المشاركات الحديثة

صفحات: 1 ... 4 5 [6] 7 8 ... 10
51
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:47 »
في قوله تعالى : "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" -هود-
عندما نتأمل: "ليبلوكم" ... وهي اختبار الله تعالى لعباده، وأنه خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء ...
لم يكن من شيء ... لم تكن السماوات والأرض، لم يكن الإنسان شيئا مذكورا ....  وكان عرش الله تعالى ... وكان الله تعالى .....
ثم خلق السماوات والأرض -----> ليبلوكم، ليختبر الإنسان.
يحضرني هنا قوله تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
كما يحضرني أيضا قوله تعالى : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
سبحانه :
1- خلق الإنسان ليعبده
2- خلقه ليبتليه .
3- خلق السماوات والأرض ليبتلي الإنسان .
وفي الابتلاء بخيره وشرّه ، والصبر عليه أو شكره تظهر العبادة، تتجسد العبادة .... كيف ذلك ؟؟
إننا إذا تأملنا ما يأتي من آيات موالية لآيتنا أعلاه من سورة هود ....
1- "وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ"
2- "وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ" .
3- وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ
4- وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
لنتأمل .....
1- خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء... أهذا أهون عليه أم بعث الإنسان من بعد الموت ؟!!! فلننظر للإنسان وهو يكفر بالبعث، وقد عرف السماوات تظلّله والأرض تحمله وكلها لم تكن شيئا، ولم يكن الإنسان شيئا ... وما كانت إلا وعرشه سبحانه على ماء، فأيها أهون عليه ؟؟
لنتأمل الجحود، وغياب العقل، والقياس، والاستدلال ....
ثم :
2- سبحانه برحمته يؤخر العذاب، ويُمهِل فيرى الإنسان هذا عجزا، فيتجرأ ويطلب العذاب ويسأله، ويتساءل ما يحبسه، وما حبسه إلا رحمة الله وإمهاله ....
لنتأمل عدم تقديره لله حق قدره، وكيف يتجرأ، وكيف يظن أن الله سبحانه نازل عند هواه، وعند ما يُملي وما يريد تشدّقا بالكلام .... !! وهو الذي كان عرشه على الماء، ولم تكن السماوات والأرض ولم يكن هو شيئا مذكورا .... !
ثم :
3- إنه إذا ما نزع الله منه رحمة ليبتليه أيصبر أم يجزع فهو يؤوس كَفور ....! وهو الذي ما خلق السماوات والأرض إلا ليبتليه ... ليختبره، فلا تدوم النعمة عنده على حالها، فإذا نُزِعت إذا هو يؤوس، كَفور .... هذا الابتلاء، فأين الصبر منه ... ؟
ثم :
4- وهذه النعماء يذيقه الله إياها بعد ضراء، فإذا هو متبطّر، فرِح، فخور، متكبر .... يغرق بالنعمة، وينسى المُنعم ....
فلننظر، ولنتذكر قوله تعالى: "نبلوكم بالشر والخير فتنة" ....
فالخير منه ابتلاء وامتحان، أيعمل الإنسان صالحا، ولا ينسى أنّ ما فيه من نعمة هي من  المنعم سبحانه، أينسى إخوانَه المحاويج من حوله ؟ أيُبطِره ماله والنعماء التي يغرق فيها، أم تُذكره بالله وهو في رخاء  فيشكر ...
والشر الذي يصيب الإنسانَ ابتلاء منه سبحانه ... أيصبر أم يجزع ؟؟
فلننظر ولنتأمل، فإذا الإنسان :
1- لم يكن شيئا مذكورا، ولم تكن السماوات والأرض، وقبلها كان عرشه سبحانه على الماء، ورغم ذلك هو ذا يكذب ببعث الإنسان بعد الموت وقد كان شيئا الأهون عليه سبحانه من خلق السماوات والأرض وما فيها، وخلق الإنسان من عد ولم يكن شيئا ...
2- متجرئ يسأل العذاب، ويظن الله نازلا عند هواه وإملائه .
2- يتجرأ، ولكن ما أن تُنزع منه رحمة كانت عنده إلا وييأس ويكفر.
3- ما أن تصبه نعماء حتى يتبطر ويتكبر وينسى المنعِم .
فما حاله مع الابتلاء الذي ما خلق سبحانه السماوات والأرض إلا ليُلازم الإنسان .... إنه التقلب، إنه الجحود....
فمَن ذا ينجو وينجح ؟؟
الجواب في الآية الموالية :
"إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(11)"
1- صبروا    +   2- عملوا الصالحات .
1- صــــــــــــــبروا -------->  ليبلوكم .
2- عملوا الصالحات---------> أيكم أحسن عملا.
فليس صبرا مع قعود، بل مع عمل ... ورأس العمل أن يتذكر الإنسان وهو يُبتَلى بالخير أو بالشر أنّ الله يبتليه، فيشكر عند النعماء، ولا يتبطر، ولا يستكبر، ويذكر من هم أقل حالا منه، ويُغدِق عليهم، ويستنهض همّة مكلوم مجروح، ويعطي مِن علم تعلمه، ويخلص في عمل وُضِع فيه ووووو
ويصبر عند الضراء، ويعمل ولا يركن للهمّ والحزن، بل يرجو الخير من الله دوما، ويوقن أنه امتحان، فيعمل ويتأمل، ولا تذهب نفسه حسرات، ولا ييأس ولا يقنط من رحمة الله ...
وهكذا ............ سبحانه ما خلق السماوات والأرض إلا ليبلو الإنسان بالخير والشر ...
ولن يفلح ولن ينجح إلا من صبر وعمل الصالحات ....
فكيف لا يكون "للمؤمن" الذي عرف الابتلاء بخيره وبشره، فصبر عند الشر، وشكر عند الخير حياة غير حياة غيره ؟!
كيف لا يكون عنده فهم للحياة على حقيقتها وهو يحسن قراءة الرسائل فيها...
كيف لا يكون هناك تأثير من هذا الفهم وهذا التصور  في نفسه وفي حياته ؟! كيف لا يكون للإيمان من أثر على الحياة يجعلهاعند صاحبها من جنس ما وعد به الله عباده المؤمنين :
"وأن استغفروا ربكم وتوبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى"
"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة"
هكذا "طيبة" و"بمتاع حسن" وهي ابتلاء بالخير وبالشر، بكليهما... وبضعف في الإنسان مجبول عليه يكره معه المصيبة ويحب معه الخير، ولكن الإيمان يذكّره، ويقويه، ويعلمه أن مع الصبر خيرا، وأن مع الشكر خيرا... خيرا ليس إلا للمؤمن...
وسبحان مَن قرآنُه بهذا التناسق والاتّساق والتسلسل، والجمال والكمال  ..... 🙂
فانتبهوا، ولتعرفوا أنّ الآية تسوق للآية، وأن ما يبدو لكم بعدا في المعنى بين آية وآية إنما هو قِصر في نظرنا.... فإذا ما أمعنّا النظر وتأملنا عرفنا العلاقة ونعِمْنا بالاتّساق يقودنا من أمر إلى أمر حتى نصل .... 🙂
فاللهمّ فهِّمنا وأبلِغنا وأوصِلنا واعفُ عنا واغفر لنا تقصيرنا ...
52
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:27 »
في قوله تعالى : "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) " -يونس-
قصة عظيمة هي قصة موسى عليه السلام عند خروجه بقومه...!!
وإنك إذا لملمتَ أجزاء القصة المنتشرة في آيِ القرآن الكريم من سور مختلفة، لغدتْ أمام عينيك وكأنها المتمثّلة بشخوصها، وأدواتها، وحركاتها... وبتفاصيلها...
فتجدكَ في قلب المغامرة، في قلب الحدث، وكأنما انتقلتَ إلى زمانهم، وإلى مكانهم، فالبحر من أمامك، والعدوّ من ورائك ....
وإنّ قلبك ليرجف وليهتزّ هلعا، وخوفا على مصير موسى وقومه، في لحظات حاسمة، خطيرة، مصيريّة ....لحظة لا يتبيّن فيها المصير أإلى خير ونجاة، أم إلى هلكة وفوات ...!
تجدُك مع الآيات تُسلط الضوء حينا على موسى، وعلى أتباعه حينا آخر، ولا تنفكّ مراقبا لفرعون وجنده، ويدك على قلبك المنخلع خوفا من مصير خطير مُحدق....!
إن الآية التي بين أيدينا من سورة يونس، تبيّن في إيجاز مُنجز مُعجز، كيف أن الله تعالى جاوز ببني إسرائيل البحر، وكيف أتبعهم فرعون وجنوده، وكيف أدرك الغرقُ فرعونَ ....
إنها لكلمات معدودات تصف الحدث، لتنتهي إلى مصير فرعون، وحاله وهو يغرق...
ولكنّ الجوامع التي بين يديّ تشوّقني للتفاصيل؟ فهل لي أن أعرفها ؟!
لسائل يقع على هذه الآية، ولم يقع على غيرها أن يسأل: تبدو قصة فريدة، فهل من تفاصيل؟
ولمن يبحث، ويجول بين حنايا القرآن أن يأتي بها شافية وافية كافية ....  🙂
لقد خرج موسى بقومه خفية عن فرعون وشيعته، ليلا على حين غفلة منهم : "فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23)" -الدخان-
فلنتأمل...
إنّ موسى عليه السلام لما خرج ليلا بقومه، ممتثلا لأمر ربه، لم ينجُ من اتباع فرعون له، ولكنّه بالمقابل قد نجا نسبيا، نجا بأن قطع بقومه طريقا بلّغهم شاطئ البحر، نجا بالقدر الذي جعل بينهم وبين فرعون وجنوده مسافة لها دورها وإن لحقوا بهم... وإن اتبعوهم...
والقرآن يومِض في عقل السائل والمتتبّع للتفاصيل، بمفتاح جديد ... 🙂
وذلك في قوله تعالى : "فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ(60)".... لقد أتبعوهم مشرقين... وبين الليل والإشراق مسافة، لا بدّ أن لها دورا ...لا بدّ... وإن اتبعوهم ...
إنه الإشراق... إنها الشمس تُسفر بجدائلها عن انقضاء الليل، وابتداء يوم جديد...
أتراه سيكون جديدا مشرقا في حياة بني إسرائيل، أم تُراه سيزيد إلى ظلمتها ظُلمة ؟؟!!
أين سيذهب موسى بقومه؟ أين يفرّ بهم والبحر من أمامه والعدوّ من ورائه ؟!
أمِن أمل في لجّ الخطر المُحدق؟!
إنني لأراني أعود القهقرى... قليلا إلى الوراء... إنها عودتي وحدي إلى الوراء، ذلك الوراء الذي فيه كل الوبال على بني إسرائيل، وإن هلاكهم لفي خطوة واحدة إليه ....!!
أما أنا فعودتي إليه لنتأمل...  🙂
لنتأمل دقة الكلمات القرآنية، ودقّة مواضعها ...
لنعرف تصديق القرآن بعضه بعضا..."فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ" ...
"إنكم متبعون" مؤذنة باتباع فرعون لهم، إنه سبحانه قد أعلم موسى مع أمره بالخروج ليلا، أعلمه أنهم متّبعون... ولا بدّ أن من شأن هذا أن يحثّ في نفس موسى عليه السلام الأخذ الأقصى بالأسباب، فلا يُستبعد أنه قد كان القائد المسرِّع لقومه، يوازن بين التخفّي والإغفال من جهة، وبين تسريعه قومه من جهة أخرى...
وإن لنا أن نتخيل خطورة هذه المغامرة على موسى وهو قائد لكل قومه، فإما بهم إلى نجاة ومَنعة، وإما بهم إلى هلاك ولوعة...!! هلاك لو خُيّروا وهم يُحدَّثونه لاختاروا بقاءهم على ذلّهم وعبوديتهم...!
ولكن... ماذا سبق كل هذا ؟؟
** لقد سبقه توكّل بني إسرائيل على الله ... "فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا"
** لقد سبقه دعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للظالمين وأن ينجّيهم "رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
** لقد سبقته قيادة موسى قومه أولا إلى الصلة بالله قبل أن يقودهم إلى النجاة "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ "
** لقد سبقه دعاء موسى عليه السلام على فرعون وملئه "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ"
** ولقد سبقه أيضا إعلام الله نبيَّيْه أنه قد أجاب دعوتهما "قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا "
** ولقد سبقه امتثال موسى وهاورن عليهما السلام لأمر الله تعالى بالثبات والاستقامة "فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ"
لقد كان كل هذا من قبل، لنكون اليوم قُبالة هذه المشاهد الحيّة، في غِمار هذا الحدث العظيم، هذه القيادة الرائدة لموسى، والبحر من أمامه والعدو من ورائه ...!!
