91
:: قرآن ربي :: / رد: في ظلال القرآن -تابع2-
« آخر مشاركة بواسطة حازرلي أسماء في 2026-04-08, 09:48:29 »إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَـذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللّهِ إنَّ اللّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)
2-أ) إنها امرأة حُبلى، طائعة، خاشعة لربها، ومن حبها له سبحانه ها نحن نسمعها وهي تنذر ما في بطنها لله محرّرا، والنذر التزام التقرب إلى الله بأمر من جنس العبادات التي شرعها لعباده بزيادة فوق ما افتُرض عليهم، من مثل نذر بصلاة فوق صلاة الفرض أو بصيام فوق صيام الفرض.. فهي ذي تنذر ولدها المُقبل محرّرا لله تعالى. وكما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير عن المحرر : " أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم يبق فيه شيء من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان ."
وإني أتأمّل : "محرّرا لله" لأجد لها وقعا خاصا، وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعوث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدّان، ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صُنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر، وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق.
كما أرى في قولها: " إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ما يبيّن مدى تقديرها لربها الذي تعلم أنه الذي يسمعها، وليس يسمعها وحسب، بل يعلم حقيقة ما تُبطن زيادة على ما تُظهر وتُعلن بلسانها.
2-ب) ثم نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية هي الفارقة بين زمان وزمان أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى ".. هكذا نستشعر نبرة التحسّر على وضعها أنثى، ليس لأنها أنثى بميزان الجاهليين الذين كانوا يرون تميّز الذكر عنها في كل شيء، بل لأنّ الأنثى لا تصلح لنذرها الذي نذرت، لا تصلح لأن تكون خادمة لبيت الله تعالى لا تبرحه، وهي التي تحيض وتعجز عن التكاليف الكثيرة والثقيلة ..."والله أعلم بما وضعتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، علمها عن عين اليقين بعد أن رأتْها، ولكنّ الله علمه بها من قبل أن تكون، وليس الذكر كالأنثى ... ليس الذكر الذي تمنّت كالأنثى التي رُزِقَتْها، نستشف أنّ الأنثى هنا هي الفاضل، والذكر هو المفضول، هذه الأنثى وما سيجعل الله منها من خير، ما ستُفضَّل به من أمر الله تعالى، وما ستُخصّ به من دون نساء العالمين هي خير بكثير من الذكر الذي تمنّته امرأة عمران... "وليس الذكر كالأنثى" ... وأيّ أنثى هي ؟!!
وتكمل مناجاتها : " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فأما هذا الجزء الثاني من مناجاتها، فهو الرضى منها بما أعطى الله تعالى. سمّتها "مريم" وهو عندهم بمعنى "العابدة"، وزادت فأعاذتها بالله تعالى وذريتها من الشيطان الرجيم... أي أنها استجارت بالله وألجأتها بحصنه المكين من شرور الشيطان الرجيم .
وفي إعاذتها لها وذريتها بالله من الشيطان إشارة إلى عبادة وطاعة تختصّ بهما امرأة عمران أم مريم، فنراها المرأة التي لا تكتفي بإلجاء مولودتها إلى حصن الله تعالى وحِرزه، بل هي تطمع في أن ينجّي الله تعالى ذريتها من الشيطان، فتكون ذرية صالحة، وربما هذا مطمع من مطامع امرأة عمران العابدة، الطائعة لربها، يجعلها لا تيأس من أن يكون في عقِبها خادم لله تعالى محرّر له، كما تمنّت ، فإن لم يكن في مريم ففي ذريتها من بعدها ... وذلك حقا ما كان ... وإن كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه : "وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ...." إلى آخر الحديث. فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شِئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. " –صحيح البخاري-
2-أ) إنها امرأة حُبلى، طائعة، خاشعة لربها، ومن حبها له سبحانه ها نحن نسمعها وهي تنذر ما في بطنها لله محرّرا، والنذر التزام التقرب إلى الله بأمر من جنس العبادات التي شرعها لعباده بزيادة فوق ما افتُرض عليهم، من مثل نذر بصلاة فوق صلاة الفرض أو بصيام فوق صيام الفرض.. فهي ذي تنذر ولدها المُقبل محرّرا لله تعالى. وكما يقول ابن عاشور في التحرير والتنوير عن المحرر : " أي عتيقا مخلصا للعبادة متفرغا من شواغل الدنيا لخدمة بيتك المقدس . يقال : حررت العبد إذا خلصته من الرق وحررت الكتاب إذا أصلحته ولم يبق فيه شيء من وجوه الخطأ ، ورجل حر إذا كان خالصا لنفسه ليس لأحد عليه سلطان ."
