المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7598 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #380 في: 2026-04-07, 08:56:00 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُم بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ(152)-آل عمران-
لماذا تُرانا يستعصي علينا أن نفهم ونستيقن أنّما صرنا إلى ما صرنا إليه من تركِنا أنفسنا للعوامل الثلاثة مجتمعة، فلقد فشلنا ونحن تُفتّح علينا زهرة الحياة الدنيا، فشلنا والدنيا ملء أسماعنا وأبصارنا وقلوبنا وعقولنا قبل الآخرة ...!
فشلنا ونحن ننبهر بتفتّح زهرة الدنيا وتمثّلها في أكمل زينتها، فصارت قضيتنا الفوز ببتَلاتِ الزهرة ...!
فشلنا ونحن نتناسى ونغيّب من أفهامنا أنّ قضيتنا الأولى إصلاح الأرض بهذا الدين، ونشر نورِه، ونرى الدنيا بأعينهم وحدودُها الدنيا وملذّاتها وصيحاتها وشهواتها وكأنها الباقية أبدا ...!
صرنا نراها بأعينهم حتى فقدنا الوعي بدورنا، وحتى لم نعد نرى إلا التكالب على الدنيا معنى ومغزى وهدفا لوجودنا الذي لن يدوم ....
وليْت شعري...! هُم على الأقل يعملون ويصنعون ويبتكرون، أما نحن فنستهلك، ونستهلك وندفع لهم ثمن تغييب وَعْيِنا بدورنا كمسلمين، ندفعه باهضا من أفهامنا ومن اعتقادنا ومن هدفنا والغاية من وجودنا في هذه الدنيا ...!
وهكذا... أصبحنا العبيد وأصبحوا الأسياد، ونحن من قعودنا عن سدّ حاجاتنا الأساسية نخشى الدوائر، ونتّقي أن نجانِبهم لئلا نجوع ونظمأ ونعرى ...! ولم يبقَ الأمر في حدود المعاملات التي تكون بين الناس بحكم تقاسمهم الأرض، بل أصبحنا نواليهم ونوادّهم ونرضى بما يرضيهم ونسخط لما يُسخطهم ...
وأي فشل ...! أي فشل...!
ثم ها نحن من بعد الفشل أشتات متفرّقون، متنازعون...
يُعادي الأخ أخاه للُعاعة من الدنيا، ويبيع الأخ أخاه لسَقط متاعها وليسترضي بخيانته وبضُرّه صاحب السلطان الذي يدّعي في الأرض ربوبية وألوهية، والذي ما تسلّط إلا من غطّ النائمين في نومهم ... !
وإننا لما فشلنا وتنازعنا عصينا، وصرنا نَدين لأهل الكفر بالولاء والطاعة والامتثال للأمر منهم والنّهي، ونعصي بطاعتهم أمر القاهر فوق عباده الذي حذّرنا : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ"...
نطيعهم ونحن نرى الهزيمة والسقطة موتا لا حياة بعده : " يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ "
ولقد بؤنا بالخَسار والبَوار، وها نحن لقمة سائغة سريعا ما يزدردُها كل مُزدَرِد... ولن نعود للحياة إلا إذا استمسكنا بأدوية القرآن لأدوائنا ...
#آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #381 في: 2026-04-07, 08:56:37 »
في قوله تعالى : "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" -هود-
عندما نتأمل: "ليبلوكم" ... وهي اختبار الله تعالى لعباده، وأنه خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء ...
لم يكن من شيء ... لم تكن السماوات والأرض، لم يكن الإنسان شيئا مذكورا .... وكان عرش الله تعالى ... وكان الله تعالى .....
ثم خلق السماوات والأرض -----> ليبلوكم، ليختبر الإنسان.
يحضرني هنا قوله تعالى : "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون "
كما يحضرني أيضا قوله تعالى : "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"
سبحانه :
1- خلق الإنسان ليعبده
2- خلقه ليبتليه .
3- خلق السماوات والأرض ليبتلي الإنسان .
وفي الابتلاء بخيره وشرّه ، والصبر عليه أو شكره تظهر العبادة، تتجسد العبادة .... كيف ذلك ؟؟
إننا إذا تأملنا ما يأتي من آيات موالية لآيتنا أعلاه من سورة هود ....
1- "وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُم مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ هَـذَا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ"
2- "وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ" .
3- وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَؤُوسٌ كَفُورٌ
4- وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ
لنتأمل .....
1- خلق السماوات والأرض وكان عرشه على الماء... أهذا أهون عليه أم بعث الإنسان من بعد الموت ؟!!! فلننظر للإنسان وهو يكفر بالبعث، وقد عرف السماوات تظلّله والأرض تحمله وكلها لم تكن شيئا، ولم يكن الإنسان شيئا ... وما كانت إلا وعرشه سبحانه على ماء، فأيها أهون عليه ؟؟
لنتأمل الجحود، وغياب العقل، والقياس، والاستدلال ....
ثم :
2- سبحانه برحمته يؤخر العذاب، ويُمهِل فيرى الإنسان هذا عجزا، فيتجرأ ويطلب العذاب ويسأله، ويتساءل ما يحبسه، وما حبسه إلا رحمة الله وإمهاله ....
لنتأمل عدم تقديره لله حق قدره، وكيف يتجرأ، وكيف يظن أن الله سبحانه نازل عند هواه، وعند ما يُملي وما يريد تشدّقا بالكلام .... !! وهو الذي كان عرشه على الماء، ولم تكن السماوات والأرض ولم يكن هو شيئا مذكورا .... !
ثم :
3- إنه إذا ما نزع الله منه رحمة ليبتليه أيصبر أم يجزع فهو يؤوس كَفور ....! وهو الذي ما خلق السماوات والأرض إلا ليبتليه ... ليختبره، فلا تدوم النعمة عنده على حالها، فإذا نُزِعت إذا هو يؤوس، كَفور .... هذا الابتلاء، فأين الصبر منه ... ؟
ثم :
4- وهذه النعماء يذيقه الله إياها بعد ضراء، فإذا هو متبطّر، فرِح، فخور، متكبر .... يغرق بالنعمة، وينسى المُنعم ....
فلننظر، ولنتذكر قوله تعالى: "نبلوكم بالشر والخير فتنة" ....
فالخير منه ابتلاء وامتحان، أيعمل الإنسان صالحا، ولا ينسى أنّ ما فيه من نعمة هي من المنعم سبحانه، أينسى إخوانَه المحاويج من حوله ؟ أيُبطِره ماله والنعماء التي يغرق فيها، أم تُذكره بالله وهو في رخاء فيشكر ...
والشر الذي يصيب الإنسانَ ابتلاء منه سبحانه ... أيصبر أم يجزع ؟؟
فلننظر ولنتأمل، فإذا الإنسان :
1- لم يكن شيئا مذكورا، ولم تكن السماوات والأرض، وقبلها كان عرشه سبحانه على الماء، ورغم ذلك هو ذا يُكذّب ببعث الإنسان بعد الموت وقد كان الأهون عليه سبحانه من خلق السماوات والأرض وما فيها، وخلق الإنسان من بعد ولم يكن شيئا ...
2- متجرئ يسأل العذاب، ويظن الله نازل عند هواه وإملائه .
3- يتجرأ، ولكن ما أن تُنزع منه رحمة كانت عنده إلا وييأس ويكفر.
4- ما أن تصبه نعماء حتى يتبطر ويتكبر وينسى المنعِم .
فما حاله مع الابتلاء الذي ما خلق سبحانه السماوات والأرض إلا ليُلازم الإنسان .... إنه التقلب، إنه الجحود....
فمَن ذا ينجو وينجح ؟؟
الجواب في الآية الموالية :
"إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُوْلَـئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(11)"
1- صبروا + 2- عملوا الصالحات .
1- صــــــــــــــبروا --------> ليبلوكم .
2- عملوا الصالحات---------> أيكم أحسن عملا.
فليس صبرا مع قعود، بل مع عمل ... ورأس العمل أن يتذكر الإنسان وهو يُبتَلى بالخير أو بالشر أنّ الله يبتليه، فيشكر عند النعماء، ولا يتبطر، ولا يستكبر، ويذكر من هم أقل حالا منه، ويُغدِق عليهم، ويستنهض همّة مكلوم مجروح، ويعطي مِن علم تعلمه، ويخلص في عمل وُضِع فيه ووووو
ويصبر عند الضراء، ويعمل ولا يركن للهمّ والحزن، بل يرجو الخير من الله دوما، ويوقن أنه امتحان، فيعمل ويتأمل، ولا تذهب نفسه حسرات، ولا ييأس ولا يقنط من رحمة الله ...
وهكذا ............ سبحانه ما خلق السماوات والأرض إلا ليبلو الإنسان بالخير والشر ...
ولن يفلح ولن ينجح إلا من صبر وعمل الصالحات ....
فكيف لا يكون "للمؤمن" الذي عرف الابتلاء بخيره وبشره، فصبر عند الشر، وشكر عند الخير حياة غير حياة غيره ؟!
كيف لا يكون عنده فهم للحياة على حقيقتها وهو يحسن قراءة الرسائل فيها...
كيف لا يكون هناك تأثير من هذا الفهم وهذا التصور في نفسه وفي حياته ؟! كيف لا يكون للإيمان من أثر على الحياة يجعلهاعند صاحبها من جنس ما وعد به الله عباده المؤمنين :
"وأن استغفروا ربكم وتوبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى"
"من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينّه حياة طيبة"
هكذا "طيبة" و"بمتاع حسن" وهي ابتلاء بالخير وبالش، بكليهما...
وسبحان مَن قرآنُه بهذا التناسق والاتّساق والتسلسل، والجمال والكمال ..... 🙂
فانتبهوا، ولتعرفوا أنّ الآية تسوق للآية، وأن ما يبدو لكم بعدا في المعنى بين آية وآية إنما هو قِصر في نظرنا.... فإذا ما أمعنّا النظر وتأملنا عرفنا العلاقة ونعِمْنا بالاتّساق يقودنا من أمر إلى أمر حتى نصل .... 🙂
فاللهمّ فهِّمنا وأبلِغنا وأوصِلنا واعفُ عنا واغفر لنا تقصيرنا ...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #382 في: 2026-04-07, 08:57:12 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ(164)-آل عمران-
لقد جاء صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين، رسولا للناس كافة، وهنا جاء ذكرُ بعثته في "المؤمنين"، وقد غدتْ صفتَهم التي أبقى الله سبحانه على تشريفهم بها رغم خطأ من أخطأ في أحُدْ وزلل من زلّ ... لم تأتِ "العرب" ولم تأتِ غيرها، ليس إلا للتشريف والتذكير بأنّها صفتهم الفضلى التي غدوا أهلها ...
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ
رسولا منهم، يعرفون صدقه وأمانته، وشهامته، وفضله، وشرفه، ليس بالغريب عنهم، ولا بالذي يُنكرون نسبه أو شرفه، أو كريم خُلُقه، بل كان يُعرف بينهم بالصادق الأمين ... وهذه وحدها منّة، أن يُبعَث فيهم من يعرفون ولا ينكرون ... :
1- يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ
والتلاوة هي القراءة المتتابعة لآيات كتاب الله تعالى، وهي هنا تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بُعث به من وحي الكتاب . تبليغه لأوامر الله تعالى ونواهيه، ولأحكامه، ولما عرفنا من شاكلته في هذه السورة العظيمة في كل ما مضى من آياتها، بما فيها من علم وحق يدحض أباطيل المبطلين، وبما فيها من محاجّات عقلية للمحاجّين المبطلين من أهل الكتاب، وبما فيها من تثبيت على الحق في كل محطاتها، وبما فيها من بيان لما يجب أن يكون عليه حال المؤمن من علم بالحق ليواجه به ما يَعرِض له من شبهات وشهوات، ولما يجب أن تكون عليه حال الأمة الحاملة للحق، وهي خير أمة أخرجت للناس... وبما فيها من دروس هزيمة أُحُد تنفع المؤمنين في كل زمان، وخاصة في زماننا هذا الذي هو هزيمة طال أمدُها، وصَغارٌ أصاب الأمة لمّا تنكّبت عن هَدي القرآن، وأعرضت عن دوائه لأدوائها ...
إنه صلى الله عليه وسلم قد بلّغ هذا كلّه ... ولم يَبخس منه حرفا ... فأي نعمة هي تلك التي نقلت العرب من مخاضة الجاهلية الظلماء العمياء إلى سنا الإسلام ونوره الوضّاء ...! لقد بلّغ هذا النور، وأشعّ على الأرض بهذا الضياء ...
2- وَيُزَكِّيهِمْ
ثم لم يقتصر دوره على التبليغ صلى الله عليه وسلم، بل كان منه التوجيه والتربية والحضّ والحثّ والتذكير بالدعوة إلى الله في كل حين، في تجسيد لتزكية آيات الله للنفوس ...
زكّاهم وهو صلى الله عليه وسلم رَبِيُّ الله تعالى، ربّاهم بما ربّاه ربّه ... طهّر أنفسهم من أدرانها ومن أرجاس الجاهلية، سما بهم إلى الإنسانية بروحها ودمها وشحمها ولحمها، فتطهّروا، وتطهرت قلوبهم، وتبصّرت عقولهم بالحق ...
ولنتأمل تلك الآيات المزكّيات في سورتنا هذه (130-138) وهي تتخلل أحاديث الغزوة، يحسب قارئها أنها انتقال من موضوع إلى موضوع، بينما الموضوع واحد ... جهاد على الأرض وفي ساحة الوغى، يسبقه جهاد على ساحة النفس لتطهر وتسمو وترتقي ...
ولقد كان ردّ جعفر بن أبي طالب على النجاشي يوم هاجروا إلى الحبشة غنيّا بما عرفوه من تزكية رسول الله صلى الله لهم إذ قال: "أيها الملك. كنا قوما أهل جاهلية ، نعبد الأصنام ، ونأكل الميتة ، ونأتي الفواحش ، ونقطع الأرحام ، ونسيء الجوار ، ويأكل القوي منا الضعيف .. فكنا على ذلك حتى بعث اللّه إلينا رسولا منا ، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه. فدعانا إلى اللّه وحده لنوحده ونعبده ، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان ، وأمرنا بصدق الحديث ، وأداء الأمانة ، وصلة الرحم ، وحسن الجوار ، والكف عن المحارم والدماء. ونهانا عن الفواحش ، وقول الزور ، وأكل مال اليتيم ، وقذف المحصنات ، وأمرنا أن نعبد اللّه ولا نشرك به شيئا ، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام ."
3- وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
ولا يقتصر دوره صلى الله عليه وسلم على التبليغ والتزكية بل يتعداهما إلى التعليم، تعليم آيات الكتاب، بيان أحكام الكتاب، وأوامره، وتفصيل مجمله، وتوضيح دلالته، وشرح مُبهَمه بوحي من الوحي هو سنّته صلى الله عليه وسلم...
ويأتي اليوم مَن يأتي من المتهافتين على الطعن في هذا الدين العظيم، ومن السُذّج البُلَّه من أبناء هذه الأمة المتّبعين منهم لأصحاب الأهواء وأصحاب الشهوات والشبهات بغير حجّة من عقل ولا فكر، بل من هوى متلاطم الأمواج، والمتّبعين منهم لأصحاب الشُّبَه والضلال والتضليل بحجج يدّعون عقليّتها، بل يدّعون أنهم أصحاب العقل العظيم! ذاك الذي يظنون به ظنّ السوء، وهم يُقحمونه في كل شاردة وواردة حتى فيما لم يُخلق له من غيب ومن أمر لله تعالى يقضيه بمشيئته المطلقة وعظيم قدرته بخرقه لكل الأسباب ولكل قوانينها ...
يعلّمنا الكتاب وهو الوحي، بعمله وقوله وتقريره، بحركته صلى الله عليه وسلم به على الأرض، وبسنّته التي هي وحي من الوحي، وهي الحكمة التي أوتِيها في عمله وقوله وتقريره : " ...وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا...."-البقرة:من269- 
يقول أبو زهرة: "وتعليم الكتاب هو تعليمهم ما اشتمل عليه من أحكامه ببيان ما عساه يكون فيه من نصوص تعلو على مداركهم، وتفصيل المجمل فيه، وتطبيقه عليهم، فتعليم علم الكتاب غير تلاوته إذ تلاوته قراءته مرتلا مفهوما، وتعليمه بيان أحكامه، فقد أمر بالصلاة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - علمها، وأمر بالحج، والنبي - صلى الله عليه وسلم - علمه، وهكذا..."-زهرة التفاسير-
ولننظر ونحن في جوّ سورتنا ... إلى ما كان من الصحابة في أحُد من مخالفة لأمره صلى الله عليه وسلم، وكيف يقرّ القرآن في هذه السورة، خطأ بل خطورة مخالفتهم لأمره الذي لم يكن قرآنا يُتلى، بل كان مشافهة منه إليهم، من كلامه ومن أمره لا من أمر الكتاب ... في دلالة واضحة على تقرير ضرورة طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير أمر الكتاب.
وإنه لولا منّة الله برسول الله صلى الله عليه وسلم على الأرض قاطبة، وعلى المؤمنين خاصة، لما قامت للأمة يوما قائمة، ولما عرفت الأرض حضارة هي الرقيّ بالإنسان إلى مراتب الإنسانية، وهي تخليص الأرض من الظلم والجَور وتجبّر الظلمة عليها، وهي إخراج الناس من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس ...
وإن الهزيمة ليست نهاية المنّة !!  بل إنها التي تكون ساعةَ يتنكّب المؤمنون عن الصراط المستقيم الذي بيّنه الله لعباده، وكانت المنّة برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تلا كلام الله وأمرَه، وزكّى به، وعلّمه المؤمنين ...
وأحب هنا أن أتأمّل أمرا دقيقا ...
إنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قد أدّى ما عليه من أمانة حقّ الأداء، وبلّغ الرسالة أتمّ التبليغ، وقام بدوره كاملا غير منقوص ... ولكن لا ينتهي أمر الله تعالى عند دوره صلى الله عليه وسلم الذي هو "الفعل"  بل يُتمَّم وتكتمل الصورة بالنظر إلى تفاعل المؤمنين معه، والذي هو "ردّ الفعل" ...
وما ردّ الفعل هذا إلا تحقيق العبادة في الأرض، تحقيق معنى ألوهية الله في النفوس، إفراده سبحانه بالعبادة ... فمُقابل كل دور من أدوار رسول الله صلى الله عليه وسلم دورٌ للمؤمنين، هو ردّ الفعل ...
وإنّ ردّ الفعل هذا هو مسؤولية المؤمن، هو الذي يُجلي لنا الحكمة من أن يُستَحقّ النصر أو تُستَحَقّ الهزيمة، أن يكون التمكين أو تغشى الأمةَ الذلّةُ والمهانة ... هو الذي يُعطي المفهوم السليم لمعنى النصر بعيدا عن ربطه بحرفيّة الإيمان وعنوانيّة الإسلام.
وبالتبصّر بهذا المعنى تذهب أدراجَ الرياح شُبهةٌ يدندن بها الكثيرون حتى من بني جلدتنا، التُبّع القائمون بإيمانهم على حرف : كيف نكون أهل الإيمان بالله ونُهزم ونُذلّ ؟ .. لو كان هذا الدين حقا لما كانت ذي هي حالنا...
#آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #383 في: 2026-04-07, 08:57:46 »
بين سعة الدنيا وزُخرُفها (الكهف:آية7و8) والكهف (الكهف:آية9) مسافة بعيييييدة هي ذاتها المسافة بين "الفتنة" و"الثبات" !!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #384 في: 2026-04-07, 08:58:19 »
( وأنتَ حلٌّ بِهَذا البلد) ...أنت يا محمد الرحمة للعالمين.
كيف لا تكون مرحمة وتراحم في بلد فيه محمد ؟!
وكيف لا يكون كل هذا في كل بلد في كل زمان أهله أتباع لمحمد ؟!
تأملوا سورة البلد  وما فيها من ذمّ للمستكبر ب"إهلاكه"مالا لبدا ... "أهلكت" التي تشي بذهاب المال فيما لا يُثمر ولا ينفع، في شهواته ونزواته ... في أنانية مُغرِقة، فلا يرى غير نفسه أهلا لماله ...
 وجاءت الدعوة لاقتحام العقبة ... وما العقبة إلا إنفاق للمال في سبل التحرير: ( فك رقبة) ...ومحرّر الرقاب بماله هو ذاتُه محرّر نفسه من ربقة المال، من عبادته للمال...
أو إطعام في يوم مجاعة يشحّ فيه العطاء بالطعام ...
سورة البلد ... "ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة"...
محمد الرحمة للعالمين ... لا يكون في بلد حيث اجتماع الناس إلا وتكون الرحمة وتكون المرحمة ...
البلد ... نعم هذا هو البلد الذي يحبه الله ... هذا هو المجتمع الذي يريده الله... المجتمع المتراحم ... وحيثما حلّ محمد صلى الله عليه وسلم بجسده حيا أو بالقرآن الذي بلغه وبسنته ميتا كان " هذا البلد "...
ثم يا سبحان الله !! يحضرني يوم فتح مكة... يوم فتح ذلك البلد ... وقد قال له مَن قال من أصحابه رضي الله عنهم: اليوم يوم الملحمة ... فيرد الرحيم صلى الله عليه وسلم بقوله : بل اليوم يوم المرحمة.
هذا هو البلد .... !! بلد الرحمة والتراحم والمرحمة ... ! في كل زمان فيه محمد بالقرآن الذي بلّغه وبسنته ...
#سورة_البلد
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #385 في: 2026-04-07, 09:07:19 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

