المشاركات الحديثة

صفحات: 1 ... 7 8 [9] 10
81
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:57:18 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدُبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ(111) -آل عمران-
لن يضروكم أيها المؤمنون، حقيقتهم أنّ ضررهم مقتصر على الإيذاء " لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى "  ..
🔸فما الأذى وما الضرر ؟🔸
الأذى أخف من الضرر، هو الضرر غير الجسيم، وهذا هو أذى الفاسقين من أهل الكتاب لكم، فهو إيذاء باللسان بقولهم على الله مقالاتهم الباطلة، وبتأوّلهم في عيسى عليه السلام، وكلّه من الإيذاء الذي لا يحبّ المؤمن سماعه في حقّ الله تعالى... أضف إلى ذلك ما يُلقونه من شُبُهات وتشكيكات في صفوف المؤمنين ...
وعلى هذا فإنّ هذا الأذى منهم غير مُهلِك، وليس له كبير أثر على المجتمع المسلم ...
حسنا... وكعادتنا ...ننظر إلى واقعنا بعين فاحصة، ولا نحبّ أن نأخذ من القرآن خيالات حالمة، ليس لأنه يُملي علينا تلك الخيالات إملاء ...كلا وحاشاه ... بل هو يعلّمنا الحق، ولكن لأنه بدافع من دواخل ونفسيات منهزمة يقرأ مَن يقرأ ما يحب أن يقرأ، لا ما يعطينا إياه القرآن على الحقيقة ... نحبّ أن نقرأ الأحلام والكمالات الخيالية، فنقول ونقرّر أن أمة الإسلام هي القائدة وهي الرائدة وهي التي تحمل همّ الأرض على عاتقها ووو... وليس هذا بالباطل بل هو الحق، ولكن شعرة هي الفاصلة بين هذا الحق وبين أن يقرَّر خيالات ... تلك الشعرة هي الشروط ...
إن هذا لمتحقق وكائن وصحيح، ولكن ليس من فراغ ولا من تشدّق بالكلام، بل بشروط يجب توفّرها أولا، وما لم تتوفر فلا يكون شيء من ذلك ... وكما أسلفت فإن القرآن لا يقول بتحققها جُزافا، بل يبيّن تلك الشروط أيّما بيان، ويضعها الأُوْلى، ويضعها اللبنة الأساس التي يأتي بعدها الأمر للأمة أن تضطلع بدورها وأن تقوم بمهمّتها، فلا يأمرها الله بأن تكون آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر قبل أن يعلّمها شروط تحقق ذلك منها... عدم طاعة أهل الكتاب، الاعتصام بالله، والاحتكام للقرآن وللسنة النبوية، تقوى الله حق التقاة، الإيخاء، التآلف، عدم التفرّق ... لا يأتي شيء من أمرها بالقيام بمهمتها قبل أن يورِد كل هذه الشروط تِباعا ...
فمَن قال بوَرْديّة حال الأمة وقرّر أنها الخيّرة على الإطلاق وتحت كل الظروف، وفي كل الأحوال دون أن يكون تركيزه على تلك الشروط، ودون أن تكون دعوته الأولى لتحقيقها قبل أن تكون دعوته للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقد حلم، وقد جرّد حقائق القرآن من ثوابتها ومن دعائمها
وها هنا في واقعنا... ونحن على ما نحن عليه من ضعف وهوان وتداعي الأمم علينا، ومن تفرّق وتشرذم، ومن عدم اعتصام بهَدي القرآن، ومن اتّباع للأهواء على أنها الحرية إلى حدّ حبّ الانعتاق من أسر الأمر والنّهي والتكليف الإلهي، ونحن على ما نحن عليه من هزيمة نفسية جعلت ضِعاف الشخصية من المسلمين وأصحاب هويّة العنوان من الإسلام حُثالة تقتات على فُتات موائد الغرب وتتمسّح بأحذيتهم على أنهم في القرار والتقرير سادةٌ وهم لهم العبيد ...!
ونحن على هذه الحال من التبعيّة العمياء لأصحاب القوة المادية... ونحن على هذه الحال من الانبهار بهم وبقوّتهم وبامتلاكهم لأسباب الدنيا ... !
وهي ذي حالنا هل يبقى أذاهم أقلّ درجة من الضرر ؟!
إنّ الآية تقرّر حقيقة حال من أحوال أهل الكتاب إزاء المسلمين ما توفّرت شروط القوة في المسلمين، وما توفرت فيهم الأمة الرائدة بقوة في داخلها معلومة، ذكرها القرآن وعدّد أسبابها التي تحقّقها ... حقيقة أنّ ما يلحق المسلمين منهم وهم في قوة ومَنعة لا يعدو الأذى، الأذى باللسان، بالشُبهة التي لا يتردّد لها صدى ولا يبقى لها أثر بين مسلمين مستمسكين بأسباب قوّتهم...
أما والحال على ما نحن عليه فإن الأذى منهم بوزن الضرر وأكثر .. وهذا ما نلمسه واقعا مُعاشا ... الشُبُهات التي يُلقون، والتي يتلقّفها المسلمون، تترك أثرها في نفوس كثير من شباب المسلمين اليوم، تترك أثرا قويا مُخيفا يُطيح بإيمانهم ويجعلهم كالقشّة في مهبّ الريح ...
وأنّى للقشّة أن تقاوم وهي التي لا تملك من ذاتها قوة ولا تملك من ذاتها مَنعة ؟!
أنّى للمسلم القشّة أن يقاوم عقلُه الشبهات ؟! وأنّى للمسلم القشّة أن يقاوم قلبه الشهوات ؟!
وأنّى لأمة لم توفّر عوامل قوّتها، فداخلها ينخره السّوس وتأكله الأرَضة أن تقاوم الشبهات والشهوات ؟! أنّى لأمّة لم تعرف من قرآنها غير العنوان وغير التشدّق بامتلاك دواء دون معرفة لطريقة تناوله ليخالط الدّم ويسري بين العروق العطشى أن تقوم وتقاوم ؟!
لقد أصبح أذى اللسان منهم داء عُضالا يعاني منه مسلم القشّة الذي لم يُحسن كيف يتعلم من قرآنه، وكيف يكون متكأه وسندَه وسلاحه ضدّ كل شُبهة ... لم يُحسن كيف يرتّب دلالاته ولا كيف ينظّم إرشاداته وتعليماته في عقله ترتيبا وتنظيما يكوّن له قاعدة مُنطلَقه في الحياة ...!
لم يُحسن كيف يجعل منه مشكاته على الدرب، فظلّ خائضا في العتمة يرفُس ويعفس لا يتبيّن حجر عثرة من حجر كريم مشعّ ثمين يزيده على الدرب قوة ونورا... لا يتبيّن حقا من باطل ...!
إنّ جذر علّة الأمة لا يكمن في غياب أو تغييب الأمر بالمعروف فيها والنهي عن المنكر، بل يكمن في عدم استمساكها بالأسباب التي تؤهّلها للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ذلك هو الجذر الذي مكمن الداء فيه، وبسببه لم تستوِ شجرة الأمة على سوقِها، ولم تينَعْ لها ثمار ...
إنّ الجذر يفتقد للغذاء من أصل الأرض ومن جوفها، يفتقد للماء المُحيي... ولذلك لم تظهر للشجرة علامات فوق الأرض ... فكيف يكون لها ثمار ولا عود للأغصان على الأرض ؟!
نُدندن أن العلة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأول علتنا ضعف كبير في التنشئة على تربية القرآن التي تؤهل للاستمساك به حبلا متينا منقذا ... تربية القرآن التي تؤهّل للأمر بالمعروف ولتقبّل الآمر بالمعروف، وللنهي عن المنكر ولتقبّل الناهي عن المنكر ...
فكفى ظلما للإسلام وإلصاقا لجُرم السّدر في الأحلام والتّيه في الأوهام والترنّح في عالم الخيال بالإسلام، وهو من ذلك كله براء  ... !
وهو الدين العظيم الذي يجعل العيش في الواقع، ولتبيّن أسباب ما عليه الواقع،  ويدعو لتغيير الواقع، وهو يصف تركيبة الدواء الشافي مركّبا بمركّب... ولا يدعو للسبح في خيالات شجرة السؤدد والعزّ من غير جذر مُغذّى بنور الوحي، ومن غير جذر مُسقى بماء الوحي ...!
نعم ... إنهم لن يضرونا إلا أذى باللسان...بالشُبهات التي يُلقونها لغاية الإضلال، ولكنّ أذاهم كان كجُهد الساعي بلا نِتاج لمّا كانوا يجدون قُبالتَهم جبالا شُمّخا أقامها الإسلام وأعزّها، وأغصانا حُبلى بيانِع الثَّمَر رواها القرآن وغذّاها الرسول صلى الله عليه وسلم قولا وفعلا وحركة بالقرآن على الأرض...
كان جُهدهم وسعيهم هباء عندما كانوا يجدون من اتبع تلك الخُطى النورانية واقتفى أثرها بإحسان ... وسيكون جهدهم وسعيهم بالإيذاء هباء ما وجدوا تلك الأمة القوية القائمة بوحي السماء في كل زمان ... ما وجدوا تلك الأمة التي يعمل فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عملهما، فينكر المُنكِرُ ويأمر الآمِرُ وهو المتقبّل، وقد أنشأت -أولا وقبل كل شيء- بكل منظومتها المجتمعية أسرةً ومدرسةً وشارعاً وسوقاً وهيئةً وإدارةً تربيتُها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . عندها سيكون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دورهما ... عندها ستقوم الأمة بدورها ... متى وفّرت لنفسها بنفسها السلاح اللازم والقوة اللازمة والعُدة اللازمة ...
#أصل_الداء
82
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:55:37 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
🔸أولا:🔸يأتي الأمر بالاعتصام بحبل الله : وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً ...
وقد عرفنا من قبلُ تقدمة لهذا بقوله سبحانه : وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ
فجاءت : "يعتصم بالله"  وهنا جاء الأمر بـ : " وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ "
وإنّ لكليهما المعنى ذاته، فالاعتصام بحبل الله هو الاعتصام بالله تعالى، وحبل الله هو الكناية التمثيلية لأمره لعباده الذي أنزله إليهم، وليس ذلك إلا القرآن الكريم . وقد قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عنه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه  : "إنَّ هذا القرآنَ مَأْدُبَةُ اللهِ فتَعَلَّموا مَأْدُبَتَه ما استطعتم وإنَّ هذا القرآنَ هو حبلُ اللهِ وهو النورُ المبينُ والشفاءُ النافعُ عِصْمَةُ مَن تَمَسَّك به ونجاةُ مَن تَبِعَه لا يَعْوَجُّ فيُقَوَّمُ ولا يَزِيغُ فيُسْتَعْتَبُ ولا تَنْقَضِي عجائبُه ولا يَخْلَقُ عن كَثْرَةِ الرَّدِّ" –السلسلة الصحيحة الألباني-
وإننا لو لازمنا الربط الذي يُلزِمنا هو ألا نغادره وله وقع وتأثير كبير في تناسق المعاني واتساقها لوجدنا أن :
التقوى وهي الائتمار والانتهاء-----> الأمر بالاعتصام بحبل الله .
ومادامت التقوى هي الائتمار بأمر الله فقد أمرنا بـالاعتصام فوجب أن يكون ائتمار حقّ وتطبيقٍ لهذا الاعتصام بالقرآن لا التشدّق بمعرفة الحروف، أو بالانتساب لأمة القرآن انتساب عنوان : " اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ "
وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ
و"جميعا" هنا .. معناها أن يرنوا جميعا لهدف واحد على طريق واحد، مستمسكين بحبل واحد. والعادة أن السائرين على طريق واحد متآنسون، متعاضدون متناصحون . متآخون.
لننظر ... فإذا نحن مع دنيا المؤمنين، ومع تكليف المؤمن وأمره وتوجيهه وتحذيره.. نجدُنا ننتقل باللفظ الصريح إلى معنى "الجماعة"  في الإسلام . 
⭐ومن الفرد إلى الجماعة:⭐
جاءت : " يعتصم بالله " تخصّ الفرد . وجاءت:  "وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ " للجماعة . كلهم لا يمسك بعضهم بعضا ولا يتحقق اجتماعهم وتوحّدهم إلا وهم مستمسكون بالحبل الواحد . جاءت الحبل استعارة تمثيلية للشيء الذي يجمع الأفراد يجمعهم لهدف واحد، على طريق واحد ...
🔸ثانيا🔸 : ثم جاءت : وَلاَ تَفَرَّقُواْ   للتأكيد على ضرورة اجتماعهم بالنهي عما ينقض الاجتماع، وما يجعل التشرذم عنوانا . جاءت للتأكيد . فكان الترغيب في الاجتماع والذي يشرّفه أن حبله حبل الله، وكان الترهيب من التفرّق الذي يجعل الجماعة أفرادا متشرذِمين . وهو من دواعي الضعف ومن دواعي تجرؤ العدو المتربص، وإنما يأكل الذئبُ من الغنم القاصية .
🔸ثالثا🔸 : وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أما الثالثة فهي : أن يذكر المؤمنون نعمة الله عليهم، ويأتي تفصيل هذه النعمة بعد "إِذْ" :
🔹1-🔹  كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً: وهذا ما كان بين الأوس والخزرج الذين دامت الحروب بينهم وهم أبناء عمومة ما يزيد عن مئة وعشرين سنة، كان فيها الاقتتال على أشدّه، هكذا كانت حال يثرب قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها، قبل أن يحمل إليهم القرآن هاديا يُتلى عليهم، يأمرهم فيأتمرون، وينهاهم فينتهون .
كان أول ما فعله صلى الله عليه وسلم فور دخوله المدينة المؤاخاة بين الأوس والخزرج، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار.
وإننا لنذكر من أحداث السيرة المطهرة كيف كان يوم لقائه بمكة صلى الله عليه وسلم بالنفر الستة من الخزرج حينما كان يبحث عمّن يُجيره. استمعوا إليه، وأجابوه فيما دعاهم إليه، وقبلوا منهُ ما عَرضَ عليهم منَ الإسلامِ وقالوا له:  إنَّا قد ترَكْنا قومَنا، ولا قومَ بينَهُم منَ العداوةِ والشَّرِّ ما بينَهُم، وعسَى أن يجمعَهُمُ اللَّهُ بِكَ .
وقد جمعهم الله به حقا. حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يذكّر الأنصار بعد حُنَين حينما قسم الغنائم ولم يُعطِهم منها حتى وجدوا في أنفسهم قال: "يا معشرَ الأنصارِ، ألم أجِدْكم ضُلاَّلاً فهداكم اللهُ بي، وكنتم متفرِّقين فألَّفَكم اللهُ بي، وكنتم عالةً فأغناكم اللهُ بي"
وهذا التأليف بين القلوب لا يخصّ هذه الحادثة المفصليّة في تاريخ الإسلام وحدها، وإنما ينطبق على كلّ مَن كان الإسلام سببا في حقن دمائهم، وإحلال الوئام بينهم مكان الحروب والتقاتل، وقد عُرف العرب قديما بالتقاتل لأتفه الأسباب . وهذا من نعمة الله تعالى أن يصبح المتقاتلون المتناحرون إخوانا .
🔹2- 🔹وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا
الشفا هو الطرف، كنتم على طرف حفرة من النار، ولعلّ القول بأنه الإنقاذ من النار جائز، إلا أنها وقد جاءت "حفرة من النار" يُبعِد نِسبيا عن ذلك المعنى، لأن النار ليست حفرة بل عالم من العذاب، بذلك أرى أنه الإنقاذ من حفرة يهوي في سحيق عمقها مَن هو مشرف عليها لا يبعد عنها إلا مقدار الشّفا، وأي بعد هو بين الشيء وطرفه ؟! حفرة من نار الفِتن في الدنيا ونار الهلاك بالعَيش فيها على الكفر، لا تقوم للعقل ولا للقلب قائمة من حق ... الموت على الكفر وحده حفرة من نار يقع فيها من يصرّ على كفره ما أحياه الله . حفرة من نار تُرديه وتأخذه للنار التي هي العذاب العظيم والقرار السحيق لا الحفرة ...
وأذهب في ذلك مذهب ابن عاشور إذ يقول: " فأرى أن شَفا حفرة النَّار هنا تمثيل لحالهم في الجاهلية حين كانوا على وشك الهلاك والتَّفاني الَّذي عبَّر عنه زهير بقوله : تفانَوا ودَقُّوا بينَهم عِطْر مَنْشَم... بحال قوم بلغ بهم المشي إلى شفا حفير من النَّار كالأُخدُود فليس بينهم وبين الهلاك السَّريع التَّام إلا خطوة قصيرة ، واختيار الحالة المشبَّه بها هنا لأن النَّار أشدّ المهلكات إهلاكاً ، وأسرعُها ، وهذا هو المناسب في حمل الآية ليكون الامتنان بنعمتين محسوستين هما : نعمة الأخوة بعد العداوة ، ونعمة السلامة بعد الخطر ، كما قال أبو الطيب : نَجاة من البأساءِ بعدَ وقوع... والإنقاذ من حالتين شنيعتين. "-التحرير والتنوير-
وتُختم الآية بقوله سبحانه :  كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
أن ينقلب الأعداء إخوة، وأن ينجو من هو مُشارف على حفرة النار فيغدو ناجيا وقد أوشك على الهلاك ... كلتاهما آيتان من الآيات التي يبينها الله لعباده، كلتاهما من نعمة الله على عباده المؤمنين، كلتاهما من فعل الإيمان وفعل الإسلام في النفوس ...
رقيّ بالإنسان، سموّ به إلى الإنسانية الحقة، الإنسانية التي لا يُحققها شيء كما يحققها الإيمان في نفوس أصحابه. هل من السهل أن يغدو القاتل والمقتول له أخوَين متحابَّيْن ؟! هل من السهل أن يسود الإخاء والحبّ والتعاضد والتعاون من كانوا بالأمس القريب أعداء متقاتلين، كلٌّ منهم يحيك للآخر خيوط المكر والوقيعة به لأخذه على غرة، أو للانتقام منه ...
لقد تحقق ما كان صدمة لليهود الذين كانوا يلهبون نار الحرب بين الأوس والخزرج، كلما خبت نفخوا فيها ليشتد لهيبها ويحمى أُوارها ...
أليست آيات من الله يبيّنها لعباده ؟! أليست محسوسات يلمسها المؤمنون في حياتهم التي انقلبت أمنا ودعة ومحبة وإخاء وقد كانت حربا ودما مُهدرا لا يطلب إلا الدم، وكرها وبغضاء لا حدود لهما ... ؟!
وأذكر في هذا المقام من حدّثني مرة أنّ المؤمن ليس له من خصوصية العطاء الرباني شيء في الدنيا، لا ينكر خير الآخرة المخبأ له، ولكنه ينكر عطاء يخصّ به الله تعالى عباده المؤمنين ...
وهذه الآية تعلّمنا من خصوصية هذه العطايا الربانية لعباده المؤمنين في الدنيا ... وهم يرون بأمهات أعينهم كيف تُزهِر حياتهم وترتقي حركتهم ....
لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ  .... كلها آيات للهُدى ... ولعلّ أحدا أن يسأل: وكيف يحدّث الله عن هداية من هو مؤمن مُهتد ... أقول إن علامات الهُدى الذي هو على الهُدى لَتلُوح لي في هذه الآيات، إنها الهداية فوق الهداية التي لا غنى للمؤمن عنها .. إنه التثبيت على الهُدى
ألم يقل سبحانه : " ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ " –البقرة:02-
ألم يقل سبحانه : " ...إنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى " –الكهف:من13-
فهو هدى التوفيق الذي يزيده الله سبحانه لمن آمن واتقى وليس هُدى الدلالة الذي كان من الله لكل عباده دعوة إليه .
وهو بعبارة أخرى التثبيت من الله  لمَن لم تخلُ رحلة حياته من آليات الثبات التي يعلمنا الله إياها. وعلى رأسها الاعتصام بحبله سبحانه ... تأملوا الصورة المرفقة .
#آل_عمران
83
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:54:19 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

إن مؤمن هذا الزمن الصعب لَأحوج ما يكون إلى سورة 🔸آل عمران🔸 إلى العلم الذي فيها، إلى مقومات الثبات التي نتعلمها منها...
إلى أساليب أهل الباطل والمغرضين في التعرض لأهل الحق بأباطيلهم ليصيّروها باسم السيادة المادية في الأرض حقا ... والمؤمن المهزوم نفسيا، المُحبَط الذي لا يرى لأمته قائمة تقوم، بل هو من نكسة إلى نكسة أكثر عرضة لهذا التشويش ولفعل هذه الشبهات التي نعاين عن كثب كيف نصبح ونُمسي على أخبارها ! وشباب المسلمين الذين يعرفون من القرآن اسمه غافلون عن علم عظيم فيه، كفيل بأن ينجّيهم من مساقط الهوى والضلال إن هم استمسكوا بتدبّر معانيه وجني قُطوفه الدانية... إن هم عاشوا مع الآيات عيش التأمل والتملّي...
مؤمن اليوم الذي يُشنّف أذُنَيه لكل ناعق بهواه وبشطحاته وبإنكاراته باسم التحرر الفكري وتحت راية التشدّق بالعقل الذي لا ينقص عن أصحاب العقول الأولى التي تلقّت الهُدى فعاشت به حركة على الأرض فتحت بها مغاليق البلاد للحق وأضاءت بنورها عتمات الأرض ...
ذلك الناعق بالهوى وهو يقول : هم رجال ونحن رجال ... ! وليته فَعل فِعْل الرجال وهو يتخذ القانون الرباني والدليل الرباني للحياة مشكاة تنير الدرب المُعتِم ... بل إنه ليأخذ من"فلاسفة الأنوار" ما يقارع به نور الله تعالى ! وكله تحت مسمى التحرر والعقل .... !
أما أن يشنّف أذُنيه لكلام رب العباد يريد فهمه وتشرّب تربياته وتوجيهاته، وترتيب معانيه في  حُجُرات عقله، ومراقبة اتساقاته ... فذلك عصيّ عليه، بعيد عن تفكيره....!  كتب "التنويريين" أولى من النور المبين !! تلك ثقافة وفِكر وهذا ثابت قديم لم يعرف كيف يرى فيه نفسه  لو أنه كان قائما بين يديه على درب الحياة يقتبس من نوره لتبيّن الطريق المستقيم ... !
فيا أيها المؤمن متى عرفتَ في القرآن بُعدا عن العقل وعن إعمال العقل والتعقّل وهو لا ينفكّ مناديا بكل هذا، داعيا إليه ... لا يخشى من تعقّل الإنسان وما أنزِل إلا لإشباع عقله ولتنوير قلبه ...
أما إن كنت تريد إلصاق ما شُوِّه من فهم للدين بالدين فأنت المُبطل لا المحق، وأما إن كنت تتباكى وترى نفسك ضحية من يُملي عليك الدين إملاء ويحجر عليك أن تمسّ القرآن بعقلك فذلك منك تباكٍ وادّعاء ولا أحد يُملي على أحد هذا الابتعاد ...
وأما إن اتبعت الهوى تريد أن تجعله فوق قانون ربّ العقول والقلوب فأنت المبطل لا المحق، وأما إن كنت تريد أن تجعل من إرضاء الآخر المتنعّم بأسباب الدنيا غاية من أجل تحقيقها تترخّص وتتنزّل ولا تُبقي لك من الثوابت ثابتا ولا من الأصول أصلا فأنت المُبطل لا المُحق ... !
نعم هذا هو الوعي القرآني ... أن أعي وأتعلم وأعرف وأتبصّر بسعي قديم متجدّد لأهل الباطل وأصحاب الأباطيل لإضلال المؤمنين... ولست أَعيب هنا على الذئب أن يرتع في قطيع غنم بلا حارس ولا مُحترس ولكنني أعيب على صاحب الغنم وهو يغطّ في نوم هو مَسَرّة الذئب وفرحه العظيم ... !
الوعي القرآني الذي يفرّق بين حامل الحق وحامل الباطل، ولا يجعلهما سواء، بل يبيّن لصحاب الحق أنه صاحبه ، بل وأنّ تنوير الآخر دوره ورسالته، وأنّ تقبله للآخر ومسالمته وموادعته لا تعني بحال من الأحوال استسلاما وترخّصا وتنزّلا حتى يتساوى الحق بالباطل...
شيء واحد يوحّد بينهما ويجعلهما سواء ... إنها الكلمة السواء ... كلمة التوحيد، كلمة الإسلام ... تفريق ليس هو التفريق العنصري الذي يتباكى أهل التعايش المزيّف أنّه لا يجوز وأن الإنسان إنسان لا فرق بين من ينوّره الهُدى وبين من يُعتمه الضلال!!
لا يتوقفون في شأن المساواة عند حقوق الإنسان على أخيه الإنسان، وواجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان ...بل يتقدّمون في حنان فيّاض ورقة متناهية ليجعلوا دين الحق والأديان الوضعية سواء ! ودين الحق والمحرَّف من أيادي المتقوّلين على الله وعلى رُسُله سواء، وليجعلوا الثقافات سواء، وليجعلوا الحق الواحد ذا أوجه متعددة حتى لا يقول إنسان بأن أحدا من الناس على باطل، فكلٌّ يعمل وِفق حقّه الذي يراه حقا !!
هكذا يريدون للمؤمن أن تُمسخ خصوصيته، أن تذهب عزّته بربّه وبهُداه ... أن يجعل من التنزّل والتنازل والترخّص في الثوابت والأصول عملا بطوليا يحقق التعايش بين الحق والباطل ... ! فيتحقق السلام المنشود !!
#آل_عمران
84
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:50 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86) -آل عمران-
إنها تخاطبنا... تخاطب مسلم اليوم...
مسلم اليوم يخاطبه الله تعالى، ويستنكر عليه أن يكفر بعد إيمانه الذي أعلنه، وبعد شهادته أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق وبعد ما جاءه من البينات، هذه البينات التي هي كالنجوم الهادية تصطفّ لنا واحدة تلو الأخرى في معرِض خطواتنا على دربنا هذا ...
مسلمو اليوم الذين لا يخلو بيت كل واحد منهم من مصحف بين دفّتَيْه هذا النور وهذا الهُدى العظيم ..
مسلم اليوم الذي عالج كتابُ الله تعالى أحوالَه المتقلّبة على الأرض وعبر الأزمنة المختلفة وصولا إلى زماننا هذا، ففَحْواه يوائم كل المواءمة ما يعترضنا، ما نستشفّ منه أنه العلم الإلهي العظيم المحيط بكل ما كان وبما هو كائن وبما سيكون ... فعرّفه سبحانه بأعدائه، وعرّفه بنواياهم، وبباطلهم وبدأبهم على إضلاله ...
مسلم اليوم الذي نعرف مع بدايات هذه السورة كيف يعلم عنه ربُّه مدى تمكّن الهزيمة النفسية منه وهو يرى علوّ أهل الباطل وتهاوي أهل الحق والحق معهم وهم ليسوا معه ...!
مسلم اليوم وهو ينبهر ويؤخذ بأسباب الدنيا التي سخّرها الكافر وجعلها طوع يمينه على كفره، ويظلِم ولا يُنصِف وهو يرى السبب في تقهقره وتأخره دينه لا هو ولا تقاعسه ! يرى السبب في تأخّره دينه لا سوء فهمِه لدينه...!
مسلم اليوم الذي يتذمّر من حاله ومن تنكّبه عن ركب الحضارات، فيجعل من الدين مِشْجبا يعلّق عليه أخطاءه وارتكاسه ...!
مسلم اليوم الذي لا يعرف من قرآنه إلا أنه الكتاب السماويّ المقدّس، فمن يجوّد حروفه كثيرٌ ما هم ... وكثير كثير من لا يعرف منه إلا النزر القليل حفظا لا فهما ووعيا وتشربا لمعانيه وعيشا بها ...
اليوم والأرض مفتوحة على مصراعَيها، كل ما عليها في حينه مسموع منظور...
وهذه الشبهات التي يلقيها أهل الباطل بكَلّهِمْ وكَلْكَلهم ألوانا وأشكالا، وهذا الطعن في مقدّساتنا صار مضغة أسنان بني الإسلام أكثر مما هو مضغة غيرهم ... طعن في السنة، وطعن في الصحابة، وطعن في صحة ما وصلنا من صحيح الحديث ... طعن في الأصول بدعوى الموروث والتمرّد على الموروث ... وبدعوى العقل وإعمال العقل، وما هو إلا إعمال الهوى وشطحات الهوى والانسياق خلف كل ناعق يُبهِر ويغرّر بالتجديد وبالعقل وبسيادة العقل، والعقل من كل تلك الشطحات براء ... والعقل أكثر ما جاء القرآنُ يستنهضُه ويستنفره ليعمل وليس عن الإسلام غريبا ليأتي من ينصره اليوم نُصرة مكذوبة تُطيح بالأصول وتستسهل الطعن فيها بانحياز للحرب عليها لا بنظر وبإعمال فِكر ...
وكل هذه الانسياقات، وكل هذا الضعف والشحّ في المؤونة من أكبر مقدّمات تخلي المؤمن عن دينه، وتشبّثه بعرض الدنيا الزائل بديلا عنه !
إنّ هذه الآية تخاطب المسلم اليوم... المنبهر، المنهزم نفسيا، ضعيف الحجة في دينه، فاقد الهويّة ومضطربها... ولقد أعرض المفسرون عن هذا البعد في الآية، وهو واحد من أهم أبعادها، ونعايشه في زمنٍ حالُ شبابِ المسلمين فيه كحال المتفرّج على زهرة الدنيا تتفتح بين أيدي غيرهم وتغدق عليهم بألوانها، يُشبعون شهواتهم كيفما كان من غير رادع من دين ولا من خلق، فيرنو المتفرّج لِما يستمتع به الآخر، ويرى نفسه المحروم المكبوت الذي يحكمه الدين فهو حابسُه عن هوى يصبح به وعن شهوة يمسي فيها ... 
هؤلاء من السهل جدا أن يبيعوا دينهم... وإنّا لنغتمّ في كل حين بأخبار شاب مسلم من هنا ألحد وقد غدا يرى نفسه الحرّ المتحرّر من كل قيد، أو العقلانيّ الذي لا يؤمن بإله آمرٍ ناه،  وتَلُوح لنا علامات من شاب آخر هناك تنذِر بشكّ يسكنه ليس شكّ الباحث عن الحقيقة بل شكّ ضعيف المؤونة شحيح الزاد الذي فعلت فيه شبهة قرأها على النّت فعلها فجعلته متخبطا تائها مسوقا لبحر من الشبهات متلاطم الأمواج تهزّه موجة وتُلقي به أخرى، حتى لم يعد يعرف من نفسه قرارا، وصار نَهب الشكوك التي ضيعته وضيّعت دينَه ... !
ونُفجَع بآخر يخوض مع الخائضين فهو المتحرر من الموروث ومن المُملى عليه، يعارض أصول الدين وينتقدها، لا يريد إلا الهوى دينا وحاكما  ...
وحدّثْ عن المتصدّرين لصفحات التواصل الاجتماعي ولا حرج وهم قد صاروا المفتين والمُلقين بالخلط والخبط على أنه تحرّر العقل ونظر العقل في الدين، وليته كان حقا...!
فأيّ عجب في أن يُستخدم العقل مع الدين ؟! بل هو اللامنطق والهوى والكذب في شكل تقريرات ومراسيم من رسمهم يُضفون عليها صبغة التحرّر، والمتابعون المصفّقون أعداد وأعداد، وكلّهم لا يكلّف نفسَه عناء النظر في قرآنه وفي سنة نبيّه نظر الباحث المتدبّر المتأمل المتبحّر، ولكنه يجد سهلا ومُحبّبا أن يتجرأ متجرّئ ويحمل راية النقد العشوائية الناسفة للأساسات والقواعد، وأنّى لمثله أن يكون تصفيقه عن وعي وهو لا يعرف عن المطعون فيه شيئا ... ؟!
وكم انقلب حال كثيرين من النقيض إلى النقيض، ناصبوا السنة العِداء وتنادوا بالانتساب للقرآن وحده حاملين شعار تصفية الدين من الأكاذيب والخرافة ... ! وكأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان أبكما لا يتكلم ! منعزلا لا يُخالِط ! 
وغيضٌ هذا من فيض الشبُهات المقدِّمة للتخلّي عن الدين في نفوس من وجدت فيهم مرتعا وملعبا  ...
#آل_عمران
85
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:21 »
سبحان الله ...!!
لَكَمْ يأخذني أسلوب القرآن، ولكم يُنعشني... ولكم أجد فيه الرَّوح والرّواح، وأتلمّس فيه الجمال وهو موحّد الأطراف، مترابط التركيب، متسلسل المعاني، متّسق الموضوع...!
فلكأنّ الذي يَطَّوَّف برِحابه الطاهرة ويتنسّم أجواءه العليلة النقيّة يتملّى الكمال في الجمال والوحدة في البنيان ...
إنه ذلك الكتاب العظيم ....
إنه تلك النافذة النورانية التي نُشرف منها على الحقيقة والحق، وعلى الهُدى والرشاد، وعلى النور والضياء... وعلى أصل الكون وأصل الإنسان وأصل الوجود وأصل الخلق ...
هذا الكتاب الذي تَطبع منه الدول والهيئات والمنظمات والشخصيات ذات الطَّول ملايين النسخ لتُوزّع على أسقاع الأرض، شمالها وجنوبها، وشرقها وغربها ليقرأه الناس في كل مكان ...
هذا الكتاب الذي لا يخلو بيت من بيوت المسلمين منه...
هذا الذي تُرجِم إلى لغات الدنيا...
هذا الكتاب الذي كثيرا ما يُتَّخَذ هدية للإهداء، ويُتّخذ معها القول باللسان أنه أغلى ما يُهدى! فقط لتثمين الهدية ...!
وكثيرا ما يُهجَر في بيت من بيوت المؤمنين، يغفل أهله عن نداءاته : "يا أيها الذين آمنوا"... فلكأنّه المنادي الذي يُكتَم صوته بأياد كاتمة ... إذ هو لا ينفكّ مناديا، ولكنّ صوته لا يُرفع ببيت ما ظلّت أيادي أهله له كاتمة ...!
ما أكثر ما يُطبع بالكلام الواحد الذي لم يُبدّل، وبالحروف ذاتها التي تنتظم انتظام الدُّرر في العقد الموثّق المُحكَم الذي لا تنفكّ حبّاته ... ما أكثر ما يُتداوَل، ما أسهل ما يقع مؤمن على النسخة منه والنسخة...
هو الغالي الذي لا يُفتَقد، وهو الثمين الذي يُقدَر عليه، وهو النفيس الذي لا يُبذَل لأجل حيازته نفيس لا من جهد ولا من مال ... هو العظيم الذي لا يعسُر على طالبيه ... هو الأعلى الذي لا يستعصي على ناشديه، وهو النور الذي لا يحتكره أحد، وهو الحق الذي لا يُحابي عربيا على أعجميّ ولا أسود على أبيض ... !
هو أغلى ما في الوجود وهو أيسر ما يوجَد ... بينما يستعصي على المرء شيء من أشياء الدنيا ومن عرَضها الزائل لمجرّد أنه الذي تنادى الناس بأنه الثمين ...!!
ولكــــــــــــــــــن .... !
رغم يسر اليسر في حيازته، وتمام السهولة في قراءته، فإن تقلّبنا في الحياة، وحركتنا على الأرض لا تُسمِع منه صدى ولا تترك منه أثرا  ... ولقد كان النبي الذي جاء به قرآنا يمشي على الأرض ...!
وربما ستتعالى الأصوات أمام كلماتي، وكأنها أصوات المنبّهين الموقظين لنائمة مغيّبة ضُرب على أذنيها فهي الذاهبة في نومها عن الحياة ... !  يا هذه ...! أليست مساجد المسلمين تمتلئ بالمصاحف وتغصّ بالقراء ؟ أليست مدارس القرآن تُخرّج كل عام مئات الحافظين والحافظات الموسّمين والموسَّمات بشارات الحفظ والترتيل .. ؟! ويْحكِ أما ترين أم أنكِ فقدتِ ما به ترين؟!
أجل أيها اللائم الموقظ لي من نومي ... أدري ...
أدري أن الحفّاظ كُثُر كما أدري أنّ القراء كُثُر، وأدري مع كل هذا أيضا أنّ المؤمن كسيح ما لم يتحرك بقرآنه على الأرض... كسيح ما لم يجعله مِشكاته على دربه ... كسيح ما جعله حروفا تُحفَظ لا يزيد على الحروف إلا تخريجها من مخارجها ..!!
معذرة... فإنّ جمال العيش مع القرآن نعمة حقيق بي أن أحدّث بها  ...
#تدبر_القرآن
86
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:51:05 »
""وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(72)"" -آل عمران-
⭐أبدع تصوير... هو تصوير القرآن العظيم ...⭐
وكأننا نرى إعراضهم بأعيننا، وكأننا نتتبّع خطاهم وهم يتسللون بين المؤمنين، يشيعون أكاذيبهم وأباطيلهم وغاية أمنياتهم أن يضلوهم عما جاءهم من الحق ...
ولكأني ألمحهم وهم يعضّون أنامل الغيظ من الحسد والغيرة ... فهم يسعون سعيهم بكل سبيل بإلقائهم الشُّبهات، وتصيّدهم لما يوقع المؤمنين في شِراك الشك والتململ والاضطراب ...
تمهّلوا ...! فسنجمع هذه الأطراف التي تجعلنا نتحرك حيث يتحركون، ونبصرهم وهم يتحيّنون المكان والزمان لردّ المؤمنين عن الحق ...
أين نحن الآن ؟؟
إنّنا نسمع الله تعالى وهو يخبرنا عن مكرهم الذي يمكرون، وكيدهم الذي يخطّطون له بليل، يخططون له خفية عن أعين الناس جميعا، ولكنّ الله تعالى الذي لا تخفى عليه خافية يفضحهم ويُعلِم المؤمنين بما يحسبه أولئك المجرمون يخفى على العليّ سبحانه !
ولكأني بهم يُتمتمون في ليل مُرخٍ سدوله على الناس فهُم في غيابات النوم والسكون، بينما هُم يظنّون من إجرامهم وانعدام إيمانهم وتقديرهم لله تعالى أنّهم يُسِرّون فلا يدري عن سرّهم حتى عالِم سرّ الأسرار، الذي يعلم دِقّ النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء ...
أراهم مجتمعين... تقدح أعينهم شرا ومكرا وتنضح قلوبهم حقدا على رسول بُعِث بالحق فكان سبب انفضاح حالهم وقد لبّسوا على العرب زمنا طويلا أنهم أهل الكتاب الذين نزلت فيهم الكتب من السماء، والذين بُعث فيهم الأنبياء ...
أطِلّ من نافذة كلمات الآية ... فألمح رؤساءَهم وأسيادهم الآمِرين، وهم الذين وصفهم الله تعالى في الآيتَيْن السابقَتَيْن بـ : "وَأَنْتُمْ تَشْهَدُون" " وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ " ...
الذين يحملون لواء العلم بينهم، ويحملون راية الشهادة على ما أنزل الله تعالى ...
هؤلاء الذين يُفتَرض بهم أن يقودوا الناس إلى هُدى الله، ويبلّغوه لهم وهم ورثة الأنبياء، هم أنفسُهم مَن يسعى حثيث السعي لإضلال الناس ...! وتلك الطامة الكُبرى ...!!
لنستمع إلى ما يقولون... لنستمع إلى ما يأمرون به مَن هُم دونهم لينفّذوه ...
إنّ الآيات ليُصدِّقُ بعضها بعضا ... إني لأرى كيف هُم أولاء أربابٌ آمرون بغير الحق، يأمرون بغير أمر الله، ويتخذهم المأمورون أربابا من دون الله، وهذا ما جعله الله بَندا من بنود الكلمة السواء التي تساوي بين الكلّ وتجعلهم على عقيدة واحدة صافية نقيّة ...
"آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"
هذا قولهم الذي قالوا ... هذا ما حسبوه مستترا عن عالِم السرّ والعلانية، هذا ما ظنوا أنهم يُخفونه ويتسارّون به ولا يعلمه غيرُهم، بينما يكشفه الله تعالى في كتابه، ويصبحون بعد ليل مكرهم ذاك وهم يسمعون المؤمنين يتداولونه فيما بينهم، يتْلُونه قرآنا نازلا حديثاً من ربّ السماوات والأرض ...عالم الغيب والشهادة  ...
هم أولاء يأمرون : اذهبوا، وتسللوا بين المؤمنين، وادّعوا إيمانكم بما آمنوا به، ادَّعوا أنكم منهم، وأنكم مصدّقون بما صدّقوا به وجه النهار أي أول اليوم، ثم عودوا آخره وأعلنوا كُفركم بما هُم عليه لعلّ ذلك أن يكون دافعا لهم ليرتابوا ويشكوا، وينظروا في أمركم وأنتم أهل الكتاب المعروفون بينهم من أزمنة بعيدة، الذين اختصّكم الله بالكتب السماوية قبلهم، وتُعرفون بينهم بالعلم... 
سيقولون ما كان لهم أن يؤمنوا أصلا إن كان الحسد دافعهم في إعلان كفركم، بل لقد آمنوا ثم هُم أولاء يكفرون، ولو أنهم وجدوا الحق الذي عرفوه قبلنا من كتب نزلت فيهم لما رجعوا كافرين بما آمنوا به وقتا ...! لا بدّ أنهم قلّبوا في هذا الدين نظرهم الفاحص وأعملوا فيه علمهم الراسخ ... ولذلك قد تركوه ... !!
وهكذا سنحقّق مأربنا ... سنحقّق أمنيتنا بأن نجعلهم في حيرة من أمرهم وشكّ من دينهم...
إنها الحيلة المُحاكة المحبوكة التي لن تجعلنا موضع اتهام عندهم، بل ستجعلنا أصحاب قرار مُتَّخذ عن علم وعن بحث وعن نظر، وأصحاب نوايا حسنة. حتى أننا دخلنا معهم ولم نستكبر، ولم يكن إعراضنا هكذا من غير معرفة بما عندهم ...!
إنهم بهذا سيضطربون، سيشكّون ... وليس أقرب للتراجع عن أمر من الشك فيه... وهذا ما نبتغي... سيرجعون ...
#آل_عمران
87
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:50:16 »
إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً أُوْلَـئِكَ لاَ خَلاَقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ اللّهُ وَلاَ يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلاَ يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(77) -آل عمران-
أولئك :
📌 لا نصيب لهم في الآخرة ولا حظ.
📌 لا يكلمهم الله.
📌 لا ينظر إليهم.
📌 لا يزكّيهم .
📌 لهم عذاب أليم.
أي همّ هو همُّهم وأي غمّ هو غمُّهم ؟!! وأي مصيبة وأي كارثة وأيّ رُزْء هو حالهم !!!
إنهم الذين يشترون بعهد الله وبأيمانهم التي حلفوا بها وأقسموا أنّ ما يتقوّلون به هو من قول الله.. أو بأيمانهم التي حلفوا بها على أن يوفّوا بعهد الله...
فبمَ هم يشترون وماذا هم مشترون ؟
⭐ لنتأمل ... ⭐
لقد اشتروا ثمنا قليلا .. فهل يُشتَرى الثمن ؟!
إننا إذا دققنا وجدنا أنهم قد خرجوا كما يخرج المشتري يحمل ما سيتركه ليأخذ مقابله ما يريد أن يمتلكه... وبالتعبير عن فعلهم بالاشتراء فإن نيتهم نيّة المشتري الذي سيترك ما بين يديه لقاء ما يتمنى أن يمتلكه، فما سيمتلكه لا محالة أكبر في نفسه مما سيتركه وهو هنا عهد الله تعالى وأيمانهم أي حلفهم بالله تعالى على أنّهم الموفّون بعهد الله أو على أنّ ما يتقوّلونه هو من قول الله، ذلك ما خرجوا به يريدون تبديله وتعويضه بما يرونه خيرا منه...! وكذلك كان البائع والمشتري يستبدل كل منهما شيئا بشيء. كلاهما يكون مشتريا ويكون بائعا في آن ...
يصف سبحانه هذا الذي سيشترونه ب:" ثَمَناً قَلِيلاً " اشتروا الثمن، بمعنى أنّ أصل ما فعلوه وحقيقته بيع لا اشتراء، لأنّ قيمة ووزن ما جعلوه قيمة للاشتراء مقابل سلعة -هي عندهم مرغوب فيها بينما المشتَرى به مرغوب عنه- ليس هناك على الحقيقة ما يقابله قيمة ووزنا... أيّ شيء هو أعلى قيمة وأثقل وزنا وأغلى من عهد الله ومن الأيمان بالله ؟!
⭐إذن فإنهم يبيعون وهم يحسبون أنهم يشترون ...!⭐
لقد باعوا عهد الله تعالى وأيمانهم المغلظة على التوفية به بعَرَض من الدنيا قليل، هو الجاهُ الذي لا يريدون له زوالا، والحظوة التي كانوا يتمتعون بها كونهم أهل كتب سماوية وأهل بعث الأنبياء فيهم ... هو تمكينهم لأهوائهم على أنها شرائع الله سبحانه ليعيثوا في الأرض فسادا باسم الدين، وليملؤوها ظلما وتجبرا باسم الدين، وليبقوا على تسلّطهم وتفرْعُنهم لا تقوم لغيرهم قائمة.. ولا يسودهم غيرهم ولا يقودهم غير أهوائهم ...
وإنّ هذا دَيْدنهم ودأبهم  لا يتبدّل عبر الأزمنة، تواصوا به واصطلحوا عليه جيلا بعد جيل... يتشدّقون بأنهم شعب الله المختار، وبأنهم أبناء الله وأحباؤه كذبا منهم وافتراء واستعلاء على عباد الله تعالى الذين لا فرق بين فريق منهم وفريق إلا بالتقوى ...
كما أنّ هذه الآية أيضا تذكّرنا بمُروق يمرقه كثير من المؤمنين بالله وبرسوله عن ربقة الدين مستسهلين متمادين، وأنت تسمع مَن تسمع منهم يغلظ الأيمان ويقسم بالله على كذب غير هيّاب ولا مقدّرا لعظمة اليمين باسم الله تعالى، لا لشيء إلا ليحوز عرضا من الدنيا مهما كبر في نفسه فهو أدنى وأقل وأصغر من أيمان بالله كانت في كذب ... وكثيرا ما يكون ذلك في التجارة ..
ونجد في الصحيح من الحديث عن نزول هذه الآية فيمَن حلف كذبا ... وهذا ما يعلّمنا دوما أنّ تربية القرآن لا تُقيَّد بخصوص السبب بل تعمل عملها بعموم اللفظ، فهي هنا مناسبة تماما لعمل أهل الكتاب، كما أنها أيضا مناسبة لكلّ من هذا فعلُه ...
