المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 8020 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #60 في: 2026-04-04, 11:08:06 »
الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ [الأنعام : 82]
لهم الأمن من إيمانهم..  وكذلك أهل العزة من أرض غaزa لهم الأمن عند ربهم وهم لا يخافون عدوهم كما لم يخف إبراهيم ما أشرك به قومه من دون الله..  ! 
لهم الأمن...  لهم الأمن.. سبحانك ربي..!  هم اهل الأمن المقطعون أشلاء..  لا عدوهم المتتترس بكل المتاريس..!  لا لشيء إلا لكون الدنيا لا شيء...  وكل ميزان هو للآخرة...!
#أهل_الأمن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #61 في: 2026-04-04, 11:08:24 »
«الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ ۚ»-المائدة-
أي قد يئسوا من أن تتركوا دينكم وترتدوا إلى الكفر... 
إن الكافرين يبلغون من استمساك المؤمنين بدينهم وثباتهم عليه مبلغ اليأس من المؤمنين، مبلغ اليأس من أن يردوهم عن دينهم أو أن يشككوهم فيه، أو أن يتخذوهم أولياء من دون الله...  !
نعم..  يُبلِغهم ثبات المؤمنين حد اليأس من مساعيهم في الإرجاف والتشكيك وإضلال المؤمنين وإبعادهم عن دينهم وعن الحق...
فلا تخشوهم...  لا تخشوهم، إنهم عندما يرون ثباتكم ييأسون...  يُحبطون...  لا يملكون لكم من سبيل...  ! 
سبحان الله...  !  ولكأني بثبات المؤمنين مربط الفرس في نصر الله لهم على عدوهم..  في إعزازهم وإذلال عدوهم...  في تقويهم بالله وذهاب خوفهم من قوة عدوهم وجبروته..
سبحان الله...! لكأني أرى العدو بكل سلاحه وقوته ومادته قبالة عيني يائسا مهزوما  لا يملك من حيلة..  ! وكله ممَّ؟  من ثبات المؤمنين..  فأي سلاح ماض هو؟  أي سلاح لا يقارع ولا يضاهى قوة...  ؟!!!
#سورة_المائدة
#سلاح_الثبات
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #62 في: 2026-04-04, 11:08:45 »
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم بِإِيمَانِهِمْ ۖ تَجْرِي
مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ [يونس : 9]
يهديهم ربهم.. إلى أي شيء إلى أين؟  بماذا؟ 
بإيمانهم..  يوصلهم يبلغهم...  هكذا تنادي "يهديهم"  هنا نداء...  أنها "يوصلهم" و"يبلغهم" بما قدموا من إيمان..  إيمانهم الذي سيسوقهم سوقا إلى الجنان..  هكذا حالهم في الدنيا أبلغهم تلك المبالغ السامقة في الآخرة..
جعلنا الله منهم..
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #63 في: 2026-04-04, 11:09:08 »
يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ(57) قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(58)-يونس-
القرآن موعظة وشفاء لما في الصدور من كل ما يحيك فيها من أسئلة وجودية وتصورات للوجود وللغاية منه..  فيه خلقك وفيه الغاية من خلقك وفيه الغاية من الدنيا الزائلة والصيرورة إلى الآخرة الباقية حيث الجزاء...  القرآن هدى القرآن رحمة..
إنه القرآن.. وإنه للفضل من الله وأيّ فضل..!!  وإنه لرحمته..  وإنه للداعي للفرح الأكبر وهو خير من كل ما يجمع إنسان..  !
فاللهم لك الحمد كما ينبغي لعظيم قدر القرآن وكما ينبغي لعظيم سلطانك وعظيم منّك علينا بالقرآن...  !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #64 في: 2026-04-04, 11:09:24 »
«فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ۖ ذَٰلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ» [هود : 65]
تخيلوا هذا الوعيد الشديد المحقق من رب العزة لا ريب...! تخيلوا كيف هم في ديارهم  ينتظرون ما قد قضى الله فيهم...! قضاه وانتهى...  ! 
