المشاركات الحديثة

صفحات: 1 ... 8 9 [10]
91
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:48:29 »
إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
2-أ) إنها امرأة حُبلى، طائعة، خاشعة لربها، ومن حبها له سبحانه ها نحن نسمعها وهي تنذر ما في بطنها لله محرّرا، والنذر التزام التقرب إلى الله بأمر من جنس العبادات التي شرعها  لعباده بزيادة فوق ما افتُرض عليهم، من مثل نذر بصلاة فوق صلاة الفرض أو بصيام فوق صيام الفرض.. فهي ذي تنذر ولدها المُقبل محرّرا لله تعالى. وكما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير عن المحرر : " أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم يبق فيه شيء من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان ."
وإني أتأمّل : "محرّرا لله" لأجد لها وقعا خاصا، وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعوث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدّان، ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صُنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر، وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق.
كما أرى في قولها: " إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ما يبيّن مدى تقديرها لربها الذي تعلم أنه الذي يسمعها، وليس يسمعها وحسب، بل يعلم حقيقة ما تُبطن زيادة على ما تُظهر وتُعلن بلسانها.
2-ب) ثم نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية هي الفارقة بين زمان وزمان أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى ".. هكذا نستشعر نبرة التحسّر على وضعها أنثى، ليس لأنها أنثى بميزان الجاهليين الذين كانوا يرون تميّز الذكر عنها في كل شيء، بل لأنّ الأنثى لا تصلح لنذرها الذي نذرت، لا تصلح لأن تكون خادمة لبيت الله تعالى لا تبرحه، وهي التي تحيض وتعجز عن التكاليف الكثيرة والثقيلة ..."والله أعلم بما وضعتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، علمها عن عين اليقين بعد أن رأتْها، ولكنّ الله علمه بها من قبل أن تكون، وليس الذكر كالأنثى ... ليس الذكر الذي تمنّت كالأنثى التي رُزِقَتْها، نستشف أنّ الأنثى هنا هي الفاضل، والذكر هو المفضول، هذه الأنثى وما سيجعل الله منها من خير، ما ستُفضَّل به من أمر الله تعالى، وما ستُخصّ به من دون نساء العالمين هي خير بكثير من الذكر الذي تمنّته امرأة عمران... "وليس الذكر كالأنثى" ... وأيّ أنثى هي ؟!!
وتكمل مناجاتها : " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فأما هذا الجزء الثاني من مناجاتها، فهو الرضى منها بما أعطى الله تعالى. سمّتها "مريم" وهو عندهم بمعنى "العابدة"، وزادت فأعاذتها بالله تعالى وذريتها من الشيطان الرجيم... أي أنها استجارت بالله وألجأتها بحصنه المكين من شرور الشيطان الرجيم .
وفي إعاذتها لها وذريتها بالله من الشيطان إشارة إلى عبادة وطاعة تختصّ بهما امرأة عمران أم مريم، فنراها المرأة التي لا تكتفي بإلجاء مولودتها إلى حصن الله تعالى وحِرزه، بل هي تطمع في أن ينجّي الله تعالى ذريتها من الشيطان، فتكون ذرية صالحة، وربما هذا مطمع من مطامع امرأة عمران العابدة، الطائعة لربها، يجعلها لا تيأس من أن يكون في عقِبها خادم لله تعالى محرّر له، كما تمنّت ، فإن لم يكن في مريم ففي ذريتها من بعدها ... وذلك حقا ما كان ... وإن كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه  : "وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ...." إلى آخر الحديث.  فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شِئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. " –صحيح البخاري-
92
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:47:50 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سأحكي لكم اليوم حكاية ... 🙂
وإنه لم يعد يزعجني ولا يُحزنني ألا أجد قارئا صبورا يصبر على طول الحكاية ...
كما أنه لم يعد يزعجني  أن يتمتم أحدهم وهو يقرأ أنكِ يا مَن تتعبين وتكتبين وتطوّلين تهرفين بما لا تعرفين، أو أنكِ تتكلمين فيما عفا عليه الزمن ...!
أو أنكِ تُكرّرين ما كرهنا سماعه ...
لم يعد يزعجني حتى أن يُعرض من يقرأ عن إتمام الحكاية إلى آخرها، يغلبه جَزَعُه، ولا يُسعفه شيء من صبر .... أجل لم يعد يعنيني... 🙂
ولكنني قررت أن أكتب .... وإنني وأنا أكتب أفرِغ ما عندي لعلّ شيئا منه يصيب فينفع ... أو لعلّ أذنا بين الآذان تُصغي ...
وإنني حاكية لكم حِكاية .... فمرحبا بمَن يحبّ الحكايات ... ولكلٍّ منا ما يُفضّل من حكايات ... !
جدال واقتتال... وجهاد وتِلاد، وسخرية واستهزاء، وتعالٍ، وافتعال صمم كلما جاء أحدهم على ذكر "نظرية التطور" "نظرية داروين " تلك التي تتعالى أصوات الغرب والعَرَب بأنها قد أصبحت الحقيقة التي لا جدال حولها ولا نقاش فيها .. وأنّ من يفعل ذلك إنما يضيّع أوقات العلميّين المتوثّقين المتخصّصين العارفين بتفاصيل الموضوع، وبآخر ما اكتُشِف داعما للنظرية ومؤيدا لصحتها، وبآخر ما ينطق به علم الوراثة ... وبصيحات علماء الغرب وتناديهم بأنها الحقيقة التي لا مِراء فيها ... قُضي الأمر الذي فيه تستفتون...
حتى وإن نطق بمعارضتها أهل العلم والتخصّص أنفُسُهُم، علماء الغرب المعارضون لها مُهمّشون، مُتّهَمون بأنهم يعارضون من وحي عواطفهم الدينيّة، يتشدّقون بالمنطق وبنِشدان الحق بعيدا عن الدين وعن العِرق، حتى إذا جاء الأمر على النظرية التطورية حكموا من العناوين، ولم يكلّفوا أنفسَهم مجرّد الاستماع، وقبول الحق وإن كان من مؤمن !!
شأنهم في ذلك شأن الجاهليّين الأوائل حين كانوا يحشون آذانَهم كُرسُفا حتى لا يسمعوا القرآن ... وهُم بذلك الهاربون من الحق بالكُرسُف... كذلك أنصار النظرية الهاربون من الحق بدعوى أنه آت من "الخلقويّين" على حد تعبيرهم...
هذا مع ابن جِلدتهم إن هو عارض واعترض وإن كان من قلب العلم ولُبّ الاختصاص، فكيف لا يُتّهم مسلم بذلك وإن كان يقارع الحجة بالحجّة... العلم بالعلم... الدقيق منه بالدقيق والتدقيق والتفنيد العلمي الرصين ؟!!
هكذا أصبح أنصار هذه النظرية لا من الغربيّين وحدَهم بل من المسلمين كذلك ...
فهم يُشهِرون أسلحة متعددة الأبعاد...
**أولاها  ذات البُعد العلميّ وهم يتحججون به حتى مع العلميّين الذين يطلبون المناظرة العلمية (ومن مثله ما تعلنه صفحة الباحثون المسلمون للمرة الثالثة بعدما لم تجد من أنصار النظرية استجابة لطلبها مناظرتهم )
**وأما الثاني فهو تنادي علماء الغرب بصحتها، متغاضين عن كل صوت معارض في الغرب نفسه، من علماء لا من دهماء ...
**وأما البعد الثالث الذي يُطمئِن به المتخصصون من المسلمين أنفُسَهم فهو "التطور الموجّه"  أي النظرية بنسختها الإسلامية .
ورغم أن أحد أهم ركائز النظرية الطفرات العشوائية، أي اللا خَلق، إلا أنهم بطريقة ما يؤمنون بالطفرات من جهة، ويقضون بفعل إله فيها ..! فيعدّلون النظرية ويؤسْلمونها، ولا عجب فنحن أهل الأسلمة لتسلمَ لنا أنفسُنا وتطمئن ...!
ورغم أنّ الطفرات العشوائية عقلا ومنطقا لا يمكن أن تُحدِث تحسينا، بل عُرِفت على مستوى المخابر والعلوم بإحداثها للتشوّهات وعملها بالإفساد لا بالإصلاح ناهيك عن التحسين والتطوير ... !!
ورغم ما ينشره علماء الغرب أنفسهم في المجلات المعتمَدة علميا وعالميا من تخطيئ لكثير مما جاءت به النظرية وجعلته أعمِدتها وأدلّتها، من مثل السجلات الأحفورية،  وما تبيّن من كذب علماء في نِسبتها للسلف الحيواني غصبا، أو باعتمادها في الكتب العلمية بشكل مُحوَّر كفعل الفوتوشوب في الصور لا على حقيقتها ...
ورغم توارد الاكتشافات الداحضة لما يتنادون به دليلا على صحتها، من مثل صيحة التحام كروموسومَيْن اثنَيْن من السلف الحيواني، والذي أنتج الإنسان ...تعليلا منهم لزيادة عدد  كروموسومات الشمبانزي على عدد كروموسومات الإنسان (24زوج مقابل 23). ويأتي الاكتشاف العلمي القوي الداحض لهذا الدليل المزعوم مثلا عن طريق الأطباء الثلاثة المتقاسمين بسببه جائزة نوبل عام 2009.
وليس هذا إلا مثالا على توارد التخطيئات والتفنيدات والدحض العلمي لما يسارعون مسعورين للتشبث به دليلا على صحة النظرية ...
رغم كل ذلك ... النظرية عندهم اليوم حقيقة ... وإن قالوا فيها ما قالوا ... !!
وهكذا هم في لهث محموم وسُعار مفضوح للحفاظ على النظرية عنزةً ولو طارت ... !
يختلقون لها المُسمّيات المتعرّجة الملتوية لتوائم ما يقابلها من اعتراضات وتخطيئات، تسميات وتعديلات يُحدثونها لتستوعب حقيقة سقوط دعاماتهم على كل شكل، فتارة هو التطور الكمي"Quantum evolution" ليتواءم مع ما أثبت تهافُت دَعامة البُطء والتدرّج في التحول من مرحلة إلى مرحلة (الكائنات الوسيطة لا حصرية العدد)بعد ما بينت عديد الأحفورات ظهورا مفاجئا بدل الظهور التدريجي الانتقالي..
وتارة هو التطور المتقطع  "Punctuated equilibrium"
وتارة أخرى هو التطور المتوازي، وهو وهو ..... وللتطوّر اليوم يا متابع الحكاية نُسَخ وأنواع وأشكال، كلها قوالب صُنِعَت لتحافظ عليه "حقيقة"  وإن ضحكوا على عقلك بدل المرة مرات ... وإن انقلب ضحكهم قهقهَااااات .....
لا تقلقوا ... أعلم أنني سأُتَّهم الساعةَ بحشر أنفي فيما لا أعرف، فيما ليس من اختصاصي، وأنني ألقي بالعموميات، وأقتبس من الخلقويّين ... ووو....
كل هذه النعوت التي لا بدّ من إيجادها -ليس لمَن مثلي على الأقل وهم ليسوا أهل اختصاص- بل لأهل الاختصاص أنفسهم إن هم تجرؤوا وكانوا من المعارضين بالعلم وبالدليل العلمي ... وقد نال الدكتور إياد القنيبي وهو دكتور في علم الأدوية وصاحب براءتَي اختراع ما ناله بعد سلسلته المميّزة التي وجدتْ ... أقول وجدتْ آذانا صاغية رغم الأفواه المنتقدة لا لما ألقى من علم، بل فقط بنَعتِه أنه المدفوع بالدين .... وكأنه يقارع النظرية ومعطياتها  بأصول الفِقه وبعلم الحديث .... !
نعم ... لست من أهل الاختصاص، ولكنني سعيتُ سعيي لمتابعة تفاصيل عن النظرية، ولم أسمع للمعارضين وحدهم، بل استمعت حتى لأنصارها، ولم أقرأ للمعارضين وحدهم، بل قرأت لأنصارها... وحاولت قدر الاستطاعة فهمها، ولم أملّ من التفاصيل العلمية الدقيقة وأنا أتابعها، بل استفدت منها، واستحضرتُ غُرَفَ عقلي لاستيعابها وفهمها ... ولله الحمد تكونتْ لديّ صورة في إطار ممنهَج لفهم القضية ...
على كل حال... ربما يبدو ما كتبت أعلاه تكريرا، وإعادة ... ولكنني لم أكتب لأعيّن نفسي أهلا للمناظرة أو للدحض ... بل كتبتُ من بعد ما تابعتُ فيما تابعت فيلما وثائقيا باللغة الفرنسية، يَعرض للتحليل العقلي لمعطيات النظرية، فإذا به من عيّنة "شهد شاهد من أهلها "وهو يمشي الهُوَينى مع العقل ليبيّن تهافُت أركان النظرية ... ولا يكتفي بتاريخها، بل يتقدم إلى ما استجد مع التطوريين اليوم، والكشوفات العلمية والصيحات والإشهارات والتكريسات والتوجيه الممنهَج لتكريس النظرية ولتمكينها من اعتلاء عرش العلم ببصمة وتوثيق وخاتم "العلمية" و"الحقيقة العلمية" التي لا مجال لمقارعتها .... !
وإني ها هنا لأستبق تفاعل المناصرين لها وهم يسمعون مني هذا، فأقول لهم ما سيقولون في كلامي، بأنني أصارع طواحين الهواء، وأضيّع الوقت هباء، وما كان كان والعلم قال كلمتَه ... وأنتِ يا أيتها الحاكية الراوية وأمثالكِ تقارعون بتقوّلكم أنّ العلم مُوجَّه فكرّس باطلا وخرافة !
غُضَّ الطرف عن هذا ... واستمع معي لباقي الحكاية .... 🙂
من ذلك الفيلم الوثائقي، أقتطع هذا الكلام حرفيّا :
******************
"في فرنسا اليوم  يعدّون نظرية التطور حقيقة علمية مُثبتة، لأن نظرية التطور هي النظرية الوحيدة في العلوم لتفسير أصل الحياة (dominante et officielle)  وبالتالي فجميع الكتب المدرسية وإصدارات الكتب العلمية، وبرامج العلوم التلفزيونية تُدار بواسطة أنصار نظرية التطور، لذلك الكثير من الناس يعتقدون أن هذه النظرية هي حقيقة علمية مُثبَتة، ومُنكِرُها جاهل أو متعصّب دينيا. إن جزءا كبيرا من الفرنسيين لا يعرفون أن نظرية التطور حتى اليوم هي النظرية الرسمية ليس لأن هنالك أدلة علمية كثيرة تُثبتها أو لوجود أدلة منطقية متماسكة، بل على العكس تماما، هذه النظرية مُعتَرَف بها عالميا وداخل المجتمع العلمي لا لشيء إلا لأنها البديل الوحيد لتفسير نشأة الحياة(seule alternative)  لأنهم لا يقبلون فكرة الخلق بواسطة قوة خارقة (création surnaturelle).