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال :" ( مَنْ حلَفَ على يمينٍ يستَحِقُّ بهَا مالًا ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . ثمَّ أنزَلَ اللهُ تصديقَ ذلكَ : { إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ - إلى - عَذَابٌ أَلِيمٌ} . ثمَّ إنَّ الأشْعَثَ بنَ قيسٍ خرجَ إلينَا ، فقالَ : ما يُحَدِّثُكُم أبو عبدِ الرحمنِ ؟ فحَدَّثْنَاهُ بما قالَ ، فقالَ : صدَقَ ، لَفِيَّ أنْزِلَتْ ، كانَ بينِي وبينَ رجلٍ خُصُومَةٌ في شيءٍ ، فاخْتَصَمْنَا إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ ، فقالَ : ( شَاهِدَاكَ أو يَمِينُهُ ) . فقلتُ لهُ : إنَّهُ إذنْ يحلفُ ولا يبَالِي ، فقالَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : ( مَن حلَفَ على يمينٍ ، يسْتَحِقُّ بهَا مالًا ، وهوَ فيها فَاجِرٌ ، لَقِيَ اللهَ وهوَ عليهِ غضبانُ ) . فأنزَلَ اللهُ تَصدِيقَ ذلكَ ، ثمَّ اقتَرَأَ هذهِ الآيةَ ." –صحيح البخاري-
#آل_عمران
88
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:49:56 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

منشورنا السابق كان حول اصطفاء آدم ونوح عليهما السلام وآل عمران على العالمين كما جاء في سورة آل عمران... نواصل في هذا المنشور :
والتفضيل من الله تعالى كان لآدم أول ما كان... فيقفز التساؤل حول ماهيّة اصطفائه، كيف يكون آدم مُصطفى بمعنى مختارا من بين غيره وهو أول البشر؟!  وهذا ما دعا عددا من التطوّريين (المؤمنين بنظرية التطور.الموجّه) إلى الاستشهاد بهذه الآية على أنّ هناك سلالة من البشر غير عاقلة كانت قبل آدم عليه السلام.
وردا على زعمهم أقول أنه لا يجب أن نَركَن إلى فهم الاصطفاء على أنه اختيار وتفضيل أحدهم بخاصيّة ما من بين أهل زمانه وحسب، ليس بالضرورة ذلك ...فقد يكون اصطفاء آدم من بين البشر الذين قدّر الله خلقَهم من قبل أن يوجِدهم، والذين كانوا في عالم الذرّ، هذا من ناحية ... كما قد يكون سبب الاصطفاء عند الواحد من المذكورين غير سبب اصطفاء الآخر.
** فنرى أنّ اصطفاء الله لآدم عليه السلام من بين البشر كلهم كان بإسجاد ملائكته له، وبتعليمه أسماء كل شيء، وبإدخاله الجنّة، ولم يُسجد ملائكته لغيره من خَلقه، ولم يعلّم الأسماء كلها غيرَه... فهذا وجه اصطفائه سبحانه له.
**أما سيدنا نوح عليه السلام فوِفقا للتفسير الذي يرى أنّ الطوفان عمّ الأرضَ كلها، فأهلك كل مَن عليها عدا مَن نجا في السفينة فقد اصطفاه سبحانه بأن جعله أبا البشر الثاني، ولن يكون كذلك بالتفسير الذي يرى أنّ الطوفان إنما خصّ أرض قوم نوح دون بقع الأرض الأخرى، وقد فضّله  سبحانه واصطفاه أيضا بأن جعله أول الرسل من بعد أن أشرك الناس وألّهوا غير الله ما بين زمان آدم إلى زمانه عليهما السلام، ومن ذلك ما جاء في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، فيما وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم من حال المؤمنين يوم القيامة وهم يأتون الأنبياء يستشفعونهم أن يريحهم الله من طول الانتظار، فيحيلهم آدم عليه السلام إلى نوح  بقوله : "لستُ هُنَاكُمْ ، ويذكرُ لهم خطيئتَه التي أصاب ، ولكن ائتُوا نوحًا ، فإنَّهُ أولُ رسولٍ بعثَه اللهُ إلى أهلِ الأرضِ".
**ولقد فضّل الله سيدنا إبراهيم عليه السلام بأن أخرج من صلبه الأنبياء من زمانه إلى الأزمنة التالية نبيّا عن نبي، فكان منه إسحاق وإسماعيل عليهما السلام، ومن إسحاق كان يعقوب ومن يعقوب كان بنو إسرائيل الذين توالتْ فيهم الأنبياء، داود وسليمان، وموسى وزكريا وعيسى وغيرهم، ومن إسماعيل كان حبيب الله وصفيّه خاتم الأنبياء وإمام المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم : "أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ  فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا" –النساء:54-
**كما فضّل الله آل عِمران بأن جعل فيهم معجزة خلق عيسى عليه السلام من غير أب، ولقد اصطفى قبله مريم ابنة عمران لتكون أمّه : " وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ"-آل عمران:42-  وإذا دققنا فإن اصطفاء مريم على نساء العالمين هو من اصطفاء آل عمران على العالمين.
ولا يفوتُني هنا أن أشير إلى أنّ " ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ " تعني بالإضافة إلى ما سلف أعلاه، بعضيّة أمر الله فيهم، مستحضرة مثلا وهْب الله إبراهيم الذريّة على كبر منه ومن زوجه، كالذي كان في زكريا وزوجه :" قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا  إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ"-هود:72- ، وخلقه سبحانه لعيسى بغير أب كأمره في آدم وقد خلقه من غير أب ولا أم : " إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ "-آل عمران:59-
عن "بعضهم من بعض" جعلتها تصميما على الصورة المرفقة.
89
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:49:17 »
إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ(33) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" -آل عمران-
خصّ الله تعالى بالذكر كلا من آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران. هم الذين أعلن سبحانه اصطفاءهم على العالمين، على كل مَن كان في زمانهم. والاصطفاء معناه الاختيار والتفضيل. وإذا تأملنا عرفنا أنّهم صفوة الله من عباده الذين خلق أجمعين، من الأولين والآخرين، ذلك أن أنبياء الله تعالى هم خيرة خلقه والأعلَون بينهم، وهؤلاء المُسَمَّون منهم خاصة هم أصل كل الأنبياء على الأرض .
⭐ فآدم عليه السلام ---->  أبو البشر ومنه كل البشر، فمنه كل الأنبياء.
⭐ نوح عليه السلام ----> أول رسول للناس، جاء بعد أن وقع الشرك فعبد الناس آلهة من دون الله.
⭐ آل إبراهيم----> إبراهيم عليه السلام وذريّته، وهو أبو الأنبياء. وآخر نبوة في ذريته هي آخر نبوة ورسالة على الأرض، تلك التي اختُصّ بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
⭐ آل عِمران----> هو عِمران أبو مريم أم عيسى عليه السلام.
وبهذا يكون تخصيص هذه الأسماء الشريفة بالذكر إنما هو إجمال لذكر كل الأنبياء عليهم السلام في هؤلاء، هي تلك السلسلة اللؤلئية التي تنتظم فيها حبّات خيار خلق الله تعالى، هُداة البشر لرب البشر. وإنّ في هذا التسلسل بيانا لما يلي :
📌 الله واحد ودينه واحد، وبَعْثُ أنبيائه كلهم كان بدعوة واحدة، لدفع كل التباس وتلبيس على هذه الحقائق، وهو ما جاءت هذه السورة تحديدا لدفعه ودحضه وبيان باطله، كما عرفنا من أوّلها إحقاق الحق ليكون المؤمنون على بيّنة منه، وإبطال أباطيل أصحاب الشبهات والاستمساك بالمتشابهات.
📌 رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من هذه السلسلة التي لا تنفكّ، ولا يتبدّل جوهرُها ولا تختلف غايتُها.