تخيلوا قوما بأكملهم ينتظرون موعد هلاكهم المحدد..!  موعدا غير مكذوب..  !  تمتعوا...  تمتعوا...  ثلاثة أيام لا رابع لها...!
أما البشرية اليوم فقد غرها أنه لم يعد من نوعد يضرب لها لعذاب في الدنيا، ولم يعد من عذاب استئصال.. لم يعد من إهلاك للكافرين الطاغين الظالمين فيتعظ به من يتعظ،  لأن هذا الكتاب محجة...  وهو الذي سيبقى ولن يبدل ولن يحرف ليكون امتحانا عظيما لأهله ولغيرهم...  كيف يكون حالهم معه...  !
 فغرّ البشرَ تركهم لامتحانهم في الدين الحق الذي أتمّ وفي الكتاب الحق المحفوظ الذي هيمن...  فلم يعودوا يصدقون أن الله مهلك للظالمين...  وأنه يملي لهم...  ليأخذهم أخذته التي يشاء وكيف يشاء...  !  ولو أن الوعد بالقيامة والبعث والحساب شبهٌ له تلك الأيام الثلاثة...  !  تلكم أيام الدنيا كلها..  "تمتعوا"..  لأنهم ظلوا مكذبين متمتعين لاهين حتى جاءهم..  وكذلك يوم القيامة عندما يحل بهم عذابه سيصدقون..  ولاتَ حين مناص...!! لقد كانت عذاباتهم التي ذكرها القرآن وتكذيبهم بها مثالا عن يوم القيامة وتمثيلا لتحققه لا ريب وخسارهم وهم يصدقون عندما يرونه..  !!
ولو أن البشرية صدقت لارعوَت...  ! ولكن تكذيبهم وطغيانهم وغرقهم في لج الدنيا جندي من جنود الإملاء....  ! 
سبحانك لقد ذكرت لنا من عذابات استئصالك..  ومن وعيدك الذي حققت،  وكذلك ينتظر كل مكذب..  ينتظره ما هو أشد وأعظم..  فثبتنا اللهم وارزقنا اليقين...  وارزقنا خشية منك تحول بها بيننا وبين معصيتك وبين نسيان الآخرة ونسيان لقائك...  ! سبحانك إنك المملي للظالمين...!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #65 في: 2026-04-04, 15:27:02 »
خواطر سنة 2023
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #66 في: 2026-04-04, 15:28:16 »
آيات الإنفاق من أواخر سورة البقرة أمرها عظيم عظيم..  !
العنوان الأبرز فيها "الإنفاق"،  ولكنها تضرب في أعماق النفس لتعلّم الإخلاص لوجه الله ! 
تشعر أنها تلمس النفس وتتحسّسها بمجسّاتها الدقيقة، ثم تبدأ معها...  تقلّبها، وتحرثها وتنقّيها وتكشف عن مواطن الداء والعلة، تطهّر الجراح، وتبلغ بك الأعماق...  حيث الورم الخبيث،  تعمل فيك عمل المشرط والمبضع..  فتخترق طبقات نفسك..  تفتح  طبقة لتفتح طبقة دونها ثم طبقة دونها ..  فما يبقى إلا أن تضع أنت يدك،  وقد انكشف لك المكان،  وقد زُوِّدت بالعُدّة اللازمة لتستأصل..! أجل أنت المستأصِل وقد كُشف لك عن موطن الورم..! بيدك تستأصل، فتزكّي، فتفلح،  كما أن بيدك أن تغمّي، فتدسّي، فتخيب..!
تحت مظلّة "الإنفاق"  تُحمَل نفسك إلى عالم الإخلاص،  إلى جِماع أمرك كلّه،  إلى قوام العبادة.. 
وإن نفسك بين يديها كقارورة من زجاج  بها ماء،  ولكن يا حسرة عليها !  لم تعد تشفّ، باهتة مضبّبة، حتى لا تكاد تفهم أن الذي بها ماء! 