في الواقع العلم اليوم لشرح نشأة الكون يقبل الافتراضات الطبيعية فقط والتي يمكن اختبارها وملاحظتها في المُختبر. في كتاب نشرتْه الأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم نقرأ :
-أضع النص الحرفي الفرنسي، وأعقبه بالترجمة :-
Parce que la science est limitée à expliquer le monde naturel au moyen de processus naturels, elle ne peut pas invoquer des causes surnaturelles dans ses explications.
لأن العلم محدود في شرح طبيعة العالم من خلال عمليات طبيعية، فإنه لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة في التفسير.
فالعلماء عند تفسير المعطيات، لا يمكنهم بأي حال من الأحوال تفسير نشأة الكون بأنها أسباب خارقة أو غير طبيعية، وبذلك تكون نظرية التطور هي التفسير الطبيعي الوحيد الممكن لنشأة الحياة، وبالضرورة أن تُفسَر جميع البيانات العلمية اعتمادا على سيناريو التطور.
**************** 
انتهى نقلي عن الفيلم الفرنسي الذي عنوانه : "Raisonne(Des signes pour des gens qui raisonnent)"   حوالي 30 دقيقة.
** عندما استمعتُ لهذا، تأملتُ ... فإذا المناصرون للنظرية من أهل الإسلام، كثير منهم، لا يكلّف نفسَه مجرد وضع هذا الذي يجعل المختبرات العلمية العالمية، ووسائل النشر والإشهار العالمية تعتمد النظرية حقيقة لا تقبل النقاش، لا يضعونه مجرد موضع الاحتمال... بل تراهم مُبَرمَجين برمجة مستفحلة الصعوبة على عدم تقبل أي رأي فيها، وإن كان علميا حتى النُّخاع ...وليس هذا دَيْدَن من يبحث عن الحقيقة أينما كانت، وكيفما كانت الضريبة لأجل الفوز بها ... !
ربما سيَرون حصون علمهم وسَعْيِهم ودرجاتهم العلمية آيلة للانهيار، فهم يحافظون عليها كما يحافظ أهل النظرية عليها من كل ما قد ينالها من العلم ذاتِه ... !
** تأملتُ ... وأكبر تأمّلي كان مع القرآن ....
فانا –كما أسلفتُ- وإن سعيت سعيي للفهم العلمي لا الاعتباطي السطحي، ولا الانحيازيّ ... إلا أنني لن أدّعي المناظرة العلمية... وإن كنتُ لا أستطيع إغفال صوت عقلي وهو يعي الدليل العقليّ ويستوعبه، ويرى بكل وضوح كيف يقلبون الخُرافة حقيقة.. كيف لا والانتخاب الطبيعي عندهم أعمى ... وإذا بالأعمى يُنتج بصيرا !!
والطفرات عندهم عشوائية، والعشوائية عندهم تصنع النظام المُحكَم والتطور المعقّد  ... !! والعنزة أيها المعارضون عنزة وإن طارت ...
يا أُخَيّْ إنها تطير ....!!  انظُر إنها تطير... !
نعم نعم عنزة إلا أنها العنزة الطائرة ...
آآآآه طبعا ... ما إِحْنَا في نظرية التطور، وكل شيء فيها قابل للتطور ...حتى عجلة التطور ذاتُها تنقلب جناحا هكذا بفعل العشوائية والعمى .... هكذا كفعل السحر ...!! فلا تتعجب ...
** أعود لتأملي .... وإنني وأنا أكتب أعلم أنّ من سيقرأ ويصبر على القراءة قليل، قليل جدا ... إلا أنني ألِفْتُ ذلك وتعودته، وإن قرأ واحد أو اثنان، فلا بأس ... وإنني أبيت إلا أن أكتب ولا أترك ما اعتلج بصدري حبيس صدري ...
** تأملتُ فإذا الطبيعيون، الرافضون للاعتراف بإله خالق مبدع واحد يعبدون نظرية تقضي بعدم وجود إله، وتقضي بأن الصُّدفة والعشوائية هي الفاعل، وتقضي بأن الخلية طوّرت نفسها بنفسها، وتقضي بأن البكتيريا ذكية والفيروس ذكيّ، والمادة ذكيّة ... ! وكله عندهم قابل لأن يكون الفاعل الأول إلا أن يُؤتى على ذكر الخالق المبدع، فعندها تقع الواقعة وتَصعق الصاعقة ... !
وإنّ مما يُضحك شرُّ البلية ... !
ارجعوا إلى ما نقلتُ من أفواه الغَرب أنفسهم ... من شهادات علمائهم المغمورين، أو لنقل الذين يُغمَرون عمدا لأنهم يتحدثون عن خالق ... عن قوة عظمى خلقت، وأبدعتْ وأحكمتْ  ....
تأملوا لتجدوهم يُلغون الخالق والخَلْق من كل حساب، بل وينظّرون للخُرافة باسم العلم، وتتوشّى أكاذيبهم ومساعيهم المسعورة لترسيخ اللاخلق باسم العلم ...
تأملوا وروح الانتقام من اضطهاد الكنيسة عملت فيهم عملها، بل وأغرقت وأغرقت في أنفسهم كفرا وإلحادا، وتأليهاً للمادة، وللخُرافة، وللكذب، وللدجل وللّعب بالعقول والاستخفاف بها باسم ماذا ؟؟ باسم العلم ....  !
وهم إذ لا يعترفون بالخالق في مختبراتهم ... يقدّسون كل شيء إلا أن يقدّسوا خالق كل شيء ... !!
عندها .... عندها تمثّل لي قوله تعالى : "اقرأ ".... فلم تكن "اقرأ" مجرّدة ... لم تكن اقرأ وانتهى ....
بل كانت : "اقرأ باسم ربك"....  باسم ربك يجب أن تقرأ ...أما إذا قرأت هذا الكون، وهذا الإبداع، وهذا النظام المتكامل المتناسق المتّسق هكذا دون اسم ربك ... فستقرأه مقلوبا ... منكوسا، معكوسا ... ستقرأه وأنت تؤمن بالعشوائية، وبأن البيئة والطبيعة تنتقي وتنتخب وتختار ... أما أن يفعل ربك، فلا ... وأما أن يريد ربك فلا وأما أن يقدّر ربك فلا وألف ألف لا .... نعم ستُبهِر الكلّ بما تكتشف من جديد، ولكنك لن تقول يوما أنه من إبداع الخالق ومن إرادة الخالق ... ستنسبه لكل شيء إلا لمبدِعه وخالقه الذي أذِن فعلمتَ ولو لم يأذن لما علمتَ ... 
عندما تقرأ بغير اسم ربك... سيكون كل شيء إلا أن يكون ربّ كل شيء ... إلا أن يكون خالق كل شيء ...
وإنها لم تكن : "اقرأ باسم ربك " وانتهى.... بل كانت : "اقرأ باسم ربك الذي خلق "
أول صفة لهذا الرب ... هذا الرب الذي أنعم أول ما أنعم فخلق ...
"خلق" هكذا مُطلقة ... لأنه خلق كل شيء ... كل شيء....
أيها الإنسان اقرأ باسم الذي خلق.... فإن قراءتك مجرّدة عن الذي خلق، بعيدا عن إيمانك بخالق وخَلْق هي ولا شيء، هي والخُرافة سواء.... هي والعشوائية والخبط والخلط سواء ...
وماذا هُم مُنكِرون أصلا ؟؟ ولأي شيء هم يؤصّلون ويكرّسون أصلا ؟؟
إلى أنه لا خَلق ولا خالق.... تأملوا جيدا آخر ما نقلتُ أعلاه : " لأن العلم محدود في شرح طبيعة العالم من خلال عمليات طبيعية، فإنه لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة في التفسير" ..
"لا يمكنه الاعتماد على قوى خارقة" ......  "محدود"
فما دُمتم تعترفون بمحدوديته، وبمحدودية الإنسان... فلتعترفوا بأن هناك قدرةً صفتها الطلاقة، وعلماً صفتُه الشمولية والكمال ليس لأحد من بني الإنسان ... بل هو لقوة عُليا أوجدتْ هذا المحدود ... بل وجعلت له حدودا ....
وما تزال تتمثل لي أولى آيات كتاب الحق نزولا .... سبحان الله !! وليس عبثا ولا صدفة ولا عشوائية-على حد تعبيرهم- نزولها الأولى ... حاشاه سبحانه وكل شيء عنده بقدر ...
" خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ* اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ* الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ* عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ"
هو سبحانه الخالق الأكرم الذي علّم ... هو خالق العقل، ومُكرِم الإنسان بالعقل، ولولا كرمه لما كان الإنسان المتجبّر اليوم، المُنكِر لربه اليوم شيئا يُذكر ...
وإنه لولا كرم ربّه لبقي كما كان : "هَلْ أَتَى عَلَى الِإنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئا مَذْكُورا"
ولكنه خلقه ... وعلّمه ... علّمه ما لم يكن يعلم ...
فلما تنعّم وتعلّم .... كفر بالخالق المُنعِم الذي علّمه ...
وما تزال السورة تتْرى آياتُها قُبالتي وأنا مع هذه المتابعات ... مع هذه الكلمات والاعترافات برفض العالَم أن يُقحَم الخالق الذي علّم في العلم ... !!
" كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ"
لقد أقرّ الخالق سبحانه أن الإنسان يطغى ... وها هو ذا يا ربّنا يطغى ... وهو يرى نفسه مستغنيا عنك ...!
فلا تقبل مختبراته تفسير الطبيعة والكون أي "الخلق" بالقوة الخارقة ... بحقيقة الخلق...!
ولا يجدون بديلا عن النظرية ... ويسمّونها "حقيقة" ... وهم لا يجدون في حقيقة الخلق بديلا عن النظرية وعن التُّراهات، وعن الأوهام والخُرافات ...!! 
وأنّى لهم ذلك ومختبرات العلم لا تعترف إلا بالطبيعة وبالعمليات الطبيعية... اعذروها فإنها  لا تستطيع إقحام "القوة الخارقة" في تفسيرها، وتفسير نشأتها ...
فهي إذن لا تستطيع إقحام "الحقيقة" في تفسير الكون والطبيعة والنشأة .... ولو أنّهم كانوا يُنصفون ولم يكونوا يلتوون ويكذبون ويزيّفون ويُغصِبون، لعرفوا من الصنعة الصانع .... ومن الإبداع المُبدِع، ومن الخَلق الخالق ....
ولكنهم حقا حقا يدّعون العقل وهم لا يعقلون ...!
والأسف ليس عليهم، بقدر ما هو على أهل الإسلام، وأهل القرآن من أصحاب العلم والاختصاص، وهُم بين مؤمن بالتطور كما هو، وبين متأوّل ليجعله مُوجَّها ... لأنه هو ذاتُه موجَّه بالغَرب الذي  يلقّنه علما لا بدّ أن يُقسم بقداسته في كل شيء .... وألا ينتقد منه شيئا ...وألا يحتمل مجرّد احتمال توجيه العلم في هذه النظرية بصفة خاصة لخدمة الكفر بالخالق، ولخدمة الإلحاد ...
لا يخفى عليّ ما يحفظه الواحد منهم عن الآخر، وهم جميعا يُردّدون، ويُدَنْدنون، ويتعجبون ويتحيّرون  ممن يهتم اهتماما كبيرا بنظرية التطور دون غيرها، وبفهمها، وبنقدها ... بل ويصل بهم الحال أن يروا نقدَها نافلة ومَضْيعة للوقت الثمين ...
وأنّه قد بُتَّ في أمرها، وفُصِل وحُسِم، ولا مجال لمنتقِد أن يجد آذانا تُصغي وهو.... مَن هو ؟؟
هُو صوت خاااافت خافت لا يكاد يُسمع بين هَيْلماااان العلماء المقرّين بأن النظرية اليوم قد باتت حقيقة ...!!
ولكنهم لا يعلمون أو ربما ينسون أنّ الحق ليس من اليوم، بل من الأمس البعيد أنصاره قلة قلة قلة ..... ولكنه الظاهر يوما وإن طال الأمد ...
تأملوا ... تأملوا بني جِلدتي وديني ...
تأملوا كيف هُم يقرّون أنّ المختبرات لا تقبل "الخلق" لا تقبل القوة الغيبية الفاعلة الخالقة، ولذلك هُم لا يجدون عن التطور المزعوم بديلا .... !
فهلا كلّفتُم أنفسَكم شيئا، واقتطعتم من وقتكم الثمين الذي لا يضيع أبدا شيئا تستمعون فيه لأهل العلم المُعارضين بالعلم ؟!!
أم أنّ هيلمان التكريس العالمي للنظرية بالمال وبالأعمال قد طغى عليكم أيّما طغيان ؟؟ !!
وإنها ... "اقرأ" ... وإنها : "باسم ربك" ....وإنها: "الذي خلق"
وإن القراءة بلا اعتراف بخالق إنما هي الكذب والدجل على العاااالَم كله ....
فلا تكن ممن تنطلي عليهم الأكاذيب والخُرافات وأنت تظنّ بنفسك تمام الفطنة وكمال العقل والعقلانية .... فإنّه يُؤتى الفطِنُ الحذِق فيما يظنّ أنه حاميه المحتمي به...
هي غيرة عليكم يا بني جِلدتي وديني ... وأنتم تبيعون عقولكم بالكليّة لأبواق التوجيه الأعمى في عالَم يسعى لأن يقرأ بغير اسم الخالق الذي خلق ...!
💡ملاحظة 💡 : من كان من المناصرين للنظرية، فإنني لا أدعوه للإنصات إليّ بقدر ما أدعوه للإنصات لأهل العلم المقارِعين بحجّة العلم ... وأنْ كفاكَ عزما على عدم الإنصات لغير صوتك، ولغير صوت بْرُوبَاجَنْدا نصر هذه النظرية ظالمة أو مظلومة، عنزةً ولو طارت ... فعند الغرب اليوم تيارات معارضة بعلمائها ودَهْمائها ... فلا تكن أنتَ الأكثر وفاء لها منهم ....
ولا يعنيني أن تردّ عليّ، بل أن تردّ على نفسك ... وتتواضع للحق، وألا تعيش على وقع صدمة ضرب ما تلقيتَ بالصفر لو أنّ "كابوس" المعارضةِ  والرفض أقنع عقلَك فطالك ... فإن الحق يستحق إن كنت حقا من طلاب الحق...