إننا لا ننفكّ نلتفت إلى الوراء، حيث فرعون وجنوده...
لا ننفكّ نرقب تحركات ذلك الظالم المتجبرّ المتكبرّ المتألّه، وهو وجنوده يلحقون بموسى عليه السلام وأتباعه ....
إن الضوء مُسلط الآن عليه ...
تُرى ألَحِقَ بالقوم ليناديهم ويُسمعهم صوتا حمائميا مسالما، وليبثّ عهود الأمن والأمان، وليوادعهم ويحفظ لمملكته قوما لطالما سخّرهم لخدمته، ولخدمة ملكه ... ولطالما كانوا عبيده وطوع إشارة من بَنانه وأمر من لسانه ...؟!!
ها هو القرآن، يفصّل، ويُبين، فلا يترك لقائل أن يتقوّل بغير حقيقة الحال، من الآية ذاتها التي بين أيدينا "فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً"...
ظلما وجورا، وغاية في الاعتداء، وتماديا في الجبروت، وإسرافا في التألّه ...!!
فأيّ جرم اقترفه من غادر أرضه ووطنه، مفرّطا بحقّ من أعظم حقوقه، منقلعا من جذوره، لائذا بالفِرار...؟!
أي جرم اقترفوه وهم إذ يفرّون، يهيمون في الأرض على وجوههم، لا يدرون أيّها مأواهم، وأيها ملاذهم ...؟!
لقد حكمهم بغيا وعدوا، واتبعهم وهم فارّون بغيا وعدوا ....
ماذا تُراه سيفعل موسى؟؟
إنه الإشراق، إنه الصبح، إنه العدوّ يتبع، وإنه على آثاره وآثار قومه، لا يغادر...لا يرجع.. لا يَني ....
وها هو القرآن مرة أخرى يومِض، ويضيئ حجرات مظلمة في العقل السائل ...
ها هو الضوء من هناك يأتي بمفتاح جديد... بحبكة من حبكات هذه القصة، لتتلاحم كلها، فتنتج مشهدا متكاملا، متناسقا...
لقد أوحى إلى موسى ربُّه، لقد علّمه ما يفعل ..."وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى(77)" -طه-
فموسى عليه السلام يعلم أنّ عليه ضرب طريق يبس في البحر ... ذلك كان عنوانا... ولكن! كيف سيضرب لهم هذا الطريق؟؟!
لقد بلغت قلوب بني إسرائيل الحناجر، حتى قالوا وأعينهم ترقب العدوّ من خلفهم يلاحقهم، "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "....
عندها ردّ عليهم موسى بيقين العبد المتوكّل على ربه، الواثق به عظيم الثقة، وبهدايته إياه ....
"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)"-الشعراء-
يوقن أن ربه سيهديه، سيعلّمه الطريقة، سيُجليها له .... تيقّن أن معه ربه... "سيهدين"
ليأتي بعد يقينه، وبعد كلماته الموغلة في الإيمان بمعيّة الله، بفاء العطف التي تفيد السرعة في الإجابة والهداية.... "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)"
فضرب البحر... فانفلق... فكان كل فرق كالطود العظيم...
فاءات ثلاث متعاقبات دلّت كلها على سرعة في التعليم والهداية، وسرعة في العون والكفاية ....
فيجاوز الله ببني إسرائيل البحر، (في آيتنا هذه) .... ويتبعهم فرعون وجنوده، ولكنّ هذا الاتباع، هو اتباع على الطريق اليبس الذي مُدّ في البحر، اتباع على ذات الطريق الذي لم يكن لعقل أن يتخيّله في البحر مُمَهّدا للخطوات ...! اتباع على الطريق الذي ما فتئ بنو إسرائيل يفرحون به خلاصا حتى فوجئوا بالعدوّ عليه يقتفي الخطوات ...!
إن الخطورة ما تزال مُحدقة .... كيف لموسى أن يدفع هذا الخطر المُلازم ؟؟!
إن الأمر سيّان ففرعون وجنوده يستطيعون إدراكهم واللحوق بهم، بل إنهم على خطاهم على يبس البحر ...!! أيضرب موسى في البحر مرة أخرى بعصاه ليعود بحرا بلا يبس؟؟
إن الحلّ هنا... غير بعيد .... إنه مع أمره موسى أن يسري بالقوم ليلا، قد علّمه ما يصنع بالبحر !!
"فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)" -الدخان-
على نسق أمره سبحانه له باتخاذ السبب، مع بيان اتباعهم له رغم اتخاذه السبب، يُعطَف قوله تعالى : "وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ"
إنه الأمر مع النّذارة، يليه الأمر مع البشارة ...
لا تفكر في حلّ جديد لينقطع الطريق على فرعون وجنوده، اترك البحر على حاله، جبالا مائية يتخللها اليبس ... اتركه رهوا، إنهم جند مُغرقون ...
سيتكفل الله بإرجاع البحر لسُيُولته ...أجل لقد تكفّل سبحانه بذلك ....بإرجاع البحر لأصل حاله، مع نجاة كل قومك، وإغراق فرعون وكل جنده ...
لقد أطبق الله جبال الماء عليهم فأغرقتهم .....
وتلكُم كانت نهاية هذه القصة العظيمة ... 🙂 بمشاهد متحركة حيّة ... بأضواء مُسلطة على كل موقع... بحبكات منتظمات انتظام الخرز في سلسلة متّسقة منسجمة لا يفرّقها فلل، ولا يشوبها ثَلم...
وهذا هو القرآن يفرّق الأخبار بين ثنايا السّور لتجتمع في مشهد حيّ متحرّك محتبك متكامل لا تُداني جماله أروع وأحدث ما تصوّره تقنيات وصناعات البشر...
53
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:48:06 »
في قوله تعالى :{ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم مُّوسَىٰ وَهَارُونَ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُّجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِندِنَا قَالُوا إِنَّ هَٰذَا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ (76)} [يونس : 75-76]
لقد استكبروا أولا...
فرعون وهو ملك مصر، ومَلَؤُه وهم حاشيته المقرّبة من ذوي الجَاهِ والمكانة...
فرعون هو الذي استخفّ قومه، واسترهب فكرهم حتى كان يحثهم على الاستدلال على ملكه بالأنهار تجري من تحته، وهو يستنكر عليهم بقوله : "أفلا تبصرون" ...!
استكبر لما جاءه موسى وهارون بآيات الله حتى ادّعى الربوبية بقوله: "أنا ربكم الأعلى"...
واستكبر حتى ادّعى الألوهية فقال : " ما علمت لكم من إله غيري"...
أما عندما جاءهم الحق من عند الله، بالبينات الساطعة المفحمة، وعندما عرفوا أنه الحق، ولم يبقَ لأهل اللجاج وقد أفحمهم الحجاج، وزهق الباطل اللجْلج بالحق الأبلج...
لم يجد أهل الاستكبار إلا أن يقولوا : "إن هذا لسحر مبين"...
والسحر أخيلة تصوّر الباطل حقا...
هكذا ألقوا بصفة السحر على الحق ينفذ للعقول من منافذها، ويملك القلوب من عروشها...
وهكذا حال من استرهب العقول والأفهام، واستبدّ بمفاتيحها وبمغاليقها، يفتح منها لنفسه ويغلق منها لما عداه ... فيقلب في تصوّرهم الحق باطلا، فيرونه كذلك... ويقلب الباطل حقا، فيرونه كذلك... إي وربي، فإن المفاتيح والمغاليق بيد السجّان لا بيد السجين...!!
عندما تُغتصب العقول، فتفقد حريتها، تصبح كالعبد بيد سيّده لا حركة إلا لما يحب، ولا سكنة إلا لما يبغض...
يصبح كاللعبة بيد صاحبها، مِطواعة ليده، إن شاء التهى بها، وإن شاء خبأها، وإن شاء أظهرها، وإن شاء مزّقها إربا إذا تملكته السآمة منها والملالة...
والمستكبر إذا أُفحِم باطله بحق... صار دَيْدَنه -كما وصف ابن عاشور- التدرج من مجرّد الإباء المنبعث عن الاستكبار إلى البهتان المنبعث عن الشعور بالمغلوبيّة...
فهو شنشنة المغلوب عديم الحجة الذي قهرته الحجة وبهره سلطان الحق...
نعم من استكبار ، إلى بهتان مبعثه الشعور بالمغلوبية... هكذا هو ديدن المستكبرين، المستعبدين للعقول...
وإن لزماننا هذا لفراعنَتَه المتعالمين أو الآسرين بالعبارات الرنانة الذين يقلبون الحق باطلا والباطل حقا لكل مَن أسلمهم عقله..
فليت شعري... لا حق ليد أن تمسك بمفاتيح عقلك ومغاليقه إلا يدك... فافتح للحق ينفذ... وأغلق دون الباطل يُمسك... ولا إله عليه إلا الله، ولا رب له إلا ربنا...الله... !
54
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:47:49 »
" يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلا تُنْظِرُون" -يونس-
1- أجمعوا أمركم (اعقدوا عزمكم على إهلاكي الذي تريدون) + 2- مع شركائكم + 3- لا يكن أمركم عليكم غمة (لا تترددوا في إمضائه) + 4- اقضوا إلي (أنفذوه فيّ) + 5- لا تنظرون(لا تمهلوني)
غاية الشجاعة والتوكل على الله والثبات في نوح عليه السلام، وهو قد لبث فيهم قرونا داعيا مُكَذَّبا... !!!
أي شجاعة وثبات في سيدنا نوح عليه السلام وهو الذي يلتفت فيجد ابنَه كافرا، ويلتفت فيجد زوجته كافرة ... ! ويلتفت فلا يجد غير المكذِّبين .... !!
كم يشبه حاله حال سيدنا إبراهيم عليه السلام، فكان أباه الذي حُرِمَه مؤمنا، كما كان إبراهيم ابنَ نوح الذي حُرِمَه مؤمنا ... وأي أبوة وأي بنوّة !!!
55
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:47:33 »
"أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ رَجُلٍۢ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ ٱلنَّاسَ وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِندَ رَبِّهِمْ" -يونس-
"إلى رجل منهم" ....
إلى رجل منهم ------->  يعرفونه
إلى رجل منهم -------> لبث فيهم عمرا من قبله
إلى رجل منهم -------> يعرفون صدقه وأمانته
إلى رجل منهم ------->يأتيهم بالآيات البينات
من أين لرجل منهم يعلمون عنه كل هذا أن يكون له كل هذا العلم وكل هذا البرهان، وكل هذا البيان، وكل هذه الحجة ؟؟ ! .
علمه ربه كل هذه الطرق في المحاججة بالعقل، بالسؤال تارة للتحفيز على التفكّر، بالتوجيه للنظر، للاستدلال ...
عَبْر "بشر" يحثّ العقل، فيعلّم البشر إعمال العقل ..وهذا أدعى أن يتفكروا فيما جاء به،  ليوقنوا أنه ليس بقول بشر ....
56
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:46:47 »

 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

واليوم نحن مع الجزء الأخير من قصة كعب بن مالك رضي الله عنه، وقفات مع محطاتها الزاخرة بالعبرة والتربية ...وكنت قد قسمتها أجزاء، هذه الثلاثة الأولى منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1212053745586823&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1215567461902118&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
-----------------------------------------------------------------------------------
وتمّت لكعب خمسون ليلة من يوم اعتزله الناس، وهو على تلك الحال التي لم يكن يعلم ساعتها متى تكون نهايتها .... وهو على ما عرفنا من الثبات بما قدّم لنفسه حين صدق ...
وفي صباح اليوم الواحد والخمسين، كعب على ظهر بيت من البيوت قد ضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وهذا الوصف الذي جاء من ربّ العزّة في القرآن، سبحانه الأعلم بدواخلِ عباده وما يختلجهم ... !
لقد ضاقت على كعب نفسُه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ... لقد بلغ به الضيق مبلغا عظيما، فلكأني بقلبه وقد بلغ حنجُرَتَه، لكأني بقلبه لم يعد يتسع للنّبض بَلَهْ أن يتسع لحاله ...!!