الآيات تدير قارورتك المضبّبة.. تلمّعها قطعةً فقطعة فقطعة.. تمسح جزءا وتُلحِق به الآخر في دورة لها حول نفسك، تمرّ بالخبايا، تنقّيها من حبات تراب دقيقة تراكمت فغمّت على العين رؤية الماء..! تراب العمل رئاء الناس، وتراب المنّ وتراب الأذى وتراب حظّ النفس، وتراب دعاوى الشيطان بأنه الحريص عليك، ووعده المكذوب؛ تعلم أنّ المرة الواحدة لا تكفي لإزالة تراكمات الغفلة ! لا تنفكّ تمسح، مرّة، ثم مرة ثم مرة، وفي كل مرة تعرف نوع التراب المغمّي، فتزيحه بالممسحة المناسبة، بالملمّع المناسب  ! 
ومع كل تقليب، ومع كل تبضيع ومع كل تلميع، قارورتك تُسفر عن مائها أكثر فأكثر..  حتى تجدها كأروع ما يشفّ زجاج عن ماء،  شفاف يشفّ عن شفّاف..  !  في صورة للصفاء والنقاء ولا أروع ولا أبهى !
إنها آيات الإنفاق من أواخر سورة البقرة..  تلك العاملة في نفسك عمل المقلّب والحارث والمنقّي، عمل المبضع والمشرط،  عمل الملمّع  المشفّف..  ! تلك التي تُخلِصُك لله وحده إن أنتَ اعترفتَ بكشفها لحقيقتك، فاتبعتَ هديَها ولامستَ عمل أدواتها فيك ..
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#آيات_الإنفاق
#الإخلاص
#عمل_القرآن_في_النفس
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #67 في: 2026-04-04, 15:28:41 »
عظمة هي للقرآن، تجعل المحبّ لا يأسف على شيء من الدنيا أسفَه على  عمر يقصر به عن تبيّن أسرار له لا ينتهي منها العجب، والوقوف على كمالات فيه لا تُحدّ،  وحياة معه هي للروح روح،  فهي الباقية لصاحبها بعد ذهاب الروح..!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #68 في: 2026-04-04, 15:29:06 »
ي قول الله تعالى من سورة البقرة :
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (243) وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (244) "
تعليما للمؤمنين التصوّر الحقيقيّ والدقيق للموت والحياة في الإسلام، وأنهما من أمر الله تعالى وحده متى شاء أنفذه في عبده؛ فليس الفرار بدافعٍ موتا محقَّقا قد آن أوانه المحدّد في النفس البشرية، ولا شيء يمنع حضور الموت ونفاذه في الإنسان . لا يُغني حذر من قدر مقدَّر مسطور مكتوب من الله تعالى بأجل مسمّى لا يُؤخَّر ولا يُقدَّم... وهكذا حال هؤلاء الذين خرجوا من ديارهم حذر الموت، وهم ألوف مؤلّفة، لم يغنِ عنهم خروجهم من الموت شيئا، بل إن الموت قد جاءهم من حيث ظنوا أنهم الفارّون منه، لم يُغنِ عنهم حَذَرُهم وخوفهم وجزعهم وفرارهم، ولم تُغنِ عنهم جماعتهم ولا اجتماعهم على فعل واحد ..
ساد الاعتقاد الفاسد في قضية الموت، فعمّ هؤلاء الألوف، فكانوا فيه على رأي واحد، وعلى كلمة واحدة، وعلى موقف واحد، فهل أغنى عنهم شيئا اجتماعهم على فساد في الرأي والتصوّر والاعتقاد ؟ ! 
لقد لحقهم ما فرّوا منه من الوجه الذي حسبوه ملاذَهُم ومأمنَهُم، لقد لحقهم الموت من السبب الذي أخذوا به لينجوا وليحيوا ! ما زاد فِرارهم في أجل مسمّى، وما أنقص فيه مكوثهم بديارهم ... إنه أمر الله الذي لا يمنع مجيئَه فرارٌ ولا دفع ولا أسباب متّحدة ! 
