
في سورة هود العظيمة، من بعد مجيء قَصص الأنبياء مع أقوامهم، وما كان فيها من دعوتهم الواحدة إلى إفراد الله تعالى بالعبادة، وما قابلها من صدود وتكذيب وتسفيه من أقوامهم .. وما كان من مجيئ أمر الله تعالى ممثلا في تعذيبهم وإنجاء الأنبياء ..
من بعد كل تلك القصص، جاءت في آيات متتابعات أوامر من الله تعالى لنبيّه ﷺ ، نريد أن نتأملها ونتدبّرها :
{فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116) وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)}
فلنأتِ عليها آية إثر آية، وهي التي أراها هداية إثر هداية، وجزءا يُركَّب إلى جزء لتكتمل الصورة من التوجيه الإلهي المراد؛ وإنها مجتمعة تمثل مقوّمات الإصلاح في الأرض... فلنتأمّل :
💎1-) الاستقــــــامة ------> {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112) }
أمره ﷺ بالاستقامة، وهي قوام الأمر كله، وهي الثبات على الحق رغم كل عواصف الباطل الهائجة وغمراته المائجة؛ أن يستقيم هو ﷺ ومن معه من المؤمنين؛ وقد عبّر عنهم سبحانه بقوله : "ومن تاب معك" لعظمة مدلول التوبة التي تخرج الإنسان من ظلمات الكفر والغفلة والجهل إلى أنوار العلم والإيمان، وإنك إذا تأملت السورة ومقالات الأنبياء في دعوتهم أقوامهم إلى الله تعالى لوجدت دعوتهم إلى التوبة، وقد جاءت أول مجيئها في مطلعها، تلقينا لرسول الله ﷺ وبيانا لدوره بالبشارة والنذارة: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ.... }
ثم جاءت على ألسنة كل من سادتنا هود وصالح وشعيب -عليهم صلوات الله وسلامه-(الآيات: 52و61و90)..
الاستقامة على طريق الحق هي التي تكفل الأهلية للإصلاح، فما يقوى متزعزع متذبذب تطوّح به الأهواء وتتقاذفه أمواج الباطل وتأخذه تيارات التبديل والتمييع الجارفة، على الإصلاح وهداية الناس وإعادتهم إلى الجادة..
💎2-) عدم الخضوع لأعداء الله وعدم موالاتهم -----> {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113)}
دعوته ﷺوكل أمّته إلى عدم الركون إلى"الظالمين"، في إشارة إلى كل من حادّ الله ورسوله، وجاء التعبير بـ "لا تركنوا إلى"، والركون هو الميل إلى الظالمين والاستناد إليهم والاعتماد عليهم، فجاءت العبارة تحمل في طياتها ملامح الذلّ والاستكانة والصغار بين أيدي أعداء الله ...
وقد أتبع الله هذا النهي منه بأسوء مآل ينتظر من يركن، بالنار وعذابها، في بيان لشديد غضبه سبحانه على من يوالي أعداءه...
لا يقوم إصلاح في الأرض على مراد الله وبمنهج الله وأهل هذا المنهج يذلّون ويستكينون لمن هم إليه مفتقرون، والذين تُفترض دعوتهم هم للانصياع لأمره والخضوع لعدله ..
💎3-) الاستعانة بالصبر والصلاة --------> {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114) وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115)}
دوام الاتصال بالله تعالى لاستمداد العون منه، والصبر على لأواء الطريق، ولا قيام لإصلاح في الأرض مِن منقطع عن الله تعالى، فلا مَدد له ولا وارد، ولا مِن جزِع لا يصبر على الأهوال والصعاب والشدائد ...
💎4-) الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر-----> {فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)}
في هذه الآية جاءت الدعوة إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، من خلال ذكر حال الأمم السابقة الذين أتمّ خسارَهم وبوارَهم تركُهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر :{ كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ ۚ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ} [المائدة : 79]
فلا يقوم إصلاح في الأرض والمفسدون فيها هم الأعلون بلا رادع وبلا ردّ لهم عن فسادهم من مصلحين لا يسكتون عن كلمة حق ويرون الجهاد في سبيلها مكرمة .
وهكذا... ومن خلال هذه الآيات المتتابعة، نتبيّن مقوّمات الإصلاح في الأرض :
💎الإصلاح في الأرض💎 = 💧الاستقامة + 💧عدم موالاة أعداء الله + 💧الاستعانة بالصبر والاستمداد من الصلاة + 💧الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
كلها لا تقوم عملية إصلاح في الأرض بغير توفّرها في المصلح، الذي هو صاحب الحق الذي لا يتبدّل والعلم الذي لا يُقارَع، والنور الذي لا يُطفأ والهدى الذي لا زيغ معه ...
هذه الأمة، صاحبة هذا الكتاب وهذا المنهج، الذي غايته الإصلاح في الأرض، يجب أن تكون تلك سماتها، أمة مستقيمة على ما أخرجت لأجله، لا ما نراه من ميل مع المائلين، أمة عزيزة بالله وبدينها، فهي العليا التي لا تذلّ ولا تستكين ولا ترى في عدوّ الله قويا تركن إليه وإن ملك الأرض شرقا وغربا وسطا وعلا فيها ... ! لا ما نرى من هرولة المهرولين من أبنائها لتقبيل يد العدوّ وخطبة ودّه ! أمة تستعين بالصبر على شدائد ومكائد وصعاب هي عنوان طريق الإصلاح المحفوف بالمكاره، أمة تستمدّ قوتها من صلتها بربّها التي لا تنقطع، فهي لها مقيمة كما يقيم أحدهم بنيانا لا يتضعضع ! أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلا تختلط عليها المفاهيم ولا تُميّع عندها القضايا ولا تسترضي على حساب الحق والعدل، بل الحق عندها حق والباطل عندها باطل ...
تلكم هي أهم سمات الأمة التي وكل إليها الإصلاح بمنهج الله في أرض هي وما فيها ومن فيها لله الملك سبحانه ...
ولقد خُتمت الآيات بقوله تعالى :
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)}
وهكذا، فالإصلاح صمام أمان للأمة المصلحة..
أسماء حازُرْلي
#سورة_هود