إنها النفس البشرية .... إنها الضعيفة ...
إنه كعب الذي عهدناه أصدق لسان يصف الضعف البشريّ، ثم عرفناه القويّ الثابت على أمر الله ورسوله، عرفناه الصابر المحتسب، عرفناه الذي يذوق علقم المقاطعة، ويتعدّى عقبات الإغراءات ... فيتقوى ويتقوّى ...
يعود ليصف ضعفَه المُلازِم وهو البشر ... بل إنّ رب العزة سبحانه يصفه في قرآنه، ضاقت عليه نفسُه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت ...!
بينما كعب تلك هي حالُه .... إذ به يسمع صوت صارخ مِن على جبل : "يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ " !!!
وفور سماعه كلماته... فَهِم كعب... 🙂 🙂 فخرّ ساجدا، وعرف أن قد جاء فَرَج ... 🙂
لقد عرف كعب أنّ الفرج قد حلّ .... لقد فهم ... لقد تشوّف لهذا... لقد ترقّبه، ونشده وثبت له، وصبر له حتى بلغه ....
وأخيرا ..... هذه عُقبى الله التي رجا كعب 🙂   هذه تباشيرها قد لاحت مع لَوْح فجر هذا اليوم ...
وقد أعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله على كعب وصاحبَيْه بعد صلاة الفجر، وهرع الناس يبشّرون ثلاثتَهم، وخلع كعب ثوبَه وألبسَه البشير... واستعار ثوبَيْن ولبسهما، وسارع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وها نحن أخيرا مع مرحلة جديدة من مراحل هذه القصة الفريدة ... 🙂
ها نحن مع هذه النهاية السعيدة من بعد ما ضاقتْ أنفسُنا مع كعب مما لاقى، من بعد ما جلّت لنا تلك "المرآة الكعْبيّة" حقيقة ضعفنا جميعا، وحقيقة ما يعترينا من الضعف والزلل والخطأ ... لا ندّعي ثباتا من أنفسنا، ولا ندّعي قوّة منها، ولا ندّعي أننا نتجاوز العقبات بسهولة ولا تحيك في أنفسنا المغريات ...
لقد علّمتنا المرآة الكعبيّة الصادقة أن نزداد صدقا على صدق، وألا نسارع للعذر قبل العلّة، بل أن نعترف بالعلّة قبل العُذر الذي غالبا ما نصنعه صنعا...
ها نحن مع "العُقبى "  ..... 🙂
هذا كعب بين يَدَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسجد، والناس مقبلون عليه مهنّئين أفواجا أفواجا، وانقلبت المقاطعة إلى تهانٍ وتبريكات بتوبة الله عليه... 🙂
يقول كعب : "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ : أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ قَالَ فَقُلْتُ : أَمِنْ عِنْدِكَ ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَقَالَ : لَا ، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ ، كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ ، قَالَ : وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ ".
لنتأمل ....
وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يبرق من السرور 🙂 وأبشر يا كعب بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك ... !
فيسارع كعب إلى سؤاله صلى الله عليه وسلم : أمِن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟
يريد أن يفهم أهي توبة الله عليه أعلنها رسول الله وقد أنبأه الله بها كما شأنه يُنبِئه ربّه بأمور وهو النبي، أم أنه الوحي نزل قرآنا يُتلى ؟
فأنبأه أنها من عند الله ... 🙂
ولنا أن نتخيّل فرحة كعب بالتوبة عليه من الله تنزل قرآنا يُتلى إلى يوم الدين ...
فإن التائب منا ليتوب وهو يرجو عُقبى الله، ولكنه لا يعلم على وجه الدقة أتاب الله عليه وقبل توبته أم أنه لم يقبلها، ويعيش على أمل ورجاء أن يتقبله الله ...
ولكنّ كعبا كان التائب الذي أعلمه الله تعالى بأنه قد تاب عليه، وقبله، وعفا عنه ....
هنيئا لك يا كعب .... هنيئا لك توبة الله عليك بكلمات الله تُبينُها ... 🙂
وإنني لأجد نفسي المهنئة من غير سابق تفكير، انسابت التهنئة من قلبي إلى قلمي انسيابا من فرط استشعاري لوزن هذه العطيّة الربانيّة العظيمة .... 🙂
لقد رجوتَ عُقبى الله ... فهي ذي عُقباه سبحانه رِضى ورضوانا يا صاحب الرضوان 🙂 
نزل قرآن يعلن رضاه عنك مع مَن أعلن يوم الشجرة، وينزل اليوم قرآن يعلن توبة الله عليك، فهنيئا هنيئا يا صاحب الرضوان والتوبة .... 🙂
والآن .....
هذا كعب يحدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم بحديث ...
لقد قال له أنّ من توبته أن ينخلع من مالِهِ كلّه، فأشار عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبقي لنفسه منه، فأمسك عليه سَهْمَه من خيبر، وتصدق بما بقي لله ورسوله...
لنتأمل....
ولكأني بكعب يجدّد توبته، لكأني به بما صدق رسول الله، وبما ثبت فيما اعترضه من الابتلاء، ولكأنّ الخمسين يوما الماضية لم تكن منه توبة، وهي إنما كانت توبة ...
فهو ذا يجدّدها... أهي شكر لله على توبته عليه ؟؟ أهي الشكر منه على تثبيته إياه ؟؟
إنني لأرى كعبا الصادق، وهو لا يرى نفسه قد أبلى بثباته، وبصدقه، بل أراه يوعِز الفضل كله لله، فها هو ذا يشكره على أن وفّقه فصدق، وعلى أن وفّقه فثبت ... وعلى أن تاب عليه
يااااه .... كم أنتِ صادقة أيتها المِرآة الكَعْبيّة ... كم أنتِ حكيمة ... كم أنت "مدرسة" 🙂
ولا يفوتني أن أذكر ما حضرني بانخلاع كعب من ماله توبةً لله، وهو الذي مال للثمار ساعة تبوك...
أين حلاوة الثمار التي كانت قريبا سببا من أسباب تكاسُله عن الخروج ؟؟ أين ضعفه ساعتها، من قوته اليوم ؟؟ أين مَيْلُه إليها ساعتها من انخلاعه منها اليوم ؟؟
كما حضرتي "أُحُد"   بقياس عصيان أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمَرَهُم ألا يتزحزحوا عن أماكنهم وإن رأوا المؤمنين يجمعون الغنائم، فتزحزحوا عنها، ومالتْ أنفُسُهم للغنائم، مالتْ للدنيا وهم في لقاء العدوّ ... فكانت الهزيمة، وكانت مدرسة أُحُد الزاجرة والمعلمة للأمة كلها...
وهذا كعب اليوم وصاحِباه أفراد يتكاسلون عن أمر رسول الله، فيتخلّفون عن القتال في سبيله ، عن لقاء العدو... عصيان لأمر رسول الله في أُحُد وعصيان لأمره في تبوك، وهذا كعب يقول بمَيل نفسه للثمار وقد طابت، فيُرجِئ رسول الله هؤلاء الأفراد ليقضي الله في أمرهم، ليكونوا درسا للأمة بالمثل، درسا يعلمهم مغبّة معصية أمره صلى الله عليه وسلم، ولو أنه تساهل معهم لتساهل المؤمنون بشأن أمره أبدا ...
وكما تعوّدنا من كعب المِدرار ... 🙂
هذا شيء مما آلاه على نفسه : ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي بِالصِّدْقِ ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحَدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ ، قَالَ : فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى يَوْمِي هَذَا ، أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ بِهِ ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِلَى يَوْمِي هَذَا ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ"
من توبته ألا يحدّث إلا صدقا، من أكثر مَن أنعم الله عليه بصدق الحديث، وإنه ليرجو من الله أن يحفظه بالصدق فيما بقي ....
يُرجِع الفضل كله لله، في أنه  "أنجاه"، وأنه  من أكثر مَن "أنعم" عليه بالصدق، وأنه يرجو أن "يحفظه" بالصدق فيما بقي ...
ثم يذكر كعب الآيات التي نزلت فيها توبة الله عليه وعلى صاحبَيْه :
"لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (117)وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّىٰ إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) "  -التوبة-
فلنتأمل ....
هذه الآيات تُفتتح بتوبة الله على النبي وعلى المهاجرين والأنصار الذين لم يتخلّفوا عن غزوة تبوك، ثم تعقبها مباشرة توبته سبحانه على الثلاثة الذين خُلّفوا ...
لقد تخلّفوا، ولكنهم اليوم يُذكرون بمثل ما ذُكِر به المجاهدون ! فأولئك كانوا المجاهدين في ساحة الوغى، وهؤلاء الثلاثة كانوا المجاهدين في ساحة النفس ...
ولَعَمري إنّ جهاد النفس لعظيم عظيم عظيم ... وإن كعبا لأبلى البلاء الحسن في ساحة نفسه، بعظيم صدقه، وبالاعتراف بضعفه، وبمجاهدته هذا الضعف فيه، وبثباته بوجه الإغراءات ...
لكأني بكعب يفوز بالمكانة ذاتها التي فاز بها المجاهدون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، من فرط ما صدق، ومن فرط صدق توبته ...
أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ...
وإنني لأتأمل وصف الله تعالى لهم، في قوله سبحانه: "وَظَنُّوا أَن لَّا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ"
والظن هنا هو الاعتقاد، فاعتقادهم الذي غشى قلوبهم أنّه لا ملجأ من الله إلا إليه...
كعب وقد اعتزله كل الناس، بل واعتزله رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يعد يرد عليه إذا حدّثه، وانتهى به الأمر إلى اعتزال زوجته ...فمَن ذا بقي معه ؟؟ إنه الله تعالى ....
وهو الاعتقاد الذي لفّ نفس كعب لفا ... لا ملجأ من الله إلا إليه  .... وهذه عُقبى الله التي رجا ...
ويستطرد كعب، فيقول أنه لم يعرف نعمة أجلّ ولا أعظم بعد الإسلام من صدقه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... وأنه لو كذبه ساعتَها لهلك كما هلك الذين كذبوه، وحلفوا على الكذب، ذلك أن الله تعالى كشف أمرَهم في سورة التوبة في قوله سبحانه: "سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ ، فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ ، إِنَّهُمْ رِجْسٌ ، وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ "-التوبة-
ولنعد إلى الوراء بقصتنا، لنجد كعبا وهو يَصدُقُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، يقول له أنه لو أراد الخروج من عند أحد بعذر لما كبُر عليه ذلك وقد أعطِي جدلا، ولكنه معه لو أنه خرج من سخطه بعذر، ليوشكنّ الله أن يُسخِطه عليه ...
وهذا ما عنى كعب، وكان متعقلا، حكيما ذكيا، ففهمه قبل نزوله قرآنا ... هذا ما نزل في هلاك الكاذبين الذين نجوا بكذبتهم بين يدي رسول الله، أولاء هم اليوم المفضوحون بين يديه بما أنزل الله فيهم من آيات الهلاك وغضب الله عليهم ...
ولا يفوت كعبا أن يُفهِمنا في هذا الحديث، معنى قول الله تعالى : "وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا"
إذ أنّ "خُلِّفوا" هنا لا تعني تخليف الله لهم عن الغزوة، بل تعني تخليف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمرهم، وإرجاءَهم بخلاف الذين حلفوا لهم فقبلهم ولم يخلّفهم ...
كما لا يفوتني أنا أيضا أن أدعوكم لتأمل دور الحديث النبوي في تفسير الكثير من معاني القرآن الكريم، في إشارة دائمة مني إلى الذين يريدون الاقتصار على القرآن وحده، وإلى الذين يشككون بدقة نقل الحديث .... أقول لهم : أين ستجدون رجالا بدقة صدق هذا "الكعب" الذي يُحدّث عن نفسه بكل سَوْءاتها، وقد عرف وزن الصدق...على شاكلته هم نَقَلة الحديث النبوي .... فأنّى تُؤفَكون ؟!
وينتهي الحديث... وتنتهي القصة ... ولا تنتهي آثارها في أنفسنا ... 🙂
استشعرت ثقل كعب منذ الوهلة الأولى وهو يروي عن نفسه، ولا يعتذر، ولا يتذرّع بذريعة...
قد رجا عُقبى الله... فلم يُستغفَر له، ولم ينتهِ أمره بالسرعة التي انتهى بها أمر الكاذبين، بل قد خُلّف إلى أن يقضي الله بأمره ... ولم يهتزّ...