فكانت قصة الألوف درسا يلقّن المؤمنين التصوّر السليم للموت وللحياة؛ وأنهما ما داما بيد الله وحده بأجل مسمّى عنده لا محيد عنه ولا تبديل له، فالفرار والنكوص والإعراض عن أمر الله تعالى بالجهاد في سبيله خوفا من الموت لن يستقيم، ولن يعود له من معنى .. !
في قصة الألوف كفاية تعليم وغنى عن كلّ وعظ وكلّ تنظير، على قصرها هي الكافية الوافية ..
لذلك تجد ما يعقبها مباشرة هو الأمر بالقتال في سبيل الله، وقد أصبح بعدها يأخذ شكل أمر له في العقل وَقع وفي القلب موطن اعتقاد، من بعد ما أشبعت النفس المؤمنة بحقيقة أمر الموت، وبحقيقة تصوّرها ..
ثم تعقب قصّةَ الألوف قصةُ طالوت وجالوت، وهي الأخرى حمّالة دروس عظيمة في قضية الجهاد في سبيل الله، والإقبال عليه بروح المؤمن الذي لا تحيك في نفسه الابتلاءات الصعبة، ولا كلمات المثبّطين المنافقين الهيّابين، ولا خَوَر الجبناء النّاكصين.. وهو إذ يقبل عليه مقبل على الله، مستيقن من معيّته ومن نصرته لعباده المؤمنين، لا يركن إلى كثرة في العدد والعُدّة بل يأوي إلى رُكن الله الركين، ويُخلص لوجهه الكريم، وهو على يقين من أن التثبيت والعون والنصر منه وحده .. وأن لقاءه حقّ لا ريب فيه، وأن الموت حقّ لا مهرب منه، ومتى جاء لا يُؤخّره إدبار عن قتال، ولا يقدّمه إقبال عليه ..
لتُختَم هذه الآيات المعلّمة، هذه الآيات المدرسة، التي لا يضاهيها تعليما وتربيةً وبياناً كتب المنظّرين ولا مؤلفات المؤلفين، تُختم بقول الله تعالى :
"تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252)"
آيات الله في غلبة الفئة القليلة على الفئة الكثيرة، إذنُه بذلك آية وعلامة على معيّة الله تعالى لعباده المؤمنين وعلى أن مَكْمَن قوتهم إيمانهم بالله، كما أنّ مَكْمَن ضعف عدوّهم كفرهم به سبحانه؛ آية لا يعقلها أهل المادة وأهل الحسابات العدَدِيّة والعُدَدِيّة ... إنما يفقهها أهل الإيمان بالله، أهل الصلة به والإقبال عليه، وهوان الموت في أعينهم وهم على يقين لا يساوره شك في أنّه بيد الله، متى شاء وافى الإنسانَ، لا يمنعه حذر ولا اعتداد بعَدَد أو بعُدّة؛ على يقين  في أن النصر من عنده وحده آية من آياته التي لا يعقلها أهل "الحياة مادّة"، المُنْبَتُّون عن خالقهم، فمُنْبَتٌّ عنهم مَدَدُه وعَوْنُه وتأييده وتطويعه أضعف الأسباب للنصر ولتحقّق التأييد، ولقلب معادلة القوّة والعدد والعُدّة !  وكُلُّه من إذن الله !   الذي إذا أُنفِذَ تحققت آيات الله !
ليأتي بعد ذلك قوله سبحانه :
"تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)"
الحلقة الموصولة في شأن القتال في سبيل الله، بيان أن الله تعالى شاء أن يترك للناس حريّة الاختيار، ليختاروا بين إيمان وكفر، اختبارا لهم  في الحياة الدنيا وقد بيّن لهم خالقُهم، فيسلكوا سبيلهم عن طواعية واختيار لا عن قسر وإجبار .. ولو شاء سبحانه لاهتدوا جميعا، ولكنه سبحانه شاء أن تكون لهم الإرادة الحُرّة، وقد كتب سبحانه أن الدنيا دار للابتلاء والاختبار، شاء أن تكون "الأولى" لا أن تكون المستقرّ والنهاية ... شاء أن تكون هناك آخرة للجزاء ...وما شاء كان..