📌 تأتي الآية 34 لتبيّن بما لا يدع مجالا للشك أنّ هؤلاء ذرية بعضها من بعض :" ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(34)" وأنا أرى أنّ "بعضها من بعض" هنا لا تعني البعضيّة النَّسَبيّة وحدها، بأن يكون أحدهم من صلب الذي قبله، بل هي أيضا البعضيّة العقديّة، إذ تجمعهم رَحِم العقيدة الواحدة والدعوة الواحدة. يقول تعالى : "فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ  بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ..." -آل عمران: من الآية195-
والعرب تقول : هو منّي وأنا منه ، وفي عكسه يقولون كما قال النابغة :" فإنّي لستُ مِنْكَ ولستَ مِنِّي "
وهذا الاصطفاء والتفضيل من الله تعالى كان لآدم أول ما كان... فيقفز التساؤل حول ماهيّة اصطفائه، كيف يكون آدم مُصطفى بمعنى مختارا من بين غيره وهو أول البشر؟!  وهذا ما دعا عددا من التطوّريين (المؤمنين بنظرية التطور.الموجّه) إلى الاستشهاد بهذه الآية على أنّ هناك سلالة من البشر غير عاقلة كانت قبل آدم عليه السلام.
وردا على زعمهم أقول أنه لا يجب أن نَركَن إلى فهم الاصطفاء على أنه اختيار وتفضيل أحدهم بخاصيّة ما من بين أهل زمانه وحسب، ليس بالضرورة ذلك ...فقد يكون اصطفاء آدم من بين البشر الذين قدّر الله خلقَهم من قبل أن يوجِدهم، والذين كانوا في عالم الذرّ، هذا من ناحية ... كما قد يكون سبب الاصطفاء عند الواحد من المذكورين غير سبب اصطفاء الآخر.
-يتبع بعد قراءتكم هذا بإذن الله..
#اصطفاء_آدم
90
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:48:52 »
ماذا تُراها هي فاعلة مريم؟ بمَ تُراها ستردّ ؟ كيف ستكون حالها وقد وَعَتْ ..؟!
"قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ(47) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ(48)"
لقد خاطبتْها الملائكة بأمر ربها إليها، ولكننا نسمعها وهي تنادي ربّها دون واسطة... إنها تعلم أنه سبحانه صاحب الأمر فيمَن أرسل إليها يخاطبها، وأنه سبحانه القريب السميع العليم، فلا نجدها تباشر حوارا مع الملائكة وسطاء أن يبلّغوا الله كلامها، بل تنادي ربّها بلا واسطة ...
"رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر"
كيف يكون لي الولد ولم يمسسني بشر يا رب؟!
إنها تستغرب، وتستنكر، وتُفجَع وهي تسمع ما لم تسمع أنه حدث لامرأة، بل هو الذي لم يحدث لامرأة من قبلها قطّ ! إنه التفاعل البشريّ، وفيه الرَّوع من هَول الخطب وجَلَله، ولكنه التفاعل المُشبَع بالإيمان الثابت الذي لا يتزعزع رغم الصُّروف ... !
كيف ذلك ؟؟ ممَّ نستشفّه ؟ ... أليست جازعة وهي تسأل هذا السؤال ؟ أليست مفجوعة؟؟
بلى هي المفجوعة ولكنها ليست الجازعة... ولنتأمّل...
إنّها لم تصرخ، لم تولول، لم تندب حظّا، ولم تشقّ جيبا ... حاشاها أن تفعل ... حاشا مريم القانتة الساجدة الراكعة التي اصطفاها ربها بالتّقى والهُدى أن تفعل هذا ... وهو الذي إن فعلته غيرُها من النساء وهي تسمع هذا الهول لم تُثْرَب!
ولكن لأنها مريم التقيّة، مريم النقيّة، مريم التي لا يزعزع إيمانَها، ولا يُنقص من جمّ أدبها ورقيّ أخلاقها جَلل... لم تفعل هذا ...  بل نسمعها تسأل، تسأل مستعجبة، مستنكرة، مفجوعة ... ولكن بإيمان، برقيّ، بالذي يليق كل اللياق بمريم التي عرفنا ...
نعم بشريّ تفاعلها، عظيم هو وقع النبأ عليها، عظيم ما ينتظرها، يشقّ على الرجل الجَلد ما ستلاقيه، وتعلم أنها مُلاقيتُه ... ولكنّ رقيّ الخُلُق سابق فيها وسائق ... تعظيمها لربها راسخ في جَنانها، متمكّن من كيانها ...
ثمّ إننا لو تتبعنا تفاصيل قصة إلقاء البشرى إليها في سورة "مريم" لوجدناها تقول حين تمثّل لها الملك بشرا سويا : " ... إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا " –مريم:من18- فهي ذي تذكر أول ما تذكر أن تفرّ إلى الله وتستجير بحصنه المنيع وحرزه المكين من كل ما يثير خوفها أو هلعها، وتراه خارج نطاق الأسباب الدنيوية، مما ينمّ عن سلوك تقيّة قويّة ثابتة الجَنان، مستمسكة بعروة الله الوُثقى...
إنها تذكر الأسباب العادية التي تسبب الولد، وتستغرب أن يكون منها مع انعدام الأسباب، ليس عن عدم تقدير منها لطلاقة قدرة الله ووُسع مشيئته، بل عن حكمة أوتِيَتْها تعلم بها أنّ الإيمان بالأسباب وعملها جزء لا يتجزأ من الإيمان بخالق الأسباب ... "رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر" ...
أفالأنبياء أهل المعجزات أم نحن ؟؟ أفهم أكثر الناس معرفة بالله وبتقديره حق قدره أم نحن؟؟
قد يبدو سؤالا عجيبا غريبا ... !! ولكنّ المشاهَد منّا وما نتلمّسه من فكر يَشي بهذا وبما يقاربه ...الأنبياء نعم هم أهل المعجزات، وهم أكثر الناس معرفة بالله، وبتقديره حق قدره، وهم أكثر الناس معرفة بقدرته على كل شيء ....
ولكنهم هم مَن علمنا الأخذ بالأسباب ... وأنّ الصبر لا يساوي القعود، وأنّ الثقة بالله وبقدرته لا تساوي انتظار المعجزة منه تحدث، وأنّ اليقين من أنه على كل شيء قدير لا تساوي أن أقعد مترقبا قدرته على فعل أي شيء دون أدنى حركة مني، أو أخذ بالأسباب ...
لما دعا زكريا ربه أن يهبه ذرية، فاستجاب له، لم يصمت زكريا صمت من يُخيّل إلينا أن ثقته بقدرة الله على كل شيء، ستجعله بهيئة الهادئ الذي لن يزيد عن أن يقول : "الله على كل شيء قدير" ... بل إنه الذي سأل : "أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر وامرأتي عاقر ؟"
وما هذا إلا سؤال من يعلمنا أن اليقين من قدرة الله على كل شيء لا ينفي التعجب من خرق الأسباب...كذلك لما أن جاءت مريمَ البشرى بعيسى، لم يكن يقين مريم بقدرة الله على كل شيء حائلا دون أن تسأل وتتعجب، وتخاف، وترهب.... لم يكن ردّ فعلها كما قد يُخيّل لمن يعرف أنها أهل اليقين والإيمان العظيم، هدوءا وردّا لا يزيد عن أن يكون : "إن الله على كل شيء قدير" ... بل قد سألت : " رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَر " .... ذكرت الأسباب... وتعجّبت من خرقها لعلمها بدورها ...
وهكذا هم الأنبياء أهل المعجزات، وأقرب من تُجاب لهم دعوة .... يقرّون بالأسباب ويعلموننا دوام الأخذ بها ... بل إن الأخذ بها عقيدة، ذلك أنها من الله، وأنّ الله ما جعلها إلا ليأخذ بها الناس لتحقق أمره سبحانه وحكمه ... أما من أغرق في إغفال الأخذ بالأسباب وركن للمعجزة يريدها ويقرنها بيقينه من قدرة الله على كل شيء .... فما أسرع ما يصدّق بالخارقة المختَلَقة .... وما أقرب الخرافة من تصديقه، وما أحبّ ما تتحقق له مُراداته وأمانيه بالقعود مغلّفا بالدعاء ... !!
وما ذاك إلا من فهم زُجّ به ليُنسب للإسلام وللقرآن ... والقرآن منه براء... براء...
صفحات: 1 ... 7 8 [9] 10