الجزء الأخير من القرآن الكريم، جزء النبأ ... كله عن يوم القيامة، عن مآل الإنسان، ومآل هذا الكون وهذه الحياة الدنيا ...
كله عن الوعد الحق،  عن النبأ العظيم، عن الحاقة، عن القارعة، عن زلزلة ذلك اليوم، كله عن الوعد والوعيد!
عن تحقق أمر الله تعالى بانتهاء الحياة الدنيا، الحياة الأولى، وتحقق الحياة الآخرة، وعن أفضليتها وخيريتها لمن آمن وعمل صالحا.
سورة العاديات واحدة من هذه السور التي على قصرها إلا أنها ذات معانٍ جليلة ومدلولات عميقة وعظيمة،  على قصرها هي حمّالة لموعود النبأ الحق، النبأ العظيم!
سورة العاديات؛  وقد درجْنا ونحن نتعلم أكثر ما نتعلم عنها، وعن معناها أن القسم فيها بالعاديات، أي بالخيل الغازية، المغيرة في سبيل الله،  فنفهم معاني بعض المستكشل من ألفاظها ولا نبحث كثيرا في الرابط والعلاقة بين مطلعها وصدرها وعجُزها، فيكون أكبر همّنا في القسم بالعاديات، ثم نقرأ ما يلي القسم دون بحث في الاتساق والارتباط ...
لقد أقسم سبحانه بالعاديات وهي تضبح أي وهي يُسمَع لها صوت من سرعة عَدْوِها، فنلمح القوة والسرعة والرقيّ في هذا الحيوان الذي هو خلق من خلق الله تعالى عظيم، وهو سبحانه ما يُقسم إلا بعظيم،  وسمات القرآن الكريم وهو يصوّر لنا المشاهد فتتراءى للمتأمل المتدبّر المتروّي على صفحاته صورا تتحرك!
فلنتأمل ... لا بدّ أن بين المقسَم به والمقسَم عليه من رابط .
إنها تلك الخيل التي حباها الله تعالى بجمال في الهيأة، وبرِفعة ورقيّ يرتسمان في هيكلها يَنُمّان عن سرّ فيها عظيم، حباها بالقوة وبالسرعة إذا ما عَدتْ،  هي ذي تصوّرها الآيات تعدو وهي من سرعة عَدْوِها تُحدث ذلك الصوت الذي يتردد بجوفها، وكأنه صوت أعضائها الباطنة (والعاديات ضبحا) ...
وإنها هي هي تلك التي من سرعة عَدْوِها تقدح نارا من قوة ضرب حوافرها للحجر، وهي بتلك القوة المصوّرة إنما هي المغيرة على العدوّ صباحا في قوة وإقدام!
وإننا لنتمثّل عددها الكبير وهي بتلك القوة تحمل جُند الله المُقدمين غير هيّابين في سبيل الله وفي سبيل إعلاء كلمة الله، فتثير النقع، تثير الأرض من تحتها فإذا الحرب وأُوارُها، إذا الحرب وهَوْلُها وشدّتها واستعارُها،  وكل عناصر الطبيعة المحيطة بخائضيها تلتحم وتتحد لتعطيك صورة للحرب وحدها لا لغيرها ... !
وها نحن نشهد ذروة مراحل الإقدام والشجاعة والقوة، وخيل الله تتوسط جموع العدوّ !  تتوسّطها من قوة فيها تُرهب عدوّ الله،  وتقتحم عليه عُقر داره ... "فوسَطْنَ بِهِ جَمْعا"
ومن هذا المشهد لحالة الحرب التي تمثّلت لنا شديدة مهيبة من خيل الله وبعضٍ من صفاتها وأحوالها وهي مقبِلة غير مدبرة، تنطلق قوية تهزّ ما حولها عادية ضابحة،  وكأنما تقدّم بضبحها لما سيكون منها من إصرار وإقدام لا رجعة لها عنه ولا نكوص حتى تبلغ هدفها ...
من هذا المشهد ينتقل بنا السياق إلى الإنسان ... !!
نجدُنا قُبالة الإنسان !  معه ومع صفة محددة من صفاته وحقيقة من حقائقه : "إنَّ الإنْسَان لربّهِ لَكَنُود"
والكُنود منه هو الجحود، جحوده بربه وبآلاء ربه عليه...
فأي علاقة هي بين هذه الصفة فيه وبين ما سبق من القسم بالعاديات وأحوالها وهي تغير على العدوّ حتى إذا هي متوسطة جمعه ؟
💡لنتأمل  💡...
أليست تلك خاصية حبا الله بها الخيل، أن جعلها ذات قوة وسرعة، حتى يجعلها الإنسان عُدّته لأشد مواجهاته في الحياة صعوبة، للحروب ؟
بلى،  وإن الخيل مقابل ذلك تَصْرِف هذه النعمة التي خصّها بها خالقها في وجهها، وتبذل كل جهدها، ولا تبخس فارسها وسائسها حقّه، وهو الذي درّبها وعلّمها لتكون مِطواعة بين يديه، تنقاد بقِياده ...تعطيه مما لأجله رعاها وساسها ودرّبها ...
بينما الإنسان وقد كرّمه الله بالعقل، وفضله على كل من خلق تفضيلا، وأنشأ في كينونته الفطرة السليمة التي يعرف بها ربّه، وبعث له الرسل الهُداة، وأنزل له الكتب الهادية، ولم يتركه لأمواج الضلال تتلاطم فتغمره، ولا لريح التّيه تطوّح به ذات اليمين وذات الشمال، وأنعم عليه من بادئ أمره إلى منتهاه، فجعله ذلك المخلوق المكرّم ولم يكن شيئا مذكورا، وعلمه ما لم يكن يعلم، وأسبغ عليه نعمه ظاهرة وباطنة  !
وهو مع هذا كلّه يجحد نعم ربه، وأكبر جحوده نُكرانه ربه، وإعراضه عن الانصياع لأمره، ومن ثمّ غرقُه في النعمة ونسيانه المنعم ! وهو مع هذا الجحود والنكران شديد الحبّ للخير من مال وعيال وترف وشهوات ذوات ألوان وألوان، وكلها نِعَم المنعم الذي قد جحد ...!
أين هو وهو المكرّم كل ذلك التكريم، المهديّ، المُعرّف بربه، يعرفه في نفسه وفي كل ما حوله ... أين هو من ذلك الحيوان الذي صرف قوته في ما يُرضي صاحبه، فإذا هو الذي يصفه الله تعالى بـ : "المغيرات" وصف العاقل،  وكأن الخيل هي التي تحمل عِبْء الجهاد في سبيل الله، حتى إنك لتغفل عن الفارس الذي يركبها وأنت تقرأ أن الوصف لها وكأنها العاقلة ... وتبصر شجاعتها وإقدامها، وقوتها، وإصرارها على بلوغ الهدف !
أين هو ذلك الإنسان الكنود من هذا الحيوان الذي يؤدّي ما عليه على أكمل صورة وأتمّها ؟! فإذا هو فاعل وصاحب دور كبير في أكبر وأهم فريضة، فريضة الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى  !
وإننا،  ونحن نمضي مع تلك السياقات من أحوال الخيل، ونقابلها بأحوال الإنسان في هذه الدنيا، نجدها تلخّص حركة الإنسان وصولته وجولته التي من أجلها خُلق...
ألم يجعل الله تعالى هذه الدنيا بزينتها ليبلو الإنسان، ولتكون له دار امتحان ؟ ألم يخلقه ليبتليه ؟ "وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا..." -هود: من الآية7-    "إنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا" -الكهف:7-
ألم يعرّفه بأنه خالقه، وأنّ الشيطان له عدوّ، وأنّ عليه أن يتخده عدوّا ؟ "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..." -فاطر: من الآية6-
فما حركته في هذه الحياة الدنيا التي خلقه الله لأجلها، وليبتليه أيقوم بها أم يقعد عنها، ما حركته إن لم تكن جهاده للشيطان ولنفسه المتكالِبَيْن عليه، إن هو لم يفطن لدوره في تأدية ما عليه، وللحركة المناسبة اللازمة .
إنه جهاد الشيطان الذي يأمر بالسوء والفحشاء، والذي لا يحب للإنسان إلا أن يتردّى من الشواهق الروحانية الإيمانية التي يُريد الله أن يبلغه إياها إلى دركات الهوى والمعصية والبعد عن مراده سبحانه ورضاه!
هنا ! هنا تتمثل حركة "العاديات" مقابلة للحركة اللازمة من "الإنسان" الذي ما خلقه الله إلا ليعبده، إلا ليطيعه، إلا ليعرف عدوّه الذي عرّفه ربّه، فيترصّد له ويعدّ له عدّته،  فإن لم يفعل كان ذلك "الكنود" الذي تُغرِقُه النعمة وهو الذي يحبّها حبا جما، فينسى في لُجّها خالقه الذي أحاطه بكل نعمة، وينسى ما لأجله قد خُلِق؛ عندما لا يكون زادُه معرفته بربه، ستصبح لازمته كنودَه لربه ...!
أجل ! إن العاديات وهي في تلك الصورة القائمة بين أيدينا من حالة القوة والإقدام والإصرار، والإقبال على العدوّ حتى تبلغ عقر داره وتقتحم عليه جموعه، إنما هي الصورة التي حقيقٌ بالإنسان أن يتمثلها في الدنيا، وعدوّه من الشياطين ومن نفسه له بالمرصاد!
"والعَادِيَاتِ ضَبْحا"...عَدْوٌ يمثل المسارعة التي أمِر الإنسان بها وهو في الدنيا مؤقت الوجود، محدود الوجود بزمن لا يعرف له طولا من قصر، لا يعرف له مدّة، فهو المأمور بأن يسارع حتى لا تأخذه الموت بغتة وهو الغافل المتكاسل القاعد ... "سَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" -آل عرمان:133- 
"ضبحا"...ضبح هو دخيلته،  هو خامّة الإصرار فيه على مجاهدة العدوّ والتصدي له بكل قوة  !
وقوة عزمه وإصراره على تفويت الفرصة على الشيطان وعلى النفس من جنس فعل حوافر الخيل إذ تصطكّ بالحجر فتوري نارا ...
وهكذا هو في تقدّم وإقدام، لا يَني ولا يتراجع، ولا ينكص على عقبيه،  مقبل غير مدبر،  حتى يحوز صفة "المُغير" المغير على العدوّ !  يريد بحصونه دكّا، مستعينا بربه الذي يعرفه ويقرّ بعبوديته له، سائلَه سبحانه ألا يكله لنفسه طرفة عين، فهو منها في تحفّز وتأهّب ! مغيرٌ عليها أبدا، لا يأمن جانبَها، ولا يركن إليها ...
فأي قوة ستبقى للشيطان مع هذا الإنسان العارف بربه، الذي أوّلُ سلاحه إيمانه، والذي عرف فيما عرف أن كيده كان ضعيفا ما بقي هو ذاك المتحفّز العادي نحو رضى ربّه المغير على عدوّه...
وهكذا ... نبلغ من السورة عجُزَها : "أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ(9)وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ(10)إِنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ(11)"
نبلغ هذا المقطع منها،  لنبلغ فيه مقابلة  لما عرفنا عن العاديات: "فأَثَرْنَ بِهِ نَقْعا(4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعَا(5)"
فهذه القبور وهي تُبعثر بعد نهاية رحلة الإنسان في هذه الحياة الدنيا، بعد نهاية جهاده، بعد انتهائه من أداء دوره، بعد انتهاء فترة الامتحان والابتلاء وبداية فترة الحياة الأخرى، هي ذي  :
** تلك البعثرة تقابل ذلك النقع المُثار من حوافر العاديات، في مقابلة الصورة للصورة.
** وإذا تحصيل ما في الصدور يقابل توسّطها جمع العدو !
 انتهى ما عليه، وقد كان إما مغيرا على عدوّه في الدنيا أو مُغارا عليه، إما "مغيرا" أو "كنودا". وحُصّل ما كان خبيئ صدره، فإما هو ضبح على العدوّ جعله وقود حربه عليه، وإما هو كنود وجحود اتخذ به العدوّ وليا، والوليّ عدوا.!
يومها يحقّ قوله سبحانه : "إنَّ رَبَّهُم بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّخَبِيرٌ". فإما فوز بالجنان والرضوان، وإما بَوْء بالسخط والخسران .
وتلكم هي سورة العاديات، تلكم هي العلاقة التي أراها بين القسم بها، وبأحوالها، وبين الإنسان الكنود،  تلكم هي رحلة الحياة، فإما إقرار بالعبودية وإيمان، وإما كنود ونُكران  !
إما جزاء بإحسان على الإحسان، وإما مجازاة بالعذاب على الجحود والنكران! رحلة هي الحياة، وأي رحلة ...! سريعة سريعة كما صورتها الآيات في سرعة العاديات التي لم تكن لتبلغ الهدف لو لم تكن على تلك السرعة والقوة والإقدام؛ كريمة وكريمٌ صاحبها ما كانت بصورة فعل العاديات وفعل راكبها، لئيمة ولئيمٌ صاحبها ما كانت بغير فعلها ويغير استعدادها، ما كانت لجَحود كَنود !!
ولا يفوتني أن أستحضر قيمة الفارس الممتطي صهوات العاديات والذي لولاه ما كان لها من دور ولا قياد ! فإن الإشادة بها هي الانعكاس للإشادة بصاحبها المؤمن الذي سِمتُه الجهاد في سبيل إعلاء كلمة الله،  وأنه هو المثال لذلك الإنسان المُراد على الأرض، سِمتُه الجهاد في كل حال، فإن لم يكن في ساح الوغى ومقابلة الرجال للرجال، ففي ساح النفس لا تنقطع الحرب ولا تهدأ... والذي يقابله ويعاكسه ذلك الإنسان الكنود الجحود الذي تُركِنه النعمة للنعمة ... !
#سورة_العاديات
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #386 في: 2026-04-07, 09:08:05 »
في مطلع سورة التكوير اثنتا عشرة جملة شرطية كلها عن أهوال يوم القيامة ... جاء بعدها جواب الشرط بتحقق   علم كل نفس بما أحضرت  :" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ" .
أما في سورة الانفطار فقد عقب أربع جمل شرطية جواب شرط فيه تحقُّقُ علم كل نفس بما قدمت وأخرت :" عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وأَخَّرَتْ" .
تُرى ما يميز الأولى عن الثانية ؟ وما يفرّق بينهما وكلتاهما عن أهوال ذلك اليوم التي يتحقق بحدوثها علم النفس بأعمالها ... ؟
تأملتُ أولا قوله تعالى :"عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وأَخَّرَتْ"
فوجدت فيها أقوالا للمفسرين لا قولا واحدا، منها أنها ما قدم الإنسان من عمل خير في الدنيا وما ترك، و منها أنها عما عمل في الدنيا وكان له عنه ثوابه، وما بقي مُجرِيا لثوابه وأجره حتى بعد مماته ...
فرأيت أن الأَوْلى بتأويلها النظر في مقام من القرآن حيث ورد جزء منها، فيكون نظرا في معاني القرآن بالقرآن ..
وذلك في قوله تعالى يصف الإنسان الآسِفَ على ما فاته من عمل في الدنيا  : "يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي "-الفجر -
فهو يومها يعلم علم اليقين أنها تلك هي الحياة، تلك هي الباقية التي تستحق أن يُقدّم لها في الفانية ...
إنها المقدمة منه في الدنيا بأعمال الخير المُنجِية له في الآخرة ...
وعلى هذا يكون معنى " عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وأَخَّرَتْ"   ما قدّمت من عمل خير، وما أخّرت من عمل خير، أي ما تركت منه. ولو أنها كانت عملتْه ... !
وعلى هذا فإن الفرق بين ما تعلمه النفس في سورة التكوير وما تعلمه في سورة الانفطار، أنها أولا تعلم ما أحضرت، كعلم المسافر بأنّ تلك الحقيبة بعينها هي حقيبته لا غيرها ...
ثم يفتح الحقيبة ليعلم على وجه التفصيل ما أحضر، فإذا هذا الذي سينفعه فيها، وإذا ذاك الذي كان سينفعه ليس فيها، ولو أنه كان فيها لكان له خيرا على خير ... !
ويْكأنّها بمثل حال الإنسان، ولَهْثُه في الدنيا خلف المزيد من مظاهر الدنيا وملذّات الدنيا هي حالُه يوم القيامة... !
يوم البعث حين ينقلب ذلك اللّهث منه على المال ومظاهر الدنيا إلى لهث على أعمال الخير، وَدَّ لو أنها كانت في صحيفته أكثر وأكثر ... ولو أنه ما فوّت، ولا سوّف، ولا أخّر حتى عطّل، ولا استكثر ... !
ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم :"لَوْ أنَّ لِابْنِ آدَمَ وادِيًا مِن ذَهَبٍ أحَبَّ أنْ يَكونَ له وادِيانِ"
فبقَدر حبّه للمال في الدنيا ولمظاهر الترف والعيش الرغيد، هو حبّه يومها للأعمال وقد "عَلِمَ"  يقينا أنها الباقيات الصالحات، أنها المُنجيات، أنها ما يستحقّ أن يسابق الإنسان لتصبح حظّه من صحيفته ... ! صحيفته حسابُه البنكيّ الأخرويّ ... !!
إنها الحلبة التي فيها مَن عمل خيرا أكثر، لا مَن حاز مالا أكثر... إنها يومها العُملة النافذة والسلعة الرائجة، يوم لن يبقى ضحِك حاذق لبيب يرى أنّ المعنى مالٌ ومظاهرُ رفاه مِن ساذج يرى أن العمل الصالح خيرٌ وأبقى ... !
وشتان بين ميزان الدنيا وميزان الآخرة ... ! وشتان بين وازن في الدنيا قدّم لميزان آخرته من سلعة الآخرة  وبين وازن فيها جزم أنّ الميزان فيها دنيويّ محض، ولا مجال فيها لموازين تهيّئ للغيب ... ! لليوم الفصل ... ! شتان شتان... !
#سورة_التكوير_و_سورة_الانفطار
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #387 في: 2026-04-07, 09:08:46 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة المطففين
جاءت بعد "النبأ" و"النازعات" و"عبس" و"التكوير" و"الانفطار"...
وإننا إذا تأملنا تسلسل هذه السور في هذا الجزء الأخير لوجدنا الواحدة منها تسوق للأخرى الهُوَيْنى ... أيام الدنيا إزاء ذلك اليوم العظيم ...
💡فجاءت "النبأ" لتنبئ أن يوم الفصل كان ميقاتا ... وأنه اليوم الحقّ ... كما كان خلقه في سمائه وأرضه حقا مُشاهدا يُعرَف بنواميسه وقوانينه في يوم الدنيا ...
💡ثم تُردَف ب"النازعات" لتفصّل شيئا ما عن ذلك اليوم، فتخبرنا عن هَوْله، وأنما هي زجرة واحدة فإذا الناس قيام ليأخذ كل ذي حق حقه وافيا كما وعده ربه ..
وفيها ذكر من استعلى وتجبّر وطغى في أيام الدنيا وحسب أن أمره وقد طمّ وعمّ لن يأتي عليه ما يدانيه...حتى إذا جاءت "الطامة الكبرى" طمّت على طمّه وعمّت، وتذكّر الإنسان سعيه، فإذا هو سائقه إمّا إلى جنة أو إلى جحيم... فكان البيان لعِظم ذلك اليوم الذي لا يبقى فيه لطاغيةٍ متكبرٍ من دبيب ... !
💡ثم تأتي "عبس" لتصوّر في يوم من أيام الدنيا ذلك الأعمى الذي جاء وحده يسعى وهو يخشى قُبالة من استغنى عن ربه بجاهه وسلطانه وناديه، فإذا هو ميزان وإذا هما كفّتان...!
كفّة الواحد الفرد الصادق وهي ترجح على كفّة حملت ناديا من الكبراء أعيان الملأ المستغنين المستكبرين...
فجاء وصف اليوم ب"الصاخة" التي يعلو صوتها على كل الأصوات المتعالية بالقبليّة، المستعلية بناديها ...
يومها يفرّ كل قريب من قريبه وكل حبيب من حبيبه، فإما وجْهٌ مسفر ضاحك مستبشر صاحب قلب أبصر في أيام الدنيا وإن عمي بصره ... وإما وجه مغبرّ مقتر، صاحب قلب عمي في الدنيا قلبُه وإن أبصرت عينُه ... !
فصوّرت عبس حال الإنسان يومها بتفصيل أكبر ...
💡ثم جاءت "التكوير" ... تهزّ النفوس وهي تشقّ عصا طاعتها لما ألفت في أيام الدنيا من اطّراد الناموس ... فإذا السماء غير السماء وإذا الأرض غير الأرض ... وإذا الإنسان يومها عالِمٌ بما أحضر ...
جاءت التكوير بالقسم على نصاعة المنهج وربانيّة مصدره، المنهج المنزّل عبر الرسول الطاهر الكريم من ملائكة رب العزة على الرسول الطاهر الكريم المصطفى من عباده سبحانه ... وأنه الحق والبيان والطُّهر الذي جاء ليغسل الإنسان من أدرانه حتى يُحضِر بين يدي ربّه ما يرقّيه للفوز بجِنانه ... جاءت التكوير لتؤكّد أنه الوحي من رب السماء هو وحده المُنجي يوم تُكشَط السماء عن عالم الحياة الآخرة ...
💡ثمّ تأتي "الانفطار" لتزيد في تفصيل ما يُحضر الإنسان في ذلك اليوم العظيم، فإذا عِلمُه بما أحضر هو علمُه بما قدّم من خير مُنْجٍ وما أخّر من خير هو البضاعة الرائجة التي فاز أكثر من حاز منه أكثر ...
وأنّ من نسي في أيام الدنيا فضلَ ربّه عليه خلقا من بعد خلق، فسدر في غيّ وضلال إنما مردّ غروره وغفلته تكذيبه بيوم يلقى فيه أعماله من دأب حافظين كرام كاتبين وكّلهم الله بعبده برهانا على خلقه لجزاء من ربه يعقب عملا منه، لخلقه لهدف لا لعبث... فإذا نِتاج الكاتبين الحافظين قسمان ... أبرار في نعيم وفجّار في جحيم...
💡📌💡وها هي "المطففين" بين أيدينا ... بعد سور زاوجت كلها بين أحوال لأيام الدنيا مقابل أحوال لليوم الآخر ... أحوال تطال الكون المسخَّر، والإنسان المسخَّر له ...
جاءت لتأخذ هي الأخرى نصيبا من تسلسل في المعاني وتصاعد في التفصيل والبيان...
وإننا نجد الانفطار وقد حدّثت عن الحافظين الكاتبين، وأنهم ليسوا إلا الملائكة الموكّلين من رب العالمين بالحفظ والكتابة، والذين اختصّهم سبحانه بعلم ما يفعل الإنسان: "يَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُونَ" ...
نجد المطففين بالمقابل تزيد في تفصيل الأمر وهي تحدّث عن المكتوب لهم ...
تفصّل في شأن الأبرار والفجّار المُشار إليهم بالاسم وبالمآل في الانفطار : "إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ ** وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ" ...
جاءت تفصّل في شأن كتب كلّ من الفئتَيْن بعدما أشارت الانفطار إلى كتبة هذه الكُتب ...
فتقشعرّ أبداننا وترتعد فرائصُنا من خَبث وقذارة وانحطاط كتاب الفجّار المرقوم فسادا وشرا وسوءا وسَوْءة، ومن سجّين هو الضيق والسّفل والويل والثبور...!
وتستبشر قلوبنا بنورانية كتاب الأبرار المرقوم خيرا وبِشرا ...
في المطففين جاء ذكر "حافظين" ولكن في مقام النفي على خلاف مجيئه في الانفطار في مقام التأكيد ....
جاءت "المطففين" تنفي أن يكون المجرمون الضاحكون من المؤمنين أيامَ الدنيا حافظين عليهم وهم يصفونهم بقولهم الدنيويّ المستعلي :"إِنَّهُمْ لَضَالُّون"...
لقد بينت لنا التكوير مع رديفتها الانفطار أنّ الله تعالى وكّل بأمر وَحْيِه الرسول الكريم من ملائكته، كما وكّل بأمر الرسالة وأدائها والدعوة والقيام بها الرسول الكريم من عباده ... كما وكّل بأمر حفظ أعمال عباده الكِرام الكاتبين من ملائكته .... فما من حفظ بعدها لأحد على أحد ...
هذا من وجه ارتباط المطففين بما قبلها، وتحقيقها للتسلسل والتفصيل المتصاعد ...
أما من وَجْه موضوعها الذي افتُتحت به وعالجتْه، فقد جاءت عن سلوك وخُلُق اجتماعيّ، عن حركة في الأرض وتعامل، على غير عادة القرآن المكّي الذي جاء للعقيدة ولترسيخها ولتفصيل مقتضياتها ... بينما عُني المدنيّ بالتنظيم الاجتماعي والسلوك والتشريع ...
جاءت "المطففين" النازلة بمكة على غير عادة ما نزل بها وسط قوم كان أول وأساس ما دُعُوا إليه توحيد الله ونبذ الإشراك به، كان التمكين للعقيدة الصافية السليمة في قلوبهم، ولكنها نزلت بمكة، على القوم المشكرين، والدولة الإسلامية لم تقم بعدُ، وأرض مكة مصرّة على نبذ الدعوة والداعي ...
وعلى غير نبض سُوَر هذا الجزء الأخير التي حدّثت عن اليوم الآخر من ناحية العقيدة وثمرتها إجمالا، جاءت تحذّر من سلوك اجتماعيّ ذميم ...
عن التطفيف ... عن إخسار الموازين ...
فهل انفصلت بذلك حلَقَتها عن أخيّاتها فانفرط التسلسل، أم أنّها زادت قوّة في الاتصال وأحكمت بتواجدها تماسك باقي الحلقات ؟!
لقد جاءت حلقة واصلة من وجه التفصيل في موضوع اليوم الآخر، ومن وجه بيان حقيقة المنهج الذي جاء في التكوير ربانيّة مصدره ونصاعته...
جاءت "المطففين" تبيّن أنه الواقع والحركة في الحياة، وأنه لتحقيق العدل ولحفظ حقوق الناس، ولإذهاب الأنانية والشراهة في الإنسان، فيُنكَر عليه حبّه الاستيفاء لنفسه فيما يُبخِس غيرَه حقه، ويُنقصه ...!
جاءت لتؤكّد أن هذا المنهج الربانيّ الناصع لم ينزل ليكون عقيدة مجرّدة عن الحياة وحركتها، بل جاء ليُذهب الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين، وليحقق العدل وليكرّس لإسداء الحقوق لأهلها... جاء ليصنّف البَرّ بَرّا والفاجر فاجرا لا من مجرّد الاعتقاد أو عدم الاعتقاد بل من العمل بذلك الاعتقاد وتحقيقه على الأرض سلوكا قويما وعدلا مقيما ...
جاءت "المطففين" لتبيّن أنّ الطُّفافة الضئيلة الحقيرة التي هي أقلّ القليل إذا كانت للغير فهي من حقّه، وأخذُها اعتداءٌ وإثم مبين... يستحقّ أن يُتوعَّد آخذها بالويل، وأن يُخوَّفَ من مغبّتها بذكر الفجّار وما ينتظهرهم، أولئك الذين فجروا إذ أنكروا البعث وكذّبوا بيوم الدين، فلا يدفع عن المسلم أن يكون مسلما وهو يطفّف، بل إنه وهو يفعل ويغترّ بالكثير الذي يُجمع له من الطُّفافة المغتصَبة على الطُّفافة، والرّان على قلبه في كل مرة تتسع رقعتُه حتى يعمّ القلب ويطمّ على منافذ الهدى فيه لمعدودٌ حاله كحال المكذب بيوم الدين ... !
لقد جاءت "المطففين" تومئ إلى أن هذا المنهج القويم الذي يشدّد على أن القليل المغتصَب جريمة، الكثير منه والكبير مشمول بها معنيّ بها وقد شملتْه وعنتْه...
إنها الحلقة الرابطة الأقوى في سلسلة العقيدة والاعتقاد وهي تؤكّد أن الاعتقاد لا يتجرد عن العمل والسلوك... بل إنه الذي يحققه ويوجد حياته ... !
#سورة_المطففين
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #388 في: 2026-04-07, 09:09:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة الانشقاق ...
عرفنا مع السور التي سبقتها  أحاديث عن الانقلابات التي تلحق بالكون يوم القيامة ...حتى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في التكوير : "من أحب أن ينظر إلى يوم القيامة فليقرأ إذا الشمس كوّرت"...
عرفنا في مجموع سور هذا الجزء الأخير حال الإنسان يومها...
فإذا هو متذكّر لما سعى، وإذا هو فارّ من أخيه وأمه وأبيه، وإذا هو عالم بما أحضر، وعالم بما قدّم وأخّر، وإذا هو قائم لرب العالمين في يوم عظيم ...
وعرفنا أنّ الناس فئتان، طاغون تترصد لهم جهنّم، ومتّقون فائزون بالنِّعم...مؤثرون للحياة الدنيا، وخائفون مقامَ ربهم فناهون النفس عن الهوى...
أصحاب وجوه مسفرة، وأصحاب وجوه مغبرّة  ...
أبرار في نعيم وفجار في جحيم ...
ثم عرفنا في سورة "المطففين" أكثر ما عرفنا عن كتاب كل فئة، فكتاب في سجين، وكتاب في عليين ...
لتأتي "الانشقاق" ... وهي تحمل في مطلعها كسابقاتها عن تلك الانقلابات الحاصلة في الكون ... مع ما يميّزها عن سابقاتها، كحال كل سورة من سور القرآن وهي تَشي بسَمْتِها الخاص، وتلقي بظلّها الخاص ...
تأتي الانشقاق وهي تحدّث عن بعض تلك الأهوال التي تغشى السماء والأرض، ولكن بخصوصية... خصوصية الانقياد التام والطاعة الكليّة لأمر الله تعالى من مخلوقات له غير عاقلة، فعن السماء:  " وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ "، وعن الأرض سواء بسواء :  "وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ"
إنهما تسمعان وتطيعان، وحقيقٌ بالإنسان ذي العقل والبيان، وأولى أن يسمع هو ويطيع أمر مَن خلقه فسوّاه فعدّله ...
ونَمضي مع سَمْتها بإقرار طاعة المخلوقات لخالقها وانقيادها لأمره ... لنلامس ميزة لها أخرى هي فارق آخر بينها وبين غيرها من سُوَر هذا الجزء الأخير ...
إنها تحدّث عن إيتاء الكتاب...
وقد حدّثت "الانفطار" من قبل عن أبرار وفجار، وأسهبت بعدها "المطفّفين" عن كتاب الفجّار وكتاب الأبرار، ليأتي هنا دور الحديث عن حال الإنسان وهو يُؤتى كتابَه ... !
إنها نهاية المطاف، وثمرة اللقاء المحتوم :"يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ "
إنه الحال عند معرفة المآل ... فمُؤتًى كتابه بيمينه، محاسباً حساباً يسيراً، منقلبا إلى أهله مسرورا ... ومُؤتًى كتابَهُ وراء ظهره، داعيا ثبورا، مصلًّى سعيرا ... ذاك الذي كان قريبا في أهله مسرورا ...
وأيّ بَون شاسع هو بين مَن سُرّ في الدنيا وهو لاهٍ عن ربه، مكذّب ببعثه بين يديه، وبين ذاكر ربّه، موقن برجعه، فسُرّ يوم يدوم السرور ولا ينقطع ...وَيْكَأنّ السرور الحقّ هو سرور الفوز عند اللقاء الحقّ...
ثم نمضي مع آياتها ليقابلنا القَسَم، القسم بأحوالٍ في السماء كانت في الدنيا، من بعد ما عرفنا أحوالها في مستهلّ السورة بعد انتهاء الدنيا...
الشّفق، واللّيل وما وسق، والقمر المتّسق ... وهكذا دأب القرآن ...
 نجدنا في قلب يوم القيامة وأهواله، وأحواله، ثم نعود إلى الدنيا على مسافة آيات ... ولَكَأنّنا نستشعر قُرْب يوم الدنيا من يوم انتهائها، نستشعر قِصرها ونحن ننتقل بين اليومين انتقالا يُشعرنا أننا نراه بعيدا، وهو عند الله قريب قريب ...... قريب متحقق ...
وأنّه مهما بدا مُكُوثُنا في الدنيا لأعْيُننا طويلا فإننا مُلاقوه  : " يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ "...
مهما بدا لنا طويلا فإننا منقلبون من حال إلى حال، من صغر إلى شباب، من شباب إلى كهولة، من كهولة إلى شيخوخة، من يسر إلى عسر، من عسر إلى يسر، من نجاح إلى فشل، ومن فشل إلى نجاح ... وكلها لا تُنال إلا بالجدّ والتعب، والانقلاب بين أطوار وأحوال .لا يركن غنيّ لراحة وهو يلهث خلف ثروة يجمعها إلى ثروة... وهو يخشى القهقرى، كما لا يركن فقير إلى راحة وهو يسعى سعيَه ليسدّ حاجة له ... كما لا يرتاح ناجح، ولا يرتاح فاشل ... !
وكلها الكدح ... الكدح والتقلّب بين الأحوال طبقا عن طبق ...
إننا لَنَلمح العَوْد على البدء، وهو سبحانه يُقسم بأحوال السماء في الدنيا أن الإنسان لا محالة متقلب بين الأحوال والأطوار ... من بعد ما عرفنا ذلك في بدايات السورة وهو سبحانه يُتبع انقلاب أحوال السماء والأرض بالتأكيد على أن الإنسان كادح كل كدحه في الدنيا وهو لا مناص ملاقٍ ربه في مطافه الأخير : " يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ "
إذن... فإنّ من أهمّ سمات السورة بيانها أنّ الإنسان بكلّ حال هو عليه، ومع كل طور هو فيه، ومع أي اعتقاد هو متبنّيه، وبكل عمل هو عامله، إنما هو كادح وكادح فمُلاقٍ ربه لا ريب ... سواء في ذلك من آمن وأطاع وعمل  صالحا، أو من كفر وعصى وعمل سيئا ...
شاء أو أبى، رضي أو سخط، آمن أو كفر ... هو ملاقٍ ربّه ملاقيه ...
فما أشدّ غباءه وما أشدّ إهلاكه نفسه وهو لا يؤمن، ويختار أن يكفر ويسدر في غيّه الذي لن يغنيه من لقاء ربّه شيئا ...
فيا أيها الكادح كدحَك... يا أيها الراكب طبقا عن طبقا ... إنك ملاقٍ ربك ملاقيه ...!
ويحضرني الملاحدة المتكؤون على الأرائك، المتنادون بألّا إله ... وبأنّ الإيمان غباء وجهالة وسفاهة ... وبحثّهم الخُطى من خلفها الخطى لنشر الإلحاد وإبعاد الناس عن الإيمان بربهم ... إنه كدحكم ... وإنكم تالله ملاقوهُ ملاقوه ... : " فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(20) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ(21)  بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (22)وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ(23) فبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (24) "
#سورة_الانشقاق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #389 في: 2026-04-07, 09:09:51 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة الطارق ... قليل في حقّها كلّ مدح ... مقصّر بحقّ جمالها وجلالها وعظمتها كلّ وصف ....
انسجام غريب عجيب بين ألفاظها على اختلاف السياق المنتَقَل إليه من السّياق، وانسجام غريب بين إيحاءاتها من بدايتها إلى نهايتها ...
إنها لتُحقّق بجدارة معنى جوامع الكلم، كما تجسّد تكامل أطراف الصورة، حتى لكأنها القطعة تركّب إلى القطعة لترسم المنظر الكليّ المتناسق كل التناسق، المتّسق كل الاتساق...
فلنتأمل ...
يُقسم سبحانه بالسماء العظيمة الرّحيبة ...مقرونة بـ : "الطارق"، ويعقب القسمَ سؤالُ إكبار وإعظام لهذا المسمّى بـ: "الطارق": " وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ" . ليأتي الجواب كعادة هذا السؤال في مواقع من القرآن، يتلوه التعريف بما أُكبِر مَقامُه، وأُعلِي شأنُه حتى كان مُقسَما به : " النَّجْمُ الثَّاقِبُ"
إنه النجم الذي يخترق بضوئه ظلمة الليل، ويطرق هَدْأته، فُيبرز في غمرة العتمة والسواد الغاشي... حتى كان وصفه بالثاقب...
فكأنما قد ثقب بالضوء السوادَ، كشأن الشيء المخترِق صلابة أو سماكة، لتستشعر فيه القوة، والقدرة على النفاذ...
أقسَمَ سبحانه بالطارق الثاقب أنّ كل نفس مخلوقة عليها حافظ يحفظ أعمالها ...
وهنا يجدر بنا التأمل ...
فأما المُقسَم به فهو الطارق الثاقب ظلمة الليل بضوئه، وأما المقسَم عليه فالحافظ لعمل كل نفس ... وما يحفظ وما يعدّد وما يسجّل إلا وقد خصّه الله تعالى بالعلم... العلم بكل ما يعمل الإنسان، بما يُسرّ، وبما يُعلن، بما يُكنّ وبما يُظهِر ...
أليست هي عتمة النفس، وأغوارها السميكة، ودخائلها البهيمة، ونواياها... وحقائقها...وما يخفى منها، ولا يعلمه غير الله الذي وكل بها حَفَظَة يعدّدون عليها عملها ...؟!
أليس هو ذلك الاختراق، والنفاذ إلى الأعماق العصيّة على البشر... ؟!
أليس هو الحافظ الذي يُخالط الأنفاس، والفِكرة والخَطْرة، والحركة والسكنة والنّأمة، فيخترق الطبقة من النّفس من ورائها الطّبَقة ... وهو ينفذ وينفذ، فيبلغ الأعماق السحيقة، وهو يكتب ويسجّل ويحفظ ...
سبحان الله ... !
إنّ المُقسَم به والمُقسَم عليه لا تبعد صفة الواحد منهما عن صفة الآخر، وإن كان الأول زائر السماء العليّة، والثاني مُخالط أغوار النفس البشريّة، الموغِل بعلمه في أعماقها، كما أوغل النجم بضوئه في عتمة السماء...! فطارق في السماء ثاقب، وطارق في ظلمات النفس ثاقب، يخترق خفيّها المعتم بضوء من علم خصّه الله به، ومن عمل أوكَلَهُ له...
بل إنّ عقلي ليلمح الثَّقب، ولَيسمع الطرق في هذه السورة لا على مستوى معانيها وسياقها وحسب، بل على مستوى اللفظ وموحياته ...
تأمل ... تأمل قوله سبحانه :"والسماء والطارق" ...
وصفحة السماء يتداول عليها الضوء والظلام ... يتعاقبان، فساعات هي الصفحة المضيئة إيذانا بالنهار، وساعات هي الصفحة المعتمة إيذانا بالليل ..
فما أروع قرن السماء باسم "الطارق" ...
هذا اللفظ الذي يفعل هو ذاتُه -كلفظ بين الألفاظ- فِعْل الطارق الثاقب ... وهو يطرق مجال التصور العقلي لينفذ إلى العقل فيضيئ أنه أوان الليل لا من لفظ "الليل" بل من لفظ السماء المقرون بالطارق... ! عندها يستقرّ فهمنا على الليل دونما شكّ أو ريب.
وتالله مازالت سياحتي في عالم سورة الطارق مستمرة...!
في جمالاتها ...في رونق إيحاءاتها، وتناسب وتناسق سياقاتها المتلاحمة باللفظ كما بالمعنى ...
لأرقب السماء البعيدة عن ملمسي والنفس التي هي بين جنبيّ ...
أرقب فعل الطارق في البعيدة وفعل الحافظ في القريبة ...
وأتأمل غياب لفظ "الليل" عن سياقٍ حاملٍ لمعنى الليل وما يدور فيه ... لأكتشف بعد نظر أن مجيئ "السماء" أشمل وأعمّ وأليق بكثير بما يُراد من معنى ..
وأنت إذا قابلتَ النفس التي يعمل معها الحافظ عمله، وجدتَها كالسماء... منها الظاهر المضيئ المؤذن بنهارها، وهو ما بدا للناس منها فعلموه، ومنها المُعتِم الذي خفي منها عنهم فجهلوه ... فكان للحافظ عمله بحفظ الأعمال ما بدا منها وما خفي، كما يليق بلفظ "السماء" وهي توحي بالحالين الضوء والعتمة... النهار والليل ...
وَيْكأنّ نفسي المنطوية على سرّها ليلٌ خِلْتُه البهيم حتى طرق الطارق سكونه، وثقب عتمتَه...!
وَيْكأنّني وأنا أرقب السماء أرقب صفحة نفسي، وكأنني وأنا أرقب نفسي أرقب صفحة السماء...!!
وما من طارق إلا ولطرقه صوت،  فطارق السماء ذو صوت فيها،  -وقد سجل علماء الفضاء أصوات نجوم تطرق-!  وكذلك الحافظ وقد أبلغك الله أنه بين جنبيك يحفظ عليك كل عملك..  ويثقب عتمة سرّك وهو يعلم كل ما تسرّ كما يعلم كل ما تعلن..! 
ويُشدَهُ عقلي حيال هذا الحُسن وهذا البهاء..! حيال هذه الروعة في تركيب اللفظ للفظ، ومقابلة اللفظ للفظ في تقلب بين معنى ومعنى، ومُراد ومُراد غيره... ولكنّ الاتساق والتناسق لا ينفكان قائميْن ...
ولكأنّ كل خيط فيها يُشدّ إلى الخيط، لا تتقطّع بالخيط منها سبيل ... بل كلّ فيها ميسّر لما جُعِل ...منظم مرتّب... مهتد غير ضال ولا مُضلّ... !!!
ونمضي ... فإذا قوله تعالى : " فلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ"...
ويسبقني النظر في موقع هذا الأمر بالنظر..
يسبق نظري في نفسي مِمَّ خُلِقَتْ نظري في موقع الآية من السورة، موقعها من حديث الحافظ وما يحفظ من عمل ... ما العلاقة ؟؟ ما وجه الارتباط ؟ لمَ الأمر بالنظر والتوجيه إلى النظر تِلْوَ حديث الحافظ ؟
لأجد عقلي يستدلّ ليجيب ... ويالروعة هذا الحثّ والدفع لآلة العقل أن تعمل ... ! وهذا دَيْدنٌ في القرآن لا يُستهجَن فيه ولا يُستغرَب ...
أوَليس الحافظ هو الذي يسجّل على النفس أعمالها كلها ؟
وَلِمَ هذا التسجيل ؟ أليس ليكون مادة العرض يوم العرض بين يدي ربّ العالمين ؟ أليس هو مادة الكتاب الذي ستقرأه كلّ نفس، لتعلم ما أحضرت، لتعلم ما قدّمت وأخّرت ؟! أليس هو محور الحساب يوم البعث ؟
بلى ... بلى ... وما حِفْظُ الحافظ لعمل النفس إلا لهذا ...
وهكذا يستدلّ العقل باللفظ الواحد: "حافظ" على يوم البعث ...
أليس هذا ثقبا جديدا في عالم العقل واستدلالاته وتصوّراته، وما يُراد له أن يبلغه من معنى ؟ أليس اللفظ البعيد المغاير قد طرق وثقب طبقات العقل، وغُرَفَ الذّهن ليَعِي المطروقُ عقلُه أنّ "الحافظ" نجمٌ طارق في عتمة العقل يضيء بمعنى البعث ؟
ولا تنفكّ سورة الطارق طارقة ثاقبة...! في صفحة الكون تارة، وفي صفحة النفوس تارة أخرى، في أُولانا تارة، وفي أُخْرانا تارة أخرى ...
ولأنه الإيحاء بالبعث، ولأن المكذّبين بالبعث في كل زمان... فهذا توجيه الله الإنسان لينظر... لينظر ممَّ خُلِق... وأنّ الذي خلقه على ذلك النحو، وبتلك العظمة والقدرة والتقدير أقدر على بعثه : "خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ(6)يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ(7)"
وإنني أسترسل مع السورة لا كشأن الذي يسترسل مع الآيات مفسّرا، بل لأنّ الطارق بشكل خاص تنبض بنبض واحد، وتتوحد أطرافها تحت سَمْتٍ واحد، وتتشارك أجزاؤها الصورة الواحدة... الصورة الواحدة التي تتقلب بين المعاني المختلفة لتبقى بميزتها ذاتها ..."الطارق" "الثاقب"
خَلْقُ الإنسان من أخلاط ماء الرجل والمرأة(الأمشاج)، ذلك الماء الذي صِفَتُه الدّفق، وفي الدفق قوة، وفي الدفق قدرة على النفاذ، وعلى الاختراق، ويزيد تأكيد هذا قوله سبحانه : " يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ "...
و"الصُّلْب" وحدها تشي بالصلابة والقوة، وهو في الإنسان ذلك العمود الذي تتوضع عليه الفقرات الواحدة فوق الأخرى، و"الترائب" هي مجموع عظام الصدر التي تلتقي لتشكل القفص عظمةً بمقابل عظمة، تُماثِل الواحدة منها نظيرتها كل المماثلة، حتى سميت ترائب، جمع "تريبة"...
وإني لست ممن يتكلفون الإعجاز العلمي في القرآن حتى يبدو إسقاط نصّه على الحقيقة العلمية افتعالا، ولكن بالمقابل لا ننكر ما كان من الحقائق العلمية صادعا بمعنى النص القرآني .... إذ إنّ الدعوة للفصل الكليّ لنصوص من القرآن تحدّث عن الكون أو عن الإنسان وخلقه عمّا يقرره العلم دعوة مُجحفة تقارب القول بأن القرآن لا شأن له بوصف المخلوقات سواء منها الكون أو الإنسان.
إن علم الأجنة Embryology الذي هو علم دراسة تنامي الجنين، وآليات تشكّل أعضائه وتطوّرها من طور له إلى طور، يؤكّد أن الجهاز التناسلي عند الجنين لا يأخذ مكانه المعروف إلا بعد أشهر من الحمل تقارب الأربعة أشهر، إذ إنّ لهذا الجهاز على وجه الخصوص منشأ، موقعه بين العمود الفقري والترائب الأخيرة من القفص الصدري، يكون فيه الجهاز في طوره الأول، ثم ينحدر وينزل منه إلى مستقرّه الأخير، ففي الذَّكَر كيس الصّفن حيث تتموضع الخصيتان، وفي الأنثى المِبْيضان...
وعلى هذا فإنّ أول منشأ الجهاز التناسلي هو هذا الموقع الذي هو بين الصلب والترائب ... فكان الوصف القرآني بأن الماء يخرج "من بين" وليس "من" ...
ذلك هو المنشأ الذي يخرج منه الجهاز، ليُزوَّدَ في آخر مرحلة من تموقعه النهائي في مكانه المعهود المناسب بشريان مغذٍّ يغذي الخصية وهي مصنع الماء في الرجل، ويغذّي المبيض سواء بسواء ...
فكان الوصف بـ: "يخرج" وصفا للخروج الأول، أي وصفا لمنشأ الجهاز ومصدر غذاء الماء المكوَّن فيه...
وهذه لمحةٌ علمية لم أجد بُدّا من ذكرها، حتى لا يبقى العقل متعلقا بتلك الالتباسات والأقاويل التي تجعل من هذه الآية دليلا عند المتقوّلين على مخالفة القرآن لصريح العلم ...
ثم أمضي من بعدها ... لأرى أنّ الطرق والثقب ممتثل من جديد، كما عرفناه في المعاني السابقة، مرة في صفحة السماء المعتمة، ومرة في صفحة النفس المعتمة ...
إنه ماء دافق ... يخترق الحُجُب ... يخترق الصلب، والصعب، من بين العظام القاسية الصلبة يسافر لينفجر ماء .... ولكأني به الماء المنفجر من الحجارة الصلبة الصلدة : " وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ "
إنها الحياة تتفجر من الصلابة ... الماء ... الحياة ..
الضوء يطرق ويبرز ويلمع في عتمة الليل، والحافظ يعلم في عتمة السرّ والطيّ والكتمان ... والماء يتدفق من بين الصلب والصلد وتنبثق الحياة من ظلمة الرَّحِم ...
سبحانه الذي قدّر أن تخرج الحياة من هذا العالم المظلم ... وهو سبحانه الذي وصفه بالظلمات في قوله :"... يخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِّن بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ..." –الزمر:من الآية06-
سبحانه الذي هذا تقديره لخلقه الإنسان هو على رجعه أقدر : " إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (8)يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ(9) فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ "
ونمضي قُدُما مع هذه السورة العظيمة ... ومرة أخرى لست أسترسل لأعيد فيها ما قال به المفسرون ... بل إنني لأجدُني معها من كمال إلى كمال ... من معنى إلى معنى آخر ولكن تحت لواء واحد ... أسمع النبض ذاتَه، أتبيّن الأوصاف ذاتها ...
فلنتأمّل مجدّدا : "وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ(11) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ(12)"
وآية قبلها جاء فيها : " إِنَّهُ عَلَىٰ رَجْعِهِ لَقَادِرٌ " ...
فانظر .... انظر إلى الاتساق، والموافقة، والمناسبة ... انظر إلى اللفظ وهو يعقبه ما هو من جنسه : "رجعِهِ" و "الرّجع"...
السماء ذات الرجع .... والرجع عند العرب "المطر" ...
وهذا قَسَمٌ ثانٍ في السورة بالسماء أيضا، ولكن هذه المرة برجعِها ... وقد جاء المطر هنا بهذا الاسم تحديدا، مناسبة لما قبله من حديث عن الرجع والبعث وقدرة الله عليه من بعد ما بيّن كمال قدرته في خلقه الأول...
وما المطر في أصله ؟ أليس ماء الأرض المتبخّر الصاعد إلى السماء، المتكثف ليعود فيتشكل مرة أخرى ماء ينزل من السماء ؟
أليس رجعا ؟؟ أليس بعثا جديدا لذلك الماء المتبخر من الأرض،ليعود للأرض ... ؟! وما الماء؟  أليس الحياة؟  فتبخره كأنه الموت،  وصعوده في طبقات الجو كأنما هو صعود الروح،  وتكثفه ونزوله مطرا كأنما هو البعث من بعد الموت..  !
أليس هو البعث في صورة حسية ؟!
ثم الأرض ... وصفتها "الصدع"
والصدع هو الشقّ ، وهو مصدر بمعنى المفعول ، أي المصدوع عنه ، وهو النبات الذي يخرج من شقوق الأرض ...
ولنتأمل هذه الصورة مع الصورة السابقة، مع الماء الدافق، والحياة المنبثقة من بين الصلب، وفي عتمة الظُّلَم ...
الإنسان وهو يخرج للدنيا، وأصله ماء، ماء أنتج نبتة حية، ماء سقى أرضا، وما تلك الأرض إلا المرأة الحامل ...
أوَلَمْ يصف الله سبحانه الزوجة بالحرث حين قال: " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ ..." –البقرة: من الآية223-
فهي الحرث، وماء الرجل السُّقيَا، ذلك الماء الدافق...والمولود هو ذاك النبات المصدوعة عنه تلك الأرض المحروثة ... !
بل وأكثر .... بل وآكَد، بل وأعظم دلالة وأسطع بيانا وهو سبحانه القائل : " وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا " –نوح:17-
نعم يا رب... من الأرض... !
فأُمُّه التي تحمله بين أحشائها وضلوعها، ليس أصلها إلا ترابا، وأبوه الذي سقى الزرع بمائه، ليس إلا ترابا ... يُحرث الحرث، ويُسقى التّراب ليُنبت ... !!
هذا القسم العظيم على : " إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ " ... القول في البعث، في الرجع، كرجع السماء للماء ... بعث الماء المتبخّر من الأرض ماء يرجع إليها من جديد حياة جديدة ...
كخروج تلك الحياة من تلك الظلمات بتدفق الماء من بين صلب أجزائها...
كاختراق الحافظ لحُجُب النفس وهو يسجّل أعمالها لتُعرض من جديد في يوم فيه الحياة منبعثة بعد الموت ...
كاختراق ذلك الطارق لأستار الليل البهيم بنور لا يلبث إلا يسيرا لينبعث ضوء النهار من جديد ... حياة وحركة من بعد سكون وهمود....
يا ما أروع الطارق الثاقب في قلب الظلمات ليؤذن ويُعدّ لانبعاث الحياة من جديد ... في السماء، وفي النفوس، وفي ظلمات الرَّحِم...
ويا ما أروع البعث والرجع بين يدي ربّ العالمين، والحياةُ بأطرافها وحركتها تحاكيه في كل حين ... من بعد مرحلة الإيذان بالطارق ...
ولادة جديدة في كل لحظة، من قلب الظلمات ... نهار منبعث منفلق من قلب الظلام وأوج اسوداده... ماء منبعث من السماء من بعد ذهابه من الأرض ...
إنها سورة "الطارق".....
تلك التي لا يسع المؤمنَ بعد تأمّل آياتها، وسياقاتها، واتساقاتها، إلا أن يوقن بأنّ كيد كل كائد لهذا الدين، إنما هو الهَمَل والهباء، والجُفاء والغُثاء... !!
كيف لا ؟... والقادر سبحانه، والباعث سبحانه يُمهله ويمهِّلُه ... وليس بمُهمِله وهو يحصي عليه كيده حبة بحبة وقطرة بقطرة ... ليلقاه يوم البعث، يوم يُرجع إلى ربه ... يوم يرى البعث الذي كذّب به بأمّ عينه ...!! " فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا " ...
#سورة_الطارق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #390 في: 2026-04-07, 09:10:32 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة الملك ...
تُفتتح هذه السورة العظيمة بقوله سبحانه يصف ذاته العليّة : "تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ "
لا تشبيه ولا تمثيل، سبحانه، المُلك كله قبضة يده... كناية عن القدرة الكاملة، والعظمة المتناهية. حتى أن الكون بما فيه عنده قبضة: "وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ  سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ" –الزمر:67-
... فنقرأ أول ما نقرأ بعدها ما يزيد في بيان طلاقة هذه القدرة  :" وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " .
قدرته التي نمّت عنها تلك القبضة الإلهية العظيمة، ليست قدرة محدودة، بل هي قدرة طليقة لا تحدّها حدود، وليس شيء من الأشياء بمعجِزه سبحانه ...
إنه الملك سبحانه، والملوك مِلْء الأرض زمانا ومكانا، ولا يُعرف عن أحدهم أنه الذي قدر على كل شيء ... بل إن ملكه مهما بلغ لن يتعدى حدود مكان هو حاكمه، بل إنّ ما هو تحت حكمه وأمره، لا ينفي أن يكون فيه لرعيّته ما يملكون وليس له أن يملكه ...
سبحانه الملِك القدير ... الذي لا تحدّ قدرتَه حدودٌ ...
وإنّ أبرز وأهمّ ما يختصّ به المَلِكُ سبحانه ...الخَلْق...
وليس يخلق غيرُه ...وإنّ أول ما يتبادر إلى الذهن مع قضية الخلق، خلق الإنسان، وخلق الكون بما فيه بسماواته وأرضه، وأفلاكه، وكواكبه ومجرّاته، وبجباله وبحاره، وبكل ما فيه ...  ولكن لن يتبادر إلى الذهن ما ذكره الله سبحانه في هذه السورة من خلقه... بل إنه الجمع الوحيد في القرآن كلّه بين هذين المخلوقين اللذَين لا يخطران على بال الإنسان أول ذكره لقضية الخلق ...
"الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ"
لم يأتِ هنا ذكرخلقه للإنسان ولا للكون، بل جاء خلقُه لعوارض تعرض لمخلوقاته...الموت والحياة ...
فلنتأمل ...
إننا عندما نتحدث عن قضية الخلق، لا نفكر معها إلا بما يوجده الله سبحانه لأحد أمرَيْن، إما لتُبثّ فيه الحياة فيحيا، أو ليكون سُخرةً للحيّ والحياة ... خَلْقُهُ الإنسانَ والنباتَ والحيوانَ، مخلوقات تُبث فيها الحياة لتحيا.
أو خلقه للجبال والبحار والشمس والقمر والنجوم وغيرها من كلّ مسخّر لحياة الإنسان ...
ولكن في هذه السورة تحديدا وحصرا يذكر الله تعالى خلقه للموت والحياة، وخلقه للموت بوجه خاص هو الذي يلقي على النفس ظلالا من الرهبة والهيبة، والإكبار لهذا المعنى العظيم، ظلالا من التساؤل عن خلق الموت... وأيّ سِمة في الموت تجعلها تدخل تحت أحد الأمرَيْن السابقَيْن ؟!
أهي المخلوق الذي ستبثّ فيه الحياة ليحيا، أم أنّه الذي سيسخّر للحياة ؟!
كلاهما لا تدخل الموت في دائرته ... إنها الموت !  خلق الموت ...بل وإن ذكر خلقها لسابق   حتى لذكر خلق الحياة ... !
تأمل معي ... أليس سبحانه قد خلق الموت هي الأخرى للحياة، وقد خلق الحياة للموت ...؟!
بلى... بلى... قد خلق الموت لتكون نهاية الحياة...
لم يخلق الحياة وحدها، بل خلقها وخلق معها الموت، لتكون الحال الذي يعرض للحياة فيُعدِمها، كما خلق الحياة أيضا للموت، لتؤول أخيرا إلى الموت ...
ولولا الموت، لما تحقّق للدنيا أن تكون دار ابتلاء : " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا " .
إنه ذلك الفاصل بين الدارَيْن،  دار العمل، ودار الجزاء ... دار عمل لم تكن ولم يُخلق فيها الإنسان إلا ليُبتلى، ودار جزاء على ما كان من ابتلاء، فكان الموت بمثابة القطار الذي ينقل من دار إلى دار ...!
ومَن ذا يقدر على الإحياء والإماتة غير الله...الملك سبحانه .... ؟!
فذاك النمرود حينما تبجّح وتشدّق ردّا على إبراهيم عليه السلام : " إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ "... لم يسعه وإبراهيم عليه السلام يسأله أن يأتي بالشمس من المغرب إلا أن يُبهَت ...!
فإن الملك بين الملوك وإن كان أقدرَهُم وأوسعهم ملكا، وأبسطهم علما وجسما، لن يقدر على إحياء أو إماتة ...
وحده سبحانه الملك الذي هو على كل شيء قدير، ومَن  ذا سِواه يقدر على الإحياء والإماتة ...  ؟!
وكأنما سبحانه قد قرن الخلق بهذين العارِضَيْن المخلوقَين لتستبين طلاقةُ قدرته على كل شيء بهذا الذي لا يُعجِزُه، بينما يُعجِز أقدر الملوك وأوسعهم ملكا وسلطانا في كل زمان وفي كل مكان ...
بل إنهما وهما مقترنتان، مع بيان الغاية من خلقِهما والغاية من خلق الإنسان: " لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  " قد  جمعتا في سِعة تعبير عجيبة فريدة بأقل الألفاظ  إيجادَه سبحانه للدنيا بالإحياء (الحياة)، وإعدامه لها بالموت، وإيجاده للآخرة بعد الموت... إنه بيان أنه ملك الدارَيْن سبحانه...
وسيأتي في لاحق من الآيات تفصيل من سورة الملك ذاتها لمعنى: "أحسن عملا" ...
والجَمالات والكَمالات ودقة استخدام اللفظ... تترا كلها في هذه السورة التي تستوقفني في محطات منها كثيرة ...
فأجدني أتساءل، ما سرّ الإتيان بـ: "الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" تحديدا دون غيرها من أسماء الله سبحانه ؟ لا بدّ أنّ لموقعهما مجتمِعَين مناسبة ...
أما "الْعَزِيزُ" فهو الذي لا يُغلَب ولا يُقهَر سبحانه، ولا يكون إلا أمره ...وهذا مناسب أيّما مناسبة للملك ...
إنه تأكيد على أنه الملك الذي لا يُقهَر، الملك الذي لا يُغلب وكل الملوك تُقهر وتُغلَب إن لم يكن بهزيمة حرب، فبالموت الذي يتساوى فيه ملك ومملوك .
كما أنه الذي لا يَغلِبُ أمرَه وإرادتَه شيءٌ من فعل عباده في الأرض...
فمهما بلغ ظلم ظالم منهم وتسلط متسلط و تجبّر متجبّر، فإنّ ذلك كلّه لن يغلبَ أمره وفعله وإرادته، وإن بدا أنّ الإنسان عائث في الأرض فسادا وإفسادا، وإن تنادى أهل الإلحاد والكفر بوجود إله بأنّ الشرّ الذي في الأرض لا يناسب وجود إله عليم رحيم ...
إنه سبحانه الذي جعل الدنيا، وخلق الإنسان فيها ليُبتَلى ...ولا يكون الابتلاء إلا بأن يتحرك الإنسان وِفق ما يختار من طاعة أو عصيان، لا يكون الابتلاء إلا والإنسان يعرِض للشرّ كما يعرِض للخير...
وأما "الغَفُور" فهي التي تناسب كل المناسبة :" أحسن عملا"...
لأنه ما من إنسان وإن بلغ من الطاعة والإذعان والإيمان ما بلغ، إلا وله أخطاء وذنوب لا يغفرها له إلا الغفور الرحيم سبحانه ... كما أن المسيئ التائب أيضا معنيّ بهذه المغفرة، بل وداخل في دائرة "أحسنُ عملا" ... أليس هو القائل سبحانه : "وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ" –آل عمران:133-
ثم نمضي مع "الملك" ... فإذا وصف جديد من الله لذاته العليّة، وما نزال في دائرة الخلق  : "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا  مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ  فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ(4)"
خالق السماوات السبع طباقا، مماثِلةً الواحدة منها للأخرى، منطبقة عليها وصفا وخلقا، وكائنة بعضها فوق بعض طبقة فوق طبقة ...لا يلحظ الرائي وهو يصعّد النظر فيها ما يشي بتفاوت في الطبقات، أو شقّ فيها يشي بنقص في تركيبها، أو بنائها طبقة فوق طبقة ...
لم تُثقل السماوات الستّ على سمائنا الدنيا حتى نرى فيها شقا يؤذن باحتمال تساقطها من ثقل ما تحمل ...
وإنه يحضرني  ما قال المشركون بلسان التحدّي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : " أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا " ...
ولكأنّي بهم والأعين منهم ترى السماء المتماسكة، التي لا يعرفون فيها شقا ولا فطورا، مِن يقينهم بتماسكها وقوتها، ليس في علمهم بحالها ما يدعوهم لاحتمال سقوطها كسفا وهي المتماسكة المتلاحمة ... !
لكأنّي بهم وهم يعلنون اللجاج والعناد والتكذيب والتحدّي لا ينتبهون ليقين عندهم بقوة هذا المخلوق، الدال على عظمة الخالق ... !!
" ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ"
يالهذا الوصف، وهذا التعبير، وهذا التصوير البديع الدقيق... ! يالِوقوفي مشدوهة، منبهرة، مأخوذة بسحر هذا الوصف، ودقّة هذا التصوير، وأنا أراني وبصري شيئَيْن لا شيئا واحدا ...! ذاتَيْن لا ذاتا واحدة !
إنه البصر منّي ... ولكأنّه ذاك المنفصل عنّي ...
لكأنّي به ذاك الرّسول، وأنا المُرسِل ... لكأنه الكائن المتحرّك المنفصل عن ذاتي ... أُرسِلُه لينظر ... ثم من جديد لينظر.. ومن جديد ... ومن جديد ... عساه يأتيني بنبأ يقين عن فُطور من هنا، أو فطور من هناك ...
ولكنه يعود ... وليت شعري كيف يعود ... !
 يعود خاسئا، خائبا، تعِبا كليلا من فرط ما أرسلته ... لكأنّي به يعود خاشعا ذليلا ... لا يملك بما أودِع فيه أن يعود بخبر عن خلل في السماء ...
إنه رسولي إليها ... وهو الجزء منّي، كأنه المنفصل عنّي ... هكذا يوحي وصفُه، وهكذا هي حقيقته ...
إنه المخلوق في الإنسان، كأنّه يذكّر الإنسان ، ويعود له حاملا فطرة فُطر عليها، حاملا إقرارا بإتقان الصانع، إقرارا بعظمة الخالق الذي خلقه ...لكأنه الجزء منه المقرّ بخالقه وإن جحد الإنسان وأنكر، وإن كذّب وكفر...
سبحان الله ... وكأنّه شكل من أشكال تبرئ جوارح الإنسان من الإنسان في الدنيا ... وهي التي تتبرأ منه يوم القيامة إن باء بالخسار والبوار -عياذا بالله- . أليس سبحانه القائل : " حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ " –فصلت:20-
يتبع مع تأملات لي في سورة الملك بإذن الله ...
#سورة_الملك