وعلى هذا نسقط قوله تعالى هنا : "... وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ "
لو شاء لكان جميعهم على الهدى، ولما اختلفوا، لو شاء لما كانت الدنيا دارا أولى للعمل، ولكنه سبحانه ما شاء هذا، بل شاء غيرَه عدلا وحكمة وحقا .. فاختلفوا من بعد ما جاءهم الرُّسل بالبينات، فلما اختلفوا اقتتلوا..
وقول الله تعالى : " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ " يعني أنه لو شاء سبحانه ما اختلفوا أصلا بين إيمان وكفر ، ولكنه قضى في البشر بالاختيار وبالإرادة الحرّة،  وقوله مرة أخرى: " وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ "  ، أي أنه سبحانه لو شاء لما اقتتلوا حتى وإن اختلفوا، بينما مشيئته قضت أن يُفضي اختلافهم إلى اقتتالهم... وقد قضى سبحانه أن يدفع الكفر بالإيمان، في سنّة ربّانية للتدافع، بيّنها سبحانه في نهاية قصة طالوت وجالوت بقوله : "... وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ".
هذا الاختلاف المفضي إلى التدافع، هو كُفر بعضهم وإيمان بعضهم، لا أي اختلاف، رغم مجيئ البينات على أيدي الرسل، زيادة في إقامة الحجّة عليهم، وبناء عليه أمضى الله سُنّة التدافع حتى يُحَقّ الحقّ ويُبطَل الباطل .. وحتى لا يلتبس الحق على الناس، فيُحسَب أن إرادة الاختيار الحرة التي تُركت للإنسان تقضي بالتسوية بين  من اختار الكفر ومن اختار الإيمان، في تعريف هوائيّ للحريّة ممجوج يساوي حقا بباطل !
وإن هذه المشيئة الحكيمة العادلة من الله تعالى، لتذكّرني بقولٍ له سبحانه في سورة هود : "وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً ۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ ۗ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) "-هود-
" وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ "، لا ليكونوا مختلفين، وإنما لأنّ حرية الاختيار فيهم اقتضت هذا الاختلاف، ولأنّ حريّة الاختيار تُركت فيهم لاختبارهم أيَّ السبيلَين يختارون  ..فاختاروا، فكان الاختلاف .
وتمضي الآيات من بعد ذلك، لنجد آية الأمر بالإنفاق في سبيل الله، ومن بعدها آية الكرسيّ العظيمة، وفيها البيان الشافي على عظمة الله تعالى وقيُّوميّته على ما خلق، وحفظه لما خلق، وعلمه بكل شاردة وواردة فيما خلق؛ لتُردَف بالآية نِشداني، والتي أحببت ذكرَها ضمن سياقها لا منعزلة عنه، مع سياق القتال في سبيل الله :
"لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (256)"..
هذه الآية التي قد يجدها الكثير من المميِّعين -المسترضين لأعداء الدين على حساب تصوّراته الخاصة الدقيقة- حُجَّة لدعاوى القائلين بالتناقض في القرآن، إذ كيف يُقال بسنّة التدافع دفعا للكفر بالإيمان من جهة، والتي هي من مشيئة الله تعالى، ويُنفى الإكراه في الدين من جهة أخرى !
ولله درّ هذا الكتاب العظيم، ولله درّ هذا النظم الدقيق فيه، الجامع المانع، وأنت تجد سنّة التدافع وتقريرها في تربية على الجهاد في سبيل الله، وعلى الإقبال عليه بروح المؤمن المستَيْقِن من أنّ الأجل بيد الله، ولا يدفعه فرارٌ من  حرب أو لقاء بعدوّ، وتجد معها -جنبا إلى جنب- ألا إكراه في الدين ..
وعلى هذا، كان لِزاما علينا الفهم الجيد والتصوّر السليم لكل من الأمرَيْن، ولكيفية الجمع بينهما ..
