليشهد على فعله، وليطمئنّ عقله لفعل نفسه، وإنه سبحانه العظيم  العزيز الذي لا يُغلَب ولا يُقهَر .... فلتفرّق يا إبراهيم أطراف الطيور كما شئت أن تفرّق، كما شئت أن تفعل، كما شئت أن تصعّب لتطمئن، فاجعل رأس هذا شرقا واجعل أطرافه غربا، وباعد بين أطراف الطير الواحد كما حلا لك أن تباعد ... ولتعقل، ولتذكر ما فعلتْ يداك، وليكن عقلك عليك شاهدا،.... فإنّك وإن فرّقتَ أكبر تفريق، فإن الله تارك لك، ليدك أن تفعل ... لأنه العزيز الذي لا يغلبه شيء....
ثم ليكن منك الدعاء، لا شيء غير الدعاء .... فإذا كل طير بين يديك ساعٍ ... كما سيعقل عقلك، وأنت الذي فرّقتَ وأنت الذي تعلم جيدا كيف باعدتَ، وإلى أي مدى قد باعدت بين الأطراف الت غدت ساعية بين يديك....
إنها تلك الفسحة التي يتركها الله للعقل ليعمل، ليتيقن... ليطمئن باليقين ... يقين يأتي من عمل العقل الحر...
نعم إنها عيّنة من عيّنات مخاطبة العقول، واحترام العقول، وتعليم العقول أن تعمل، وأن تسأل، وأن كيف  يقع من عملها اليقين .... 
يعجّ القرآن كلّه بهذه المخاطبات، وبهذا الاحترام الفريد للعقل، وبهذا اليقين الذي هو جَنى عمل العقول....
فأنّى لأهل القرآن أن يزعموا أنهم أهل الآخرة وحدها، وأن الدنيا وإعمارها وعلومها لأهل الدنيا، وإنما نحن أحياء على شفير الموت، بل موتى على شفير الموت....!!!
إن القرآن براء من زعم كل زاعم، ونعق كل ناعق بهذه الدعاوى الكاذبة ...
بل إنّ كل ما فيه صون للعقل، واستحثاث له على العمل، ودفع له ليُحيي الأرض قاطبة بنهج محفوف بتمام حاجة الإنسان الروحية والعقلية على السواء، وفي هذا قد بخس كل من أعطى فلم يحط بالحاجَتَيْن حينما نأى أهل عطاء الحاجتَيْن عن دورهم !
نهج لن يعرف الإنسان حاجته إلا فيه، ولن يستوفيها إلا منه ...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:00:34
كدأب السور في القرآن الكريم، سورة تقدم لسورة، تجد سورة البقرة تبين نموذجَي الاستخلاف، النموذج الفاشل ممثلا في بني إسرائيل والنموذج الناجح ممثلا في أمة محمد صلى الله عليه وسلم ذات الجذور الإبراهيمية الحنيفية الممتدة عبر الزمان...
ثم تأتي سورة آل عمران لتثبت على المنهج الذي بُسط في سورة البقرة، ومع التثبيت تبين أن الرسالة اليوم على عاتق أمة محمد صلى الله عليه وسلم، داعية إلى تكوين هذه الأمة بخصائصها المميزة: "ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون"
ثم تأتي سورة النساء تفصّل طريقة تكوين هذه الأمة التي دُعي لتكوينها في آل عمران، بدءا من النواة الأولى "الأسرة" خروجا إلى المجتمع، بلوغا إلى الحاكم والحكم ومقتضياته وشروطه في إطار من العدل الملازم مقوما أساسيا لصلاح هذه الأمة...
لتأتي سورة المائدة مفصلة وباسطة في شأن "الرسالة" التي أصبحت على عاتق المؤمنين مشارا إليها في آل عمران، وفي شأن استخلاف النموذج الناجح المذكور في البقرة، مفصلة في شأن إصلاح هذه الأمة في الأرض، إصلاحها ودفع الفساد عنها بأمر الله وكتابه المهيمن الذي جاءت أحكامه للإصلاح ودفع الفساد ...
فجاءت بستة عشر نداء للمؤمنين "يا أيها الذين آمنوا" بأكبر عدد من النداءات الإيمانية في القرآن...
جاءت قوية، حاسمة، تدعو للتوفية بالعقود مع الله،  ... لإقامة الحضارة الإسلامية القويمة بالعدل وبالإصلاح في الأرض قاطبة... لتسع النداءات الإيمانية فيها: "يا أيها الذين آمنوا" نداءات مسؤولية على الأرض ملقاة على عاتق المؤمنين ...تقرع الآذان والأنفس بقوة حاسمة ونبرة حازمة، تستنهض الهمم، وتميط عنها أتربة الغفلة، وتبعث الحركة في أوصال الضمائر الهامدة، وتلفت العقول لروح الفكرة التي لأجلها كرّم الإنسان بعقله وهُدي سبيل الرشاد...
