المشاركات الحديثة

صفحات: 1 ... 5 6 [7] 8 9 10
61
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:42:56 »
"وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً"
هجرا جميلا... اصبر على أذاهم من ألسنتهم، واهجرهم هجرا دون أن تؤذيهم ..
وقبل أن يُؤمر صلى الله عليه وسلم بالصبر والهجر، ربّ العزة يأمره بقيام الليل، فالقول الذي سيُلقى عليه ثقيل ثقيل يستدعي أن تكون له من القوة اللازمة لتحمّل ثقله ...
هذه القوة سيستمدها من الاختلاء بربه ليلا ... إذ إن طاعة الليل أشد وطئا وأقوم قيلا ..
من قيام الليل، ما تيسّر له منه سيتزوّد لتحمّل ثقل ذلك القول الذي سيُلقى عليه، تحمّل ثقل الرسالة، ثقل الأمانة ... ثقل القرآن...
"وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (😎 رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)"
 1-  من  قيام الليل، 2- من ذكر الله  3- من اتخاذه وكيلا
من هذا كله سيتزود للصبر على ما يقولون، وليكون هجره لهم هجرا جميلا ... هجرا بلا أذى ..
قيام الليل زاد للنهار ...
وهذا سبحانه يأمر المزمل صلى الله عليه وسلم بقوله : قم الليل ...
وهذا سبحانه يأمر المدثر صلى الله عليه وسلم بقوله :   قم فأنذر...
فهو صلى الله عليه وسلم قائم بالنهار نذيرا، وقائم بالليل، للصلاة مقيما، ذاكرا، داعيا...
هو بين قيام وقيام ... فقيام يتزود منه لقيام... !
62
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:41:00 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عرفنا في حديثنا السابق حادثة التفاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم حوله يسألنَه النفقة...
وكنا قد عرفنا كيف كان معهنّ متفهّما، رحيما مستوعبا لبشريتهنّ ومطالبهنّ، فلم يزجرهنّ ولم يُلجمهنّ بتذكيرهنّ أنهنّ يسألن الدنيا من النبي المرسل من ربه والذي هو مثال الإعراض عن ملذات الدنيا، ومثال الصبر على شظف العيش ...
لم يُلزمهنّ بغير ما نطقت به بشريتهنّ ...
وعرفنا بالمقابل كيف اعتزلهنّ شهرا كاملا يختبر مدى تحملهنّ فراقه والبعد عنه، حتى نزلت آية التخيير تأمره أن يخيرهنّ بكل حرية بين الدنيا أو الله ورسوله والدار الآخرة، وكان صلى الله عليه وسلم مثالا للعدل والرقيّ، فبدأ بعائشة رضي الله عنها، وطلب منها أن تتمهل ولا تتسرع في قرارها، مقدّرا لعقلها ولاختيارها، فكانت منها المسارعة إلى اختيار الله ورسوله والدارة الآخرة دونما تلكؤ أو تردّد ...
اليوم سنكمل مع السياق ذاته، ولكن مع حديث جديد، ومحطات جديدة تستوقفنا ...
إنها قضية اعتزاله نسائه صلى الله عليه وسلم، ما تزال تعلّمنا ...
في حديث صحيح يرويه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل المسجد يوما، فوجد الناس ينكُتون بالحصى كفعل المهموم الذي يحدّق بالأرض ويضرب عليها بالحُصيّات، يقولون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاته، وذلك من عِلمِهنّ باعتزاله إياهنّ لأيام كثيرة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في المسجد ثم يأوي إلى مَشرُبةٍ له فوق حُجراته...
والمَشْرُبة مكان يُتخذ لجمع الأثاث والحاجيات غالبا ما يكون في الأعلى ...
ويُتخذ إليه دَرَج من جذوع النخل يُرتَقَى به إليه ...
فكان صلى الله عليه وسلم يتجاوز كل حجرات زوجاته ويأوي إلى تلك المَشرُبة، والناس يعلمون منه ذلك وهم يرَوْنَه بين غدوّ ورواح منها إليها ...
فقال عمر : "لأعلمنّ ذلك اليوم" يريد أن يتحقّق من الأمر بنفسه، ولم يكتفِ بما سمعه من الناس المهمومين بالمسجد ...
وكعادتنا يستوقفنا الحديث من بداياته .... 🙂
هؤلاء المؤمنون ينكُتون بالحَصى مهمومين منشغلين مفكّرين يَرُوعُهم أن يسمعوا أنّ رسولهم صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاتِه ...
هؤلاء المؤمنون مِن حوله لا يجرؤون على سؤاله والاستفهام منه عن أمر من خاصّ خصائصه ولكنهم يهتمون لأمره صلى الله عليه وسلم أيّما اهتمام ...
يغتمّون، يخشون أن يكون الخبر حقيقة، ينظرون في مآله، وفي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطلّق لكل زوجاته ...
هكذا عَلَّمهم صلى الله عليه وسلم أنّه لا يؤمن أحدهم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، فكيف إن خصّ الأمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحبّ الناس إلى قلوبهم، وأقربهم إلى نفوسهم، وأحنّهم عليهم، وأرأفهم بحالهم...؟!
الذي لا يعنّتهم ولا يشقّ عليهم ولا يطمئنّ ولا يسكُن وأحدهم مشغول البال أو مكسور أو مخذول أو مظلوم حتى يقتصّ للمظلوم ممّن ظلمه، وحتى يشفي غليل السائل إذا سأله، وحتى يُغيث الملهوف، وحتى يقضي للمضطر حاجته، وحتى يعلّم المتعلم المستزيد، وحتى يُريح بال المهموم المحزون ... وحتى ييسّر على كل مُعسِر، وحتى يؤلّف بين القلوب...
كيف بمَن هذا دَأبُه ودَيْدنه معهم ألا يهتمّون لهمّه ولا يغتمّون بغمّه ... ؟!!
هكذا كسب القلوب صلى الله عليه وسلم، فكان أوْفاهم إذا وعد، وأدمثهم خُلقا إذا عاشر، وألْيَنهم عريكة ومَوْطئا ...
ولقد شهد له ربّ العزة سبحانه إذ قال في كتابه الحكيم : " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128)"-التوبة-
ولقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلقه فقالت في كلمتين : "لقد كان خُلُقُه القرآن "
فهلا تعلّمنا منه صلى الله عليه وسلم ؟!
هلا تعلّم منه الزوج كيف يكسب قلب زوجته ؟
وهلا تعلمت منه الزوجة كيف تكسب قلب زوجها ؟!
بالرحمة، بالرأفة، بحُسن الجمع بين حروف البشرية لقراءة حالة المخطئ منهما إذا أخطأ، ولفهم نفسيّة الزالّ إذا زلّ ... و ليتفهّم أمر الذي يلازمه الصبر إذا ما ضجر يوما فنطق ...
عندها سيكون لذلك الودّ موقعٌ من الحياة، وستكون للرحمة مكانة منها، وسيهتمّ الزوج لحال زوجته، وسيفعل ما بوسعه للتّسرية عنها، وسيكون طبيبها إذا اعتلّت نفسها، وستكون طبيبته إذا اعتلّت نفسه...
وليس الأمر قصرا على الزوجين، بل فيما بين المؤمنين كافة، بالرحمة وبالرأفة، وبإحساس الأخ بأخيه، وباستشعاره لألمه إذا تألم، وبحبّه للفرحة تغمر قلبه...وبأن يكون سَنَده...
فلا يشقى مؤمن بين المؤمنين، ولا يموت جوعا، ولا يُهلِكُه حزن وإخوانه مِن حوله، هذا يشدّ من أزره، وهذا يُسعفه في حاجة، وذاك يُدخل السرور عليه بكلمة، وذاك يبشّ في وجهه ...
تِلْكُم هي حياة الجماعة، وذَلِكُم هو تصديق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضُه بعضا " ...
نعَم ... تلكُم كانت ثمارَ التعليم النبويّ السامي لأصحابه ...
فهُم أولاء اليوم همُّ نبيّهم همُّهم، وفرحه فرحهم ... فهُم اليوم ينكتون الحصى اغتماما بأمره وقد أشيع أنه قد طلق نساءه صلى الله عليه وسلم ...
ولنتأمل ...💡
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يرى ما يرى، يؤلي على نفسه أن يتحقّق مما سمع، أن يأتي بالنبأ اليقين من مصدره ... أن يتثبّت ...
هذا هو رضي الله عنه وعلامات الوصاية على المؤمنين والمبادرة إلى حلّ مشاكلهم والفصل في أمرهم تلوح في شخصيته من قبل أن يُوَلَّى أمرَهَم لعشر سنوات كاملة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأرضاهما ...
ها هو ذا وهو الذي يتحمّل دون غيره من المؤمنين أمر هذه المهمّة...
أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستفهمه في شأن من شؤونه الخاصة، يريد أن يقطع الوهم بالحقيقة ...
وهذا عمر الآن ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة أول من يكلّمها، ومن بعدها حفصة ابنتُه، يروي عمر فيقول :
"فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْتُ : يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟، فَقَالَتْ : مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ، قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
عمر رضي الله عنه يعتب على عائشة، فيستنكر عليها أن كانت سببا من أسباب اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولصويحباتها من نسائه...
ولَعَمْري إني لأرى هذه الكلمات منه هي كلمات كُلٍّ منا وهو يستغرب ويستهجن أن يبلغ بواحدة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبلغ أن تتسبب في إغضابه، وأن تسأله ما ليس عنده، وأن تعكّر صفو الحياة عليه وهو الذي يتحمّل ما يتحمّل من هموم الأمة، ويتجشّم ما يتجشّم من صِعاب، ويواجه ما يواجه من عقبات وعراقيل...
هي كلمات لا أحسبها إلا قد نطق بها كلُّ مَن عرف عن أمر نسائه معه...
أرى ابن الخطاب رضي الله عنه يقولها عنّا جميعا ... 🙂
يقولها ونقولها، بينما لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحدة منهنّ ...!!! 🙂 : "أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ "
لم يُخْفِها عمر في نفسه، لم يُكبِر أن يكون منه تجرؤا على مقام زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدفعه حبه الشديد لرسول الله، وقد عرفنا كيف أقبل يجُؤُّ عنق حفصة حينما فهم أن أمرها من أمرصويْحباتها الملتفات حوله يسألنه النفقة ...
هكذا هو عَهْدُنا بعمر رضي الله عنه... القوة، والصدع بالحق، والمُواجهة العَيْنيّة ...
وهذه عائشة رضي الله عنها تردّ عليه قائلة : "مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ؟"
لنتأمل .... 🙂 وإنها لكلمات منها تدعو للتأمل والتأمل ... 🙂
عائشة لم تصمت، لم تنحنِ، لم ترَ في عمر القوي الشديد المُهاب حائلا دون أن تدافع عن نفسها، ودون أن تقول له كلمات رأتْها حقا لا يعيبُها أن تنطق بها ...
"مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعَيْبتك" و "العَيْبَة" لغةً الوعاء يكون فيه المتاع، وهو هنا كناية عن خاصّة الرجل وأهله، وقد أرادتْ بذلك حفصة، أي أنها الأَوْلى بكلماتك منّي وهي ابنتك، وألا شأن لك بي أنا ...
ولنتأمل كيف أنها لم تُدْلِ حتى بعُذرها لتبرّئ نفسها عنده ... 💡
ترى الأمر يخصّها، وترى حبّها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي زوجُه ليس بالذي تُعلن عنه على الملأ ليقال عنها أنها المُحبّة التي لا ترتضي غضب محبوبها منها ...
بل هي القوية التي تترك أمرها وأمره لنفسها، كشأن من يحبّ حبّا عظيما فلا يجد ما يصفه به كالذي يصفه به عند محبوبه، فلا أفْقَهَ من محبوبه لحبّه ...
أيّ اضطهاد هو للمرأة ؟؟ أي انتقاص من قدرها ومن حقها هو المُدَّعَى على الإسلام ؟؟
وهذه عائشة تردّ بكل قوة على أشد رجال المسلمين قوة وأوفرهم مهابة ...
عمر الذي أخاله إذ أخال طلعتَه علينا والرجولة تنضح منه نضحا يجعل القامات تنحني أمامها... !!
أخال طلعته علينا طلعة "الرجولة" في أبلغ تعريفاتها، وأبهى حُللها.... !! 🙂
هي ذي عائشة تردّ ردّ التي لا تخشى أن تُوصَم بشيء وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما أسكنوا بأذهاننا صورة لنساء النبي، فلكأنهنّ الملائكة لا البشر، لكأنهنّ الصمّاوات البكماوات اللاتي لا ينطقن، ولا ينبِسْن ببنت شفة ...
هكذا أرادوا أن يصوّروا لنا المرأة المؤمنة المثالية..!!
أن يجعلوها خشبة مُسنّدة...فهي تلك الخانعة، الذليلة، الضعيفة التي لا يحِقّ لها بوجه من الأوجه أن تتكلم، ولا أن يسمعها الرجال، ولا أن يعرف الرجال منها حقا...
هكذا هي الكائن الذي خُلِق ليُدفَن حيّا لا وَأْدا كوأد الجاهلية، بل أشد ....!!
فليس الوأد بإهالة التراب وحده يكتم الأنفاس، بل بإهالة تراب الاضطهاد والكَبْت يكتم الفِكر والنظر والرأي والصوت ...!!
ماذا عساي أقول في هذا المقام ؟!! إلا أنّ كلّ مَن مكّن لتلك الصورة الذهنية عن المرأة المسلمة قد ظلم وهو يحسب أنه يُحسن صنعا، قد ظلم أيّما ظلم وقد جاء بما لم يجئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشاه- ولا مَن بعده من أكابر صحابته العظماء الحُكماء ...
لقد ابتدع وهو يكرّس لتلك الصورة في أذهان النساء وأذهان الرجال على السواء ...
بينما هذه عائشة بكل قوة، بلا إسفاف، ولا غلط، بل بكلمات بيّنة لا غُبار عليها، تردّ على ابن الخطاب أنه لا شأن له بها، وأن يلتفت إلى ابنته ويدَعَها ....
هكذا تعلّمتْ عائشة في بيت النبوة، أنها صاحبة رأي وصاحبة مقام، وأن لها الحقّ في أن تدافع عن نفسها، وتنتصر لنفسها...
ويحضرني حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسابقها وهي تسابقه إذ تباعدا عن الجيش مسافة في أحد أسفاره ... وهو ينحني لترى مِن خلف ظهره الأحباش وهم يستعرضون ألعابهم...والجاريات عندها يُنشِدْن، وهو لا يرفض منها هذا كله، ولا يصدّها عنه...صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ....
ويدّعي من يدّعي رجولة زائفة كاذبة، فيُضيّق على امرأته أو ابنته أو أخته، وهو إذ يفعل لا يرى إلا نفسه و"أنَاه" يخشى أن يقولوا عنه، أو يتكلموا عنه أنّ فلانا ابنتُه تفعل أو تفعل ....
بينما الحلال بيّن والحرام بيّن، والعيب بيّن ....
وما عدا هذا لا تُحرم المرأة منه، ولا تكون في معزل عنه، وكأن الرجل إنسان وهي إنما شبه إنسان ... شُبّهت بالإنسان لتتواءم وحاجة الرجل لا غير .... !!!
ألا سُحقا لكل هذه الأفكار المتطرّفة التي نسبها الظّلمة للدين وما هي منه ...!!
والآن ..... 🙂
أين عمر من ردّ عائشة رضي الله عنها ؟ أين القوي الشديد من ردّها عليه وصدّها له ؟ ومن إحالته على ابنتِه ؟
إنه الشديد الشديد ... فلربما كبُر عليه أن تصدّه امرأة، لربما كبُر عليه أن تردّ غضبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... !
عمر ما جاء لينتصر لنفسه، بل جاء لينتصر لحبيبه صلى الله عليه وسلم...
عمر على شدّته وصعوبته فإنه ليس بالذي يخلط حابلا بنابل فيرى في حقّ الرد تعدّيا، بل هو اللبيب العادل الذي لا يمنع أحدا من حقّ ...
أجَلْ هي ذي معالم القيادة ترتسم في شخصية عمر، معالم الحق ترتسم فيه وهو لا يرد صاحب حق في قول أو فعل ...
هي ذي معالم عدله وهو يعرف للمرأة قدرَها، فلا يسارع لوصْمها والطعن بما تأتيه بحجة أنها "المرأة" الضعيفة المَهيضة التي لا يحقّ لها أن تقارع الرجال وإنْ بوجه حق ...
وهُو هُو عمر الذي تخطّئه امرأة بعد حين وهو أمير المؤمنين على الملأ، فلا يملك إلا أن يقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" مُحقا للحق لا يبالي في ذلك أن يُخطَّأ على الملأ من امرأة...
وسيّان عنده في الحق المرأة والرجل، وسيّان عنده في إبطال الباطل المرأة والرجل ...
الحق عنده أولى من عمر...
فلنتأمل.... 💡
" فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
ها هو ذا مع ابنته أكثر راحة منه مع عائشة، يقرّعها، ويؤنّبها، ويربّيها، ولا يعنيه -والهمّ همّ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم- أن تغضب ابنتُه، لا يعنيه أن تبكي، وقد علم شدّتها ساعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقة مع مَن سألتْه ... وهذا هو عمر 🙂
ثم سألها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتْه أنه بالمَشرُبة، فتوجه إليه حيث هو:
يقول رضي الله عنه : "فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ - وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْحَدِرُ - فَنَادَيْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي ، فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاللَّهِ ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ عُنُقِهَا ، لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا ، وَرَفَعْتُ صَوْتِي ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ "
هذه المَشرُبة حيث يرقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها عبر جذع يُدلّي عليه غلامه رباح رِجلَيه، وهذا عمر يستأذن للدخول عليه من خلال رباح....
وإذا رباح ينظر إلى المَشْرُبة حيث رسول الله، ثم يولّي وجهَه قِبَلَ عمر، وهكذا مرة ومرة، وقد فهم عمر من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بالدخول...
وكعادتنا نعرف من عمر النباهة والفطنة وسرعة البديهة، بل وسرعة التصرف يعقب سرعة الفهم، فرفع صوته ليُسمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما جاء من أجل حفصة ليشفع لها عنده، بل إنه لو أمره أن يضرب عنقها لفعل ... 🙂
وهذا عمر رضي الله عنه، لا يخفى عنا وإن وُورِي عنا اسمُه، صحنا أنه عمر 🙂
رضي الله عنه وأرضاه ... شديد في الحق، قوي في حُبّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أحب إليه من ابنتِه، لا يؤُدُه أن يضرب عُنُقها إن هو أمره أن يفعل، لا يريد إلا أن يطمئن رسول الله ويهنأ...
رفع صوتَه بحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رفعه يُعلِن أنك يا رسول الله أحبّ إليّ من فلذة كبدي.... أنّ شأنك الذي يعنيني ولا يعنيني شأنها ...
وكيف لا يُحبّ الذي كان سببَ خروج عمر من الظلمات إلى النور...
كيف لا يُحَبّ من اقتلع عمر من براثن الجاهلية إلى سنا الإسلام يحمل رجلا مثله إلى المكان الذي يستحقّ ...
كيف لا يُحِبّ مَن أعلن أنه حين رأى ما رأى ليلة أُعرِج به، مرّ بقصر وعليه جارية، فأبى أن يرفع عينَه بها وقد عرف أنها لعمر في الجنة حين ذكر غيرتَه.... 🙂
هكذا كانوا يقولون : "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" قولة الصادق الفاعل ...
وباء عمر بالفلاح، وقد أذِن له رسول الله بعْدها، أذِن له وقد فطِن ابن الخطاب أنّ هذا ما كان يريد سماعه، أنه لم يأتِ ليشفع لحفصة عنده ...
بل لنتأمل ...... 🙂 💡
** كيف يشفع لحفصة أبوها -وهو الذي قرّعها قبل قليل- عند مَن لم يقرّعها ساعة التَفَفْن حوله يسألنه ما ليس عنده !
** كيف يشفع لها عنده وهو الذي إن أذِن له بقطع رأسها لفعل مقبلا غيرَ مُدبر ... !!
والآن وقد أذِن رسول الله لعمر بالدخول، يبدأ عمر رضي الله عنه بوصف الحال التي وجد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ ، فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ "
عليه إزارُه صلى الله عليه وسلم، والإزار ما يغطّي الجزء السفلي من الجسم، وليس عليه غير هذا الإزار، مضطجع على حصير قد أثّر في جنبه من خشونته، وقبضة من شعير وقبضة من قرظ يُدبغ به الجلد، وأفيقٌ (أي جِلد) معلّق ...
هذا كلّ ما بغرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوى إليها ...!
لنتأمل ....
لقد اعتزلهنّ بعدما سألْنَه النفقة، وهو ما ليس عنده، وها هو بالمَشرُبة يصف عمر كلَّ ما بها...
لعلّه اعتزلهنّ فرارا من الحياة الزوجية وفيها ما فيها من طلبات الزوجة وتأفّفاتها، فها هو إذ يعتزل ويعيش وحيدا ذلك كل ما يملك ... ليس بالذي فرّ من الطلبات ليستقلّ فيستمتع وحده !
بل هذا ما يملك لنفسه، وهذا ما يملك لهنّ ...
لقد بكى عمر ..... !
لقد بكى القويّ الشديد ... لقد جادتْ عيناه وهو يرى ما يرى، وهو يرى جنب الحبيب المصطفى يأكل منه الحصير لا يرأف به .... !!
ولكنه لا يشتكي 🙂 لا يشتكي ولا يتأفف، ولا يعنيه إلا أن يبلّغ الرسالة ويؤدّي الأمانة ...
يقول عمر:
"فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، قَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى ، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
حصير وقبضة من شعير كل ما يملك نبي الأمة، والنور المبعوث للأرض ... !!
لسنا ندعو للزهد إذ ندعو أو لعَيش الفقر غصبا إذا قلنا أيّ شظف يُعاني منه مَن يُعاني مقارنة بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!
أيّ فاقة وأيّ حال هي الصعبة يتحجج بها مَن يتحجج لئلا يدرس أو يعمل، أو يعيش، أو يتبسم ...
أو يعطي للأمة مما يعطيه الله من عطاء فكر أو نظر أو وعي ...
حصير وقبضة شعير تلك هي الدنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عنده بمعناها الحقيقي ...
وإنّ هذا الحديث والذي قبله وما فيهما من أحداث كانت في العام التاسع للهجرة، في عامٍ الأمة فيه ميسورة الحال، الدولة الإسلامية فيه ممكّنٌ لها، والغزوات والغنائم ألوان ...ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه منها، ولكن أين هو مِن هذا الذي عليه وعليه زوجاته ؟؟؟ !!
نعم له منها نصيب، ولكنّ جُلَّه إلى الصدقة وإلى ذوي الحاجة والعوز من المؤمنين ....
ولمَن سيرى ما أقول بِدْعا في زمنٍ الدنيا فيه متفتّحة أزاهيرها، أقول: تأمل قول عمر رضي الله عنه : " وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ" ...
لقد كان بمَلْكِه أن يملك ولم يملك، ولقد كان بمَلْكه أن يتملك وما تملّك ...
ولقد كان في عصره مَن يغوص في النعيم غَوص مَن لا يُطلّ له رأس، فهو الغوّاص أبدا ....
إنني لا أدعو للزهد أو لتعمّد الافتقار أو للتلذذ به، بل أتعجّب من أمر مَن لا يبلغ به الاحتياج مِعشار ما بلغ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القانط المشتكي، المتأفف، المتشائم، المتطلع إلى ما عند غيره لا يشبع إلا إذا كان عندَه مما عند غيره وغيره وغيره وغيره ....
وأنّى لهذا أن يشبع أو أن يرى نفسه صاحب كفاف ؟!!!
وهذا رد الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
كلمات قليلة معدودة ... هي من الجوامِع، هي من الشوامِل، هي الكافية الوافية الشافية ...
وردّ عمر القصير، كلمة .... ولكنها كلمة المتيقّن الصادق : "بلى" ...
ولكلمة الصدق من صاحبها القول والفعل والمثال ....
يقينٌ هو عند عمر رضي الله عنه لا يزحزحُه مزحزح ... نعم نختار الآخرة ...
فلنتعلم ... ولنتعلم .... حتى نرضى بما قسم الله لنا، لا رِضى المستدلّ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على كسله ونوْمِه، بل رضى الذي هذا هو قَسَمُه من بعد سعيه وأخذه بالأسباب لا يتطلع إلى ما عند غيره تطلّع النَّهِم الذي لا يشبع وإن عبَّ ما عبّ ....
يُكمِل عمر وقد تعلّم من أول دخوله على رسول الله، ومن أول سؤاله، من الذي بكى لحاله، عبّ منه وهو تلك حاله مع الدنيا، وهو على حاله من الفقر، تعلّم منه وهو الغنيّ بإيمانه الفيّاض...
يُكمل فيقول : "، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ ، إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } ، { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
لنتأمل ....
إنني لأرى عمر يتأمل دقائق حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتفحّص وجهه يريد أن يطمئن، فلا تجيبه الكلمات، بل تجيبه ملامِحه، يرى في وجهه الشريف الغضب... فيسأله عما يشقّ عليه من أمر نسائه، وقال له كلمات رجا عمر أن ينزل من عند الله ما يصدّقها، وعمر رضي الله عنه يُعرف بتصديق القرآن لكثير مما قال، لقوله في حجاب نساء رسول الله، ولقوله في مقام إبراهيم عليه السلام، وفي أسارى بدر، وفي طلاق زوجات الرسول، وفي تعقيبه بــ: "تبارك الله أحسن الخالقين" وفي غيرها كثير ....
ولنا أن نتأمل مقام مَن يصدّق القرآن كلماته ....
لنا أن نتأمل حكمتَه ورزانة عقله ...
لنا أن نتأمل مع هذا ومع ما عرفنا في الصحابة من استسقائهم للقرآن استسقاء...
في هلال بن أمية وهو يقسم أن الله منزل ما يبرئ ظهره من الحد فتنزل آية اللِّعان، وفي فَهْم خويلة بنت ثعلبة وهي التي تدفع عنها زوجها وقد قدِم عليها بحاجة له فيها من بعد أن ظاهر منها، ولا حُكم تستند عليه فيما فعلتْ، وهرعت إلى رسول الله تشتكي حتى نزل قرآن يصدّقها ...
وفي عائشة تعلن فرارها إلى الله وحده ولَوَاذَها به وحده فينزل قرآن يبرئها ...