وإني أتأمّل : "محرّرا لله" لأجد لها وقعا خاصا، وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعوث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدّان، ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صُنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر، وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق.
كما أرى في قولها: " إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ " ما يبيّن مدى تقديرها لربها الذي تعلم أنه الذي يسمعها، وليس يسمعها وحسب، بل يعلم حقيقة ما تُبطن زيادة على ما تُظهر وتُعلن بلسانها.
2-ب) ثم نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية هي الفارقة بين زمان وزمان أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى ".. هكذا نستشعر نبرة التحسّر على وضعها أنثى، ليس لأنها أنثى بميزان الجاهليين الذين كانوا يرون تميّز الذكر عنها في كل شيء، بل لأنّ الأنثى لا تصلح لنذرها الذي نذرت، لا تصلح لأن تكون خادمة لبيت الله تعالى لا تبرحه، وهي التي تحيض وتعجز عن التكاليف الكثيرة والثقيلة ..."والله أعلم بما وضعتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى"، علمها عن عين اليقين بعد أن رأتْها، ولكنّ الله علمه بها من قبل أن تكون، وليس الذكر كالأنثى ... ليس الذكر الذي تمنّت كالأنثى التي رُزِقَتْها، نستشف أنّ الأنثى هنا هي الفاضل، والذكر هو المفضول، هذه الأنثى وما سيجعل الله منها من خير، ما ستُفضَّل به من أمر الله تعالى، وما ستُخصّ به من دون نساء العالمين هي خير بكثير من الذكر الذي تمنّته امرأة عمران... "وليس الذكر كالأنثى" ... وأيّ أنثى هي ؟!!
وتكمل مناجاتها : " وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ "، فأما هذا الجزء الثاني من مناجاتها، فهو الرضى منها بما أعطى الله تعالى. سمّتها "مريم" وهو عندهم بمعنى "العابدة"، وزادت فأعاذتها بالله تعالى وذريتها من الشيطان الرجيم... أي أنها استجارت بالله وألجأتها بحصنه المكين من شرور الشيطان الرجيم .
وفي إعاذتها لها وذريتها بالله من الشيطان إشارة إلى عبادة وطاعة تختصّ بهما امرأة عمران أم مريم، فنراها المرأة التي لا تكتفي بإلجاء مولودتها إلى حصن الله تعالى وحِرزه، بل هي تطمع في أن ينجّي الله تعالى ذريتها من الشيطان، فتكون ذرية صالحة، وربما هذا مطمع من مطامع امرأة عمران العابدة، الطائعة لربها، يجعلها لا تيأس من أن يكون في عقِبها خادم لله تعالى محرّر له، كما تمنّت ، فإن لم يكن في مريم ففي ذريتها من بعدها ... وذلك حقا ما كان ... وإن كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه : "وسأخبرُكم بأوَّلِ أمري : دَعوةُ إبراهيمَ ...." إلى آخر الحديث. فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ...
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما مِن مَولودٍ يولَدُ إلَّا والشَّيطانُ يَمَسُّه حين يُولَدُ، فيَستهِلُّ صارِخًا مِن مَسِّ الشَّيطانِ إيَّاه، إلَّا مَريمَ وابنَها، ثمَّ يقولُ أبو هريرةَ: واقرَؤوا إن شِئتُم: {وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} [آل عمران: 36]. " –صحيح البخاري-

المشاركات الحديثة
الجزء الأول :