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:01:26
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

كان هناك سؤال أخ كريم حول التركيب اللغوي المشتمل عليه قوله تعالى : "قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ " -سبأ:24-
وقد كان القول في فهم للآية أنّ المقصود بها التنزّل للخصم في الحوار، وهذا ما لا يليق بمقام الحوار في مجال عقيدة الحق مقابل عقائد الباطل، وإليكم هذا البسط :
هذه التركيبة اللغوية  تسمى "تركيبة اللفّ والنشر"، يعني من الكلمتين أولا نبرز المعنى، فأنت تلفّ أي تجمع، ثم تنشر، أي تفصّل
وهذا في اللغة يعني  ذكر عدة أشياء على سبيل الإيجاز، ثم ذكرها على سبيل التفصيل...
مثلا قوله تعالى : "وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ"
لننظر هنا كيف جاء اللف بذكر الليل والنهار، ثم النشر بذكر السكون ثم ابتغاء الفضل، فأنت لمَ تُرجع كل وصف هنا وهو لم يكن قرينا للموصوف بل جاء بعد ذكر الموصوفات مجتمعة؟
النشر يقتضي أن يُرجع الوصف الأول للمذكور في اللف أولا، ثم الوصف الثاني للمذكور في اللف ثانيا، يعني على الترتيب ..
أما في هذه الآية المذكورة أعلاه "قُلۡ مَن يَرۡزُقُكُم مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ قُلِ ٱللَّهُۖ وَإِنَّآ أَوۡ إِيَّاكُمۡ لَعَلَىٰ هُدًى أَوۡ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ﴿٢٤﴾" -سبأ-
فحالها وهي من جوامع الكلم، من بديع كلام الله تعالى في الإجمال واحتواء أصناف البديع :
أولها: انظر لتسبقة التلقين من الله تعالى لرسوله الكريم ب"قل"، ثم "قل" في السؤال والجواب، كلاهما لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يسأل ثم يجيب أن الله الرزاق. وهذا مما يعضّد معنى اليقين بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيخاطبهم وهو يذكرهم بأن ما هو عليه هو الحق .
ثانيها: لغويا : "وإنا أو إياكم" هنا لفّ، ثم يأتي النشر لإعطاء الصفة لموصوفها المناسب فتكون "لعلى هدى" لـ : "إنا"
وتكون "في ضلال مبين" لـ: "إياكم" وجيء بحرف أو المفيد للترديد المنتزع من الشك.
ثالثها: لنتأمل قوله تعالى "لعلى هدى" إذ جيئ بلام التأكيد هنا، ومن غيرها المعنى مؤدّى، ولكن جاءت اللام لبيان التأكيد على هدى المنشور الأول "إنّا"، كما جاءت "إنّا"  المؤكدة هي الأخرى، وقابلتها "إياكم" ضمير المخاطب المنفصل، تظهر قوة ما عليه الفئة الأولى، وضحالة ما عليه الثانية. كما جيئ للاولى يحرف الاستعلاء "على" للدلالة الزائدة على الهدى، وللثانية ب "في" للإيغال في ظرفية الضلال.
 رابعها: رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هو في يقينه وحجّته، فهل كل المؤمنين على يقينه وعلى حجته، ولو يعتمد كل مؤمن مع تفاوت اليقين فيه والحجة هذه الطريقة؟؟ فماذا إذا كان الخصم هو صاحب الحجة واللسان الفصيح، ولم يكن للمؤمن قوة حجة ولا لسان يفصح به عن حقه؟ ألن يكون ذلك بفهم التنزّل دافعا لأن ينتصر صاحب الباطل على صاحب الحق، وصاحب الحق هنا هو المسلم الذي لا خلاف في الحق في دينه.. وعندها سيختلط حابل بنابل، وسيتساوى الباطل والحق...
خامسها: رسول الله صلى الله عليه وسلم بما عنده من يقين وحجة هو هنا يتحدّى ولا يتنزّل .
واحترام الرأي الآخر أيضا له حدود، وإلا لاختلط الحابل بالنابل، احترام الرأي الآخر لا يعني مساواة الحق للباطل، ولا يعني أن يتنزّل صاحب الحق لصاحب الباطل كأنهما ندّان، ففي هذا خطورة كبيرة، وخلط كبير ، ولذهب يقين صاحب الدين الصحيح والحق أنه الدين الحق، بأساساته البيّنة، ولتساوت كل الأديان وكل الآراء، ولهان تبديل الأساسات، بدعوى التفتح على الحوار كأننا لم نعلَّم أن الحق واحد، والدين الصحيح واحد.