وإن من يعارضها ليس أبدا بالضرورة مدفوعا بخلفية دينية تصوّر له الخيال والأوهام  لا العلم، بل منهم عقلانيون علميّون، قرؤوا ولكنهم قرؤوا باسم الذي خلق ... ثم هم قد عرفوا من أين تؤكل الكتف، فلا هُم رفضوا السليم المنطقي العلمي الصحيح، ولا هُم قبلوا ما برمجهم عليه علماء تكريس الخرافة في العالم ...إنهم وقد كرّسوا لم  يقدروا على من قرأ باسم الذي خلق، لأنهم أصحاب عقول تُعمَل في الحق .....
وإنني لا أرقُب ردا ولا ردا على الرد، ولكنني فقط كتبتُ لقوم "يَعقِلون" (Pour ceux qui raisonnent)
#نظرية_التطور
93
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:46:31 »
خواطر سنة 2018

 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سبحان الله !! سبحان الله !!
ليس أقوى في الدين من "التوحيد"...بل هو الدين كله ...
ليس أشفى للقلب العليل ولا أروى للروح الظمأى من توحيد الله تعالى ...
أنه الواحد الأحد الفرد الصمد الخالق العظيم ...
لا إله إلا الله ... خالق كل شيء ... العظيم المتعال ...
ما أجمل أن تتندّى الروح وتنتعش بها ... !
إنها لَطِبُّ الروح ودواؤها .... إنها لراحة الروح ... إنها لحياة الروح ... !! إنها لماؤها وهواؤها ... !
أشعر وكأنّ الفطرة فيّ تستشعرها لا خلفيّة إسلامي ...
أشعر بفعلها فيّ وكأنه الفعل الفطريّ فيّ ...
وكأنني وإن كنتُ بلا دين فسيكون هذا إحساسي بها ...
أستشعرها تعمل بروحي عمل الفطرة في "الإنسان"   هكذا... الإنسان مجرّدا ...
إنها هي هي لا غيرها تستجيب لها الفطرة التي تسكن الأعمااااق ... ! 
ألا وَيْحَ الإنسان ثُم وَيْحَه ... !
إنه الذي يطمس بهواه وبغفلته نداء الروح ... حياة الروح ... !!
كيف لا ... و"الإنسان" نفخة من روح الله ... فإلامَ غير: "لا إله إلا الله"  تسكن الروح ؟! ... تسكن روح "الإنسان" ... كل إنسان ... !!!
يا رب لا تحرِمْنَهَا ما أحييتنا حتى نموت عليها حياة للروح لا تنقطع حتى مع الموت وبعد الموت ... !
#التوحيد
94
:: قرآن ربي :: / في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 19:33:02 »
بسم  الله الرحمان الرحيم

وهذا موضوع أضع عليه أيضا تدبراتي القرآنية ... وهذه الروابط للأجزاء السابقة منه :


 emo (13):الجزء الأول :  https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=5765.0

 emo (13):الجزء الثاني: https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=6374.0

 emo (13):الجزء الثالث: https://www.ayamnal7lwa.net/forum/index.php?topic=6967.0
95
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:30:35 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....
وها هي العقوبة الإلهية، ها هو المكر الإلهيّ العظيم يتحقّق، فيحلّ العذاب فورا ... يتقدّمه علّة نزوله بهم :
"مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25)"
أغْرِقوا في الطوفان العظيم الذي اكتسح الأرض... والغالب والراجح أنّ الطوفان قد أهلك كل أهل الأرض لاجتماع قرائن الآيات من جهة، وقد عرفنا منها أخيرا قوله سبحانه في سورة الحاقة : " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ" وفيها خطاب للناس عامة على أنهم المحمولون في السفينة، أي أنهم ذريّتهم، وَلِمَا عرفنا من صحيح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، أنّ ما بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، فيكون الطوفان قد أهلك كل من على الأرض، ويُرجّح أنهم لم يكونوا منتشرين على كلّ أرجائها لقصر المدة الفاصلة بين آدم ونوح عليهما السلام .
أغرِقوا فأدخِلوا نارا ... مقابَلة بين الماء والنار... أُهلِكُوا بالنقيضَيْن، الأول كان مادة إهلاكهم في الدنيا، والثاني مادة عذابهم في الآخرة ...
هُم قد أعدموا حياة الروح على الأرض، وأعدموا المعنى والغاية من الوجود عليها، فكانت مادة الحياة الأولى هي مادة إهلاكهم .... ولكأنّي بهم وقد أهلكوا بطغيانهم وعنادهم وكفرهم معنى الحياة قد سُخِّرت عليهم مادة الحياة فأهلكتهم، ولكأنّي بها تصرخ أنها الكائنة بإذن ربها رغم تحالف المُعدِمين .... ! وبالمقابل كانت تلك المادة منجاة مؤمني السفينة وقد غدت الأرض بحرا يحملها وهي تجري فيه نجاة بالمؤمنين وحياةً للأرض تنبعث بهم وبإيمانهم من جديد ...!
فأين النصير من دون الله ؟!! أين ودّ وأين سواع وأين يغوث ويعوق ونسر ؟؟ لماذا لم يُنقذوكم كما تحالفتم لتنقذوهم ...؟!
وها هنا أيضا موضع ربط واضح بين هذه السورة والتي سبقتها ... وقد عرفنا في أواخر المعارج قوله تعالى : "فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(41)"
فيها القسم منه سبحانه على أنه الذي لا يُعجِزُه إهلاك الكافرين، فجاءت سورة نوح تخبرنا أنّ هذا الإهلاك قد تحقّق في عهد نوح عليه السلام، فكان استئصالا لكلّ  كافر على وجه الأرض...
كان استجابة لدعوة نوح عليه السلام : "وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)"
لا تذَرْ على الأرض من الكافرين ديّارا ... أي ساكن دار ... وأرى أن في هذه الدعوة منه إشارة أخرى إلى أنهم كلّ أهل الأرض وجُملةُ مَن سكنها آنذاك، وأنه لم يكن عليها غيرُهم.
ولنَرقُب خوف نوح على عباد الله، على مستقبل البشرية.. إنه وهو يدعو عليهم بالاستئصال من على الأرض يفكّر بالحياة على الأرض ! وهذه لمن لا يُثقِب النظر ولا يَحُدّه مفارقة عجيبة ... كيف يخاف على عباد الله على الأرض وهو يدعو باستئصالهم جُملة مِنْ على الأرض ؟!
إنه يرى بعين المؤمن الحكيم، الذي يغشى اليقين كل نقطة فيه، فهو يعلم أنّ القلة القليلة التي آمنت معه هي الكثرة، لأنها التي ستزرع الإيمان، ولأنها التي ستحقّق غاية الوجود، وهي التي ستعطيه معناه. أما الكثرة مِن حوله فلا يراهم شيئا وهم الكفرة الفَجَرة الضالون المضلون، الذين عرف منهم الأمر وعرف فيمَن حولهم من السواد الطاعة والاتباع ...فهُم الهباءة التي لن تزيد في الحياة إلا إهدارا لمعنى الحياة ... !
وهو رغم دعائه عليهم وهم الأغلبية الساحقة التي هي كلّ مَن على الأرض لولا القلة التي لا تكاد تُعدّ ممن حملتهم السفينة، إلا أنّ القنوط واليأس لا يعرفان لقلبه سبيلا، وعزمُه وعزيمته لا يفلّهما فالٌّ من ضعف أو وَهَن ... إنه الذي يبني مع بنائه لسفينته -التي لطالما مرّوا به وهم يسخرون منه ومن صناعته لها- إيمانا على الأرض، يعيد إقامة بُنيان قديم، يرفع قواعده بهذه القلّة القليلة المحمولة بالسفينة ...!
إنك إن راقبتَ الأمر من زاوية دعاءٍ بالسحق والمحق فسترى أكثر ما ترى رجلا طال صبرُه حتى نفد فهرع إلى ربّه داعيا منتقما ... ولكن... تريّثْ ولترقُب معي من زاوية أخرى، لترى معي هذا الرجل المفعَم بالأمل من بعد ما عرفناه مفعَما بالصبر وهو يعكف على صناعة السفينة ولا يفتر ولا ييأس، وكلّ مَن حوله ساخرون مستهزؤون، ماكرون... وأي مكر ؟ إنه المكر الكُبّار !
ولا ينقطع أمله وهو يبني الحياةَ... حياةَ الأرض برُمّتِها على مَن لا يكادون يُعَدُّون...بل وهو يدعو بالاستئصال، يدعو من خوفه على القلة المؤمنة من الضلال، وعلى ما سينبُت مِنهم من نَبات  ...  وعندها ستستشعر بقوة قول الله تعالى لعبده الصبور الشكور : " وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا..." –هود:من الآية 37-
فكيف يُغيّب عن الأمل من كان تنفيذه لأمر ربّه بأعين ربّه ... ؟!
فتذوّق معي الآن حلاوة هذه الآية التي عرفنا في سورة الحاقة... تذوّقها بحلاوة جديدة : " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12)" ...
فأيّ نعمة هي نعمة الإنجاء بالإيمان وللإيمان، نعمة الإحياء بالإيمان، والحياة بالإيمان ...!
ونأتي على نهاية السورة ... نهايتها ونوح عليه السلام مازال يدعو ... ولكنّ هذا المقطع من دعائه هو للذين بنى بهم الحياة على الأرض من جديد... حياة هي الحياة،  لمن بدّل بهم الله، فهُمْ خيرٌ... وما أعجزه سبحانه أن بدّلهم، وما يُعجِزه أن يبدّلهم في كل زمان ...
"رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)"
إنه الدعاء بالمغفرة .... ويالِوُرود المغفرة في هذه السورة ...!! تلك التي عرفنا أنها مفتاحٌ لخيرَيْ الدنيا والآخرة، وأنها غاية المُراد من المدعوّين ...
يدعو نوح أن يغفر له ربُّه ... يدعو هذا الرجل العظيم الصابر الصبر الجميل، الثابت، المُقبل على درب ربّه لا يعرف الإدبار، ولا يعرف اليأس ... الحامل للأمل أبدا... الباني للأمل... المجدّد لبنيان البشرية، الباعث لحياتها حقّ الحياة ... يدعو بالمغفرة ! " رَّبِّ اغْفِرْ لِي "
ولا بدّ أنه وهو يستغفر يطمع في عطاءات الله تعالى، عطاءات الدنيا والآخرة معا .... ولقد أعطِيَها كلّها ... وقد نجّاه ربّه ومَن معه، وأبدِلت حياة الأرض على يديه...! ولقد سماه شَكُورا ...!!
"وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا".... يا ما أجمل دعواتك يا سيدنا نوح !! وكأني بهم أولئك الذين حملتْهم الجارية ...  إنني لأستشعر شدّة حبّك للمؤمنين، شدّة حبّك لمَن أعلن الإيمان بالله الواحد ... لمَن عرف ربّه ... وليس ذلك إلا من حبّك لربّك ...!
"وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" ... أما هذه فلكأنّها دعوة بالمغفرة لكل مؤمن ديّار على الأرض إلى يوم الساعة ...!
وإنني يا سيّدي يا صلى الله عليك وسلم لأستبشر بدعوتك لي، ولأجدُها في قلبي نديّة قويّة وهي صدى الإيمان من عهد بذرة البشرية الأولى، من أبي البشر الثاني ... تعمل عملها بإذن ربها إلى يوم الدين ....
دعاء بخَيْرَي الدنيا والآخرة لكل مؤمن إلى يوم الدين ... ومنّي كلماتٌ صادقات أن قد بلّغتَ يا سيدي وقد وفّيتَ، وأنْ جزاك الله عنا وعن كل مؤمن على الأرض إلى يوم الدين خير الجزاء وأوفى الجزاء ...
"وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" ودعاء على الظالمين يُزاد إلى  الدعاء .... دعاء بالتّبار والخسار هو بإذن الله بالغٌ كل ظالم على الأرض إلى يوم الدين ... !
واقتُلِع شَوك الكُفر وأُنبتَ الإيمان من جديد... وسُقِي ...!
وهذه الأرض اليوم وإن كان ما كان فيها من كفر ومن عتوّ ومن عناد ومن فجور إلا أنّ الإيمان فيها أيضا يصدع ... الإيمان فيها باقٍ ... منذ أن حمل نوح ذريّة البشرية الباقية في الجارية والإيمان فيها كائن ...
نعَمْ... تجبّر عليها جبابرة، وطغى عليها طغاة، وأفسد فيها مفسدون، وأهلك الحرثَ والنسلَ عليها مهلكون، ولكنّ الإيمان باقٍ يصارع بأصحابه كل ريح سَموم ... !
وإنه سبحانه كما أهلك الكافرين فلم يذَرْ منهم على الأرض ديّارا لَقادرٌ على أن يهلكهم مرة أخرى ... وإنّ الكثرة الفاسدة المفسدة المستأسدة بالمال والعُزوة والسامعين الطائعين وإن بلغت منها القلوب الحناجر، وإن مكرت المكبر الكُبّار، وإن دعتْ بكل آلهة لها من آلهة الأهواء فإنّما هي الهباءة  في وزن أمر الله وحُكمِه وسلطانه ووعده أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون : "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"-الأنبياء :105-
ثم أتدرون ما أجد من كثرة ورود الاستغفار في هذه السورة ؟!
لقد عرفنا في سورة المعارج الدرجات والرُّتَب العاليات، عرفنا المرتقى إلى الله لكبح الهلع فينا... وإن الإنسان ليغترّ أحيانا حتى بترقّيه في درجات الإيمان ... فتُعقَب "المعارج" بسورة "نوح" حافلة بالاستغفار، مختَتَمة باستغفار نوح العظيم لنفسه رغم كل ما قدّم ... على صبره الجميل، وعلى أمله الباقي فيه رغم صدود الماكرين المستكبرين ...  تُذكّر ذلك المترقّي بالمعارج أن الاستغفار لازمةٌ لا تغادر المؤمن، كابحة مع الكوابح لئلا تجمح النفس فتغترّ ... !
وأخيرا .......
سلاما سيّدي نوح ...سلاما أهديكَهُ عبْرَ النّسائم... نسائم الإيمان الحيّ الممتدّ من سفينتك إلى آخر الدهر... وعَبْر الحمائم تنوح على أيْكِها نَوْحَ تسبيحٍ بحمد ربّها... أُهديكَه يا سيّدي من وَقْع إيمان أصحاب السفينة على الأرض، ومن خطوات المقتفين ...
منْ أتباع خيرة ذريّتك، وخيْر مَن حملت الأرض فأشرقتْ بأنواره محمد عليك وعليه الصلاة والسلام بالكمال والتمام...كما بلغَتْنا دعواتك من مبتدأ الأمر على الأرض... من أصل الوجود ....
وكما في كل مرة يا سيدي يا أوّل رُسُل الله ... وحده الله يعلم مقدار ما يوقِع ويُوَقِّعُ في نفسي ذِكْرُك... يا مَن سمّاكَ ربك "عبدا شكوار".........!!