يتبع.....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #391 في: 2026-04-07, 09:11:12 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

ومع سورة الملك... نمضي الهُوَينى ..
إنه المَلِكُ سبحانه، الذي هو على كل شيء قدير، الذي خلق الإنسان وجعل له الحياة للابتلاء، وجعل له الموت لينقله إلى الحياة الأخرى حيث يُجازى على ما كان من ابتلاء... وقد فاز من أحسن عملا ، والملك سبحانه العزيز الذي لا يُغلَب، الغفور لعباده على ما فوّتوا وما قصّروا ...
إنّ رحمة الملك العظيم سبحانه لتُلوِّح، وإنّ فجرَها النديّ ليَلُوحُ على صفحة القلب ونحن في حضرة المُلك والقدرة  ...
رحمته في إنعامه بالخَلْق المُتقَن البديع : "الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا  مَّا تَرَىٰ فِي خَلْقِ الرَّحْمَٰنِ مِن تَفَاوُتٍ "... وفي مغفرته لعباده ...
وسنبصر هذه السورة، وسنُرجع البصر فيها، فإن الرحمة لا تغادرها ...
ومازال حديث المَلِك سبحانه عن السماء، وهذه المرة يخصّص عن السماء الدنيا، لتستبين من بين السّبع الطِّباق : "وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ  وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ"
ويستوقفني ما في هذه الآية من زينة...!
 إنّ الزينة التي توشّح السماء جمالا ونورا يخترق العتمة وكأنها حبات لؤلؤ قد برزت من صدفاتها ...تلك الزينة التي تأخذ الألباب هي ذاتها السلاح المُشهَر في وجه الشياطين المترصّدة لأخبار السماء.. وسبحانه القائل في ذلك: " وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ(16) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ(17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ(18)" -الحِجر-
إنها الزينة، وإنها هي هي السلاح ... !
تلك النجوم الحسناء البهية، شأنها كشأن القمر...
قد عرف الإنسان على مدى الأعصار أنّها آيات من آيات الجمال، حتى إذا وَصَف جمال أحدهم قال عنه : كأنه القمر ليلة اكتماله، أو قال عن المرأة المضيئة: كأنها النجمة ...
وليس بعيدا عن العقل الذي يقيس ويشبّه أنّ المشبَّه به أعلى قيمة من المشبَّه ... فالقمر والنجوم مضرب المثل في الحسن والجمال ...
وإنها المرأة الحسناء، وإنها النجمة الحسناء، بل الأكثر حُسنا ...
ولكنّ الأولى تُغَرّ بلا ثناء بَلَه إذا أثنِي عليها ! بينما الثانية على حسنها مسبّحة مع كل ما يسبّح بحمده سبحانه، وذلك أكبر شُغلها، أن تؤدّي ما لأجله خُلِقت، وأن تسبّح بحمد ربها. فهي الزينة، وهي الهادية لمن استهدى في طريق، وهي السلاح المُشهَر في وجه الشياطين حفظا للسماء ...
لنتأمل ...
أليست تلك نهاية الشياطين إذا ترصدت لخبر السماء ؟! أليس قد حال هذا الرجم بالنجمات المزيّنات دون استراقهم لخبر الملأ الأعلى ؟
إنه بهذا يحقّ لنا أن نفهم على وجه الجزم واليقين كيف أنّ الأمر في السماء محسوم لا ريب ولا مِراء، لا مكان للشياطين فيها ... مذ أخرِج الشيطان من الجنّة، مذ أهبِط الأرض مع المُهبَطَيْن آدم وحواء، والأرض مستقرّ الابتلاء ، ولا يُحسم الأمر فيها إلا بعد زوال الدنيا ... أليس سبحانه القائل : "قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ(36)قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(37)"-الحجر-...
بل إنّ مبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم كان موعد الإبعاد الكليّ للشياطين من ذلك الفضاء، فلم يعد لهم من مكان حتى لاستراق السمع ، وقد نقل لنا الملك سبحانه ما قالته ألسنة النفر الذين آمنوا من الجنّ : "وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا(😎 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ  فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا(9)" -الجِن-
لكأنّ البَدْءَ بذكر حال السماء مع الشياطين في هذه السورة الجليلة بعد بيان أن الغاية من خلق الإنسان إنما هي الابتلاء،  قد جاء ليبيّن بترتيب واتّساق وتنظيم أنّ الابتلاء مضماره أهل الأرض لا أهل السماء...
ولنتأمل ... فإذا الآية الموالية تؤكّد ما كان، وهذا التمييز بين المُبتَلين من خلق الله (البشر)، وبين المسيَّرين من خلقه (الملائكة) ...
وإنّ كون الإنسان مخيّرا لا مُسيّرا لَمِن تكريم الله له... إذ لا يُخيّر ولا يكلّف إلا من عُرف أنه أهل للاختيار ولأداء الأمانة.
فلقد تبيّن لنا من رجم النجوم للشياطين أنّ الأمر في السماء محسوم، وقد طُرِدوا منها، وأُبعِدوا عنها في الدنيا، مع ما ينتظرهم من عذاب في الآخرة : "وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ" ...
أما أهل الأرض، أتباع الشياطين منهم وأولياؤهم، فإن أمرهم في الدنيا ليس بالمحسوم، لأن الأرض هي مضمار عمل الشيطان من جهة، ولأنّه الطرف الأبرز في معادلة الابتلاء من جهة أخرى... في معادلة امتحان الإنسان أيعصي ربّه سبحانه ويتّبع الشيطان وغوايته، أم يطيع ربّه ويرجم الشيطان وقد برزت في نفسه لآلئ النجوم الهادية المخترقة لعتمات الأرض تعمّ وتطمّ  كلّما أوغل الناس في اتباع الشيطان، الرُسُل والأنبياء الهُداة ...
لنُرجع البصر في سورتنا العظيمة، في آياتها المتتابعات المتسلسلات، التي تفصّل التالياتُ منها السابقات ... هل نرى من فطور ؟!
إن العقل ليوقن في كل مرة،  آية بعد آية أنه كلام الملك العظيم ... ولا يكون كلام كهذا إلا من ربّ السماوات والأرض، ربّ الجمال والبيان...
"وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ  وَبِئْسَ الْمَصِيرُ"
ها نحن مع هذه الآية ننزل إلى الأرض ... ننزل إلى حيث الابتلاء ... وإلى حيث الموت والحياة، لا الحياة وحدها كحال أهل السماء ...
إلى دار الابتلاء ... إلى حيث لم يُحسَم الأمر... وكيف يُحسَم وقد تقرر أنها للابتلاء والامتحان ... ؟! كيف يُحسم وقد تقرر أنّ الشيطان مُنظَرٌ إلى يوم يبعثون ؟!
إلى أتباع الشياطين وأوليائهم ... إلى من كفر بربّه ...
إنه عذاب جهنّم، عذاب الدار الآخرة، وأما عذاب الدنيا للكفرة فليس بكائن، والأمر في الأرض يُحسَم يوم الحسم العظيم، يوم يُبعثون ..
ثم يأتي تفصيل في شأن جهنّم وحال أهلها فيها بتصوير ليست دقّته إلا للقرآن العظيم وحده : "إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ  كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (😎 قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)  "
ومرّة أخرى، يضفي سبحانه على ما لا يعقل صورة الذي يعقل، فإذا جهنّم –أجارنا الله منها – نعرف فيها صفات الغاضب الذي يكاد يُفتّته الغضب...
"إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (7) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ..."
يتبع مع تأملات لي في سورة الملك بإذن الله.
#سورة_الملك

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #392 في: 2026-04-07, 09:11:46 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

"وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ"
هم أولاء يقرّون بأن كان لهم اختيار، وأنهم كانوا أصحاب إرادة حرة، وأنهم لم يُجبَروا على شيء، بل إنهم هُم من عطّل العقل فيهم، وادّعى مَن ادّعى منهم أنهم كانوا مُجبَرين لا مُخيّرين حتى قالوا: " وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ نَّحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ ..." –النحل: من الآية35-
إذن... وكعادة القرآن، ينقلنا نقلا سلسا من زمان إلى زمان، ومن مكان إلى مكان، والمسافة آيات معدودات...
من السماوات نزلنا إلى الأرض بتخلّص سلس لا يكاد يُشعِرك أنك تنتقل. فمِن رجم الشياطين في الدنيا إلى ما أُعِدّ لهم من عذاب في الآخرة، إلى ذكر أتباعهم في الدنيا نجدنا على الأرض ...
ثم من بيان لشأن حالهم مع عذاب الآخرة، يعود بنا سبحانه إلى الدنيا... إلى الذين آمنوا، إلى الذين أحسنوا عملا ... وكلّه في تفصيل لقوله تعالى في مستهلّ السورة : "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا "
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(12) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ  إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(13) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)
خشية الله بالغيب، خشيته دون رؤيته سبحانه  ...
وإنني لأرى الآية الموالية لصيقة بمعناها، متممة له ...
فالذي يخشى الله وهو لا يراه، مؤمن بوجوده، منطبق عليه أبرز وصف للمؤمنين : "الذين يؤمنون بالغيب" .
ولكن...رُويدك... ألستَ وأنت تؤمن بوجود أحدهم، تستسهل فعل أو قول ما يكره وهو غائب عن ناظرك ؟
بلى ... ولذلك فإنّ تمام الإيمان وتمام الخشية أن توقن أنه يراك وأنت لا تراه... أنه يراقبك، ويعلم خائنة عينك وما يخفي صدرك تماما كما يعلم ظاهرك . وذلك قوله تعالى في الآية الموالية : "وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ  إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُور".
وإنّ هذا ليس إلا الإحسان، إذ سُرعان ما يقفز من ذاكرتي إلى حاضرتي حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه عن جبريل عليه السلام إذ تمثّل في هيئة رجل دخل يسأل رسول الله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يجيبه : "قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ ما الإحْسَانُ؟ قالَ: الإحْسَانُ أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ"-صحيح البخاري-
وهكذا جاءت الآيتان شارحتَيْن لمعنى قوله تعالى : "لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  "
ثم تأتي الآية التالية وكأنها تجيب مَن تعجّب مِن علمه سبحانه بذات الصدور في شكل استفهام تقريري:" أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ " سبحانه الخبير أي العليم بدقائق الأمور، اللطيف الذي يسري قضاؤه وأمره بلطف من حيث لا يقوى الإنسان على تبيّنه لا من أسبابه ولا من حركته، بل كثيرا ما يبدو في هيئة شرّ وهو الخير الملفوف في لطف خفيّ...
وانظر إذا أحببتَ إلى يوسف عليه السلام وما جرى عليه من أقدار لا تكاد تصدّق أنّ من وراء سريانها يأتيه الخير العظيم، حتى قال عليه السلام : "وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا  وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا  وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي  إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ  إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ"-يوسف:100-
ثم نمضي مع السورة، كمن يمشي على طريق، نسترشد بالآيات نجمات هاديات، فإذا الآية تفصّل الآية وتشرح الآية وتفعل فعل المَعْلَم على الطريق يهديك إلى المَعْلَم فإلى المَعلْم لتستبين الهدف ونقطة الوصول.
وإنّ أول الغيث لَقَطْرة، وإن أصل أن يقطر وينزل أن يتكثّف البخار ويجتمع بعضُهُ إلى بعض في السحابات...
كذلك الآيات في السورة، إذا أخذتَها وِحْدات متفرقة فهمتَ شيئا من هنا وشيئا من هناك، وكأنها القطرات المتفرقة، الواحدة منها شرقية والأخرى غربية، ولا يكون غيثا ما تفرّقت قطراته شرقا وغربا ...! والسورة لُحمة واحدة مترابطة الأطراف، تُلقي الآياتُ بظلال موضوعها الجامع ...
وعلى هذا فلنتأمل الآيات التاليات مجتمعة :
"هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (15) أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا  فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ  مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ  إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ  إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ (20)"
سبحانه المَلِك يذكر من آلائه على عباده : "هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"
أمَرَ عبادَه بالمشي في الأرض وقد ذلّلها لهم، ذلّلها كما تُذلّل الدابة لصاحبها، فهي المتحركة ولكنّها بين يديه طَوْع أمره، كذلك الأرض التي تُقِلّنا، تبدو لنا الثابتة وهي المتحركة التي تدور حول نفسها، وتدور حول الشمس، ومن رحمة الله بنا ذلّلها لنا، فهي المستقرّة التي نتحرك عليها باطمئنان، بينما هي المتحركة التي لا تتوقف عن الحركة ...!
وليس المَشْيُ المأمور به هو حركة الأرجل على الأرض وحسب، بل هو المشي في مناكبها لمعرفتها، لاستغلال ما فيها من خيرات سخّرها الله، لتطويع ما على ظاهرها، وما بباطنها ... للعمل، للسعي، للبناء، للتعمير، للاكتشاف والاختراع، للانتفاع عليها بالعلم ... كل هذا هو المَشي المأمور به ...
" وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  " ...
إنّ الضمير في: " رِّزْقِهِ " وحده يذكّر، وينبّه أنّ ما عليها مما يَطعَمُه الإنسان وتستمرّ به حياته، وقد زرعه بيده، أو صنّعه بيده إنما هو منه سبحانه... عطاؤه وفضله ... !
الضمير وحده كاف للتذكير والتنبيه، ولإيقاظ كلّ مَن تأخذه سِنة من غفلة في خضمّ العمل والحركة والاجتهاد، وتلمُّسِ ثمرة الحركة والعمل ...
إنها الوسطية في الحال ... فهو الأمر بالحركة والتعلم والعمل ومواكبة ركب الحضارات لإعمار الأرض ... شريطة التذكّر دوماً أنّ الفضل من الله، وأنه عطاؤه ومَنُّه، وأنّه الذي سخّر وذلّل ...
لأنّ من شأن الإنسان إذا بنى وأعلى وشيّد، وبرع وصنّع  واخترع  أن يغترّ، وأن يظنّ بنفسه الظنون العُلا، حتى بلغ بمَن تمكّن منه الغرور أن رأى نفسه الربّ الأعلى ... أليس قد قالها فرعون زمانٍ مضى : "أنا ربكم الأعلى" ... كما قالها ويقولها الفراعنة في كل زمان ...!
فهو أمر من الله الملِك سبحانه أن يتحرك الإنسان وفي رَوعه لازمة لا تغادره أنّه عبدٌ للربّ الإله الملك سبحانه، وأنّ كلّ خير يكون فيه إنما هو من فضله ونَعْمائه ...
وتزيد تتمّة الآية : "وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " تنبيها وإيقاظا، وتزيد تأكيدا على هذا الحثّ المشروط، الحثّ الذي يُبقي الإنسان في دائرة إنسانيته... في دائرة حريّته التي لا تتحقق إلا وهو المتحرّر من قيود النفس إذا اغترّت، فطغت فرأت أنها المستغنية عن ربّها ... وهو سبحانه القائل: "كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ (6) أَن رَّآهُ اسْتَغْنَىٰ (7) إِنَّ إِلَىٰ رَبِّكَ الرُّجْعَىٰ (😎 " -العلق-
فلننظر...فلننظر في الآيات الموالية، لنعرف أن الله عليم بأنّ الإنسان في حاجة إلى مزيد تنبيه وتذكير، وتأكيد على خطورة الفخّ الذي يوقع به نفسه وهو في غمرة الغرور يرى السمّ الزعاف المُهلِك عسلا مصفّى ...!
هذا التلميح بخطورة الغرور يحتاج إلى مزيد بيان، فينتقل سبحانه من التلميح إلى الإنذار، فيذكّر بغضبه وبمشيئته المطلقة  : "أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا  فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (18)"
أجل... تلك الأرض التي جعلها الله للإنسان ذلولا رَكوبا يرتع في أرجائها، فتطاوع مُراده منها، إنما هي أصلا مطاوعة من تذليل الله لها، هي الأرض ذاتها التي بأمر ربها تنقلب على الإنسان فتنخسف به، فإذا هي المائرة المضطربة التي لا يستقرّ لها قرار... !
فبأيّ صفة يكون له الأمر عليها إذا ما انقلبت عليه ؟! وكذلك السماء التي سُخّرت له، تأتمر بأمر ربها، فكما قضى فجعلها خيرا للإنسان، كذلك تأتمر بأمره فتنقلب عليه عذابا ...
أليس هذا إنذارا وتخويفا من حقيقة ملك الله تعالى لسماواته وأرضه للإنسان الذي يأخذه الغرور إلى غيابات جبّ التألّه والتربّب ؟!
ألسنا نعرف من الإنسان ذلك في كل زمان ؟!
فهذا عالِم اخترع أو اكتشف فأرْدَاه زُهُوُّه بعقله حَدَّ تأليهه بدل خالقه فيه، ظنّ أنّ الله محلّ نظر وتجربة وحِسّ في مختبراته، فأوجب وِفقَ ذلك إنكار وجوده ... !!
ألسنا نعرف الملِك الذي إذا ما مَلَك طغى وتجبّر وظلم، وحسب أنه الذي لا يُقارَع، فكان بالمرصاد لكلّ من تجرأ على مواجهته أو على ما يخالف أمرَه ؟!  ولا عجَبَ في الاضطهاد الذي يُمارَس على كل من أعلن أنه عبدٌ لله وحده، إذ أنّ ذلك يقضّ مضاجع المتألّهين ويقطع عليهم طريق أحلامهم التسلّطية ...!
هذان المثالان وغيرهما على الأرض صورة للإنسان تأخذه العزّة بالغرور فيتألّه ...
وإنك إذا عرفتَ في أحدهم تماديا وإيغالا في الغرور والاعتداد بالعقل، أو بالجمال أو بالقوة، أو بالسلطان خِلتَه قد جعل لنفسه جناحَيْن وطار ...
وهيهات هيهات أن يطير إنسان !! إنه المستحيل الذي تعلم يقينا أنه لا يحدث، وأنه الذي لا يَقوَى عليه الإنسان ... فتقول للمغرور غضبانا، ضاجا من غروره متحدّيا : إنْ وسِعك أن تطير فطِرْ ..! وتُلحّ عليه بقولك : طِرْ طِرْ ... وأنت موقن أنّ ذلك مُعجزُه، لعلّه ...لعلّه ينثني أو يَرْعَوي...
فلنُنظر ... فإذا الغرور الذي عرفنا في الآيات السابقات تقدّماً تدريجيا نحو بيان خطورته على الإنسان، يُتبَعُ بحديث عن الطير :"أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ  مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ  إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ"
أيها الإنسان الذي يغيّبك الغرور عن الحقائق، وأُولاها حقيقة نفسك، وحقيقة الغاية من وجودك، وحقيقة ما يربطك بهذا الكون المسبِّح المُسخَّر لك من المَلِك الكريم حتى ترى نفسك الملك والمالك، فتخبط وتخلط وترفس وتعفس في الأرض، تريد أن تنفذ من أقطارها...! حتى إنّك لا تحب لنفسك العظيمة المتعالية أن تهبط فتنظر إلى أديمها لولا خوفك التعثّر أو الوقوع ...!
فانظر... انظر أيها المغرور إلى السماء كما تحبّ أن تفعل... !
يا مَن أنت أكبر من الأرض وما فيها... يا مَن ترى بصرك حقيقا بالسماء لا بالأرض... أليس في السماء طيور ... ؟
إنها : " فَوْقَهُمْ " ... وهذا أول ما يشي بالفوقيّة عليك يا مَن ترى نفسك الأعلى... يجتمع عليك اللفظ مع المعنى..!
إنك لن تقوى على مُجاراتها ... إنها فوقك... !
وإن كنتَ على الأرض التي لولا تذليل المَلِك لها لما عرفت عليها استقرارا قد اغتررتَ واستكبرتَ حتى نسيت أنك ترتع في مُلك المَلِك، فإنّ الطير "فوقك" قد سُخّر لها جوّ السماء، قد سُخّر لها الهواء ... ذلك الهواء الذي لو داهمك منه تيّار قويّ وأنت على الأرض لما  قويتَ على مقاومته، ولذهب طولك، ولذهبَتْ قوّتك أدراجَه : " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا  إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا "-الإسراء:37-
إنها المسخّرة في جوّ السماء ... وما سخّرها لها إلا ربّ السماء، فهي السابحة فيها، كما سخّر لك الأرض فأنت المستقرّ عليها ...
فإنّ من شأن تأمّلك في جناحاتها المصفوفات والمقبوضات تخترق بها جوّ السماء العصيّ عليك أن يقصف جناحات غرورك ... وأن يذكّرك بالملِك الذي ملك ما لا يبلغ بصرُك أعلى منه، بَلَهْ ما هو تحت قدمك ....!!
"مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَٰنُ  إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ..."
ثم انظر ... انظر كرّة أخرى، أليست تَسْبَح في جوّ السماء، تغلب الهواء ولا يغلبها ... أليست هي التي يمسكها الرحمن، فهي السابحة كيف تشاء ... ؟!
أليس هذا أحرى أن يكون  حالك أنت أيها الإنسان ؟!     
أن تستمسك بالعروة الوثقى، بالله سبحانه... بهُداه ... فإذا أنت المهتدي، الواثق من طريقه ومن مسيره ... الثابت، وما يثبتك إلا الرحمن ...
جدير بك يا صاحب العقل أن تبحث، وأن تسأل عن أسرار ذلك المخلوق الطائر ... فإن البحث سيُسفِر لك عن عجب عُجاب، عن عظمة مخلوق هي من عند الخالق لا من سواه ...
إنّ هذا الطير المُحَلّق فوقك لَـيُبصر طريقه كل الإبصار... بل إنه ليعلمها، وليتبيّن معالِمَها...فهو الذي يهاجر من قارة إلى قارة لا يخطئ طريقه، يعرف وجهته، ويعرف كل محطاتها، لاتختلف عليه الاتجاهات، ولا يتوه، ولا يذهب حيث لا يجب أن يذهب ... مزوّدٌ جهاز الإبصار فيه ببروتين يتبين به الضوء الأزرق والمجال المغناطيسي للأرض الذي يحدّد به الاتجاهات دون أدنى شك أو ارتياب. بل إنه الذي يهتدي ليلا بالنجوم ...!
حريٌّ بك أيها الإنسان، أن تنطوي على نفس "طَيْرِيّة"  تُقارع الأهواء، وتثبت في جوّ الابتلاء، تُبصر طريقها، وتعرفها، وتتبين معالِمَها، وتَسْبَح كيف تشاء وهي المستمسكة بالرحمان الذي لا يمسكها غيره... لا أن تتخذ الغرور جناحات تريد بها أن تطير بلا هُدى، وتالله ما تحملك تلك الجناحات، وما تجدُك بها إلا بين يَدَي التّبار والخسار والرَّدى... وكيف يُفلح من اتّخذ من دون الرحمن هاديا ومرشدا ومثبتا ...؟!
يالِعظمة هذا السياق كله ...!  يالعظمة التدرّج الربّاني في التربية، وفي طَرْقِ الموضوع من مواضيع النفس البشرية ... !!
يُطرَق الغرور في النفس في هذه السورة، التي هي سورة "الملك" ...
وهو من أهمّ ما يناسب جوّها، الغرور الذي يأخذ الإنسان إلى توهّم الملك على أرض لم تكن طَوْع يديه إلا من تذليل الله لها لتكون طوعه ...
فمن التذكير بالتلميح، إلى التذكير بالإنذار والتخويف، إلى التذكير بالنظر في الطير ... وأيّ نظر هو ؟! يأخذك إلى عوالم لا إلى عالم واحد ...! يأخذك إلى نفسك، إلى حقيقتها... إلى التعلّم من الطير المحلّق....
وها هي الآية الموالية تكمّل السياق وتُتَمِّمُه، وتؤكّد جَوَّه وهي تحمل الكلمة انتهاء إلى التصريح الكامل من بعد ما عرفنا البدء بالتلميح في أول آية من هذا السياق، في قوله تعالى : " هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  وَإِلَيْهِ النُّشُورُ " . 
إنه مذلّلها سبحانه، وإنك مأمور بالمشي في مناكبها، والأخذ بالأسباب عليها، شريطة تذكّر أن ما عليها من عطاء هو رزقه، رزق ربّ الأسباب ومسببها، وأنّه لا بقاء فيها، بل الرُّجعى إليه سبحانه ... فالأمر منه وإليه ...
ثم انتقالا إلى الإنذار والتخويف، حتى يُنتَبَه إلى خطورة السَّدر في غيّ الغرور، وأنّ الذي سخّر الأرض والسماء عطاء وخيرا ونعمة، هو القادر سبحانه على جعلها جنوده التي تنقلب على الإنسان المغرور الناسي ربّه عذابا ونقمة ... !
ثم توجيها إلى النظر في مدرسة الطير المُحلّق ... وانتهاء إلى مرحلة تسمية الشيء بمسمّاه في قوله تعالى : " أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ  إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ "...
"إِلَّا فِي غُرُورٍ"... أيّ جُند لأي مَلِك على الأرض هو ذو أوتاد وأوتاد ينصر من دون الرحمان الذي هو بكل شيء بصير ؟! إن هو إلا الغرور فيمن كفر بربّه وظنّ أنّ نصرا يأتيه من غير عند الله...
إنه لَفحة من لفحات الشياطين التي جعل الله نجوم السماء لها رُجوما، وتوعّدها بعذاب الآخرة الأليم، ثم بيّن مآل أتباعها على الأرض ... ومآل من يحسب لفحاتها نفحات ...فكان الغرور أحد أسلحتها الماضية في الإنسان ...
ويا آيات كتاب ربي إنه ليس شيء كمثل حسنكِ إلا آيات ربي ....!!
ويتبع مع تأملات لي في سورة الملك بإذن الله.
ملاحظة: في الرد الأول أدناه روابط الأجزاء السابقة.
#سورة_الملك

يتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #393 في: 2026-04-07, 09:12:34 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع.....

ونواصل مع سورة الملك ...
هذه السورة العظيمة التي نمشي في مناكبها، فإذا كلّ ما فيها يصدع أنّ المُلك كلّه لله وحده...
فمِن بعد ما أُدْخِلنا مدرسة الطّير، وعرفنا اهتداءها لطريقها، وإمساك الله لها في جوّ السماء، فاستشرفنا نفسا "طَيْرِيّة"  تستهدي بالله، ولا يثبّتها إلا الاستمساك بهدى الله في جوّ الابتلاء الذي خلقنا الله له...
ها هما الآيتان المواليتان تبيّنان أنه ما من جُند يَعتدّ به ملك على الأرض ينصر من دون الرحمن... أنه هو الناصر سبحانه، وأنه الرزّاق :" أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُم مِّن دُونِ الرَّحْمَٰنِ  إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ(20) أَمَّنْ هَٰذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ  بَل لَّجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ(21)"
واذكر معي... أليست قريش حديثة عهد بنصر، وبتأمين ؟!
سورة الملك مكية، ولم يكن القتال قد فُرض على المسلمين في مكة وهم  بعدُ قلّة مستضعفون لا دولة لهم ولا سطوة ... فعن أي نصر تتحدثين وعن أيّ تأمين ؟!
أجل... عن نصر وعن تأمين ... أليست حادثة الفيل قريبة عهد من أهل مكة ؟
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أرسِل إليه وهو في الأربعين من عمره، وهذه واحدة من أولى سور القرآن نزولا، فهو صلى الله عليه وسلم لا يزيد عندها عن ثلاثة وخمسين عاما، وحادثة الفيل كانت عام مولده المبارك، وعلى هذا فإن مَن بلغ من العمر ستين عاما والرسول مبعوث،  قد عاين الحادثة وهو يَعدّ من عمره عشرة أعوام، ومنهم من عاينها وهو في العشرين...
لقد رأوا الطير الأبابيل وهي ترمي أصحاب الفيل بحجارة من سجيل، بحجارة من نار ... وكم يناسب ورود الجُند في هذه الآية، ونحن نتذكر كيف كان الطير جُنديّا من جنود الله تعالى ... فحمى الملِكُ سبحانه بيتَه من كيد مَلِكٍ ظنّ أنه القادر على هَدمِه مستقويا بجنوده وبفِيَلته الضخمة، فبرك الفيل الموكّل بهدمه، وعصى أمرَ أصحابه، وأمّن الله سبحانه أهل مكة من خوف عظيم أحدق بهم...
فأيّ جُند للملِك من ملوك البشر يَعتدّ به، ويظنّ أنه المنصور به على قوة أوتِيها لا من أمر الله تعالى...إنْ هو إلا الغرور الذي عرفْنا في البشر يُرديه فيُدخله لُجّ العماية...
ثمّ مَن ذا الذي يُطعِم من دون الله سبحانه إن أمسك رزقَه ؟؟  "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ(3) الذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ(4)"-قريش-
ولقد عرفنا من الملِك سبحانه إمساكا وإمساكا، وشتان بين الإمساكَين ...!
أليس هو الذي يمسك الطّير في جوّ السماء ؟  وإنه لو شاء ما أمسكهنّ، ولكن لأنّه سبحانه الرحمان، فهو يمسكهنّ، بل ما يمسكهنّ إلا الرحمان ... وهو الذي سبحانه لا يمسك رزقه، وهو الذي لو شاء أمسكه، ولكن لأنه الرحمن سبحانه فهو لا يمسكه... !
فمَن ذا الذي يعلم علمه ويرحم رحمته فيُمسك ما يضرّ، ولا يمسك ما ينفع ... وحده الملك الرحمان سبحانه ...
وتنجو وتأمن برحمته، وتَطْعَم برحمته، ثم تظنّ أيها الإنسان بنفسك الظنون ...؟!
ولكأني بالمولى عزّ وجلّ يجيب على هذا السؤال الذي يردّده الإنسان خاشعا ذليلا إذا ما عرف حقيقة نفسه، حقيقة ضعفه، حقيقة أنّه وما يملك مملوك للمَلِك سبحانه، يجيب على سؤال مَن انقلب إليه عقله وقلبه خاسئَيْن حسيرَيْن وقد عرفا أنّه ما من فُطور في قضيّة أنّ المُلْك بيد الله وحده، فيقول سبحانه :
"أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(22) "
سؤال يحثّ العقل بمثال حسيّ يعرفه الإنسان في الماشي والماشي، فالذي يمشي على وجهه يعفس ويرفس ولا يعرف له طريقا، والذي يمشي مستويا مطمئنا مبصرا لطريقه، عارفا به مهتديا...فهو مستوٍ، وطريقه مستقيم ...
وتعود بي الصُّور إلى الطّير الذي عرفناه من إمساك الله له، يستبين الطريق ولا يخطئه وهو في جوّ السماء ...
كما أنني أجمع سحابات السورة، فإذا الغيث منها ينهمر، وإذا "الصراط المستقيم" مرسوم في السورة مَعلَما إثر مَعلَم ...
إنه الهُدى، وإنه الطريقّ السويّ ...
أليس قد تبيّن لك معلم على الطريق المستقيم وأنت تعرف أنّه سبحانه هو الذي بيده الملك، وأنه الذي خلقك ليبتليك ؟
ما خُلقتَ إلا  لتُبتَلى ...هكذا بالمواجهة الصريحة التي لا مواربة فيها، لم تُخلَق لتعرف السعادة والهناءة أبدا كما يريد أن يصوّر الحياةَ أهل المادة ولا إله، حتى تاهوا وضاعوا وهم في دار فيها من الشرّ كما فيها من الخير، وهم قد قرّروا أنهم يريدون السعادة بلا انقطاع لأنهم لا يؤمنون بدار يكون فيها للمُحسن ما أحبّ وما ابتغى، دارٌ لا تنقطع فيها سعادتُه، بل فيها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر بقلب بشر...
إنك أيها الإنسان تُواجَهُ بهذه الحقيقة على طريقك، فإذا وعيتَها لن تُدندن كما  دَنْدَنَ شاعر تائه متخبط : (جئت، لا أعلم من أين، ولكنّي أتيت ولقد أبصرت قدّامي طريقا فمشيت وسأبقى ماشيا إن شئتُ هذا أم أبيتُ كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟ لست أدري!  وطريقي، ما طريقي؟ أطويل أم قصير؟ هل أنا أصعد أم أهبط فيه وأغور أأنا السّائر في الدّرب أم الدّرب يسير أم كلاّنا واقف والدّهر يجري؟  لست أدري!) ....
ورُكّبَت الألحان لأقواله على أنها العظيمة ... وصدح بها المغنّي والمغنّي، وترنّم بها شباب المسلمين جيلا بعد جيل ...!  وما هي في حقيقتها إلا حال المُكِبِّ على وجهه الذي لا يدري لمَ خُلِق ...!!
أليس مَعْلَماً جديدا على طريقك المستقيم علمُك بأنه سبحانه الذي حسم الأمر في السماء، وترك أمر الأرض للابتلاء، وأنّ  الهُدى قائم على خشيتك ربّك بالغيب، بل يُزاد بها الهدى على الهُدى : "ذَٰلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ  فِيهِ  هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)"
أليس مَعْلَماً على طريقك المستقيم أن تتسلّح باليقين بالله مَلِكاً ومالِكاً مهما بلغ عقلك المَبَالِغ، ومهما طوّعتَ الأرض لمُرادك ؟ فتسعى بالعقل وبالجُهد وأنت موقن بأنك المملوك للملِك في مُلك الملِك ...
كلها معالم على الطريق المستقيم تُدِرّها السورة وتجود بها بيانا حتى نبلغ قوله سبحانه منها : " أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ(22) "
لتجيب أيها الإنسان بأعلى ما فيك : بل الذي يمشي سويا على صراط مستقيم يا رب ...
إذن فهو الهدى من الهادي سبحانه ... وقد اصطفى من عباده لتبليغ هُداه رُسلا مبشرين ومنذرين ... ولهذا نجدُنا بتسلسل عجيب، وبانتظام واتساق بين يدَي مجموعة آيات كلها فيها الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم متمثلا في "قُل" ...
لنجدنا مع أسلوب مغاير لما عهدناه في الآيات السابقات، وهذا حال القرآن ينوّع الأساليب في جماليّات مركّبة بعضها إلى بعض، لا تكاد تُعجَب بإحداها ويُبهِرك انسيابها حتى تدخل عالم الانبهار بالأخرى... فلا تملك أن تفاضل بين هذه وتلك وأنت تقول في كل مرة، ومع كل أسلوب : ليس أروع من هذا ...!
إنها نهايات السورة ...إنه الهادي سبحانه إلى الصراط المستقيم، وعَبْرَ نبيّه المصطفى صلى الله عليه وسلم يبلّغنا هُداه ... فيأمره أن يذكّر عباده بأول خلقه لهم، وامتنانه عليهم بما من شأنه أن يجعلهم مُبصرين بقَدْرِه سبحانه عارفين به، شاكرين له،  ثم أنه كما خلقهم ثم ذرأهم وكثّرهم وبثّهم في الأرض سيُحشرون إليه : "قُلْ هُوَ الَّذِي أَنشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ  قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ(23)قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(24)".
ثم هُم كعادتهم اللاجّون في تكذيبهم بما أنبأهم المبلّغ عن ربّه :" وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(25)"
فيعلّمه الملِك سبحانه، أنه ليس للمملوكين أن يسألوا عما قضى الله أن يبقى من خاصّة علمه وحده، وهو الذي لا يسترضيهم ليرضوا، وما قضاه قد قضاه: "  قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِندَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُّبِينٌ(26)".  حتى إذا رأوا الوعد الحقّ قُبالة أعينهم ساء مرآه وجوهَهم : "فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هَٰذَا الَّذِي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ(27)"
ولَكَمْ تمنوا هلاك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومَن معه، ولكم يتمنى اليوم أشباههم وورثة عُتُوّهم وباطلهم وضلالهم هلاك المؤمنين في كل أرض. حتى قيّضوا في بلاد الإسلام مَن يعمل على إهلاك أهله ودُعاته بكل سبيل، فكان لهم من بني الجلدة من يخدم مآربهم ويكفيهم مؤونة الحرب والسلاح، وهم لهم سامعون مطيعون، والله سبحانه يبيّن بتلقين نبيه صلى الله عليه وسلم أنّهم وإن كانت تلك غاية أمانيهم، وتحقّقت فماذا ينفع الكافرينَ هلاكُ المؤمنين والعذاب الأليم لا محالة لاحقُهم: " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (28)"
ثم ... وأخيرا ... هي ذي عقيدة المؤمنين تُسفِر عن نفسها بما يُلقَّن الرسول صلى الله عليه وسلم :  "قُلْ هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا  فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ (29) "
إنهم الذين جاء فيهم في هذه السورة : " إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ(12)"
إنهم الناجحون في الابتلاء ... إنها عقيدتهم، وإنها سبيلهم، وإنها صراطهم المستقيم ...
ألسنا قد عرفنا أنّ من جواب الكافرين لخزنة جهنّم قولهم :"قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ"
كانوا يقولون للرسول من رسل رب العالمين ما نزّل الله من شيء، كما كانوا يصِمونه ومَن معه من المؤمنين بالضلال الكبير : " إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ ".
فإذا تأملنا وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقّنه ربّه أن يُسمعهم في الدنيا  بصيغة الجمع قوله : " هُوَ الرَّحْمَٰنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا  فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ".
فليس سَوقهم لما كانوا يصِمون به الرسول مع أتباعه، إلا من توعّد الرسول لهم في الدنيا أنهم سيعلمون من هو في ضلال مبين... فلما علموا يوم لا ينفعهم علمهم، وعرفوا المقام والمآل اعترفوا أنّ قولهم كان باطلا، واعترفوا أنهم أهل الضلال المبين ...!
وكما بدأت السورة تنتهي ... بدأت بإقرار أنما الدنيا دارٌ للابتلاء، وليتبيّن فيها المُحسن من المسيء، ولينال كلٌّ جزاءَه، وهي ذي تنتهي بما يُلَقَّنُهُ الرسول صلى الله عليه وسلم مما عرفنا من إقرار الحقائق ذاتها...
ثمّ تُختم بقول الملِك سبحانه، الذي يملك أن يُمسك وأن يُرسل، ولا تَحُدُّ قدرتَه حدودٌ، ولا تعلو على مشيئته مشيئة : " قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ "
فإن كنتم قد كذبتم باليوم الآخر وبما يكون فيه، فأنتم أولاء في الدنيا، وهي ذي محاججة عن الدنيا، عن الحياة ...مَن ذا يأتيكم بسبب الحياة الأعظم  ... الذي جُعِل منه كل شيء حيّ إذا ما ذهب وانقطع ...؟!
لنتأمل  ... إنه : " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ "... ثم في نهايات السورة، ها هو ذكر الإنعام بالحياة على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ثم التذكير بالموت وما يتبعها يوم الحشر، ثم يعود ذكر الحياة بهذه الآية الأخيرة ... وكلّه مُلْكُه، وكلّه خَلقُه ...الموت والحياة سواء بسواء... لا تصرّف لأحد سواه في شيء منها ...
وإنني لا أرى في هذه الآية الماء الذي يُشرَب، وحياة الأجسام التي به تقوم وحسب ... بل تتراءى لي حياة أعظم، حياة أعمق ... !
إنها حياة القلوب... وهو سبحانه الذي أراد لعبده حياة في الجسم تلازمها حياة في القلب بالإيمان والهُدى، ولم يُرِد له حياة ظاهرية تنطوي على موت في القلب بالكفر والجحود والنّكران والتّيه في الضلالات تسوق للضلالات، والعَمى يقود إلى العمى ... !
فمَنْ... ؟ مَنْ غيرُ الله تعالى يأتي بالهُدى المَعين كلّما غار الإيمان في الأرض... رسولا إثر رسول ونبيّا إثر نبيّ ختاما برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي جاء بالقرآن حياةً للقلوب في أرض غار فيها الهُدى، ونضب مَعينُه ...نضب في الأرض كلّها : "وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا  مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا  وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ"-الشورى: 52-
جاء بالقرآن روحا وحياةً للأرض كلها ...!!
وأي سورة هي سورة المُلك ... والتي لا يسعني مع نهايتها إلا أن أقول قوْلي في كلّ مرة، ومع كل سورة :  وأي شيء أعظم، وأي شيء أجمل ؟!
إنها سورةٌ تُشعرك بالتحرّر من كل قيد، وأنك العبد ... !
نعم العبد لله وحده لا لأحد سواه ... تشعرك بقوة مليكك، وبوجوب العبودية له، بل وتُحبّبك في العبودية له ... كيف لا وهو الملِك الذي أنزل القرآن العظيم  ... ! الذي أنزل سورة المُلك ...!
ملاحظة : روابط أجزاء التأملات في السورة بالرد الاول أدناه
#سورة_الملك
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #394 في: 2026-04-07, 09:13:02 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ها نحن اليوم مع سورة "القلم" ... نحاول أن نعيش أجواءها...
إنها من السور المكية التي يُرجّح أنها من أوائل ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من المفتَتَحات بالحروف المقطّعة : " ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ " .
تلك الحروف التي لم يرد فيها قطع في المعنى، إذ هي من المتشابهات... والغالب أنّ معناها استأثر به الله تعالى في علم الغيب عنده، وهي مما أعجز به الله العرب المنزّل فيهم القرآن باللغة التي كانوا فطاحلة فيها، متمرّسين على أدواتها، متمكّنين منها أبلغ التمكّن... ولكنّه سبحانه تحدّاهم بأن يأتوا بمعنى محدّد لهذه الحروف المقطّعة التي هي من جنس ما عرفوا من الحروف، ولكنهم لن يقْووا على معرفة معنى لها، وأين ؟! في خضمّ هذا البحر الزاخر من معاني القرآن العظيم الولاّد للمعاني ...!
يقسم سبحانه بـ: "ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ" فهذا المُقسَم به، وأما المُقسَم عليه (أي جواب القسم) فهو قوله سبحانه : "مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)"
إنّه من دواعي التأمل أن نتساءل عن الرابط بين المقسَم به والمقسَم عليه، ولا يقسم سبحانه إلا بعظيم...
لم يبعد نزول "القلم" كثيرا عن نزول أول آي القرآن الكريم من سروة العلق... وفي كليهما جاء ذكر القلم ... فأما في أول ما نزل فقوله تعالى : " اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) "
تلك الآيات الأولى التي نزلت تحثّ على القراءة، مقرونة باسم الربّ الخالق، تحثّ على قراءة توحيدية، لا قراءة من يتنكّر للربّ الخالق، ويحسب أنه مالك الدنيا، والربّ فيها والإله، فيطغى وقد رآه استغنى ...
الربّ الذي من تمام كرمه أن علّم عبده بالقلم ...
ثم يأتي ذكرُه ثانية في سورتنا هذه، وهو من علوّ شأنه ومكانته يُقسم سبحانه به : " ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ "
ففي العلق جاء في سياق الأمر بالقراءة، وها هنا جاء بيانا لدوره في الكتابة... لتجتمع بذلك في سورتَيْن من أول ما نزل من القرآن العظيم بيان حُظوة القراءة والكتابة في هذه الرسالة السماوية الخالدة الخاتمة، التي جاءت لتنقل البشرية نقلة عملاقة إلى رحاب الإنسانية السامقة، بما تنطوي عليه من دور في قيادة الأرض نحو الرقيّ الذي يطوّعها لنفع الإنسان، ولتبيان كرمه على سائر مخلوقات الله تعالى ....
" وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ " .
"الْقَلَمِ" كأداة للفعل....و" يَسْطُرُونَ " للفعل ذاته المتحقّق بالأداة ...الكتابة
فهو القلم الذي سطّرت به الملائكة الأقدار كلها بأمر العليّ القدير، وهو القلم الذي سطّر به البشر ما أملاه عليهم الرّسل من كتبهم التي أوتوها من ربّ السماء، أو هو القلم لجنس القلم على الأرض، وكل ما يُسطَر ويُكتب به... كلّها يحتملها المعنى، وهو من عظمته أقسم به الله تعالى الذي لا يُقسم إلا بعظيم ...
كلّ ما يكتبه الإنسان منذ خُلق، مذ عرف الكتابة، ما كتبه من وحي السماء، وهو أشرف ما كُتِب وأعظم ما كُتِب، وقد أقسم سبحانه بالقرآن في صيغة الكتابة في قوله : "وَالطُّور(1)وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ(2)"-الطور- . وكل ما سطره وخطّه العلماء من علوم الفقه وسائر علوم القرآن ....
كل المعارف التي تراكمت من كتابات الإنسان في كل زمان، وهي في تراكم مستمر لا ينقطع، في علوم الطبيعة، أو في العلوم الإنسانية أو في علوم المنطق والفلسفة والرياضيات، وفي علوم التكنولوجيا والدقائق الإلكترونية، وفي علوم الأحياء ... كلّ ما سطره الإنسان وتعلّمه من كرم الكريم سبحانه الذي علّمه، وعلّمه هو بدوره غيرَه ...
كلّه يدخل في هذا القسم العظيم ... وإنها لتترامى أمام نواظِرنا أطراف هذا القسم وهي الرحيبة الرحيبة الوسيعة التي لا يحدّها وصف ...!
إنه العلم ... العلم الذي يُوثّق بالكتابة، ويُنقَل جيلا عن جيل في تراكمية معرفية لا غنى للإنسان عنها في كل زمان ...
وبمعنى أعمق فإنّ جُلّ ما سطره الإنسان هو ثمرة عقله الذي كرّمه الله به، وفضّله به على كثير ممن خلق تفضيلا : "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..." –البقرة: من الآية31-...فجعله فيه أداة لقابليّة التعلّم، بما أودعه من مدارك أساسية ضرورية، وبسَوقه للتجربة، والاستدلال والمعرفة ...
إنه العلم ... العلم بما أنزل الله على عباده، علم الوحي من جهة، والعلم الذي هو ثمرة ونِتاج العقل من جهة أخرى، وكلاهما كرامة من الله تعالى لعبده ....وكلاهما من أعظم نعمه ....
ومنه ننتقل إلى المقسَم عليه .. فعلامَ القَسَم ؟ إنه على : " مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ(3) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)"
إنه سبحانه قد أقسم بما يَسْطرون من كلام الوحي الإلهي وهو المنهج الربانيّ الذي أنزِل للإنسان هدايات وكمالات، وبيانا للغاية من خَلْقِه، ولمآل خلقه...ولكلّ ما دار حوله من فقه الإنسان له، كما أنه أيضا ما يُسطَرُ من ثمرة العقل البشريّ في كل مجال. وبهذا فإنّ سطر الإنسان وكتابته المقسوم بها هي لوحي خالق العقل سبحانه، ولنِتاج العقل الذي هو تعليم بالقلم من خالق العقل والقلم... !
قد أقسم سبحانه على شؤون ثلاثة تخصّ النبي صلى الله عليه وسلم مبتدئا بنفي الجنون عنه...
أقسم سبحانه بما يسطرون من وحي خالق العقل، ومن ثمرة العقل على سلامة عقل النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعلى انتفاء ما افترى عليه كفّار قريش، وما تجرؤوا به عليه من وَصمه بالجنون، لمّا شَرِقوا بالرسالة التي بُعِث بها، وهم الذين قبل غيرهم عرفوا عنه العقل والرصانة والصدق والأمانة، بل إنهم هُم مَن لقّبه قبل بعثته بالصادق الأمين ...
يروي أبو سفيان مما كان بينه وبين هرقل حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول ناقلا لسؤال هرقل ولجوابه عليه:" فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قُلْتُ: لاَ‏..."
هم الذين كانوا يستأمنونه على أخصّ حاجياتهم قبل البعثة وبعد بعثته وهم بعدُ مكذبون برسالته، حتى أنه هاجر إلى المدينة وهو يوصي عليّا بحفظ أماناتهم وهم الكفار الذين تمالؤوا على قتلَه !!
هم الذين حكّموه في أمرهم حينما اختلفوا في شأن الحجر الأسود لما أعادوا بناء الكعبة إثر السيول التي أتت عليها، فكفاهم بحكمته شرّ حرب كانت وشيكة من تخاصمهم أيّهم أحقّ برفع الحجر ...
يقسم المولى سبحانه على سلامة عقله صلى الله عليه وسلم بما عرفنا من عظيم القسم، بكل ما سُطِر ويُسطَر إلى يوم الدين من نِتاج العقول البشرية مجتمعة وفوقه ما أنزل ربّ العقول من هدايات للعقول ...
وبهذا... أفلا نكون قد تبينّا العلاقة الوطيدة بين المُقسَم به والمقسَم عليه ...؟!
إنه لا يليق بنا أن نقرأ كلمات القرآن سِراعا، كمن يُطَمئِن نفسه ويبرئ ذمّته أنه الذاكر العابد بمجرّد أن يقرأ راكضا فإذا الأنفاس تلج وتخرج، ملتحمة بالصوت لتخرج في شكل حروف ... فلا يعدو الأمر عنده أن يكون حروفا منغّمة، ولا يتعدّى حضورُه ساحة الحروف ...!
انتفاء الجنون عنه صلى الله عليه وسلم، والذي هو نقص في العقل وسَفَه، وسوء إدراك، أقسم الله عليه بما تسطره البشرية إلى يوم الدين من كمالات عقولها مجتمعة، وبعظمة الوحي الإلهي الذي جاء منهجا هاديا ومنيرا لدرب الاستخلاف في الأرض...هذا مع ما سطرته الملائكة من أقدار....
إنها لأمورٌ عظيمة، عظيمة ... بل إنها لجوامع العظمة في خلق الله سبحانه وأمرِه ...!
وهو مما يدلّ على عظمة المُقسَم عليه صلى الله عليه وسلم ...
ولا يفوتني، أن أشير إلى قرنه سبحانه نفيه الجنون عن حبيبه صلى الله عليه وسلم، بنعمة الله، في قوله : " مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ(2) " .
كيف يمسّك الجنون بحسب زعمهم من باب ما أتيتَهم به وبَلَّغْتَهم إياه من أمر ربك، بينما هذا الذي ألصقوا بك الجنون بسببه، هو ذاتُه سبب من أسباب كمالاتك ... ! وجه من أوجه كمالاتك وعلوّ شأنك أنك النبيّ المصطفى المبلّغ عن ربّه ...
إنه من نعمة ربك عليك أن جعلك من عباده المصطفين ...
ثمّ إنّ هذا الكتاب المسطور الذي أقسم الله تعالى به هو نعمة ربك اللصيقة بك التي بتّ تُعرَف بها ما أن بعثك ربُّك به ...
ولكأنّي بحرف الباء في : "بِنِعْمَة ربِّكَ" تزيد في بيان هذا اللصوق، هذا اللزوم الذي يلازم به القرآن رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
ما أنت يا محمد بهذا القرآن بمجنون، هذا القرآن الذي لأجله اتهموك، فكانوا وهم يرمونك بالجنون ينادونك به : " وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ" –الحجر:06-...
إنه هو نعمة ربّك عليك، الملازمة لك ... التي تُعرَف بها، وتُعرَف بك، ويُعرَف الله بكَ وبها ....
فأيّ مسطور هو ... وأيّ صاحب له هو محمد !!
ثم يثنّي سبحانه فيقسم على شأن آخر من شؤونه صلى الله عليه وسلم بقوله : " وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ"
إنك لسليم العقل كل السلامة... بشهادة ربّك، خالقك، مصطفيك من بين عباده لحمل هذه الأمانة ولأداء هذه الرسالة العظيمة الخاتمة، وأنت بها النبيّ الخاتِم ...
فكأنّ سائلا سيسأل... أو كأنّ مَن يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه، سيتعجّب من حال كفار قريش، وهم يصِمون بالجنون من عرفوا كمال عقله من قبل أن يُبعث، فكيف وقد بُعِث بغاية الكمال العقليّ، وبمنتهى السموّ الروحي ...كأنهم سيسألون : فكيف يُتَّهم بالجنون، بفقد العقل من هو أبعد الناس عن الجنون وعن ثلمة في العقل بَلَه عن فقْده ؟!
فيجيب سبحانه في قوله الذي أقسم عليه بالقلم وما يسطرون : " وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ " ... بتأكيد يتبعه التأكيد بالحروف المؤكّدة : بـ "إنّ" وباللام في :"لأجرا" غير ممنون، غير مقطوع، دائم ما دامت السماوات والأرض، ما دامت الدنيا...
وكما جيئ بفعل "يسطرون" مضارعا للدلالة على الاستمرار، وأنّه الذي يُسطَر إلى يوم الدين ... جيئ بالتأكيد على أنه الأجر من ربّ العالمين الذي لا ينقطع ...
فهذا ذكره على مدى الأزمنة والأمكنة لا ينقطع : "وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ "-الشرح:04- ، مع الأجر الذي يُكتَب له مع كل مسلم على وجه الأرض في كل عصر حتى قيام الساعة، مع كل هداية نفس، مع كل فتح لأرض بالإسلام، مع كلّ عمل يعمله مسلم إلى قيام الساعة أجر عائد له، وهو القائل صلى الله عليه وسلم : "مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا..."-صحيح مسلم-
إنك المأجور على ما يُلحقونه بك من أذى، على ما يتهمونك به، على ما يَصمونك به ... إنك الذي لا يضيع أجره ولا ينقطع ...
وإنّ من شأن هذا أن يسلّي عنه صلى الله عليه وسلم في فترة هي من أكثر مراحل الدعوة حرجا، وأشدها صعوبة عليه وعلى أصحابه صلى الله عليه وسلم ...وهو ما من شأنه أن يسلّي في كل زمان عن كلّ مؤمن يتصدّر للدعوة، فتنال منه أشواك طريقها، ويذوق من علقم أعدائها ...
ثم يأتي الشأن الثالث من شؤونه صلى الله عليه وسلم التي أقسم الله عليها بالقلم وما يسطرون، تضاف إلى انتفاء الجنون عنه، وإلى دوام الأجر والثواب له ما دامت الدنيا ... في قوله تعالى : "وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ(4)"
ووالذي نفسي بيده إنّني لأقف أمام هذه الشهادة الإلهية العظيمة عاجزة، ويقف قلمي ذليلا مبهوتا مشدوها لا يعرف ما يسطر ...!
أي قلم سيزيد فيسطر فوق هذا الوصف الإلهي والشهادة الإلهية التامة الساطعة، وهذا التعريف بمحمد صلى الله عليه وسلم من ربّه ؟!
إنها الشهادة الإلهية العظيمة لرسوله وحبيبه صلى الله عليه وسلم، للذي رماه قومُه بالجنون، وكانوا يحرّضون عليه سفهاءهم وصغارهم ليرموه بالحجارة كما فُعِل به حينما ذهب إلى الطائف...
سبحانك ربي...!
إنّ هذه الكلمات في وصف خُلق نبيك الكريم لأعظم من كل ما سُطِر وما يُسطَر، وما سيُسطَر...! إنها لا تزيد ولا تعلو عليها إلا كلمات كتابِك الذي هي منه ...!
فما أجلّ المقسَم به وما أعظم المُقسَمَ عليه !!!
ولنجمع... فإذا هو القسم على أمور ثلاثة نصعد من الواحدة منها إلى تاليتها في سلّم المعاني، ومرتقى الكمالات ... عن سلامة عقله، ثم عن أجر غير مقطوع هو لاحقُه مادامت الدنيا، ثم عما هو عليه من خُلُق عظيم ...
فأين هراءاتُهم وسفاهاتهم وما رموه به من هذه الشهادات الإلهية المتعاقبة وكأنها الدُّرر المنتظمة في عِقْد سماويّ يتدلّى من السماء إلى الأرض يربط الأرض بالسماء، ويُعلّق أهل الأرض بالسماء بجوهرة متلألئة يضيئ نورها ما بين الأرض والسماء، ضوءا يعلو على ضوء الشمس ... واسمُها في هذه الكلمات يرنّ رنينا يبلغ صداه المنتهى من الدنيا ...
إنها جوهرة "الأخلاق"... والتي تتجسّد كمالاتها في شخص محمد صلى الله عليه وسلم ... فكان خُلُقه "عظيما" بوصف العظيم سبحانه
فهذا الذي ترمونه بالجنون، هو المبرّأ من ربّ العزّة، بل والمزيد على تبرئته بمدحه بأعلى الصفات وأتمّها : " وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ"
ولست هنا سأزيد لأبيّن عن خُلُق رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلّنا يعلم من الفيض غيضا وغيضا وغيضا ... بل سأتركني وإياكم في جوّ هذه الكلمة الإلهية العظيمة الشاملة الجامعة التي نُبحِر فيها ونُبحر في سيرته المطهّرة على مدى أيام حياته المباركة، وفي ملازمة نزول القرآن الكريم لأحداث يومياته ... فمحمد من القرآن والقرآن من محمد ...!
ولكن ما يشدّني، ويجعلني أنتبه أكبر الانتباه... هو ذلك الطّيف الذي يلقي بظلاله على رابط الآيات المتعاقبات... فألمح : "وَمَا يَسْطُرُونَ" وهي تومض لـ : " خُلُق عَظِيم" ... كما ألمح : " خُلُق عَظِيم " وهي تومِض لـ " وَمَا يَسْطُرُونَ " ... كأنهما القريبتان المتلازمتان، المتكاملتان ...
كأنهما تصرخان بنا : إنني وهي، لا أكون إلا بها، ولا تكون إلا بي...إننا لا نفترق ...
فإذا ملامح العلم من : " وَمَا يَسْطُرُونَ "، وملامح الأخلاق من: " خُلُق عَظِيم " ... وإذا المعنيان متعانقان ... لاينفكّ أحدهما عن الآخر ...لا يتمّ المعنى ولا يكتمل إلا باقترانهما ...
أفرأيتَ ما سطره البشر من علم، ومن تراكمات معرفية على مدى الأعصار ... فإنّ الإنسان بها وبتصاعدها وتناميها قد طغى، وقد تجبّر، وقد نسي ربّه، وقد رآه استغنى ... حينما امتطى نصف صهوة وهو يحسب أنه يمتطي الصهوة كاملة...!
حينما طار بجناح واحد، فهو المهيض ويحسب نفسه الطائر المحلّق...! حينما ظنّ أنّ العلم وحده يكفي ... حينما ظنّ أن العقل وحده في الإنسان يكفي ... ! حتى صار إلى الآلة أقرب...حتى غشيت روحَه الماديّة الصّرفة...- حتى عبد المادة ... ولم يعرف للروح من معنى...!
عَلِم، وعَلِم، وعلِم، وسطر وسطر وسطر في شتّى المجالات، وفي كل العلوم، وطوّر، وعدّد، وطوّع الأرض وما فيها حتى بلغت به المبالغ أن جعل من الأخلاق قيما نسبيّة لا قيما مطلقة في ذاتها...!
لم يعد يراها ملازمة لنفس الإنسان مع ما يلازمه من العقليات، لم يعد يراها ذات معاني مطلقة تقضي بحُسن في حسنها، وبسوء في ضدّها، بل يرى أنّ كلا وما يرى ....!
فمن حكم على الشذوذ بالجواز وبالحسن، وبأنه من حريات الفرد التي لا تُناقش ولا يُقاضى صاحبها ولا يُحاسَب، ولا يُردّ، فله أن يرى ما يرى، بل ويُنادى بالحق فيما يرى ...! كما أن لغيره أن يرى خِلاف رؤيته فيه ... هكذا بنسبية... لأن وجود الأخلاق عنده وعدمها سواء... هي عند عبدة المادة مادة، هي عندهم تفاعلات كيميائية –كما يقرّر الملاحدة- نتاج تشابك للخلايا العصبية يُخرجها في شكل عاطفة أو ردّ فعل إزاء فعل أو سلوك أو موقف ما، يروق للناس أن يسموه "أخلاق" ...!
أجل هكذا هي نظرة الكثيرين من المكذبين بالدين وبالله للأخلاق...
إنّ القرآن لا يقصّ علينا من قصص أناس عاصروا الدعوة المحمدية من كفار ومن مؤمنين وحسب، بل إنه ليقصّ قصّة الإنسان في كل زمان ...
هذا الإنسان الذي لا تقتصر الجاهلية فيه على جاهلية عرب الصحراء في مكة ومحيطها، بل الجاهلية تعيد نفسها في الإنسان كلما طغى وكلما نأى عن هدى ربّه، وكلما حسب نفسه الإله في الأرض، ولم يُحسن فهم الغاية من وجوده ...
سورة القلم .... ويالسورة القلم ...!!!
إنها لتلقي بهذه الظلال التي نعرفها ... نعرفها في زماننا، كما كانت في زمان كفار قريش ...! بل هي اليوم أشدّ وأعتى ... !
ولقد قال شاعر فاهم واعٍ يوما : "وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت ** فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا"
أيّ حياة للإنسان كما يريدها الله وهي حياة عبادة المال، عبادة المادة، وهي حياة موت الروح...!!
وأي تركيبة هي أبصرتها من بعد ما استشعرتُها في :"حياة موت الروح" !! وهل تقوم حياة بلا روح ؟!
إنهم لا تقوم لهم قائمة من حركة وهم خواء من روح هي سرّ الحياة والحركة، روح هي من أمر ربي ... ولكنهم متعنّتون عاتون متجبّرون ما هي قائمة فيهم، يحسبون أن أجسامهم وحدها تأكل وتشرب، فأظمؤوا الروح فيهم من غذائها الذي لا يساوي ماء شروبا ولا أكلا يُمضغ ويُزدَرد، بل هو من صنع ربّ الروح ... إنها الأخلاق والقِيم والمُثُل والتبصّر بالغاية من الوجود في هذه الحياة حَدَّ معرفة شكر واهبها، وأنه الذي لا يُستغنى عنه، وأنه الذي إليه الرُّجعى ...
إنها وحي الله ... !
أجل... إنها من وحي الله ...إنها من عند الله ... إنها التي يأتي بها وحي السماء إلى الأرض ... ألم تقل عائشة رضي الله عنها وهي تصف هذا الخلق العظيم في رسول الله صلى الله عليه وسلم : "كان خُلُقُه القرآن" ؟!
سورة القلم ... القلم .. العلم ... وليس وحده دعامة الوجود الإنسانيّ ...بل بأخلاق ...
فما قيمة علم نصنّع به القاذفات والمزنجرات والطائرات والبوارج الحربية، لنقتل بها الجنديّ المعتدي والطفل الرضيع، لا نفرّق بين هذا وذاك ؟! علم نصنّع به السلاح الكيميائي الذي يمتدّ تشوّهات وإفسادا لخلق الله جيلا بعد جيل ؟!
علم أُعلي به وأبني وأشيّد، ثم لا أتوانى عن نهب ثروات ليست لي، وخيرات هي لغيري، وكأنّي الربّ المالك الذي يملك الشيء ويملك مالكَه معه ...!
ما قيمة مال يُزاد إلى المال يُزاد إلى المال وهو يُطغي صاحبَه، فلا يعود يرى الناس إلا قطعا نقدية أو أوراقا مالية ...!! فمن ساوى قيمة منها عنده عدّه أهلا لأن يخالَط، ومن لم يساوِ منها عفسه وسحقه كما يسحق بعوضة تقلق منامَه ...!
ما قيمة عقل يعلم ويعلم ويدقّق في علم، ويسطر منه ويسطر وهو المُنكِر لوجود الإله الخالق المصوّر الموجِد ...! وهو الذي يسعى سعيَه ما حيي ليُقنع الناس ألا إله والحياة مادة ...؟!
يالظلالِك يا سورة القلم ... ! "القلم" "يسطرون" "خلق عظيم"...
يالإشاراتك التي ألمحها من مطلعك ... ! فما تُراه يحمل ما بقي من مسطورك ؟! إنه ليحمل الكثير الكثير ...
ويتبع مع تدبرات لي لاحقة في سورة القلم بإذن الله.
#سورة_القلم

يتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #395 في: 2026-04-07, 09:14:06 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....
ومن مياهِكِ العذبة يا سورة القلم مازلتُ أستقي ...
قد عرفنا المُقسَم به (القلم وما يسطرون) على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بريئ من وَصم الكفار له بالجنون، وأنّ له أجرا غير ممنون، وأنه على خلق عظيم ...
لقد كان صلى الله عليه وسلم قرآنا يمشي على الأرض...
وعلى هذا فإنّ القرآن في حقيقته حركة راقية على الأرض ترتقي بالإنسان  لتجعله المثال المكرّم الذي يليق به الكون المسخَّر، ويليق به الاستخلاف لإعلاء كلمة الموجِد الخالق سبحانه .
وهذا الله سبحانه بعد القسم يخاطب نبيّه عن شأنه مع مَن كذّبه : " فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (5) بِأَييِّكُمُ الْمَفْتُونُ (6) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (😎 وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ(16)"
 بعد تلك الشهادات الإلهية العظيمة بحقّ النبيّ صلى الله عليه وسلم، يؤكّد له ربّه أنّه سيعلم، سيُعايِن وسيُعايِن معه المكذّبون به مَن مِن بينهم الذي يستحقّ أن يوصَم بالجنون...
و"المفتون" هنا هذا معناها، أي الذي فُتِن عن الحق إلى الباطل، ويزيد في بيان أنها كذلك قوله سبحانه بعدها: " إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (7)".
عمّا قريب... في الدنيا قبل الآخرة، سيبصر كفّار مكة مَن مِن بينهم سيبوء بالخسار والتّبار، ومَن سيذلّ ويخزى ...
وقد تحقّق النصر لرسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم وهُو ومَن معه القلّة المُخرَجة من ديارها، بينما كان الكفرة يعتدّون بالكثرة والعدد، فكان له النصر يتلوه النصر، وانتشرت دعوته، وفُتِحت مكة، وعزّ المسلمون وذُلّ الكافرون ... وكان وعد الله حقا، والكفّار يُعاينون خُسرانهم وفلاح المؤمنين ...
وتلك معيّة الله تعالى لعباده المخلصين في كل زمان، الحقّ دوما دربه شائكة، وأعداء الحق دوما بالمرصاد، يسومون المؤمنين العذابات وهم غاية غاياتهم أن يَهلَك دعاة الحق ...
ولكنّه اليقين من معيّة الله تعالى يقلب المعادلة، ويكون الميزان السليم بكفتَّيْن علم مع أخلاق لا علم مجرّد عن الأخلاق، (ومايسطرون + خلق عظيم) لا ميزان العدد والكثرة والقوّة مع خواء أخلاقيّ،  مع تجبّر  وتسلّط وظلم وعدوان . وقد عرفنا في السورة السابقة (الملك) أمر الله تعالى لعباده بالمشي في مناكب الأرض مع يقين ملازِم أنها وما عليها لله "...فامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ  وَإِلَيْهِ النُّشُورُ"-الملك: من الآية15-
ثم يخاطب الله نبيّه خطابا يعلّمه فيه من حقائقهم، وكيف يكون تعامله معهم: "فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (😎 وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (9) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ"
لنتأمّل ... لنتأمّل هذه الشعرة الفاصلة الدقيقة، والتي تُسفِر عن حكمة في الفهم، ووسطية وبُعد عن المغالاة التي تقلب المفاهيم ولا تُنزِلها منازلها الصحيحة ... إنها الحكمة في هذا القرآن العظيم تُسكَب أنوارا على قلب الحبيب صلى الله عليه وسلم ليكون القُدوة والمثال في التأسّي ...
"فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (😎 وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ"
إنّ الكثير من النّاس يفهمون الأمور على نحو متطرّف، فيُغالون، ولا يتوسّطون، ولا يقرؤون الاعتبارات والحيثيّات للقضية من القضايا، ويحسبون أن الحياة بالدين مِسْطرة مليميترية تُخرَج ليُقاس بها كل شأن، فلا فَوتَ، ولا أخذ لحيثيّات وظروف بعين الاعتبار، ولا استثناء، ولا تبديل، بينما الأمر وسط بين الإفراط والتفريط، بين المغالاة واللامبالاة...
فهذا نبيّنا صلى الله عليه وسلم وقد وُصِف من ربّ العزّة العظيم سبحانه بأنه على خلق عظيم... فهل من دواعي هذا الوصف أن نتخيّل صاحبَه برأس مطأطأة أبدا، وتقبّل لكلّ حال، وإرخاء لكل الحبال، وتبسّط مع أيٍ كان، وعينٍ لا تكاد تُفتَح إلا لتُبصِر الطريق...؟!
كلا ..ثم كلا ...!!
كلّ هذا التصوّر إنما هو المغالاة، والفهم المتطرّف لمعنى صاحب الخُلُق، وكثيرٌ ما هم أصحاب هذا الفهم، حتى إنّ الواحد منهم إذا أحبّ أن يُثني على رجل تقدّم لخطبة إحداهنّ، قيل عنه : إنه الذي لا يبرح المسجد ...! ويْكأنّ العمل والكدّ لا يعني عند المخطوبة شيئا ...!! ويْكأنّها ستتزوّج ليقعُدا دهرا فلا تقوم لهما أو بهما قائمة ...!!
فإنك يا محمد وأنت على خلق عظيم، لا يجب أن تطيع المكذّبين الذين يأتونك مقترحين عليك سُبُلا وسطا، حلولا وسطا، سُبلا للسلام والمسالمة بزعمهم..
وقد فعلها الكفار حينما اقترحوا عليه أن يعبد هو آلهتهم عاما وأن يعبدوا هُم إلهَهُ عاما، فإن كان فيما يعبدون خير كانت له منه حظوة، وإن كان فيما يعبد خير أخذوا بحظهم منه ...كما عرضوا عليه  ما يشتهي ويريد من جاهٍ أو سلطان أو مال على أن يتركهم وآلهتهم، وشأنهم ... 
حلول شيطانية تتسربل بسربال السلام والمسالمة... وهي المداهنة ...!
 ولننظر إلى الكلمة القرآنية المستخدَمة : "لو تُدهِن فيُدهِنون" والدّهن هو طلاء الجلد بما يليّنه ويرطّبه، وكذلك هم يَوَدّون أن يليّنوا ما بينه وبينهم، يَسْتَبْقُونَ باطِلهم والظاهر أنهم يفاوضونه... يفاوضونه على أن يترك شيئا من الحق الذي جاء به، ويُترك لهم بالمقابل شيء من باطلهم ...!
ولكنها دعوة الحق التي لا تقبل المُداهنة، ولا تقبل أنصاف الحلول، ولا ترضى بهدم شيء من الباطل والإبقاء على شيء ... ولقد ذمّ الله من فعل ذلك من اليهود في قوله تعالى : "... أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ" –البقرة: من الآية 85-
إنه الحق يا محمد الذي لا يقبل المُداهنة...
وإنه الخُلق العظيم نَعَم ... ولكنه لا يعني الاسترضاء على حساب الحق ...
إنها الدعوة الكاملة، والمَحجّة البيضاء التي ليلُها كنهارها، ليس فيها من غبش... ولم يجئ فيها ما يُعرَض على سبيل الاختيار بين شيء وشيء، أو أن ينظر فيها، ويُحكَّم عليها الهوى، فما لاءَمَ وواءَمَ منها قُبِل، وما لم يُوائم ولم يكن محطّ الهوى رُفِض وطُرِح ...!
 إنها الدعوة الربانية الإلهية التي جاءت وفيها كلّ ما يليق بالنفس لأنها من خالق النفس ...
إنه الحقّ الذي لا مُساومة فيه، وإنه الخُلُق العظيم الذي لا يعني الاسترضاء على حساب الحق ...والمُلاينة في الحق ...
ولنتأمل كرّة أخرى ...إنهم ودّوا لو تُدهن، فيدهنون ... فأما إدهانك  فأن تقبل بالإبقاء على ما يودّون الإبقاء عليه من أصنامهم ومعتقداتهم، وأمّا إدهانُهم هُم فهو أن يُظهروا لك كذبا ما ليس حقيقة فيهم، يُظهرون لك استعدادهم لأن يسيّدوك عليهم، وأن تملك فيهم ما أحببتَ أن تملك، فتمضي في سيرتهم، وتكون على شاكلتهم، بينما يبقى الباطل والضلال ويذهب الحق جفاء وهباء...
إنها المساومات الخبيثة التي تكون على حساب الحق والحقوق ... !
وإننا لنعرف منها في بلاد الإسلام مع أعداء الإسلام، ونعرف مَن داهن الأعداء حتى قضوا هُم مآربهم وذهب للمسلمين كل مأرب ...! ذهبت أرض الإسلام من معاهدات استسلام ومُداهنة خبيثة لم تأتِ إلا بِشرّ ... ولم تكن تلك إلا عواقب المُداهنة في الحق ...
فاحذر أيها المؤمن.. إنّ تحلّيك بالخُلُق الجميل مع الناس لا يعني أن تكون لهم مَداسا، فتقبل بباطلهم المزيّن بمُداهناتهم، وأنت بذلك في الحقيقة لست إلا المُسترضي للناس على حساب الحق الذي أنزله ربّ الناس ...
ثم يستمرّ الخطاب الربانيّ لنبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم، وهو يحذّره أعداءَهُ وأعداء دعوة الحق :" وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (10) هَمَّازٍ مَّشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (11) مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (12) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَٰلِكَ زَنِيمٍ (13) أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ"
وكعادة القرآن تنزل الآيات في سبب من الأسباب، وتنزل وهي تشخّص أحدهم، ولكنّ معناها عامّ ينسحب على كل حال مشابهة في كل زمان...
فيُروى أنّ هذه الآيات نازلة في الوليد بن المغيرة أو الأخنس بن شريق، ولكنّها تعني صاحب هذه الأوصاف في كل زمان، وكلمة "كلّ" كفيلة بتأكيد ذلك ...
ولو تأملنا هذه الصفات المتتابعة لوجدناها قد جاءت  بصيغة المبالغة أو بصيغة الكثرة على وَزْنَيْ : "فعّال" أو "فعيل"، وإنّ لهما  في هذه الأوصاف ما لهما من تأثير على سياق السورة وما هو آت من قابل الآيات ... فهي : " حَلَّافٍ "  "هَمَّازٍ"   "مَّشَّاءٍ"   "مَّنَّاعٍ"   "أَثِيمٍ"
لا تطع كلّ حلاّف، مبالغ في الحلف على كل شاردة وواردة، غايتُه أن يضفي على كلامه المصداقية، يتّقي بالأيْمان الكاذبة ليصدّقه الناس مستسهلا ذكر اسم الله على الكذب ... وهو لذلك عند الله مَهين حقير.
وهو الهمّاز الذي يُكثر من الطعن في الناس وعَيْبهم بالغيب، وهو كثير المشي بينهم بالنميمة يفسد بين واحد منهم وآخر، كثير المنع للخير ولطُرُقِه، كثير المنع لماله عن المحتاجين، المعتدي على الناس وعلى حقوقهم وعلى أعراضهم، كثير الآثام، وهو فوق كل هذا المقزّز المُنتِن للأنوف من الصفات القبيحة عُتُلّ أي غليظ، أكول شروب، ظَلوم للناس، وزنيم من "الزنمة" وهي القطعة التي تتدلّى في رقبة الشاة كناية على أنه الذي يُعرَف بين الناس بهذه الصفات القبيحة ... !!
وياه ...!! أيّ لوثٍ وأي لوثة في هذا الإنسان ...! سبحان الله كيف يكون في إنسان الخلق العظيم، ويكون في غيره الخلق الأحطّ ...! إنسان وإنسان، ولكنّ الأول محقق للإنسانية بخُلُقه، والثاني محقق للبهيمية بانحطاطه: " ...إنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ  بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا" –الفرقان: من الآية44-
ولننظر ...
فإننا انتقلنا من خلق عظيم وَصَفَ به الله نبيّه إلى مقابلة بما يضادّ هذه الصفة في هذا الذي يُأمر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يطيعه ... فاسد الطّباع،  الذي يؤثر الفساد والإفساد والشرّ على الخير وأبوابه ...
ويُطَوِّفُ بعقلي سؤال : ترى ما سرّ كلّ هذا الشرّ فيه ؟! ما الذي جعله إلى هذا الحدّ من الفساد والظلم والاعتداء والغلظة  وبُغض الخير ؟! وهو ما أنتقل به إلى ساحة أعمّ... إلى أصحاب هذه الأوصاف في زماننا وفي كل زمان من العُتاة المتجبّرين المعتدين الظلمة المفسدين الذين لا يعرفون من الدنيا إلا ما يملؤون به بطونهم، ويلبّون به شهواتِهم، ويُشبعون به غرائزهم، ويزدادون قوة إلى قوتهم شرا وإيذاء  ...!
لا نبعد كثيرا لنجد الجواب ... لا نبعد كثيرا لنتبيّن السرّ في تبجيل الناس لهؤلاء وإلى مسارعتهم في طاعة أوامرهم، وتنفيذ مآربهم، وإنفاذ شرورهم...
إنه سبحانه يبيّن أنهم المُطاعون، ويُبِينُ عن سرّ طاعة الناس لهم، بأسلوب ضمنيّ جاء في أمره لنبيّه ألا يطيعهم... مما يدلّ على أنهم أهلُ طاعة من غيره ...تعوّدوا طاعة الناس لهم .
ففيمَ هذه الطاعة، وعلامَ هي  متحققة لهم ؟
تأملوا قوله سبحانه :  " أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (14) إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15) "
نعم... أن كان ذا مال وبنين، أعلى الناس شأنه من كثرة ماله ...
وذلك ليس بِدْعا من نظرة الناس، ونحن نعرفه منهم ...
نعرف كيف يقومون لأصحاب المال يوفونهم تبجيلا، يتملّقونهم، ويتزلّفون إليهم لا حبّا فيهم بل فيما عندهم، لعلّهم يجودون عليهم بفُتاتٍ من أموالهم لقاء خدمتهم وتحقيق ما يريدون من شرورهم وإفسادهم، وظلمهم وجَبروتهم ...
أصحاب ملك جائرون، وأصحاب رئاسة، وأصحاب جاه، كلهم يعتدّون بالقوة والمال والخَدَمة المطيعين الذين لا يبالون أخيْرا نفّذوا أم شرّا ... كله عندهم سواء، لا يأبهون إلا بما يُعطَون من مال ...
وقد يعْقِد الخادم المطيع مع صاحب المال الاتفاق السريّ البهيم، يبيّتون الإفساد في الأرض بليل،  الإفساد الواسع، والإهلاك للحرث والنّسل ...
ينكّلون بصاحب حق، أو يهضمون حقوق مستضعفين، أو يكتمون صوت حقّ ينادي بالناس أن يعودوا لأمر ربهم، أو يزجّون بأصحاب دعوة الحق في غيابات السجون يحسبون أنهم بذلك يغيّبون صوت الحق في الأرض... كل أوامرهم تُطاع ممّن لا يعترفون بمكانة للأخلاق ... بل الحياة مادة ... الأخلاق عندهم ذاوية ذُوِيَّ النبتة الظمأى لماء يُحييها ...!
وما ماؤها إلا دستور الخالق الذي يُحيي مَوات القلوب ...!
ولقد عرفنا كيف هي أوصاف هذا الذي يُأمَر النبي صلى الله عليه وسلم ألا يطيعه ... ألا يتّبع أولئك القطيع الذين ينصاعون لأوامره رغم كلّ شروره، تغمّي أمواله وعِزوتُه بأولاده على كلّ سوء وقبح في نفسه ... لا يرون فيهم إلا المادة ... لا شيء غير المادة ...!
وفي هذا مزيد عَضْدٍ للمعنى الذي عرفناه من خلال "القلم"  و "ما يسطرون" و"خلق عظيم" وقد عرفنا كيف أنّ الأمر يستقيم في الحياة الدنيا باجتماعها لا بتفرّقها ... باجتماع العلم مع الأخلاق لتحقيق الاستخلاف في الأرض الذي خلق الله لأجله الإنسان ...
نرى عَضْدَ هذا المعنى الوجوديّ العميق الراقي في الأمر بعدم طاعة هؤلاء وإن كان السواد من الناس تحت سطوتهم، وتحت إمْرَتِهم، فالنظرة المادية الصّرفة لن تحقق إلا مزيد إفساد للأرض وإهلاك لمعنى الإنسانية عليها...
نرى عَضْدَ هذا المعنى في إعلاء شأن الأخلاق، من بعد ما جيئ بالمقابلة بين خُلق عظيم هو للنبي صلى الله عليه وسلم، اكتمل له بالقرآن حتى كان قرآنا يمشي على الأرض، وبين صفات ذميمة قبيحة بالغةٍ منتهى الشناعة والفظاعة في الشرّ وحبّ الإفساد في هذا الذي نجد نتَنَ ريحِه في كلّ زمان ...!
وهو مثال لكثرة كاثرة على الأرض اليوم، تفسد ولا تصلح... حالات سائدة على الأرض من جَوْر وعدوان، وتجبّر بالقوة والمال من قوى الشرّ في الأرض هي علامات ظمأ الأرض لهذا المنهج القويم ... المنهج الربانيّ العظيم الذي في حنايا سورة القلم يُعطي عناوينه، يُبرزُ أطرافه المتكاملة التي لا يستقيم الأمر على الأرض إلا بها مجتمعة ...
"إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (15)"
هذا تمام أمر هذا المتردّي في هاوية اللا إنسانية... ذي المال والبنين، الذي لم ولن يُغني عنه ماله ولا بنوه شيئا... والله سبحانه يبيّن قباحة نفسه ومهانتَه عنده ... إنه الذي إذا تُليت عليه آيات الله قال بما فيه من غِلظة ووقاحة وسفاقة أنها أساطير الأولين ...
لا يريد قانونا، لا يريد حكما، لا يريد مسيّرا... لا يريد منهجا ...
لا يريد فرقانا بين حق وباطل، لا يريد ما يهدِم صَوْمَعة عبادته وتبَتُّلِه للمادة... !
لا يريد ما يفضح إجرامه وعُدوانه، وسوء ما تنطوي عليه نفسه الخبيثة، وما تُظهره على الأرض من فساد ...
فهو لا يملك إلا أن يكذّب بهذه الآيات، يكفر بها...لأنها الشمس التي تضيئ فتُسفِر عن الحق، وتُبرز لصاحب البصيرة مواطن الباطل...
لا يريد لسلطانه الماديّ زوالا ...وهو يُدرك أن هذه الآيات التي هي دستور أخلاق ستقضي عليه باستضاءة الناس بضوء مشكاتها على درب الحياة  ... لأنه يُدرك أنّ هذه الآيات هي لافتات ومعالم  حقّ ستشير إلى موطن الداء في الأرض، فتقضي باستئصال ما فسد حتى لا يأتي على جسم الأرض كلّه ...!
لا تُطِعْ يا محمد من كانت هذه صفاته... من كان عبدا للمادة، مناعا للخير، معتديا أثيما، من كان في حقيقته، وعند خالقه مَهينا، ولكنه في أعين الذاهبين في نومة الغفلة والإمّعيّة والعبادة للمال وللمظاهر البراقة الخدّاعة سيّدا مُطاعا ...
لا تطعه يا محمّد وإن أطاعه كلّ الناس...
وإننا هنا  لنُبصر من جديد الحسم في أمر الحقّ... فلا مُداهنة ولا طاعة فقط لأن أكثر الناس يطيعون، بل بحساب، وتبصّر ونظر في سيرة مَن يريد أن يُطاع ... نظر وتبصّر هو قبَس من نور الهداية الربانية في هذا الكتاب العظيم، من نور دستور أخلاقه ... حتى لا يُطاع إلا من كان على خُلُق القرآن ...
وهو الأمر المنسحب على كل أفراد أمة هذا الكتاب، هذا الدستور الأخلاقيّ الذي يُعلي من شأن القلم حتى يُقسِم به، ومن شأن الكتابة والمكتوب إجلالا للعقل البشريّ وما يُنتج، ويُعلي من شأن الأخلاق دستورا للحياة ونورا يُستضاء به حتى جعل من صاحب الخُلُق العظيم قدوة وأسوة : " لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا"-الأحزاب: 21-
فلنُرجع البصر في سورة القلم، في بداياتها التي نحن نعايش روعتها... هل نرى من فطور،...  ثم لنرجع البصر كرّتين ... ألا ينقلب إلينا البصر خاسئا وهو حسير ؟! ألا نرى اتساقا وارتباطا، وكأنّ الآيات ينادي بعضها بعضا، ويسطُر سابقُها لاحقَها ؟!
لكأنّي بحروفها المسطورة ناطقة، متحركة مسطورة بإحكام عجيب غريب ليس إلا للقرآن ...!!
العلم والأخلاق .... ويا ما أحوجنا لهذا الدستور الراقي، العقليّ  الروحيّ الذي لا يبخس عقلا حقّه ولا روحا حقّها ... الذي يروم للإنسان إنسانيته...
أين أنت أيها الحلاف المهين ؟ أيها الهماز المشاء بنميم، أيها المناع للخير المعتدي الأثيم، أيها العتلّ الزنيم ... أين أنت يا صاحب المال والبنين ؟
أين أنت يا أيها المُطاع أمرُ فساده وإفساده في الأرض لا لشيء إلا لأنه ذو مال وبنين ... ! أين أنت يا مَن أنت في كل زمان، يا مكذّبا بالآيات المُحكمات خوفا ورهبة من نورها وكشفها لحقائقك، ومن قوّتها وسطوع الحقّ فيها ؟ !
إن الله يجيبنا عن مكانه الحقيقي، عن مآله : "سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ"
سيجعل له الله يوم القيامة وَسْما، علامة على أنفه الذي سيُرغَم، وسيُذلّ وهو أعلى ما في الإنسان، وهو الذي يوصَف به العزيز فيقال "أشمّ الأنف"، بل إن العزّة لغة تُرادفها "الأنفة" ... سيجعل الله على أنفِه يوم القيامة وسما يُعرف به ... يُعرف به هذا الذي عُرف بشرّه ووضاعته في الدنيا رغم ماله وبنيه وطاعة الناس له، وبرفضه الاحتكام لدستور الأخلاق ... ولنرَ كيف جاء سبحانه بكلمة "خرطوم" مكان أنف، ليقفز إلى عقلك صورة إنسان بخرطوم، وما أبشعها من صورة ...!
خرطوم طويل يتدلّى وعليه ذلك الوَسم، وَسم أنه هو الذي كان صاحب المال والبنين، وكان صاحب كل تلك الصفات القبيحة... لقد كان في الدنيا على ذمامة نفسه المُطاع لماله وبنيه ... وهو اليوم صاحب الخرطوم الموسوم ... فماذا يُغني عنه ماله : "وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَىٰ(08) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَىٰ(09)فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَىٰ (10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّىٰ (11)"  -الليل-
ويتبع مع تأملات لي أخرى في سورة القلم العظيمة بإذن الله.
ملاحظة: بالرد الأول أدناه رابط الجزء الأول .
#سورة_القلم