وهذا شيء مما قاله ابن عاشور اللغوي البارع في هذه الآية في كتابه "التحرير والتنوير"
"ومن لطائفه هنا أن اشتمل على إيماء إلى ترجيح أحد الجانبين في أحد الاحتمالين بطريق مقابلة الجانبين في ترتيب الحالتين باللف والنشر المرتّب وهو أصل اللفّ. فإنه ذكر ضمير جانب المتكلم وجماعته وجانب المخاطبين ، ثم ذكر حال الهدى وحال الضلال على ترتيب ذكر الجانبين ، فأومأ إلى أن الأولِين موجَّهون إلى الهدى والآخِرين موجهُون إلى الضلال المبين ، لا سيما بعد قرينة الاستفهام ، وهذا أيضاً من التعريض وهو أوقع من التصريح لا سيما في استنزال طائر الخصم.
وفيه أيضاً تجاهل العارف فقد التأمَ في هذه الجملة ثلاثة محسنات من البديع ونكتة من البيان فاشتملت على أربع خصوصيات.
وجيء في جانب أصحاب الهدى بحرف الاستعلاء المستعار للتمكن تمثيلاً لحال المهتدي بحال متصرّف في فرسه يركضه حيث شاء فهو متمكّن من شيء يبلغ به مقصده.
وهي حالة مُماثلة لحال المهتدي على بصيرة فهو يسترجع مناهج الحق في كل صوب ، متَسعَ النظر ، منشرحَ الصدر : ففيه تمثيلية مكنية وتبعية.
وجيء في جانب الضالّين بحرف الظرفية المستعار لشدة التلبس بالوصف تمثيلاً لحالهم في إحاطة الضلال بهم بحال الشيء في ظرف محيط به لا يتركه يُفارقه ولا يتطلع منه على خلاف ما هو فيه من ضيق يلازمه."
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:03:14
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عندما يحدث هوس لبعض المسلمين بالطعن في "الموروث"، وبالتشكيك في صلاحيته، في عصر "العقل" وكأن العقل لم يُخلق إلا لتوّه، وكأنّ الله لم يُعطِه دوره إلا في هذا العصر، وكأنّ العصور الفائتة للأمة كانت عصورا لا تستخدم العقل، ولا تفكّر بالعقل، ولا تقيس بالعقل ...!
عندما يحدث هذا الهوس، يُصدَّق الكاذب، ويُؤتمن الخائن، ولا يُبحث في أحوال المتكلم وكلامه، ولا يُسأل عن حقيقة ما يدّعي، ولا يُنتقَد كلامه، ولا يُرجَع للأصل لعلّه يفتري...
وكيف يفعل المهوسون هذا وهُم يبحثون على فتيل شمعة عمّن يطعن في كل "قديم" بدعوى إعمال العقل، بدعوى عصر العقل... ويْكأنّ العقل الذي خلقه الله خلقه لعصر دون عصر، خلقه ليضع علماء الأمة وفقهاؤها القدامى خرافات وخزعبلات... وليأتي "عصر العقل" اليوم فيصحّح، وينبذ الخرافة، ويُعلن أن العقل الذي خلقه الله لم يبدأ عمله إلا في عصرنا ...!!
حينما أقرأ للمهوسين بالطاعنين في "الموروث" أخال أحدهم طيرا محلقا في سماء الهوى فرحا بكلام الطاعنين، وهو "المتعقّل"، مشهرا السلاح الماضي بوجه كلّ من يدعوه إلى التعقّل الحقيقي، والبحث وعدم الانصياع للطاعنين... يقول له فيما يقول : "اذهب يا سجّان الهوى إلى الجحيم"..!
"عصر العقل" يا دعاة التعقّل لا يقتضي نسفا للدين، وتسفيها لأصحاب العقول الذين نقلوا الدين، عصر العقل لا يقتضي النظر بشزر للأفذاذ الذين كانوا على درجة من التعقّل لا يبلغها االمُسارع بالفرح لطعن طاعن وإن وطأت قدمُه القمر...