بل رأيناه يزداد قوة مع كل ما اعترضه من الابتلاء ... يعلّمنا أن عُقبى الصدق ليس بالضرورة أن تُرى من الفور، بل قد تتأخر إلى أن يُمتَحن الراجي في ثباته ... فإن هو ثبت (وغالبا سيُوفّق للثبات من تقديمه لنفسه بصدقه) جاء الفرج، وعرف الخير عاقبة في الدنيا، ونفعه صدقُه يوم ينفع الصادقين صدقُهم ....
وعلى خطاك يا كعب أقول: " أرجو أن يحفظني الله وإياكم بالصدق فيما بقي "
فلنتعلم ولنتعلم ............ ولنتعلم .... 🙂
57
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:46:00 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نكمل مع كعب بن مالك، وهذا الجزء الثالث من تأملات في قصته  🙂 وكان هذان الجزءيْن الأول والثاني  منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1212053745586823&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
--------------------------------------------------------------------------------------------
هو ذاتُه كعب الذي نجح في تجاوز الإغراء وثبت ....
ألستم ترون معي الآن كعب القويّ الثابت ؟؟
يستطرد كعب راويا ....  وما تزال المعترضات تعترضه .... 🙂
يُحدّث كعب الآن عن أمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجّهه للمؤمنين بشأنه وبشأن الاثنَين البَدْرِيَّيْن معه ...
لقد أمر المؤمنين أن يقاطعوهم ثلاثتَهم، فلا يكلموا منهم واحدا، ولا يكلم الواحد منهم أحدا ... أمرهم باعتزالهم...
يقول كعب: " تَغَيَّرُوا لَنَا حَتَّى تَنَكَّرَتْ لِي فِي نَفْسِيَ الْأَرْضُ ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ الَّتِي أَعْرِفُ ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً "
تنكّرتْ له الأرض فما هي الأرض التي يعرف، وكيف يعرف الإنسان من لا يكلمه، ومن لا يردّ عليه إذا ما هو كلّمه، ومن يجتنبه فلا يخالطُهُ، ومن يُعرِض عنه فلا يحدّثه ...
كيف يعرف المرء أرضا أهلُها عنه معرضون ... مستجيبون لأمر نبيّهم فيه، فلا بائع يكلمه إذا ما أراد ابتياعا، ولا صديق يواسيه، ولا مؤمن يبشّ في وجهه تصدّقا عليه ...
كيف يعرف المرء أرضا تنكّرت له .... ؟؟
يااااه ........... ما أصعب هذا على النفس !!!
ولبث كعب وصاحباه على ذلك خمسين ليلة !!
لم يكن يعلم كعب والمؤمنون ممتثلون لأمر رسول الله باعتزاله كم سيدوم الاعتزال ... 
إنه يخبرنا به وقد عرفه من بعد انقضاء الأزمة وانتهائها، أمّا وهو في خضمّها، فإنه لم يكن يعلم إن كان لاعتزالهم إياه من نهاية أو حدّ ...
لا بل إن كعبا فعل ما لم يفعله صاحباه ...
أما صاحباه فقد مكثا ببيْتَيْهما يبكيان، وأما هو فكان أشبَّ القوم وأجلدَهم، فكان يخرج من بيته، ويشهد صلاة الجماعة، ويطوف بالأسواق ولا يكلمه أحد .... !
لقد وضع كعب نفسَه بقلب العذاب، وذاق من مرارته العلقم بألوانه، ولو شاء لكفى نفسَه بما كفى به صاحباه نفسيْهِما ...ولكنه كان يرى من اعتزال الناس له وإعراضهم عنه رأي العَين، وكان يلامس هذا العذاب ملامسة ....
ألا ما أشدّ هذا وما أصعبه على النفس...!!
وإني لأسألكم أن تتخيلوا أنفسَكم وهذه الحال أنتم في قلبها ... لتحاولوا تخيّل مقدار ما كان يتعذّب كعب .... يتعذّب وهو لا يعرف إن كان للأمر من نهاية ...!!
لا.... وكان كعب يفعل أكثر من هذا ...
لقد كان يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ويسلّم عليه ... وهو يتمنى أن يحرّك رسول الله شفتَيه بردّ السلام عليه ... كان يراقب شفتيه، لعله كان يحركهما بذلك ...وما كان يسمع منه ردّا .... !
لا .... وأكثر من هذا ....
لقد كان يصلي قريبا منه، وكان يُسارقه النظر إذا لم يكن مقبلا على صلاته، فإذا أقبل كعب عليها، لمح رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه، فإذا هو التفت إليه أعرض عنه ...
بأبي هو وأمي  صلى الله عليه وسلم ...
كان يلتزم بما أمر به أصحابَه، ولكنّه بقلبه الحاني، كان ينظر في كعب نظرات الحنون المحبّ الذي يتطلّع إلى وجهه من غير أن يعرّفه ذلك منه، ولكنّ كعبا عرفه منه ....
ولَعَمري لعلّ كعبا كان يستزيد من تلك النظرات الحانية المستخْفِية، لعله كان يرى فيها زادا وكفاية مع ما هو عليه من شدّة وضيق ... لعلّها كانت تُذهِب عنه بعض ما كان يعانيه من لأواء الاعتزال، ووحشة الإعراض...
وطالت على كعب جفوة المسلمين، واستوحشت نفسه، وتعبتْ ... ونال منه الاعتزال منالا..
لنتأمل ...
أيّ جُرم أتاه كعب وقد صدق ؟!! ألأنه قد صدق ؟؟ ولو أنه اعتذر بكذبة لاستُغفِر له، ولعاد بين الناس لا يقاطعه أحد، ولا يذوق من هذا العذاب شيئا ...
ألأنه صدق ؟؟   ربما حدّثتْ الواحدَ نفسُه بهذا إن كان مكان كعب ...
أهذه عاقبة الصدق ؟؟ انظر يا كعب ما فعل بك صدقُك .. انظر ولو أنك اعتذرت وكذبت لنجوت ... !! وهؤلاء المنافقون مُكلَّمون من الناس، يشترون ويبيعون، ويحدِّثون ويُحدَّثون، ويضحكون  .... وهذا كعب المؤمن الصادق يذوق من العذاب ألوانا ...!!
طالت عليه جفوتهم، فهرع إلى أقرب وأحب إنسان إليه بينهم، إلى ابن عمّ له، تعوّد أن يتسوّر بُستانَه ، فتسوّره حتى كان بين يديه، فناشده بالله إن كان يعلم منه أنه يحب اللهَ ورسولَه ... فأعرض عنه ابن عمّه ولم يجبه، فسأله الثانية، فأعرض عنه الثانية، فسأله الثالثة، فما ملك إلا أن يقول : "الله ورسوله أعلم "...!
لقد بات كعب يرى نفسه وكأنه المنافِق الأكبر المنبوذ، وكأنما هو الكافر العتيّ العُتلّ الذي يعتزله المؤمنون كرها وبغضا .... لقد بات يسأل إن كانوا يعرفون منه حبا لله ولرسوله ... إن كانوا يذكرون منه إيمانا ....
لنتأمل ....
كم موقفا اعترضَنَا في هذه الحياة الدنيا، عرفنا أن كذبة صغيرة "بيضاء" تنجّينا من مغبّته وعاقبته ومشاكله التي يُعلَم أنها الصعبة المتشابكة ... ؟!
لنسأل أنفسَنا ... كم موقفا وُضِعنا به، أو سنوضع به، كذبةٌ تخلّصنا من تبِعَاته ؟
فما كان اختيارنا، وما سيكون اختيارنا...ألكذبة منجّية نستغفر بعدها، أو لصدق قد يورِدنا المشاكل المتشابكة، ولكنه الصدق الذي نبتغي به عُقبى الله، وإن كان في ذلك اختبار يتلوه امتحان للثبات في أنفسنا...
كم تُرانا سنصدق، فنحدّث بصدق ما هي عليه حال أنفسنا حيال ما يعترضنا ....؟
أما كعب فقد فاضت عيناه بعدما قال له ابن عمّه ما قال، فاضت عيناه، وفاضت نفسُه المنهَكة .. !
أما فكّر كعب في الرحيل عن هذه الأرض التي نبذتْه وتنكّرتْ له ؟ أما فكّر أن يغادرها إلى أرض تحتضنه، ولا يُعرض عنه أهلها إذا حدّثهم، ولا يُجانِبه ناسُها ...؟
ألم يحدّث نفسَه بهذا، وهو الذي لا يعلم إن كان لهذه الحال من نهاية ... ؟!
ومازال كعب يحدّثنا...
وهذا من أطول الأحاديث التي عرفت ومن أغناها بالدروس والعِبر، وكم برقتْ دمعاتٌ بأعين أخوات لي وأنا أحدّثهنّ بما لحق بكعب، وكم حَزِنَّ على حاله، وتمنّيْن لو أنّ فرجا قريبا يلمع في أفق ما هو آت...
ألا ترون معي فيما رأيت أن كعبا يُمتَحَن ؟؟ ألا ترون أن ثباته يُختبر ؟
ألا ترون أنّه وقد صدق لم يُقضَ أمره بالسرعة التي قُضي بها أمر المنافقين فهم بين الناس يغدون ويروحون ولا حرج ... بل إن أمره ما يزال معلّقا... وما يزال يُمتحن حتى يقضي الله فيه بأمره ...
فاضت عيناه ومضى...
وبينما هو يمشي بسوق المدينة إذا نبطيٌّ مبعوث من أهل الشام يسأل عن كعب بن مالك، فيدلّه الناس عليه، فيأتيه ويدفع إليه كتابا من ملك غسّان، فيه الإغراء وانتهاز الفرصة ومحاولة الولوج من الثّغرة كدأب المتحيّن لساعة أو حالة ضعف في المؤمن ليُغْويَه ...
ملك غسان يعرض على كعب أن يأويه ويحتضنه بقوله : "أَمَّا بَعْدُ ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ ، فَالْحَقْ بِنَا نُوَاسِكَ "
"الحقْ بنا نواسِك" .... وهو يسأل كعبا أن يلحق به، يفتح له بابا هو موصدٌ دونَه بين أهله، يكفيه عذابا لا يعرف له نهاية، يكفيه جفوة لا يعرف لها حدا ... نالتْ منه وأنهكتْه
يسأله أن يلحق به، ليفتنه عن دينه، ليهيّئ له كم هانَ على صاحبه (رسول الله صلى الله عليه وسلم) أن يجافيه، وأنّه بالمقابل هو مَن سيُؤويه ويحتضنه ويكفيه هذا العذاب الذي لا يستحقه وقد صدق !!
أي إغراء هذا .... أيّ إغراء صعب ...!! يأتي بوقته المناسب وكعب يعاني عذابات الاعتزال ...
تُرى ما هو فاعل بكتاب ملك غسان ... ؟!
قال كعب كلمة نمّت عن فهمه لما يعترضه : ": وَهَذِهِ أَيْضَا مِنَ الْبَلَاءِ فَتَيَامَمْتُ بِهَا التَّنُّورَ فَسَجَرْتُهَا بِهَا "
لنتأمل ....
لقد عرف أنّ هذا من البلاء الذي يُبتَلى به، عرف أنها من الاختبار، وما أجمل أن ينتبه المؤمن للابتلاء، بتثبيت من الله تعالى ينتبه ويعرف أنه ابتلاء، فينجح في تجاوزه ولا يكون في نفسه من ثغرة ينفذ إليها مُغرٍ بإغرائه ... حتى وإن اتّحدت شياطين الإنس والجنّ، ينتبه ويفهم، ويقرأ الرسالة الربانيّة بعنوانها الصحيح، فلا يرى الفرج في الإغراء، بل يراه الابتلاء ... فسرعان ما تقفز همّتُه للفصل في الأمر ...
يسارع كعب بالكتاب إلى التنور (وهو موقد النار)، فيحرقه به ...
ولنتأمل ....
هذا كعب الذي عرفناه في بدايات القصة يصف ضعفه، ويصف ويصف، هو ذا اليوم كعب الثابت، الصابر....
لقد قدّم كعب لنفسه، قدّم لها بصدقه ... حتى ها هو اليوم يُحسِن قراءة العارض يعترضه، ويُحسن التصرّف بثباته ...