وملتقانا مع سورة الجنّ بإذن الله تعالى
96
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:29:53 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

ثم ينتقل نوح عليه السلام في تدرّج  إلى مرحلة جديدة من منهجيّة بثّه :
رابعا: يستنكر على قومه عدم توقيرهم لله تعالى . فيدعوهم إلى النظر في أنفسهم وفي الكون مِن حولهم ليتدبّروا عظيم خَلق الله تعالى، وعظيم ما سخّر لهم .
"مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) "
أطوار يعيها الإنسان، وهو يعرف بالسّليقة الإيجاد من خلال التزاوج، والحمل، ومرور الأم بمراحل حتى تضع حملها، ثم خروجه من رحم الأم إلى رحِم الأرض ليمرّ في الدنيا بأطوار جديدة، فمن الطفولة إلى الصِّبا، إلى الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة.
كُلُّها مُشاهَدة، وكلّها أطوار في حياة الإنسان الذي يعلم بالطبيعة كيف أنّ خلقَه من ماء مهين... وهو من دواعي تدبّره في الخَلق، وفي المشيئة والقوّة الكامنة خلف إيجاده وتقلّبه في أطوار الحياة ...
ثمّ يدعوهم إلى النظر مجدّدا فيما هو مسخّرٌ لهم، يُخلَق الإنسان وقد أودَع الله في فِطرَته استخدام هذا المسخّر وتطويعه لحركة الحياة، نواميس يألفُها  فتُذهب ألفَتُهَا الإحساس من نفسه، بينما التدبّر والنظر فيها عملٌ للعقل يُرجِعها لأصلها بالسؤال الذي يكشف للنفس اليقينيات الكُبرى :
"أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) "
فهذه السماوات، والقمر والشمس فيها، فأما القمر فنورٌ على حقيقته، وهو الوصف الأدق لضوئه الذي ليس من أصله بل من انعكاس الشمس عليه، بينما الشمس كتلة متوهجة تضيئ من ذاتها، فكان وصف السّراج كذلك الألْيَقَ بها ...
"وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)"
وأما الأرض فهي أصله، وإنبات الإنسان منها عرفناه في أجواء سورة الطارق التي ساقتنا شيئا فشيئا حتى بَصُرْنا بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، دافق دافع كما يسقي الماء الأرض بعد حرثها، صورة مُسقَطةٌ بكاملها على الإنسان، والله يصف المرأة بالنسبة لفعل الرجل فيها بالحرث في قوله سبحانه : "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ  ..."-البقرة: من الآية223-...فهي الأرض، وهو حارثُها، والماء الدافق منه سُقيا لأرض تُنبِتُ، ونبتُها الإنسان، تلك المرأة الحَرث وأصلها تراب، وذلك الرجل الحارِث وأصله تراب، والنبتة من أمشاجهما كائنة بإذن ربّها الخالق المُنبِت سبحانه ...
إنه التكامل بين أوصاف القرآن لخَلق الإنسان يُعطينا إسقاطا لمعنى إنبات الإنسان من الأرض نباتا، لا ما تأوَّلَهُ متأوِّلُون من المُخلِطين الذين يتصيّدون لإرضاء أهواءٍ لهم تقضي بالتمكين لنظرية التطوّر التي يكتسح بها الملاحدة والطبيعيّون المجامع العلمية، يُسلِطونها عصاً فاتكة باسم العِلم زيفا وبُهتانا، فهم يُقحِمونها إقحاماً لتكون المنطَلَقَ العلميّ لا لشيء إلا لإنكار الإله الموجِد سُبحانه، ولكنّهم بلغوا مبالغ العجَب العُجاب من تسفيه العَقل وهم يقولون بالعشوائية والصّدفة إلها يجيِّشون له المادة والملاحدة والقوم التُّبَّع لإنكار العبوديّة ولإنكار المراقي الأخلاقية الإنسانية، ولإطلاق العنان للبهيمية وهم ينادون أنْ حُريّة......! حُرية  ...!
وإلى الأرض يُعاد الإنسان، ومنها يُخرَج إخراجا...سبحانه الخالق المُحيي المميت الباعث ...
هكذا في كلمات جامعات يدعوهم للنظر في أنفسهم، وهو يعطيهم النبأ اليقين ضِمنا، يُحدّثهم عما سيُفعَل بهم مما لا يرون، من بعد ما حدّثهم عمّا فُعِل بهم، وعما هو بهم مفعول مما يرون ...
"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)"
وهكذا هي الأرض، منها خُلِق الإنسان، وفيها يُعاد، وهي التي عليها يحيا ويتحرك ويعتاش ويقتات... فهي له بساط ممهَّد رغم أنها الكرة المكوّرة في رحمةٍ من الله بعباده، مبسوطة للإنسان قرارا هو عليه مستقرّ، مركوزة بالجبال الرواسي لا تميد بمَن عليها، فهي من فرط كِبَر حجمها لا تبدو للعين ولمَن يعيش عليها إلا مبسوطة ... فهي البساط الذي تُسلَك فيه السبل الواسعة التي يقطعها الإنسان وهي ممهّدة من رحمة خالقه وخالقها به ...
وهكذا كانت دعوته لعقولهم أن تعمل وأن تجتهد في النظر والتدبّر، والتساؤل عن أنفسهم وعما هو حولهم ... وهو أسلوب من أساليبه التي انتهجها في الدعوة، فلقد عرفناه يعرّفهم بواجبهم نحو خالقهم عبادةً ونحوه طاعةً، ثم كيف شرع يرغّبهم في المغفرة لإنجائهم من عذاب الآخرة، ومن عذاب دنيويّ مُهْلِك... وهو تارة بينهم مجهِرٌ، وتارة مسرّ، وأخرى مزاوج بين إسرار وإعلان ... وهو داعيهم للنظر والاستدلال ...في توجيه دعويّ متكامل الأطراف  يليق بكل داعية لدعوة الحق في كل زمان ...
ومازال نوح عليه السلام يبثّ ربَّه شكواه وما به ... ولقد ألقى إلى ربّه العليم بعمله الذي عمل، وبجهده مع قومه، وبقوله الذي قال، في درجات مرتّبة ترتيبا منهجيّا ...  حتى ها هو الآن مُحدِّثٌ عما هو كائن منهم بعد كل ما انتهجه معهم، وبعد طول عناء، وجميل صبر :
"قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا  وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)"
تلكُمْ هي النتيجة معهم ... لقد عصوه، ولم يطيعوه، بل لقد قدّموا آيات الطاعة لكبرائهم الذين عتوا وتجبّروا وكفروا وصدّوا عن سبيل الحق بما كان لهم من مال وولَد ...!
ولم نبعد كثيرا عن "القلم" التي عرفنا فيها أمر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ألا يطيع المكذّبين الذين كانوا يتمنّون أن يُدهِنَ ويتنازل ليُدهِنوا ادّعاء منهم للتنازل بالمقابل ... وأمَرَهُ ألا يطيع الحلّاف المهين الذي كان ذا مال وبنين، وهو الذي تعوّد أن يطيعه الناس لسطوته بماله وببنيه، لا يبحثون في أمرِه عن حق أو باطل بل يبحثون عن فُتات المادة... وحدَها المادة... فكان مهينا أثيما مكذّبا بآيات الله : "أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14)إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15)"  -القلم-
وكذلك ذَوُو المال والبنين في قوم نوح، سبقوا مَن كان على شاكلتهم في قريش بقرونٍ وقرون، بذرة البشرية الأولى، كانوا من أوائل من حملت الأرض، وكانت تلك مساعيهم الخاسرة المُخسِرة، وأعيدت نُسَخُهم على الأرض في كل زمان ... فكان أن لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا ... المال والبنون زينة الحياة الدنيا، المال والبنون وقد عرفناها في الآيات السابقة نِعَماً وعطايا من الرحمان من ثمار الاستغفار، حرِيٌّ بمَن يكون صاحبَها أن يكون شاكرا للمنعِم بها ... ولكن هكذا هو الإنسان الإيمان فيه للمنعِم  شُكْران، وانعدام الإيمان فيه كفر به ونُكْران ...! عند الأول ابتلاء بالخير ففوز وفلاح، وعند الثاني ابتلاء بالخير فخسار وطلاح...!
وإن عالمَنا اليوم لَيَعُجّ بهؤلاء الذين لم تزدهم أموالهم إلا خسارا وهم البعيدون عن الرحمان المُبعِدون عنه ... وهُم المُطاعون لمالهم، فالعالَم مؤلّهٌ  للهوى، لكل خبث وكل فسق وكل فجور... والمتّبِعون والمطيعون من بني الجلدة وبني الإسلام اليوم جحافل...! ولكنّها العددُ لا شيء غير العدد ... ولو قيس أمر الحق بالعدد  لكان نوح الوحيد لتسع مئة وخمسين سنة بين قومِه الضالّ الذي لا يأتي أمرُه بشيء ...!
بل لقد كان الحق الوحيد بين جحافل المُبطلين، الحقّ الذي نُصِر، وكانت الأعداد من البشر حوله كلا شيء ...!
ولقد مكر أولئك الكُبراء، خططوا بليل، أعدّوا مُجتمعين الخُطط المُحكَمة لإهلاك نوح الواحد الوحيد بينهم بما يدعو وبما يقول،  العِلية بمالهم وبأولادهم ... ولقد كان مكرُهم "كُبَّارًا" ... ولقد قالوا هم كذلك، قالوا عن آلهتهم : "لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا "
ودّ وسواع، ويغوث ويعوق ونسر، آلهة عبدوها من دون الله، وقد كانوا في الأصل عبادا صالحين، وسوس لهم الشيطان أن يجعلوا لهم نُصُبا...عن عطاء بن أبي رباح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا قال: " صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتي كَانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْدُ. أمَّا ودٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ، أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِمْ، أنِ انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهِمُ الَّتي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَابًا وسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حتَّى إذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ." -صحيح البخاري-
نوح عليه السلام هو الوحيد الذي ينادي بالواحد سبحانه، وهم الكثرة الذين يدعون بالآلهة الكثيرة ...  فأيّ كفّة هي الراجحة ؟!
بمنطق العدد كفّة العدد الأكبر ترجح ...! ولكن بمنطق القوة والسلطان والأمر والحكم الحقّ كفّة الوحيد الداعي بالواحد العظيم هي الراجحة ... ولقد كانت كذلك ...!
فهل عملوا بمكرهم، وهل عملت دعوتهم وهم الكثرة بالآلهة الكثيرة، عملا بنفس نوح الوحيد ؟!
بل لقد ذكر القرآن في موضع آخر مقالته لهم :"...إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ"-يونس: من الآية71-
أجمعوا أمركَم وشركاءكم  فالله وكيلي ... !
"وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) "
لقد أَضلوا كثيرا ... كانوا هم القادة، والمدبِّرين، والآمرين المُطاعين ... ولا يملك نوح إزاءَ ضلالهم وإضلالهم إلا الدعاء عليهم وهو يصفهم بالظالمين : "وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا" ...لعنادهم ومكرهم وإضلالهم مَن حولهم وهم المُطاعون لمالهم ... ولقد دعا موسى عليه السلام على مَن كان على شاكلة كبراء قوم نوح، كذلك تجبّروا بمالهم : " وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ  رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ " –يونس:88-

يتبع....
97
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:29:11 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

والآن ... إننا نسمع صوت نوح عليه السلام يناجي ربّه ... يبثّه شكواه، وهَمَّه ... نوح الذي لبث في قومه داعيا تسعمئة وخمسين سنة.
إنه الآن نوح العبد المطيع المنيب المُخبِت لربّه ... وفي كلٍّ هو كذلك ...قبل قليل... على بعد آية، حينما سمعناه داعيا لهم، مستجيبا لأمر ربّه بإنذارهم، مُعذِرا ومذكّرا رحمةً بهم، وهو يناديهم نداء القريب لقريبه، مشفقا عليهم إشفاق المحبّ على حبيبه : يا قومي ... يا قومي ... يا مَن أنا منكم وأنتم مني... !
والآن كذلك وهو العبد المنطرح بباب ربّه، المنكبّ على عتباته ... المتذلّل له وحده، الخاشع المتضرّع، الذي يعلم أن ربّه أعلم بما يُكنّ وبما يعلن :
"قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) "
وإنّ "ربِّ"  لو نتملّى، وحدها تُشعِرك بالملجأ والمَنجى والمَفرّ ... يا مُربِّيَّ ويا سيدي وخالقي وآمري ...يا طبيبي...!
إنه يُمِدّ ربّه العليم بتقرير حول عمله الدؤوب وسعيه الحثيث لدعوة قومه، وهدايتهم : "إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا" ... لم يألُ جهدا، لم يدعْ وقتا إلا واغتنمه لدعوتهم  وهو من أولي العزم من الرُّسُل ...
أذكر وأنا على عتبات الله في أوائل شبابي مقدار ما أثّرتْ بي قصّة نوح عليه السلام وأنا أستحضر حالَه وهو يدعو لا يفتُر ولا يَني تسعمئة وخمسين سنة ... !لكم أكبرتُ عزمَه، ولكم دُهِشْتُ من صبرِه إزاءَ ما لاقاه من صنوف الصدود وألوان السخريّة ... قرون تلتْها قُرون وهو مقيم على دعوته، ثابت صابر، لا ييأس، مستمسك بعُروة الله الوُثقى، لم يهتزّ ولم يتزعزع، وهو القائم على أمر ربّه ... !
حتى هي ذي شكواه التي بثّها ربَّه، شكوى مَن هو قائم داعٍ، ثابت صابر والقرون والأجيال قد أكل بعضها بعضا، وتكاثر قومُه وتكاثروا، وهُم يتوارثون تكذيبه، فالسّلف منهم يوصي الخَلَف بالبقاء على تكذيبه والسخريّة من دعوته .... وهو هو نوح الصابر الثابت لا يتراجع ...!
ها هو ذا في مناجاته ربّه، وشكوى همّه يصف حالَهم، وربّه أعلم بها، ولكنّه يُفرِغ كأسَ نصبِه المُتْرَعة المُفعَمة بالآلام لمَن هو طبيبُه : "فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا"
من فرط كُفْرِهم وعصيانهم وتعنّتهم هم الفُرّار من دعوة الخير، وكأنّه الذي يدعوهم لشرّ...! كلما دعاهم زادوا فِرارا ... وأيّ دقة في وصف هؤلاء، وكأنّنا نُبَصَّرُهم وهم يفرّون منه فِرار الهَلِع الفَرِقِ من مجذوم ...!