رُويدك فليس كلامي للتعجيز يا مَن ترى نفسك فذّا يقارع الأفذاذ ولا يرضى أن يُقال له أنهم الأذكى والأسنى .. 🙂
لا ليس للتعجيز كلامي، بل لأنّ أولئك كانوا يتثبتون ويبحثون، ويمحّصون، ويضعون القواعد، ويبنون الحصون، أما أنت فتهدّ، وتهدم، وتنسف من غير نظر ولا بحث ولا تثبّت، فقط لأنّ "الموروث" عندك قديم، ولأن "س" من المجاهيل قال أنه موروث معلول !! طبيب هو عندك ولا داعي لتبحث في دراسته لعلّه درس التقطيع والتأريب وهو يدّعي التطبيب... أم أنّ الأمريْن عندك مع "الموروث من الدين" صِنوان ؟ 🙂
بريئ هو العقل، مجرم هو الهوى ...
بريئ هو العقل، مجرم هو الاعتداد الفارغ به، اعتداد يظنّ صاحبه أن عصر العقل يقتضي أن نستبدل الشمس بشمس جديدة، فالشمس قديييمة قديمة، وضوؤها قديم قديم ...
كذلك يريدون أن يبدّلوا الدين، أن يصنعوا دينا على مقاس أهوائهم، دينا جديدا مُرتكزه : "يا قوم أفيقوا فإن الموروث معلول معلول.."... وبلغت صيحتهم عَنان العَنان... فأصبحت السنة عُرضة للتشكيك، وما علموا أن المشكّكين لن يدخلوا لهم من باب القرآن، فذلك عليهم أمر عسير، فدخولهم لهم من باب السنة، والسنة فيها نظر... إذ قد نقلها الرجال، والرجال عليهم وعليهم ...
أما البخاري ومسلم وأمثالهما فهيّا اجلدوهم يا دعاة "عصر العقل"... اجلدوهم وهم الموتى، فما تفطّن معاصروهم لجلدهم وهم أحياء ... وكيف يفعلون، وقد كانوا بلا عقول !! اجلدوهم فإنكم وإن رفضتم القول بالجلد، إلا أنّ الجلد عندكم فيهم حلال زُلال ... !
وقد قيّض الله للعقل من يستخدمه فقط في هذا العصر، أما ما قبله فعصور بلا عقول ... هكذا وكأنه خُلق ليعمل فقط في هذا العصر !!
ومن المُضحكات والمُفارقات أن يلتحي بعض الضاربين في الموروث، الطاعنين فيه، وتبلغ لِحاهم نحورهم، وينبرون ليعلنوها دينا "عقلانيا"، دينا يردّ ما لا يوافق العقل ... دينا يدعو لردّ الصحيح من الأحاديث، ويصِم بالجهل كل من لا يقبل كلامه على عواهنه، وكأن من رفضه قد رفض الدين... !!
لا وحتى من يكره الملتحين، سيحبّ هذا الملتحي لا لشيء إل لأنه ملتحِ طاعن بالموروث ..!! وعندها سيُحكّم الهوى، وسينقلب محبا لما كان يكره من مظهر، لا لشيء إلا لأنه يدعو لما يوافق هواه، وهو يظنّ أنه يوافق عقله ...
هذه قصة من قصص "عصر العقل" ... أم أنه "عقل العصر" 🙂 وبريئ بريئ هو العقل ..
قصة من قصص الثورة على الدين من مدخل الثورة على الموروث، ونبذ الموروث، والتقزز من الموروث، ومن علماء الموروث، حتى وصل الأمر إلى نبذ "السنة" سواء بتلطيف في العبارات، أو بتصريح ...وبمبررات واهيات أساسها شبهات ألقيت هنا وهناك فالتقطها المشكك، وجعلها مستنده وقاعدته، وهو يراها النور الذي أضاء له في عتمة ...!! وما تفطّن أنها الحرب القديمة، تُعلن اليوم جديدة ... وما تفطّن أنه واحد من جنودها ... بل ربما لبس اللباس، وامتشق السلاح، وامتطى جواده ذو الكبوة وهو يظنّ أنه على الدرب القويم ماض ... والجواد به كابٍ كابٍ وهو يراه الأصيل ... 🙂
فاحذروا المشككين، واحذروا أصحاب الدعاوى الجديدة، وفكروا، وكذّبوا قبل أن تصدّقوا، واعرفوا هذا الموروث، وعلماءه، وعلمهم، واعلموا أنّما هي الشبهات تُلقى، وأنّ الردود عليها متوفرة مبسوطة شارحة، مشروحة، منيرة، مضيئة .. قبل أن يجرّكم كل ناعق لما يدعو له من دعوة باطلة قاتلة لروح الدين ... وهذا هو العقل ... وما عداه اتباع أعمى، وصدى في النفوس للهوى ...
فالحذر الحذر.... !