وهذه "عُقبى الله" التي رجاها بصدقه ... ما تزال تُحجَب عنه بالابتلاءات والاختبارات المتوالية ... ما يزال لم يُقضَ فيه بعدُ بأمر الله، ولكنّ نفسَه تتقوّى، تتزَكّى، تتطهَّر بكل هذه العذابات ...كفعل النار في الذهب، تفتِنُه ليُخلَّصَ من كل شائبة ويبقى الذهب الخالص ...
قبل قليل أسمعتُ نفسي وإياكم صوتا نعرف أنه الذي يتعالى في ساعات العُسر...
صوت النفس الضعيفة، تتكالب عليها المِحَن، صوت النفس التي تصدق فلا ترى عاقبة صدقها دانية الجَنى، بل ترى المِحنة تعقبها المِحنة وهي التي صدقت، بينما ترى بالمقابل الكاذب والمنافق والمُلتوي ينجو ويرغد عيشُه  ... !!  و"عقبى الله" التي ارتجاها الصادق إذ صدق تبدو لصاحبها كما يبدو بصيص النور للأعمى ... سوادا في سواد ...!
ولكنّ "السرّ" المنجّي، والجسر الموصِل أنّ الصادق الذي يبتغي وجهَ الله بصدقه غاية الابتغاء يُوفَّق إلى قراءة الرسائل الربانية التي تُصاحب المحنة والابتلاء قراءة صحيحة فيَثبُت .......
وكذلك حال كعب .... لا نراه إلا القوي الذي تزداد قوّته مع كل ابتلاء، فهو يطوف بالأسواق ويشهد الصلاة والكلّ عنه مُعرض، بل رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه معرض، وأحب الناس إليه لا يشفي غليلَه، فلا يشهد أنه عرف منه يوما حبا لله ولرسوله، والشرّ الملتحف بلحاف الخلاص يأتيه عبر كتاب ملك غسان يدعوه دعوة الذي أشفق لحاله من جفوة صاحبه له، فيتيمّم التنور يحرق به كتابَه ...
فلنتعلّم ..... إنما هو "الصدق" وتحرّيه ابتغاء عُقبى الله... والله لا يبخسُ الناسَ نواياهم، فهو سبحانه الذي يجزي بالتثبيت .... فيكون الثبات ...
وأحبّ أن أذكر شيئا مما قالته لي أختٌ من الأخوات اللاتي أسمعتُهنّ قصة كعب، وكنا نتملّى محطاتها، ونتريّث ونحن نتأمل...
قالت أنّ كعبا وهو يواجه هذه الابتلاءات لا نراه ذاك الذي يوعِز ما يلقاه إلى غضب الله عليه كفعل الكثيرين ممّن يُبتَلَون فيفسّرون الابتلاء بالغضب، فينزوُون، ويقنطون، ولا يرون من بارقة أمل ...
أجل... لم يكن كعب من القانطين .... كعب لم يكلّمه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يردّ عليه، وقاطعه المسلمون، ووافاه رسول ملك غسان بالكتاب المُغري، ورغم ذلك كله لا نراه ينزوي باكيا، قانطا، منكفئا يفسّر كل ذلك بغضب الله حتى تأكله الحسرة، وتُوهِنَه الخشية المبالَغ فيها والتي تورد صاحبَها اليأس من رحمة الله ...
والآن .... 🙂
لقد مضت أربعون ليلة على حال كعب وصاحبَيْه، وكعب الأشبّ والأجلد، فهو الأكثر عرضة للعذاب منهما ...
جاء كعبا وصاحبَيْه رسولُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يُبلِغُهم بأمر رسول الله أن يعتزلوا نساءَهم... 🙂
أي حال هي هذه ؟؟ أي مآل ..... !!
قَال كعب : " فَقُلْتُ : أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ ؟ قَالَ : لَا ، بَلِ اعْتَزِلْهَا ، فَلَا تَقْرَبَنَّهَا "
فما كان من كعب إلا أن ألحق امرأتَه بأهلها حتى يقضي الله في أمره...
وكانت امرأة أحد الثلاثة وهو هلال بن أمية قد استأذنت رسولَ الله في أن تخدم زوجَها وهو شيخ كبير، فأذن لها على ألا يقرَبَها ... فأشار بعض الناس على كعب أن يستأذن رسول الله هو الآخر في زوجته، فأبى ...
أبى أن يستأذنَه فيها، فيأذن له أن يبقيها معه، وهو يعلم من نفسه شبابا وإقبالا عليها، فكان إلحاقه إياها بأهلها كالمانع من أن يخطئ كعب، متحرّيا أن يأتمر بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بحذافيره، فيتفادى كل ما من شأنه أن يُضعفَه فيه ... بل إنه لو أمره بتطليقها لفعل...!
لنتأمل .... تأملوا يرحمكم الله ...
ألستم ترون كم أنّ كعبا تقوَّتْ نفسُه ؟! ألستم ترون ثباتَه، والابتلاء يعقُبُه الابتلاء ؟؟
ألستم ترونه مع كل ابتلاء يزداد قوة وطاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكأنّي به يعوّض تخلّفه عن الغزوة، وتخلّفه عن طاعة أمره صلى الله عليه وسلم فيهم بالغزوِ بهذه الطاعة، وهذا الثبات ... هذا عدا عن جَنى صدقِه الذي ابتغى به عُقبى الله ...
ومازال لنا مع كعب شوط أخير... فهل نكمل ؟
58
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:45:04 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نكمل مع كعب بن مالك، وهذا الجزء الثاني من تأملات في قصته  🙂 وكان هذا الجزء الأول منها :
https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1210051385787059&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
------------------------------------------------------------------------------------------
ليس بعيدا... إنما هو القريب... بين أيدينا على هذه الصفحات ... 🙂
انتهى الأمر الآن ....
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيشُه ...لقد تبيّن حال كعب لكعب ....
لقد عرف أنه المتخلّف .... جعل يصارع في نفسه تكاسلا لم يعهده منها، جعل يعترف بمَيْله للثمار والظلال تُلقي جمالها وجاذبيتها، يُقرّ أنها فعلت في نفسه فِعْلَها  ...
وهذا كعب "العَقَبيّ" وهذا كعب "الرُّضوانيّ" ...
وهذا كعب الذي لم يتخلّف من قبلُ عن غزوة .... هو هُو كعب الذي يصف ضعفا في نفسه فلم يجعل من شجرة الرضوان له متكأ يخفّفه عنه، ولا مِن العقبة .... بل لَعَمْري إني لأرى الرجلَ يجعل من هذه ومن تلك دافعا لاتّهام نفسه أكثر فأكثر .... 
وهكذا هي الأنفس تختلف، وهكذا هي نظرتها للأمور تتفاوت ... فمَن يهوّن على نفسه حتى تَهُون، ومن يُعطيها حقها من التربية حتى تُصقَل وتتربى وتُهذّب وتُزَكّى، ومَن يُغالي فينكفئ عليها مهموما محزونا لا يعرف للأمل سبيلا ....
وبين النظرة المُفرِطة والنظرة المُفَرِّطة تقع الحِكمة ......... 🙂
والآن كعب سينتقل بنا إلى مرحلة أخرى، ولكنه ما يزال الواصف ...
فهل تُراه سيكفّ عن وصف ما يزيد الصورة قتامة ؟ هل سيكفّ عن الوصف حتى نعرف ما فعل عند عودة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
لا...لا .... بل سيصف المزيد ........ 🙂
ابتعد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المدينة ومعه المؤمنون...
ويخرج كعب من بيته إلى أطراف المدينة، إلى أسواقها، إلى ساحاتها .... فلا يجد نفسَه وهو يطوف بأطرافها إلا بين أحد اثنَيْن من الناس، رجلا عُرِف عليه النفاق، أو رجلا من أصحاب الأعذار الذين حالت أعذارُهم دون أن يكونوا من المجاهدين الغازين ...
وكم كان يُحزِن كعبا أن يجد نفسَه بين هؤلاء، فلا يجد صاحبَه المؤمن المبرَّأ فيمَن بُرّئ من أصحاب الشجرة، ولا يجد صاحبَه الذي بايع معه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على النصرة والطاعة عند العقبة ساعة واثقُوه على إعلاء الإسلام واحتضان دعوته ...
ولا يجد صاحبَه الذي يذكّره أجر الجهاد ويحضّه ونفسَه عليه ...
إن هم إلا بين منافق أو معذور ....!!
وليته كان المعذور مع المعذورين، بل إنه القويّ الميسور القاعد ... !!
لكُمْ أن تتخيّلوا فِعل هذا العذاب في نفس كعب  ....
لقد انتهت مرحلة التكاسل والنظر في الثمار ...
لم يعد يحلو لكعب النظر في ثماره الدانية، ولم يعد يتلذّذ طِيبَها  ...
بل إنّ كعبا ليتعذب ....  إنه لنادم أشدّ الندم ... إنه لحزين مهموم ... وهذا حال المؤمن إذا تخلّف عن أمر الله ...
عن كل أمر من أوامر الله، وليس التخلّف عن الجهاد وحده ....
هذا حال النفس المؤمنة المتيقّظة إذا هي تخلّفت عن أمر الله ...
ليست النفس المؤمنة هي تلك التي تأتي الصحيح والصواب ولا تأتي الخطأ والذنب، بل هي تلك التي تأتي الذنب فتشعر بظُلمته وتتشوّف لشقشقة النهار فيها، تستوحش الظلمة، وتنشد النورَ من جديد ...
وللحكيم ألا يرى في ضَغطة لوم النفس وعتابها واستيحاشها بالذنب سجنا يفرّ منه قبل أن يُحاكَم، فيغدو كذلك الذي لا يعرف الراحة وقد فرّ، فهو من مأوى إلى مأوى لا يُريحه مأوى ولا يهنأ له فيه بال... بل له أن يصبر حتى يصدر الحكمُ، فما يلبث أن يتحرّر ويحلّ النور مكان الظلمة، ويغدو في ساحات الدنيا سعيدا مُحرّرا لا فارا مستخفيا  ....
يستطرد كعب، وهو يحكي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بما أخبره إياه أصحابه بعد العودة، إذ قد سأل عنه حينما بلغ تبوك، فأجابه أحدهم أنّه ما حبسه إلا النظر في عِطفَيْه كناية عن الإعجاب بنفسه ...
فدفع عنه معاذ بن جبل بقوله : ": بِئْسَ مَا قُلْتَ ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا"
ولنتأمل هنا ...
كم صوّروا لنا الصحابة مجتمعا من الملائكة، لا نكاد نرى فيهم الخطأ البشري والزلل البشري، ربما ظنا منهم أنهم بإضفاء هذه الهالة سيمنعون المتجرئين من التجرئ عليهم، بينما غفلوا أنّ هذه الهالة لم تمنع المتجرئين من التجرئ، ولكنها منعت المؤمنين من حُسْن التعلّم من الصحابة وهم البشر الذين يخطئون كما نخطئ، وتزلّ أقدامهم كما تزلّ أقدامنا، وليس العيب في هذا ولا الغريب ...
ولكنّ العيب ألا نتعلم كيف كانوا يتُوبُون، وكيف كانوا يعودون، وكيف كانوا يصححون أخطاءهم، وكيف كانوا يسارعون بالعودة والفرار إلى الله... تجاوزوا بنا هذه المسافة الفاصلة وكأنها لم توجَد عندهم ... وهي المسافة التي ارتقى فيها الإسلام بالأنفس البشريّة...
هذا ما لم يتركوا لنا مجالا فسيحا لتعلّمه من الصحابة "البشر" بإضفاء قُدسية ملائكية على أشخاصهم جعلت من الصعب على الكثيرين جدا أن يتقبلوا أن الصحابة كانوا يخطئون ... فغدا من الصعب عليهم أن يتعلموا كما يجب كيف يسارعون في التوبة والعودة ...
وإنّني وأنا أعرف عن الصحابة هذا لأزداد لهم تجلّةً وإكبارا وحبّا وتقديرا، وأنا أعرف فيهم الخطأ  والبشرية والضعف، وكيف ينقلب الضعف فيهم قوّة بالمجاهدة والمصابرة، والتوبة والمسارعة بالإقرار بالخطأ والعودة إلى الحق ...
فهذا الذي تكلم عن كعب، واستغلّ غيابه فاغتابه، صحابيّ أيضا غلبته نفسه، وهذا معاذ بن جبل صحابي سمتْ به نفسُه فدفع عن كعب تلك التهمة  ... وشهد له بخلاف الذي شهد عليه، أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد سكت  .... 🙂
لقد سكت سكوت حكمة صلى الله عليه وسلم، فلا هو قرّع الذي تحدث به سوءا، ولا هو أقرّ الذي تحدث به خيرا ... لا هو دافع عن كعب ولا هو أقرّ ذنبَه، بل صمت حتى يعود ...