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #396 في: 2026-04-07, 09:14:45 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع...

لأجل ماله وبنيه ضرب الناسُ صفحا عن ذمامة نفسه وقباحة طبعه...!
لأجل ماله كان مُطاعا إذا أمر... وكذلك الحال في الناس في كل زمان وفي زمن الماديّة الذي نعيش، بات تقييم الإنسان بأخلاقه ضربا من العبثيّة عند الذين ينكرونها وينكرون قيمة مطلقة لها تقضي بسوء السيء وحُسن الحَسَن، وليس ذلك منهم بغريب، وهم ينكرون الله الذي جعلها نزعة في الإنسان وفِطرة فطرهُ عليها ...
ولقد جمع الله تعالى في الآيات التي عرفنا فيها ذميم النفس والخُلُق بين كلمتَين دلّت كلتاهما على مكانته الحقيقية، واحدة منهما وهو في الدنيا والأخرى وهو صائر إليه سبحانه، حينما نعته بالوضاعة والحقارة في قوله : "مَّهِينٍ"، وحينما بيّن مآلَه في قوله : "سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ"
ولقد عرفنا من آيات بدايات هذه السورة تلك الظلال والإشارات إلى قيمتَي العلم والأخلاق مُجتَمِعَيْن لتحقيق الاستخلاف في الأرض، إلى المادة والروح، إلى ما يحقق سويّة النفس البشرية واعتدالها، وما يحقق الخير والعدل، ولا يجعل من الإنسان ذي النزعة الأخلاقية آلة صمّاء سواءٌ معها إساءة أو إحسان، خير أو شر...
عرفنا قيمة الأخلاق، وكيف أنها المِعيار السليم الذي تُقاس به إنسانية الإنسان ... وكيف أنّ خُلق رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المَاء المَعين الذي يُنهَل منه لاستشراف الرقيّ الإنسانيّ على الأرض. وما خُلُقه صلى الله عليه وسلم إلا القرآن، فإن أنتَ قلتَ إنما الأخلاق القرآن فقد أصبتَ وإن أنت قلتَ إنما الأخلاق محمد فقد أصبتَ ... دليل هو على القرآن، ودليل هو القرآن عليه صلى الله عليه وسلم ...
نجدنا الآن، والسورة تأخذنا إلى مقطع جديد.. إلى أسلوب مغاير، ولكن كعادة القرآن النقلة فيه سلسة، لا تكاد تَشعر من سلاستها أنك تنتقل :
إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17) وَلَا يَسْتَثْنُونَ (18) فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ (19) فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ (20) فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25) فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27) قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29) فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32) كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33)
من أمره نبيّه صلى الله عليه وسلم ألا يطيع كلّ من كانت صفاتُه صفات ذلك المُطاع لماله وبنيه، يجمع سبحانه ليحدّث عن قريش وحقيقة ما هي عليه، بقوله : " إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ (17)"
هكذا تكون النقلة، ليعرّفنا سبحانه أنّ ما هُم عليه، أولئك المكذبون، وكلّ حَمَلة صفات الزنيم المهين إنما هو الابتلاء :
"إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ " ...
أجل... إنه البلاء، وإنه –كما عرّفتنا سورة الملك- سبب وجودنا في هذه الحياة الدنيا، وليُعرَف به أيّنا المسيئ وأيّنا المُحسن : " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ " –الملك:02-
لنرى السورة وهي تعانق السورة، وهي تفصّل مما جاء فيها، إذ ذكرت "الملك" الابتلاء، وجاءت "القلم" لتفصّل في كيفيّته من خلال قصة أصحاب الجنة الذين ابتُلوا كما هو الشأن في قريش ...
لقد درج الناس على عدّ الابتلاء امتحانا بالمصيبة والمِحنة والأمر العصيب، بينما هو الامتحان بالخير كما بالشر، بالعطاء والإنعام كما بالمنع... بالتوسيع كما بالتضييق، بالغنى كما بالفقر، بالصحّة والعافية كما بالمرض ... وهو سبحانه القائل: " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " –الأنبياء:35-
فأهل مكة في ابتلاء، في امتحان كما هو حال كل إنسان، وهُم في سِعة من العيش، ويعرّفنا سبحانه سِعة عيشهم ورغَدَه في قوله : " وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ "
مكة هي تلك القرية التي فتح الله لها أبواب الرزق من كل مكان، وآمنها من كلّ عدوان، وهو سبحانه القائل فيها أيضا : " فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ(03) الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ (04)" -قريش-
فكان فيها أصحاب مال وأعمال... كبراؤها وسادتها الذين كانوا من أكبر تجّار الجزيرة العربية... ومنهم كان المهين الزنيم الذي أنعم الله عليه بمال وبنين كان أولى به وأجدر أن يكون للنعمة من الشاكرين، ولكنه بطر، واغترّ بنعمة المنعم وبكرمه وأخذه الزهوّ بما ملك حتى وصف آياته سبحانه بأساطير الأولين ...
ويضرب سبحانه مثلا على ابتلاء قريش بالنعماء قصة أصحاب الجنة، أولئك الذين أُثِر في الروايات أنهم كانوا من أهل اليمن، وكان أبوهم صالحا وشاكرا لأنعُم الله، فكان يَقسم مردود جنّته ثلاثة أقسام، قِسْمٌ لأهل بيته، وقسمٌ كان يبيعه ويردّه لجنّته، وقسمٌ للمساكين، فخَلَفَ من بعده خَلْفٌ جاء القرآن بقصّتهم ...
وإننا حتى لو اقتصرنا على الخبر القرآني وحده دليلا وهو لم يأتِ على ذكر أبيهم، لكفانا عِبرة وبيانا لما أراده أصحابُ الجنّة من عزمهم ...
لقد أجمعوا أمرهم، وأقسموا يمينا أن يجُذّوا كل محصول جنّتهم دون أن يستثنوا منه شيئا للمساكين كما كان أبوهم يفعل، ويؤكّد لنا عزمَهم هذا قوله سبحانه في آية لاحقة على ألسنتهم: " أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) "
عقدوا العزم على ما أقسموا عليه في الصباح الباكر متّخذين أسباب التخفّي، فطاف عليها من الله طائف، فقُضِيَ فيها أمرُه ليلا من قبل صبحهم القريب: " فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ " ...
وها نحن وكأننا نتفرّج على الأحداث... وكأننا نشهد اجتماعهم، وعزمهم، وقسمهم على أن يأتوا ما لم يأتِه والدُهم من قبل، الصالح الخَلوق الذي كان يَقسم للمساكين من جنّته...
لعلّهم رأوا في فعلته حماقة وضعف رأي، رأوا بعينٍ غُمِّيَ عليها الخُلُق الكريم، فما قدروا له قدرا، بل رأوه ضعفا وأخلاط تفكير وسوء تدبير... إنها العين ذاتُها التي عرفناها في أولئك المطيعين لأمر مفسدٍ عاتٍ معتدٍ أثيم، مهين زنيم يُعرف بين الناس بشرّه، لا لشيء إلا لأنه ذو مال وبنين...!
وهؤلاء بالمِثل يرون في جعل قِسْمٍ للمساكين حماقة وضعفا في الرأي، وعبثيّة لا وزن لها في عالم المادة ... ولكنّهم إذ عزموا وإذ أقسموا، وإذ تحرّوا الوقت المناسب لتنفيذ مُرادهم براحة واطمئنان غفلوا، ونسوا وأمنوا مَكر الله تعالى، الفعّال لما يريد، الذي لا يكون إلا ما يريد، سبحانه الذي هو على كل شيء قدير ...
عزموا على حِرمان المساكين، على بخسهم حقّهم الذي أوجبه الله لهم من مال صاحب المال: "وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ(24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ(25)" -المعارج-
ولن يفصل بين عزمهم وتحقيقه فعلا إلا سويعات هي المسافة بين ليل عزمهم وصبح فعلهم القريب...! أمنوا مَكرَه سبحانه ...
ولنذكر سورة الملك، والملِك سبحانه يحذّر عباده مَكْرَه في قوله : " أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (16) أَمْ أَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاءِ أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (17)"
أما هُم فهُم الآمنون المطمئنّون من غفلتهم ونسيانهم أنّ سُدُول الليل تُرخى على النائمين، ولكنها لا تُرخى على عين الرقيب الذي لا تأخذه سنة من نوم ... فطاف الطائف... فأصبحت كالصريم...! ويا ما أقرب المسافات بين قسَمِهِم وعزمهم وبين الطائف...!
والصريم هو الليل بظلامه وسواده، كذلك أصبحت جنّتهم التي كانت قبل ساعات قليلة عامرة، خضِرة، لفّاء غنّاء من نعمته سبحانه ...
وما أروع الكلمات القرآنية التي تجتمع في رونق وتناغم بديعَيْن، فترى الجنّة وهي التي أهلِكتْ ليلا، قد أصبحت في اليوم التالي كالليل : " فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ "...
في صباحهم ذاك الموعود، الذي رأوه صباح فرحة وعيد بفطنتهم ونباهتهم وذكائهم الذي سيكفل لهم اغتنام المحصول كلّه لأنفسهم، لا أن ينقص منه ما يُقسَم لغيرهم ...! صباحهم الذي أعدّوا له عدّتهم من أنفسهم ونواياهم ليكون صباح الغُنمِ الأكبر !!
ولكنّ يدَ الله سابقة لأياديهم، وفعل الله سابق لفعلهم، وإرادته نافذة على إرادتهم، وقدرته مطلقة، وأمرُه الذي هو بين الكاف والنون "كُنْ" فيكون ...!
إننا نتفرّج ... إننا نتابع ... إنّنا قد عرفنا مآل الجنّة والإخوة بعدُ لم يعرفوا... لقد طُوِي مشهد الجنّة والأمر المقضيّ فيها... وهذا مشهدهم وهُم على أُهْبَتِهم وعلى عزمهم قائمون : "فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ (21) أَنِ اغْدُوا عَلَىٰ حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ (22) فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ (23) أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ (24) وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ (25)"
تنادوا مبكّرين ... بعضهم ينادي بعضا، ويذكّر بعضا أنّ الوقت المناسب الخَلِيَّ من الناس قد حان... يستشرفون لفعلهم، والفعل فيها والأمر فيها قد مضى وكان ... !يعتدّون بفكرتهم وبصولة فيهم للشيطان وطائف الله قد طاف وبارح المكان...
ألا هلمّوا... اغدوا على حرثكم، هيا إليه في أول النهار قبل أن يفيق الناس من منامهم...
هم أولاء مجتمعون، مستعدون، منطلقون ... وهم يتخافتون لئلا يسمعهم سامع، ولئلا ينتبه لأمرهم منتبِه ... وعين الله ؟! وسمع الله ؟ ! وعزمهم على هضمهم حقّ أهل حقّ ...؟! كلّه في لُجّ الغفلة والاغترار بالنعمة ذاهب غائب لا حِسّ له ولا رِكز ... !!
هُسْسْسْسْ ... " أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ " ... !
لعلّ المساكين قد ألِفوا طيبة ذلك الأب، وألفواْ أن يدخلوا وهو يعطيهم فرِحا مسرورا... فقد جاء أهل الفطنة اليوم ليقطعوا على المساكين مع قطعهم لثمار الجنّة حقوقهم وما لَهم ..!!
وهم أولاء على حرد أي على قصد لما فعلوا، وعلى منع قادرون ...
فليُرُوا قدرتهم ... فليُروها وقد أخذوا بكل سبب... ! ولكن هيهات هيهات ... لقد غفلوا فنسوا، نسوا أنّ القدير سبحانه بالمرصاد ... وقد أمِنوا مكره : "أفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"-الأعراف:99-
لقد وصلوا... ها نحن معهم أمام الجنة : "فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ (26) بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ (27)"
لقد بُهِتوا...! لقد انقلب صبحهم الذي توسّموه مضيئا سعيدا صريما...مظلما...! ورُبَّ ظُلمة تُلقي في النفس شُعاع النور لتفيق من غفلتها ...! " إِنَّا لَضَالُّونَ " ...ضللنا طريقنا فليست هذه جنّتنا التي نعرف ... ضللنا طريقنا إلى الله فهذا الصريم عُقبى ضلالنا ... "بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ" ... لقد عرفنا ما لحِقَنا ... لقد أفقنا من غيّنا وممّا كنّا فيه سادرين، من غَيبوبتنا ...لقد حرمَنا الله كما اعتزمنا حِرمان أهل الحقّ حقَّهم..!
"قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (28) قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (29)"
هذا أحسنُهم طريقا يذكّرهم بمقالة له حينما اجتمعوا ليصرموا الجنّة ... هلاّ نزّهتُم الله عن كلّ نقص، وذكرتموه فانتبهتم لظلمكم؟!
ولكن ............ !!
إنه لم يعتزلهم، لم يصرّ على موقفه، ولم يصرّ على الحق وعلى ألا يخوض معهم فيما خاضوا، لقد صحِبهم مُصبحين، ولقد همّ بما همّوا، عرف الحق، ودعا إليه، ولكنّه لم يثبت حتى النهاية ...!
إن ظِلال هذه السورة لتُلقى علينا كرّة بعد كرّة ... وهي تؤكّد على خطورة أنصاف الحلول، تحذّر من المُداهنة على حساب الحق، وتحذّر من طاعة مَن كان ظالما معتديا لأجل مالٍ أو لأجل مظهر من المظاهر الدنيوية تُكبِره في أعين عَبَدة المظاهر والمادة ... !
إنها السبيل إلى الاستسلام للباطل وطريقه وأهله، إنها السبيل إلى إحقاق الباطل وإبطال الحق ...
إنّ القوة في الحق لا تشترط نفوذا ولا مالا ولا سلطانا، بل تحتاج أول ما تحتاج أنفسا قوية في الحق، لا تُداهن، ولا تكون معاييرها معايير القطيع الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء، فهو إذا رأى مَنْ مَالَ مَالَ معه حيث مال ...!
لا تحتاج إمّعيّة، بل تحتاج نفسا تصّر على الحق، نفسا موشّحة بالأخلاق، تصونها وتحفظها، وتجعلها حركتها على الأرض وإن داهنَ الجميع، وإن أطاع الجميع طاعة بلا بصيرة ...
إنّ دعوة الحقّ في أول زمانها قامت بالعظيم ذي الخُلق العظيم، وبعظماء صنعهم على عينه قرآنا يمشي على الأرض، فحقق الاستخلاف بحرفيّته في عدل وحقّ وإعلاء لشأن أصحاب الخُلُق والدين، وترصّد بالوقاية قبل العلاج لكل داء يريد أن يستشري في جسم الأمة... بالترصّد لجموح النفس، ولتمرّدها على الحق، ولإيثارها الإفساد على الإصلاح، بالتربية قبل الحدّ، بالتنشئة على اتخاذ القرآن منهاجا ومسلكا ومشكاة على درب الحياة قبل البتر والقطع ...!
إنّ أوسطهم هذا صاحب الحلول الوسط... لم يُكمل دربه...
لقد صرمها هي الأخرى، وحرم نفسَه الثبات والأجر الأوفى بالثبات، وعظهم، ونهاهم، ولكنّه لم يعتزلهم في فعلتهم ... ! قال كلمة الحق، ولكنّه سار معهم على درب الباطل ...
ويحضرني في مقامه قوله سبحانه في السورة السابقة "الملك" في عناق وترابط جديد بين السورة والسورة : "لِيَبْلُوَكُم أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلا"... فأرى بلاء أوسطهم الذي كان حسنا في أوله، وقياسا إلى إخوته، ولكنه لم يكتمل ليكون "الأحسن"...
وهذا ما نزيد فنستبينه في ظلال هذه السورة... وهي تشير، وتُلقي بالعلامة تلو العلامة والمعلم على الطريق تلو المعلم...
فلا تطع يا محمد المكذبين، لا تُدهن، ولا تطع كلّ حلاف مهين...لا تكن يا كلّ صاحب حقّ عارفا بالحق منتبها له، ثم تمضي مع أهل الباطل مداهنا كحال "أوسطهم" ...!
قَالُوا سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ
لقد قالوها، والله ينقل لنا قولتهم ...لقد انتبهوا، لقد أفاقوا، لقد أحسنوا قراءة الرسالة، ولم يجنحوا إلى تفسير بعيد، بل فهموا أنّها العقوبة، وأنه الحِرمان من الذي أعطاهم تلك الجنة وغفلوا عن أنه على حِرمانهم منها قدير ...
وإنّ هذا لخيرٌ ... لخير في أنفسهم، مادام قد أسفر فيهم وهُم بَعْدُ في الدنيا، وهم بعدُ أصحاب فرصة ...!
فهُم أولاء يفرغون من جعبة الندم :
فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ يَتَلَاوَمُونَ (30) قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ (31) عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ (32)
انقلب بعضهم على بعض، من بعد ما كانوا المُجمعين على أمر واحد، من بعد ما اجتمعوا واتفقوا، وعزموا، وانطلقوا جميعا لغرض واحد ...
ولننظر... إنهم لمّا عرفوا من أوسطهم الناصح اتباعه لهم رغم قولته لكلمة الحق، لم نسمع منهم ذكرا لموقفه، وكأنه الذي لم يكن... لم يجدوا فيه تلك القوة الكاملة الثابتة...لم يجدوا منه ذلك الرادع حتى باعتزال فعلهم، ليلتفت بعضهم إلى بعض وهم يذكرون ثباته ويستشهدون به حقا قائما قويا وحده لا يختلط بباطل... وهو الفرد وحدَه لا تهزّه ريحٌ هَبوب مبطلة وإن كانت من جماعة ...!
إنه لا تقوم لدعوة الحق قائمة بأنصاف الحلول ...!
وهُم أولاء يأكل أنفسَهم النّدم ... وهي ذي طريق التوبة والرجوع :"قَالُوا يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ" ... تجاوزنا الحدود، اخترقناها ...
أما هذه فهي التوبة بدمها ولحمها... بالأمل في القبول وتفتّح الأبواب.. : "عَسَىٰ رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا خَيْرًا مِّنْهَا إِنَّا إِلَىٰ رَبِّنَا رَاغِبُونَ"
إنه الرجاء في الله، في أن يبدلهم بعد أن حرمهم، وفي أن يقبلهم بعد أن عادوا وآبوا وأفاقوا ...
نَعَم ... إنه العقاب، وإنه العذاب، ولكنّه الذي فيه رحمة لمَن أفاق وأناب ... لمن أدرك أن الفرصة بعدُ قائمة ... لذلك نجد الآيات الخاتِمة للقصة تشير إلى ذلك : " كَذَٰلِكَ الْعَذَابُ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (33) "
إنها الفرصة ... إنه ليس الأكبر، وإنه لمَن عاد واستعاد عافية نفسه وأشرقت في جنباتها شعاعات نور الإيمان الضوء في صورة الصريم، الرحمة في صورة العذاب، الخير في صورة الشرّ ...
لقد بلاهم الله، ولقد أخفقوا، ولقد عوقِبوا على إخفاقهم، ولقد عادوا ...
أما أولئك الذين ضُربت لهم قصة أصحاب الجنّة مثلا، فإنهم الذين كالوا التُّهم لنبي الرحمة، فرموه بالجنون، وبأنه الذي يُلقي بأساطير الأولين، وبأنه الساحر، وبأنه الشاعر... إنه المثل الذي ضُرِب لهم تنبيها وإشارة إلى أنّ نور الإيمان إذا أشرق في جوانبهم فإنها الفرصة، وإنها النجاة ...
ولقد كان منهم من كال النبيَّ صلى الله عليه وسلم التّهم، وتصدّى لدعوته بكل قوة، وأذاقه وأصحابه العذاب وضيّق عليهم، وقاتلهم، ولكنّه أفاق، وأناب، وانقلب كفره إيمانا، وانقلب كُرهُه لمكتمل العقل ذي الخلق العظيم حبّا وفِداء له بنفسه ونفيسه...
وأعود في هذا السياق إلى ما أشرتُ إليه سالفا، وذكرتُ أن اللاحق من الآيات سيوضّح الإشارة، من أنّ الصفات التي عدّدها الله سبحانه وتعالى لذلك الزنيم المعتدي الأثيم كانت على أحد وزنَيْن إما "فعّال" وإما "فعيل" للتدليل على المبالغة وعلى الكثرة في الشرّ من نفسه، وفي هذا السياق نذكر أن الإنسان يخطئ ويأثَم، ويفعل سوءا، ويرتكب خطيئة ويزلّ ويتمالؤ عليه الشيطان ونفسه الأمارة ليهوي... والله يعلم من عبده ضعفا هذا مقتضاه، ولذلك فتح أبواب التوبة ووعد التائبين بالعفو والمغفرة والقبول ...
ولهذا نجد أصحاب الجنة سرعان ما أفاقوا، وانتبهوا ... لم تكن حالهم كحال ذلك الزنيم، فعّال السوء ...
وإنّ العبيد المطيعين للمتربّب المتألّه ليزيدون في تربّبه وتألّهه وفي تمكّن الشرّ من نفسه حتى يصبح له علامة ووَسْما ...
فلنُفِق، ولنسارع للتوبة وللعودة، ولا نكرسنّ في أنفسنا الشرّ ولا نُصِرّنّ عليه ونحن نرى ذلك منا فطنة ونباهة ... ولا يغرنّنا مَن كان مادحا لظلم منّا على أنه القوة، ولغرور وكِبر فينا على أنه الثقة اللازمة للنفس... ولنتخذ من صاحب الخُلُق العظيم أسوة حتى لا نصبح في عِداد الذين يصبح الشرّ والسوء فيهم وَسما وعلامة عياذا بالله ... والسلامةَ نسألك يا عالما بضعف النفوس ...
ويا لِوارف ظلالك يا أيتها السورة العظيمة ... ! وأنصاف الحلول لا تقيم للحق قائمة ... وفرصة العودة والقبول خير عظيم وإن كان المظهر صريما ...!
ويتبع مع تأملات لي قادمة في سورة القلم بإذن الله.
ملاحظة : بالرد الأول أدناه روابط الاجزاء السابقة.
#سورة_القلم

يتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #397 في: 2026-04-07, 09:15:23 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