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:03:56
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في عَرَض سورة المائدة، وتحديدا في قوله تعالى :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " -المائدة: 90-
تذكّرتُ قول أحدهم وهو الكاتب والسياسي، والمثقّف المسلم، مع قول غيره أيضا من أمثاله، أنّه ما من تحريم للخمر في القرآن، بدعوى أنّ لفظ التحريم لم يرِد بشأنها فيه...!
ولا يغيب عنا أنّ هؤلاء من مُنكري السنّة، ولَيْتَهُم إذ أنكروها لم يُؤوّلوا القرآن بأهوائهم ومُشتهياتهم وأباطيلهم، وهو وحده كافٍ في بيان تحريم الخمر ..
وإنّ الذي لا يوغل مع القرآن ومع لغته، ولا يكون له منها زادٌ لَيَنظُر إلى كلام هؤلاء وإن استشْنَعَهُ واستفظعه، فلا يجد بما يردّ، وكأنّ القائل بهذا جاء بالمُفحِم، وهي عادة هؤلاء المتأولين، الذين يَلوُون المعاني، ويتحذلقون، ويقصدون إلى تحميل كلامهم المنطق والعقل وهو أبعد ما يكون عنهما ...
وكنت قد كتبت من قبلُ شيئا عن بيان هُرائه، وكما عادة القرآن وأنت تقرأه في كل مرة ولّادُ معانٍ، أحاول بعون الله أن أضع جديدا حول هذا الموضوع، أرقُمُه على التوالي:
🔶🔷1🔶🔷 "إنما " أداة تفيد الحصر والقصر، بمعنى أن الموصوف بعدها يقتصر على تلك الصفة لا غيرها، وقد كانت صفة الخمر مع المذكورات الثلاثة معها "الرجس". والرجس هو الخبث والمستقذر .
فهل جاء القرآن ليبيح الخبيث، ويزيّنه أم ليحرّمه ؟
وهو سبحانه القائل: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ..." - الأعراف: من 157-
 🔶🔷2🔶🔷التفاتة دقيقة جدا ومميزة لابن عاشور كعادته في تفسيره، أحب أن أذكرها، يبين فيها انحصار الخمر على "الإثم" من بعد ما كان في سورة البقرة من ذكر الإثم الكبير فيها مع المنفعة، يقول، وأرجو التدقيق في قوله فهو فائق الأهمية والدقة:
((ألا ترى أنّ الله قال في سورة [ البقرة : 219 ] في الخمر والميسر { قل فيهما إثم كبير ومَنَافع للناس } ، فأثبت لهما الإثم ، وهو صفة تساوي الرجس في نظر الشريعة ، لأنّ الإثم يقتضي التباعد عن التلبّس بهما مثل الرجس . وأثبت لهما المنفعة ، وهي صفة تساوي نقيض الرجس ، في نظر الشريعة ، لأنّ المنفعة تستلزم حرصَ الناس على تعاطيهما ، فصحّ أنّ للخمر والميسر صفتين . وقد قُصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تَيْنِكَ الصفتين أعني الرجس ، فما هو إلاّ قَصْر ادّعائي يشير إلى ما في سورة [ البقرة : 219 ] من قوله : { وإثمُهما أكبر من نفعهما } ، فإنّه لمّا نبّهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما من المنفعة فقد نبّهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قُبالة ما فيهما من الإثم حتّى كأنّهما تمحّضا للاتّصاف بـ: { فيهما إثم } [ البقرة : 219 ] ، فصحّ في سورة المائدة أن يقال في حقّهما ما يفيد انحصارهما في أنّهما فيهما إثم ، أي انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله : { إنْ حسابُهم إلاّ على رَبِّي } [ الشعراء : 113 ] ، أي حسابهم مقصور على الاتّصاف بكونه على ربّي ، أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف . وذلك هو ما عبّر عنه بعبارة الرجس .)) انتهى قوله.
🔶🔷3🔶🔷أضيفَ إلى صفة "الرجس": "من عمل الشيطان" ، وهو هنا تلبّس، إذ أنّ الشيطان من عمله تزيين الخمر للناس لتعاطيها، فيكون عمل متعاطيها من عمل الشيطان .
فهل يُعقل أن تصنّف الخمر هنا بالمباحة على المسلم وهي رجس ومن عمل الشيطان ؟!
والله القائل سبحانه:"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ"-فاطر:6-
🔶🔷4🔶🔷 قُرِنت الخمر بثلاثة أمور كلها من جاهلية سدَرت في الظلام حتى جاء نور القرآن، وهي الميسر والأنصاب والأزلام، وخاصة منها الأنصاب، وهي النُّصُب التي كانت تُذبح عليها قربات الجاهليين للآلهة، فتساوت بهذا الخمر مع الأنصاب، ومن قال بعدم حرمة الخمر، كمَن قال بعدم حُرمة الأنصاب والآلهة !