ولنتأمّل حتى نرتّب هذه الدرجات المتواليات في هذه الآيات، ونوح وهو يُلقي بحِمْلِه على ربّه الوكيل، يتدرّج، ويضع منهجيّة، وليس ذلك ببِدع من حكمة الرُّسل وكمال بيانهم ... فلقد  :
أولا : أجمَل في الآيتين السابقتين، وهو يخبر عن مسلك دعوته وكيفيّتها(آية05)، ثم يُجمل في كلمات معدودة عن حال قومه بالمقابل(آية06)
ثانيا : لننظر كيف سيفصّل تفصيلا أوليّا  :
"وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (😎 ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)"
يزيد في بيان كيفية إصرارهم على كفرهم وإعراضهم،  وفي بيان إصراره على دعوتهم ... يُعطينا صورة أكثر تفصيلا عن فِرارهم، فهو كلما دعاهم مرغّبا إياهم في مغفرة الله لهم: " وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ..." وهي نوالٌ من نوالات الآخرة ... مقدّما لها على نوالات الدنيا إقرارا لأفضليّتها ولكونِها الغاية الأسمى والعطاء الأدوم ...
هم أولاء يفعلون فعل الأطفال إذ يسدّون آذانهم امتناعا عن سماعه، ومن فرط فِرارهم، وكُرهِهم لدعوته، وكأنّهم قد أدخلوا أصابعهم كلّها في آذانهم، فهم يسدّون ويسدّون ويشدّدون ويصرّون  .... !
ولا يكتفون بذلك، بل يستغشون ثيابهم، لئلا يبقى من منفذ لسماعه ... فرار، هلع... هروب ... وكأنهم يخشَون صوت الفِطرة في أعماقهم، فهم يغلّقون دونَها المنافذ  قبل أن يُغلّقوا دون صوت نُوح ...! ....واستكبروا استكبارا، تأكيدا لفرط استكبارهم...
وهو رغم كل ما يرى منهم، يدعو ويدعو ... فتارة يجهر بالدعوة على الملأ، وتارة هو المزاوِج بين إعلان وإسرار ... أساليب الدعوة يلقّنها نوح لكل داعية على دربه، وعلى درب رسول الله صلى الله عليه وسلم... إصرار الداعية يبثّه في أرواع الدّعاة، صبره العظيم الجميل حلّة مُوشّاة بديعة رفيعة تسحر الألباب...!  ولنستصحب أمر الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل في سورة المعارج : " فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" ... وهو ذا في سورة نوح متمثّل له صلى الله عليه وسلم، ولكل داعية تَمَثُّلَ الحقيقة المصوّرة، صبر على عتوّ واستكبار بالغٍ المنتهى... صبرُ من اشتكى إلى ربّه لا إلى أحد غيرِه بعد لأْيٍ ولأيٍ ...!! وأي صبر هو على أيّ لأي ...!
فماذا كان يقول لهم ليفِرّوا كل هذا الفِرار ؟!  إنه :
ثالثا : مزيد بيان لما كان في دعوته ... بيان تفصيليّ تلا الأوليّ الذي سبق، إنها المرحلة الثالثة في منهجيّة بثّه :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (12)
من بعد ما رغّبهم في خير الآخرة، المقدّم على كل خير فانٍ، هو ذا وهو الذي نوّع وصرّف أساليب دعوته لهم، يرغّبهم في خيرات الدنيا يُمددهم بها الله تعالى إن هم أطاعوا واستغفَروا ...
ويالِذكر الاستغفار في هذه السورة ...! " يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ... "  "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ..."  وهذه : " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ..."
فهي على الترتيب في هذه الثلاثة : جزاء أخرَويّ ، وغاية الدعوة، ومفتاح خيرات الدنيا ...
الاستغفار غاية المُراد من المدعوّين ... الاستغفار مفتاح خَيْرَيْ الدنيا والآخرة  ...
إنه الغفّار سبحانه، الذي يقبل عباده، والذي يعفو ويُسامح، فلننظر ولنتأمّل كمّ ما يريد سبحانه بعباده ولعباده من خير، بابه مفتوح مُشرَع لا يوصَد... يكفي أن يُطرَق، بل إنه يدعو من لا يطرقون له بابا ليُجزِل لهم من فضله فيغفرَ لهم ...! "إنه كان غفّارا"...  و"كان" هنا للاستمرار  ولثبوت الحال.
فإذا استُغفِر غَفَر، وأعطى في الدنيا قبل الآخرة ... هو الرزّاق سبحانه، وإن من شيء إلا يسبّح بحمده... هو الذي سخّر لعباده الكونَ وما فيه... هو سبحانه يأمر مخلوقاته كلّها فتطيع... فـــ:  "يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)"
تُدرّ خيرا على عباده المستغفرين... وكأنّ الكون والإنسان يتناغمان وهما يتناسمان التوحيد والعبودية لله الواحد الديّان ...!
و"السماء" في اللغة تُطلق على المطر، فهي على المستغفرين مرسَلة مِدرارا، خيرا وبركة ونماء وحياة... والأموال والبنون كلّها عطايا الرحمان سبحانه، كلّها بأمرِه ... والجنّات والأنهار من فيض عطائه ...
ولقد تساءل أناس، منهم من سأل استفهاما، ومنهم من سأل إغراضا وتشكيكا، ومنهم من جعل ملاحظته قرارا مُنتَهًى منه ...
أنّ الكفار اليوم يُنَعَّمون بخيرات وعطاءات في الأموال والبنين والجنات والأنهار ...حتى أنّ أغلب شباب المسلمين غاية أمانيهم أن يهاجروا إليهم، لأنهم أهل خيرات، بينما تشتكي ديار الإسلام الفقر والحاجة وضيق العيش، وكثير من أراضيها مصحرة، وكثير منها مُجدبة ... فأيّ الفريقَين هو المستغفِر إن كان الاستغفار مجلبة للخيرات والعطاءات الربانية ؟!
إنّ ما هُم فيه ابتلاء، مما عرفنا من الابتلاء بالخير، هو إملاءٌ لمَن إلهُهُ في الأرض المادة والمال، لا اعتبار لعبوديةٍ بين يدي ربّ خالق عظيم جبّار، لا اعتبار لما وراء الدنيا، كلّ اعتبارهم للدنيا ولحدودها، وللجاه وللسلطان وللمادة إلها حاكما ... ولقد عرفنا الترقيّ لمجابهة الابتلاء شرّا كان أو خيرا حتى يُكبح في النفس الهلعُ... أما هُم فهلوعون لا يعترفون بمنهج المكابح... جَزِعون عند الشرّ كلّ الجزع، محبّون للخير كل الحب، لا يعرفون للترقي من درجات وهم البعيدون عن الربّ الخالق المُرقّي، فهُم فيما يحبون مُغرَقون، فإذا أصيبوا بسوء رأيتَهم كالدابة الهائجة لا يقرّ لهم قرار ...!
منعَّمون ظاهرا وأنفسهم مريضة، وأرواحُهُم عطشى وهم الذين باقون على ما خُلقوا عليه من هلع... يطاولون الحياة لا بحثا عن الحقّ وعن مصدر ارتواء أرواحهم، بل عمّا يحقق لهم سعادة وهميّة ينخلعون بها عن الأخلاق انخلاعا، يسمونها حرية !!
لا يعرفون اللجوء إلى الربّ الخالق الطبيب... منعَّمون بأموال ...نَعَمْ مُترَفون... نَعَمْ ... ولكنهم مرضى، عطشى، جَوعى والروح فيهم لا تجد ما تقتاتُ ...!
وإنّ المسلمين اليوم في قصوٍ عن دينهم، وعن ترقّياته التي عرفنا شيئا منها في سورة المعارج ... هم في انبهار بفُتاتِ الغرب، وبسعادتهم الظاهريّة ... هُم في مرحلة من الاتّباع الأعمى الذي أوقعهم فرائس تُعفَس وتُرفَس، لذلك بعُد عنهم التّمكين، وابتعد عن الأمّة ما اختصّ به الله أمّة الإسلام من العطايا الدنيوية جزاء وفاقا لتأخّرهم عن سنا دينهم وعن غاياته السامقة، وعن معنى الاستخلاف في الأرض بإعلاء أمره وكلمته سبحانه ...
ورغم كل ذلك فإننا لا نملك أن ننكِر اختصاص المؤمن بعطايا ربانية دنيوية، يُنكِرها كثيرون في غِمار عقلنة الأمور الذي يبلغ حَدَّ استبعاد خصوصية في عَيْش المؤمن، مستدِلا على السويّة بينه وبين غيره بأنه الذي يُصاب، ويفتقر، ويجوع ويعرى، ويألَم، ويحزن ....!
إنّ ذلك عندنا ليس أبدا مَحَجّة، بل هو طبيعة الحياة، وما عليه خُلِقت الدنيا من تقلّب بين حال وحال، هو الابتلاء الذي هو غاية الوجود أصلا ... ولكن رغم كل ما يلحَق بالمؤمن من المصائب والبلايا إلا أنه المختصّ دون غيره بعطايا دنيوية ...
لنتأمّل مثلا آية أخرى مشابهة لآية عطايا الاستغفار الدنيوية في سورتنا. قوله سبحانه : "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" –هود:3-
نعَمْ الكافر أيضا له من هذا العطاء، له من المتاع، ولكن متاع المؤمن حسن : " مَّتَاعًا حَسَنًا "  ...حُسْنٌ مقرون بالإيمان...  هو العطاء المبارَك فيه من رب العزة للمؤمنين، متاع ليس فيه ما يغضب الله، فهو إن كان مالا لا تَهُمّ كثرته، بل تهمّ نوعيته... لن يكون رِباً، ولا مردود بيع خمر مثلا، لن يكون من مقامرة، ولا مِن بيع هوى... نعم للكافر أموال بل وأموال طائلة ولكن ميزة مال المؤمن المستغفر الذي وعده الله به مال طيب يقبله الله، تُرضيه طريقة اكتسابه وأوجُهُ صَرْفِه... له في اكتسابه وفي صرفِه منهاجٌ بأحكام يتّبعُه، لا يحيد عنه ...
ولننظر  : عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سَرَّهُ أن يُبسطَ له في رزقِه ، أو يُنسأَ له في أَثَرِهِ ، فليَصِلْ رحِمَه" –صحيح البخاري-
وهذا من عطاء الدنيا للمؤمن ... نعم هناك بسط للرزق للكافر، ورغم ذلك هذه خصوصية المؤمن، إذ أن الله تعالى وقد بسط الرزق لواصل الرحم هذا، إنما بسطه طيّبا حسنا لا يأتي إلا من طيب... لا من خبيث كما قد يكون عند كافر ..
هذا شيء مما يُختصّ به المؤمن، طبعا فضلا عن مصائب مكفّرات  وأمراض مكفّرة طهور، وهذه لا تُعطى لكافر ... هي عطاءات دنيوية خُصَّ بها المؤمن... بل إنّ مما خُصّ به من عطايا ما هو في شكل مصائب ... ثوابها في الآخرة جزيل، ولكن هي ذاتها عطاءات دنيوية، إذ المؤمن وهو يتعرض لها ويعلم ما تُدِرّ عليه من الله، يحدث له رضى وصبر وتسليم ...صبر هو غير صبر الكافر لأنه تفاعل دنيوي من أجل غاية أخرويّة، وعلى هذا فهو العطيّة الدنيوية ...  قال صلى الله عليه وسلم : "عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شكَر وإنْ أصابَتْه ضرَّاءُ صبَر وكان خيرًا له وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمنِ" –صحيح ابن حبان-
شاء من شاء وأبى من أبى ... يُختَصّ المؤمن بالعطايا الدنيوية، ذلك أنّه وهو يحيا مؤمنا فقد أوثق رباط تلك العُقدة ما بينه وبين خالقِه، عُقدة هي بمثابة الحبل السُريّ الذي يزوّد الجنين بحاجته من غذائه لتستمرّ حياتُه، ولينمو ...
كيف لا يكون "للمؤمن" الذي عرف الابتلاء بخيره وبشرّه، فصبر عند الشر، وشكر عند الخير حياة غير حياة غيره ؟!
كيف لا يكون عنده فهمٌ للحياة على حقيقتها وهو يُحسن قراءة الرسائل فيها...كيف لا يكون هناك تأثير من هذا الفهم وهذا التصوّر في نفسه وفي حياته ؟!
كيف لا يكون للإيمان من أثر على الحياة يجعلها عند صاحبها من جنس ما وعد به الله عباده المؤمنين : " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "-النحل:97-
هكذا "طيبة"  وهي ابتلاء بالخير وبالشر... بكليهما... لِما ينغرس في نفس المؤمن من فهم لمعنى الابتلاء ومآل وقوعه فيه خيرا كان أو شرا ...
و"الطيّبة" لغويا هي الحسنة ....فكل شيء حسن، ملائم، مريح مُرضٍ يدخل في معنى  الحياة الطيبة ...-وكما أسلفنا- لا ينفي أن تتخلّلها الابتلاءات، ولكنّها بصبر عند الشرّ وبعطاء وشكر عند الخير، وفي التفاعل الإيماني مع الابتلاء حياة طيّبة تلقي بظلالها الوارفة على المؤمن ...
نعَمْ ...يضيق المؤمن، يتعب، ينسى، يخطئ، يزلّ، يصيبه همّ، يصيبه غمّ، يحلّ به كرب... نعم كل هذا يلحَق بنفسيّته، يتعبها، لن يكون مبرءا من التعب النفسي لأنه مؤمن، بل لأنه مُبتلى وهو البشر الضعيف، سيكون في نفسه كل هذا، ستتقلب نفسه ... ولكن في أعماقه الرضى والفهم... في قلبه الطمأنينة بالإيمان... باليقين ...وفي دينه الدعم والذكرى وفُسحة العودة، فسحة الاستغفار، استزادة في الإيمان، استزادة في الهدى والتّقى  وهذا ما يجعل حياته طيّبة رغم كل ما فيها : "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ"...
وبهذا نستضيئ لفهم الفرق بين خيرات يعيش بها الكافر على الأرض، وخيرات يعيش بها المؤمن على الأرض جزاء استغفاره وإنابتِه ...فالأولى رزقٌ من الرزق لا يضِنّ به الله على من يكفر به لعطاء ربوبيّته، ولجلال سلطانه وعظمته، وهوان الدنيا عليه، وابتلاءً له بالخير استدراجا وإملاء وإغراقا فيما يصرّ الكافر على أنه غاية أمانيه مُنكِرا لحياة دائمة باقية بعد الحياة الفانية... والثاني عطاءٌ مبارَكٌ هو سرٌّ من أسرار العهد الموثّق بين عبد مؤمن وبين ربّه، فهو نِعمةٌ، وطمأنينة ورضى وسَكَنٌ في الدنيا لا ضرر منه ولا ضِرار، خيرٌ يُعطاه فيشكر ولا يمنع لأنه المترقّي بالحبل الإيماني الموصول بين السماء والأرض ...!