إنّ النّهي عن الإكراه في الدين، وقد تبيّن الرشد من الغيّ، دليل ساطع على سِلميّة هذا الدين، وعلى عقلانيّته وعلى تناسق قوانينه، إذ أنّ الله وقد شاء أن يكون للعبد إرادة حرة في الاختيار بين إيمان وكفر، يُتمّ هذا القانون ويُسريه إلى آخره،  فيُبقي على حريّة الاختيار في الإنسان، فلا يقبل دخوله في الإسلام عن قسر أو إكراه أو جبر؛ الله تعالى الذي أقرّ حرية اختياره، يتمّم القانون بتركه لما يختار من بعد أن يُبلَّغ البيان اللازم في الاعتقاد في الله تعالى وفي تصوّرات هذا الدين للوجود وللغاية منه ومن خلق الإنسان، من بعد أن يُبَيَّن له ما بيّنه القرآن من طريق نجاة بالهداية، وما حذّر منه من طريق هلاك بالغواية، ثم يُترَك ولا يُجبَر، فلا تكون القوة في جانب المسلمين داعيا من دواعي القهر والجبر والإكراه ..
وعلى هذا ...كيف تجتمع الدعوة إلى القتال في سبيل إعلاء كلمة الله، مع النهي عن الإكراه في الدين ؟
إن قصورا في رؤية من يرى أن القتال في سبيل الله إكراه في الدين، وإجبار للناس على اعتناقه، هو ما فتح الباب للمشنّعين على الإسلام أنه بفرض القتال قد فُرض إكراه الناس على الدخول في الإسلام .. وهذا هو المطبّ الذي يوقعون فيه مَن لا يحسن الفصل بين الأمرَين، وفهم الغاية من كل أمر ..
إن القتال في سبيل الله، قد فُرِض للإبقاء على حياة الأرض بالإيمان، لإصلاحها من فساد المفسدين فيها، ولتطهيرها من رجس الكفر بسنّة التدافع لدفع الباطل بالحق، لئلا يستشري، فينتشر انتشار النار في الهشيم، لئلا تُستباح بيضة الإسلام باستباحة بيضة المسلمين ..
القتال في سبيل الله دفع للصاديّن عن سبيل الله، لجنود الشيطان في الأرض، الذين يُعلون رايته ويترصّدون للإسلام، ومَرامُهم استئصال شأفته فلا تبقى له من باقية.. ومن بعد التصدّي لأعداء الدين، المترصّدين للمسلمين كل مرصد، والذين يرومون إذلالهم واستعبادهم وردّهم عن دينهم، تبقى للناس الحريّة في اختيارهم بين اعتناق الإسلام أو في البقاء على دينهم، فلا يُكرَهون على الدخول فيه؛ وما الجزية التي قضى بها الإسلام في أهل الذمّة من البلاد التي فتحها المسلمون إلا أكبر دليل على أنهم الذين لم يُكرَهوا على اعتناق الإسلام، بل تُركوا لاختيارهم، وحُفِظت لهم كل حقوق المواطنة في الدولة المسلمة التي تحقّق العدل فيهم كما تحققه في المؤمنين ، فتقتص من المؤمن الظالم للذمّيّ المظلوم .. !  فأين دعاوى الإكراه في الدين التي يرفع بها أعداء الإسلام في كل زمان عقيرتَهم ؟ !
إن القتال في سبيل الله فرض، وسنّة من سنن الله تعالى التي أقرّها في أرضه وفي خلقه، حكمة منه سبحانه ليُحفظ الخير في الأرض، وليُدفَع عنها الإفساد، ولئلا تُكرَهَ الأرض المؤمنة أصلا وابتداء على غير الفطرة التي فُطِرت عليها ... ! هذا الكون المسبّح بحمد ربّه، المؤتمر بأمره المسخّر منه سبحانه للإنسان،  السماء والأرض اللتان أمرهما ربّهما أن تأتيا طوعا أو كرها، فردّتا : "أَتَيْنَا طَائِعِينَ" !  السماء والأرض اللتان لم تُختصّا بما اختُصّ به الإنسان من اختيار، حينما دُعِيَتا اختارتا الإيمان، اختارتا الحق.. فكيف يُراد للأرض أن تُكرَه على الكفر ؟ !