إنه يعلم من كعب إيمانَه وصدقَه، ولكنه أيضا لن يُظهر أمر غيبته هيّنا أمام أصحابه فيستسهلوا فعلَه ولا يَرَوا فيه حرجا ....
والآن ........  🙂
رسول الله صلى الله عليه وسلم قافلٌ من تبوك، ويبلغُ كعبا نبأُ قفولِه، فيحضره حزنُه وبَثُّه 🙂
إن ذلك هو الذي يغمّه، وهو الذي أنساه طيبَ الثمار، فانقلبت حلاوتها في حلقه غُصّة، وانقلب المَيل إليها والفرح بها حزنا وغما ....
وهذا كعب، طفِق يتذكّر الكذب ليخرج من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم، طفِق يبحث في ثنايا عقله عن قصة يختلقها، وعذر يعتذر به إليه...واستعان على ذلك بكل ذي رأي من أهله، يبحث عن الرأي عندهم، وما ذو الرأي إلا صاحب الحكمة والخبرة، والذي يشير على الناس بالحل إذا ما شحّت الحلول ...
ولنتأمل ....
لقد تعوّدنا على صدق كعب، فهو ذا يصدق عن نفسه، فيحدّث ببحثها عن الكذب يخلّصها به من سخط رسول الله صلى الله عليه وسلم... !
تأملوا صدقَ كعب، وهو إذ يصدق لا يخاف لومة لائم، ولا يخاف أن يحطّ حاطٌّ من قدره، ولا أن يُتحدّث به في أوساط الناس أنه الذي طفق يبحث عن الحيلة يخلّص بها نفسَه وهو صاحب العقبة وصاحب شجرة الرضوان ...!!
تأملوا ...
والواحد منا يخطئ فيُكبِر أن يعترف بخطئه حتى فيما بيْنه وبين نفسه ليصدقها التشخيص والعلاج ....
تأملوا والواحد منا يستصعب الاعتراف بالخطأ حتى وإن جرّ كتمانُه البلاوَى والكوارث .... كيف يفعل؟؟ وهل يترك المجال للناس أن يتحدثوا به أنه المخطئ ؟؟!!!
ويا ليت خوفَه من سخط الله وغضبه كان كمثل خوفه من سخط الناس وغضبهم ...!
رسول الله قد أظلّ قادما .... إنه أدنى مكانا من المدينة ... لم يبقَ إلا اليسير من الوقت ويدخلها .... أما وقد عرف كعب ذلك فقد زاح عنه الباطلُ ....
زاح الباطل عن كعب ... وما أن زاح عنه حتى عرف أنه لن ينجو من رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء ....
وإنها والله لحكمة حكيم أن يرى هذا ...
وليست حكمة الحكيم في كونِه لا يخطئ، بل حكمته في أن يعرف الباطل في نفسه فيُسمّيه باطلا ويتزحزح عنه،  ويعرف الحق فيها فيميل إليه ...
لقد عزم كعب على أن يَصدُق رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ... 🙂
دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ ...
وكان من عادته أن يبدأ بالمسجد، فيصلي فيه ركعتَين، ففعل، ثم جلس للناس...
وما أن جلس للناس حتى جاءه المخلّفون وجعلوا يعتذرون له ويحلفون له، وكانوا أكثر من ثمانين رجلا ... فما كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن قبل منهم علانيّتهم، واستغفر لهم، ووَكَلَ سرائرَهم إلى الله تعالى ...
هكذا... بسرعة انتهى أمر ثمانين رجلا، اعتذروا، وحلفوا، فقُبِلوا واستغفَرَ لهم رسول الله ووكل  سرائرهم إلى الله ...
لنتأمل ...
ما أسرع ما نجا الكاذبون ... ! ما أسهل ما استسهلوا الحلف بالله على الكذب !
وهذا كعب .... !
كعب لم يمرّ أمرُه بالسرعة نفسها ... بل لقد أصبحت له قصة طويلة بتفاصيل كثيرة ....
كعب وقد عزم على صدق رسول الله ها هو ذا يتقدّم نحوَه ويسلّم عليه... فكان أول ما لمحه من رسول الله صلى الله عليه وسلم ابتسامته، ولكنها كما يصفها كعب : "فَلَمَّا سَلَّمْتُ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ "
لقد عرف في وجهه الغضب ... أتُرى هذا الغضب كان من كعب وحده، أم كان من الذين حلفوا له أيضا ؟؟
نعم ... ربما كان ذلك التبسّم المغضب منه لكعب كما كان لمن سبقه، ولكنّ المنافق لن يراه 🙂
أجل لن يهتمّ المنافق بغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فغاية اهتمامه أن ينجو بكذبه، ويمرّ ... أما كعب، فقد رأى غضبتَه، لقد عرفها ... لأنه لم يكن يهمّه أمرُه  ونجاتُه بقدر ما  كان يهمّه رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقترب منه، فاقترب، فسأله : "مَا خَلَّفَكَ ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ ؟ "... رسول الله يعلم أنه صاحبُ راحِلة ...
لنتأمل ....
كيف أنّ كعبا لم يبادر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بالكلام، بل كان رسول الله هو مَن ابتدره بالسؤال، إنه لم يأتِ ليسارع بالكذبة يلقيها بين يديه وينتهي، إنما هو ذلك المغموم المهموم المحزون الذي حضره حزنُه وبثُّه وهو بين يدي حبيبه صلى الله عليه وسلم، بين يَدَي من بايعه على النصرة والطاعة، وهو ذا الآن وقد عصاه وتخلّف من غير ما عذر ... فكيف سيجد الكلام الذي يسارع به إليه في غمرة ما يعتريه من مشاعر الحزن والأسى والخِزي .....
أما جواب كعب، فسأورده بكلماته، بحُروفه ... فهو الذي لن تعوّضه كلماتي، وإن جعلتُ أحلّل، وأبحث بين الثنايا، وإن جعلتُ أعبّر وأستنبط وأفهم، وأقف عند ما يستوقفني، وكثيرٌ ما هو ... 🙂
وإن جعلت أطيل ... وليس التطويل مني لغاية الإطالة، وإنما هو بحر الحديث إذ أغوص بأعماقه فأجدني أحدّث بلآلئه وأحدّث، حالَ مَن لا تريد الاستئثار بها لنفسها، ومَن تريد أن تصرخ أنّ الكنز بين أيدينا ولكننا نمرّ به كأننا اكتفينا وشبعنا من الكنوز بألوانها وضُروبها، فلم يعد يعنينا التملّي .... !!
قال كعب مجيبا رسول الله صلى الله عليه وسلم : ": يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي ، وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا ، لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ ، لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيَّ فِيهِ ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ ، وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي عُذْرٌ ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ "
هل تأملتم وأنتم تقرؤون جوابَه ؟؟ ... هل تعوّدتُم التأمل بدل المرور السريع ؟؟
هل ترون أنّ هذه الكلمات منه من السهل أن تمرّ علينا دونما معرفة بقوّتها وتقدير للحكمة فيها تنضح نضحا ؟؟
لقد أُعْطِي كعب جدلا، أعطِي لسانا فصيحا وذكاء يعرف كيف يخلق به العذر لنفسه فيخرج من سخط الساخط عليه وكأن دافع السخط لم يكن أصلا ... ولكنّه علم أنه لو كذب على رسول الله لأطلعه ربّه على كذبه، ولسخط عليه أكثر من سخطه الأول، وأنه لو صدقه بما يُغضبه عليه فإنما هو يرجو من صدقه رضى الله عنه...
فها هو ذا يعلن أنه لم يكن له من عذر قطّ ... بل يُقسم يمينا أنه لا عذر له، وأنه ما كان أقوى ولا أيسر منه حين تخلّف ....
إنه يقول له فيما معناه، أنّ هذا كعب أمامكَ يا رسول الله، هذه حقيقته ... هذه مرآتي التي رأيتُني فيها على حقيقتي، وأُرِيكَني فيها على حقيقتي ... فإن غضبتَ مني، فإنما أرجو رضى الله عني بصدقي ...
وإن كان قد حضر كعبا بثُّه، فلقد حضرني مع صدقه وابتغائه وجهَ الله، ابتغاء عائشة رضي الله عنها وجهَ الله، وهي ترى رسول الله وقد فعل به حديث الناس فعلا، فلم تعد ترى فيه النصير، فلجأت إلى الله وحده موقنة أنه ناصرها ومبرّئها وهي الصادقة ...
ولقد حضرني هلال بن أمية وهو يروي لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما رآه من اتخاذ زوجته خِدنا وفعلها الفاحشة معه، ورسول الله يسأله البيّنة على ادعائه أو أن يقام على ظهره حدّ القاذف، فيقسم أنّ الله منزلٌ فيه  قرآنا يبرئ ظهره من الحد ...
ولقد حضرني بقول كعب : "إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عُقْبَى اللَّهِ"  قول الله تعالى لعيسى عليه السلام : "هذا يوم ينفع الصادقين صدقُهم"  وما ذلك النفع الذي يُنتفع به الصادق في ذلك اليوم إلا عُقبى الله التي رجاها كعب...!
استمع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كلامه، وردّ عليه بكلمات قليلة، ولكنّها نمّت عن معنى جليل كما عادة كلماته الجامعة صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق، فقُم حتى يقضي الله فيك"
تأملت قوله صلى الله عليه وسلم : "أما هذا فقد صدق"، فجُمِعت لي المعاني لا المعنى الواحد...
إن المعلم لو سأل تلاميذه سؤالا، فأجابه جمعٌ منهم، وسكت عن جواب كل واحد منهم، ثم قام آخرُهم ليجيب، فعقّب على جوابه بقوله : "أما جواب هذا فهو الجواب الصحيح" ...
فإن المعلم هنا قد جمع بين قولين هما :" كل الأجوبة السابقة خاطئة، وهذا هو الجواب الصحيح" ...
إنه صلى الله عليه وسلم وقد وَكَلَ سرائر الذين حلفوا له إلى الله تعالى، كان يعلم منهم الكذب، ولكنه تعامل مع علانياتهم، ولما استمع إلى كعب علم منه الصدق، فأعلن صدقَه ... وأمره أن يقوم حتى يقضي الله فيه بأمره، ولم يستغفر له كما فعل مع السابقين ...
ترى لماذا استغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم للمنافقين وقد كذبوا، وسكت عن كعب المؤمن وقد صدق ؟؟ !!
إنني وأنا أنظر للأمر، أعرف أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمَر بعد بعدم الاستغفار للمنافقين، ولذلك استغفر لهم، وهو بعدَ حين، بعد نزول آيات سورة التوبة التي هي من أواخر ما نزل، إذ نزلت بعد انتهاء غزوة تبوك لن يعود لاستغفاره لهم بأمر من الله ينزل فيها ...
ثم ما الذي يمنع أن يستغفر لكعب وقد علم صدقَه ؟؟
ربما سيجيبنا ما بقي من أحداث القصة .... فلنتابع .... 🙂
أما الآن ... وقد خرج كعب من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينتظر قضاء الله فيه بأمره، فقد بدأ شوط جديد ... بدأت مرحلة جديدة ... 
كيف سيكون فيها كعب ؟
إنها مرحلة فيها ما سيعترض كعبا في غضون هذه المدة التي لا يعلم كعب كم ستدوم، متى سيكون قضاء الله فيه بأمره ...
سيعترض كعبا في هذه المدة ما سيعترضه ... وتلكم هي المرحلة الجديدة ...
إن رجالا من أصحابه اتّبعوه، من بعد ما علموا بالذي كان منه، ومن رسول الله صلى الله عليه وسلم، اتبعوه بعرض مُغرٍ جدا، بالغ الإغراء في النفس ...!
رجال يبدو من كلامهم أنهم يعرفون كعبا ويعرفون حُسنَ إسلامه ... أنّبوه إذ لم يعتذر لرسول الله صلى الله عليه وسلم بواحد من الأعذار وهو الذي لا يعرفون عليه ذنبا، وأنه لو اعتذر بشيء، ومع استغفار رسول الله له لما كان له من حرج عند الله ...