 وقد قال تعالى في النُّصب:"وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ"-المائدة:4-
وقد فهم هذا المعنى الصحابة رضي الله عنهم فور نزوله، قال ابن عباس : لما حُرِّمت الخمر مشى رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعِلت عِدْلاً للشرك: (أي معادِلةً ومساوية للشرك). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح..
وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنَّ مُدمِنَ الخمرِ إذا مات لَقي اللهَ كعابدِ وثَنٍ" -المحدث : الهيتمي المكي ، المصدر : الزواجر،الصفحة أو الرقم: 2/136 ،خلاصة حكم المحدث : صحيح-
🔶🔷5🔶🔷 "فاجتنبوها"  مع هذا الفعل (الأمر بالاجتناب)، يتسلّل المتسلّلون أصحاب الأهواء والضلالات يظنون أنهم يجدون شيئا، وإنما هم  كمَن يُلقي بنفسه لحَتْفه .. 🙂
لفظ التحريم في القرآن لم يقتصر على : "حرّم"، بل جاء التحريم صريحا بألفاظ أخرى كثيرة: كلعن فاعله، أو الوعيد على فعله بالنار، أو ذكر أنه من الكبائر، أو الإخبار بأنه رجس… إلخ.
 وقد جاء التحريم ب"الاجتناب" في مواقع من القرآن، كقوله تعالى :
"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"-الحج:30-
"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..." -النحل: من الآية 36-
كما استخدم لفظ الاجتناب في ترك كبائر الذنوب والآثام، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم. "-النساء:31-
وقال تعالى: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم"-النجم:32-
فليقل هذا القائل إذن وأمثاله الذين تكاثروا كتكاثر الطفيليات السامّة  أنّ الطاغوت غير محرم، وأن الأوثان غير محرّمة !!
🔶🔷6🔶🔷ومازلتُ مع الآية ذاتها لا أخرج منها إلى تاليتها، وفيها وحدها الخير الكثير : "لعلكم تفلحون" تعلّق الفلاح باجتناب هذه المنهيّات، ومن لم يأخذ بتحريمها فإلى خسار وبَوار ..
وإنّ في هذا لكفاية ليتبيّن صريح تحريم الخمر من القرآن وحده فماذا إذا زدنا ما في صحيح السنّة، ولكنني قبل صحيح السنة،  أعدو إلى الآية الموالية وهي قوله تعالى :
"إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ"-المائدة: 91-
🔶🔷7🔶🔷 "إنّما" أداة القصر والحصر مرة أخرى، وهذه المرة لوصف ما يريده الشيطان من تزيينه الخمر للإنسان، كما زيّنه لهذا المتقوّل وأمثاله ..
إنه يريد أن :
🔹 يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء .
🔹يصدّ عن ذكر الله .
🔹يصدّ عن الصلاة .
وبالقصر والحصر، فهذا ما يريده من شرب الإنسان للخمر لا غير.
فهل في هذا أدنى لمحة تشير إلى أنّ الخمر مُباح وغير محرّم في القرآن ؟!!
🔶🔷8🔶🔷 "هل أنتم منتهون"
وهنا أقف وقفة، لأنه لا يُستبعد أبدا أن يطلع علينا من يطلع ليقول أنّ الله تعالى بعد كل ذلك البيان إنما يسأل سؤالا، ومن يجيب له أن يجيب بالإيجاب أو بالسلب، بمعنى أنّ لمجيبٍ أن يجيب عن سؤال الله تعالى بـ : "لا" ...
وهذه واحدة من التأويلات الهوائية التي لا أحب تفويتها، فلنبسط في معنى قوله تعالى عزّ من قائل:  "فهل أنتم منتهون" .
في الحقيقة قد قالها قبل متقوّلي عصرنا، متقوّلون في عصور قديمة، وهذا لنفهم كم أنّ هذه الدعاوى وهذه الخلطات الهوائية إنما لها دائما أصول وجذور لمن يبحث ...
قالها عمرو بن معد يكرب فيما روي عنه أنه ردّ بـ : "لا" وبقي على شرب الخمر بعد تحريمها النهائي في هذه الآية ..
يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير :
((فهي لاستفهامٍ مضمَّن تحقيقَ الإسناد المستفهَم عنه وهو { أنتم منتهون } ، دون الهمزة إذ لم يقل : أتنتهون ، بخلاف مقام قوله { وجَعَلنا بعضَكم لبعض فتنة أتصبرون } [ الفرقان : 20 ] . وجعلت الجملة بعد { هل } اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه ، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته ، وأريد معها معناه الكنائي ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه))انتهى قوله.