وعلى هذا.. فإنّ سنّة التدافع التي جعل الله في أرضه، هي سنّة لإمضاء الحقّ، لإعادة الأصل الذي عليه خُلقت الأرض، للإبقاء على حياتها بالإيمان، دفعا للفساد عنها .. دفعا لإكراهها على ما ليس من أصلها وخلقتها وفطرتها التي فُطرت عليها ..دفعا للباطل ! ومن بعد إقرار هذا العلوّ للإيمان بدفع الكفر، وبدفع غائلة الصادّين عن سبيل الله، المعتدين، العاملين على إفساد الأرض بتسفيل الإيمان وإعلاء الكفر، يبقى للناس -تحت راية الإسلام وحكمه العادل- أن يختاروا لا أن يُكرَهوا على الدخول فيه .. ويُقِرّ حكم الإسلام اختيارهم، ويُصانون، ويعتبَرون أصحاب حقّ في المواطنة لا يُبخَس من أحد .. !
قد تبيّن الرشد من الغيّ، فلا إكراه.. قد تُرك المجال لدعوة الإسلام أن تمرّ وأن تبلغ الناس من بعد ردّ الصّادين عنها ودفعهم بالقوة، كما أرادوا هُم الصدّ عن الإسلام بالقوة، كما أرادوا إذلال أهله، وسَلبهم حقّهم بالريادة في إظهار الحق وإزهاق الباطل وتحقيق العدل في الأرض، كما تحالفوا هُم للاعتداء على خيرات المسلمين، ليصبحوا الأذلّ على الأرض، فلا تقوم للإسلام بهم قائمة، ولا تكون لهم من شوكة وهم الأذلّة الصاغرون بين أيدي أعدائهم ! أعداء الإسلام والمشنّعون عليه بأنه دين الإكراه والغصب والإرهاب والجبر والقسر والقهر بالقوة، هم أعداء تحقيق العدل والسويّة بين الناس، هم الظالمون المستكبرون الذين يرون ضعاف الناس خَدمتهم ومحقّقي مآربهم الفاسدة ومطامعهم الجامحة، فلا يرونهم أهلا لأن يكون لهم حقّ بين الحقوق، بل كل الحقوق لهم وحدَهم .. ! 
فمَن تُراه المُكـــــرِه ؟ ومِمّن تُراه الإكراه ؟
من ظالم طمّاع شرِه، لا يرى الناس مِن حوله إلا ذُبابا يحطّ على أطماعه، وجب رَشُّه بالمبيدات والغازات والخانقات، وملأ الأرض بها لتختنق هي بدورها، وهي المُكرَهة على غير  ما خُلقت له وما خلقت عليه، وعلى غير ما أجابت به ربّها،  أم دينٌ سماويّ عليّ سميّ سنيّ، يعطي كل ذي حقّ حقّه، إذ يتصدّى للظالمين، الصادّين لأشعّة الشمس أن تضيء، ولدفئها أن يذيب الصقيع المترصّد لأوراق شجرة الإيمان الأصيلة، الثابتة الضاربة في الأرض، المتفرّعة في السماء.. !
إن سنّة التدافع التي أقرّ الله في أرضه(القتال في سبيل الله)، سنّة تحقّق الحفاظ على اختيار الناس دون إكراه .. !  تحفظ للأرض حقّها في البقاء على إيمان تفرّع عنها أصيلا وهي المفطورة عليه !
أسماء حازُرْلي
#سنة_التدافع
#بين_القتال_وبين_الإكراه
#لا_إكراه_في_الدين
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #69 في: 2026-04-04, 15:32:21 »
{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَّحِسَاتٍ لِّنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَىٰ ۖ وَهُمْ لَا يُنصَرُونَ}[فصلت : 16]
عذاب الخزي، أي عذاب الذل والهوان،  لأنهم قالوا "من أشد منا قوة"... أخزاهم الله،  أذلهم،  بأن سلط على قوتهم المزعومة ريحا،  وما الريح؟!  إنها تيار هواء قوي..  !  فذوقوا يا من لا أشد منكم قوة ! هي ذي قوة الهواء إلى قوتكم!   أيّ ذل وأيّ هوان؟!  أي خِزي..!