يتبع....
98
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:28:17 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عشنا في رحاب أربع سُوَرٍ من سُوَر هذا الجزء الحافل العامر :"الملك"، و"القلم"، و"الحاقة"، و"المعارج"... وكلُّها بفضل الله تنعّمنا بأجوائها، وتفيّأنا ظِلالها، وتملّينا حُسنَها وجَمالها...كلّها من الماء المعين الذي أتانا به المولى العظيم سبحانه خالقُ خلقِه ومُربّيهم ...كلّها الرُّوح للروح، فهي التي لا تستقيم حياةٌ بِلاها ...
وعرفنا الترابط والاتّساق البديع بين كلّ سورة وسورة، وتناغُمَ آيات السورة الواحدة فإذا هي الخطوط المتكاملة المتعاضدة ترسم الصورة رسما، فلا تكتمل ولا تستبينُ إلا بالأخذ بها مُجتمِعة  ... !
وإنّا اليوم مع سورة جديدة ... سورة "نوح" الحاملة لاسم الرسول نوح عليه الصلاة والسلام ...
هي واحدة من سور القرآن المسماة بأسماء رُسل حوت قصصهم مع أقوامهم، نزلت فيما نزل على خاتمهم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيها وفي مختلف سور القرآن ذكرُهم، وقصص جهادهم وعملهم على دعوة الناس لدين الله الواحد...كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلم من خبر السماء عن صبرهم، وثباتهم، وجِهادِهم، وعمّا تحمّلوا وتكبّدوا في سبيل تبليغ رسالات ربّهم...عن نَصَبِهم، ولأوائهم وما قوبِلوا به من صدّ وصدود وتكذيب وهم المصطفَون من خلق الله ... هُم جميعا حلقات في سلسلة دُريّة سَنِيّة واصلة بين السماء والأرض، بين الخالق وخَلْقِه ... كلّهم بالدعوة الواحدة جاؤوا، وبالدين الواحد جاؤوا ...
فكان يستأنس بذكرهم، ويتزوّد مِن عَزْمِهم لدربِه، ومن صبرهم وتجلّدهم في سبيل إحقاق كلمة الله لما يَلْقَى من صدّ وصدود، وتتسلّى الأحزان عن قلبه الشّفيف وهو يسمع عن تأييد الله ونصره لهم...يهون عليه تعذيب أو تكذيب أو رميٌ بالسحر أو بالجنون وهو يعلم عن إلقاء إبراهيم في النار، وعن مكابدة موسى لتقلبات يهود ولإملاءاتهم، وعن همّ قوم عيسى بقتله، وعن سجن يوسف لجريمة تعفّفه... يهون عليه، ويصغر بعينه ما يحيط به من تعنّت وعتوّ وهو يعلم عن فعل الله لما يريد حسِب مَن حسب أنه المريد...
كما كان ذكر أنبياء الله ورُسُله في القرآن سَمْتاً لعالميّة الرسالة، ونحن نقرأ قصصهم مع أقوامهم، من مختلف بقاع الأرض.  رُسُلٌ ذَوو ألسنة متباينة، وأعراق وأجناس مختلفة، كان كلٌّ منهم بلسان قومه يُبعَث...
تقرأ قرآنا عربيا مبينا، وأنت تستحضر في ذهنك اختلاف ألسنة الأقوام ورُسُلهم، فتستشعر وِحدة الرسالة، ووِحدة الدين، تستشعر أن الأرض برُمّتها موصولة بالسماء عَبْرَ رُسُل الله  إلى خَلْقِه لتنطق توحيدا وإيمانا... !
إنّ الإنسان لم يُخلَق، ولم تُخلق له الأرض ليُترَك هَمَلا وهباءة ضائعة، بلا هدف ولا جذور تجذبه نحو أصله فتنقذه من التَّيْه في صحارى الأهواء وفيافي الباطل، وتمنعه غوائل الشيطان ونفثه وصُروف النفس وتقلّباتها ... ! بل خُلِقَ وأنبِت من الأرض نباتا ليتعهّده الخالق بالسُّقيا حتى لا تظمأ فيه الروح، ولا يموت فيه القلب ...!
إنها الرسالة العالمية، وإنه الكتاب الذي جاءت فيه قصّة الإنسان على الأرض، منذ أن أوجِدت وهُيّئت لأجله، وأوجِد عليها إلى أن تنتهي الدنيا، كما جاء فيه دواؤه من أدوائه ...
سورة نوح مكية، جاءت تحمل اسمَ النبي نوح عليه السلام، وهي بكل آياتها تحكي قصّته مع قومِه .... ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة أحوَجَ ما يكون إلى معرفة سنّة الرُّسُل من قبله، وهو يُلاقي الصّدود ألوانا، والتكذيب والتعذيب، والتحريش ...
ولقد صوّرتْ لنا أواخر سورة "المعارج" حالَ الكفّار قُبالته مهطعين،  محيطين به في تضييق وتخنيق، واستهزاء وسخريّة، ومحاولات منهم يائسة أن يُثنوه عن  دعوته ويردّوا الناس عنه... لنجدها متبوعة بهذه السورة  تروي له ما لاقاه نوح من قومه في دعوة دامت تسع مئة وخمسين سنة :" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ"-العنكبوت:14-   ليعلمَ صلى الله عليه وسلم أنه ما كان بِدعا من الرّسل، وما كان ما حولَه بِدعا من شأن البَشَر ...
وهذا من الترابط الذي ألِفْنَاهُ بين السورة والسورة، وسنقع على أوجه ترابط أخرى في لاحِق الآيات ...
فماذا تُراها تحمل سورة نوح ؟ ماذا تعالج ؟
هذا ما نعرفه ونحن نستكشف أمرَها:
"إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)"
إنّه الرسول من ربّه، وإنّه تقريرٌ لعُلويّة أمره ومصدره، فهو ليس المتقوّل من نفسه، ولا رسول ملِك من ملوك الدنيا إلى ملك مثله، بل هو رسول الخالق إلى خلْقِه، هو الواسطة بين الموجِد سبحانه وبين مَن أوجد، وإنها رسالته يضعها في المصطَفَين من عباده ليكونوا المبلّغين عنه ...
يرسل للبشر بشرا، ولا يرسل لهم ملائكة وهُم جُندُه المطيعون، -ولو شاء ذلك لكان-  حتّى يستأنس الجنسُ بجنسه، وحتى يأخذ عنه وهو الذي من طينته، وحتى يكون له قدوة في إنسانيّة الإنسان المخلوق بضعف، والمخلوق مختارا بين كفر وإيمان، والمخلوق هلوعا –كما عرفنا في سورة المعارج- فهو الذي سيكون للبشر بشرا في صورته المترقّية، في صورة روحِه المنفوخة فيه من ربّها المرتوية بمائه، المتنفّسة هواءَه المُحيِي...ليكون الأثر المُقْتَفَى على درب استخلاف "الإنسان" في الأرض، في صلة بالخالق لا تنقطع ...
ولقد تأوّل الناس على مدى الأزمنة وعلى مدار مبعث الرُّسُل بعثتَهم رجالا منهم، واتخذوها محجّة لهم في رفض ما يبلغونَهُموه، ليس إلا مِن استمساكهم بالقشّات في محاولة يائسة بائسة لإنقاذ باطلهم وللإعراض عن الحقّ في صفاقة وسفاهة تتلبّس بلَبوس الحجّة...!
نوح عليه السلام كان الرسول الأول للبشرية، بينما كان آدم وهو الإنسان الأول نبيّا ربّى ذريّة البشرية الأولى على الصلة بربّها، فأرسل الله نوحا من بعد ما تطاول الزمن على بذرة البشر الأولى في الأرض، فاجتالها الشيطان عن ربّها وعن الحقّ الذي تركها آدمُ عليه.
عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان بين نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كلُّهم على شريعةٍ من الحقِّ فاختلَفوا فبعث اللهُ النبيين مُبشِّرينَ ومُنذرِين" –الألباني: السلسلة الصحيحة-
وأما عن أوّليّته في الرسالة ففي الصحيح حديثُ استشفاع الناس الأنبياء يوم القيامة أن يقيم الله الحساب، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم في نوح عليه السلام: " فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقولونَ: يا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلى أَهْلِ الأرْضِ، وسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا "
وإنّ ما بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون استشهادا بما جاء في الصحيح عن رجل قال :" يا رسولَ اللهِ أنبيٌّ كان آدَمُ ؟ قال : ( نَعم مُكَلَّمٌ ) قال : فكم كان بيْنَه وبيْنَ نوحٍ ؟ قال : ( عشَرةُ قُرونٍ )"
و"القرن" ها هنا لا يعني بالضرورة مئة عام، إذ هو في معناه الصحيح الزمن الذي يجتمع فيه الناس  بمختلف الأعمار قصرا وطولا، فهم الجيل من الناس... ونعلم أن نوحا مثلا عاش ما يربو عن تسعمئة سنة يدعو قومَه، فلك أن تتخيل جيلَه ومُدّته ... وقد تفوق بذلك عشرة قرون ألف سنة.
إنّ مُفتتَح السورة إخبارٌ عن أمور ثلاثة، عن عُلويّة المصدر المرسِل، وعن المرسَل إليهم، وعن فحوى الرسالة :" إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"
"إلى قومه" المرسَل إليهم.  فهو منهم، ليس بالغريب عنهم... وهكذا الرسول يُبعَث في قومه، فهم له ولأصله ولمكانته بينهم عارفون، وهو بالمقابل الحريصُ على قومه بحكم طبع حِرص الإنسان على ذويه وأقربائه وأهل أرضه ...
أرسله ربّه، وأمره أن يُنذر قومه... أن يخوّفَهم عذابه الأليم، الذي يُنزِله بالكافرين المُعرضين. فالرُّسُل رحمة من الله، تذكرة وإنذار وإعذار منه سبحانه لئلا يكون للناس على الله من حجة : " ...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا " –الإسراء: من الآية15-
ونُفاجأ بالآيات التاليات وهي تحمل سرعة استجابة نوح عليه السلام لأمر ربّه بالإنذار :  "قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى  إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) "
إنه العبد المطيع، إنه المُحَدَّثُ من ربّه سبحانه أن يبلّغ قومَه رسالته...
وإنه لأمرٌ عظيم... والسماء تتعهّد سلسلتها الوضيئة الممتدّة إلى الأرض برسول مُصطفى من أهلها، فيأتي أوانُ التذكير والإنذار من ربٍّ خالق لعباد له زاغوا وتاهوا عن الجادة ... إنه يحدّث قومَه بأمر ربّه وربهم، فهو ذا بادئا يعرّف بوظيفته الجديدة بينهم، وبما كان من أمر الله فيه : "يَا قَوْمِ إِنِّي لكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ"  ... مبين تعرفونه، وليس عنكم بغريب، وتعرفون سويّة عقله وطُهر سيرته بين ظهرانيكم، مبين بدعوة واضحة جليّة لا لُبسَ فيها ولا إبهام... دعوة حقّ ساطعة ناصعة، ولكنّ الحق في أعين سواد المُبطِلين باطل ...!
وإنه على تواجده بين سواد ضال من قومه الكفَرة، فهو الذي يعلن أمرَه بينهم، ويصف إنذاره لهم بالمبين ليقينه من الحقّ الذي معه، ولقوّة في شخصيّته تجعله يعلنه وهو لا يهاب سوادَهم، بل متوكّل على ربّه وهو الوحيد الأوحد فيهم الذي يقول بغير ما يقولون ...
ينذرهم، فلا يكون للإنذار وَقعٌ إلا وهو يذكّرهم، ويدعوهم ... فيذهب أولا مذهب الدعوة إلى ما ينجيهم ممّا جاء يُنذرهم إياه، فيدعوهم ليكونوا في كَنَف الله العظيم : "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ"
ثلاثة أشياء إليها قد دعاهم ... أن يعبدوا الله، فيكونوا لأمره مطيعين، وأن يتقوه فيجتنبوا سَخَطَه بانتهائهم عن نواهيه، وأن يطيعوه هو فيما يأتيهم به، لأنه الواسطة بينهم وبين الله، ولأنه المبلّغ عنه فليس يأمرهم إلا بما يوافق أمر ربّه ... وحريٌّ بي هنا أن أنوّه بهذه الآية جنبا إلى جنب مع الآيات التي فيها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل قوله تعالى : "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ"-محمد:33-   "وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"-النور:56-
، وفي قول الطاعنين بالسنّة -في أيامنا وفيما خلا من أيام- تأويلٌ لهذا الأمر بطاعة الرسول أنّها الطاعة لما جاء به قرآنا لا فيما جاء من أوامره عدا القرآن ...ففي دعوة نوح لهم بطاعته مزيد بيان لهذه الطاعة الخاصة للرُّسل.
ثم ها هو ذا عليه السلام في ضمنيّة إنذارهم : "يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى  إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"
 يزيد عليه السلام في إعذارهم بتعريفهم ما ينتظرهم في كَنَفِ الله تعالى. فهو الإعذار بدءا، التذكير من جهة، والفرصة الممنوحة لهم رحمة بهم من جهة أخرى نجاةً من عذابه مكلّلةً بالمغفرة لما فرط منهم من كفر ونُكران، "وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى" تأخير إلى أجل مسمّى عنده سبحانه، أجلٌ هو أجل الموت المحتوم، يؤخّرهم إليه بألا يستأصلهم بعذاب ساحق ماحق يُهلكهم جملة واحدة ...
"إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" فأما الأول فتأخير فيه تنجية من عذاب الدنيا، تأخير إلى أجل محتوم، وأما هذا، فهو يصحّ للأجل الذي هو ساعة موت الإنسان، كما يصحّ لأجل العذاب الذي يُمضي الله أمره بإنفاذه في عباده الذين يستحقونه ...
وعلى هذا ...نلاحظ أن امتثال نوح عليه السلام لأمر ربّه بإنذار قومه، كان أولا بدعوتهم إلى عبادته سبحانه وإلى طاعة أمره هو فيهم، ثم بترغيبهم فيما يجلبه إليهم الإيمان من مغفرة للذنوب وتأخير للعذاب.

يتبع...
99
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:26:56 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
تابع....

وبهذا الذي عرفنا ... نجدنا عَوْدا على بدء، نعود إلى ذلك المجرم الذي يودّ لو يفتدي يوم اللقاء العظيم ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومَن في الأرض جميعا ثم ينجيه ... ! وقد أسلفتُ أنّ رابطا قويا كائنٌ بين تلك الآيات وبين التقرير الإلهي في آية خلقه الإنسان هلوعا ...
ألا نراه وهو بما يودّ وبما يصنع من أوهامٍ بالياتٍ لن تُجديه نفعا هلِعا ؟؟!