وفي الصحابة على رأسهم عمر رضي الله عنه يسألون عن الخمر ويسألون ويسألون حتى يحرّم ويحرّم تدريجا إلى أن يُبَتّ في أمر تحريمه كليا ....
وفي الصحابة يسألون عن كَيْت وكَيْت .... وينزل القرآن مصدّقا لما يقولون، مجيبا لحاجتهم ...
لنا أن نتأمل حالهم مع القرآن، وحال القرآن معهم وقد فقهوا معناه ودوْره من قبل نزول آياته...
"فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ"
تلك كانت كلمات عمر رضي الله عنه ...
إن طلقتهنّ فإنك لست بالوحيد، ولا بالمحزون، ولا بالمتروك، بل إن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وعمر وأبو بكر، والمؤمنون ....
هكذا يريد عمر أن يُفهِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يخفّف عنه إن هو فعل وطلّق زوجاته حقا، لا يخفف عنه بكلام وَهْم، بل بكلام حق ....
ونزل كلام الله تعالى يصدّق كلمات عمر رضي الله عنه :
" عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)"-التحريم-
"وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ " -من الآية 4 من التحريم-
من الآية الأولى لنا أن نتأمل تأثيرها في نفوس زوجاته صلى الله عليه وسلم : "مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا"
لنا أن نتخيّل تأثيرها بنفوسهنّ...
ولمَ لا يكنّ المسلمات المؤمنات، القانتات، التائبات السائحات ؟؟
وكأنّه تحفيز لهذه الخصال في نفوسهنّ، وكأنها إثارة لغيرة إيمانية في نفوسهنّ، وهنّ أهل لمثل هذه الغيرة، وهنّ بما يتميّزن به أهل لأن يتذكّرن بنزول قول الله هذا فيهنّ ... فيزددن إيمانا على إيمان، ويزددن رضى على رضى، ويعتَبِرن ويتربَّيْن وتتحفّز فيهنّ أخلاقهنّ وتتأهّب بعُدّة أكبر ....
أما الآية الثانية فنزلت في شأن تمالُئ حفصة وعائشة على زينب بنت جحش رضي الله عنهن،
إذ اصطلحتا على أن تدّعي كل واحدة منهما أنها تشم في رسول الله ريح مغافير إذا ما دخل عليها، وهي ريح منتنة لنبتة بين النبتات، فكانت ليلة حفصة، فما أن دخل عليها حتى قالت ما قالت، فأجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل عسلا عند زينب، وأقسم ألا يعود لأكله، وطلب منها ألا تخبر أحدا. وفي هذه الحادثة نزل صدر سورة التحريم مُستَهلّها قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)"
وجاء في السورة عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريمه العسل وهو المُحلَّل له، وجاء فيها إخبار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن حفصة أخبرت عائشة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهو الذي أوصاها ألا تخبر أحدا ...
وفي هذا السبب، مع سؤال نسوته النفقة، وفي غيره من أمر مارية القبطية...
من الأسباب كلها مجتمعة كان اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه، ولم يكن من سبب واحد، وهذا الأرجح مع تحمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهنّ وهنّ يعشن بروح الغيرة البشرية في الضرائر إذ يَجْتمِعن ....
وفي الروايات الأخرى والأحاديث الصحيحة الأخرى، من مثل الحديث الذي عايشناه المرة الفارطة ما فيه نزول آية التخيير التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهنّ بعد الانتهاء من اعتزاله، فكان التخيير، وكان منهنّ الاختيار، اختيار الله ورسوله والدار الآخرة ....
هكذا نتعلم أن البشرية وزلاتها، وحاجات النفس البشرية، وميولها ... كلها من الطبيعة البشرية التي لا خِلاف عليها، والتي لا يخالف فيها إلا كل مدّعٍ للرهبنة وللملائكية تتلبس به، وهو في ذلك كثيرا ما تغلبه نفسه فتُظهر منه عكس ما كان به يتشدّق من الانقطاع عن الدنيا والتبتّل المغرِق ....
نتعلم أن هذه البشرية لا تتعارض والتديّن، والتعلق بالله، والعودة لله، واختيار الله ورسوله والدار الآخرة .... لا تكون تلك الميولات في الإنسان أو تلك الزلات أو الأخطاء حائلا دون عودة ورجوع وتوبة تجعل منه الأقوى والأقوى في طريقه إلى الله ....
ويستطرد عمر رضي الله عنه :
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، يَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، أَفَأَنْزِلُ ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ شِئْتَ ، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ."
هذا عمر رضي الله عنه بعد أن واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبادر إلى إذهاب همّه قبل أن يبتدره بالسؤال، هذا الآن يسأله عن حقيقة ما سمع من المؤمنين بشأن تطليقه نساءَه ...
فأجابه رسول الله أنه لم يفعل....
فأخبره عندها أن المؤمنين ينكُتون بالحصى ويقولون أنه صلى الله عليه وسلم طلّق نساءه، وسأله إن كان له أن يخبرهم أنّه لم يطلقهنّ....
"قال صلى الله عليه وسلم : نعم، إن شئت"
لنتأمل ....
هذا عمر يستوثق من المصدر عن صحة ما سمع من المؤمنين...
هذا هو وقد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأكّد وليتحقّق وقد وجد المؤمنين على مَا هُم عليه مِن حال ...
ولكن بعد ماذا؟؟
بعد أن سرّى عنه، وبعد أن حاول أن يُذهب من همّه وغضبه ...
لم يأتِ يؤدي مهمّة كالآلة يوكَل بها العمل فهي التي لا تشعر بل تتحرك فتنفّذ، لم يأتِ وهو الذي
لا يهتمّ لحيثيات الموقف، ولحيثيات الوضع، ولحال من يحدّث ...
1- جاء وقد فعل أول ما فعل أن طمأنه أنه لم يأتِ شفيعا لحفصة، بل جاء لأجله لا لأجلها ...
2- جاء وعينُ بصيرته تعمل مع عينه، فوعى جيدا عُسر الحال التي هو عليها حتى دمعت عيناه مما وجده عليه.
3- جاء وجعل يؤيّده على ما هو عليه، وأنه إن هو طلقهن، فليس بالمتروك، ولا الوحيد، بل إنّ الله معه وملائكته وهو وأبو بكر والمؤمنون.
"نعم .... إن شئت" ....
أي رقيّ هو رقيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!! "نعم إن شئت"..
أي تواضع هو تواضعك يا رسول الله ؟!! وأنت إن أمرتَ ابتدروا لأمرك ولم يألوا جهدا لإرضائك ...
ولم يزل عمر رضي الله عنه يحدّثه، حتى تحسّر الغضب عن وجهه...حتى ضحك ..
يصفه عمر فيقول : "كان من أحسن الناس ثغرا"...
إني لأرى عمر يتملّى وجهَ حبيبه وهو مُسفر بضحكته، وأرى بالَه يهنأ، وقلبه يطمئن وهو قد قلب غضبه ابتساما، وقلب حزنَه ضحكا ... 🙂
لَكَمْ أستشعر حبّ عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم...! لكم أستشعره قويا كقوته، شديدا كشدّته...لَكَمْ أستشعره حُبّا خاصا من ذلك الرجل الذي دَيْدَنه قطع رأس مَن تسوّل له نفسه مسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء ... !!
لله درّك يا عمر، ولله درّ حُبٍّ عُمريّ الملامح، عمري الحركة، عُمريّ التعابير ...
ويستطرد عمر رضي الله عنه، فيقول:
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ ، قَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي ، لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ. "
لنتأمل ....
إني لأعرف في عمر رضي الله عنه وأرضاه فيما أعرف من سِماتٍ، التدقيق ومدى تحرّيه الحقيقة والصواب ... !!
تأملوا ....
"يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" لا يُخفيها عمر رضي الله عنه في نفسه، يسأل، يريد أن يتثبّت، يريد أن يعرف على وجه الحقيقة ...
إنها سِمة عُمريّة عظيمة .... ويحضرني هنا ما قاله عن تقبيل الحجر الأسود : "إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ ولولا أني رأيت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يُقبِّلُك ما قبَّلتك"
عمر كما وصف نفسه مرة بقوله : "لست بالخِبّ ولا الخِبّ يخدعني"
عمر لا تنطلي عليه الأكاذيب، ولا تخدعه المظاهر، ولا تقنعه دغدغة المشاعر في عقله الراجح الموزون ...
يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد عدّ له تسعا وعشرين يوما، وقد آلى أن يعتزل شهرا، فيجيبه أنّ الشهر يكون تسعا وعشرين ...
وهكذا ينتهي الأمر بعودة عمر إلى المؤمنين بالمسجد، يصدع بالحقيقة على أسماع الناس، يُذهِب ريح ما شاع من أنه طلق زوجاته : "لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ "...
وهكذا هي السِّمات العُمريّة، هكذا هي استباقات شِيَمِه قبل توليه أمر الرعية.... !!
هذا هو يقطع دابر فتنة كانت ستحلّ بين الناس وقد شاع بينهم أن رسول الله قد طلّق زوجاتِه ...
بدأنا مع الحديث، وهو قد سمع منهم ما سمع، فعزم على إتيان رسول الله ليتحقق، وها نحن ننهيه وقد تحقّق، وذهب بالحقيقة ليشيعها بين الناس، وليكفي الألسنة عناء النقل بلا دليل، ليكبر الوهم من واحد إلى واحد ... ويكبر ويكبر إلى أن يشيع ما يشيع من أكاذيب....
وضع لها عمر حدّا ...وبفعله هذا نزل قوله تعالى : "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ"
فكان درسا عظيما عظيما للأمة ألا تكون أُذْنَ شرّ تلقف أي خبر وتنشره على أنه الحقيقة...
ولننظر ... ولنتأمل....
لنتأمل حال المسلمين اليوم، وهُم يطوّح بهم كل موج ... وتتمايل بهم الأهواء...وإذا العقول في غفلة ... ألِفتِ السُّبات والغطّ ...
فلا يكلّف مسلم نفسَه تحرّي دقة خبر، بل ينقل وينقل وينقل ... وينشر وينشر دونما أدنى احتراس، أو شك، دونما محاولة للتثبّت، وسعي للتحقّق ...
حتى عاد الدين محطّ أخذ بلا تمحيص، فيُنشر ضعيف الحديث، والمكذوب منه، ويصدّق القراء، ويصدّق المستمعون، وكأن كل ناقل نبي لا يُشك في كلامه ...
وهذه الصورالمُفَبرَكة يتناقلها المسلمون على أنها المعجزات، فحصان يركع، وقط يسجد، وطائر يسجد ... وجذع شجرة يركع، وسحاب يكتب اسم الجلالة ... ووووو !!
وتؤخذ المعلومة كيفما اتفق ومن أي مكان على أنها الحقيقة لا مِراء ولا جِدال ... فاختلط حابل بنابل...
وليتَنا ....يا ليتَنا تحلّينا بالسّمة العُمرية ...
ليتنا عرفنا أنه ما تحقّق العدل على يد الفاروق عمر إلا لأنه ما كان الخبّ ولا الخبّ خدعه ....
ما كان له أن يحقق العدل، ويكون بابا على الفتنة لو أنه كان أذنا تصدّق كل ما هبّ ودبّ ... ويتأثر بكل ما يسمع...
لو كان كذلك لعرف كل ظالم كيف يصطنع الوَداعة ويلبس جلد الحَمَل ويفوز بخداع عمر...
لو كان كذلك لانطلت عليه الأكاذيب، ولكانت عاطفتُه في مهبّ رياح الاجتذابات يُمنة ويُسرة، ولتميّع الدين، ولأصبح على حرف ...
لو لم يكن صاحب العقل الراجح المفكّر المتدبّر الممحّص لما حقّق العدل على الأرض كما لم يحقّقه أحد ...
إنها السِّمة العُمَرِيّة البارزة ....
ولم يكن عُمر إلا ابن هذه الأمة، ولم يكن إلا أحد أحب أصحاب رسولها الذي ما جاء إلا بالحق، وما دعا إلا للحق، وإلا لنِشدانه ....
فلِمَ لا نعرف من عمر التفكير العُمريّ، والحِرص العُمريّ على الحقيقة، والسعي العُمريّ لمعرفة الحقيقة ...
لماذا لا نُدندِن إلا بكونِه الفاروق العادل، وغاب عنا البحث عن سبب تحقيقه للعدل ...
وما هو إلا ذاك العقل الذي ليس بعقل خبّ ولا الخبّ يخدعه .....
وهكذا مع هذا الحديث ....
** عرفنا علامات القيادة في عمر رضي الله عنه من قبل تولّيه أمر الرعية، وهو الذي سارع لدرء فتنة تطلّ برأسها في شكل رجال ينكُتون الحصى ويتناقلون خبرا كَذِبا مفاده تطليق رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، ولو أنه بقي دون ساعٍ للبحث عن حقيقته من مصدره لانقلب فتنة عظيمة ...
** عرفنا كيف لا يُهدّئ من ثورة عمر إلا الحق يدق باب عقله، فينشرح له صدره، وفي سعيه نزل التعليم الرباني للأمة جمعاء أن تتوخى الخبر من مصدره لا من أفواه النقلة عن النّقَلة دون دليل ولا تمحيص...
** وعرفنا الحبّ العُمريّ القوي كقوته، والشديد كشدّته في الحق ...
وأخيرا فلنتعلم ولنتعلم ولنتعلم .... 🙂
63
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:40:19 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ننشد الحكمة، لا نَفْتُر.. لأننا أصحاب ضعف مُلازم، وأصحاب خطأ لا يُفارق، وأصحاب كنز لم نعرف قدره ووزنه وهو بين أيدينا...
حسِبْنا الأمر حِفظا في الصدور، وتباهيا بالحفظ في الصدور، وغفلنا عن سطور الحياة نخطّها بتوجيهاته وتربيته وهدايته ...
فراح منّا مَن راح يبحث وينقّب بعيدا، في ثقافات الغير ومعارف الغير قبل أن يتعرّف إلى ما هو بين يديه... فانبهر مَن انبهر، وقلّد عَمِيّا وانقاد سويّا، وتمسّح بالمُسوح تتراءى له الحُلة البهيّة ... وانسلخ مَن انسلخ عن "الهويّة" بل وصار يستحي من مجرّد الانتماء مفتونا بالبُهرج، غير ثابت ولا مفكّر ولا مقدّر، يتخذ من ضعف الأمة ووَهَنِها مِشجبا يعلّق عليه ضُعفَه ووَهَنَه، ومِن تصارعات فيها وتناحرات مِشجبا آخر، ومِن مغالاة المغالين وتشديد المشدّدين مِشجبا ...
وعلى قدر استحباب واستسهال الفِرار من "الأصل" إلى "الانبهار" كانت المشاجب، وعلى قدر الضعف والهزيمة في "النفس" كان الفِرار وكان الانبهار ...
وأمة ما تزال تتشدّق أنها أمة "اقرأ"، والعلمُ وهي مطلّقان منذ عهد بعيد كان فيه الوئام، وقامت فيه حضارة أثبتت وجودها وعملها لصالح البشرية جمعاء، وأثبتت عدلها وحمايتها للأرض من كل معتد أثيم متكبر متألّه ...
أمةٌ ما تزال تسمّي نفسها أمة "اقرأ" متشدّقة غير فاعلة...
ومِن هذا وذاك يصنع الفارّ المنبهر مَشاجِبَه... وينطلق مُبرّرا تعليقه عليها كلّ ما يعلّق، وهو لا يُحسن النظرَ إلا في القريب، وقصُرعن البعيد نَظرُه حتى يئس ورضي أن يكون مع الخوالف، ولم يرضَ أن يكون بين المُقْبلين على "جهاد" هو ليس جهاد السّاحِ والوغى، بل جهاد الفِكر وصناعة التغيير ...
هي كلمات تحضرني كلما طرقتُ باب موضوعنا محاوِلةً نِشدان الحكمة من نبعها الأصيل، ومن مَعينها الأول ... متأملة، مُمْعنة النظر، مفحّصة، منقّبة، باحثة، سابرة للغور، أزعم أنني أغوص، ولولا اللآلئ التي بصُرْتُ بها لما زعمت زعمي ولا ادّعيتُ ادعائي ... 🙂
تعوّدتُ مِن راحلتي الوفاء تحلّ بي وترتحل بين جنّة لفّاء وجنّة ...
وهي على عهدها اليوم ككل مرة، حطّت بي بين يَدي حديث جديد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
هذه المرة أيضا مع حديث من الصّحاح ...
يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنّ أبا بكر الصديق أمَّ يوما بيتَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستأذن ليدخل عليه، والناس جُلوسٌ ببابه لم يُؤذن لأحد منهم، فأذن له  بالدخول، ثم أقبل بعده عمر بن الخطاب فاستأذن بدوره، فأذن له هو الآخر دون غيره ممّن ينتظر ببابه صلى الله عليه وسلم...
فوجدا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم جالسا وحوله نساؤه واجما ساكتا...
لم يتحمّل عمر رضي الله عنه ما وجد عليه رسول الله من الوجوم والسكوت، وآلى على نفسه أن يُضحكه بكلمات، يُسرّي عنه، ويُذهب عنه ما يُلاقي مما يضطره للوجوم، حتى هو ذا لا يَنبِس ببِنْت شفة...
وهكذا حال المحبّ إزاء من يحبّ، لا يتحمّل أن يجده مهموما، أو على غير عادته من تبسّم الثغر، وبشاشة الوجه... هكذا حال المحبّ لا يرضى ولا يهنأ له بال إلا أن يجد محبوبه في أحسن أحواله، لا يحزبه أمر، ولا يؤرّقه فكر، ولا يُحزنه حال...
لنتأمل ... وإننا مع بدايات الحديث والحَدث 🙂 💡
إنه عمر لا غيرُه الذي يعزم على إضحاك رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسرية عنه، عمر الحازم الصارم المُهاب، عمر الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بصرامته ومهابة الناس إياه ... هو الذي يعزم على ذلك ..
عمر الذي يُحسن إنزال المفاهيم منازلها، فهو على شدّته، وحزمه في كل أمر، وصرامته يعرف للضحك دورَه، ويعرف متى يكون، ولا يُنكره، وليس بالذي هو له عدوّ ...
عمر المُهاب، يعرف أنّ هذا الموقف لا يليق معه مزيد جِدّ، بل يليق معه أن يُرفع الضحك سلاحا يقطع عُنق الهمّ  ...
فإنك لتجد الواحد من الناس يُعرَف بالجِديّة والهَيْبة التي يصنعها صُنعا إلى حدّ مُضجِر!
إلى حدّ يحسب معه أنّ الجديّة والوقار لا بدّ أن يكونا ظِلا مُصاحبا لا يغادره، يخشى إن هو تبسّم ثغره أو تحلْحل عن جديّته أن ينهال الناس عليه مُستكثرين منه، مزيحين ستار المهابة...
يحسب أنّ هذا مخلّصه منهم، فلا يعرف الوسطية التي تقتضي الجديّة ساعة الجدّ، والهزل ساعة الهزل، والضحك ساعة يستدعي الأمر ضحكا ...
تجد الواحد منهم يستكثر على الناس أن يضحكوا ضحكة هي الدواء لمَن يحسبهم بلا هموم وهو يراهم دائمي البَشّ والتبسّم، فيكشّ من ضحِكِهم كَشَّ من يريد أن يَصيح بهم زاجرا، وكأنهم يأتون الجُرم وهم يضحكون، ولا يفهم أنّ لكلّ من الناس همومه التي تُثقل كاهلَه... ولو أنه اطلّع إلى همّ الضاحك ساعتها لأشفق عليه، ولفهِم أنه الذي يحتاج أن يضحك ...
لا يُدرك أنّ مِن أحسن ما يعمل المؤمن من عمل أن يدخل السرور على مؤمن ...
فليس شرطا أن ترى الناس بُكاةً شُكاة لتفهم أنّ بهم همّا، بل إن من المهمومين مَن لا يبوح ولا يشتكي وهو يحمل ما يحمل، يحمل ما لا يُطيقه الجِدِيّ صاحب المقام والوقار ...!!
ولا يعني هذا في ميزان الحكمة أن يضحك الضاحك في غير مقام الضحك.. فإنّ كلَّ شيء بميزان 🙂
ولنتأمل أيضا ونحن بعدُ ببدايات الحديث 🙂 💡
الناس جُلوسٌ بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم... على عتبات بابه، هكذا دائما حالهم، وحُقّ لهم، وطوبى لهم ...
وكيف بمَن يعايشه ألا يقف ببابه ينشد الحكمة، ينشد الحلّ، ينشد العلم، ينشد الحق ...  ينشد الخلاص ...وهو صلى الله عليه وسلم خلاص لمن عايشه حيّا، وخلاص لمن لم يعايشه... لأمثالنا...
هكذا نحن ننشد الحكمة مما خلّف لنا من سنّته، من كلماته، من توجيهاته وتربيته، من هدايته... من حكمته، من تعقّله ومن رحمته ...
وإنني كلما كنت على عتبات حديث من أحاديثه، تمثّلتُه واقفا أو جالسا، متكلّما أو صامتا، ضاحكا أو واجما، أتمثّله يستوعب كل مَن يلجأ إليه، يتحمّل همومهم ومشاكلهم، وأخطاءَهم، وزلاتِهم، وشَكاتَهم... وهو الذي عُرف بسّاما، باشّ الوجه، يوجّه ويربّي، ويعلّم، بل ويكون منه العطاء لمن عرف فيه حاجة وعوزا ... ييسّر عليه، ويعطيه ممّا أعطاه الله، وإن كان كلّ ما يملك... !
وهكذا هي حاجتنا إليه صلى الله عليه وسلم وإلى هَديه وحِكمته، حاجة أولئك الجالسين ببابه...
لا أشكّ أنكم تبحثون فيما تبحثون عن تباشير صُبح الحديث، وقد بقيت مع خيط فجره لم أبرح بعدُ... 🙂
فصبراً جميلا... إنه ما بيدي حيلة والحديث يستوقفني، فلا أملك إلا الوقوف ... 🙂
لنتأمّل ... 💡
منعتْه حاله مع نسائه من الإذن للناس بالدخول، ولكنّه أذِن لمن يعرف فيهما قربا أن يدخلا، وكلاهما صهرٌ له صلى الله عليه وسلم، كلّ منهما أبٌ لواحدة من زوجاته، فعائشة بنت أبي بكر، وحفصة بنت عمر ...
ولنتأمل أيضا ... 💡
رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس حوله نساؤه، والناس عند بابه ينتظرون الإذن ...
إنّ له شؤونا في بيته لا يجب أن يبخسها حقَّها، إن عددا من نسائه، هنّ التسعة كلهنّ ذوات حقوق عليه، لا يبخسهنّ حقهنّ في الجلوس إليه لحاجة هنّ الأخريات ...
لن يغلق بابه دون أقرَبيه ليفتحه لمن هم أبعد ...
لن يقصّر مع مَن يعيش معهم، ليوفّي مع مَن هم أبعد، فإن لهؤلاء نصيبا ولأولئك نصيبا ...
وكما تحتاجه الرعيّة، تحتاجه نساؤه وهنّ جزء من الرعية ...
هنّ بحاجة إلى أن يسمعَهنّ، إلى أن يُشعِرهنّ بأنه القريب منهنّ ومن حاجاتهنّ ومما يهمّهنّ ويشغل بالهنّ ...
وليتعلم مَن يتعلم أنّ صاحب أكبر مسؤولية على وجه الأرض، لم يبخس أقربيه حقّهم، لم يبخس زوجاتِه حقهنّ ... لم يعش مع المرأة بينهنّ وهو الآلة التي لا تفقه من "الحياة" الزوجية إلا "المعاشرة" الزوجية ...إلا قضاء شهوة الرجل من امرأته، وبعدها هي المتاع لا شيء غير المتاع، لا كيان ولا أحاسيس ولا رأي ولا حاجة ...
ليتعلم مَن يتعلّم كيف يؤخّر حاجة الناس إليه إلى ما بعد الفراغ من حاجة أهله، وهنّ ملتفات حوله لحاجةٍ لهنّ به ...
هذا الرجل الذي فُطرعلى أن يشقى خارج بيته، يُعَلَّمُ كيف يجد وقتا لحاجة أهله قبل حاجة غيرِه، فكيف بالمرأة وهي التي فُطِرت على عطائها لأسرتها، وهي العاملة اليوم تقصّر بحقّ زوجها، وتُقصّر بحقّ أولادها...
هي العاملة التي تركض من أول اليوم إلى آخره، عساها تُثبت لنفسها ولمَن حولها أنّها البطلة المِغوارة التي تفي بحاجات البيت، والزوج، والأولاد، ثم فوق كل ذلك، هي بين غدوّ ورواح إلى عملها تأتمر بأمر مديرها، ولا تملك أن ترفض له طلبا، فهي تعمل وتعمل وتعمل ...
حتى إذا ما عادت آخر النهار، ربما كان زوجها السابقَ إلى البيت، وهي اللاحقة ! وهي فور لحوقها به، ترسم الابتسامة رسما على وجه كلّحَه التعب، وبهّت ابتسامته اللّهْثُ وراء لقب "البطولة" حتى لا يُقال أنها المقصّرة .... !
ثم تستعد لبعض الاستباقات التي تضمن بها شيئا من وقت غَدِها الملآن باللهث المتجدّد ...
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطي من وقته لأهله عطاء مَن لا يخشى ظلم غيرهم وهم ينتظرون عند بابه لأنهم الرعيّة مع الرعية، ولأن الواجب إزاءهم واجب لا يجوز معه التقصير ...
تُرى ما قال عمر رضي الله عنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، محاولا إخراجه من  وجومه وصمته ؟!
لقد قال له : "يا رسولَ اللهِ ! لو رأيتَ بنتَ خارجةٍ ! سألتْني النفقةَ فقمتُ إليها فوجأتُ عنقها فضحك رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ وقال : " هنَّ حولي كما ترى . يسألنَنِي النفقةَ "
وبنت خارجة هي زوجة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، "لو أنها سألتْني النفقة لقمت إليها فوجأتُ عنقها"، والوجْأ الضرب في العنق بجُمْعِ الكفّ، فضحِك رسول الله صلى الله عليه وسلم من مقالة عمر...
لقد أضحكه حقا، وهو يبدو قد قال له ما هو حقّ 🙂 إذ قد أجابه صلى الله عليه وسلم بقوله : "هنّ حولي كما ترى يسألنني النفقة"
لنتأمل ... 💡
لقد نجَحَ عمر في إضحاك النبي صلى الله عليه وسلم وإخراجه من صمته ووجومه...
لقد نجح في تغيير شيء مما به، ولكن تأملوا ... إنه لم يقل إذ قال إلا ما كان وِفاقا للموقف الذي به رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووِفاقا لما يلقى من نسائه وهنّ ملتفّات حوله ...
إنهنّ حقا يسألن رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقة ... !!
فلا يفوتني أن أنوّه بذكاءٍ وفطنةٍ وحدسٍ عند عمر جعله يقول بواقع الحال وهو يمزح، وهو يجتهد لإضحاك رسول الله صلى الله عليه وسلم..
وهو إذ وجدهنّ على تلك الحال، ووجد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم على حاله من الصمت والوجوم، قد فكّر ... ثم قدّر ... فحسُن تقديره، وجاء تخمينه صحيحا، وجاء حَزْرُهُ موافقا لما كان فعلا ...
فهو رضي الله عنه يعلم لينَ جانب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويعلم لُطفه وشدّة صبره على مَن معه، ويعلم رحمته بكل من معه، بقريبهم كما ببعيدهم...
ويعلم عدله مع نسائه... يعلم كل ذلك منه، ويجده بتلك الحال، لا يفوته أنّ النسوة مِن حوله لا بدّ صاحبات حاجة... ولا يفوته أنهنّ النساء كما كلّ النساء، وإنْ كنّ زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ... 🙂
وعمر وهو يمزح يمزح بكلام يوافق ما يُعرف من شخصيته، من حزمه، ومن شدّته، فلو أن بنت خارجة سألته النفقه، لقام فوجأ عُنُقها... هكذا هو رضي الله عنه، هكذا هو عمر ولا يُستَغرَب منه أن يكون عُمر في كل أحواله ... 🙂
ولنتأمل .... 💡
هذا وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبلج أساريره البهيّة عن ضحكة منه هي الشمس في كَبد السماء الصافية... هذا وجهه يتهلّل بالضحكة وهو على ما هو عليه، ومِن حولِه نساؤه يسألنه النفقة ...!!