لو أنه فعل ما فعله المخلّفون من قبله، فاعتذر كذبا، لن يُضيرَه ورسول الله يعقّب اعتذارَه بالاستغفار له، وأي حُظوة هي أن يفوزَ باستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم له ؟!!
لو أنّك أنجيتَ نفسَك بكذبة، كذبة يستغفر لك رسول الله عقبَها ...ما كان سيضرك منها ؟؟
"فَقَدْ كَانَ كَافِيَكَ ذَنْبَكَ ، اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكَ...."
أليس إغراء صعبا هذا الذي قالوا به ؟؟ !! أليس استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم بمُغرٍ لكل مؤمن ؟؟
ومازال به أصحابه يؤنبونه، حتى هَمَّ كعب أن يرجع إلى رسول الله فيكذِّب نفسَه، ويقول بغير ما أدلى به بين يدَيه، يقول بعذر ما يعقُبُه استغفاره له منه...
لنتأمل ....
مايزال الضعف ملازِما لكعب، وما يزال كعب يحدّثنا عن ضعفه، لا يتحرّج منه، بل يصدق، ويروي عن نفسه بشريّتها ... يرويها ولا يرى في ذلك غضاضة ولا حرجا... ولا يُكبِر أن يُعلن أنه الضعيف الذي تؤثّر به المغريات، ولا يدّعي أنه الذي نجح في تعدّيها من أول وهلة، لا يدّعي أنه الصلب الذي ثبت من الوهلة الأولى ... بل يصدق ...
وإنما صدقُهُ هذا أكبر علامات قوة في نفسه، هي قوّة الاعتراف بضعفه... هي قوّة الصدق مع نفسه ومعرفة مواطنها على حقيقتها التي هي عليها، لا على ما يجب أن تكون عليه، فمعرفتها على حقيقتها تؤهّله لتقويمها على الوجه الذي يُستَحسَن أن يكون ...
فلنتعلم ... ولنقرّ بضعفنا لأنفسنا على الأقل ... وأهمّ محطات القوة أن نصدق مع أنفسنا قبل أن نصدق عن حالها مع غيرنا ... فربما يكون صاحبُها المريضَ والمُداويَ في آن بعون الله وهُداه وتثبيته ...
وبينما حال كعب هي تلك تتأرجح بين الانصياع لإغراء أصحابه باستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم يكفيه ذنبَه، وبين الثبات على صدقِه كما عزم وأجمع ... إذ به يسألهم إن عرفواأن أحدا حالُه من حاله، فأجابوه أن اثنَيْن آخَرَيْن قد قالا لرسول الله بمثل قوله، وقد قال لهما بمثل ما قال له، وإذا هما اثنان من رجال بدر ...
فكأنما كان ذلك برهانَ ربّه الذي أراه ليعزف عن فكرة الرجوع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتكذيبه نفسه لينجو ... بهذا عزف كعب، وعدل عن الرجوع القهقرى ...
بهذا ثبت كعب، وبقي على صدقه، بهذا تعدّى كعب أول إغراء اعترضه ...
لقد ثبّته الله ...
لنتأمل .....
أليس هذا كعب الذي عرف من نفسه ساعة التجهّز لتبوك ما لم يكن يعرفه منها ؟؟
أليس هذا كعب الذي كان يهمّ أن يتجهّز فيعود ولم يقضِ شيئا ؟؟
أليس هذا كعب الذي همّ أن يدركهم بعد خروجهم، فإذا هو لم يفعل ؟؟
أليس هذا كعب الذي مال قلبُه لثماره الطيّبة ولظلالها الدانية ؟؟
هو هذا كعب الذي أقرّ بضعف نفسه، وروى لنا ضعفها كأصدق ما تكون الرواية، والإتيان بتفاصيل الخطأ من صاحبه، وعادةً ما تُلطّف النفس عن نفسها  ....!!
وما يزال لنا مع كعب عالي الكعب تفاصيل ومواقف، فهل نكمل ؟ 🙂
59
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:43:58 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نعود ننشد الحكمة والتعقّل والسّداد في القول والرأي، لا ندّعي سلامةً في التفكير أو إحسانا في التدبير...
بل نحتاج أن نتعلّم...نحتاج أن نرانا على حقائقنا، أن نستكشف مواطن الضعف فينا، ونَصدُق أنفسنا حتى نقع على ما يقوّم اعوجاجَنا، ويُثقّف أعوادَنا ...
نحتاج مرآةً تُرينا الخَلَل قبل أن تُرينا الجمال، ترينا العِلل قبل أن ترينا الصحّة والكمال... لأنّ النفس من عوائدها ومن طرائقها أن تُزيّن، وأن تختلق الأعذار ... من عوائدها التذرّع والتّمَسكُن والتبرّؤ...
فلا نحتاج مع العادة والطريقة أن ننظر في مرآة تُرينا القشور والظاهر، بقدر حاجتنا إلى مرآة تسبُر الغَور فتُرينا الجوهر والباطن ...
لا نحتاج إلى ساعة زُهُوٍّ وإعجاب بقدر حاجتنا إلى ساعة إفاقة وإسرار النفس للنفس أنّ هذه بكِ علّة، وأنّكِ إلى الطبيب الآسي أحوج منكِ إلى المُثني المادح...
وأنّ ساعة اعتداد وتفاخر لن تقضي فيكِ إلا كما تقضي المساحيق بوجه كالح شاحب سُرعان ما يرى صاحبُه كلوحَه وهي الزائلة لا محالة  ... !
موعدنا هذه المرة مع حديث عظيم ... 🙂 
هذا الحديث الذي لا أجد مناصّا من مَدْحه وذكر حُسنِه وجماله من قبل أن نخوضه على هذه الصفحات 🙂
لا بُدّ أنكم تتشوقون لمعرفة عنوانه ... !
صبرا جميلا فالعُنوان جمال والموضوع جمال...
إنما هو تلك المرآة التي عنيتُ ...
حديثنا اليوم هو حديث كعب بن مالك رضي الله عنه وأرضاه ...
كعب فيه الراوي، وكعب فيه المعنيّ بالرواية، وكعب فيه الصادق صدقا لو أنّ أحدا روى عنه لما وجدتَه يبلغ بصدق الوصف مبلَغَه وهو يصدق عن نفسه...
يصدق عن علاتها وعوراتها قبل حسناتها، هذا إن كان قد ذكر من حسناتها إلا ما قد رآه بعيدا عن ساحة مُداواتها، فأبعده ...
كعب يروي قصّة تخلّفه عن غزوة تبوك التي كانت في العام التاسع للهجرة، وقد أراد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الرومَ ونصارى العرب بالشام.
ويذكر كعب أنه لم يتخلّف عن غزوة قطّ قبلها، كما أنه لم يشهد غزوة بدر، وهي التي دعا فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه للخروج لا على وجه الغزو بل على وجه اعتراض عيرِ أبي سفيان، ولم يُعاتَب أحد من المتخلّفين عنها، ولم يُعتَبَر متخلّفا، إذ قد التقى الجمعان على غير ميعاد مُسبَق مُعلَن من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كان أمر الله تعالى لهم بعد خروجهم، فانقلب لقاء العير إلى لقاء بين جيشَيْن ...
وقد كان كعب بن مالك رضي الله عنه من رجال العقبة الثانية، كان من الثلاثة والسبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الطاعة في النشاط والكسل، وعلى أن ينصروه فيمنعوه إذا قدِم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجَهم وأبناءَهم ...
يقول كعب أنّ بدرا على شهرتها وذكرها بين الناس، إلا أنه لا يحبّ أن تكون له ببيعة العقبة...
وبعيدا عما يحبّ كعب ويفضّل فإن بيعة العقبة الثانية بميزان عظيم عظيم، وهي التي كان فيها نصر الإسلام، والحَول دون أفول نجمِه، واستئصال شأفته ... هي النّقلة التي أعلَت الإسلام، وجعلت له الدولة والقوة والمَنعَة، وقد كان قبلها مُضطهَدا أهلُه، مستضعَفا أتباعُه...
وإننا ونحن نتعرّف إلى كعب، وإلى ما شهِد، يهمّنا أن نعرف تاريخ إسلامه، وهو الأنصاري المُبايِع...
فإذا عرفنا أنّ بيعة العقبة الثانية كانت في العام الثالث عشر للبعثة النبوية، عرفنا أنّ إسلام كعب إن لم يكن في العام الثاني عشر -العام الذي قضاه مصعب بن عُمير مبعوث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يعلّم أهلَها الإسلام- لكان في العام الثالث عشر، العام الذي انتقل رسول الله صلى الله عليه وسلم في أواخره إلى المدينة المنورة ...
وعلى هذا فإن عمر إسلامه -إذا عددْنا ما بين إسلامه إلى تبوك- تسعة أعوام  ...
عام تبوك هو العام التاسع من إسلام كعب بن مالك الذي يروي لنا قصّة تخلّفه عنها ...
وإنّ من أوّل خبره في شأن غزوة تبوك، أنّه لم يكن قطُّ أقوى ولا أيسر منه حين تخلّف عنها ...
فلنتأمّل.... 💡
وهذه أُولى البوارق "الكَعْبِيّة" ...
هذه أولى ملامح الجمال في وصف كعب...
هذه هي المرآة التي عنيتُ ...
هذه المرآة الكَعبِيّة المميّزة ...
هذه المرآة التي علينا أن ننظر فيها لنجد أنفسَنا ... لنجد حقائقنا مع ما وجد كعب ...
لنتأمل مبلَغَ صِدقِه، فهو ذا لا يبدأ بالأعذار والاعتذار، بل يبدأ بالعلّة مُجرّدة عن كل عُذر...
ومن علامات يُسر حاله أنه ما اجتمعت له راحلتانِ قطّ إلا زمن غزوة تبوك ...
لم يجمع قبلها ما جمعه يومها، لم يكن ميسور الحال كما كان زمَن تبوك ...
لم يكن قويا بالقدر الذي عرفه من نفسه زمَن تبوك، لم يكن صاحب مرض ولا صاحب حاجة ...
إنّني لأرى كعبا وهو المتخلّف عن الغزوة بلا عذر الأحوج أن يُدلي بأضعف عُذر لا على سبيل الكذب بل على سبيل التحجّج حتى بضعف النفس الذي هو سِمة البشر، إنه لم يتخذ حتى من هذه السِّمة تَعِلّة ومُتكأ، بل ها هو ذا يذكر عِلّته، ويصف داءَه كما يُشخّص الطبيب الماهر الداء فيعالج أصله لا أعراضه...!
ها هي ذي المرآة الكَعْبِيّة تتمثل لنا من مُبتدأ القصة ... ها هي ذي المرآة الكَعبِية أستشعر قوّة ظهورها وحُضورها في أنفسنا لا في نفسه وحدَه ...
هل من السهل أن يصدُق المرء مع نفسه إلى هذه الدرجة ؟؟
هل من السهل أن يُعدّد أسباب تخاذله لا أعذارَه القوية والضعيفة مُتّحدة للإبقاء على المظهر المُلطّخ بالمساحيق الحاجبة للحقيقة ؟!!
لنتأمّل ... 💡
لنبحث في أنفسنا، فهل تُرانا نصدُقُها كصدق كعب نفسَه ؟
هل تُرانا نُعدّد علَلَها إسرارا مُبتغين العلاج والدواء بَلَهْ أن نُعدّدها إجهارا كما هو ذا كعب يفعل ؟!!
ربّما استغرب مَن استغرب ما قال كعب عن نفسه... ربما رآه مبالغا وهو يفتح الجبهات عليها ولو أنّه تلطّف فصدق وتعلّل لكان أسلَمَ له وأنجى...
وقد يُكّذِّب مَن يُكذّب الواحدَ من الناس وهو يحدّث عن غيره، ولكن مَن ذا يُكذّبُ متحدّثا عن نفسه بسوئها وسَوْأتِها وهو لا يُتَّهَم في عقله ... ؟!
هكذا يبدأ معنا كعب... فإذا صوتُ الصدق فيه جهوريّ صادع يعلن عن الصدق في أصعب صُوَرِه ...
ثم يصف كعب غزوة تبوك ووَجْهَها بأنها التي كانت في حرّ شديد، واستقبل فيها المسلمون سفرا بعيدا وقَفْرا، وعدوّا كثيرا، وذلك من وَزْن هذه الغزوة في ميزان الدولة الإسلامية التي تقوّت وأصبحَتْ مُهابة من أعتى قوّة على وجه الأرض، من الإمبراطورية الرومانية التي لم تجرُؤ غير الإمبراطورية الفارسية على مُقارعتها النِدّ بالنِدّ ...