إنه الهَلِع الهلوع ... إنه الذي لم يرتقِ درجات ذلك المِعراج الروحيّ العليّ ... لقد خُلق هلوعا، وبُعِث هلوعا ... لم يترقّ ... لم يؤمن بالله العظيم، لم يُعظِم الصلة به.... لم يذق حلاوتها....  لم يمدّ حياة صلاته ونماءها من حركة له على الأرض هي لله وبالله وفي الله ... كان مُنْبَتّ الصلة بخالقه، فلم يترقّ  ليزداد قربا ... فكان ابتلاؤه بالخير أكبر... ويا ما أشدّ ابتلاء الخير على المنقطعين غير الموصولين ... !!
ابتُلي بالخير وزيدَ فيه إغراقا له واستدراجا وإملاء ... فجمع وجمع وجمع وأوعى، ومنع ... ألم يصفه الله ولظى تدعوه  : " تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17)وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ(18) "
بقي هلعُه ...  وبقيت روحُهُ ظمأى، وبذرة الصلة فيه ذاوية ذاوية .... فهو لا يودّ إلا الفِداء ... وكلّا  ثم كلّا ... إنها لظى تنزعه شوى ... !
أما أهل المِعراج الروحيّ الذين ارتقوا درجاته ...فتقوّت الصلة وأحكِم الرباط، بالحفاظ على الصلاة ... فهُم أولاء :
"أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ"
في جنّات .... ليست جنّة ... بل جنّات ... كما هي معارِج لله تعالى يرتقيها  أصحاب الأرواح المؤمنة يوم اللقاء، كما ارتقوا في الدنيا مِعراجا نُصب في القرآن، نُصب في هذه السورة ليعتليه المؤمنون، فيكونوا عند الابتلاء من الناجحين ... إنهم يومئذ في جنّات... وهي المنتهى ....
وسبحان الله ... كم بات التساؤل من حَسَنِ النية ومِن سَيّء النية قائم عمّن يصلي وفِعاله شرّ، وسلوكه شرّ ... بل وتجد حتى من يقع في جُبّ الشكّ والحيرة والتفلّت من الدين وهو يرى أفعال أحدهم مخالفة لكونه مصلّيا ...
ربما غفلنا عن مِعراجٍ أولى درجاته المداومة، وآخرها المُحافظة ... مِعراج بذرتُه الصلة بالله، وسُقياه درجات ملازمات مرقّيات للصلاة وحياتها وقيامها، مُمِدّات لها بالنبض والمعنى...درجات مقرّبات من الله، موطّدات للصلة به، مُحكِمات للرباط، فهي مجتمعةً كوابح على درب الابتلاء، ورأسها تلك الصلة التي دوامُها أساس في البناء، والمحافظة عليها سقف له حافظ ...
وإننا الآن إلى نقلة...وهي في حقيقتها الوصلة مع الوصلة :
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)
الذين كفروا ... تصويرٌ لحالهم وهم حَول رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المستهزؤون، الساخرون من رسول الله ومن كتاب الله الذي جاء به، وهي ليست حال كفار قريش وحدهم، بل هي حال كفار كل زمان ...
مُهْطِعون  ... والمُهْطع من يُقبل ببصره على الشيء فلا يرفعه عنه، مادّا عُنُقه، مصوّباً رأسه... إنهم باتجاهك، مسارعون حاردون، لكأني بهم مقبلون نحوك بأجسامهم  كلها ...!!
هم عن يمينك... وعن شمالك عِزين، جماعات متفرّقين... وإنّه لَلإدبار منهم في شكل إقبال، إذ هم المستهزؤون من جنس ذاك السائل الذي افتتِحت به السورة، السائل سؤال استهزاء عن عذاب واقع، سؤال تكذيب به... كذلك حالهم وهم نحوك مقبلون ... كأنّهم وهم يمدّون أعناقهم يحملون رؤوسا خالية من عقل، فالله يتمّم وصفهم مستنكرا حالهم في قوله : " أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ"
لا تجني عقولهم ولا قلبوهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، يحيطون به وهُم على تكذيبهم قائمون ... بل يتخذون كلامه هزؤا، إذ يتبجّحون فيظنّون بأنفسهم أهلا لجِنان الرحمان وهم يسمعونه يحدّث عنها  ... يحسبون أنّ نوالَها كنوالهم الخير في الدنيا وهم كافرون...! هم به في قلب الابتلاء ويحسبون أنهم المُصطفون المنعّمون...! يكذّبون ويكذّبون، حتى إذا ذُكِرت رأوا أنفسهم وهُم في الدنيا كُبراء وعِلية أهلا لكل ذكر عِلية وإن كان مما يكذّبون ...!
أيطمع كل امرئ منهم أن يُدخل جنّة نعيم ؟!  أيحسبون الجنّة لأمثالهم؟؟ وقد سُبقت هذه الآيات بحال مَن استحقوها فهي جنات هم فيها مُكرمون ... عملوا، جاهدوا، ارتقوا... لم يكتفوا بالقُعود وإن آمنوا، فكيف بمَن لم يخالط الإيمان قلبَه ؟!
وإنّ تصوير القرآن لإحاطتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم جماعات متفرّقة لتمتثل لنا به صورتان... إحداهما لتضييقهم الخِناق عليه صلى الله عليه وسلم، وما كان يُعاني من محاصراتهم وتتبّعاتهم بسفاهاتهم وتجرؤاتهم عليه وعلى القرآن، والأخرى صورة حالهم المضطربة المهتزّة وهُم شغلُهم الترصّد لصاحب دعوة الحق بما يجعلهم أهلَ دركات تهوي بهم دركة إثر دركة في مهاوي الإجرام والخسار والتّبار ...خِلافا وضدّا لأهل ذلك المِعراج الروحيّ العليّ الذين هُم أهل الجنّات والدرجات العاليات ...
لنتأمل ... إنهم يكرّسون للهلع فيهم وهُم بهذا الاهتزاز وبهذه السّفاهة والهَبائيّة ...!   فهذه المعارج ... وذاك مِعراجٌ للمؤمنين ينصبه لهم القرآن ليرتقوه في الدنيا، حتى يكونوا أهلا لعطايا ذي المعارج ودرجاته العالية ... وهذه دركات الكافرين وهُم فيها يتهاوون ويَهْوُون إلى القعر السحيق ... ولذلك حقّ فيهم  : "كلا إِنَّهَا لَظَى(15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ(16) "
وهو ذا إنكار جديد ... إنكار عليهم، وإبطال لأمانيهم ... كَلَّا  إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ (39)
وهذا ما يؤكّد هوانَهم وأنهم هَباء، تذكيرهم بأنهم المخلوقون من ماء مهين، يعلمون جيدا أنهم منه مخلوقون ... وفي هذا ما فيه من كسر لكبريائهم الزائفة ... حقيقتهم ماء مهين، كان هيّنا على الله سبحانه أن يخلقهم منه ... وهو هيّن عليه سبحانه أن يبعثهم ويُحييهم بعد موتهم لينالوا جزاءهم، والعذاب الذي به يكذّبون ...
فجاء في ذلك قسم من الله عليه :
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)
المشارق والمغارب بعَدِّ مطالع الشمس ومغاربها على الأرض على مدار اليوم، إذ هي في مكان ما من الأرض تطلع في ساعة، وفي مكان آخر منه تطلع في ساعة أخرى حسب دورة الأرض اليومية حول نفسها بمقابل الشمس الثابتة ...
أقسم سبحانه بمشارقها ومغاربها أنه القادر على تبديل خلقه بآخر خير منه، سواء في ذلك تبديل بعث بعد الموت، أو تبديل حياة بحياة، تبديل بَشَر ببشر آخرين، هم أطوع لله ...... "وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ" سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجز عن ذلك ولا يُفات ولا يُسبَق إليه ...
"فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42)"
إنه سبحانه يأمره أن يتركهم توعّدا منه لهم بما ينتظرهم جزاء وِفاقا لِلََعِبِهم وخوضهم ... لأنّه كان حريّا بهم وهم يبلُغُهم هذا القرآن أن يتأمّلوا هداياته، وأن يتداووا بعلاجاته، لا أن يُعرضوا عنه، ويتخذوه لعبا ويخوضوا بأحاديث هي الاستهزاء والسُخرية، حريّ بهم أن يعرجوا والمعارج منتصبة في هذا القرآن ارتقاء بالأنفس، وإبقاء لحياة الأرواح ... لا أن يختاروا الدّركات ويحسبون الأمر لهوا ولعبا وخوضا عابرا .... وقد عرفنا في سورة القلم : " فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ"
ولنرَ ... إنه على مدار سورة المعارج العظيمة، نحن بين صعود وهبوط، بين عُروج في الدرجات وتهاوٍ في الدّركات ...
سبحانه بيّن خلقه للإنسان هلوعا، فعرفنا المُجرم وهو يُبعث هلوعا كما خُلِق وهو الذي لم يعرف صعودا ولا قربا ولا ترقّيا، بل تهاوى، وانحطّ، وابتعد... ثم عرفنا أهل العُروج الروحيّ الممتثلين لهدايات القرآن وإضاءاته على درب الابتلاء، وكيف يُدرَّبُون ويترقّون فينجحوا في مواجهة الابتلاء إن بشرّ أو بخير ...
ثم عرفنا مَن يقابلهم من أهل الدّركات المتهاويات المُهوِيات وكيف هُم وقد خُلقوا على الهلع ... هم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه وفي كل زمان يستهزؤون ويتجرؤون ويخلطون ويخبطون، يرفعون رؤوسهم في كبرياء كذّابة ...بالأهواء رؤوسهم وقلوبهم مَلْأَى لا بالتعقّل والتبصّر والحكمة والتروّي ...
فها هُم أولاء في ذلك اليوم العظيم :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ  ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)
إنّهم لم يكونوا يسمعون، ولم يكونوا يبصرون : "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ  لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا  أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" –الأعراف :179-
كالأنعام  عاشوا، وكالأنعام يُبعَثون ... خلقوا هلوعين، وبُعثوا هَلوعين، لم يقدّروا هذا القرآن حقّ قدْرِه، فاستهزؤوا وكذّبوا وتهاووا، لم يفهموا أنّ القرآن معراج الروح في الدنيا وقربةٌ من نافِخها في عبده، أنه الروح للروح :" يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..." -النحل: من الآية02- ...وأنه لها معارج في الآخرة وارتقاء وفوز بالدّرجات العُلا ...
كأنهم إلى نُصب يوفضون... كما أدبروا في الدنيا عن دعوة الحق، وتولوا أصنامهم وباطلهم، فهم اليوم كأنهم يسرعون إلى أنصابهم، إلى أصنامهم التي سَفَهاً اتخذوها من دون الله الواحد ذي المعارج سبحانه ...! هم أولاء كما اختاروا الدّركات في الدنيا، أذلّة هلِعون مقبلون على الهلاك بأرجلهم...بل إليه هُم مسارعون ... !
ذلك ما كانوا يُوعَدون، وكانوا به يكذّبون ... إنه اليوم الذي سيفوز فيه أهل المِعراج ...أولئك الذين ترقّت أرواحهم وسمتْ حتى هي اليوم عند ذي المعارج المترقّيةُ  القريبةُ :  "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
وينتهي موعدنا مع المعارج لأضرب لكم موعدا جديدا مع سورة نوح قريبا بإذن الله تعالى ...
100
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-07, 09:26:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

فلـــــــــــــــنعرُج ...
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)
الذين يصدّقون بيوم الدين، فلا ارتياب في أنفسهم من وقوعه ولا شكّ ...
هم المداومون على صلتهم بربّهم، وهم الذين لا يقطعون ما بينهم وبين إخوانهم، بل يصلونه  بأن يُعطوا المسكين ويرحموا، ويلامسوا بذلك قول ربّنا : "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"... وهُم هُم المصدّقون بيوم الدين...
وإنها الصلة أيضا ... الصلة والاتصال في وجه آخر، في معنى آخر...
إنه وصل دنياهم بالآخرة، إنهم الذين لا يقطعون ما بين حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى، بل هم الموقنون من ذلك اليوم الذي فيه الحساب والجزاء، ليسوا الذين يُقصِرُون وجودهم على الدنيا، بل إنهم الممتدّ بصرهم امتدادَه إلى الدرجات العُلى على مِعراج السموّ الروحيّ، إلى ما هو خير...ليسوا بالقاصرين المحدودين ...!
فصَلاتُهم صِلة بالله حتى يلقوه، وعطاؤهم من مالهم لمن هُم أدنى منهم مبتغين رضى الله حتى يلقوه، وتصديقهم بيوم الدين واقرٌ في القلب، به يلقون الله ...إنه المُرتقى ...  وإنها الصلة بالله معزّزةٌ بالحركة في الأرض لله...
ولنا أن نتخيّل مداومة على الصلاة مقرونة بهذا الاعتقاد المجسّد أفعالا، وإذا بهذه المداومة تأخذ يوما عن يوم طابع الحبّ والقوّة، فلا تبقى في إطار العادة وحدها، بل تصبح بنكهة التراحم، والسعي للرأفة بعباد الله، والتصديق بوعد الله تعالى وبلقائه يوم الدين، ستتعزّز تلك المداومة باستشعار القُرب من الله والحركة لوجهه ولنيل رضاه، ستصبح صلة أقوى ورابطا أوثق ...! إنّه كلما ولّى وجهَه شطر القِبلة مصلّيا قرأ في كل ركعة : "الحمد لله ربّ العالمين ** الرحمن الرحيم** ملك يوم الدين **إياكَ نعبد وإياك نستعين** اهدِنا الصراط المستقيم..." هكذا في كل ركعة "بصيغة الجمع"  يقرّ بالعبودية لملك يوم الدين، ويسأله العون، ويستهديه، وهو على الأرض يتحرك متصلا بإخوانه، محقّقا الوصل المجتمعيّ، مُعطيا مما أعطِي، محققا روح الأمّة، فيُعانُ ويُهدَى... وهكذا في مداومة على تلك الصلة العظيمة(الصلاة) يبعث في نفسه رُوحَها وحياتَها وفعلََها بالعمل...  إنّ صاحبَها ليَعرُجُ مبتغيا قُرْب ذي المعارج... !
ومع تصديقهم بيوم الدين، هم مِن عذاب ربهم مشفقون، عذاب لا يأمنونه: " أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"-الأعراف: 99- .  مُعْظِمون هُم لطلاقة قدرة الله تعالى، فلا يرون من أنفسهم ورعاً لا يُدانَى، بل هم المستقلّون لما يفعلون، الرّانون بإشفاقهم للاستزادة من الأعمال ... إنّه الحَذَرُ الذي يولّد العمل ... ثم إن الإشفاق من عذاب الله لازمة تهوّن على صاحبها كل مصائب الدنيا،  فلا يعود ذلك الجزوع وصبره عليها أجر وثواب يُنجيه من عذاب هو أحرى أن يُشفَقَ منه ... ! فلنتأمّل الدرجات المرقّيات ...! وإنهم الواصلون دنياهم بأُخراهم، لا ينقطعون عنها وهي الغائبة عن أعينهم، بل إنّ قلوبهم موقنة بها، متشوّفون لخيرها ونَعمائها، حريصون على الفوز فيها ...