والفرق شاسع بين الجملة الاسمية والفعلية، إذ الاسمية تفيد ثبات الخبر وتأكيده أكثر من الفعلية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ولننتبه لقوله : "المعنى الكنائيّ" وهو الذي يحمل التحذير، التحذير من انتفاء الانتهاء عن الخمر مع السؤال .
كقولك لمدخّن مثلا: إن للتدخين مضارا بيّنها العلم، وبسطها للناس، وإنّ مضار النيكوتين كيْت وكيْت، وإنه يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض والأزمات الصحية كالسكتة القلبية والجلطة الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي وسرطان الرئة، بالإضافة إلى مشاكل صحية أخرى وبالتالي الوفاة المبكرة، وإن  العلم بيّن وفصّل وقال، وإنّ الشواهد من مآلات المدخنين كذا وكذا، وانظر إليها بعينيك ...ووو...
ثم تُردف كل بيانك بقولك له : "فهل أنت منتهٍ ؟" 
فهل أردتَ بعد كل ما بينت، السؤال وحسب؟ أم أنك أردت به التحذير من كل ما ذكرت له من مضار ؟
هذا هو المعنى الكنائيّ للسؤال، حتى لا يتأول متأوّل، ويتقوّل متقوّل ...
🔶🔷9🔶🔷 ثم إن القرآن، -لو دققنا- قد نصّ على تحريم الخمر بلفظ التحريم، قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.." -الأعراف:من33-
فالإثم حرام، والله تعالى يقول عن الخمر: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير.." -البقرة:من219-
فإذا كان الإثم حراماً، وكان في الخمر إثم كبير، كانت النتيجة أن الخمر حرام، وهذا واضح، كما هو مصرح به في الآيتين.
🔶🔷10🔶🔷 دائما في إطار أنّ هذه الأقوال الصارخة التي نحسبها جديدة تنزل علينا منزل الصواعق، إنما هي أقوال قديمة تتجدد ..
قيل : إنّ قُدامَة بن مظْعون ، مِمَّن شهد بدراً ، ولاّه عُمر على البحرين ، فشهد عليه مَن شهد بشرب الخمر. فلمّا أراد عمر إقامة الحدّ عليه قال قدامة : لو شربتُها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال عُمر : لِمَ؟ ، قال : لأنّ الله يقول : "ليس على الذين آمنوا وعَملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات" - المائدة : 93 -
فقال عمر : أخطأت التأويل إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حَرّم عليك»
وبهذا نرى كيف أنّه أوَّلَ الآية التالية للآيتَين أعلاه، على أنه لا إثم على من طعم وشرب، إن كان من المتقين، ولكن عمر رضي الله عنه مع عقله المتزن، ومنطقه القويم عرف كيف يُفحِمه ... إذ كيف يكون متقيا من لا يجتنب ما حرّم الله تعالى، والخمر مما حرمه .
⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩
🔶🔷11🔶🔷 مما أحب أن أطرحه أيضا مع هذه الآيات البيّنات، البيّنات بمعنى أنها واضحة، لا يُضيرها تأويل المتأوّلين لتبدو وكأنها الغامضة، وإنما سَعْيُهم هو المدحوض المردود بالمنطق والبيان. 
قوله تعالى مباشرة بعد آيتَيْ تحريم الخمر في المائدة : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ "-المائدة:92-
عندما تتأمل هذه الآية، وأنت قد عرفت مُراد الله بعظيم بيانه لحرمة الخمر...
أنها الرجس من عمل الشيطان، وأنها المقرونة بالأنصاب في الحرمة، وأنها التي يتخذها الشيطان مرتعا له في سعيه لزرع البغضاء، والإبعاد عن ذكر الله، وعن الصلاة... بعد كل هذا البيان من الله تعالى ... يأتي أمره بطاعة الله، وبطاعة "الرسول"...
وكأنّ الله تعالى يُرشد المؤمنين إلى اتباع سنّته، إلى اتباع طريقه الذي سلكه صلى الله عليه وسلم، اتباع ما قال هو في الخمر بعد أمر الله، واتباع ما فعل بعد أمر الله فيها، واتباع أحواله مع الصحابة بعد أمر الله فيها .... اتباع سنّته ...
لا يكفيكم أن تتبعوا القرآن، وإنما تتبعون السنة معه، وهي المفصّلة للقرآن، الشارحة له، المطبّقة لتعاليمه...
