71
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 17:47:54 »

ما يزال منهل الحديبية يَفيض علينا بزُلاله، ما تزال سياسته فيه صلى الله عليه وسلم تربينا لا تربية السياسة للسياسة فحسب، بل تربية السياسة للحياة، وما السياسة إلا أن تسوس، وما أن تسوس إلا أن توجّه وترشّد وتربّي وتقود...
عرفنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين جبهَتَين، كلتاهما شاقّة، وعرةالمسلك، صعبة، وإن كانت جبهة بإيمان واتباع وجبهة بكفر وكِبر ...!
هو ذا صلى الله عليه وسلم ما يزال مع سهيل بن عمرو، يتفاوضان، وسهيل مبعوث قريش المقرّة بقوة لم تعد تُنكر أنها التي أصبحت تُفاوَض، وأصبحت تُهادَن، وأصبحت تُسالَم... !
سهيل وهو ممثل المفاوضات، عرفناه يصرّ على الشكليات يحفظ بإصراره عليها شيئا من ماء وجه قريش، يظنّ أنه بإملاءاته يُبقي على شيء من هيبتها، وقد قصر نظره عن بعيدٍ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرنو إليه، بعيد بلغه نظره الثاقب، وبلغته حكمته السامقة ...
فأعطاه مما أحب أن يجني في توّه، ليأخذ هو مما أحبّ أن يجني لعمر الدعوة كله ...
تسرُّعُ المندفع بعاطفة، الذي يحكمه "الكِبر"، وتروّي المُعمِل لعقله الذي تحكمه "الحكمة"...
ولقد انتهى الأمر بين الطرفَين وانتهى إلى ألا يدخل المسلمون مكة من عامهم هذا، وأن تُعقد الهدنة لعشر سنوات بين المسلمين وبين قريش، وأنّ من دخل في حلف قريش آمن لا يحاربه المسلمون، ومن دخل في حلف محمد صلى الله عليه وسلم آمن لا تحاربه قريش ...وأن من جاء محمدا من المشركين من غير إذن وليّه ردّه المسلمون إلى قريش، ومن جاء قريش ممن مع محمد لم تردّه إليه قريش ...
أما سهيل فيعود أدراجه مزهوّا بإملاءات انصاع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأما الصحابة فيكاد الغيظ يفتّت أكبادهم... يكادون يَهلكون ... يغلون كغَلي المِرجل...
لم يبلغ بهم الغيظ والأسى ما بلغه بهم يومها ...
ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان المجيب، وكان المفاوِض، وكان المتنازل لسهيل، وكان الذي رضي أن تُكتب : "بسمك اللهم" لا "بسم الله الرحمن الرحيم"، ورضي أن تُمحى "رسول الله"، وتُكتب "محمد بن عبد الله"...
ورضي أن يعود المسلمون المُحْرِمون من عامهم هذا، ويُصدّون عن البيت، ورضي أن يردّ على قريش من جاءه منها مسلما من غير إذن أهله، ورضي ألا تردّ قريش عليه من جاءها ممن معه ...
بكل هذا قد رضي .... :)
والصحابة تتفتّت أكبادهم، ويعقد ألسنَتَهم أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي آمنوا به، وصدقوه واتبعوه ... ويردعهم عن الصدع برفضهم أنه قائدهم ونبيّهم ...
ما كل هذا التسهال، وكل هذا التنازل الظاهر ؟ وهم قد بايعوه هناك، تحت الشجر ة على الموت، على أن يدخلوا مكة بسلاح المسافر لا يهابون الموت، يحاربون قريشا... مبايعة الصادقين المقبلين...
ما بالُهُ صلى الله عليه وسلم وقد توفّرت بين يديه تضحياتهم، وإقبالهم، وفرحهم بالموت في سبيل الله وألا يعودوا عما أرادوا من دخول البيت والطواف به عُمّارا أقوياء... وهو لا يأبه لكل ذلك، ويصرّ على التنازل، وعلى الصلح ؟!
كلّ هذا كان يقتلهم بدل المرة مرات .... !! ولكنّ عمر نطق ... :) وإننا لا نستبعد أن ينطق عمر :)
💡 تأملوا محاججته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ...
💠 "ألستَ نبي الله حقا ؟"... يردّ عليه صلى الله عليه وسلم : "بلى"
💠 "ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟" يرد عليه : "بلى"
💡فلنتأمّل ردّ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم على من نطق من مئات الصامتين، على عمر الذي لا يُحسن أن يُبقي بنفسه شيئا وهو الشديد في الحق، القوي فيه...
هل كان جوابه رادعا ؟ هل كان شديدا، هل كان فيه إفاقة لعمر لينتبه أنه يُحاجج النبي المُحدّث من ربه، وأنه يسأل أسئلة أضحت الأجوبة عليها عقيدة لا انحلال لها في قلوبهم ...؟!!
هل قال له : يا عمر أفِق من سَوْرتك ! انتبه من تُحدّث ! كُفّ عن غضبك ! أوَ تشكّ فيما عنه تسأل؟
بل لقد أجابه على قدر السؤال وكأنه يجيب من لا يعرف عنه إجابة : "بلى"...
💡 لقد أعمل عقله صلى الله عليه وسلم ليستوعب ثورة عمر ... ولقد استوعبها...
لم يثُر عليه لثورته، لم يؤنّبه، لم يعنّفه ... بل لقد قبله، لقد قرأ فيما قرأ دوافع نفسه المُهتاجة لدَنيّة ظهرت لعينه، ولنظر منه قصُر عن رؤية أبعد كانت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ..