لنتأمّل ... 💡
إن كعبا وهو إذ يصفها، يصف ما ضاع عليه من الأجر والثواب الحاصل من قطع مسافتها البعيدة، ومن تحمّل أذى الحرّ الشديد فيها ...
وكعب لم يكن واحدا من المنافقين الذين يُعرفون بالإعراض عن القتال في سبيل الله، بل وخشية هذا القتال خوفا من الموت ورغبةً في الحياة، وهم كثيرا ما كانوا يسعون لتثبيط المؤمنين ولإضعاف عزائمهم بأن يُكَبّروا عدوَّهُم في أعينهم ويُكْبِروا إقدامهم عليه وعلى قوّته وسلاحه ...وأنهم الذين يُلقون بأيديهم إلى التهلكة ...
بل إنني أراه وهو يصف الغزوة وما عليها من صعوبة من كل نواحيها، من بُعدِ مسافتها، ومن كثرة العدوّ فيها وهو أعتى قوة على الأرض يومَها... أراه يصف ما فاته من الثواب، ويعرف مقدار ما ضيّع من الأجر العظيم وهو يتأخّر عنها ...
كما يزيد كعب، فيُحدّث أن المسلمين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يومَها كثير، ربما اجتمع إليه فيها ما لم يجتمع إليه في غيرها من الغزوات، وهم يعرفون أنهم مُقبلون على عدوّ شرس قويّ متين، خبير بالحرب وبأهوالها، وإنّ ذلك العدد الذي استجاب لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأطاعه، واندفع معه للغزْوِ لمِمّا يزيد كفَّةَ كعب تهاويا ويزيدها خفّة ... !!
لنتأمل .... 💡
إنه هو الذي يفعل بنفسه هذا ولا يفعله به أحد ... !!
كعب يجمع كلَّ ما من شأنه أن يُجلّيَ وضعَه وموقفه على وجهه الصحيح دون أدنى دفاع يُذكر من نفسه عن نفسه ... دون أن يُخلّل كلامَه بكلمة عُذر من هنا أو كلمة عُذر من هناك ...
فهو الذي أقسم يمينا أنه ما كان يوما أقوى منه ساعة تبوك، وما كان يوما أيسر حالا منه ساعتها، وأنّ الجيش الإسلامي استقبل البُعدَ والحرَّ والعدوّ الكثير، وأنّ المسلمين يومَها حول رسول الله صلى الله عليه وسلم  كثير كثير، كلّهم مستجيبون لدعوته، مطيعون لأمره، بينهم الأعسر حالا منه، وبينهم الأضعف منه، ولكنهم جميعا معه مقبلون غيرُ مُدبرين ...
يقول كعب أنه قلّ مَن أراد التغيّب والتخلّف ظانّا أنّ أمرَه سيخفى...
إنه من فرط جلاء أمرِ الناس يومَها، فهم إمّا مؤمن مطيع مستجيب لم يتخلّف، وإما مؤمن متخلّف بعُذر، وإما منافق تخلّف مُدّعيا العُذر، وكلّهم نزل فيهم قرآن يكشف أمرَهم، ونعرف هذا في سورة التوبة التي سُمّيت الحافرة والكاشفة، وهي تكشف أمرَ المنافقين يومها، وتذكر حال أصحاب الأعذار، وحال المؤمنين المُقبلين على أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالغَزْوِ ...
تأملوا معي هذا الجوّ الذي وضعنا به كعب .... 💡 ولتَصْدُقوا من جنس صدقه 🙂
أوَلَيس الرجُل يُهلِك نفسَه إهلاكا ويُرْديها إرداء وهو يُحيطها بكل ما يُضعِف حُجَّتَها ويزيد من بيان كِبَر خطئها ... ؟! إنه كذلك يرى ما وقع به...
لا يُحاول تصغير ذنبه، بل يريد أن يُعطيه حجمَهُ الصحيح ليجد لنفسه الدواء المناسب ...
لا ... 😊 ومازال بجُعبة كعب المزيد 📣
يقول أن موعد الغزوة كان هو ذاتُه الموعد  الذي طابت فيه الثمار والظّلال ... وهو ما جعله مائلا إليها، فيقول ذلك بحَرْفِه : "وأنا إليها أصعَر" أي أنه إليها يميل ...
مائل إلى جَناها، وإلى ألا تضيع عليه، وهو الذي ما حرث وما زرع وما سقى وما رعى إلا ليجني ويحصد ... فلما أنْ جاء وقتُ الجَنْي، وحان أوانُ الحصاد جاء أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغَزْوِ، واتّخاذ كل تلك الثمار الدانية ظِهْرِيّا ...!!!
ما أصعب هذا الأمر .... !!!
والأصعب منه أن يُقِرّ كعب  بمَيْله إلى ثماره الدانية، وظلاله الوارِفة .. كعب المؤمن الذي لم يتخلّف عن غزوة من غزوات رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي كان من أهل العقبة الثانية، بايَعَه على الطاعة في كل حال، وعلى نُصرته في كل حال ...
كعب الذي كان من أهل شجرة الرّضوان ... !!
شجرة الرضوان، وما أدراك ما شجرة الرضوان .... !! بيعة الرضوان ... !
وهذا ثِقَل آخر في ميزان كعب، هذا وجه من أوجُه هذا الصحابي الجليل المؤمن ...
هذا وزن ثقيل ثقيل ثقيل، ما أثقله لهذا الصحابي الجليل ...
بيعة الرضوان التي كانت بالحُدَيْبِيّة ...
بيعة الرضوان التي نزل في شأنها قرآن يعلن به المولى عزّ وجلّ أنه قد رضي عن الذين بايعوا رسول الله تحت الشجرة ...
هذا الذي أعلن الله تعالى عنه مع مَن أعلن عنهم رضوانه عليهم، أعلن صدقَ سرائرهم التي لا يعلم حقائقها غيرَه سبحانه ...
هذا الذي هو من أهل تلك الشجرة .... أفتُرانا نراه يتكئ عليها ؟؟؟؟ !!!
أتُرانا نراه يتكئ على تلك الشجرة ليأخذ من ظلها الوارف الظليل المَديد المَديد لتخلّفه عن غزوة تبوك ؟؟ !!
أتُرانا نراه يأخذ من ظل شجرة الرضوان لحرّ تخلّفه عن تبوك، فيجد العزاء، ويعرف لنفسه النجاة فلا يُثقِل عليها وهو من أهل الشجرة ؟؟ !!
لله درّك يا كعب ........ فكم نستبيح لأنفسنا الخطأ والخطأ والخطأ يجرّ الخطأ والخطأ ولا نرانا إلا المُسوّفين للتوبة، المُتذرّعين برحمة الله أكثر من خشيتنا سخطه ...
لله درّك يا صحاب الشجرة ... أما وجدتَ فيها ظلا لحَرِّك ؟؟؟ !!
والله ما وجدتَ ولا أوجدتَ لها منه... بل إنك الذي يصف ضعف نفسه كما لم أعرف أحدا وصف ضعفَ نفسه ... !
"فأنا إليها أصعَر" .... تلك كلمات كعب ...
إليها أميل .... مَيلٌ إلى الدنيا وزينتها هو ممّا جعله متخلّفا ...
وصدقٌ مع النفس وللنفس، هو ما جعله واصفا لنفسه وضعفها كمَن يصف أهوال عدوّ من أعدائه ...
والآن .... سننتقل إلى مرحلة أخرى، إلى وصف آخر ...
كعب الآن يصف نفسَه مع التجهّز للخروج للغزوة ...
كعب قد وصف مَيْلَه للثمار، وقد وصف قوَّته ويُسْر حالِه، وقد وصف كثرة المسلمين من حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد وصف صعوبة حيثيّات الغزوة من مسافة وحرّ وقَفر، وعدوّ كثير سيواجهه المسلمون ...
والآن هذا هو يصف نفسَه مع التجهّز ...
يقول كعب : "فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ، وَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتَجَهَّزَ مَعَهُمْ ، فَأَرْجِعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ، وَأَقُولُ فِي نَفْسِي : أَنَا قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ ، إِذَا أَرَدْتُ ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى اسْتَمَرَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ ، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا ، ثُمَّ غَدَوْتُ فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ يَتَمَادَى بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ الْغَزْوُ ، فَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهُمْ ، فَيَا لَيْتَنِي فَعَلْتُ ، ثُمَّ لَمْ يُقَدَّرْ ذَلِكَ لِي ".
إنه :
** يعلم من نفسه القدرة إذا هو أراد، ولكنه لم يقضِ شيئا .
** يتمادى به تكاسل نفسه ومماطلتُه، بينما يأخذ الجِدّ من أصحابه في الاستعداد والتأهّب.
** غدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه للسفر وغدا وعاد ليتجهّز ويستدرك ما فاته ولم يقضِ شيئا .
** ما تزال به المُماطلة حتى أسرع الجيش وابتعد عن المدينة في وِجهته وهمّ أن يُدركهم ولم يفعل...
كلّ هذا كان منه، وهو إذ يصف لا يجد لنفسه من الأعذار عُذرا، ولو أنّ أحدا تمادى به ما تمادى بكعب  لتعلّل بالعَين أو بالحسد أو بالسحر أصابه فهو يُنكِر من نفسه ما لا يريده فيها وما لا يعرفه من طِباعها، ولا يقوى على تجاوزه ...
وما أسرع ما يتشبّث المسلمون اليوم بالعَيْن والحسد والسحر مِشجبا قريبا غير بعيد يعلّقون عليه أهوالَهم ... مُبرِّئين للنفس، مُخرِجين لها من دائرة اللوم والعتاب، والصدق، والمصارحة والتربية والتعليم، والمُداواة إلى دائرة التبريئ والإعذار للإبقاء على البُرود والتكاسل والخطأ أصحابا لها مُلازِمين، فتضعف وتضعف وتضعف، وهم يظنّون بها العلّة البسيطة التي لا تحتاج إلى كبير اهتمام والتفات ...
أو ربّما سارع مَن سارع إلى وصف تهذيب النفس ومُصارحتها والصدق في وصف عِلَلها وتشخيص أدوائها، بأنه "جَلْد الذات" الذي يُغالي صاحبُه...
فهو بهذه المسارعة في الوصف يسارع إلى التهاون واللامبالاة للاعتراف بالبرود والكسل والسلبية أعراضا لا حرج في تبنّيها والإبقاء عليها ... وإنما الحِكمة بين الأمرَيْن، فلا الجلد الذي لا دواء بعده ينفع ويُجدي، ولا الاستسهال الذي لا يلتفت للداء أصلا ينفع ويُجدي ...
وأما كعب ... فليس بالجلاد الذي ينزوي ويبكي على أطلال أخطائه، وإنما هو الجَلْد المجالد الذي يَصْدُق ليُصْدَق ....
وليس بعيدا عنّا بيان هذا الذي نقول في كعب ... ليس بعيدا.... 🙂
يتبع بإذن الله لاحقا 🙂 فهل نكمل ؟
60
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:43:18 »
كعب بن مالك رضي الله عنه حينما تخلّف عن غزوة تبوك، وتاب الله عليه، وجاءته البشرى ... وعرف مآل صدقه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، قال أنه لم يُؤتَ في حياته كلها نعمة بعد الإسلام أعظم من صدقه رسولَ الله صلى عليه وسلم، وآلى على نفسه ألا يكذب كذبة بعدها، وقال أنه لم يعرف سبيلا إلى الكذب من يومها، وسأل الله أن يوفقه للصدق ما بقي من عمره ...
تأملوا ... إنه واحد من أصحاب بيعة العقبة الثانية وما أدراك ما العقبة !  وإنه لم يتخلّف عن غزوة من الغزوات عدا تبوك، وإنه من أصحاب بيعة الرضوان وما أدراك ما بيعة الرضوان !
ولم يقل أنه الذي لا يعرف الكذب، ولم يقل أنه الذي لم يكذب منذ أسلم، ولم يرَ صدقَه رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بطولة من نفسه بل رآه فضلا من الله ونعمة، ولم يعزم على ألا يكذب ما بقي من عمره دون أن يعزو ذلك لفضل من الله عليه... !!
فلنتعلم ممّن لا يزكّون أنفسهم ... !
صفحات: 1 ... 4 5 [6] 7 8 ... 10