ويأتي من يأتي ليقول أنّ صيغة "التحريم" لم تكن في القرآن، ومع تهافُتِ دعواه هذه، إلا أنّ الله يدعو إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وما قال في الخمر، وتجد في هذا الأحاديث الصحيحة على أشكالها، تبيّن تحريم الخمر، بالتفاصيل، إذ:
📌📌لقائل أن يقول مثلا أنه ما دام من يشرب قليلا لا ينقلب حاله إلى مبغض، وناسٍ للصلاة، أو مُخلِطٍ فيها، فليشرب... هنا تأتي السنة لتبين فيما لا يدع مجالا لتأويل أنّ "ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَامٌ"
📌📌وقد يقول متأول من عصرنا مثلا، إن الذي حُرّم في القرآن هو الخمر لا المخدّر ، فتأتي السنة لتصف وتشفي بعبارة في صحيح مسلم : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"
📌📌وقد يتقوّل متقوّل، وإن أقرّ بتحريم الخمر في القرآن، وهو يُنكر السنة وحجيّتها أنّ الأمر يخصّ شاربها، أما بائعها وعاصرها فأين الدليل على حرمة فعله؟ !
ولذلك تجد التفصيل في السنة لا في القرآن..
"عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: “إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ” رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود في السنن.
"عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: “لَعَن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وبائعَها ومبتاعَها، وعاصِرها ومعتصِرها، وحامِلَها والمحمولَةَ إليه" رواه الترمذي وأبو داود في سننهما وابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده عن ابن عباس.
وفي السنة تجد هذه التفاصيل التي تُحيط بالحالات، حتى يكفّ المتقوّلون، وإلا فما حال من ينكر السنة مع هذه الأسئلة التي لن تجد لها في القرآن جوابا؟!
تأملت موقع هذه الآية الداعية إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله، مباشرة بعد آيَتَيْ تحريم الخمر،  فوجدتُ ورودها إعجازا في الإعجاز ...
تكون في هذا المقام تحديدا، لتحيل المؤمن إلى أحضان السنة النبوية فتفصّل له، وتمدّه بالأجوبة مع ما كان من حال الصحابة والقرآن يتنزّل فيهم ليكونوا المثال الحيّ المتحرك لتطبيقات القرآن الكريم وهُم البشر الذين جرتْ عليهم حالات البشر، فكانوا يسألون، ويوغلون في الأسئلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب بالتربية المحمدية المستمدّة من النور القرآني ...
فهل جاء ليربيهم وحدَهُم، أم جاء لتنتقل تربيته للنموذج البشري الأول مع الرسالة المحمدية، إلى باقي الأجيال إلى قيام الساعة ؟
وهذه كانت تأملات في آيات تحريم الخمر، من القرآن يكفي بيان تحريمها، أما من السنة، فتفصيلات تضع حدا للتأويلات والتقوّلات، ببيان تحريم مفصّل لها مع كل حالة ...
واللهَ نسأل الثبات على الحق، وأن ينفعنا.
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:04:13
في كتابه "التصوير الفني في القرآن" شدّني جدا، وصف سيد قطب للفرق بين القرآن وقد كان يتملاه صغيرا صورا، وبين القرآن وقد قرأ تفاسيره، فضَلَّتْ عنه تلك الصور البديعة التي كانت ملء خياله ... ولكن ما فتئ أن أعادها له تأمله للقرآن من القرآن ...
يقول :
((ودخلت المعاهد العلمية؛ فقرأت تفسير القرآن في كتب التفسير، وسمعت تفسيره من الأساتذة. ولكنني لم أجد فيما أقرأ أو أسمع ذلك القرآن اللذيذ الجميل، الذي كنت أجده في الطفولة والصبا.
وا أسفاه! لقد طمست كل معالم الجمال فيه؛ وخلا من اللذة والتشويق.
ترى هما قرآنان؟ قرآن الطفولة العذب الميسر المشوق؛ وقرآن للشباب العسر المعقد الممزق؟ أم إنها جناية الطريقة المتبعة في التفسير؟
وعدت إلى القرآن أقرؤه في المصحف لا في كتب التفسير. وعدت أجد قرآني الجميل الحبيب؛ وأجد صوري المشوقة اللذيذة. إنها ليست في سذاجتها التي كانت هناك. لقد تغير فهمي لها، فعدت الآن أجد مراميها وأغراضها، وأعرف أنها مثل يضرب، لا حادث يقع.
ولكن سحرها ما يزال. وجاذبيتها ما تزال.
الحمد لله. لقد وجدت القرآن. ))
العنوان: رد: في ظلال القرآن -تابع2-
أرسل بواسطة: حازرلي أسماء في 2026-04-17, 09:10:19
خواطر 2015