وتنتهي قصة أصحاب الجنة...
وهي الأخرى تلوّح في ثناياها إلى خطورة المُداهنة والمُسايرة، خطورة أنصاف الحلول مع الحق، وأنّها الطريق إلى الضّلال من حيث يُظَنُّ أن أمرها هيّن كحال أوسطهم الذي عرف الحق ونطق به، ولكنه عند الفعل كان ضعيفا، فساير، ومضى معهم حيث مضوا، وأقرّهم على فعلهم بالفعل معهم من بعد ما أنكره بالكلام ...وليس أيسر من الكلام، بينما الفصل في الفعل ...!
سورة القلم تشير بقوة إلى وجوب الحسم والقوة في الحق، وأنّ المُداهنة، والمُسايرة لا تأتي بشيء، بل تُدخِل صاحبَها مَدخَلَ المُبطِلين من حيث يحسب أنه يتنازل عن يسير، بينما هو اللَّمَم الذي يجتمع على النفس اجتماع الشِّية إلى الشِّية حتى تذهب نصاعة الحقّ فيها...ويتساوى عند صاحبها سيء وحسن، وحقّ وباطل ...!
ولنتأمّل...
لنجد أن السورة تبيّن للإنسان أينما كان، وكيفما كان وضعُه ومقامُه الذي فيه أنه معنيّ بهذه الحقيقة، حتى لا يتصور قارئ للسورة أنّ الأمر وقد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم بألا يُداهن، وألا يطيع المُبطِل المَهين الزنيم المُطاع لماله وبنيه، إنما هو قصر عليه وحده، وعلى دعوته لتقوم وتتمّ...
فجاء أصحاب الجنّة مثالا على أنّنا جميعا معنيّون بتشرّب هذه الحقيقة واتباع هذه القاعدة، وأننا حيث كنّا وبأيّ مقام كنّا إنما نحن المُمتحنون، المُبتلون أنُداهن في الحق ونُساير أهل الباطل ونسترضيهم، أم نصرّ على الحق فعلا وتطبيقا لا كلاما وخطابة حماسيّة مجرّدة عن أيّ فعل...!
وحتى نبحث في أنفسنا، لربّما كان أوسطهم فينا ونحن نحسب أننا نُحسن صنعا... نحسبه هيّنا يسيرا... نحسب أنّ ذلك ما علينا لنعايش ونتعايش، وليقبلنا الناس...!
وهكذا هو دأب القرآن، التربية بالقصّة وبالمثال، ليس من باب اتخاذها قصّة تُسمَع، وتاريخا يُعرف، وأحداثا تُسرَد، بل هي قصة الإنسان في كل زمان...
إنها قصصنا... ليس شرطا أن تكون لك جنّة كجنّته، ولا إخوة كإخوته، بل لكلّ منا شيؤُه، ولكل منا مُحيطه، ومضمار امتحانه وابتلائه في تعاملاته مع المحيطين به، ثم قِسْ أنت عليها مواقفك من الحق، قِسْ قولك ومسلكك للطريق، أتُراك تقطعه كاملا إلى مُنتهاه، أم أنك الذي يقف في منتصفه ويحسب أنه ماضٍ..! أتراك الذي يقنع بنصف الحل، ثم يُعلّل لنفسه أنه لا ضرر من ذلك ولا ضِرار، وأنّ "الذكاء الاجتماعيّ" يقتضي ذلك، لأنه ما من مكان في دنيانا للأغبياء !!!
وكم صرنا نُعايش من المُداهَنات والمُسايَرات والتنازلات، وكلّها عندنا في تصنيف "العادي" ... حتى اختلط حابل بنابل، ولم نعد نَمِيزُ خبيثا من طيّب، ولا حلالا من حرام، ولا حقا من باطل ... !
ولنمضِ مع السورة ... ولنرَ ... إنها لحُبلى بالإضاءات على الطريق ...
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ"
وجنّة، وجنّات ... سياق جِنان ...
جنّة أخذت بألباب أصحابها وبقلوبهم حتى غيّبتهم فحرموا أصحاب الحق حقهم ... ظلموا أنفسهم قبل أن يظلموهم... وتلك هي دنيانا ممثلة في جنتهم، وكلنا أصحابها ... كلنا أصحاب الدنيا... أصحاب الجنة !!
هي أيضا سيطوف عليها طائف من ربنا فتصبح كالصريم ... فتنتهي ... فتذهب ... ! لنجدنا بين يدي رب العالمين... ! فإما كنا الذاهبين في نومة الغفلة ونسيان يوم اللقاء العظيم، وإما كنا  التائبين، الآيبين الراغبين إلى ربهم، الذين أحسنوا اغتنام الفرصة ... إما إلى جنات النعيم أو إلى غيرها عياذا بالله ...!
إننا نُساق مع الآيات من الجنة وأصحابها، وهي كذلك دنيانا ونحن كذلك أصحابها... إلى جنات النعيم ... !
إنها جنّة النعيم المقيم التي هي جزاء المتّقين، المتّقين الذين لا يَخْلطون بين حقّ وباطل، الذين يطيعون ما أمر ربّهم، وينتهون عما نهى عنه، الذين يأتون ما يُرضيه، وينْأَوْن عما يُسخِطه... الذين لا يجعلون من الأخلاق قيَما نسبيّة، ولا ينكرون أنها المطلقة التي يصطلح عليها البشر، فالسيّئ سيئ والحَسَن حسَن...
ليسوا ممّن يَرُومون العبثيّة، ويُحكّمون في حياتهم الفوضى لا النظام، فلراءٍ منهم أن يرى في الظلم والاعتداء على حقوق الآخرين فعلا سليما، ولآخر أن يراه سيئا، هي النسبيّة، فلا طلاقة في التقدير ...! ونحن نعايش في فلسفة التصوّرات الحديثة موضة "نسبيّة الحقيقة " .... !
ويا ما أشدّ خطورة هذا التصوّر المُشَوّه وهو يُتّخذ لإقرار العبثيّة واللانظام، ونحن نعايش الهرطقة بـ "الحرية الفردية" فمِن إجازته الشذوذ الجنسيّ لنفسه، إلى الجهر به حريّة فردية، إلى الخروج للاحتجاج والثورة على كلّ مَن يجرّمه، إلى جعل تجريمه قانونا يُسلَط على رقاب كلّ مَن ينبس ببنت شفة في حقّ الشذوذ والشواذّ... !!!!
وفي بلاد الإسلام يا صاح في بلاد الإسلام يحدث هذا ...!!
إنه اتّباع سُنن المُخلِطين المخبِطين شبرا بشبر وذراعا بذراع ...!
إنها المُداهنة والمُسايرة والطاعة والاتّباع والانصياع لأمر ذلك المُطاع لماله، لقوّته... ذاك الذي عرفنا أنه المهين عند الله، وكيف كان الأمر منه بألا يُطاع ...
إنها طاعة أصحاب القوّة على الأرض وإن كانت قوّة بلا أخلاق ... ! وأوّاهٍ ثمّ أوّاهٍ يا سورة القلم ...! يا معلّمتنا أنّ المُداهنة طريق إلى إحقاق الباطل والعبثيّة، وإبطال الحقّ والأخلاق ...!
أما جنّات النعيم فهي لأولئك المتقين الذين أقاموا وثبتوا على درب الحق، ولم يكتفوا بأنصاف الحلول، ولم يستسهلوا أنصاف الحلول حتى وقعوا في جُبّ التبديل والتغيير، والإحلال بالهوى، والتحريم بالهوى، وكلّه نسبيّ... فلا ضَيْر ...!!
وسبحان الله... أيّ صدى للآية في رحاب سورة القلم تجده في قابل الآيات منها مدوّيا، صادعا قويّا، يزيد بيانا، ويزيد تفصيلا، ويزيد تأكيدا على المعنى ...
فلننظر .... فلننظر :
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (41)
من الآيات السابقات، من تلك التي في بداية السورة من أمر للنبيّ بعدم المداهنة، وبألا يطيع صاحب الخُلُق الذميم الزنيم المَهين، ومِنَ التي في قصة أصحاب الجنّة، وحال أوسطهم الذي لم يكن من أثرٍ لكلام منه حقّ لم يُجسّده فعلا على الأرض إذ ساير واتّبع ...
من سماقة الخُلق الكريم عند الله تعالى حتى جعل شهادته بعظمته في محمد صلى الله عليه وسلم مَعِيناً يُستقى منه للبشرية ....
من هذا كلّه نتبيّن كيف أنّه لا يستقيم أن يتساوى بياض وسواد، خُلُق ولاخُلُق، نظام وفوضى، لا يستقيم أن يتساوى الضدّان ...بل هما على طرفَي نقيض ... فنجدنا أمام خطاب من الله تعالى لأولئك الذين يريدون تسوية، خطابا عقليا استنكاريا:
أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38) أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39) سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ (40) أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ (41)
مالكم كيف تحكمون ؟! أفنجعل المسلمين كالمجرمين ؟!
أفنجعل جزاء المسلمين المتقين، كجزاء المجرمين ؟
ولنتأمل في لفظ "المجرمين" مقابلا لـ "المسلمين"، بدل "الكافرين" حتى نفهم جيدا، أنّ ممّن يُعدّون في عِداد المسلمين مَن يُجرِم، من لا يعترف بالقانون الإلهيّ، من يَخلِط ويَخْبِط، وسواءٌ عنده إساءةٌ أو إحسان، ما أرضى الله أو ما أسخطه، ولا عجب...فهُم محيطون بنا من كل صوب ...
ويُلصقون بأنفسهم أوصافا في عَدّهم هي الفكرية التنويرية التحرّريّة، فتارة هُم العَلمانيون، وتارة هم الليبراليون، وتارة هم الديمقراطيون، وأخرى هم الشيوعيون... !
في عقر دار الإسلام، لا يرتضون الإسلام سِمة ووصفا، بل هم ألدّ أعداء من حقّق الإسلام حياةً وفِكرا وتصورا وفلسفة ... أولئك هم المُمَيِّعون، المسايِرون لأصحاب القوة على الأرض، المتّبعون لهم ذراعا بذراع وشبرا بشبر... الداعون للتحرّر من قيود الدين !!
لنتأمّل كيف جاء الله بـ "المسلمين" وبـ : "المجرمين"، حتى لا ينصرف ذهنُنا إلى أنّهم الكافرون حصرا مَن يُجرمون فيجعلون الدستور الأخلاقي والعبثَ سواء، الإحسان في الأرض والإساءة سواء ...
مِن بني جلدتنا مَن بات أشدّ شراسة من الكافرين في ذلك ...!!
ما لكم كيف تحكمون ؟! إن كنتُم قد استسغتُم ذلك في الدنيا لتجعلوها مرتعا لأهوائكم ... فإن الله تعالى لن يجعل في الآخرة جزاء المجرم وجزاء المسلم سواء ؟
حسبُكم الدنيا ... دار الابتلاء لترتعوا فيها قليلا ريثما يأتي يوم الفصل، يومَ لن تجدوا فرصة لا لرتع بأهوائكم ولا لارتداع عنها ...دار الجزاء وحسب ... حيث ينتهي دور الابتلاء... ينتهي الامتحان فلا عمل ... الجزاء والجزاء وحدَه ...!
أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ (37) إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ (38)
أفَحسبتم أن الأمر هكذا متروك للّعب وللّهو وللعبث وللأهواء ؟! : "وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ"- الدخان: 38-
إنه "كتاب" إنه مسطور...
فيه العلم، فيه الحق من ربّ الخلق ... فيه الدستور الإلهيّ الربانيّ التربويّ للعبد المخلوق ... فيه الهُدى على درب الحياة الدنيا، فيه فرقان بين حق وباطل وهدى وضلال، فيه ما يجب أن يكون، وما لا يجب أن يكون ... ليلُه كنهاره ... لا شيةَ فيه، لا رماديّة في لونه ... !
بل إن الرماديّة التي يستسهلها الناس فيه هي السبيل إلى السواد، إلى الظُّلمة ... المداهنة والمسايرة فيه هي السبيل إلى التسوية بين حق وباطل كلّه نسبيّ ... فلا ضير من المُداهنة ...!
وإنها سورة "القلم" ... وإنه ذكر للكتاب ولـ :"يدرسون" بعد "القلم" و "يسطرون" ...
كلها معالم على الطريق في هذه الدعوة، وأنها القائمة على العلم، على الكتاب، على الدراسة، على العقل ... لا على الهوى، ولا على العبثيّة والإمّعيّة والاتباع الأعمى ...
إنها قوانينٌ إلهيّة كاملة عُليا سُطِرت في كتاب ...
فمِن أيّ كتاب أيها المجرمون تستمدّون قوانين إجرامِكم ؟! من أيّ كتاب ؟ من كتاب الهوى ؟ إنه ليس كتابا، إنّه صناعة أهوائكم ... إنه باطِلُكم ودعاواه، إنّه ليس أمر الإله : " أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا" –الفرقان :43-
أي كتاب تدّعون أنه من لدُن الله الحكيم جاءكم بالسويّة بين إحسان المُحسن وإثم الأثيم ؟ بين صاحب الخُلُق الكريم والمعتدي العُتُلّ الزنيم ؟ بين قاتل الرضيع البريئ وقاتل المغتصب المعتدي ؟
أيّ دراسة لكم في هذا الكتاب تجعلكم تتخيّرون منه ما راقَ لكم وطاب ؟!
لا بدّ أنه الكتاب الذي فيه التسوية، وألا فرق بين محسن ومسيئ، بين مُجرم ومسلم، بين خَلوق خيّر وجِلف جوّاظ شرّير... لا بدّ أنه كتاب "الحق مع الأقوى" وقانون الغاب الذي يريدونه لهذه الأرض، فينهَب به صاحب القوّة والسلاح خيرات البلدان المستضعفَة، ويعدّ أهلها خَدَمته المطيعين الذين لا يجب أن يعصوا له أمرا ...يعدّهم دوّابَّهُ الرَّكُوب...!
وهو في الأخير سيدندن بأغنية "محاربة الإرهاب" يضع لها لحنا مع المطاويع من بني الجلدة المُداهنين ...!!
لا بدّ أنه كتاب "الحريّات الفردية" الذي تتساوى فيه المرأة الرَّزان المَصون وبائعة الهوى التي تبيع نفسها وشرفَها باسم الحريّة والتحرّر...
ذلك الكتاب الذي يدّعون أنه مع الحرية في الاعتقاد، وفي الملبس والمأكل والمشرب والفِكر المعتنَق، وفي السلوك...
فمن أحبّت أن تستتر فلتفعل ومن أحبّت أن تُسفِر فلتفعل، ومن أحبّ أن يتعبّد ويتبتّل فله ما أحبّ، ومن أحبّ أن يُلحِد ويكفر فله ما أحبّ ...
إلا أنهم ينسون في غمرة حبّهم للحريّات أنهم إنما اصطنعوا كتابَهم ليعيثوا بالفساد والإفساد وبالفوضى والحيوانيّة والعبثية والهباء واللاغائيّة في عالم الإنسان المكرّم من ربّه !! فتجدهم في غمرة حبّهم ينسون، فيشنّون الحروب على أهل التستّر والتعبّد والأخلاق بدعوى أنهم أهل التزمّت والانغلاق ... يَخون رؤوسَ الإفساد فيهم غايتُهم ومرامهم، ويخون المُداهنين المطيعين من متّبعيهم كثرة مداهناتهم حتى يتأصّل الباطل عندهم مكان الحق، ويتكرّس للهوى في أنفسهم مكان الهُدى ...!!
فهل هو الكتاب الذي تدرسون لتتخيّروا منه ما طاب لكم، وما مالت له أهواؤكم، فتأخذوا بما تشتهون، وتذَرُوا ما لا تشتهون ؟!
فكلّ شيء فيه سواء، من أحبّ أن يأخذ بالأخلاق ويتخيّرها أخذ، ومن أحبّ أن يأخذ بحربها أخذ ...!
مالكم كيف تحكمون ؟! يا مَن تحبون أن تُحْكَم الأرض بأهوائكم لتنعموا بحلم الربوبية على مطيعيكم... ولقد قالها قبلكم أحد أسلافكم وقدواتكم : "أنا ربكم الأعلى"
مالكم ؟ كيف تحكمون ؟!
أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ (39)
أم لكم عهد قطعه الله لكم بأيمان ومواثيق أن يكون لكم به الوفاء يوم القيامة وهو الذي لا يُخلف وعده، وفيه أن يتساوى جزاؤكم والمسلمين، ويتساوى جزاء صاحب الأخلاق والمنحطّ المهين العتلّ الزنيم ؟ فإنّ لكم وِفقَه ما تحكمون من سويّة ؟!
يا الله... !!!!
إنه سبحانه جلّ في عُلاه يُقيم لمخلوقه وَزْناً بعدُ وهو يمدّه بالفرصة...يذكّره بها... وهو يخاطب العقل فيه، ذلك العقل الذي كرّمه وحباه به، يستنهضه فيه ليعقِل ...ما يزال يهزّه بأسئلة عقليّة لعلّه يعقل...... !
فهل ترك هذا الكتاب العظيم من شيء ؟! إنه بعد أن عالج بالقصة وربّى بالقصة، هو ذا سبحانه وتعالى يربّي بالحجّة ...
"سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ "
وهذا دخول رسول الله صلى الله عليه وسلم على خطّ هذا الخطاب المباشر من الله إلى عباده المكذّبين، المجرمين، الداعين بالسوية بين فضيلة ورذيلة، بين حق وباطل، بين ضلالة وهداية ...
سلهم يا محمّد أيّهم بما يدّعون من مساواة في الجزاء يوم القيامة زعيم، أيهم هو ضامن لهم أن يجدوا يوم القيامة ما قضوا به من فوضى عارمة؟ أيّهم سيكون الضامن لهم أنّ حُكمَهم كائن ؟!
ويحضرني هنا كيف أنه صلى الله عليه وسلم زعيم بالمؤمنين، ضامنٌ لهم بنصّ قوله : "أَنا زعيمٌ لمن آمنَ بي ، وأسلمَ وَهاجرَ ببيتٍ في رَبضِ الجنَّةِ ، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ ، وأَنا زعيمٌ لمن آمنَ بي ، وأسلَمَ ، وجاهدَ في سبيلِ اللَّهِ ، ببيتٍ في ربضِ الجنَّةِ ، وببيتٍ في وسطِ الجنَّةِ ، وببيتٍ في أعلى غُرَفِ الجنَّةِ ، من فعلَ ذلِكَ فلم يدَع للخيرِ مطلبًا ، ولا منَ الشرّ مَهْربًا ، يَموتُ حيثُ شاءَ أن يموتَ" –صحيح أبي داود-
وعلى هذا، أدخِل صلى الله عليه وسلم في هذا المقام تحديدا، لأنه زعيم المؤمنين والضامن لهم أنّ ما كان في الدنيا من وعد الله تعالى بجزاء للمؤمنين الفاعلين للخير، المُجانبين للشرّ متحقّق لا محالة .
"أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ فَلْيَأْتُوا بِشُرَكَائِهِمْ إِن كَانُوا صَادِقِينَ"
وما يزال سبحانه يقيم الحجّة عليهم، ما يزال يسألهم ويُنكِر عليهم ما هم فيه، فلا يترك حجّة عقلية إلا أتاهم بها ...
والشركاء كل ما يُشركه الإنسان في عبادته مع الله سبحانه، ليس في شكل الصنم وحده، بل إن أشكال الشريك عبر الأزمنة عديدة ومتعددة ومختلفة فقد يكون الهوى، وقد يكون الدنيا، وقد يكون إنسانا مُطاعا حدّ العبادة من دون الله...!
وهذا من أدنى ما انحطّ إليه عقل الإنسان، أن اتخذ من دون الله ربا معبودا، والعقل والمعقول وكلّ ما يُحيط دليل على الله الواحد ...
الله سبحانه يحاجّ، ويخاطب مخلوقه بما حباه من عقل، فيسأله ليجيب عقلُهُ، وليقيم عليه الحجّة، فيأخذه ذات اليمين، وذات الشمال مِن حوله، ثمّ نجد آخِرَ ذِكْرِه الشركاء، لأنها الدّركات التي بلغها الإنسان حينما ألغى عقله، لأنها نِتاج غمر العقل وخَمْرِه... يبدأه بذُؤابة ما في عقله سؤالا ومُحاجّة، حتى ينتهي إلى أحطّ دركاته بذكر الشركاء الذين اصطنعهم وادّعاهم من دون الله تماما كما يحثّ خُطاه في كل زمان ليصطنع فوضاه وعبثيّته على أنها القانون والكتاب المتَّبَع مكان القانون الإلهيّ الذي أنزله للبشر خالق البشر...!
فليأتوا بشركائهم الذين عبدوهم وقدّموا لهم آيات الطاعة والانصياع والاتباع، فليأتوا بهم لينقذوهم يوم الهول العظيم ...! ليجعلوا لهم منجى ومهربا من عذاب الآخرة ... العذاب الأكبر ...!
ولله درُّكِ يا سورة القلم ... لله دَرُّكِ وشعاعاتك المتلاحقة تُلقى ضوءا على ضوء يزيد في بيان المرام ... !
وقد بدأتْ بالقلم، وبما يسطرون، وكيف أنّ صاحب الخُلق العظيم هو السنا والسنام الذي يُقرّ للإنسان إنسانيته التي لا تستقيم إلا بأخلاقه، وكيف أنه هو الحقيق بالطاعة، وبألا يطيع من يُطاع لأجل مادة وهو من الخُلق خواء، وألا يُداهِن، إذ إنّ دعوة الحق لا تقوم إلا كاملة لا تقبل أن تُخفي شيئا من نورها وتُظهر شيئا، وأنّ أنصاف الحلول كحلول "أوسطهم" طريق مسدود لا ينتهي بصاحبه الظانّ أنه على خير إلا إلى طريق الباطل، حتى يتساوى عنده إساءة وإحسان... إسلام وإجرام ...!
حتى بلغنا منها المُحاجّة في ما جعله بشرٌ من البشر قانونا هو في حقيقته الفوضى واللاقانون، المحاجّة في هذه التسوية العقيمة العرجاء بين خير وشرّ ... بين قانون الإله العليم الحكيم وبين فوضى الإنسان المتمرّد الأثيم ...!!
إنها لَسُورَةُ الحَسم ... وأن الحق عملة بوجه واحد، وليست ذات أوجُه، ولا تحتمل النسبيّة، ولا تحتمل الآراء، بل هي المطلقة التي تُستمدّ من النور الإلهيّ، من الدستور الأخلاقيّ الربانيّ الذي يُقرّ في الفطرة نزعة إلى الأخلاق، بينما يحاول البشر عَبَثا أن يجعلوا للإنسان قانونا من صنع أيديهم ... !!
وكيف أنّ المُداهنة والتنازل طريق إلى الهلاك ... إلى اللامعقول، إلى الفوضى والعبثيّة والهباء ... !
ويتبع مع ما تبقى من تأملات أخيرة لي في سورة القلم بإذن الله تعالى.
ملاحظة: بالرد أدناه روابط الأجزاء السابقة.
#سورة_القلم

يتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #398 في: 2026-04-07, 09:16:51 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع...