هذا هو صلى الله عليه وسلم يضحك وقد كان قبل ساعة واجما، ويتكلم وقد كان قبل ساعة ساكتا، هذا هو وهنّ ما اجتمَعْن به إلا ليسألنه، وليستكثِرْنَه، وليطلبن منه ...وهنّ مَن هنّ ؟ ... هنّ زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
لقد كان يسمع لطلباتهنّ، وهنّ يطلبن أن يزيد في قيمة النفقة عليهنّ، وهنّ يشتكين شَظَف العيش، وما يُلاقين من مطرقة الفقروسِنْدان الحاجة ما لم تَعُدْن قادرات على تحمّله ....
ما قد أنطقهنّ، وجعلهنّ يطلُبْن المزيد ...
ولا يغيب عنّا -والسِيُّ بالسيّ يُذكر- أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو النبي والقائد والحاكم، لم يكن يُعرف بملك ولا بسلطان ولا بما يملك ... بل كان يمرّ على بيته الشهر من ورائه الشهر لا يجدون ما يوقدون عليه ليأكلوا، يمرّ الشهر من ورائه الشهر ولا شيء ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غير التمر والماء ...
هذا كان حال بيته، وكان حال عَيشه مع زوجاته وهو نبي الأمة، وقائدها، والحاكم ...
هذا حتى نعلم مقدار ما كان نساء النبي صلى الله عليه وسلم يتحمّلْن، فهنّ وإن كُنّ النساء "البشر" إلا أنهنّ كُنّ العارفات حقّ المعرفة بقدر رسول الله صلى الله عليه وسلم، الملامسات لسموّ خُلُقه، العارفات بطيب مَعشَره، حتى إنّ الواحدة منهنّ كانت تغار عليه من الأخرى، تريد أن تستأثر به لنفسها، وهو الزوج الرؤوف، الحنون، الرحيم، الذي كان يُعلّم الناس أن : "خيركم خيركم لأهله" وأنه بينهم خيرهم لأهله ...
ولكنّهنّ نساء الرسول... !
ولكنهنّ الرصينات، الحكيمات، الطائعات، المطيعات لله ولرسوله...
ولكنهنّ اللاتي فُزْنَ دون نساء العالمين بالزواج من خير مَن طلعت عليه الشمس، خير البريّة، سيّد ولد آدم ... !
فكيف لهنّ أن يسألن شيئا من أشياء الدنيا، ويُثقِلن على رسول الله، ويُكلّفنَه ما لا يطيق ...؟!
كل هذا ... ورسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقرأ فيما يقرأ فيهنّ إلا البشرية، لا يسمع فيما يسمع منهنّ إلا صوت البشرية ... كعادته وكما عرفناه، أكثر من يسمع صوت البشرية في كل مَن حولَه...
لم يُقَرِّع واحدةً منهنّ، ولم يلُمْها، ولم يعتَب عليها أنها التي تعلم أنه النبي، وأنّ زواجها من نبيّ يكفيها، وأنّها إذ تحيا وهي تنهل من نبع النبوّة يكفيها، وأنّ هذا فضلٌ من الله عليها لا تكاد عين الواحدة من النساء تكتحل به حلما بين أحلامها ... !
لم يُسمِعْ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم واحدةً منهنّ شيئا من هذا، بل لقد جالسهنّ صامتا واجما، وفي صمته حكمة ... يسمعهنّ وهو صامت ... لا يقبض عليهنّ قَبْض الشرطي على يد مُجرم متلبّس، لا يثور بوجوههنّ مُذَكِّرا بفضل الله عليهنّ وهنّ ببيت النبوة... بل هو الزوج بإزاء زوجاته...الزوج الكريم، الزوج الرحيم، الزوج الصبور ...
من أيّ كتاب أيها الرجل المسلم تستقي "الرُقِيَّ" في التعامل مع الزوجة، والحكمة في التعامل مع الزوجة؟ قبل أن تتعرّف إلى هذه الحركة، إلى هذه الحياة في كلمات الحديث النبوي ... من حياة معلّمنا العظيم ...
لا مانع أن تُطالع كتُب المتخصصين، ولا حرج، ولا عيب... ولكنّ العيب أن تكون في جهل مُطبق من حياة رسولك صلى الله عليه وسلم، في جهل مُطبق من حياته مع زوجاته، وتتطلّع قبلها إلى ما دونه، إلى غيره تستقي منه الحكمة والمعرفة ...
ربما قرأتَ في كتب المتخصصين ما قرأت، وإذا أنت عند الفعل، وعند التطبيق، وعند العمل ذلك المتحيّر الذي لم يعرف أيَّ قواعد مَرقومةٍ يطبّق، أهي التي أشار إليها الدكتور فلان، أم هي التي أشار إليها المتخصص عِلان ...
فكأنك تَحجُر على مرونة فيك تجعلك تتأقلم ووضعك، وفهم خصوصية وضعِك دون الحلول التي يُشير إليها مَن يشير مُغفلا الإشارة إلى ضرورة المرونة وِفق ما يقابل الواحد من حالة، ووِفق ما يعرف من طباع شريكه...
وربما تضِجُّ المرأة وتتعب، وينال منها الحِمل والعِبء ما ينال، وهي التي تصبر وتتحمّل شَظَف العيش مع زوجها، وتساعده بصبرها عليه، وتُرقّع حاجة بحاجة، وهي التي لا تتكلم، ولكنها إذا نطقت يوما حَكَم عليها الزوج بالنُّكران، وبالجحود وبقلة الصبر، وبأنها تريد أن تتطلع إلى ما فوق ذات اليد ...
بل ربّما تتمنى شيئا بين الأشياء، فتبوح له بما تمنّت، وهي التي لم يعرفها يوما حدّاقة ولا شدّاقة، ولا مقلّدة لغيرها من النساء، ولا متطلّعة لما عند غيرها ممن هنّ أيسر منها حالا ....
ربما إن تمنّتْ يوما، كان يومَ حَتْفِها بالتُّهَم التي تنهال عليها من زوجها أنّها وأنّها ... !
يُريد مَن يريد أن يطبّق القاعدة الدينية بنسخ نموذج ولصقه، لا مراعاة معها لبشرية، ولا لضعف، ولا لحاجة للنفس التي تتمنى أوتشتهي، وكأنّ المؤمن هو ذاك الذي يعيش في الدنيا بلا ميول ولا أمنيات، ولا حاجة للنفس لا تثريب عليها إذ هي الحلال لا الحرام ...
كل هذا ورسول الله صلى الله عليه وسلم، صامت لا على امرأة واحدة، بل على نسائه مُجتمعات، وكل واحدة منهنّ تطلب أن يزيدها من النفقة ... بل ويضحك من كلمات عمر وهو في وضع صعب، وهنّ يواجِهنَه بما لم يواجهنَه به من قبل، مجتمعات على كلمة واحدة، وقلّما تجتمع الضرائر على رأي، متظاهرات عليه بما يطلبن جميعهنّ...
تُرى ماذا بعد هذا ؟؟ إلى أين سيصل الأمر بينه صلى الله عليه وسلم وبين زوجاته، كيف سيكون تصرّفه مع هذا الأمر ؟
"فقام أبو بكرٍ إلى عائشةَ يجُأُّ عنقها . فقام عمرُ إلى حفصةَ يجُأُّ عنقَها . كلاهما يقول : تسألْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ليس عندَه ؟!  فقُلْنَ : واللهِ ! لا نسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا أبدًا ليس عندَه "
فَوْرَ سماع أبي بكر وعمر رضي الله عنهما لِما أفصح به رسول الله صلى الله عليه وسلم من أمرهنّ معه، انقضّ أبو بكر على ابنته عائشة يَجُأّ عنُقَها، وانقضّ عمر على ابنته حفصة يجُأُّ عنقَها، ليُصدَّق كلامُ عمر الذي ألقاه مزحة إن سألتْه زوجته النّفقة...
وهذا أبو بكر الليّن الهيّن لا يرأف بابنته وهو يسمع أنها تتجرأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتسأله زيادة النفقة... وهذا عمر لا يُخالف طبعه، ولا يلتبس عنده الأمر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم أحبّ إليه من حفصة، وهو لم يرضَ قبل قليل أن يراه واجما، فكيف يرضى أن تكون ابنته واحدة من المتمالئات عليه في سؤال النفقة ...!
وكل منهما يردّد : "تسألْنَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ما ليس عندَه ؟!"
إنّهما على يقين أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدل الناس مع أهله، وأكرم الناس مع أهله، وأوفى الناس عطاء لأهله، فهما يجزمان أنهما إنما تسألانه مما ليس عنده ...لأن ما عنده صلى الله عليه وسلم لا محالة ذائقاته، وعارفاته وغير محرومات منه... وما بيده ما يجعل الحياة عليهنّ أيسر مما هي عليه ويبخل به صلى الله عليه وسلم ...
لقد أنكر الأبوان على ابنتَيْهما ما لم يُنكره هذا الزوج على زوجاته !! 🙂 بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم . هو الذي يعرف حركة "البشرية" ولا يُنكرها وإن كانت من "زوجة النبي"
فلتتعلم يا زوجَ زوجةِ رجل عادي هو أنت ... 🙂
وليس بعيدا عنا أن حبّ الرجُلَين العظيمَين لرسول الله صلى الله عليه وسلم أكبر من حبهما لشيء في الدنيا، وإن كان الولد... وإن كان الوالد ...
وهذا الحبّ الذي جعلهما أقرب الناس إليه وأحبّ الناس إليه.
وإن أبا بكر وعمر، وكلّ منهما يجُأّ عُنق ابنته، نسمع من ابنتَيهما جواب من ندمت على ما قالت : "واللهِ ! لا نسألُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ شيئًا أبدًا ليس عندَه"...
سُرعان ما ارعوَيَتا وكفّتا وهما قد أغراهما صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ووُجومه أن تستكثرا، بينما أفاقتا وندمتا وقد هزّتهما ثورة أبويهما ...
بل لعَمري إني لأرى صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما كُنّ يطالِبنه به، درسا فوق الدرس، عرفْن فيه الرحمة والاستيعاب، والاحتواء والتحمّل، فكرهْن جُرأتَهنّ عليه ...
وإنّ من الصمت لَما هو المعلّم فوق المعلّمين ...
تُرى إلامَ آل الحال، وإلامَ انتهى الأمر 🙂
"ثم اعتزلهُنَّ شهرًا أو تسعًا وعشرين . ثم نزلت عليهِ هذه الآيةَ : «يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً(28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)» .
وهذا هو اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، وإنه لم يكن من سبب واحد، بل من أسباب مجتمعة، ففي هذا الحديث يأتي الاعتزال عقب سؤالهنّ النفقة، وفي روايات أخرى صحيحة أيضا تنزل آيات أخرى غير آية التخيير هذه، وفي جمع الروايات أسباب مجتمعة جعلت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعتزل نساءه شهرا كاملا ...
لنتأمل ... 💡
لقد صمت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يَعِبْ على واحدة منهنّ ما سألته من زيادة النفقة، ولم يقرّعها، ولم يجرِّمها، ولكنه رأى صلى الله عليه وسلم ببعد نظر أنّ الأمر يستدعي درسا فعليّا يُقدّمه لنسائه، يستدعي إدخالهنّ في اختبار لا على سبيل المعاقبة على ما كان منهنّ بل على سبيل ترك الفرصة لهنّ للتفكير الحرّ دون غصب، ودون إكراه، ليُجرِّبْن فِراق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولِيذقن طعم النّأي عنه، فإن وجَدَتْ منهنّ مَن وجدت في البعد عنه راحة وفي العيش من دونه ما يُسهّل عليها العيش فلا يضطرّها إلى الصبر على ما لا تطيق، ولا على عطاء منه غير محدود يُؤثر به غيره على نفسه... فهذا الاعتزال لها فُرصة عملية تجعلها تتخذ قرارها بالشكل الصائب والمتّزن الذي لا ندم بعده ...
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يملك أن يحسّن لهنّ من مستوى معيشتهنّ، بل ما يملكه هو أحد أمرَين، أن تُكمِلنَ معه وهو على حاله، أو أن تُفارِقْنَه ليعشن حياةً أيسر عليهنّ تطيب بها أنفسهنّ ...
لا أراه عقابا لهنّ بقدر ما أراه تخييرا عمليّا، بقدر ما أراه إدخالهنّ ساحة الاختبار، ساحة الواقع يُعايِشْنَه، ولهنّ بعدها بِما يَرَيْن لا بما يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كانت "العقوبة" منه لكان بعدها ما يرى هو بزيادة معاقبتهنّ بإجبارهنّ لا بتخييرهنّ ...
لنتأمل .... 💡
بعد اعتزاله لنسائه صلى الله عليه وسلم تنزل آية التخيير من رب العزة :
«يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً(28) وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)»
لنتأمل ... 💡
وليتأمل كلّ من يحاول الفصل بين حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم مِن فعل وقول على الأرض وبين الوحي، لنتأمل فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يرى اختبارهنّ بالاعتزال، اختبار مدى تحملهنّ لمفارقته، وهو يرى أنه لا يملك إلا أن يبقَين أو يفارِقنَه، فينزل القرآن مُصدّقا لما رأى... ينزل القرآن فاصلا بأمرهنّ معه... يأمره صلى الله عليه وسلم أن يُخيّرهنّ ...
لنتأمل... 💡
فإذا الله جلّ في عُلاه لم يُنزل قرآنا يَعتَب فيه على نساء الرسول ويلومهنّ على قولهنّ ما قُلن، وطلبهنّ ما طلَبْن ... لم يذكِّرهنّ بفضل الله عليهن وهنّ زوجات النبي، لم يذكّرهنّ بمقام النبي صلى الله عليه وسلم عند ربه، لم يدعُهنّ للندم على ما كان منهنّ وللتوبة منه ...!
بل نزل القرآن مُقِرا ببشريتهنّ، وواضعا لأمرهنّ موضعه الصحيح..
فلا تجريم ولا تقريع، بل هو التخيير، ودونما وعيد بالغضب من الله إن هنّ اخترنَ فراق رسول الله، ودونما وعيد بالمآل السيئ إن هنّ اخترن فِراقه ...
بل هنّ الحُرّات اللاتي لهنّ أن يخترن ولا تثريب عليهنّ ...
بل مَن تختار الفراق، سيسرحها سراحا جميلا .... لنتأمل إنه : "سراحا جميلا" ...
ولكَم استهجن مَن استهجن وهو يسمع القصة تصرّف نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعدّه غريبا، ورأى أنه كيف يكون مع رسول الله ... بينما لم يرَ الله في ذلك شيئا تُعاب عليه نساؤه أو يبُؤْن به بغضب من الله، تماما كما لم يرَ رسول الله في تصرفهنّ ما يدعو حتى لتذكيرهنّ بحُظوتهنّ بمرافقة صاحب مقام النبوة ...
إنهن كنّ يحسنّ الصدق وإن عارضْن، وإنّنا لا نحسن غير الكلام الهائم العائم الذي يوهِم بتمام الاتباع وما هو إلا العاطفة سريعة الاهتزاز...!
ولكنّه بالمقابل : "وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْراً عَظِيماً(29)"...  الله بالمقام الأول، ثم الرسول، ثم الدار الآخرة ...
تذكير دائم بأنّ من يختار الرسول، فقد اختار الله بالمقام الأول، من أطاع الرسول فقد أطاع الله... تذكير دائم بأنّ إرضاء رسول الله من إرضاء الله تعالى... وأن رضى رسول الله صلى الله عليه وسلم من رضى الله سبحانه...
فهو الجمع وهو التفريق في آن ... فالله هو المعبود لا رسول الله، ورضاه هو المرجوّ أولا، وما حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا تجسيد لما يحبّ الله ويرضى ...
ثم أيضا هي البشرى من الله سبحانه لهنّ، هي القوّة التي يحتاجها المؤمن زُوّادا يستزيد به، ويستعين به على لأواء الحياة، هُنّ وهُنّ مَن هُنّ، ووزنهنّ في الأمة الوزن الثقيل، ودورهنّ الدور العظيم، وخصوصيتهنّ لكونهنّ نساء نبيّ الأمة، ونساء داعي البشرية إلى الله، وأمهات المؤمنين، كُنّ بحاجة إلى هذا الزاد الرباني وَقودا على الطريق الذي خُيّرن فيه...
فالله سبحانه يَعِدهنّ ولا يتوعدهنّ، يُرغبهنّ ولا يُرهبهنّ ... يعدهنّ بالأجر العظيم من عنده ... وكفى بهذا الوعد الخاص، الموجه لهنّ خاصة زادا وقوة ودافعا...
لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم خصوصية مقامهنّ بالنسبة للأمة، وللدعوة، فاختبرهنّ بالاعتزال ليترك لهنّ حرية الاختيار عن قناعة وعن تجربة ...
ثم صدّق الله تعالى رسوله وما رأى بأمره أن يخيّرهنّ من غير تهديد ولا وعيد بل بالإحسان يستحثّ فيهنّ الإحسان ...
وما يزال في هذا الحديث المِعطاء بقية خير وعطاء ...
وإني لأقف الوقفة أتأمل، وأنا المندهشة من كلمات النبوة، ومن أفعال النبوة تُغدق على مَن يتأملها ويتملّاها دروسا ودروسا، فأكاد أصرخ بالمُنكرين للسنة ...  وبالمشككين بالسنة...!
تالله إنّ كلام النبوة أيضا ليس ككل كلام ...
إن فعله في النفوس ليس ككل فعل، إنّ له لصوتا جهوريا يأخذك إلى دنيا ليست إلا دنيا "الوحي" مع "الوحي"...
وها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"فبدأ بعائشةَ . فقال : " يا عائشةُ ! إني أريدُ أن أعرضَ عليكِ أمرًا أُحبُّ أن لا تَعجلي فيهِ حتى تستشيري أبويْكِ " . قالت : وما هو ؟ يا رسولَ اللهِ ! فتلا عليها الآيةَ . قالت : أفيكَ ، يا رسولَ اللهِ ! أستشيرُ أبويّ ؟ بل أختارُ اللهَ ورسولَه والدارَ الآخرةَ . وأسألك أن لا تُخْبِرَ امرأةً من نسائك بالذي قلتُ . قال : " لا تسألْنِي امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها . إنَّ اللهَ لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا . ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا "
نفّذ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر ربّه، وها هو أمام عائشة، راقي النفس، رقيق القلب، رحيم، وَدود... يختارها قبل غيرها، وقد سُئِل يوما :"من أحب الناس إليك؟" فأجاب: "عائشة"
يبدأ بأحبهنّ إلى قلبه، وهو في هذا أيضا لا تغادره الحكمة، يبدأ بأحبهنّ إليه ليرتاح قلبُه راحتَه الكُبرى إذا سمع منها قبولا ... وكذلك لا يغادره أمرُ قلبه الذي لا يملكه، وهو يحبّ سماع رأي أحبهنّ إليه ...
ولنتأمل ... 💡
"أحبّ ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك" ...
وإنني لأعقل فيما أعقل أنّ الرجل المُحِبّ ما أسرع ما يحبّ سماع كلمات محبوبته أنها تريده، وأنها لا تقوى على فراقه ...
ولكنّ عقلي لا يعقل بالقدر الكافي، ليتوقّع كل هذه الرصانة، وكل هذا العدل، وكل هذه الحرية التي يعطيها مُحبّ لمَن يُحبّ ... !
إنها العاطفة المُرشّدة ...
إنها العاطفة التي لا تُعدِم العقل، بل تجعله سَندا ومؤيدا ومقوّيا لها...
يريدها حقيقية، حرة، متروية، لا مغصوبة، ولا بتأثير عاطفيّ لربما تمحو أثرَهُ  المُلِمّات بعد ساعة ... يريده دائما، ثابتا، رصينا ... حقيقيا، صافيا لا شِية فيه ... "أحبّ ألا تعجلي فيه "
ولنتأمل ... 💡
وعائشة إذ تردّ لا تردّ ردّ المستعجِلة، بل تردّ ردّ الواثقة من حبّها له، ردّ التي هذا أوان رأيها مجرّدا عن تأثير أيّ رأي... 
إنها لو استشارت أبا بكر أو أمها في رسول الله لما وجدت غير دفعها للقبول بالبقاء معه، ولكنّها هي هي التي طالبتْه في ساعة ما بما ليس عنده، هي نفسُها اليوم التي تقرّر قرارها الذاتي البعيد عن كل تأثير، ليصل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قويا، قويا قويا ... كما هي حقيقة هذا القرار ...
وليتعلّم مَن يريد أن يتعلّم كيف يملك الرجل قلب زوجته بالحبّ والرحمة، والصبر على بشرية فيها، وكيف يصبح قرارها أن تكون معه وأن تبقى معه رغم كل حال  قرار المحبّة الواثقة...
وأخيرا .... 🙂 ها هي البشرية في عائشة تطلّ من جديد 🙂
ها هي غيرتها على مَن تحبّ تدفعها لأن تسأله ألا يُخبر امرأة من نسائه بجوابها، تريد أن تستأثر بالمكانة عنده، فلعلّ هناك من ستختار البقاء معه غيرةً من عائشة لا حبا في البقاء... !!
فلتفعل منهنّ مَن تفعل ذلك وتلك أمنية بشريّة من أمنيات عائشة 🙂
ولكنه صلى الله عليه وسلم برُقيّ المعلّم العاقل الحكيم، العادل، الرحيم ...
برقيّ الذي يبلّغ عن ربه ويعدل في التعليم والتربية والرحمة وإن غلبه قلبه فيمن أحبّ ...
يردّ عليها قائلا : " لا تسألْنِي امرأةٌ منهنَّ إلا أخبرتُها . إنَّ اللهَ لم يبعثني معنِّتًا ولا متعنِّتًا . ولكن بعثني معلِّمًا ميسِّرًا"
لنتأمل والحديث بكل أطرافه منجمٌ للتأمل والنظر 🙂 ....
لقد أرضاها مع فعله ما يجب أن يُفعَل ... 🙂
فإن هي سألته الواحدة منهنّ عن جواب عائشة أخبرها، وإن هي لم تسأل لم يُخبرها ...
فهو صلى الله عليه وسلم المعلم الميسّر لا المعنِّت المتعنّت لا المُشقّ على الناس، المتطلع لهَنَاتهم وهفواتهم وزلاتهم  ...
تُرى مَن يُجيد هذا التفريق الدقيق الذي لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة بين الحق الذي يبقى حقا ولا يُميّعه حبّ حبيب ولا مكانة قريب، ولا تُذهِبه مجاملات ولا تقرّبات، فيبقى حقا، ويبقى موجودا، ويبقى فاعلا وإن لم يرتضِه أقرب المقرّبين وأحب المحبوبين ...
وأخيرا ... لنتعلم ... ولنتعلم ... ولنتعلم 🙂
64
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-16, 09:38:45 »
عندما كنت أقرأ القرآن، كنت أمر بآيات الوحدانية والخلق والإبداع وأنا أرى الأمر واضحا متجليا لا مراء فيه، وعلى قدر ما كان تأمّلها يترك بالنفس تعظيما وتبجيلا وإجلالا لله جلّ في عُلاه على قدر ما كنت أتساءل عن سرّ كثرتها، وتواجدها بكل مكان من القرآن...
كانت آيات تخاطب كفار قريش أو تصف تعنّتهم...
وكان أكثرها بالسور المكيّة، والتي هي أكبر عددا من السور المدنية...
كان نزولها في مرحلة تأسيس العقيدة ...
في أيامنا هذه، تبدّلت نظرتي لتلك الآيات...!
مع هذه الموجة الصارخة من التشكيك الذي طال الكثيرين من شباب الأمة، بل وطال مَن طال منهم الإلحاد والانسلاخ من الدين كليّا، حتى غدا الإلحاد حديثا من شائع الحديث...حتى طفِق مَن طفِق يبحث عن طرق نقاش الملحدين، وإقناع الملحدين، ومحاولة تنوير الملحدين والمشككين وانتشالهم من براثن الضلال والهوى ...
حتى افتتح هذا مشروعا لتكوين الشباب في مجال محاربة الشبهات، وتفرّغ ذاك لمناقشات عبر وسائل التواصل (التشات)... وألّف آخر عن شبهات حول "السنة" وآخر عن شبهات حول القرآن ...
ومَن افتتح صفحات لدحض الداروينيّة، ومن سجّل مرئيات موضوعها مناظرات بين أنصار الدين وأنصار اللادين ...
وهكذا... بين سعي وسعي...
موازية هي المساعي لكل الطلعات والخرجات المستحدثة من موجة التشكيك الجارفة، وموجة الإلحاد المائجة ...
ومع كل هذا ... عدتُ...فحطّتْ بي راحلتي عند تلك الآيات ذاتِها....
آيات تحكي عن هؤلاء...عنهم في كل زمان، وفي كل مكان ...
ليسوا بِدعا من الناس، ولا قولهم بِدع من الأقوال ... بل هُم هُم أصحاب التكذيب، والكفر والشك، والاهتزاز ....
هم الذين خاطبهم، ويخاطبهم، وحدّث عنهم، ويحدث عنهم رب العزّة سبحانه ...
حطّت بي راحلتي عند هاتيك الآيات، فلم أعد أرى كثرتها في القرآن سِمة من السِّمات وانتهى الأمر...
بل هي التي دورها لكل زمان هو الدور الأول، ووزنها هو الوزن الأثقل ...
التوحيد، العقيدة، النبوات، اليوم الآخر...
مواضيع هي القاعدة التي كانت تُستهدف أول الأمر كلما تطاول على الناس العهد، ليعودوا القهقرى في كل مرة..فتنتكس البشرية وترتكس، وتنكص على عقبيها، وتتمسّح بمسوح الوثنية والخرافة واللادين، فتنكر كلّ ما دعاها إليه نبي بين الأنبياء، ليُبعث نبي بعده، وينزل كتاب بعد كتاب ليجدد الدعوة للدين الواحد، ولعبادة الرب الواحد ...
كانت البشرية تحتاج في كل مرة ل"نبي" لا لمصلح عادي ...
ولكن بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لن يكون من بعث جديد، فلا نبي ولا رسول بعده...
ولن تحتاج البشرية مع انتكاسة وارتكاسة تتهددها من كل جانب إلى نبي جديد... بل إلى مصلحين من أمة النبي الخاتم والكتاب المهيمن يبعثون الدين من جديد ...
إنني اليوم حينما تقابلني آيات من مثل قوله تعالى :"فمالهم عن التذكرة معرضين * كأنهم حُمُر مستنفرة *فرت من قسورة * بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشّرة..."
لم أعد أتمثل كفار قريش فيها كما صرت أتمثّل شبابا من المسلمين سرعان ما جعلت أرضهم الهشّة التي يقفون عليها تهزّهم...
فإذا الكثير منهم كالحُمُر المستنفرة الهائجة الثائرة الفارة من أسد يلاحقها ... !
شباب يفر من التذكرة الربانية فرار مَن يخشاها خشيته من أن يُفتَرَس ... !!!
كثير منهم صار يتألى، ويتمطى وكأنما لن يكفيه إلا أن يُؤتَى من عند الله صحيفة يُعلمه فيها باسمه ورسمه أن :  آمِنْ ... ليؤمن.. !!
اليوم صرت أرى الأمة أحوج أن تقف عند الآيات التي تخاطب العقل ل"يصل" ...
التي تحاجج بالعقل، التي يستنكر فيها العلي القدير على العقلاء ألا يعقلوا. وعلى أولي الألباب ألا يعوا ويتفكّروا...
وما كان ما كان إلا من معرفة بالقرآن لم تكن إلا القراءة للحروف، أو الحفظ لها في أحسن الأحوال.. وما كان ما كان إلا من معرفة بالإسلام لم تتعدَّ "السطح" ...
فربما...
ربما يكون مع هذه الموجات البئيسة التي تجرف من شباب الأمة مَن تجرف، قنوات ينفد منها  مَن يسأل إذ يسأل صادقا مع نفسه، ويبحث إذ يبحث عن الحق والحقيقة، فتعود موجاتٌ كريمة لتكتسح الموجات الخبيثة، موجات من العقول الواعية، والقلوب الصادقة لتبث "الرسوخ" من وحي "الوحي" ...
من تأمله والغوص في مراميه ومعانيه... ولتلوح تباشير نهاية عهدٍ الدينُ فيه شعائر بلا روح ولا حركة، ويبدأ عهد هو "العودة" لما كان أول ما كان ...
"فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا "
65
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:53:31 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نعم هو منشور طويل... ولكن جرّبوا فهو بإذن الله يستحق ويستحقّ، وبرأيي لا يجوز عليه التقسيم فعذرا  :)

وما نزال ننشد الحكمة، نحيا ما نحيا ونعرف ما نعرف، ولا ندّعي اكتفاء منها واشتفاء، بل إننا نقرّ أننا بمسيس الحاجة للتعلّم، نقرّ بضعف مُلازِم، وبخطأ في التقدير لا ندّعي منه عصمة، وبسوء تعامل مع ما يواجهنا في أحيان كثيرة، وبحَيْرة تعترينا في أحيان أخرى...

كما نقرّ أننا قصّرنا في التعرّف عن كثب إلى "ديننا"، إذ اكتفى كثير منا باختلافات المختلفين، وتصارعات المتصارعين، وبالتطبيقات الشكليّة، ولم تُكَلّف النفس عناء البحث والغوص، والفهم بالعيش، وتوالت الفِتن... فبين علماء "الحاجة" من بلاط وسلطان، وبين مُبلّغ مُغالٍ ومُبلّغ مُسطِّح، ومبلِّغ مميِّع تعرّضت أفهام الكثيرين للتعميم، وحصل النفور، وصارت الثقة في كثير من دعاة الدين ككرة ثلج متدحرجة تظهر للعَيان ممتلئة صُعُدا، وهي التي يَطَالها الذوبان فلا يترك منها إلا قليلا ما يفتأ الذوبان به حالّا لا محالة ... ! ولا نبخس بما نقول حقّ الكثيرين ممّن كانوا منارات هادية في دُجى الظلمات، هُداة مُهتدين، جامعين لا مُشتّتين....

ولو أنّنا عشنا و"القرآن" و"السنة" قرينان، نُنقّب عن كنوز بهما أثيرة وفيرة، فنتساءل، ونتدبّر، ونتدارس، ونسافر سفر الباحث عن الحقيقة في ثناياهما، المستشرف للأبعاد، المدقّق في التفاصيل، الناهل من مَعينِهِما الصافي لذقنا ولعرفنا.. إذ أنّ الإنسان لم يُخلَق ليُترك سُدى، بل خُلِق وأنزِل إليه ما يعلّمه كيف يحيا، ولِمَ يحيا...

واليوم سنكون بين يَدي حديث جديد، وقصة جديدة، ربما يعرفها مَن يعرفها، ولكنّ دأبَنا هو التعرّف إلى ما نعرف :)
فلَكَمْ نحسب أنفسَنا العارفين بالشيء ونحن إنّما طرقنا بابه فلما فُتِح اكتفينا بالوقوف عنده مفتوحا، وتثاقلنا عن الدخول ليس انتظارا للإذن، وقد كان مع الانفتاح، بل تكاسلا عن الدخول...!

اليوم مع "خُوَيلة بنت ثعلبة" سنسافر... سنحطّ رِحالنا عندها... سنستزيد للعودة بـ"الجواب"، وزادنا للسفر "سؤال" :)

في حديث صحيح تروي لنا خويلة بنت ثعلبة قصتها.. هي زوجة لأوس بن الصامت، بلغ من الكِبر مبلغا يوم حدث ما حدث بينه وبينها، خُوَيْلة بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبثّهُ شكواها من زوجها...

دخل عليها يوما، وحدث بينهما ما يحدث بين الأزواج من نقاش قد يصل أحيانا إلى التخاصم، فراجعتْه في شيء(أي جادلتْه فيه) ولم يكن رأيها ورأيه فيه سيّان، فغضب أوس منها حتى قال لها : "أنتِ عليّ كظهر أمي"...
وما أراد من قوله ذلك إلا أن يَهجُرها فلا يمسّها ولا يقربها ولا يكون بينه وبينها ما يكون بين الأزواج من المُعاشرة والمُباشرة ...

أوس وقد ألقى ما ألقى إلى خُويلة، خرج وجلس في نادي قومِه ساعة، ثم عاد إلى بيته، فإذا هو يريدُ زوجته على نفسها، يريد أن يُواقعها ...

وهنا كان من خُويلة ما كان ... 
تُرى هل ستَرضى خويلة ؟ هل ستنصاع لمُراد زوجها منها ؟ هل ستفرح بساعة قُرب تمحو ساعة الغضب والعِراك الذي كان قبل حين بينهما ؟
فما مِن حال يدوم، وقد جعل الله ما بين الزوجَين من أسباب المودّة والرحمة تُذهب العَكَر وتُحِل الصفو محلّه ...
ولكن ... !!
خويلة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم تشتكي.... فماذا تُراها تشتكي ؟

أراد أوس زوجته خويلة على نفسها وقد عاد من نادي قومِه، وكان قد قال لها ما قال قبل ساعة، فما كان من خويلة إلا أن انقلبتْ أسداً هَصُوراً، أبت أن يقربها زوجها أو يمسّها، بل لقد أقسمت يمينا ألا يمسّها وألا تمكِّنه من نفسها، فقالت: " كَلَّا وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ " ...

وهذا أوْسٌ يغُضّ الطرف عن كلامها، وعن يمينها، ويريد أن يصل إلى مُراده منها، فيواثبها، ولكنّ خويلة تصرّ على موقفها، وتتصدّى له بكل ما أوتِيتْ من قوة، ولا تنصاع له، بل تمتنع منه، وتدفعه دفعة هي القوة منها وهو الشيخ الضعيف قُبالتها، تقول : "فَغَلَبْتُهُ بِمَا تَغْلِبُ بِهِ المَرْأةُ الشَّيْخَ الضَّعيفَ فألقَيْتُهُ تَحْتِي" ...

أجل لقد انقلبتْ خويلة أسدا هصورا :) غلبت زوجَها، بل وألقته تحتها، ولم تكترث... !
ياللهول !! ربما قال مَن قال عنها أنها المتوحّشة، المسترجلة، التي غابت عنها معالم الأنوثة، فهي تقاتل زوجها وهو يواثبها، وتطرحه أرضا غير مبالية...
ربما قال مَن قال عنها أنها المرأة العصِيّة على زوجها، التي تُغضبه وقد أُمِرت بطاعته ...
ربما وربما .... :)

هكذا هي المرأة إذا أصرّت على مأرب من مآربها... ولكنّ مأربَ خُويلة غير مآرب النساء.. :)
مأرب خويلة هو مربط الفرس في قصتنا، هو محلّ العقد والحلّ ... هو الجوهر، هو المدار الذي ندور حوله ... !

أين خويلة الآن ؟ ما هي فاعلة وزوجها مُلقى على الأرض لا حول له ولا قوّة، ذلك الشيخ الكبير المسكين، ذلك الذي أراد زوجته فيما يريد الأزواج زوجاتِهم ... 
أينكِ يا خويلة ؟؟ يا مقاتلة مَن واثبك ؟ يا مَن طرحتِه أرضا ... ؟!!

تَسْترسل خويلة في رواية قصتها، فإذا هي عند إحدى جاراتها تستعير منها ثيابا، هكذا وقد خلّفت وراءها زوجها الشيخ الكبير طريح الأرض، ربما يعاني آلاما، ربما خلّفته يغالب نفسه ليقوم من على الأرض ... ! :)

ذهبت إلى جارتها تستعير منها ثيابا ...

لنتأمل .... 💡

ربما أخبرت خويلة جارتَها الخبر، فدَيْدن النساء أن يُثَرْثِرن بما عندهنّ من غير بأس بهنّ ولا ضراء، فكيف وهي صاحبة الشكوى ؟!

ليس لخويلة مِن وقت تقضيه في ثرثرة مع جارتها، ليس لها من وقت تقضيه تفرغ لها شيئا مما بها، ل"تفضفض" أو تحكي، أو تبكي ...
بل إن وجهتَها لَمُحدّدة منذ أن قالت لزوجها وهي تُغَالبه : "وَالَّذِي نَفْسُ خُوَيْلَةَ بِيَدِهِ لَا تَخْلُصُ إِلَيَّ وَقَدْ قُلْتَ مَا قُلْتَ حَتَّى يَحْكُمَ اللهُ وَرَسُولُهُ فِينَا بِحُكْمِهِ "...

إنها ذاهبة حيث الملجأ، والمنجا، والملاذ ... والدواء ...
حيث ستبثّ شكواها، حيث ستجد مَن يفهمها، ومن سيُشير عليها، ومَن سيصوّبها إن كانت مخطئة، وسيُنصفها إن كانت مظلومة، وسيردّ عليها حقها إن كانت صاحبة حق ...

إنها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
وطوبى لكِ يا خويلة وأنتِ بين يديه... حيث لن تُظلمي، ولن تُبخسي حقا، حيث ستنعمين بصوته وبوجهه، وبكلماته الحكيمة، حيث ستتعلمين، حيث ستجدين الصدر الحاني، والقلب الرؤوف، والعقل المتزن الذي لن يعيب عليك شكواكِ، ولن يعيب عليك فراركِ من زوجك، ولن يختلق جُرما ليُلصقه بكِ...

تقول خويلة: " ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى جِئْتُ رَسُولَ الله صلى الله عليه وسلم فَجَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَذَكَرْتُ لَهُ مَا لَقِيتُ مِنْهُ فَجعَلْتُ أَشْكُو إِلَيْهِ مَا أَلْقَى مِنْ سُوءِ خُلُقِهِ، قَالَتْ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ( يَا خُوَيْلَةُ اِبْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللهَ فِيهِ )  "

لنتأمل أشياء لا شيئا واحدا.... :) 💡

ربما يخطر ببال مَن لا يعرف تفاصيل القصة، وما انجرّ عنها أنّ تصرّف خويلة هو المعقول، ولا يُعدّ غريبا، أو مميّزا يُرفَع به شأن خويلة عاليا، فإنما هي امرأة مؤمنة لم تنصع لزوجها وقد نطق بكلمات جعلتها حراما عليه : "أنتِ عليّ كظهر أمي" فدفْعُهَا له وإيباؤها عليه هو التصرّف السليم الذي تأتيه كل مؤمنة تعلم أنّ دينها يجعل كلمات ككلمات زوج خويلة حائلا دون مُباشرة زوجية تُعدّ حلالا بين زوجين ...

ولكن لنتأمل .... 💡

إن الحكم ساعتَها لم ينزل بعد (حكم الظِّهار) :)

ولم تكن هناك من آيات نازلات تبيّن حُرمة خويلة على زوجها بموجب تلك الكلمات التي تلفّظ بها...
إنّ خويلة لم تفرّ من زوجها بدافع حرام توقن أنّه الحرام نصا في كتاب الله تعالى، أو ما علّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه وأوصاهم ألا يأتوه لحُرمته ... بل إن كتاب الله تعالى ساعتَها لم يَنُصّ بعدُ على حُرمة الزوجة على زوجها إن هو قال لها بمثل ما قال أوس لخويلة ...

ويحضرني هنا حال الصحابة في غزوة أُحُد، في العام الثالث للهجرة، وقد اشتُشهِد منهم من استُشهِد والخمر في بطنه، استُشهِد وقد كان شاربا للخمر، لم ينقطع عن شربها، لا لشيء إلا لأن تحريم الخمر لم يُبتّ به بعدُ، ولم يكن إلا في العام الرابع للهجرة... ولم يكن على الصحابة الذين استُشهدوا وهم لها شاربون من إثم ولا حرج، وقد ذهبوا إلى الله مُبرَّئين من تبِعة شرب الخمر، إذ كانوا يعملون بما ينزل في كتاب الله، وكانت الأحكام والشرائع تنزل منجّمة، مفرّقة، حسب الأحداث وحسب النوازل، ومن التحريم ما كان متدرجا لا من مرّة واحدة مثل تحريم الخمر ...

وكذلك حال خُويلة، إنها لو أطاعتْ زوجَها ساعتها، ولبَّتْ مطلبه، وبلّغته مُرادَه، ومكّنتْه من نفسها لم يكن عليها مِن حرج، ولا إثم ...لم تكن لتُعاقَب على انصياعها له والحكم لم ينزل بعد، والحكم ليس نصا تشريعيا في كتاب الله بعد ...

ولكنّ خويلة ............ !!!

خويلة استوعبت معاني الكلمات ...
خويلة عقِلت....
خويلة استخدمت عقلها، واستدلّت بضربه أمّه  مثلا لها أنّها وأمّه سواء، وأمّه حرام ظهرها، وهي الآن بالنديّة معها وقد ساوى بين ظَهْرَيْهما ....

خويلة لم تركن إلى ترجيح الشك على اليقين، لم تركَن إلى أنّ الأمر غيرُ محرّم بنص، فتنصاع وتُهدّئ من روعها، وتُعيد المياه إلى مجاريها ...

بل لقد عقلت .... ولقد دفعها عقلها إلى الورع، إلى الخوف مِن أن تقرب أمرا تكاد تجزم أنه لن يتواءم ومَحجّة الإسلام البيضاء، الخالية من الغَبَش، واضحة المعالم، بيّنة السبيل ...
خويلة فقِهت دينها، وعلمت أنه لا يستقيم وهذه المتناقضات ... تماما كما فهِم هلال بن أميّة صاحب "اللِّعان" الذي بلغ به فهْمُه أن أقسم أنّ الله منزل فيه وحيا يبرّئ ظهره من الحدّ ويحمل الحلّ لكل أمثاله من الذين يرون رأي العين خيانة زوجاتهم لهم ...

خويلة فقِهت أن الإسلام لا بدّ له كلمة في شأنها وشأن زوجها وقد تلفّظ بما جعلها ترى نفسها بعيدة عنه، بما جعلها ترى نفسها غريبة عنه، كغربة غيرها من النساء عنه ....

تماما كما كان الصحابة وتحريم الخمر لم ينزل بعد، يتساءلون ويسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر وعن موقعها من حياتهم بدل المرة مرات،  كانوا هُم من استسقى التحريم استسقاء، وهُم "يعقلون"، وهُم يراقبون حالاتهم عند شربها، وحالاتهم بعيدا عنها، وهم يقارنون، وهُم يتبيّنون كيف تُخمَر عقولهم ساعة الخمر، وكيف تُسفِر وتعمل ساعة الأمر ....

لنتأمل ..... 💡

كيف كانت تشريعات كثيرة، وكيف كانت أحكام، وكيف كانت حدود ينزل بها جبريل المطاع الأمين على النبي الأمين صلى الله عليه وسلم سببها سؤال الصحابة، وفِقْه الصحابة لمعنى الإسلام، ولمعنى الدين، ولمعنى التشريع، ولدور الدين في حياتهم ... فكما كانت الأحداث وهم أبطالها سببا في النزول، كانت عقولهم أيضا سببا في استسقاء الحُكم والتشريع ...

وهنا مَكمَن البطولة في خويلة .... ! :)
إنها ليست بطلة عادية ... بل هي البطلة قبل داعي البطولة ...
هي التي ورِعت، وخشيت، وراحت تتثبّت، وتبحث من غير وجود للحكم، بل وكأني بها المستسقية له استسقاء ....!

لنتأمل .... 💡

خويلة تستعير ثوبا من جارتها لتذهب به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم...
إنه لَمِمَّا يشي بفقرها، إنه حالها... وإنّ فيما بقي من قصّتها ما يدلّ على فقرها، بل على فقرها المُدقِع ... ولكنّ فقرها لم يكن حائلا دون "عقلها"، ودون "ورعها"...

لنتأمل وكثير منا يعتاد تعليق أخطائه وآفاته ومصائبه كلها على مِشجب بين المشاجب، فلا يكلّف نفسَه مثقال ذرّة تفكير لا لشيء إلا لأنه الفقير، ومسكين هو مسكين، فالفقر حائل دون أن يفكّر، ودون أن يعقل، وحائل حتى دون أن يتورع ويتّقي ... !!
نعم للأعذار نصيب، ونصيب، ولكن ليس لها كل الأنصبة...
نعم للأعذار وللظروف دور، ولكن ليس لها كل الأدوار ...
نعم للأعذار تأثير، ولكن ليس لها كل التأثير ...

فهي ذي خويلة... لم يَحُلْ فقرها دون أن تقف مع عقلها، لتقارن، ولتستدلّ، ولتفكّر، وإنها إذ فكّرت قدّرت، وإذ قدّرت قد أحسنت التقدير، وإذ استدلّت ونظرت ما غضّت الطرف عن عقلها، ولا عن فهمها لدينها ...
بل ثارت ثورة الأسد الهصور، وأصبحت بقوة المقاتل وهي تدفع عنها مُواثِبها...
ولامرأة غيرها، تدفع عنها عناء التفكير، ومشقّة التقدير، وعَنَت الورع أن تغضّ الطرف وتكتفي بما هو نصّ يحرّم، وما لا نصّ فيه ولا تشريع لا تثريب عليها ولا حرج ...

ولكنها خويلة التي بلغ بها فهْمُها لدينها، و "عقلها" مبلغا إنّا إليه لناظرون، وإنا إياه لمتملّون فيما بقي من قصتها وبطولتها ... :)

لنتأمل.... 💡

إن خويلة قد فرّت ... قد تقوّتْ... قد طرحت زوجها أرضا ولم تبالِ ...
ولكن.... إلى مَن تفرّ ؟؟
إنها الفارّة إلى الله ... إنها التي خلّفت وراءها الدنيا وما فيها، وهل للمرأة المؤمنة المتزوجة من دنيا أسمى عندها من حياتها الزوجية وأسرتها تحمل فيها أكبر معاني دنياها ؟!
فرّت من دنياها إلى الله ورسوله ....
هاجرت إلى الله ورسوله ...
لم تفرّ فِرار التي تطبّق أمر الله .... بل فرّت فِرار التي تبحث عن أمر الله... فرّت فِرار التي تستدعي أمر الله، وقد فهِمت أنّ أمرها محلّ أمر من الله ...!

إنها التي جاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعى...
جاءته تركض... جاءته على عَجل ... وهي إذ عجِلتْ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد عجِلتْ إلى الله سبحانه ليرضى ...
عجِلتْ خويلة إلى ربّها ليرضى ولم يعد يهمّها أن يرضى عبدٌ كائنا من كان، وإن كان زوجها الأحق بأن ترضيه، وهي تراه لم يفهم ما فهمت هي من دينها، تراه يعفِس عفسا يخلط حابلا بنابل ويحسب أنه يُحسن صنعا ...

لم تعد خويلة وقد أسلمت ترضى بالركون إلى "جاهليّة" قديمة حرمت المرأة من "العقل"، وحكرتْه في أحسن الحالات على الرجل -وإن كان العقل ذاتُه في الجاهلية محجورا عليه- ، كشيء من الأشياء الكثيرة التي تكاد تكون "كل الأشياء" التي جعلتها الجاهلية حِكرا على الرجل، وجعلتْ له المرأة بالمقابل متاعا لا يُحسن الاستمتاع به بقدر ما يُحسن كسرَهُ وعفسَه وتشويهَه واللهْو واللعب به ...

لم تعد ترضى بأن تكون طَوعَ بَنان زوجها في الصواب وفي الخطأ منه، في الطاعة وفي المعصية، في المعقول وفي غير المعقول ....
تحرّرت خُويلة حقّ التحرّر، وتحرّرت كل امرأة آمنتْ بربها ففرّت إليه تبتغي مرضاته دون ِسواه من مخلوقاته ... تلكم هي "الحريّة" يا ناشدي "الحريّات" ...!

نعود إلى خويلة، وعودة لتأمل جديد .... :)
إنها تذكر لرسول الله صلى الله عليه وسلم ما تلقى من سوء خُلُق زوجها في سائر أيامها لا في يومها ذاك وحده، وقد بيّنت في مطلع روايتها كيف أنّ خُلُقه ساء بعد أن كبر وصار شيخا سرعان ما يضجر...
وفي حديث صحيح آخر تقول عائشة رضي الله عنها في قصتها وفي شكواها لرسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت تقول:  "يا رسولَ اللَّهِ ، أَكَلَ شَبابي، ونثرتُ لَهُ بَطني، حتَّى إذا كبُرَتْ سِنِّي، وانقطعَ ولَدي ، ظاهرَ منِّي ، اللَّهمَّ إنِّي أشكو إليكَ .... "
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيبها بقوله : "يَا خُوَيْلَةُ اِبْنُ عَمِّكِ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَاتَّقِي اللهَ فِيهِ "

فلنتأمل.... 💡

إنه صلى الله عليه وسلم لم يقرِّعها، ولم يؤنّبها، ولم يجرّمها وهي تشتكي زوجَها، إنه وهو يستمع إليها، ويردّ عليها بكلمات فيها الرقيّ يدعوها بها  إلى الصبر ولأن تأخذ بعين الاعتبار كِبر سنّه، فترأف به وتتقي الله فيه، بكلمات ليس فيها من الزجر، والتهديد والوعيد لامرأة تحكي له أنها التي دفعتْه وهو يواثبها، وألقتْه تحتها وتركته يتلوّى وهو الشيخ الكبير، وفرّت منه غير آبهة بحاله ...

لم يضعها بقفض الاتهام، كحال مَن يلجأ إليه أحدهم شاكيا، فيضعه بسرداب مُظلم ويُلقي عليه من مواعظ التقوى والورع ما يُلقي، ويُلجِم لسانَه، ويصدّه، ويحول دون أن يحكي ويُلقي بما يُثقل كاهله "البشريّ"، وكأنّ الناس عندهم ملائكة مقرّبون لهم من القوة والجَلَد ما لا يجوز معه شكاةٌ ولا تعب ولا نَصَب .... !!

تأملوا ..... 💡

ونحن نُنْزِل المفاهيم غير منازلها، فيرى مَن يرى أن المؤمن بعيد عن الشكوى، وبعيد عن تعب وضجر وملل يوصِله للشكوى وللتذمّر ...
ويرى مَن يرى أن الإيمان والتقوى حائلان دون الإحساس البشري بالثِقَل وبالتعب ...
فيحمّل الشاكي فوق ما يُطيق، ويضعه بخانة المتمرّدين، ويُبعِد عنه صفة "التقوى" وربما صفة "الإيمان" لمجرّد أنه اشتكى ما ينوء بحمله ....

لنتأمل ... 💡

ومنّا مَن يجرّم من تشتكي زوجَها -الذي بلغ به مبلغُ السوء معها أوْجَه- إلى أمّ أو أخت أو قريبة أو  صديقة صدوقة حكيمة لا تسعى في إفساد ذات البَيْن بل في أن تستمع لمن تشتكي وهي تراها "البشر" الذي يضجر ويتعب، وقليل من الفضفضة والتفريغ يساعده على التخفّف من ثقله ....

فلنضع أنفسنا بموضع مَن ضاقت به السُّبُل، وناله ما ناله من تعب وثقل ولم يفعل غير أنه باح بشيء من تعبه، وربما سكب عَبرة أو عَبرات فاضت بها نفسه المتعبة ....
ولا نُلزِمَنّ الناس فوق ما تطيق ونجعل "التقوى" حائلا دون الشكوى ... !!

فهذه خويلة تشتكي، وتبوح، وهي التي فرّت إلى الله من شدّة وَرَعِها وتقواها... فهل جرّمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرها أنّ من التقوى ألا تشتكي، وألا تتذمّر وألا تتعب ؟!!!

فلنتعلم ....

نعود إلى تتمّة قصة خويلة، وقد حططنا رحالنا عندها... وإنّ عند أمثالها لتُحطّ الرِّحال، رِحال مَن زاده السؤال، وزُّوّاده لعودته الجواب :)

تقول خويلة : فَوَاللهِ مَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَلَ القُرْآنُ فَتَغَشَّى رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم مَا كَانَ يَغْشَاهُ ثُمَّ سُرِّيَ عَنْهُ فَقَالَ: ( يَا خُوَيْلَةُ قَدْ أَنْزَلَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا فِيكِ وَفِي صَاحِبِكِ ) قَالَتْ: ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ:
"قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ(1) الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ(2) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ(3) فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَاسَّا فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ(4)" -المجادلة-

لقد نزل قرآن في خويلة ... :)
لقد نزل فيها قرآن من ربّ العزّة في عُلاه... فيها وفي صاحبها ...
نزل وهي ما تزال بعدُ بين يدَي رسول الله صلى الله عليه وسلم... نزل وهي تجادِله في زوجها، وهي تشتكي إلى رسول الله...
قد نزل قرآن يُتلى إلى يوم الدين مستَهَلُّ آياته : "قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها "

تقول عائشة رضي الله عنها : "تبارَكَ الَّذي وسِعَ سمعُهُ كلَّ شيءٍ ، إنِّي لأسمعُ كلامَ خَولةَ بنتِ ثَعلبةَ ويخفَى علَيَّ بعضُهُ ..."

كانت عائشة وهي مَن يُساكن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتَه  تسمع بعض حديث خويلة، ويخفى عنها بعضه، ومساحة بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم كلِّه على ما هي من صغر، لا يكاد يكون بيتُه كله بمساحة غرفة صغيرة ...!
فتسمع شيئا من حديثها وتخفى عنها أشياء ...!! والله سبحانه وتعالى جلّ في عُلاه : "قد سمع"... سمع التي تشتكي إلى الله وهي قد قالت فيما قالت : "اللهمّ إني أشكو إليك"

وهذا كلام الله تعالى يصدّق "تَعقّل" خويلة رغم أنّ الحكم لم ينزل ساعة فعلتْ ما فعلتْ وأبت أن يقربها زوجُها : "الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنكُم مِّن نِّسَائِهِم مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ"....
"لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ القَوْلِ وَزُوراً" .... فلا هو المعروف بين زوج وزوجته، ولا هو الحقيقة التي يجب أن تبقى عليها علاقة الزوج بزوجته ... فكيف تكون الزوجة بمثابة الأم ..؟!

وهكذا قد فهمت خولة أنّ الأمر لا يجوز السكوت عنه، ولا أن يُغضّ الطرف عنه وإن لم ينزل فيه  حكم من الله بعدُ.... لقد فهمت، وعقلتْ ... فصدّق القرآن "تعقّلها" ...

أما ما بقي من قصة خويلة ففيه الجمال وفيه خويلة الأنثى التي اطمأنّت، وسكنتْ فوْرَمَا نزل أمر ربّها ... فعادتْ تلك المرأة الحانية، الحنونة ... :)

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: ( مُرِيه فلْيُعتِقْ رَقَبَةً ) قَالَتْ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدَهُ مَا يُعْتِقُ قَالَ: ( فَلْيَصُمْ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ مَا بِهِ مِنْ صِيَامٍ قَالَ: ( فلْيُطعِمْ سِتِّينَ مِسْكينًا وَسْقًاً مِنْ تَمْرٍ ) فقُلْتُ: وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ مَا ذَلِكَ عِنْدَهُ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم : ( فَإنَّا سَنُعِينُهُ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ ) قَالَتْ: فَقُلْتُ: وَأَنَا يَا رَسُولَ اللهِ سَأُعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ فَقَالَ : ( أصَبْتِ وَأَحْسَنْتِ فَاذْهَبِي فَتَصَدَّقِي بِهِ عَنْهُ ثُمَّ اِسْتَوْصِي بِابْنِ عَمِّكِ خيرًا ) قَالَتْ: فَفَعَلْتُ .

لنتأمل.... 💡

هي هي ... هي هي تلك المرأة التي قاتلتْه وهو يواثبها، وغلبته، وطرحته أرضا تفرّ منه إلى الله ورسوله ... وتشتكيه إليه ... وتبوح له بما تلقاه من ضجره وسوء خُلُقه ...
هي هي الآن تشفع له عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما ألقى إليها بالحكم أخبرتْه أنه لا يقوى عليه، فهو الرجل الفقير الشيخ الكبير...
وكعادة رسول الله صلى الله عليه وسلم الرحمة المُهداة للبشر، يرأف ويرحم، وييسّر، حتى يعين أوساً من عنده بعَرق تمر(والعَرق هو القفة التي كان يوضع بها التمر)....
لا بل وتعين خويلة زوجَها بعَرق مثله .... :)

سبحان الله ....!!
سبحان من غيّر حال المؤمنة من القلق والاضطراب، خوفا من الله وحِرصا على دينها إلى الراحة والسكون والحنان مِن بعد أن اطمأنّتْ لأمر الله ينزل في شأنها .... فهي ذي حياتها حلال بلال بحكم من الله ينزل...
وهي ذي خُويلة العظيمة سبب في نزول حكم هو "حكم الظِّهار" هو إلى يوم الدين في شأن كل من ظاهر من زوجته، أي قال لها : "أنت عليّ كظهر أمي" أو : "أنت عليّ حرام"

إن خُويلة لفخرٌ لأوس طريح الأرض قبل ساعة، المشفوع له منها بعد ساعة ... :)
وإنها لفخر لنساء الأمة جميعا وهي تعلمهنّ "الورع" و"العقل" و "الحق" و"فهم الدين"، وكيف يكون الله  أعلى في قلبها وفي عقلها من كل مَن سواه.... وكيف وهي بين يدَي الله تجْأَر بقولها : "اللهم إني أشكو إليك"  تعبد الله ... ولا "تعبد" رسول الله.... !
فكيف بمَن  يعبد زوجا أو إنسانا مثلَه كائنا مَن كان فيُرضيه ويسترضيه على حساب أمر الله ....

وهذه هي خويلة تروي وبكل فخر قصتها، وتستهلّ روايتها التي عايشنا بقسمها فتقول : "فِيَّ وَاللهِ وَفِي أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ أَنْزَل اللهُ جَلَّ وَعَلَا صَدْرَ سُورَةِ المُجَادِلةِ .... "

وهذه خويلة التي سمع الله قولها فأنزل ما يصدّقها، وإنها عند الله لرفيعة الشأن رفيعة، وليس الوزن عنده بدينار أو بدرهم أو بجمال بل بتقوى ووَرَع وفِرار إليه...

وهذه التي لا يلتفت إلى أمثالها أهوَنُ حكّام أرضنا، يُعلي الله من شأنها في قرآن يُتلى إلى يوم الدين مصداقا لقوله تعالى:  "إن أكرمكم عند الله أتقاكم"

فلله درّكِ يا خويلة الخير .... لله درّكِ .... :)

ولنتعلم .... ثم لنتعلم .... ثم لنتعلم ....

------------------------------------------------------------------------
تجدون روابط منشورات "نشدان الحكمة " بالتعليق الأول أدناه .
#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#مواءمة_الوحي_للعقل
#الورع_والتقوى
#المرأة_المؤمنة_ووزنها
66
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:52:10 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

مازلنا ننشد الحكمة من نبعها الصافي صلى الله عليه وسلم، مازلنا نريد أن نستقي من نبعه الفيّاض لحياتنا ...
واليوم موعدنا مع حديث من صحيح البخاري... :)

عصر الصحابة...
عصر جعله الله نموذجا للحالات البشرية، للتقلبات البشرية...
نموذجا لارتقاء البشر مُرتقى "الإنسانية"، لا بالكمال ولا بالمثال، ولا بالصورة المبرّأة، بل بالخطأ البشري، والضعف البشري، والزلل البشري...

بكل هذا كانت دروس ذلك العصر حتى يُمَكَّنَ لها أن تكون للقابل من الأزمنة بعد زمانهم دروسا وتعليما وتربية... حتى تكون للمعالجة النبوية من جدوى وهي تضرب في أعماق البشرية التي تتكرر ما تكررت العصور، وتتوالى ما توالت الأزمنة ...

حتى يصحّ أن يكون القرآن تربية للأزمنة كلها، وما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا قرآنا يمشي على الأرض، يجسّد تربية القرآن، وصقْلَ القرآن ودوْرَ القرآن مع النفوس ...

اليوم مع "هلال بن أمية" رضي الله عنه وقد قدِم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قاذفا امرأته بين يديه، إذ رماها بالزنا مع رجل يُدعى شريك بن سحماء، هكذا ذكرالرجل الذي اتخذته لها خليلا من ورائه باسمه ... ولم يكن ساعتها قد نزل حكم "اللِّعان" بعد ...

واللِّعان -لمن لا يعرفه- هو الحكم الذي أنزله الله تعالى في شأن الرجل يرى زوجته رَأْيَ العين يواقعها رجل، ولا يراها على تلك الحال معه غيره، فيحلّ حكم اللعان محلّ الشهود الأربعة الذين قضى بهم القرآن لإقامة الحد في الزاني، ذلك أن يجلس الرجل وامرأته بين يدَي الحاكم فيتلاعنان، فيشهد الرجل أربع شهادات بالله أنه صادق فيما قاله عن زوجته والشهادة الخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم يأتي دور المرأة لتشهد أربع شهادات أنه من الكاذبين عليها، والشهادة الخامسة منها أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين ...

وبهذا إما أن يقام عليها الحدّ إن لم تشهد وأعلنت توبتها، أو أن تنجو من الحد إذا ما شهدت، ويبقى هنا أنّها قد تشهد تلك الشهادات وهي كاذبة، ولا تكون نجاتها إلا من عذاب الدنيا والحد، وتكون قد باءت بغضب الله تعالى يوم القيامة وهو أشد عليها مما ظنّت عبثا أنها قد نجت منه بشهادات كاذبة ...

ساعةَ جاء هلال بن أمية قاذفا زوجته بشريك بن سحماء لم يكن حكم اللعان قد نزل بعد، ونعلم أن الكثير من آيات القرآن وسوره نزلت بمناسبات، فكان لتنجيم القرآن حكمة عظيمة من الله تعالى وهو يعالج القضايا والمُلمّات تبعا لحدوثها، ولتبقى أحكاما عامة على سائر المسلمين في قابل الأزمنة.

فكان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم : "البيّنة أو حدٌّ في ظهرك"... والبيّنة هنا -والحكم لم ينزل بعد- إنما هم الشهود الأربعة المفترض توفّرهم لحالة الزنا حتى يقام الحد على من أتاه، وإلا باء صاحب الادعاء -وهو هنا هلال بن أمية- بحدّ القذف، "قذف المُحصنات" وهو ثمانون جلدة في ظهر القاذف الذي لا يُعَدّ إلا قاذفا وهو لا يتوفر على الشهود الأربعة ...

ذاك هو الحكم المعمول به ساعتها، ولذلك كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم "البيّنة أو حدٌّ في ظهرك" ...

تأملوا ... 💡

كيف لرجل يرى رَأْي العين رجلا واقعا على زوجته، يرى العملية بأم عينه أن يلتمس الشهود ؟ هل ذلك بالأمر الهيّن ؟؟ هل هو بالمعقول والمُتاح ؟؟
هل يذهب الرجل يلتمس الشهود واحدا إثر واحد حتى يبلغ الأربعة ليصحّ ادعاؤه؟ أوَلوْ كان صادقا غير مفترٍ عليها ؟؟ أيموت قهرا ؟!

لا بل يُقام عليه فوق هذا كله حدّ القذف ؟؟ يُجلد ثمانين جلدة وهو الصادق فيما ادّعى، وهو الذي لا يمكنه بأي حال أن يجمع الشهود ليأتي بهم فيرَوا معه ما رأى!... كيف لذلك أن يتحقق؟؟ وكيف يُؤخذ للرجل الصادق بحقه ؟؟ وكيف للمرأة الفاعلة ولخِدْنِها وخليلها أن يُعاقبا ؟؟ أفَـيَنْجُو الجاني والمجرم والخائن، ليُعاقَب الصادق المخدوع ؟!!

هل تتصورون أن تبقى هذه الثغرة في الإسلام ؟؟ أتتصورون أن ينقلب المظلوم ظالما في الإسلام ؟؟  ترى إلامَ سيؤول حال هلال ؟؟

لنستمع إلى هلال يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم : "يا رسول الله، إذا رأى أحدُنا على امرأته رجلا ينطلق يلتمس البيّنة ؟ "

لنتأمل ... 💡

هل صمت هلال وهو يعلم أنّ إنفاذ حدّ الزاني يقتضي شهودا أربعة، وإلا كان للقاذف حدّ يُقام عليه ؟ هل صمت، وهو يعلم أنّ هذا ما نزل بشأن الأمر ؟
لنتأمل كيف يحاجج هلال بهذا السؤال، محاججة عقليّة لا غُبار على العقل فيها...

لنتأمل 💡 كيف يحاجج بعقل، بمنطق ... وهو يعلم أنه يحاجج رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا ريب ولا شك في عدله، وفي ائتماره بأمر ربه، وفي تنفيذه لحكمه ...

لنتأمل 💡 كيف لم يمنعه مقام النبي صلى الله عليه وسلم من أن يسأل، من أن يطرح ما عنده، من أن يطرح بالعقل لا بالعشوائية والعبث والهُراء ...

فما كان جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟
ربما سينبّه هلالا إلى أنه يحاجج رسول الله، وأنه كيف له أن يسأل وأمرُ الله الذي بين أيديهم ساعتها هو ما أجابه به ...ربما سنسمعه يزجره، وينهره ويأمره أن يسمع لأمر الله ويطيع، وألا يسأل ....

لنتأمل جواب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهلال وهو يسأل ويتساءل : "البيّنة وإلا حدٌّ في ظهرك"
يعيد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر الله، لا يستطيع أن يحيد إلى غيره، لا يستطيع أن يغيّر الحكم ما لم ينزل في الأمر غيره ...

لم ينهره، لم يزجره، لم يمنعه من السؤال، لم يحرّمه عليه ... لم يصح بوجهه أنه يناقش أمر الله ....
فما تُراه سيكون من هلال بعد هذا الجواب المُكرّر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟
قال هلال: "والذي بعثك بالحق إني لصادق، فليُنزِلنَّ الله ما يبرئ ظهري من الحد ".

تأملوا .... 💡
أي يقين هو لهلال ؟ أي قوة هي في هلال ؟؟ أي فهم للدين هو عند هلال ؟؟ أي فهم عنده للوحي ولدور الوحي ولحاجة الإنسان للوحي ؟
إنه يُقسم أولا أنه لصادق فيما ادعى، وأنه ما دام صادقا فإن يقينه بالله تعالى أن الصادق المظلوم لن يوتَر، ولن يُظلم وسيجعل الله له مخرجا ... ويقينه بالله العدل الحق أنه لن يدع هذه الحالة دون حكم ينزل بشأنها، حالة لا يُستساغ عقليا أن يكون لصاحبها شهود حتى يُصدَّق ...

وليس هلال وحده الذي ناقش الأمر، وحاجج فيه، بل إن مناقشةً أخرى من سعد بن عُبادة واردة في حديث صحيح آخر، ذلك أنه عند نزول آية حدّ القذف :" وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4) "-النور-
سأل سعد رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : "أهكذا نَزَلَتْ يا رسولَ اللهِ ؟ " فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : "يا مَعشرَ الأنصارِ ألا تسمعونَ إلى ما يقولُ سيدُكُم ؟" قالوا : يا رسولَ اللهِ لا تلُمْهُ فإنه رجُلٌ غَيورٌ واللهِ ما تزَّوج امرأةً قطُّ إلا بِكرًا وما طلَّق امرأةً له قَطُّ فاجترأ رجُلٌ مِنَّا على أنْ يتزوجَها من شِدَّةِ غَيرَتِه ...

فقال سعدٌ : واللهِ يا رسولَ اللهِ إني لأعلمُ أنها حقٌّ وأنها من اللهِ تعالى ولكنِّي قد تعجبتُ أني لو وجَدتُ لَكَاعٍا تَفَخَّذَهَا رجُلٌ (أي امرأة لئيمة يواقعها رجل غير زوجِها) لم يكنْ لي أن أُهيجَه ولا أُحركه حتى آتيَ بأربعةِ شُهداءَ فواللهِ لا آتي بِهِمْ حتَّى يَقْضِيَ حاجتَه "

وسعد هنا أيضا يسأل، يتعقل، يستخدم عقله، ويُحاجج في الأمر، ويسأل عنه، ويناقش : "أهكذا نزلت يا رسول الله" وهو أكثر ما همّه حال الزوج الذي يكتشف زوجته ورجل واقع بها... وأنه لا يأتي بالشهداء إلا وقد قضى صاحب الحاجة حاجته وانقضى الأمر... وفي هذه الرواية من الحديث، ما لبث أن سأل سعد حتى جاء هلال بقضيته يطرحها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ...

كلاهما، هلال وسعد تساءلا، فالأول صاحب القضية، والثاني رجل من أشد رجالات العرب يومها غيرة، وكلاهما يتصورالأمر بقوة، فلا يجد للإتيان بالشهداء أو لحد القذف والرجل صادق في دعواه من حلّ...
ولكنّ هلالا زاد فأقسم أن الله منزلٌ ما يبرّئ ظهره من الحد ....

فهل تتصورون ما حدث بعدها ؟؟ بعد قسمه أن الله منزل فيه قرآنا يبرئ ظهره من الحد :)

تأملوا ..... 💡

"فنزل جبريل وأنزل عليه : "وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُن لَّهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَن تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ ۙ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (8) وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ (9) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)" -النور-
لقد صدّق الله هلالا، ومن توّه نزل جبريل بالوحي يبرئ ظهره، ويبرئ ظهر كل من صدق في دعواه ضد زوجته ... نزل حكم شرعي جديد يسدّ هذه الثغرة، ولا يترك مجالا لبخس حق صاحب حق، ولا لظلم مظلوم، ولا لفتح الباب أمام ظالم متَعَدٍّ، مُعْتدٍ ...

لنتأمل ... 💡
عُلُوَّ يقين هلال، لنتأمل كيف يفهم الدين، وكيف يفهم أن هذا الدين ما نزل إلا لنصرة المظلوم، وأنه نزل لحاجة الإنسان، وأنه نزل موافقا للعقل السليم غير مخالف له ...
تأملوا شدة فهم هلال، وعِظم يقينه بالله ... وتذكروا معي يقين عائشة رضي الله عنها حينما رُميت ظلما بالزنا، وكيف كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يترقب لشهر كامل وحيا يبرئها ، ولم ينزل، ولكن عندما تيقنت عائشة من ربها، وأعلنت يقينها، وتبرأت مِن حَوْلِها ومِن قوتها ومن حَوْل كلّ مَن حَوْلَها، حتى من زوجها النبي صلى الله عليه وسلم، ولاذتْ بالله لَوَاذ المؤمن الموقن :" قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِرَاشِي قَالَتْ: وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي"
وفوْرَما كان منها ما كان أنزل الله على نبيه وحيا يبرئها .....

تأملوا كيف عرفوا الله ... كيف استمسكوا بالله، ولم تكن عبادتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، بل كانت لله... فعائشة علمت أن الله مبرئها، وهلال أقسم أن الله مبرئ ظهره من الحد ...
فصدق الله من صدقه ... وأنزل وحيا يبرئ ظهر هلال من الحد ....

تأملوا ... 💡
كيف لم يوبّخ رسول الله صلى الله عليه وسلم هلالا وهو يسأل، ولم يوبّخ سعدا وهو يسأل، بل لم يوبّخه وهو يقسم أنّ الله منزل ما يبرئه ...! لم يَرمِه بالتألي على الله ولم يأمر أحدهم بالسمع والطاعة بخلاف ما أمرهم به في غير هذا الموضع من السمع والطاعة، لأنه كان يعلم، ويعقل أنّ هذا الأمر يستدعي السؤال، وأنّ الوحي ما يفتأ ينزل مع الأحداث لتولد الأحكام الجديدة، ولتُنسخ أحكام أخرى...

كما أدعو نفسي وإياكم في ساحة هذا الحديث إلى تأمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو إذ يحكم بأمر الله تعالى لا تأخذه العاطفة فيؤخّر حكم الله حتى يسمع لعاطفته تؤخر عنه الحق، فتحول دون أن يطلب من هلال البيّنة ودون أن يذكره بحد القذف...
هلال منا، هلال مؤمن، تقي، هلال من الصعب أن يقذف زوجته كذبا... فلنأخذ بشهادته وهي تكفي، ولا نكذبنّه، ولا نعرضنّه للحد ...
أو لنرسل من يسأل ويتقصى في أمر هلال ويأتينا بسيرته وأحواله مع الناس، لنعرف صدقه من كذبه، فلا نشقّ عليه بالشهود الأربعة، ويكفينا منه شهادة الناس بصدقه معهم ....

لا...لا....
إنه صلى الله عليه وسلم لا يرتضي بغير البيّنة، وإن كان الذي جاءه مَن كان، كيف لا وهو الذي علمنا أنه قاطعُ يد فاطمة بنت محمد إن هي سرقت ... لا تأخذه أقرب عاطفة وأقوى عاطفة في دين الله، وأمر الله...
بل يطبق العدل كما يجب أن يكون العدل دون النظر في قرابة، أو دين أو تقوى أو جاه أو منصب ... بل كل النظر في الحق يؤخذ لصاحبه، وفي الحدّ يُقام على مُصيبه..

كما لا يفوتني أن أنوّه بهذه المساواة الشديدة بين الرجل والمرأة في الإسلام، ليس للرجل على المرأة من زيادة تجعله الأَوْلى بأن يُصدّق، وتجعل المرأة الأولى بأن تُكذَّب، وتجعله الأولى بأن يُنتَقَم له ولكرامته، وتجعلها الأولى بأن يُسارَع إلى معاقبتها والتنكيل بها دونما تبيّن وإشهاد ...

إنما ذلك أمر الجاهلية، لم يعد له في الإسلام من مقام، ولم يعد يُسمع له من رِكز ... إنما ذلك من جاهلية ما تزال تطلّ بوجهها الكالح مُسفرة أو مقنّعة في كل عصر، وليس للإسلام الذي يُرمَى بها من نصيب ... بل إنك يا هلال الأولى بأن تُعاقَب وأنت الزوج، إن لم تأتِ بالبينة .... !!

ونكمل مع الأحداث، وظنّي بكم أنكم تودّون معرفة ما آلت إليه :)

كما نعلم ائتمار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأمر ربّه، أرسل إلى امرأة هلال، فحضرت وهلال، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله يعلم أن أحدكما كاذب، فهل منكما تائب؟"
أَوَليس من داع جديد لتأمل مقالة المصطفى صلى الله عليه وسلم هذه ؟
أحسَبُ أنّه الداعي والداعي ... :)

فلنتأمل .... 💡
إن الله هو الذي يعلم أن أحدكما كاذب، والعلم له سبحانه، وإن كان لهلال بيّنة ضمنيّة تجعله الأصدق عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو ما أن أقسم بالله أنه منزل ما يبرئ ظهره من الحد حتى نزل جبريل بالحكم الجديد ... أفليس هذا من تصديق الله لهلال ؟ أليس هذا أدعى لتصديقه عنده ؟

ولكنه صلى الله عليه وسلم، وهو اللبيب الذكي الألمعيّ، والذي لا يفوته ما هو أدنى بكثير من هذه، لتفوته هذه، رغم كل ذلك، لا يفصل ... لا يجزم ... بل يدَعُ الأمر لما سيكون، بل يتريث، بل ولا يخاطب هلالا بنبرة ويخاطب امرأته بنبرة أخرى... بل يخاطب كليهما سيّان ...

لا فرق بين هلال وبينها ... ومن حدّة ذكائه، ومن تمام ظُرفِه ورحمته بأصحابه حتى وهو في أصعب الحالات معهم يلوّح إلى أن واحدا منكما كاذب، فلا يشعر واحدٌ أنه المبرأ ويشعر الآخر أنه المُتَّهَم والحكم لم يمضِ فيهما بعد، بل كلاهما عنده الآن مُتَّهَم حتى تثبت البراءة... حتى ينتهي الأمر إلى آخره، حتى ينتهي إنفاذ حكم الله كما نزل ...

"فهل منكما تائب ؟"...
باب التوبة يفتحه صلى الله عليه وسلم، وذلك أول ما يرغّب به، وذلك ما لا يُغلقه رسول الله صلى الله عليه وسلم دون الناس، وذلك ما يقرّب به العبدَ لربه، وإن كان غارقا في الذنب، وإن أتى الكبيرة، وإن فعل ما فعل، لا يستأثر برحمة الله لفئة دون غيرها، لا يُنكر على المذنب أكبر الذنب أن يتوب ويرجع، لا يجعل باب الله حِكرا على "ملائكة" من البشر دون "بشر" من البشر ...!

وفي هذه أيضا أذكر ما قاله لعائشة رضي الله عنها، وهي زوجه، وهي التي اتُّهمت زورا، وهي التي إن كان صحيحا ما قيل فيها -حاشاها- فهي التي خانت نبيّ الله، ورغم كل ذلك، لا يدفعه إحساس الرجل المقهور المخدوع لأن يُغلق دونها باب التوبة، ولا ييأس من عودتها، بل يدعوها أن تتوب إن هي ألمّت بذنب ...

وهذا دأبه، ودَيْدَنُه صلى الله علي وسلم، وهكذا بُعِث للعالمين رحمة، وهكذا بُعِث هاديا لربه لا مُبعِدا عنه ... وهكذا كان رؤوفا، شفيقا بالناس، عالما بضعفهم، غير مُقنطهم من رحمة الله ولا طاردهم منها ...

ولنعد لأنفسنا ... ولنبحث فيها ... لنجِد من نجد يجتهد اجتهادا في تتبع عورات الناس، وفي اختلاق الأباطيل حولهم من فُتاتٍ لا قيمة له يصنع الفضيحة الصاعقة، ويُصيّر مُستصغر الشرر الشرر القصر ...!
فتنقلب الكلمة كلمات، والفعل أفعالا، والخطأ البشري البسيط فادحةً وجُرما ....
باب التوبة ... هل تفتحينه لزوجك أول ما تفتحين إن هو أخطأ بحقك، وزلّ زلّة ربما كنتِ دافعه إليها وأنتِ لا تعرفين له في نفسك حقا... وقد انقلبتِ من زوجة جذابة تُغنيه عن نساء الدنيا إلى امرأة تفوح منها روائح المطبخ، شعثاء الرأس لا تهدأ لكِ منه شعرة، ولا يتنضّر لكِ وجه، ولا يتبسّم لكِ ثغر...!!

أنتِ أيتها الزوجة ... 💡
هل تفتحين له ذلك الباب، وتعيدين زوجَك لحضنك الحلال، وتنتشلينه من أحضان الحرام يرتمي بها من هول ما صار يلقى من شعثك وغَبَرك ....!! أم أنك إن تيقنتِ من إعجابه بأخرى وعلاقته بها انقلبتِ من تلك الشعثاء المُهمِلة إلى أسد ضرغام ينتقم لكرامته، ولا يعنيه غير كرامته، لتلقي به بين أحضان الحرام ظانّة أنكِ تحسنين صنعا وأنت في عصر "الكرامة"... وإنما أنتِ التي زدتِ فأوصدتِ بابكِ دونه وفتحتِ له باب الحرام على مصراعيه ...!!

فلنتعلم .... :)

وأنتِ أيتها الأم ... 💡
وقد تذكرتْ إحداهنّ فيما تذكرت بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم كليهما للتوبة، تذكرتْ وجعلتْ تخبرني كيف كانت كلما احتكمت ابنتاها إليها في شأن، جعلت تنحاز للألْسَنِ بينهما، والتي تكثر الكلام، وتُحسن تنميقه، وتدعي البراءة الدائمة ...وهي تحسب بانحيازها أنها تحسن صنعا، بينما تخطّئ الأخرى وهي الأقل كلاما والتي لا تُحسن استسقاء الحجة به ... تقول أنها قد "تابت" :) ولن تبقى على حالها معهما كلما احتكمتا إليها ...وستساوي بينهما، وستمنح لكلتيهما الفرصة حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود...

فلنتعلم .... :)

ثم هل نكمل مجريات الحَدَث؟؟ ولا بدّ أنكم تنتظرون التكملة ... :)

قام هلال فشهد أربع شهادات بالله أنه من الصادقين في دعواه ضدها، والخامسة أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين، ثم قامت امرأته، فشهدت أربع مرات أن هلالا من الكاذبين، ولما بلغت الخامسة، وقفوها وقالوا: إنها الموجِبة .... أي إنها التي توجب عليك غضب الله فانتبهي، فاحترسي، فاحذري، وإنّ توبة نصوحا، وحدّاً يُقام عليك يطهرك فتذهبي لبارئك تائبة كمن لا ذنب له خير لك من نجاة في الدنيا لن تدوم ....!!

قال ابن عباس راوي الحديث: "فتلكّأتْ ونكصت، حتى ظننا أنها ترجع، ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم، فمضت "... أي أنها أكملت الخامسة .... أكملتها وهي الفاعلة، وهلال الصادق، وهي الكاذبة، واشترت الدنيا بالآخرة، واشترت الدنيا بغضب الله وحُجّتُها "قومها" ... وما لقومها أن يدرؤوا عنها غضب الله يوم لقائه ؟!!
فقال النبي صلى الله عليه وسلم : "أبصروها فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأَلْيَتَيْن، خَدَلّجَ الساقَين فهو لشريك بن سحماء"، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن" .

لقد علم رسول الله صلى الله عليه وسلم من علامات جمعها أن هلالا صادق، وإن مضت امرأته في شهادتها ولم تنثنِ، ولم ترعوِ، أولها تصديق الله لقَسَمه وإنزاله وحْيا يبرّئ ظهره من الحد، ويكون سبب إنقاذ كل من يأتي بعده بمثل حاله، وثانيها تلكؤها ونُكُوصُها، بل وحتى قولتها : "لا أفضح قومي سائر اليوم" ...

فهل استوقفها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تلكئها ونكوصها، وحال دون أن تكمل شهادتها، وحصرها، أو أمر بإقرارها لتُقرّ ...؟؟
هل كان ذلك دافعا لأن يمنعها من مواصلة الشهادة ؟؟
لا بل تركها لما تفعل ... هكذا يُكمل حُكم الله فيها إلى آخره، وإن اجتمع له ما يبيّن كذبها ما اجتمع ...
ولكنّ هذا جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب من الصحابة أن يتتبعوا أخبارها، فإن جاء الجنينُ الذي تحمل ببطنها بالأوصاف التي ذَكَر، وهي أن يكون بارز المؤخرة، ضخم الساقين، أكحل العينين، فهو لشريك الذي رماها به زوجها ... وكان ذلك وجاء الولد بتلك الأوصاف ...

ولكن لنتأمل أمرا آخر في غاية الأهمية ... 💡
إنّ ذلك لم يكن دافعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يرفض شهادتها، وأن يُمضي فيها حكم الرجم ... بل أمضى فيها أمرَ الله وحكمه وكتابه، وبقي ما بينها وبين ربها هو القاضي فيها، وإن نجتْ في الدنيا، ودرأت عذاب الدنيا عنها ...

وهكذا ...
فلنتعلم من كلماته الجامعة، ومن معاملاته الحكيمة ما يكون لنا ضياء ونوارا، وقَبَسا وهُدى في لُجج هذه الدنيا، وما يكون لنا نبراسا يدقّ كلما سارعت أنفسنا لعاطفة تُحيّدها عن الحق، أو لتَسَرّع همجيّ يبعدنا عن الجادة ...

📌 فهذا هلال يسأل ويطرح أطروحة العقل
📌 وهذا سعد بن عبادة يسأل ويطرح أطروحة العقل
📌 وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحرمهم السؤال، ولا يمنعهم من التعقّل، ويعلم متى يكون أمرهم بالسمع والطاعة دون سؤال، ومتى يجوز السؤال.
📌 وهذا شرع الله يوافق العقل، ويوافق حاجة الإنسان ولا يترك ثغرة لظالم .
📌 وهذا هلال يقسم بالله مِن يقينه بالله أن الله مبرئه، من فهمه للمبتغى من هذا الدين.
📌 وهذا الله يصدق من يصدقه، فيُنزل في حق هلال حكما إلى يوم الدين.
 📌وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لا فرق عنده بين رجل وامرأة ولا ينصر أحدهما على الآخر إلا بموجب الحق والعدل. فيساوي بينهما ولا يبرئ ساحة أحدهما ويجرّم الآخر إلا بحق الله
 📌وهذا هو يفتح باب التوبة للناس على مصراعيه مُرغّبا لا مُرهّبا، وداعيا وهاديا لا مُبعدا...
📌وهذا هو صلى الله عليه وسلم يجتمع عنده ما يجتمع ولكنه يأخذ بالظاهر وعدل الله نافذ نافذ وإن بدت نجاة الظالم، إلا أنّ الأمر كل الأمر هو أمر الآخرة لا أمر الدنيا الفانية .

فهلا تعلمنا لحياتنا .... ؟؟
------------------------------------------------------------------------
تجدون روابط منشورات "نشدان الحكمة " بالتعليق الأول أدناه .

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#سؤال_التعقّل
#عدم_تحريم_السؤال
#المساواة_بين_الرجل_والمرأة
67
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:51:29 »
في السورة من القرآن... عندما تكون مع قطاع من الآيات يعالج موضوعا ما... ثم تجد نفسك فجأة مع آيات موالية للتي كنتَ معها، فإذا موضوعها آخر، مخالف، مغاير ...

وقد تتساءل... ما وجه العلاقة بين ما كنتُ فيه، وبين هذا الموالي له  ؟!

مثلا كيف نكون مع أحداث غزوة، حتى نجد أنفسنا مع آيات في التزكية ؟!  (سورة آل عمران).

كيف نكون مع الحديث عن تكذيب المكذبين بالبعث، حتى نجدَنا مع قصة موسى وفرعون ؟!(سورة النازعات)

ربما للوهلة الأولى ... تظنّ هذا البعد، وهذا الاختلاف، ولكنك إذا ما أطلتَ المكوث، وأحسنتَ النظر، وتأملت عرفت أن هذا لا يختلف عن هذا...لا يبتعد عنه، لا يغايره... بل إنّهما لمرتبطان أوثق الارتباط ... وأجمل الارتباط ... !

تأملوا سورة النازعات ... والله سبحانه يُقسم بالملائكة على اختلاف مهامها وأدوارها، نازعات، وناشطات وسابحات وسابقات ومدبرات... على أن وعد الله بالبعث حق ... : " فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة"

ثم تأتي قصة موسى عليه السلام مع فرعون ... !

ولكننا كنا مع البعث، ومع المكذبين بالبعث : " يقولون أئنا لمردودون في الحافرة * إذا كنا عظاما نخرة "

فكيف نُحال على قصة ؟!

📌 أولا : لنتأمل كيف أجمِلت القصة كلها في آيات متتابعة قليلة: ناداه ربه، ثم أمره أن يذهب للطاغية، وأن يسأله إن كان له أن يتزكى، وأن يهديه إلى ربه...

فنجدنا مع موسى عليه السلام يريه الآية، فإذا فرعون مكذب... ! مهتاج...! مضطرب يسعى، يقرع الحق وجدانه قرعا مؤلما، يجعله متخبطا، فيجمع الناس من حوله، يقول أنه الرب الأعلى ... !!

📌 ثانيا : ما علاقة فرعون وحاله إزاء دعوة الحق، بحديث سبقه عن البعث وأنه الحق ؟!

أيها المكذبون بيوم البعث، وبقدرة الله على البعث، أيها المستهزؤون المتعجبون من أن تبعث العظام النخرة بشرا كما كانت حية من جديد ...

هذا فرعون وقد طغى، وكذب بالله وبالبعث، وملك وأمر، وكانت جنوده أوتادا تضرب في الأرض ...

لا بل أكثر من ذلك .... لقد ادعى الربوبية فنادى في قومه : "أنا ربكم الأعلى" ....

أين منتهاه ؟ أين ربوبيته وأين ألوهيته ؟ وأين قوته ؟ ها نحن أولاء نشهد هلاكه نكال الآخرة والأولى...
فأين ستذهبون بتكذيبكم ؟ وأيَّ مأرب أنتم به قاضون ؟!!

أي مبلغ في الطغيان أعلى من أن يدعي الإنسان الألوهية والربوبية، ؟!! لا .... والأدهى أن يجد من يؤلهه، ويسمع كلامه ويطيع على أنه الرب الأعلى ... فيزداد طغيانا وتجبرا وتغطرسا ... وهكذا كان فرعون ... فهل أنجاه هواه وقد كذب بالخالق الباعث ؟ وبالبعث والحساب ؟!

فلننظر... أي افتراق هو بين الآيات والآيات التي تلتها ؟!! بل إنه للرباط الوثيق ...

ثم لنمضِ قُدُما ... إنها آيات أخرى موالية لقصة موسى مع فرعون، والتي انتهت ببيان هلاك فرعون، وكيف جعله الله عبرة لمن يخشى ...

إنها آيات عن الخلق ....
وإننا من البعث، إلى القَصص، إلى الخلق .... لتنتهي السورة بالبعث من جديد  :)

"أأنتم أشد خلقا أم السماء.. بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها " ....

يا كل من تتجبر، وتتكبر، وتُكذّب، وتتأله كما كان فرعون ... تأمل... أأنت أشد خلقا أم السماء؟
أم الأرض ؟ أم الجبال ؟

إنك لأهون على الله منها كلها ... فأين يمضي بك غرورك ؟! وأين يمضي بك طغيانك ؟!!

وبعد كل هذا الخلق الذي يحيط بك... بعث ولقاء ويوم هو الطامة الكبرى .... يوم تتذكر سعيك... فأما من طغى فالجحيم مأواه، واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى الذي أوقع فرعون فيما أوقعه فيه، وأوقع كل مكذب فيما أوقعه فالجنة مأواه...

فلنتأمل أي افتراق هو بين الآيات والآيات ؟ وأي اختلاف واي بعد هو لمعنى هذه ومرماها عن معنى الأخرى ومرماها.. ؟!!

بل إنه الترابط الوثيق... الوثيق الذي لا يُرى من "قراءة" بل يُرى من "مكوث" و"تأمل" وتملٍّ في هذه الصور المتناسقة والمعاني المتساوقة المتسقة، بديعة التصوير ...

وهذا عن ترابط قطاعات الآيات ومواضيعها في السورة الواحدة وكيف يبدو الاختلاف والافتراق من حيث هو الارتباط والالتصاق...

وأود أن أشير بعيدا عن هذا إلى شيء من جماليات "النازعات"  :)  :
 الرب الأعلى سبحانه وكيف ينطق عنه بديع صنعه في الدنيا، وينطق عنه تحقق وعده في الآخرة أنه الرب الأعلى :"فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم بالساهرة"  بينما ينطق المتربّب والمتأّله بلسانه المضطرب وقلبه الخائف وكيانه المهزوز : "أنا ربكم الأعلى" ...

وشتان شتان بين "الأعلى" بحق وبين المستعلي بباطل...!

#سورة_النازعات
#الترابط_بين_الآيات
68
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:50:26 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في الحديبية... مانزال بعدُ... ولكنّا اليوم نعتلي منارتَها :)

الحديبية ...ذلك المكان الذي اجتمعت فيه الأحداث العظيمة، المِفصليّة في تاريخ الدعوة، في تاريخ الإسلام ...

من الحديبية... نستطلع تلك العلاقة الشفيفة الدقيقة العميقة ...تلك العلاقة ما بين عطاء السماء، وحركة الأرض ...ما بين وحي السماء والحركة به على الأرض ...
ما بين "الوحي" و"الحياة"...ما بين كلام الله وتفاعل رسول الله على الأرض ...

من الحديبية ... من منارتها، وأنا أستطلع، وأستشرف... يمرّ بي كلام من الكلام كنت قد سمعته من قائليه ... مَن قال عن السنّة... من شكّك بالسنة وبحُجّيتها، من اعتراه داء من أدواء التشكيك يعقبه التشكيك يعقبه التشكيك... من قال حتى بأنّ القرآن وحده كاف للتشريع، وحده ذو الحُجيّة الساطعة ... وأما السنّة فعليها ما عليها ... !!

وأنا بالحُديبية، وأنا مع حالاتها تمرّ بذاكرتي هذه الكلمات التي سمعتُ ...سمعتُ منها مِرارا ومِرارا ... وكثيرا وكثيرا ... وألوانا وألوانا، تُصبغ بلون "العقل" و"الحكمة" وما هي إلا "الهوى" يتلوّى ويُهيّأ لصاحبه أنه العقل والتعقّل ...!!

لننظر... 💡
إننا اليوم على موعد مع تلك "المسافة" .... المسافة التي قطعناها من ساعة الرؤيا التي رآها المصطفى صلى الله عليه وسلم بالمدينة، والتي فيها أنه وأصحابه يطوفون بالبيت ...
إلى ساعة العودة من مكة إلى المدينة، بعد انقضاء الكتاب بين المسلمين وقريش، وبعد تحلّل المسلمين من إحرامهم وتنفيذهم للبند الأول، والمتمثل في رجوعهم من عامهم هذا دون أدائهم للعمرة، دون طوافهم بالبيت ...

المسافة ما بين "الرؤيا" و"العودة" .... !!
إنها لمِن المُفارقات .... وإنها لمِن عجيب تناغم المتناقضات .. !
الرؤيا التي اقتضت الطواف والدخول، والاعتمار... والعودة التي اقتضت "عدم" الطواف، و"عدم" الدخول، و"عدم" الاعتمار ....
الرؤيا... وما رؤيا الأنبياء إلا حقّ... والخروج من المدينة بدافعها، ونيّة الزيارة والعمرة بسببها، والعودة دون تحقٌّقها ... !  :)

وإنه لأمر جَلَل ... ألا تتحقق الرؤيا ... وإنه لمِمّا كان السبب الرئيس في تغيّظ الصحابة، وفي إفصاح عمر ومحاججته وتساؤله، وفي استصعابهم قبول العودة من غير تحقيق ما جاء في الرؤيا ...

فلنتأمل ... 💡

هل نزل الأمر بالخروج إلى مكة قرآنا ؟ عبر آية نزلت فيه ؟ هل نقرأ أمر الخروج إليها يومَنا هذا مع ما نقرأ مما وثّق له القرآن يُتلى إلى يوم الساعة ؟

فأين دعاة الفصل بين "حركة" رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقول والفعل، وبين "الوحي" ؟
أين دعاة إنكار السنة من الحديبية وأحداثها؟ من المسافة الفاصلة بين الرؤيا والعودة ؟

أين دعاة التشكيك بالسنة، ونحن نعرف أن سبب الخروج إلى الحديبية لم يكن بأمر آية، بل برؤيا لم يوثّق القرآن تفاصيلها، بل وثّقتها السنة، وثّقتها الأحاديث ...ولم ينزل فيها قرآن إلا بعدما كانت وكانت مُقتضياتها وما نتج عنها، لا قبل أن تكون ...

ورسول الله صلى الله عليه وسلم والرؤيا لم تتحقق، وعلى رؤيا الأنبياء أن تتحقق... وهو لا يعلم وقد خرج إلى مكة بمَن معه أنه مُلاقٍ ما لاقاه ... لم يكن يدري أنه مُرجَعٌ من عامه ذاك ... كيف قطع المسافة من "الرؤيا" إلى "العودة" ؟! كيف قطعها ومِن حوله عمر بن الخطاب مستشيط غضبا، هائج نفسا... يسأله إن كان النبي حقا، يسأله عن الرؤيا، وكيف أنها لم تتحقق ... !

عَبر أي وسيلة قطع صلى الله عليه وسلم هذه المسافة ذات الطريق الوَعر، والمسالك الملتوية ...؟؟
ليس عَبر شيء غير "اليقين" .... !!

لنتأمل .... 💡
إنه لا يرى تحقّق الرؤيا، وإنه ما خرج إلى مكة إلا بدافع منها، إلا وهي التي تسوقه إلى حيث أمرِ الله ... ليس عبر آية، ليس عَبر القرآن، ولكنه من أمر الله رؤيا الأنبياء ...
إنه على يقين تام من أنّ أمر ربه ماضٍ... ماضٍ وإن لم تتحقق الرؤيا ...

نعم لم تتحقق هذا العام، ولكنها العام القابل ستتحقق، هكذا تقرّر يقينه الثابت بربه في المعاهدة وقريش تصرّ ألا يدخلوا عامهم هذا وأن يعودوا من العام القابل ويدخلوا من العام القابل، هكذا تقرّر يقينه الثابت الذي لا يتزعزع، وهو يجيب عمرحينما سأله قائلا: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى، فأخبرتك أنَّا نأتيه العام؟

يتقرّر يقينُه وهو راحِلتُه التي قطع بها تلك المسافة الصعبة ... ! من المدينة إلى الحديبية ثم من الحديبية إلى المدينة، من "الرؤيا" إلى "العودة" ... من "الرؤيا" إلى "عدم تحقّقها"...
هنا ... هنا... من منارة الحديبية، من معاليها، يقرع رأسي نَقر حمام زاجل ينقل لي رسالات من الذاكرة :)
منها أيضا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نحن أحق بالشك من إبراهيم إذ قال :ربّ أرني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي "...

أي شكّ أنت أولى به يا رسول الله ؟! أي شكّ يراودك ؟؟ وأنت ترى بأم عينيك الرؤيا وهي الحق من الله لا تتحقق...!! ولكنّ يقينك لا يتزعزع، بل تجيب عمر قائلا: "فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به" ...
أي شكّ تنفيه عن إبراهيم عليه السلام، فتضع نفسك موضع من هو أولى بالشك منه ؟!!

ولعَمْرُ الله ما هو لك، ولا لإبراهيم صلى الله عليكما وسلم ... بل اليقين راحلتُك في مسافاتك الهيّنة كما في مسافاتك الصعبة...

أهذا حال من يشكّ ؟؟ أم هو حال من قد يشكّ كلُّ مَن حَوْلَه، ولا يراودُه الشكّ لحظة ...
إنه اليقين، وأيّ يقين هو يقين محمد..... !!!

لنتأمل .... 💡
إنه لم تنزل عليه آية من السماء تؤيّده وهو في قلب الحصار المُحكَم من قريش تُملي وتشترط، ومن أصحابه يستثقلون مُجريات الحديبية... لم ينزل وحي يشدّ من أزره، ويؤيّده...لم تنزل سورة الفتح إلا بعدما تحلّلوا من الإحرام، وعادوا أدراجهم و"تحقق عدم التحقق" ...
بل هي حركته على الأرض بيقينه ...

ومن منارة الحديبية، وأنا أستشرف وأستطلع شأن تلك المسافة بين "وحي السماء" وحركة رسول الله على الأرض.... بين الوحي، وفعل رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن...حمل إليّ حمام الذاكرة الزاجل رسالة أخرى... :)
رؤيا إبراهيم عليه السلام، وكيف صدّق الرؤيا ...وكيف ائتمر بالرؤيا، وكيف جازاه الله بتنجية إسماعيل بما صدّق بالرؤيا ..."وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ(106)"-الصافات-

وكذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم صدّق الرؤيا، ورآها حقا، وإن لم تتحقق، حتى قال لعمر: "فإنك آتِيه ومُطَوِّفٌ به"، فجازاه الله بالفتح، بسورة الفتح تحمل له البُشرى بعد العودة، بعد المُكابدة، بعد أن ابتُلي بحال أصحابه، بعد أن أمرهم، ولم يأتمروا، بعد أن اجتهد يبحث عن حلّ ليسمعوا له ...
فلأصحاب التشكيك بالسنة، وبأنها ليست بالوحي مع الوحي، وبأنّ الحُجيّة للقرآن وحده... لأصحاب التشكيك بنَقَلة السنة يجنح بهم إلى تحييدها ما دامت موضع تشكيك ...وإلى الاقتصار على القرآن دونها ...!!!

إلى كل هؤلاء ... هذا القرآن يصدّق فعل رسول الله على الأرض، يصدّق تفاعله عليها، يصدّق كلامه ... وما فِعْلُه، وتفاعُلُهُ وكلامه إلا "السنّة" ...إلا حياته على الأرض يفعل، ويقول، ويقرّر...
فلا تنزل سورة الفتح إلا بعد انتهاء الفعل والتفاعل مع "الرؤيا" لا مع "الآية من القرآن"...
من هذه الشاكلة هي العلاقة بين وحي السماء ممثَّلا في القرآن، وبين حركة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض... من هذه الشاكلة هي العلاقة بين "القرآن" و "السنة"....

لهؤلاء أقول : فهل الرؤيا قرآن لتُصدّق أنت بحجّيتها ؟ وقد صدقها القرآن بعد وقوعها لرسول الله صلى الله عليه وسلم لا قبل وقوعها ... هل الرؤيا قرآن ائتمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه معه، ومنها قد انطلقوا إلى مكة ؟ ...

أم أنك أكثر ائتمارا من صحابة رسول الله؟ فلا ترضى إلا أن تأتمر بالقرآن ؟ بل إنك لأكثر ائتمارا من رسول الله ذاته، وهو يأتمر بها، بينما لا تأتمر أنت بالسنة، ولا تنسب لغير القرآن حُجيّة ...؟؟
وهكذا ينزل قرآن يصدّق الرؤيا، بعد حصول الرؤيا، وبعد العودة بلا تحقّقها :
"لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً(27) " -الفتح-

تلك هي المسافة بين "وحي السماء قرآنا" وبين "حركة رسول الله على الأرض"...
لا ينفصلان... لا ينبَتَّان، لا يُحتجّ بالقرآن إلا ليُحتج بالسنة، ولا يُحتجّ بالسنة إلا ليُحتجّ بالقرآن ....

"وحيٌ" و "وحيٌ".....

فلنتأمل .... 💡
عملَ اليقين بالله لا تُزعزعه الخطوب على جلالتها ...
ولنتأمل .... 💡
المسافة بين أمر الله وفعل رسول الله وما هما إلا أمر الله وأمر الله ...

فلأصحاب الفصل بين الوَحْيَيْن أقول: أمِنَ الحكمة أن تفصلوا بين ما لا يُفصل بينهما... ؟!

----------------------------------------------------

بالتعليق الأول أدناه تجدون روابط منشورات "نِشدان الحكمة" السابقة...

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#حجية_السنة
#التشكيك_بالسنة
#اليقين
69
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:49:39 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

مازلنا مع الحُديبية ... وإنني ما اخترتُ المكوث بها بعدُ إلا للاستزادة من دروسها الفيّاضة لا حبا في الإطالة ... :)

أنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة ما عاهد عليه قريش ممثّلة في سهيل بن عمرو، وبدأ بتنفيذ أول بند، فأمر أصحابه بالتحلّل من إحرامهم وقد مُنِعوا من دخول مكة ...!
والصحابة يسمعون أمره، ثم يسمعونه الثانية، ثم الثالثة ولا يأتمرون، ولا ينفذون، ولا يفعلون ما أمرهم ....!! لِمَا ما بهم من غيظ وحزن على بنود لم يروا فيها إلا الرضى بالدنيّة في الدين كما أفصح عن ذلك عمر بن الخطاب ...

أيّ جبهة عصيّة هي هذه، على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجهها وهو لتوّه قد انتهى من جبهة "سُهيل" وإن كانت الأولى بكفر كافر، والثانية بإيمان مؤمنين ...؟!!

لنتأمل ...💡
ربما سيصيح بهم صلى الله عليه وسلم، سيوقظهم من حالتهم التي غشيًتْهم من الرأس إلى أخمص القدم، حتى لم يعودوا يسمعون كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يعودوا يأتمرون بأمره، وهو يعيد أمره فيهم مرة ومرة ومرة ... !

ربما سيستنكر حالهم، ويذكّرهم أنه النبي لا كذب، وأنه الذي أُمِروا أن يطيعوه، وأن طاعته من طاعة الله عز وجل، كما علمهم القرآن...
ربما سيذكّرهم ببضع آيات من آيات كثيرة نزلت تبيّن وجوب طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم...

لنتأمل ... 💡
إنه لم يفعل شيئا من هذا والأمر جَلَل ...
إنه يدخل إلى خِباء زوجته التي كانت القرعة من حظها في الخروج معه، وهو الذي كان يُقرع بين نسائه إذا ما همّ بسفر أو غزوة ...

يدخل على أم سلمة، يخبرها الخبر، وهو على ما تحمّل وتكبّد من تجرؤات سهيل، وعدم استساغة أصحابه أمر المعاهدة، يزيد فيُفجَع بهم يعصون أمره...!!

يخبرها الخبر، فتشير عليه أن يخرج فيهم، وينحر هو ويحلق أمامهم دون أن يكلّم أحدا، فيعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمشورتها، ويخرج فيهم ينحر بُدنَه ويحلق رأسه...
فما يكاد الصحابة يرونه يفعل حتى يفعلوا بمثل فِعلِه لا يتأخرون، بل إنّ الواحد فيهم كان يحلق لأخيه حتى كاد بعضهم يُقتَل غمّا من فرط ما كان يختلج في نفوسهم من الحزن والغضب...
ولكنهم فعلوا ....

فلنتأمل ... وإنها لتأملات .... :) 💡

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضٍ في أمره، لا يردّه عنه غضب أصحابه ولا تغيُّظهم، ولا اجتماعهم على تلك الحال، كما لم يردّه عنه من قبل تجرؤ سهيل وترفّعه واشتراطه أن يُكتب ما يريد لا ما يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم ماضٍ في أمره، لا ينفعه الحلّ ، فيبحث عن حلّ آخر، لا يعدَم الحلول، ولا يكتفي بطريقته إذ أمرهم، ولا يجْنح للعنف معهم وهم على ما هُم عليه من همّ وغمّ...بل يستشير وهو مَن هو، ويعمل بالإشارة ... !

📌رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يستشير، لماذا لم يذهب إلى صديقه المقرّب أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وهو الذي قبل قليل قد أجاب عمر بن الخطاب بالجواب نفسه الذي كان من رسول الله صلى الله عليه وسلم، أبو بكر الذي لم يكن إلا راضيا بما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، يصدّقه كعادته تصديقه، بل وينصح ابن الخطاب أن يستمسك بغِرزه وأن يثق برأيه فهو رسول الله وربه ناصرُه...

لماذا لم يذهب لصاحبه يسأله المشورة في أمره ؟ أو حتى لو افترضنا أنه قد استشاره ولم تُروَ استشارته إياه -وهذا بعيد- لننظر كيف لم يستنكف صلى الله عليه وسلم أن يُشرك زوجته في أمر من أكثر أمور الدولة حساسية... بل أشركها، واستمع إليها، وعمل بمشورتها ...

بل لقد كان لرأيها الوقع والأثر الحَسَن، بل لقد كان الحلّ .... إذ لم يعد للصحابة من بُدّ أن يفروا من "فعل" ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم... فلقد تحلّل من إحرامه أمامهم، يبلّغهم بذلك رسالة أنّ الأمر ماض، وأنه وهو النبي المُرسَل الواجب اتباعه قد تحلّل وأن الأمر لا رجعة فيه ... هكذا ليستقرّ في عقولهم أنّ الأمر قُضِي وبُتّ فيه ولا رادّ له ....

ففهموا الرسالة بفعله لما فعل... ولو أنهم لم يتّبعوه، لاختاروا ساعتها أن يتركوا اتباعهم لرسولهم، ولكانت القاضية ...!

لنتأمل... صبر رسول الله عليهم، ومدى استيعابه لحالتهم، فهو لم يعنّفهم، ولم يذكّرهم أنه النبي الآمر فيهم، ولم يخوّفهم من غضب الله، ولم يذكّرهم بآيات وجوب طاعته، وبآيات خسرانهم إن هم عصوه ...

بل لنتأمل.... :). 💡
إنه صلى الله عليه وسلم لم يذكّرهم حتى بيوم أحد، وبما باء به المسلمون وبما تعرّض له صلى الله عليه وسلم والدعوة برمّتها من خطر عظيم من عصيانهم أمره يومها ....

بل لنتأمل أيضا ... :) 💡
فإذا هو صلى الله عليه وسلم لم يذكّرهم حتى ببيعة الرضوان التي كانت بينه وبينهم هنا في الحديبية، تلك التي بايعوه فيها على ما أراد، أطاعوا فيها أمره، لم يذكّرهم بها وهي البيعة العظيمة، ليقارنوا بين حالهم الساعة وحالهم ساعتها ...
بل انطلق إلى زوجه متوكلا على ربه، مصرا على المضيّ في أمره، حتى وجد عندها الحلّ العقلي المُجدي النافع ...

نعَم... إنهم قد جعلوا ينحرون كما نحر، ويحلقون كما حلق...
ونعم... إنهم وهم يحلقون كاد بعضهم يُقتَل غما ... ولكنه "فعَلَ" ما "فَعَلَ" الرسول صلى الله عليه وسلم ... لم يعد لهم من خيار ...

لقد فهموا بذلك أن الأمر في هذه الحال ليس موضوع شورى، بل هو وحي من الوحي...
استشار زوجَه في طريقة إقناعهم بالتحلّل، ولم يستشر واحدا منهم أيقبل شروط سهيل أم يرفضها، أيقبل بالمعاهدة وبنودها أم يرفضها، أيعمل بالبند الأول فيها فيتحلّل ويعود أدراجَه أم يعطّله..
ولكنه في كل حال نراه صلى الله عليه وسلم يستوعبهم... يحتويهم، يتقبل تقلّبهم... ويكون التفهّم منه هو الأسبق ... :)

نعم إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، نعم إنه المُحدَّث من ربه والمؤيد منه...
ولكنه صلى الله عليه وسلم لم يكن بحكم نبوته يجتاز هذه المِحن بسهولة، لم تكن تمرّ عليه دون أن يتعب، دون أن يتكبّد الآلام ... لم يكن بحكم نبوته يجتازها وهو لا يتعذّب .... بل كان بشرا ...بل كان كل هذا معه يحدث ... كان يتحمّل، وكان يُثقله الحِمل، وكان يُتعبه، ولم يكن أحد غير الله يعلم مقدار ما يتكبده صلى الله عليه وسلم من صِعاب ويتجرّعه من آلام ...

ولذلك ... فإننا هنا ...هُنا مع أحداث الحديبية، غير بعيد ... ورسول الله يعود مع أصحابه إلى المدينة، في الطريق إليها، قريبا منها تنزل عليه سورة "الفتح" ليؤنسه ربُّه، ولن يؤنسه ولن يشدّ من أزره غير الذي يعلم مقدار ما تكبّد ....

فتأتي فواتح "الفتح" هدية له صلى الله عليه وسلم، مُخاطَبَة له، تأكيدا على صحّة ما ذهب إليه من رأي قصرت عنه أنظار أصحابه... تبشيرا له، قبل المؤمنين أنّما صلح الحديبية فتح مبين  : "إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً(1) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً(2) وَيَنصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً(3)"

بل وتأملوا سورة الفتح وما فيها من تبشير للمؤمنين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وليس فيها من عتاب على ما كان منهم ... :)
بل لقد جاء فيها عنهم : "ليُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً(5)"

كما جاء إعلان الرضوان من رب العزة على أهل بيعة الشجرة، وهُم هُم الذين كان منهم ما كان ساعة أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا من إحرامهم ... :)

فلنتعلم .... !

فلتتعلم الزوجة لزوجها، وليتعلم الزوج لزوجته... ليتعلم كل طرف كيف يبحث عن الحل والحل بدل الحل الواحد، وليصرّ على "التعقّل" ولا يسبِقنّ غضبُه حلمَه ورحمته واحتواءه واستيعابه لحال الطرف الآخر...

لنتعلم أن من عصاه ابنُه مرة، لا ينقلبَنّ عليه من ساعته صاعقةً مُهلكة، بل ليتريث فإن كان في الأمر من طلب رأي، فليطلب منه أن يفسر سبب عصيانه، وإن اقتضت الضروة أن يكون رأي الأب ورأي الأم فليتريث، وليتمهل، وليصبر وليبحث عن حل للإقناع بدل الحل الواحد، ولا يعلِننّ عاصفة غضبه عليه، بل ليسعَ وليبحث عن الحلول العقلية المقنعة... وليستشر إذا ما شحّت ِحيَلُه..

وليخاطب العقلَ في ابنه ولا يقيسنّ ساعة طاعته بساعة عصيانه، فإنه يرى رأيا في أمر ويرى في الأمر الآخر رأيا غيرَه ... ليُخاطب العقلُ فيه العقلَ، وليتسع له صدرُه، وإنه وهو يتحرى التعقّل والاستيعاب وتغيير الحلول سيفتح الله له .... وسيكون له من الأمر ما فيه خير له ولابنه...

ولنتعلم ثم لنتعلم ثم لنتعلم ..... :)

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#الحل_البديل
#للمشكلة_أكثر_من_حل
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :
أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1134406033351595&id=100003466263333

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

سادسا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1145247608934104&id=100003466263333

سابعا وثامنا :  https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1148652611926937&id=100003466263333
70
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:48:44 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في نشداننا للحكمة، وللتعقل يحكم تصرفاتنا وحياتنا...
اليوم مع حديث صحيح، لرسول الله صلى الله عليه وسلم...
يأتيه رجل وهو بالمسجد والصحابة حوله، فيَبْتدره قائلا: "يا رسول الله إنّي أصبت حدا فأقمه عليّ" ...

ربما نتوقع أن يسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ماهية الذنب الذي أتاه، وحُقّ له أن يفعل، ليجيبه بما يكون فتوى لمسألته...

وحُقّ له وهو النبي المعلّم الذي يلجأ إليه جميعهم مستفتين، مستفسرين، متعلمين...

وحُقّ له أن يفعل وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يُوحى، وهو المُحدَّث من السماء وهو الذي جاء بالشرع وبالحدود وبالأحكام يبيّنها للناس...

ولكننا نُفاجَأ برسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عن الرجل، فلا يجيبه...!

ثم ها هو الرجل مرة ثانية يعيد عليه ما قال : " يا رسول الله إنّي أصبت حدا فأقمه عليّ "...

وربما نسمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم جوابا وهو يرى الرجل يسأل من جديد، ويصرّ على إقامة الحد عليه، مستعدّ لأن يُقام عليه كائنا ما كان...
وهو يطلب أن يُقام عليه، ولو شاء أن يخفيه أخفاه، ولكنه يأتي رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، ولا يبالي بمَن حوله من الرجال وهم يسمعون عنه ما كان بإمكانه إخفاؤه...

لا يبالي بمَن حطّ من شأنه أو بمن رفعه بينهم...
لا يبالي بمَن حدّث عنه الناس بما سمعه مِن فيهِ...
لا يبالي إلا بأن يطهّره الحدّ، تغشاه خشية الله، وخشية غضبه وسخطه ...

نعم...ربما نتوقع أن يجيب رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل وهو يعرف منه كل هذا، فهو ذاك الجزِع، الوَلِع، الخائف من ربه، الذي يُثقله حِمله... الذي ناء بحمله ويريد أن يتخفّف منه لا يبالي ما يكلّفه التخفّف ...
ولكنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عنه للمرة الثانية ...! :)

لا شكّ أنه صلى الله عليه وسلم ليس بالذي لايقيم وزنا لواحد من المؤمنين، ليس بالذي يسكت عنه غضبا، أو بالذي يسكت عنه تجاهلا، أو بالذي يريد أن يتخلّص منه ... حاشاه صلى الله عليه وسلم...

فلنتأمّل إنه يسكت .... !!  💡

كثيرا ما نؤوّل الصمت تأويلاتٍ ونبني عليها بنايات وهي من محض آرائنا وأوهامنا، وليست من الحقيقة في شيء..
فقد نرى الساكت عنا ضعيفا لا يملك بما يردّ، وقد نراه متجاهلا، أو قد نراه موافقا، أو قد نراه معارضا، بينما صمت الحكيم ينطوي على "حكمة" ... ينطوي على بعد نظر...

فلنتأمل💡

إنه صلى الله عليه وسلم يسكت عنه...
ويحدث أن تُقام الصلاة والرجل يسأل المرة الثانية، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يسكت عنه للمرة الثانية...
ويقوم الناس للصلاة، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إمامُهُم، وينصرف المصلون، وينصرف رسول الله...
والرجل ... أين الرجل ؟؟!

لنتأمّل...💡
إنه صلى الله عليه وسلم زيادة على سكوته عنه، لم يطلب منه أن يصلي الجماعة معهم قبل أن يفارِقَه، لم يحضّه على ذلك، لم يطلب منه أن يشهد الصلاة معهم ثم يعود إليه ...

بل قاموا إلى الصلاة، وصلوا، وانصرفوا عنها ...
أمِنَ السهل أن يُترك الرجل، لا يُدرى أيعود أم لا يعود ؟!
أمن السهل أن نتصور أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد قام للصلاة وهو على حاله من الصمت والسكوت عن الرجل...

ألا نتوقع أن يذهب الرجل، ولا يعود ... يذهب وقد باء بسكوت رسول الله عنه، فيحمل مع حمله الثقيل حِملا أثقل ؟! أو ربما ذهب وقد فهم أنّه لا أمل له في حلّ، وأنه قد هلك ...!!

الرجل .... ها هو ذا يلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد انفضاض جماعة الصلاة...
لقد عاد ... رغم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يواعِده بعد الصلاة ! عاد من نفسه ...
عاد دون أن يحضّه، عاد دون أن يدعوه لحضور صلاة الجماعة، ودون أن يواعده بعدها ؟

لقد عرف فيه الإصرار فلم يحتج إلى أن يأمره بالذهاب إلى الصلاة، ولا حتى لأن يواعده... عرف أن مثله لا ينفك مصرا على التوبة... فكان صمته صلى الله عليه وسلم وهو هذه حاله أبلغ من الكلام...

أين نحن من تقليل كلام مع من نفهم أنه قد "فَهِم"...
أين نحن من التربية بالصمت في حال استدعاء الصمت...حتى لا يستثقل صاحب الحِمل فوق حِملِه...مِنَ التربية بترك المجال للمربَّى أن يفعل مع نفسه بدل أن نفعل له كل شيء... حتى العيش مع نفسه ! ... فلنتعلم :)

عاد يسأله السؤال ذاته : "يا رسول الله إني أصبت حدا، فأقمه عليّ"...
وهذه المرة ينطق رسول الله صلى الله عليه وسلم... يجيب ...
ولكنه يجيبه سائلا إياه ... :)

آه ... إنه يسأله الآن إذن ... !
لا بدّ أنه سائله عن ذنبه، ليعرف أحدٌّ حقا هذا الذي أصابه، أم أنّ نفسَه أرته لنفسه حدا من فرط خوفه من غضب الله، لربما كان أقلّ مما حسِب ...

آه ... إنه يسأله ....!
إذن فهو سيستفهم عن ذنبه ليفتيه بما يناسب، بما يكون وِفاقا لما أتى ...
لا ...لا ... لا هذا ولا ذاك .... إنه لا يسأله عن ذنبه البتّة ...! :)

بل يسأله عن أمر آخر : "أرأيت حين خرجتَ من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء ؟" فيجيب الرجل: بلى يا رسول الله...
ثم يسأله الثانية : "ثم شهدت الصلاة معنا ؟" ...قال: نعم يا رسول الله ...
فيرد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم : "فإن الله قد غفر لك ذنبك "...

انتهى الأمر.... ✉
تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الأوان المناسب، بالطريقة المناسبة...
انتهى الأمر ✉وأفتى له رسول الله صلى الله عليه وسلم دون أن يعلم ذنبه... دون أن يسأله عنه..!
انتهى الأمر ... ✉

ولكن حذارِ !!

تأملوا .... تأملوا ... 💡

لا نريد أن نخرج منه بذلك الفهم الذي يطفو على السطح، بالذي سيصدع به الكثيرون...
الصلاة تغفر الذنوب، الجماعة تغفر الذنوب، إسباغ الوضوء يغفر الذنوب ...

لا لا .... ليس هذا هو السليم ... ولو كان الأمر كذلك ... لاستسهل كل مستسهل أن يأتي الذنب، وراءه الذنب وراءه الذنب، وهو يحدّث نفسه أن الصلاة ستغفر له، سيأتي ليقوم، ويركع ويرفع ويسجد، فإذا صلاته قد محتْ كل ما كان منه ....

ما أسهلها من وصفة.... كم هي سحريّة هذه الوصفة ... هكذا هو الإسلام فعلُه فعل السحر في النفوس ... تصلي فيُغفَر لك، تتوضأ فيُغفَر لك ... !! فما أسهل أن يعود للذنب والدواء صلاة هي عنده " حركات"...!!

من أجل ألا يكون هذا الفهم السطحي، تأملنا سؤال الرجل المرة، ثم المرة... ومع سؤاله سكوتُ رسول الله صىل الله عليه وسلم عنه المرة ثم المرة ...
بل وانصرافه مع مَن معه للصلاة، دون أن يحضّه على حضور الجماعة ... دون أن يواعِده ...

وما تأملتُ هذا اعتباطا ... وإنما نظرا في ثنايا الحديث، وسبرا لأغواره، وغوصا في أعماقه
أليس الرجل مصرا على التوبة ؟؟
أليس هو ذاك الذي لا يبالي بحديث الناس فيه بقدر ما يبالي بتطهير نفسه من ذنبه، بقدر خوفه من غضب الله ...؟

أليس هو ذاك الذي جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلّه استعداد لأن يُقام عليه الحد... وإن كان ثمنه نفسه ؟ أليس الذي جاء ليكون طَوع أمر وحكم رسول الله فيه ؟

أليس هو الذي عاد من غير مواعدة ؟؟ أليس الذي كان له ألا يعود... ولكنه عاد ؟
بل أليس هو الذي كان له أن يخفي أمره ولكنه أعلنه، يريد أن يطهّره رسول الله بالحد ؟
ويأتنس بالحد يُقام عليه ليرتاح، ولا يأتنس بتوبة سريّة ...لا يرتاح... لا يأمن.. لا يطمئن أن الله عنه قد رضي ...

كل هذا قد نظر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكيم، المُعمِل عقله، الناظر به في أمر الرجل... وكان له أن يسأله عن الذنب، ويُفتي له وكفى ...

ولكنه صلى الله عليه وسلم ينظر إلى أبعد من "العقاب" ... إلى أبعد من "الوسيلة" ...إلى غاية أبعد ...
ثم وقد عاد الرجل وقد فهم منه أنه قد صلى معهم، أنه قد وقف بين يدي الله وهو على تلك الحال، وقف يناجي ربه وهو على تلك الحال، وقف وقد سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّ باب الله وهو يطرقه بقيامه بين يديه مصليا لا يُغلَق...

يقف في صلاته وقفة التائب، وقفة النادم، وقفة الخائف من غضب ربه، وقفة الذي يريد أن يلقاه طاهرا مُطهَّرا مما أصابه من الدنس... يقف ويزيده حضور لقاء ربه ما يزيد خيرا ونماء في نفسه
عاد الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ونفسه الصادقة، المقبلة على الله، التوّاقة لرضاه قد استوفَتْ ما بها من صدق ومن إقبال، ومن توبة ... عاد وإصراره على التوبة في ازدياد ...
فبشّره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الله قد غفر ذنبه ...

هذا هو الذي غفرت له الصلاة ذنبَه... هذا الذي سكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة، ثم سكت عنه أخرى... وفي صمته قمة التعقّل، قمّة القراءة لما عليه حال الرجل...

لنتأمل....  💡
إن سكوته صلى الله عليه وسلم حكمة قرأ بها ما قرأ من إصرار الرجل، وإن عدم سؤاله عن ذنبه لحكمة أخرى...

إنه يعلمنا صلى الله عليه وسلم كم أن الإسلام يرحّب بالتائب الصادق، وأن إقبال التائب صادقا أولى من اجترار ماضيه كان ما كان، وإنما العبرة بالتوبة والصدق في التوبة، ليُفتَح لصاحب الذنب باب الدخول في رحمة الله لا أن يُزاد عليه بالتقريع والتهويل والتأنيب والتعنيف فيُنفّر بدل أن يُقرَّب ...لا بل لا يحتاج الأمر حتى أن يُعرف ماضيه ما دام هذا هو حاضره...

لنتأمل...💡
إنه لتعقّل بالغ يرشّد الانفعالات العاطفية من غضب وتحسّر وقلق، ويعترف للمذنب بالبداية الجديدة، ويفتح له أبواب القبول، وإنه لاعتراف بالنقص البشري الذي لا يحلّه الزجر والتعنيف بقدر ما يحلّه مراعاته والاعتراف بوجوده، ومحاولة التجاوز عنه ما كان إلى ذلك من سبيل...

فأنت أيها التائب تستحقّ أن تُعرّف مدى سعة تلك الرِّحاب التي جئت مقبلا عليها... لا تُسأل عن ماضيك، بل يُراد حاضرك... لا تُذلّ بماضيك، لا تُقهَر به ....
وهكذا فلنتأمل حكمة "صمت" الحكيم ... ولنتأمل دور الصمت حينما يكون أبلغ من الكلام ... ولنتعلم فإنّ من سكت ليس بالضرورة ضعيفا، ولا بالضرورة متجاهلا ... بل صمت الحكيم "تعقّل" وإعمال للعقل ...
ولنتأمّل كيف لا يقضي مأربا أن نُذلّ الناس بماضيهم السيئ، بقدر ما يقضي مآرب أن نستغلّ حسن حاضرهم ....

ولنتأمل...💡 ولنتعلم ... ثم لنتعلم ... :)

#الحكمة
#نشدان_الحكمة
#الصمت_حكمة
#اجترار_الماضي
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :
أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333

ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

ثالثا: https://m.facebook.com/story.php

رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

سادسا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1145247608934104&id=100003466263333
صفحات: 1 ... 5 6 [7] 8 9 10