💡 تأملوا، هل نبّهه لقصر نظر حالت ثورته دون أن يبعد ؟ هل سفّهَ حالته وثورته، ورأيه الذي رأى؟
تأملوا إنه لم يزد على أن أجابه : "بلى" ... !
ولكنه لم يُرد للّبس أن يبقى في نفسه ساعة سأله : أَولَيس كنتَ تُحَدِّثُنا أَنّا سنأتي البيتَ فنَطُوفُ به ؟ قال : بلى، فأَخْبَرْتُك أَنَّا نَأْتِيه العامَ ؟ قال : لا. قال: فإنك آتيه ومُطَوِّفٌ به .
وليس فوق هذا التوضيح من شيء من تقريع أو تأنيب أو تسفيه ...
💡 لنتأمل ... كم من حالة غضب تعتري مَن حولنا لا نعرف سبيلا لتفهّمها ؟!
لا نُحسن قراءة الدوافع، ولا الحالة التي عليها الغاضب، ولا محاولة امتصاصها بهدوء وروية وتعقّل ... فإذا الغضب يقابله الغضب، وإذا الثورة تقابلها الثورة... وإذا العناد يقابله العناد ... والعقل...أين العقل في كل هذا ؟! إنه المُزوَى المهجور ... إنه الذي تطغى عليه الانفعالات العاطفية فلا تُبقي له من أثر ...!
كم من زوج لا يُحسن قراءة عذر بين الأعذار لزوجته الغاضبة مرة ... الشاكرة مرات، الحزينة مرة والمبتسمة مرات ... فيُنسى كل ماضٍ لها جميل من غضبة ...!
كم من زوجة لا تُحسن تفهّم حال زوجها الغاضب وهو العائد منهكا، متعبا، من لأواء العمل، ومُعترك الحياة ...فتجدها المتذمّرة المتأفّفة التي لا تريد غير الابتسامة المرسومة ...
كم من أب لا يُحسن غير التنبيه على أنّ مقام "الأبوة" لا تجوز معه المُحاججة، ولا السؤال، ولا المعارضة ولا الرأي الآخر المخالِف لرأيه ؟!
💡 فلنتأمل .... أفَمَقام "الأبوة" أو "الأمومة" أجلّ أم مقام "النبوة" ؟! وهو المُحدَّث من السماء ... الموحَى إليه من رب العزة ...!
كم من أب، وكم من أمّ يضجرون من سؤال أبنائهم، ومن تساؤلاتهم، بل من أسئلتهم البسيطة، الساذجة ربما بالنسبة إليهم ... يضجرون من أسئلة غاضبة لهم، يريدون منهم جمادا بلا حِراك..
بل كم ممّن يُحاور ويناقش قد يستهزئ بفهم من يحاوره، ويسفّه عقله ... بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقرّع عمر أنه لم يبلغ فهم الغاية التي لأجلها كانت كل تلك التنازلات ...وعمر مَن هو حكمةً وعقلا وذكاء ...
نعم رَفَعَ اللُّبس عن فهمه حتى لا يبقى، ولكنه أجاب على أسئلته البديهية بالإجابات البديهية ولم يستنكر سؤاله إياها ... ولم يشكّك بإيمانه ... ولم يسفّه تفكيره بتلك الطريقة ...
وعمر هو الناطق بين المئات، ولكنّ المئات أيضا مغتاظون، لم يعودوا يملكون زِمام أنفسهم وإن خيّم الصمت عليهم ...!
والرسول صلى الله عليه وسلم يستوعب، ويمتصّ، ويجيب، وهو الذي أقرّ أمره، ونفذه...ومعالم القوة كل القوة في تصرفاته ... ولكنّ نفسه "البشرية" تحمل وتحمل، وتجتاز مرحلة صعبة، صعبة … !!
فأولاء هم الصحابة كلهم من حوله يُبينون عن حالة من شاكلة حالة عمر ...ذلك أنه حينما أمرهم الرسول صلى الله عليه وسلم أن يتحللوا من إحرامهم بذبح الهَدْي والحلق لم يستجب منهم أحد ...
هو النبي، هو القائد، هو الآمر فيهم ... لم يأمرهم مرة واحدة أن ينحروا ويحلقوا، بل أمرهم الثانية... بل أمرهم الثالثة ....! ولا حياة لمن تنادي ...
الصحابة يعصون أمر رسولهم صلى الله عليه وسلم ... !!
الصحابة يسمعون أمره، ثم يسمعونه الثانية، ثم الثالثة ولا يأتمرون، ولا ينفذون، ولا يفعلون ما أمرهم ....!!
أيّ جبهة عصيّة هي هذه على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يواجهها، وهو لتوّه قد انتهى من جبهة "سُهيل" وإن كانت الأولى بكفر كافر، والثانية بإيمان مؤمنين ...
لن أطيل ... سأترك البقية للمرة القادمة بإذن الله تعالى ...لنتأمل ونتعلم كيف يمتصّ غضب مَن حوله ويتفهّم غضبهم ...بل ويقبل محاججتهم ..بينما لا يقبل الأب محاججة من ابنه، ولا تقبل الأم محاججة من ابنها ... :)
#الحكمة
#نشدان_الحكمة
-------------------------------------------------------------------------
منشورات "نِشدان الحكمة" :
أولا : https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1131841390274726&id=100003466263333
ثانيا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1132723693519829&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
ثالثا: https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=1134406033351595&id=100003466263333
رابعا: https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1137563016369230&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater
خامسا : https://www.facebook.com/photo.php?fbid=1141520915973440&set=a.103893666402842.3756.100003466263333&type=3&theater

المشاركات الحديثة