وهكذا...
على مدار سورة القلم العظيمة عرفنا أن الأخلاق مقياس قيام الحق في الأرض، وأنّ قيامها بالمادة وحدها خُلْواً من الأخلاق ضربٌ من ضروب الوهم والخداع، الذي يتبيّن لمَن يدقّق النظر في حال الإنسانية اليوم وهي الجَوْعَى للعدل، الظّمأى للعيش الكريم، ومدى جَوْر الحكم على سلامتها بِعَدِّ ما عليها من عمران شاهق، وبنيان مَشيد وكلّ ما من شأنه تيسير حياة الإنسان من ابتكارات واختراعات، وبما صارت إليه أطراف هذا الكوكب من تقارب وتسامع بعضها إلى بعض عبر وسائل التكنولوجيا الحديثة، وبما نعرف من تطوير للسلاح ومظاهر قوّة في دول باتت تُعرف بالعظمى اقتصاديا وعلميا وعسكريّا، حتى بات جانبُها مُهاباً، وباتت تعيث في الأرض، لا تأبَهُ إلا لمآربها وحظوظها من كلّ قطعة عليها... !
لا تأبَه لإنسانيّة الإنسان ما دامت هي وحدها صاحبة الحقّ لا لشيء إلا لأنها صاحبة القوّة والمال ...!
نعم ... عرفنا هذا من هذه السورة العظيمة ... ولستُ أهذي !! ولست أُقحِم فيها ما ليس منها...وأنا أسوق الدّول باقتصادها وعمرانها وحروبها ...
إنه القرآن ... إنه دستور الإنسان على الأرض...
أوَ ليست الشهادة الإلهية العظيمة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالخُلق العظيم، مُقسَما عليها بالقلم وبكل ما سطره البشر وما يسطرون من ثمرة عقولهم التي علِمت، واخترعت، وابتكرت، واكتشفت، وأعلتْ وشيّدت، وطوّرَتْ... وأنّ هذا البَشَرَ منه صِنفٌ جِلفٌ محبّ لأن يُسمَع ويُطاع، لأن يُذلّل البشر لنفسه المغرورة كما تُذلَّلُ الدابّة لسائسها... صنف منّاع للخير، أثيم، همُّهُ نفسُهُ ومآربها... جعل من ماله قوّة ذَلَّ له بها عَبَدةُ المادة، فصيّروه إلها يُطاع ولا يُلتَفَت لشيء من فساده وإفساده ...!
أوَلَيس قد أُمِرَ صاحبُ الخُلُق العظيم وهو الحقيق بالطاعة والاتّباع، أن يخرق القاعدة الفاسدة التي وضعها الناس، وأن يُصلح بقوانين ربّ الناس سبحانه، فيبيّن أنّ الإنسان أخلاق، وأنّ الفاسد المفسِد داءٌ إما أن يُنتَبَه لخطورته، ولوجوب الحدّ من زحفِه على سائر الجسم، ولبيان أنّه صاحب بضاعة فاسدة لا تصلح للاستهلاك، أو أن يُترَك فيُهلِك و يسحق ويمحق ...يَمحَق الإنسانية في الإنسان حتى تذهب عنه الغاية من وجوده، ومن أنّ عبوديّته ليست إلا لله وحده، لا للبشر المتألّهين الذين يتوهّمون أنّ الأرض وما عليها مملكتهم الخاصّة ...!
أوَلَيْسَ قد أمِرَ ألا يُداهن في الحق، وأنّ مُداهنة أهل الباطل إذهاب لريح دعوة الحق على الأرض ...؟!
أولم نعرف أنّ الابتلاء بالخير على الأرض... بالمادة... بتفتّح زهرة الدنيا على الناس من شاكلة ابتلاء أصحاب الجنّة الذين رأوا في حقّ يُعطى للمساكين حماقة، وأنّ الفطنة تقتضي أن يُحرَمُوا هذا الحق ؟!
أليس هو الاغترارا بالمادة ؟! أليس الشَّرَهَ الذي لا يشبَعُ صاحبه ولا يحسّ بالشبع وإن ملك ما ملك ؟! أليست هي العين التي ترى المادة، لا شيء غير المادة، فلا اعتبار لمسكين ولا لمستضعف ولا لمحتاج ... نفسي ومِن ورائي الطوفان ...!
ألم يكن "أوسطهم" مثالا للمداهنة التي تقضي بأنصاف الحلول، وبالوقوف في منتصف الطريق، وبأنّ المداهنة إلى المُداهنة هي القطرة إلى القطرة في أسْنِ ماء الحق وذهاب صفائه في النفس، حتى ينتهي إلى غَوْر وجفاف... !
ألم تعلّمنا "القلم" أنّ المعتدي الزّنيم يصطنع قوانين باطِله ويُبطِل قوانين الحق...؟! و "أساطير الأولين" كلمتُه المَقولة يردّدها أمثاله عبر الأزمان بأشكال وأشكال، تصبّ كلّها في إبطال قانون الله، الربّ الخالق، وإمضاء قانون الهوى والباطل، وأنّ الحقّ مع الأقوى... مع الأغنى ...!
وسواءٌ في ذلك "المهين الأثيم" المتربّب المتألّه و "أوسطُهم" المُداهِن المتنازل، المتّبِع... كلٌّ منهما طرف في معادلة صناعة قوانين الهوى، قوانين العبثيّة، واللاغائية التي يُلبسونها مُسوح الحريّات الفردية، والتنويرات الفِكرية، والحقيقة النسبيّة، وأنّ أخلاق أو لا أخلاق سواء ... لا فرق ...!
يقرّ المولى سبحانه تهافُتَ هذه العبثيّة البشريّة، وهذا العجز البشريّ عن الإتيان بقانون للأرض ولقيامها، ولقيام الاستخلاف فيها، وبالهُراء في احتكام الإنسان للهوى ولقانون القوّة الماديّة الظالمة الغاشمة، فيعرض لنا حوارا عقليّا فيه التلطّف بالمخلوق المكرّم بالعقل عساه يعقل ! فيه الكرم الإلهيّ على عبده بالفرصة عساه يغتنم ...!
"ما لكم كيف تحكمون ؟!" ...لن يكون ما ترومون من حكم عبثيّ لا ينساق إليه إلا من غشّى عقلَه الهوى، فما عاد يرتضي بحكم الإله المالك في مُلكِه وخَلقِه...
ولقد مضيْنا حتى بلغْنا المُحاجّة في الشركاء، ومطالبتهم بأن يأتوا بهم يوم القيامة لينقذوهم إن كانوا صادقين في ادعائهم سلامة اتّباعهم يوم لا مفرّ من أمر الله ...
وها نحن مع مبلَغِنا من الآيات مع نهاية هذه الدنيا التي كفر مَن كفَر بالبعث بعدها، وأنكر مَن أنكر الموجِد لها أصلا بَلَه الباعث! وساوى مَن ساوى فيها بين مسلم ومُجرم، بين أخلاق وفساد وإفساد، بين إنسانيّة وبهيميّة... بل بين عقل ولا عقل ... !
فليأتوا بشركائهم الذين أشركوهم مع الله الواحد يوم يُبعثون ليوم عظيم، يوم يقوم الناس لربّ العالمين ... فليأتوا بهم، ولتكن لهم كلمة، ولتكن لهم نأمَة ...! فلتكن .... !
يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (43)
يوم يُكشف عن ساق كناية عن الأهوال والشدّة والبَرَح في ذلك اليوم العظيم، اليوم الحقّ ...والأمر يومئذ للملِك، ملك يوم الدين ...فلا ملوك ولا أصحاب سلطان، ولا أصحاب مال، ولا أصحاب بنين ...
لن ينفعَهم مَن أطاعهم في الدنيا لجبروتهم ولشرّهم، ولمالهم... لن ينفَعَهم مَنْ ألّههم من دون الله ... لن تنفَعَهم دنيا رتعوا فيها وحسبوا أنهم مُلّاكُها وأصحاب الأمر والنّهي فيها .... ! لن تنفعهم دنيا تُرِكوا فيها ليرتعوا وقد وصفوا آيات الله وقانونَه، ودستور الأخلاق الذي أنزل بأساطير الأولين ...
لن ينفعهم معبود اتخذوه من دون الله، وإن كانوا في الدنيا ممن أعلنوا أنهم لا يعبدون شيئا ... بينما كفاهم أنّ إلهَهُم هَواهُم ...! فنادوا بالتحرّر من ربقة الدين، إلى مرتع الهَوى ... حيث سرحوا ومرحوا فساووا بين حقّ باطل، وبين أخلاق وانحطاط ...
هم أولاء....!
هُم أولاء يُدعون إلى السجود ... أن اسجدوا...
وكأنه الأمر لهم ليروا من أنفسهم العجز ساعة ودّوا لو استطاعوا ... ليذوقوا أَلَمَ العجز عما غدتْ غاية أمانيهم القدرة عليه ...!!
لقد كانوا في الدنيا يعتدّون بالقوة وبالمال، وبالقدرة، كما اعتدّ بها أصحاب الجنّة، فأقبلوا على عزمهم وهم لا يُساورهم شكّ في قُدرتهم ...!
تيقّنوا من قدرتهم، ونسوا أنّهم عِباد الذي هو على كل شيء قدير ... حتى فاجأهم بقدرته وقد عمِلتْ قبل عملٍ منهم، بإرادته وقد نفذت قبل إرادة منهم ... !
وكما أتى الطائف على الجنّة وهم نائمون ... كذلك يأتي الطائف على الدنيا وهم في غفلة سادرون ... !
لا يستطيعون ...... لا يستطيعون السجود ... وودّوا لو أنهم استطاعوا... حُرِموا السجود ساعة تمنّيهم له ... ! حُرِموا لأنهم حَرَموا أنفسهم منه ساعة وجوبه... !
أيّ مفارقة هي .... أيّ مفارقة ...! لم تعد من فرصة ... انتهى ...!
قُضِي الأمر، ولم يكن سبحانه ليبدّل القول ... انتهى الامتحان، واليوم لا عمل ... بل جزاء ... وحده الجزاء ... فما عاد ينفعكم تمنّيكم السجود... لم يعد ينفعكم تمنّيكم العمل ... !
حُرِم أصحاب الجنّة ساعة حسبوا أنّه الغُنم الأكبر، ساعة حَرَموا أصحاب الحقّ حقّهم .... وكذلك... هُم أولاء المكذّبون في هذا اليوم يُحرَمون وقد حَرَموا أنفسهم حقّ العبودية لله وحده ... ظلموا أنفسهم ... !
خاشعةً أبصارُهم، تغشاهم الذلّة ... !
فأين ما كانوا فيه من اعتداد بأنفسهم، وبمالهم، وبأتباعهم، وبأوامرهم في مُطِيعِيهِمْ ...إنّهم لم يُظلَمُوا، بل لقد دُعُوا إلى السجود في الدنيا إلا أنّهم هُم من ظلموا أنفسهم...!
إني لا أراه السجود الذي يلاصق فيه رأسُ الإنسان الأرضَ، بل أراه الخضوع لله، والاستسلام له ولأمره ...لقد دُعوا إلى التوحيد، وإلى الاستسلام لأمر الله الحاكم، وللطاعة والخضوع، ولكنّهم استكبروا، وأصرّوا على استكبارهم، وخلطوا حقا بباطل، وقانون الإله الخالق بقانون البشر، ولقد داهنوا، وتنازلوا، وارتضوا الدنيّة في الدين حتى يرضى عنهم أصحاب القوة والمال والسلطان ...!
ويستمرّ الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم منذ أن أمره سبحانه أن يسألهم عن الزعيم بالسويّة التي ادّعوا، مرورا بدعوى الشركاء، ثم بحالهم يوم القيامة ...
"فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)"
فها هو ذا سبحانه، يبيّن لنبيّه أنّ أمرَهم إليه وحده، وأنّه وحده الذي سيفعل بهم ما هو لاحق بهم، " فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ " ...
من يكذّب بحديث القرآن، وبالحقّ الذي جاء فيه، وبالبعث والحساب، والهول العظيم ... بحديث الآخرة...
أمرُهُم إليه وحده سبحانه، هو الذي يقضي فيهم... أمرُهُ فيهم نافذ : " سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (45)"
هكذا رويدا رويدا، درجة إثر درجة، حبّة فحبّة ... خطوة فخطوة... سيأخذهم الله من حيث لا يعلمون...
سيجعلهم يَرْكنون إلى أنهم الأفضل، وأنهم الأعزّ، وأنهم أصحاب المال والبنين والنّعم ذات الألوان، إلى أنهم أرباب المال والأعمال والمادة... ولكن بجوّ النعيم ذاكَ سيُسحبون إلى حتفهم وهم على غفلتهم، سيزيدون سدرا في الغفلة ... سينامون مطمئنّين كحال أصحاب الجنّة، إذ طاف بما يملكون الطائف وهم نائمون مطمئنّون ... ومن حيث ظنوا أنهم على موعد مع الصبح القريب السعيد، أُخِذوا ... كذلك أصحاب كل غفلة عن الله، وعن لقائه، وعن أمره في الأرض، وعن دستور الحياة عليها ... سيذهبون في نومة الغفلة العميقة مطمئنّين، ومن حيث لا يعلمون سيُأخَذون ...!
بل سيُملي لهم، سيمُدُّهُم بالعمر المديد، حتى يستفحل في أوصالهم كلها الأملُ في الدنيا ثم الدنيا ثم الدنيا ... حتى يروها المبتدأ واللامُنتهى ...!
ذلك لأنّ كيد الله قويّ متين، شديد لا يفطن له النائمون ... ! الغافلون...!
وإنّ لي هنا لوقفة ...
لننظر كيف كان أصحاب الجنّة أصحابَ حُظوة رغم ما بدا من إهلاكٍ لجنّتهم عن بِكرة أبيها، حتى انقلبت الجنّة الوارفة اللفّاء صريما أسودا ليس للحياة فيها من أثر... ولكنهم على ذلك هُم أصحاب حُظوة... وأيّ حُظوة ... !
ما أكبر خطأ من يرى أن الابتلاء بالمصيبة مَظنّةُ سوء وشرّ، بينما هي المصيبة والحياة الدنيا بعدُ قائمة... الإنسان فيها ما يزال في عِداد الأحياء، الفرصة ما تزال قائمة ...!
إنها بابٌ يُفتَح للرجوع... للأوبة ... إنها صفعة تُعيد العين الحَوْلاء إلى نِصابها لتستقيم الرؤية ... ولتستبين السبيلُ ...!
أما الإمداد والإمهال والإبقاء على النعمة أمدا طويلا مع ما يُعرف في صاحبها من بُعد عن الجادّة، فتلك المصيبة حقا، وذلك الشرّ المستخفي، ومن مثل هذا هو الخوف... كل الخوف ... إنه كيدُ الله المتين ...
وما نحن نعايشه من زيادة في قوّة الظالم المعتدي، ومن مدّ لأصحاب التسيّب والتفسّخ الخُلُقيّ بالمال وبالمُداهنين، وبالوسائل المسهّلة لسُوسِهِم النّاخر، كلّه حقيقة أمر الله تعالى فيهم، أنْ يمدّ لهم في غيّهم حتى إذا كان أمرُه فيهم أخذهم أخذ عزيز مقتدر ...!
وهؤلاء الملاحدة الجُدُد... ودَعَاوَاهُم التي يؤلّفون فيها الكتب ذوات العدد، أنّ هذا الكون لو كان من إله رحيم عليم قدير عدل لما كان للشرّ وظلم الظالم واستضعاف المظلوم من أثر على الأرض...
وإنما هم يَخيطون تصوّراتهم الملفّقة على مقاس محدوديّة الفِكر البشريّ ومحدوديّة علمه، ولا يستمدّون تصوُّرَهُم للوجود من خالقه وموجِده، فجعلوا الدنيا دار القرار النهائي، التي ليس بعدها من دار، فلا ابتلاء ولا موعد للجزاء.. جعلوا من الدنيا البداية والمنتهى، وما بعد الموت اللاشيء والخواء ...
وهكذا فلا هدف من الحياة، ولا غاية من الوجود، ولا معنى للأخلاق، ولا للتفريق بين ظالم ومظلوم، ومسلم وكافر، وصاحب مبدأ ومنطلق وصاحب فراغ وعَدميّة...! لا قيمة لأيّ قيمة...بل للهباء ...!
بينما الشرّ في حقيقته على الأرض ابتلاء، والمَدّ لأهل الظلم والجبروت، كيد الله المتين، وإرادته في خَلقِه الذي خَلَق ..." وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ "
وتستمرّ المحاجّة ... وتُطرَق كل الأبواب عليهم ...!
"أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ (46) أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ (47)"
أم إنّك يا محمد تسألهم أجرا كبيرا، فهو مُثقلٌ كاهلهم حتى نفروا وكذّبوا وأعرضوا ... إنما أجرك هو عند ربك، وإنه المُقسَم عليه في بداية السورة : " وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3)" ...
أم أنّ الغيب عندهم، مطّلعون عليه، فهم يكتبون منه -لا من غيره- ما هو من تسويتهم بين بَرّ وفاجر ومسلم ومجرم ؟!
ما ترك الله لهم من حجّة إلا وجاءهم بها... ما ترك من باب من أبواب حُسبانهم إلا وطرقه، ولو أنّ كل هذا كان بأيديهم، وكان بمَلْكِهم لكان ما قالوا به مستساغا، إلا أنّه لم يكن لهم شيء من هذا ... فبأيّ حجّة هم يتصدّرون ؟! لا حجة، لا معنى، لا عقل ....!! هي الأهواء، وهو الهُراء...
بعد كل هذا البيان لخطورة المُداهنة والمسايرة لأهل الباطل، ولخطورة أنصاف الحلول، وكيف أنها لا تُبلِغ دعوة الحق مبلغها، بل تُصيّر أصحاب الحقّ جماعة من المداهنين، المتّبعين الإمّعة الذين لا مبدأ لهم، ولا قِيَم يقومون على حراستها، وألا دستور ولا قانون ربانيّ يُحكَّم في الأرض، وتجعل الغَلَبة لأهل الباطل والظلم والجبروت لا لأنّهم أصحاب القيام بالعدل والخير والفضيلة، بل لأنهم أصحاب المال والأعمال والقوّة المُهابَة... لا يعود لميزان الأخلاق من قيمة، بل الميزان الأوحَد ميزان الأقوى وإن كان مصدر الشرّ كلّه ... لا يعود يُعدُّ شرُّهُ إلا الضرورة والحتميّة التي يقتضيها "البقاء للأقوى"... قانون غاب بامتياز ...!!
بعد كل هذا البيان ... وأنّ أصحاب الخلط والتسوية بين حق وباطل ليسوا أصحاب حجّة ولا عقل، ليسوا أصحاب دليل ولا بُرهان، ليسوا أصحاب عدل ولا ميزان ... يأتي أمر الله تعالى لنبيّه، وتوجيهُه له في لُجّ هذا النّفور والعتوّ منهم :
"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)"
اصبرْ يا محمّد...
فإنّك تعلم أنّ الأمر الحقّ لله، وأنّ التدبير له...
ولقد عرفنا من السورة السابقة كيف أنه سبحانه الملِك الذي هو على كل شيء قدير، وسورتنا هذه، التالية لها تبيّن كيف أنّ المَلِكَ متصرّف في ملكه بما يشاء، بحكمته وعلمه، وكيف أنّ قانونَه الأعلى هو القانون الذي أنزله للأرض لتَسْلَمَ، ولخَلقِه ليَسْلَمُوا ... وأنّ أهواءَهم مهما بدتْ مُحكّمة، وإن عضّدتْها المادة والسلطان الجائر، والمُهادِن المُطيع المنبطِح المُسايِر، فإنما هي الباطل الذي يجب أن يكون لأهل الحقّ قوة في دفعِه بإظهار الحق، وعدم الخجل بقلّة تابعيه، وأنّه لا مُداهنة فيه مادام الإيمان بالربّ الملك الحَكَم القدير العدل الحكيم متمكّن من النفس ...
إنّ هذا الحقّ لا يحتاج قوّة بالمقام الأول، بقدر ما يحتاج صبرا ...
"فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ"
ولا يكتفي سبحانه بأمره صلى الله عليه وسلم بالصبر، بل يزيد بيانا بالغ الأهميّة، حينما ندقّق، ونتملّاه ...إنه : "وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49)"
إنّني أرى هذا المقطع من السورة وقد جاء ليتمّم الصورة، وليضعها بإطارها الصحيح، وليجعلها الواضحة التي لا غبش فيها.. لأنّ النفس الإنسانيّة دوما بين نازعَيْن، نازع الإفراط ونازع التفريط ...
فأما التفريط فقد عرفناه في المُداهن الذي يطيع المَهين المعتدي الأثيم لماله وبنيه، وينصاع لأوامر شرّه لأنّه يرى في ذلك مسايرة تقضي بها الحياة المجتمعية التي تحتكم لمنطق القوّة كيفما كان فعلُها على الأرض، فسواءٌ وِفْقَ ذلك الإحسان والإساءة...
عرفنا التفريط في "أوسطهم" الذي قال كلاما أجوفا من الفعل، وهو يساير أهل الباطل ويمضي معهم إلى عزمهم لا يتأخر عنهم...
عرفناه في أنصاف الحلول التي تقطع الطريق على الحقّ فلا يبلُغ ولا يعلو، بينما ينتفش الباطل وينتفش...
وحتى تكتمل الصورة، وتنبعث أنوار الحِكمة انبعاثا تامّا صحيحا ها هي هذه الآيات الأخيرة تبيّن الموقف المقابل، المضادّ... إنه الإفراط ...
صاحب الحوت، سيدنا يونس عليه الصلاة والسلام، هَجَر قومه المكذّبين المعاندين مُغاضبا، ولم يكن غضبه إلا لله، وإلا لأنّهم قومٌ عاندوا وكابروا وأصروا على التكذيب بدعوة الداعي لتوحيد الله...
يئس من قومه، فذهب مغاضبا ... هرب عبر البحر، إلا أنّ مشيئة الله تعالى قضت أن يلتقمه الحوت، ويلبث في بطنه ما شاء الله له أن يلبث إلى يوم نجاه منه...
هذا هو الموقف المضادّ المقابل... أنّ الغضب لله تعالى، ولدعوة الحق، ولكتابه الذي أنزل لا تأتي بشيء حينما يبلغ بالداعي أن يفرّ منها، وييأس من المدعوّين ويقضي بقضائه فيهم أنّهم الذين لم يعد من أمل فيهم ...
إنّ هذا يا محمد ما لا يجب أن يكون منك، رغم كلّ ما هو محيط بك من تكذيب وظلم وتجنٍّ على الحق من أهل الكفر والشّرك، وإنه ما لا يجب أن يكون من كل داعية على درب الحق ...
فلا المُداهنة تبلّغ الدعوة مبلغا، ولا اليأس من المدعوّين يبلّغها مبلغا ...
الصبر هو الحلّ...
ليس صبر منطق العاجزين القاعدين الذين من ضعفهم يتوقفون عن دعوتهم، وعن عملهم... ليس ذلك صبرا بل اعتزال...
ولا هو صبر المُداهنين الذين ينبهرون بقوة مخالفيهم فيرَون في المُداهنة طريقا يجب سلوكه ليحدث التوافق والتعايش...
بل هو الصبر بمعناه السليم، صبر مَن لا يُداهن، ومن لا ييأس، هكذا يعمل بالموازنة بين الكفَّتَيْن فلا يفرّط ولا يُفرِط ...
وإنه حُكم ربّك ... هذا ما قضاه سبحانه، هذا هو الكتاب الذي يُستمدّ منه قانون الأرض، وقانون البشر عليها ... هذا هو الكتاب الحقيق بالدراسة، هذا الذي يحمل الحقّ، ويقرّ الحق، ويُزهِق الباطل، هذا الذي يكون حكمه في الدنيا وفي الآخرة ... ولا تسوية فيه بين مسلم ومجرم ... بل فيه العدل التامّ ... فيه الدستور الأخلاقيّ ... فيه دواء الأرض من أدوائها ...
وكما جاءت سورة المُلك بأنّ المُلك قبضته سبحانَه، جاءت سورة القلم تقرّ أنه صاحب الأمر والحُكم بالحق في مُلكِه ...
وهكذا نبلغ بهذه الآيات تمام الصورة في هذه السورة... أنّ دعوة الحقّ لا تقبل المُداهنة، كما لا تقبل اليأس...
وصاحب الحوت، تداركته نعمة من ربّه، من مناداته ربّه في الظلمات : "لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين" .
هكذا أقرّ أنّه الذي لم يصبر، وأنّه الذي فرّ من قومه، وإن كان دافعه الغضب لله، إلا أنه خرج من دون إذن إلهيّ له أن يخرج ... فكانت عليه من الله تلك العقوبة الدنيوية، وكان عليه السلام من المؤمنين ففطن أنها العقوبة على قلّة صبره، وعلى هَجْرِه قومه دون إذن أعلى من ربّه، فنادى مسبّحا مقرّا أنه كان من الظالمين لأنفسهم ...
فكانت كلمات يونس... وهي ذاتها كلمات أصحاب الجنة، حينما فطِنوا للعقوبة الإلهية، فنادوا : "سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمين "...
وسبحان ربّنا ....! أن يجتمع في هذه السورة كلام أصحاب الجنّة وكلام يونس عليه السلام ... وهي الكلمات المُنجِية من الغمّ، المقرّبة من الربّ، الماسحة للذنب، الحاملة للإقرار بالنقص مقابل كمال الكامل سبحانه ...!
فهُم قالوها حينما أفاقوا من غفلتهم عن ربّهم حتى فرّطوا، وهو عليه السلام قالها حينما أدرك أنّ مغاضبته كانت إفراطا أذهب صبرَه ...
فسبحانك ربّنا لا إله إلا أنت . إنا نقّر أنّا كنّا من الظالمين ...
فاصبِر يا محمد ... وليصبر كل داعٍ للحق على خُطاك، ولكنّه الصبرُ الصبرُ، لا ما يدّعون أنه صبر وهم يسايرون ويداهنون، ولا ما يدّعون أنه الغضب لله الذي يقطعون به طريق الدعوة ...فهذا نصف حلّ وذاك نصف حلّ ... وأنصاف الحلول لا تبلّغ سائرا على دربٍ مُنْتَهَاهُ ...
وهذه حقيقتهم ... هذه يكشفها الله تعالى عالم السرّ وأخفى، هذه نظرة أعينهم إليك :
وَإِن يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (51) وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ (52)
هذا حنَقُهُم عليك... وغيظهم الشديد منك، لأنك يا محمّد المؤيّد من ربك، المُربّى من ربك، المُؤتى أنوار الحكمة من ربّك ... فأنت الصابر على الدّرب، العزيز بربّك، أنت الذي لا تُداهِن في الحقّ يا محمد... أنت الذي لا تطيع غير أمر ربّك ... أنت الثابت رغم كلّ ما يَحِيكُون... رغم كلّ ما نعتوك به من أبشع النعوت ... أنتَ يا صاحب الخُلُق العظيم ... يا مشهودا له به من ربه العظيم ...
وكلّ هذا يُغيظهم، ويغيظهم...! بل يقتلهم غيظا، حتى أنّ أعينهم لتكاد تُزلِقك ... تماما كما ودّتْ قلوبهم أن تنزلقَ وتحيدَ عن دربك، فإما أن تُداهن أو أن تضجر وتجزع، فتفرّ ولا تصبر ...
إنّك والقرآن متلازمان، يا من أنت القرآن الماشي على الأرض......فسماعهم للذكر الذي بُعثتَ به يقتلهم غيظا ...!
وما يملكون والغيظ يقتلهم إلا أن يقولوا : " إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ " ...
ولقد أبصرنا بين حنايا هذه السورة بأيّ الفريقَيْن هو المفتون ... !
أبصرنا يا ربّنا أنهم المفتونون، أنّهم أحقّ من يُنعَتُ بالجنون، وهُم قد ألغوا فيهم العقل المميّز حتى جعلوا حقا كباطل ... حتى جعلوا عبثيّتهم وهبائيّتهم ولاغائيّتهم وكُتب أهوائهم قانونا مكان الكتاب الكامل الشامل الحق ...
" وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ"
ذكرٌ للعالمين ...فيه الذكرُ بأنّ الله وحده صاحب الملك والأمر والحُكم، وأنّه منزل القانون الملائم للبشر ... للعالمين ... لكل الناس، لا للعرب دون غيرهم، بل للعالمين ...
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسورة القلم من أوائل ما نزل، وهو في لُجّ تكذيب قريش وتعنّتها وعتوّها، تنزل هذه الآية: "وَمَا هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ" ... للعالمين... وحده الذي تقوم به قائمة للأرض، وحدَه الذي يحقّق إنسانيّة الإنسان ...
ويا سورة القلم ....!!
لله درّكِ يا سورة القلم ما أعظمكِ ... ما أسطع نوركِ... ويا أنوار الحكمة فيكِ ... ويا قواعد الوصول فيكِ ... يا بيان قوّة الحقّ...وبيان العقبات الكؤود على درب الحقّ،وقيام الأرض به لا بغيره، بالنّهل من مَعين الخُلُق العظيم ...!
يا فُرقانا بين حق وباطل وخُلُق وانحطاط وعقل وجُنون ...! يا حُكمَ الحَكَم الحكيم وحدَه للأرض الحُكمُ والمنهج والدواء، لا شيء معه مما يسطرون ...!
سلاما ...سلاما يا سورة القلم ... يا عظيمة ... !!!!
#سورة_القلم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #399 في: 2026-04-07, 09:17:56 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عشنا في رحاب سورَتَي المُلْك والقلم حياةً ... هي الحياة...
لامسْنا أحوالنا وتقلّباتنا بين ثنايا القرآن... عرفناه يبصّرنا بالحق، ويهدينا الطريق المستقيم، ويعرّفُنا العقبات والمُعيقات، ويعلّمنا سُبُل تجاوزها، ويحذّرنا المُهْلِكات الصامتة المغلّفَة في ورق الزّينة، وفي زيّ الخير والنّعمة...!
يبلّغنا أعماق الحقيقة لئلا نغترّ بمظهر... يَسْبُرُ بنا ما وراء المظاهر...يعرّفنا ألطاف الأقدار مع طبْعَ العَجَلة فينا، يبيّن لنا أنّ الحكمة حسناء قابعةٌ خلف قضبان العادة والمظهر والسطح، كلّها تأسِرُها وتُبعِدُها عن الإنسان، فيعلّم المؤمن كيف تمتدّ يدُه إليها لينحّيها عنها فتنكشف له، ويفوز بحَسْنَائِه ...!
كانت آيات سورة الملك آياتٍ على المَلِكِ الذي نحن عبيده، والذي لا يملِكُ على الحقيقة غيرُه، وكلّ الملوك وما يملكون قبضة يمينه... المَلِكُ الرحمان الذي تسبق رحمتُه عذابَه... عرّفتْنا كيف يغترّ الإنسان المكرَّم من ربّه، المسخّر له الكون فيتمرّد حَدَّ التألّه وأمْنِ مَكرِ الملِكِ سبحانه الذي هو على كل شيء قدير...
وكيف أُمِر أن يمشي في مناكب الأرض مَشْيَ العبد الذي يوقِن أنه من ربّه وأنّ النشور إليه ... فتستشعر في حناياها الحريّة وأنت لا ترى نفسك عبدا لسواه، وكلّ ملك وما يملك عبدٌ له ومُلْكُ يمينه ...!
ثم عرفنا من سورة القلم العظيمة كيف أنّ الأمرَ في الأرض أمرُ المَلِك سبحانه، والحُكم حكمه، وكيف أنه من دستور كتابِه الذي أنزل لعباده تقوم للأرض قائمة، وتكون سالمة... دستور الأخلاق الذي يعلو ليحقّق إنسانية الإنسان، وأنّ الحقّ الذي جاء فيه لا يقبل المُداهنة ولا التنازل، تماما كما لا يستقيم للداعي إليه عملٌ إذا يئس مِن مدعوّيه، بل الصبر هو دعامتُه وهو المثبّت، وما التنازل واليأس إلا أنصاف حلول تُزلِق صاحبَها ليَجد نفسَه على طريق الباطل ...! وكلّها الإضاءات على طريق الابتلاء قانونِ هذه الحياة الدنيا الآيلة إلى ذهاب وزوال، ليأتي موعدُ الحساب والجزاء ...!
وهكذا في رحاب القرآن، وفي رحلة التدبّر وتطلّب الفَهم للعَيش من سورة إلى سورة، نُساق سَوْقا من مكان إلى مكان... من زمان إلى زمان، وكلّ النقلات والتنقلات ملائمة لكل أزمنة الإنسان، لكلّ أحواله، لكلّ أطواره ... تُضاءُ له شُموع في العتمة، فإذا ما اتّبع النورَ اهتدى ووجَدَ مزيد هُدى لإكمال المسير ...
والتذكرة أبدا بأنّها دار الابتلاء، وأنّ عُمرَها إلى انتهاء، وأنّ السعادة الحقّة، والكمال المنشود، والراحة التامّة لا تكون إلا في دار البقاء، حيث يرنو المؤمن إلى نعيمها المُقيم وراحتها السرمديّة... حيث لا تسوية بين مسلم ومجرم ...! وأنّ للمؤمن جنّات النعيم:" إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ"
ومن نهايات "القلم" حيث الإشارة : "فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ(44) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ(45)" نحن مع موعد مع سورة جديدة ... مع "الحاقة"... مع سورة تحمل اسما من أسماء يوم القيامة . يوم الإيذان بانتهاء الدنيا، وبحلول أوان الجزاء ... فلنتأمّل السَّوقَ و الإشارة والانتقال والترابط ...!
الْحَاقَّةُ (1) مَا الْحَاقَّةُ (2) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ (3)
إنها الآيات الثلاث الأولى من السورة ... وإنّ الكلمة ذاتَها في كلّ منها : " الْحَاقَّةُ " ...
فأما الآية الأولى فهي الكلمة وحدها، وحدها آية ...
"الحاقة" من "الحقّ"، من حَقَّ الشيء وثبتَ وقوعُه، فهي التي فيها يتحقّق الوعد والوعيد، والتي فيها لن يجعل سبحانه المسلمين كالمجرمين، فيها أعدّ للمتقين جنات النعيم...
سبحانه يستدرج المكذّبين من حيث لا يعلمون حتى يجدوا أنفسهم في قلب يومها الذي لا رجعة بعده... لا عودة... لا فرصة للعمل ... ! الفرصة التي عرفنا حظوة أصحاب الجنّة بها رغم الصَّرِيم، وحظوة كلّ إنسان ما يزال في الدنيا أن يعود ويغتنم...فرُبّ مصيبة مُرجِعة ...!
إنه اليوم الحقّ ... إنه الآتي حقّا حقّا ...! صدقا صدقا ...
وفي تأمّل منا دائم لتناغم السور وتسلسلها، في أواخر سورة القلم، من بعد ذكر حال من أحوال المكذبين يوم القيامة : "يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ(42) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ(43) "
يبيّن الله لنبيّه أنّ أمرَهم إليه وحده في قوله: " فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (44)"
من كذّب بحديث الآخرة، بحديث الساعة، بحديث الحساب والعقاب والجزاء، لتُعقَب مباشرة ببدايات هذه السورة... أنّما ذلك تكذيب بالحاقّة، تكذيب بالحق الكائن... المتحقق لا محالة.
" الْحَاقَّةُ " ...هكذا بشكلها، بطريقة قراءتها، وهي التي تحمل مدّا طويلا، مثقلا، هو في أحكام التجويد : "المدّ اللازم الكلميّ المثقّل" ...
إي وربّي... اللازم لزوم الحاقة ولزوم وقوعها، "الكلميّ المثقّل"...
ثقيلة هي الكلمة، ثقيل معناها، وأيّ ثقل ...؟! ثقيلة حقيقتها، وأيّ ثقل ؟! حتى أنّك لتجِد الآية الموالية تسأل كما أسأل : "مَا الْحَاقَّةُ ؟"... لأنّ كلاّ مِنّا من قبل أن يعرف عنها لا بدّ هو سائل: وما الحاقّة ؟!
بل حتى من عرف عنها، سيسأل مستفهما استفهام مَن لا يقوى على وصفٍ لهولها، ولثقلها : "ما الحاقّة "... ؟!
اقرأها ... اقرأها وأنت تمدّ وتثقّل حرف القاف، وكأنّك بذلك تؤكّد على الحقّ فيها... !
اقرأ الآية الأولى، ثم ثنِّ فاقرأ التالية، وأنتَ بطريقة القراءة وحدَها تقدّم لعظمتها ...!
إنه لم ينتهِ أمر حروفها بعدُ ...! فأنت مع المرة الثالثة، في إعظام، وتهويل: " وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحَاقَّةُ " ... ما أدراك يا محمد ما الحاقّة ؟! ...
لعلّك تمضي بعدها لترفع شيئا من ستار الدنيا المُسدَل عليها، فتطّلع على شيء من معناها، شيء من أهوالها، وإن كانت الكلمات قاصرة عن تصويرها... إلا أنها كلمات القرآن ... فلنطلّ ... فلنربط على قلوبنا، ولنحزِم، ولننظر... ولنتتبّع :
"كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بِالْقَارِعَةِ (4) فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (😎"
كما جاءت الإشارة إلى هذا التكذيب في أواخر "القلم" : " فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ "... يأتي هنا تفصيل في شأن هذا التكذيب ... فـ : "الحَاقّة" و "كذّبت" ...
تكذيب بالحق... كذّبت كلتا القبليتَين بالحقّ الكائن لمّا دُعيتا إليه من رسل الله... قبيلتان عربيّتان من أصل تلك الأرض، الأرض التي نزل فيها القرآن، وبُعث فيها محمد صلى الله عليه وسلم، فكذّبه أهلُها وعذّبوه، ونعتوه بالمجنون، وبأنه الساحر، وبأنه الشاعر...
هي ذاتُها الأرض التي سبق وأن حملت مكذّبين برسل الله تعالى... ثمود الذين سكنوا شمالي الحجاز بين مكة والشام، وعاد الذين سكنوا الأحقاق بين اليمن وحضرَمَوت...
قريبٌ جدّا منكم أيها العرب، يا قوم محمد، قريبٌ منكم جدا ثمود وعاد...! ها هُنا كانوا هُم أيضا...ففي ثمود بُعِث صالح، وفي عاد بُعِث هود عليهما صلوات الله وسلامه.
كلّ منهما كذّبت بالقارعة، والقارعة اسم آخر ليوم القيامة الذي أنذرَهم رسلهم أهوالَه وما ينتظر المكذّبين فيه ... وسبحانه هذه المرة لم يأتِ بـ "الحاقّة"، بل جاء باسم آخر لها : "القارعة"...
ودعونا نجمع هذه الكلمات القارعة الشديدة في هذه السّورة، فهي ملأى بها امتلاءَها بأهوال هذا اليوم العظيم المزلزِل.... ولنا مع "القارعة" فيما يلحق وقفة ...
كذّبوا بما جاءهم به رسلهم من أنباء الساعة ولقاء الله، والجزاء والعقاب ... فماذا كان ؟
فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (5) وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6)
" طَّاغِيَةِ " " عَاتِيَةٍ " ... كلمتان قارِعتان جديدتان في جوّ هذه السورة الرهيبة ... في خضمّ هذه الحقيقة المروّعة الثقيلة الآتية ..."الحاقّة" !
أهلِكوا لما كذّبوا، أتاهم عذاب الله سبقا في الدنيا قبل الآخرة، كذّبوا بعذابه الحقّ في الآخرة، فأذاقهم عذابا في الدنيا، قبل أن يَلْحقهم عذابٌ أكبر وأخزى في الآخرة ... !
ثمود كذبوا برسولهم وبالناقة المبصرة، وعقروها وقد توعّدهم الله أن يأخذهم بعذاب إن هم مسّوها بسوء،: " وَيَا قَوْمِ هَٰذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ" –هود:64-
و" لَا تَمَسُّوهَا " لمنع أن يُلحقوا بها أقلّ ضرر أو سوء...
فجاوزوا الحدّ وطغوا، وألحقوا بها أكبر الضرر إذ عقروها، استهزاء بأمر الله وتجرُّؤاً عليه : " فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)"
فكان وعيد الله لهم حقّا متحقّقا ذاقوا وبالَ استسهالَه وتكذيبه : "فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) " -الأعراف-
الرجفة التي أخذتهم من هَوْل  الصيحة العظيمة التي أتت عليهم، كانوا ينحتون من الجبال بيوتا حتى سُمُّوا أصحاب الحِجر الذين حسبوا الجبال حِجرا لهم وحصنا حصينا دون القوارع والنوازل، رأوا أنه ما من متحصّن تحصّنهم... اغتروا ... فإذا بصيحة تهلكهم... صيحة كانت أقوى من الجبال ... !!
فذاك  إهلاكهم بـ "الطَّاغِيَة" ...من جنس طغيانهم ...
"وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (😎"
وفي شأن قوم عاد تفصيل أكبر، تتخلّله المخاطبة بالرؤية : " فَتَرَى " "فَهَلْ تَرَى" ... فتجدُك في قلب الحَدَث، وكأنك الحاضر بين يَدَي عذابهم العظيم، تراهم بعينك ...
وقد عُرِفوا بالقوّة والشدّة، حتى زهوا بشدّتهم، واعتدّوا بقوّتهم، واغتروا فما رأوا لهم من نِدّ ولا قبيل : "فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ " –فصلت:15-
كما كانوا جبابرة معتدين : "أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128)وتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ(129)وَإِذَا بَطَشْتُم بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ(130)" –الشعراء
فما كان العذاب النازل بهم إلا من جنس ما كان منهم من استكبار وعتوّ : " فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ " ...
سبحان الله ! سبحان العظيم القويّ القدير ...!
تحضرني آيات من سورة القلم حيث بيان استدراج الله لعباده وهم في غفلة : "سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ" ...
وأذكر كيف مضى قوم عاد في عتوّهم، وسدروا في غفلتهم حتى قالوا في عارِض العذاب الذي قارب أوديتهم : " فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَٰذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا "
من حيث يحسبون أنّهم المنعَّمون أبدا، فلمّا لم يعرفوا لنعمة الله قدرَها، وأصرّوا على تكذيبهم لرسول الله، جاءهم العذاب وهم بعدُ يحسبونه النّعمة .. من حيث لا يعلمون... !
يَهْلَكُ هؤلاء العُتاة المستكبرون بريح عاتية... شديدة ... !
فلكأنّي بهم وهم يصارعون تلك الريح...! وأيَّ شيء هم الآن يصارعون، يصارعون الريح... بُناة المصانع، ومُشيّدو المعالم الشاهقة، الذين كانوا يحملون بأيديهم، وعلى كواهلِهِم ثقيل الموادّ والحجارة، وما كانت تُعجِزُهم...
هي ذي اليوم ريح ...! هواء يتحرّك بقوة، فما يملكون به بطشا، كعادتهم بالبطش والسّطو ...ريح صرصر، شديدة البرودة ...
الأقوياء الأشدّاء، العُتاة تغلبهم الريح... ! الريح المسخّرة عليهم من ربّها ... وهم أولاء... وكأني بهم يصارعونها بكل قوّتهم، وهم في ذُهول، وفي حيرة ...في تقلّب، وفي شدّة وهول...! لا يفقهون من الأمر شيئا، تصطكّ أسنانهم، وترتجف أوصالهم من بردها، وتتقاذفهم من شدّتها ذات اليمين وذات الشمال ... أنحنُ نحنُ ؟!
أين ذهب اعتدادهم بقوّتهم : "وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً "... إنّ ريحا سخّرها الله عليكم لأشدّ منكم قوة ... !
إنهم ليصارعونها سبع ليال وثمانية أيام حسوما...هكذا يذوقون العذاب أياما متعاقبة، لا ينقطع عنهم، الليل كالنهار، ليل النائمين المطمئنّين ينقلب عليهم عذابا وفواجع وأخذا من الله شديدا ... فمن يُفجَع منهم في قريب لا يلبث إلا قليلا ليُفجَع في غيره وغيره، ولا يلبث إلا قليلا ليلحق بهم ...!
ليال وأيام حسوم، تتوالى عليهم لتحسم أمرَهم الواحد تلو الآخر، والجماعة تلو الجماعة، وهم ينظرون إلى أنفسهم تذهب قطعة فقطعة، وهم يُحاط بهم، فلا يملكون فِرارا من أمر الله ...!!
أيّ عذاب ... أيّ عذاب هو عذاب الله لعباده المستكبرين في الأرض ؟!!
أيّ قوّة هي قوّتك أيها الإنسان الذي تُسلَط عليك ريح بأمر الله فلا تملك لها دفعا ؟! ولا منها فِرارا ...!
بل إنها التي يزيد الله سبحانه فيصف فعلَها فيهم: " فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (7) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ"
"صرعى" ... وكأنها الكلمة المحدّدة بذاتها التي جاءت لتشي بأنها كانت المصارعة، مصارعة أولئك الجبابرة العُتاة للريح أياما وليالي...
تعوّدوا البطش بالناس وإهلاكهم والتجبّر عليهم، ولم يَدْرُوا أنّ ريحا لا تقوم لها أرجل على الأرض، ولا تملك يدا باطشة، ولا سلاحا بتّارا ستفتِكُ بهم، وتذرهم في عذاب تتعاقب أيامه عليهم ولياليه ...!
إنّهم صرعى ... كأنهم أعجاز نخل خاوية ... كأنهم جذوع نخل ...
لا رؤوس... بقيت أسافل أبدانهم دليلا عليهم ... !! قُطِعت رؤوسهم، فكانت "الحُسوم" بما تحمل من معنى القطع ومعنى الحُسام البتّار...
أولئك الذين استكبروا فرفعوا رؤوسهم علوّا في الأرض واستكبارا على خلق الله، وتباهيا بقوّتهم ...أعجاز نخل...!! جذوع نخل، بل أكثر ... إنها خاوية... مفرغة، صفِرَتْ فيها الريح حتى أفرغتها مما فيها ... ! ويعضّد إفراغها قوله سبحانه :" تَنزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ (20)"-القمر-
أليس سبحانه قد أشار إلى أنها الرؤية بقوله : "فتَرَى الْقَوْمَ..."
بلى يا رب... إنها لرؤية ...! وأي رؤية أوضح وأبيَن مما هو ماثل لأخيِلتنا مثول الشيء للعين المبصِرة بهذا التصوير الدقيق البديع ... حتى إنّ الأوصال لترتعد فَرَقاً من هذا الهول الذي أحاط بهم ...!
"فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ" ...
لا يا رب... لا نرى من باقية ... وأي باقية في هذه الأشلاء؟!
الرؤوس وقد تطايرت حتى كأنّ لا وجود لها في مصرع الصرعى، لم تُذكَر ... وكأنك لا تشهد إلا أجسادا بلا رؤوس، أجسادا مفرغة من أحشائها، منقعرة ... أعجاز بالغٌ تجويفُها القعرَ منها ...!
وعلى هذا تعود بي هذه المصارع، وهذه القوارع إلى وصفه سبحانه تكذيبهم بالآخرة بـ : "القَارِعَة" ... لكأنّ هذا الاسم تحديدا بما فيه من قرع للأسماع وللقلوب، جاء بمكانه المحدّد لما في ما ذاقه القوم من أهوال وعذابات من قرع قد عرفتْه أنفُسُهم ... فإنهم قد كذّبوا بالقارعة التي تقرع القلوب والأسماع، فحلّ بهم ما قَرَعَ قلوبهم وأسماعهم قبل حلول يوم القارعة ...!
ويْكأنّنا عايشْنا أطرافا من يوم القيامة، ونحن نشهد هذا العذاب العظيم الذي ألمّ بمن استكبر في الأرض، وعتا عن أمر ربّه !
إنّه سبحانه يُرينا طرفا من عذاب أصغر، شهِده مَن شهِده في الدنيا، ولعذاب الآخرة أكبر، لعذاب الحاقّة أكبر .... !
هكذا لنعيش طرفا من أهوالٍ هي أكبر وأعظم، في جوّ سورة رهيبة مهيبة عظيمة ... كلّ جوانبها تنضح بالقوّة والشدّة، وعتوّ أمر الله فوق كل عاتٍ، وطغيان أمره فوق كلّ طاغٍ ...تقرع القلوب، وتزلزل المشاعر ... !
ويستمرّ القرع، وتستمرّ النوازلُ ... ويذكّر المولى عزّ وجلّ بمَن كان على شاكلة قوم عاد وثمود في التكذيب والصُّدود، وكيف كان مآلُهم في آيتَين جامِعتَين شامِلتَيْن :
"وَجَاءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ وَالْمُؤْتَفِكَاتُ بِالْخَاطِئَةِ(09)فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً(10)"
فرعون الذي تكبّر هو الآخر وتجبّر في الأرض حتى قال لمَن حوله : "أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى" ، ومَن قبلَه من الأمم التي كذّبت برسل ربّها، والمؤتفِكات بمعنى المنقلبات، وهم قوم لوط عليه السلام الذين قُلِبت عليهم بأمر الله لمّا طغوا: "فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنضُودٍ"-هود:82-
كلّهم جاؤوا بالخاطئة... ويفصّل الله في تلك الخاطئة بقوله : " فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً " ..
كلّ منهم عصى رسول ربّه، فأخذهم الله أخذة بالغة في الشدّة والقوة... أخذة أتت عليهم وأهلكتهم، فلم تُبقِ لهم من باقية...!!
ويتبع مع تأملات لي جديدة مع سورة الحاقة بإذن الله.

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب