37
أواخر آيات سورة المائدة، ذلك المشهد من يوم القيامة الذي يضعنا الله في قلبه، مُتمَثّلا...
ذلك الحوار بينه سبحانه وبين عيسى عليه السلام ... يضعه الله بين أيدينا، نسمع حديث ذلك المشهد، ونعلم من أخباره...
وإنا له لمجموعون... وإنا فيه لحاضرون... وإنّا لحديثه لسامعون...
"إذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنكَ إِذْ جِئْتَهُم بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ" [المائدة : 110]
وكأنما الحدث قد كان وانتهى، بصيغة الماضي تأكيدا لحصوله ...
مع سؤاله تعالى عيسى عليه السلام:
{يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ۚ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ۚ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ۚ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (116) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۚ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ ۖ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ ۚ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (117) إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ ۖ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (118)} [المائدة : 116-118]
إنها الآيات التي كلما قرأتها وكأنها الجديدة...
لا تبلى عندي، ولا يبهت لونها، ولا ينقضي سحرها، ولا ينقص جمالها...
آيات خاصة جدا... لن أخوض في جمالها، فذلك حديث آخر بلون آخر...
ولكنني تمثلتُ سيدنا عيسى عليه السلام ورب العزة يذكّره بنعمه عليه على الملأ في ذلك اليوم العظيم...
على مرأى ومسمع من كل مفترٍ، كذاب تأول في عيسى عليه السلام فدعاه لله ولدا...
على مرأى ومسمع من كل من ألّهه، وألّه أمه، وافترى عليه كذبا، أنه الذي دعاهم لاتخاذه إله ... يذكّره بنعمه عليه على الملأ...
تخلق "بإذني"، تنفخ فتكون طيرا "بإذني"، تبرئ الأكمه والأبرص " بإذني"، تخرج الموتى "بإذني" ...
كل هذا، وعيسى عليه السلام يسمع، والناس قائمون لرب العالمين، بين يديه يسمعون ...
وتلك الطائفة العظيمة من الناس عبر الأجيال والعصور، وكلها قد تنادت بألوهية عيسى، وبأن الله ثالث ثلاثة وبأن عيسى وأمه إلهان ...
أتمثل ذلك المشهد العظيم ...!!
ويُسأل عيسى من رب العزة، فيجيب...
إجابة عظيمة، دقيقة، مؤدبة في حضرة العلي العظيم...
صادقة ليس عند صاحبها ذرة توجس وريبة، وهو البريئ من كل ادعاءات المفترين ...
رُفع عيسى عليه السلام، ولم يدرِ ما سيفعل مَن بعده من تحريف وتأويل وتأليه وغلو في الدين...
وتعج الأرض بهم وبدعوتهم وبنسبهم كل تلك الافتراءات لعيسى عليه السلام وأنه الذي دعاهم أن يتخذوه إله ...
ويُبرّؤ عيسى على الأشهاد ... !
فأتذكر ....
أتذكر حَدَّيْن من حياته عليه السلام...
عيسى في المهد، وعيسى المبعوث يوم القيامة والمسؤول على الأشهاد ...
وفي كليهما عيسى يُبرّأ من افتراءاتهم، عيسى في المهد وقد أنطقه الله تعالى بالحق :
"قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (31) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (32) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (33) "
وعيسى يوم البعث وقد استنطقه الله تعالى ليعيد الحق ذاته :
"مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " .
وهذا عيسى عليه السلام ... والسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يُبعث حيا ...
وكيف لا، ورب العزة يجيبه وقد سأله فأجابه مبعوثا : "هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"
وتلك عاقبة كل من اتخذه إلها، وافترى عليه أنه الذي دعاهم لاتخاذه إلها.... مجموعون ليوم عظيم، ولمشهد عظيم تشخص فيه أبصارهم، وتُشنّف فيه آذانهم لسماعه وربه يحاوره... وقد كانوا يدينون بالباطل دينا ...
فعليك السلام يامن أُنطِق بالحق وليدا، واستُنطِق بالحق مبعوثا ... يا مَن السلام عليك يوم ولدتَ ويوم تموت ويوم تُبعث حيا...