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)
إنهم الذين يصونون أنفسهم إلا من العلاقة الزوجية المُباحة التي هي أصل الأسرة الطبيعية، لا ما يَشْهدُه عالَمُنا من انطماس للفِطرة وقلبٍ لها...!
فهذه القوانين تُسنّ وتُشرَع ليُشرَع بها باب المعاشرات الشاذة بين الجنس الواحد تحت سقف تحميه قوّة القانون، وتجتمع لأجله البرلمانات ويحتّج فيها الرّجالات، لتُصادِق عليه في قفزة تحرّرية نوعيّة يُؤرّخ لها أرباب الفساد والإفساد في الأرض... !
أيّ انتكاسة وأي ارتكاسة يعرفها عالمنا اليوم ! ورئيس دولة يقف مُلوّحا بيدٍ لشعبه وعشيرُه باليد الأخرى ! زوجُه بلغة قوانينهم، بل ويفخر به في المحافل الدولية، وهو يأخذ صورة في مَجمعٍ لنساء رُؤساء الدول العُظمى ...!!
ويُدندن أرباب هذا الانخلاع الكليّ من الفطرة بأن الإسلام دين الرجعية والتخلّف، ويردّد خلفَهُم ببغاوات من بني جلدتنا منبهرين بحضارة تجعل من الأسرة مَسْخاً بجنس واحد !!!
هذا عالمنا في نُسَخِهِ المتجددة، ليصبح أمام هولها وقذارتها الحديث عن زنا واختلاط أنساب نافلة... وهو الذي تترنّح الأرض من لأوائِه وثِقَله... !!
وهذه المعارج، وهذا العُروج الإنسانيّ ليواجِه ابتلاءات الدنيا وتقلّباتها، هذه درجة أخرى تُضاف إلى صلة بالله لا تنقطع، يعزّزها الفعل وصلة بالناس تجسّد المساواة والتراحم، ويقين بلقاء الله لا يتزعزع .. إنه حفظ للشرف الإنسانيّ، وللوجود الإنسانيّ حتى لا يصبح والوجود الحيوانيّ سواء ... غريزة مهذّبة، منضبطة بضوابط حافظة، فلا تَرَهْبُن ولا إنكار لمَيْل الجنس من البشر إلى الجنس الآخر في امتداد للترابط الآدميّ الحَوّائيّ، لنَعِي أنه الاتصال البشريّ على  الأرض والامتداد للأسرة الطبيعية التي جبل الله الناس عليها مُذْ بدأ الخلق. وليس هو الإطلاق العنانيّ للغريزة لتصبح الأرض غابة بذوات اثنَيْن لا أربع ...!
ولنتأمّل صُعُدا مدى الحرص على الحفاظ على المجتمع من خلال صَون الفرد والحفاظ على إنسانيّته بضبط الغريزة مقدّمة لضبط الهلع في النفس وكبح جِماحِه ...
"فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ"
وهذه وحدها إعجاز تعبيريّ ليس إلا للقرآن، وهي تكفي للتّدليل على الإبداع في مضمار الفساد والتفسّخ الأخلاقي، فالعلاقات خارج إطار الزواج أصبحت بموضات وصيحات ... عياذا بالله !
وارتقاء جديد، وعُلِّيَّةٌ جديدة .... : "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) "
فإذا الأمانات المادية بأنواعها هي أول ما يتبادر إلى الذهن، بينما تُغفَل أولى الأمانات وأَوْلاها بالأداء...
استخلافٌ في الأرض هو دورُ الإنسان المُلازِم لكَيانِه، بإحقاق لكلمة الله عليها وإبطال لغير كلمته... وكلٌّ موكّلٌ به، وليس حِكراً على قائد يكون سببا من أسباب نصر الله لعباده المؤمنين أو على جنديّ يقاتل في سبيل الله، بل هو الاستخلاف فيها بأن نمشي في مناكِبها برؤوس مرفوعة، معتزّة بالإسلام، تحيا به نبضا وروحا، ولا يغرّها مَشيُ تَيْهٍ بغيره، فهي القائدة المعلّمة لا المَقودة المقلِّدة: "إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ  إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " .
وأَوْلى الأمانات بالأداء نفسٌ بين الجَنبَيْن ترتاح وتطمئنّ وترتقي بنهج خالقها، فإما إيمان فامتثال وائتمار وإمّا كفرٌ فانتكاس وارتكاس ...
وَأَوْلى الأمانات بالأداء نفسٌ تخرج من نفس، فهي وليّها، وهي راعيها، وهي المسؤول عنها يوم اللقاء أحسنت تنشئتها أم أساءت، علّمتها منهج العُروج أم تركتها فالهلع  كما هو فيها... خِلقةٌ وساكنٌ لا يبارح ... !
وهي ذي العهود مقرونة بالأمانات، فأوّلها عهد العبد مع ربّه أن يؤمن به ويكون له العبد المطيع، ومن ثمَّ عهود منبثقة تستوجب الوفاء والإيفاء، وكلّها الائتمار بأمر الخالق المربّي سبحانه، والانتهاء عن نهيه ... فهو الذي لا يخون ولا يخدع الناس، وقد أوفى مع ربّه ...
ولنتأمّــــــــــــــــــــــــــــل...
فكُلُّها الصلة والاتصال والامتداد ... !
لكأنّي بها الدّرجات الموصولة المُصعِدة، فلا انفصال بين واحدتها وأخرى، وكلّ واحدة منها بذاتها وصلٌ واتصال...  ومع العهود والأمانات هو اتصّال الأرض بالعهد الأوّل للخلق، العبوديّة للربّ الخالق منذ عهد الذرّ فطرةً مركوزةً في الإنسان، يدعو أولها آخرَها أن أوفِ ووفِّ فهو العهد الأول كما كان للخلقِ أوّلُ ...!
ولنرتقِ... ولنصعد... ولنعرُج .......
"وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) "
الركن الأول من إسلام المسلم وإيمان المؤمن أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله... شهادةٌ تحتاج أن يكون بها قائما، فلا يقعد، ولا يتنازل، ولا يُداهِن، ولا يطأطئ بها رأسا لمَن لا إله لهُم يشهدون بوحدانيته، ولمَن إلهُهُم الهَوَى في الأرض فهُم يَقْلِبون به الفطرة والحق نافِثين في الأرواع أنّ الظُّلمَةَ نور كما تعوّدوا النّفث بسحر البرمجات اللغوية العصبية وألاعيب الآلة الإعلامية ...!!!
إنّ هذه الدّرجة من مِعراج النفس لسميكة ...وأيّ سماكة ...! إنها القيام بالدين في النفس على الأرض، إنها الثبات عليه ...!
ويالِأنوار هذا المِعراج النفسيّ...! ويالأنوار هذا العُروج  !!   ويالِسورة المعارِج ...!!
"وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "
سبحانك ربي ...! أوَّلُها المداومة عليها، وآخرها المحافظة عليها ... !
ولكأنّ الصلاة وهي الصلة بالله، وهي القُرب منه، وهي بذرة الارتقاء، تترعرع وتنمو وتكبر ليس على أنها تولية الوُجوه شَطْر القِبلة، والحركات والركعات التي تنتهي بإلقاء السلام يُمنة ويُسرة...لا... لا... إنما ذلك الفهم القاصر المخلخَل الذي كُرِّس في أذهاننا عن الصلاة ... ولكأنّي بـ : "الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دائِمُون" تعني تلك الصلة التي لا تنقطع أصلا، فالعبد يستشعر أنه بين يدَي ربّه في كل حين، يقوم بين يدَيه وقتَ الصلاة يقرّ بالعبودية، ويستعينه ويستهديه للقابل من حركة له على الأرض، ويستغفره على ما مضى بين صلاته الآنِفة وصلاته التي هو فيها ... يأخذ من قيامه بين يَديه مصلّيا الطاقة والقوة والزاد والمَدَد لحركة على الأرض لا تنقطع فيها صلتُه بربّه  ...
ليست حياة منفصلة منقطعة، تدوم دقائق من الزّمن، وما تلبث أن تنتهي بالتسليم... بل هي حياة ممتدة، تستمدّ حياتَها من الحركات الأخرى، من حركات الحياة....فحقٌّ معلوم للسائل والمحروم مُؤدّى في حركة اتصالٍ بالمُجتمع، وتراحم، وإحساس بالآخر، في حركة الإنسان مع أخيه الإنسان لا مع نفسه وجُدرانها وحسب ... هي اتصال، وهي معاملات، وهي بحثٌ عن نفس تُخْفي ألَمَهَا وحاجتها لتستشعر إحساس الآخر بها وهي المعثور عليها، وأنّها في المجتمع الحيّ بالله، الموصول بالله... لا تُترَك  ...
هي ذي بذرة القُرب والاتصال بالخالق تستمدّ حياتها وسُقياها من امتداد ليس يُحدّ ببصر ولا بمسافات، بل بالماورائيات، فهي تصِل دنياها بأُخْراها، تعمل في الدنيا بيقين فنائها لتحصد عملها في الآخرة الباقية، وكأن الدنيا في نفس المؤمن يدٌ تُمدّ للآخرة تُمسِك بها لئلا يقع صاحبُها بل ليرتفع  ... !
لتعرج روحُه في ذلك اليوم ... لا بمِعراج بل بمعارج ...!
معارج القُرب من الملِك الديّان سبحانه ... رُتب ودرجات وعلاليّ ... !
فهل تذكرتَ معي بدايات السورة ؟! " تعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " ....
لقد عاشت تلك الروح -وهي النفخة من الخالق-  تعرج وتعرج ... لم تَبْقَ على هلعٍ خُلِقت عليه، لم تُبعَث على ما خُلقت عليه من هلع .... بل بُعثَت وهي العارجة التي أتمّت عُروجها بنَوَالها خير الآخرة ونعيمه ....!
لقد كانت في الدنيا موصولة بذلك اليوم العظيم ... اشرأبّت إلى الآخرة وتشوّفت إليها وإلى درجاتِها العُلا ... !
أفرأينا كيف هي بذرة الصلة بالله، كيف هي الصلاة  وهي تنمو وتُزهِر ؟! أفرأينا كيف لصاحبها هي الناهية عن الفحشاء والمنكر، إنها وهي تستمدّ حياتَها، وتنمو من حركة في الحياة تحقّق الوصل أبدا ...! بل تزيد وتزيد في القُرب ...!
لقد كانت الدرجة الأولى من مِعراج الروح "المداومة على الصلاة"... فهي المداومة بالإنماء والتعهّد والرعاية والسُّقيا ... فأصحابها أصحاب تشوّف للآخرة، أصحاب خوف وإشفاق من عذاب الله الواقع الذي ليس له من دافع، أصحاب إشفاق يعلو بالنفس، لترنو للعمل يعضّد العمل، يرفع العمَل...
وبذرة الصلة بالله تُرعَى وتُسقى، فصاحبها يصل النّسل الإنسانيّ بأصله الإنسانيّ وهو يهذّب الغريزة فيه ويضبطها، فلا يجمح، ولا ينساب حيوانا لا يفرّق بين حلال وحرام ... بل هي الأسرة، هي الأخرى بذرة تنمو وتكبر مُجتمعا طاهرا ساميا لا خلط فيه ولا فساد ... لا غابة تُصنع من ذوات الاثنَيْن، بل هي لذوات الأربع ....!
لقد زاد القُرب ... لقد نما، لقد أينعت ثِمارُه ... لقد ارتفعت النفس وسمت وعلتْ... لقد عرجتْ الروح، ولقد حييت وارتاحت...لقد سُقِيت وارتوت ... وكيف لا وهي المعارج ؟!!
والأمانة، وتقدير ثقلها، وأولاها تحقيق الاستخلاف في الأرض،  فصدقٌ وحفاظ وأداء... والعهد فوفاء وإيفاء، وأوّله العهد بالعبودية لجلال الربوبية والألوهية الواحدة ...فما كان مع الربّ موصولا لن يُقطع بالخيانة مع العبد ...
فكيف هي الصلاة التي بُدئ بالحضّ على المُداومة عليها ... ولم يقتصر الأمر على المُداومة... بل نُصب المِعراج ... وتبيّن الدَّرَج ... واعتلت الدرجة منه تؤدّي إليها الدَّرَجة ...!
إنها الصلاة المُحافَظ عليها ... إنها الصّلة المُحافَظ عليها ... إنها التي زرعَتْ الطمأنينة والسكينة في النفس، فأذهبَت ريح الجُموح والاندفاع ... ريح """الهلع"""....
أيّ هلع ؟؟ وما الهلع ؟؟ ....إنه الجزع عند مسّ الشرّ والمنع عند مسّ الخير ...  لقد ترقّت تلك النفس المخلوقة على الهلع ... فعاشت تستطيع أن تصبر عند الابتلاء بشرّ فلا تجزع، فزَعُها إلى الله، إلى صِلَتها به، إلى صَلاتِها تبثّ الهمّ والحزن والشكوى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "-البقرة:153-   بل تستطيع وهي تترقّى أن تبلغ مبلغ : " فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا " ..كما عرفنا الدرجة الواحدة وهي ذات ترقّيات ...
نفسٌ تشكر عند الابتلاء بخير فلا تمنعه ... بل تعطي وتجود، وترحم، وليس دَيْدَنُها ودأبها أن تجمع وتجمع وتوعي، بل الحقّ المعلوم معلوم تُعطيه برحابة صدر، بل وتبحث وتسعى لتعطي ... فلا تستكبر في الأرض بمادة، بل هي الشاكرة أبدا ...
وهكذا .... كان الحفاظ على تلك الصلة، الحفاظ على الصلاة، على القُرب ... على الدرجات العاليات ... على التشوّف لمَعارج الآخرة ...!
لقد كانت الصلاة البداية ... وهي ذي المُنتهى ... ليست نهاية المُرتقى، بل إنّ المِعراج الروحيّ الذي عرفْنا هو  في ذلك اليوم العظيم معارج... معارج قُرب تستحقّها النفس فتُجزاها وهي في الدنيا قد عرفت المرتقى، فارتقت، فلم تعد على هلعها ...بل لم تُلاقِ ربّها وهي على هلعها...!
تعديل المشاركة
ونلتقي بإذن الله مع تأملات لي أخرى في سورة المعارج

يتبع....
صفحات: 1 ... 8 9 [10]