وفي الآخرة ينتظهرم ما هو أخزى..  إنه ملاقيهم عذاب ذل وهوان،  سيُذَلون جزاء وفاقا لما رفعوا به رؤوسهم،  حتى نسوا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة..  ومن قوّته سخر هواء يقطع رؤوسهم فإذا هم صرعى كأنهم أعجاز نخل منقعـــــر..!!
أسماء حازُرْلي
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #70 في: 2026-04-04, 15:32:48 »
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ} [فصلت : 29]
أي تصوير هو لحالة الكافرين ؟!  أي تصوير لغيظهم ولحسرتهم ولتبارهم!! 
"أرنا اللّذين أضلانا من الجن والإنس"..  مَن أضلوهم من شياطين الجن ومن شياطين الإنس.. ليجعلوهما تحت أقدامهم من الحنق والغيظ!  ...  ولكن ماذا ينفعهم وإن فعلوا ؟!! 
اللهم أجرنا..  اللهم ارزقنا تفطنا وانتباها قبل فوات الأوان..  وثبتنا على الحق.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #71 في: 2026-04-04, 15:33:15 »
وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" [ق : 16]
جاءت بعد آيات متتاليات في شأن البعث،  والتدليل عليه بخلق الله للسماوات والارض، وما بينهما من أسباب الحياة،  وكيف أن الماء من السماء للأرض حياة وإنبات وبعث للبلدة الميتة بعد موات..  !  وأنّ كذلك الخروج..
جاء قبلها مباشرة قوله سبحانه: "أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ ۚ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ"[ق : 15]
فهل أعياه سبحانه الخلق الأول من لا شيء؟!  السماوات والأرض من لا شيء،  الحياة بأسباب جعلها بينها من لا شيء..  أفعيِيَ سبحانه بالخلق من لا شيء،  ليُعييه البعث من بعد الموت؟! 
🔵" أحيينا به بلدة ميتا" 🔵
إنها "بلدة"..  !  إنها قد تكونت وأصبحت بلدة،  وأحييت من بعد ما ماتت..  أفأعيَى اللهَ خلقُها الأول وجعْلُها بلدة،  ليعييه بعثها بعد أن ماتت  وطرأ عليها طارئ موت نباتها،  وفراغها من أهل كانوا فيها أصلا ؟! 
ثم انظر في آيتنا الرائعة :
" وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ ۖ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ" [ق : 16]
انظر فيها،  وأنت تستشعر من: "توسوس"  بما فيها من تكرار لحرف السين،  ذلك الهمس،  ذلك الخفاء الذي تحسبه خفاء،  وهو عند الله علم بيّن..  !  ما توسوس به نفس الإنسان..
حديث النفس عن البعث،  وعن وجود الله،  وعن الغيب عامة..!
أسئلة وجودية تتردد في نفس الإنسان،  فتارة يكتمها،  وتارة تجول بخاطره وترحل،  وعند البعض  تنقلب هاجسا،   فتذهب به مذاهب الفلسفة،  بما قد يأخذه بعيدا..  بعيدا عن الجواب.. إلى سؤال يجرّ سؤالا يجرّ سؤالا بما لا يأتي بجواب !
اقرأ هذه الآية من جديد..  اقرأ وأنت تستشعر علم الله بما يجول بخاطرك من أسئلة،  اقرأ وعلم الله يطمئنك،  فتستشعر احتواء الله لنفسك،  وأنه سبحانه يناديك ان تفر إليه..!
أن تسأله أن يبصّرك،  وأن يرزقك اليقين الذي تذهب معه الوساوس..! نعم في قلب الوسواس، تعلم انه يعلمه، فتسأله ان يقلبه يقينا..  اقرأ وهو يعلّمك أنه يعلم أنها الوساوس!  ..
وأنه يعلمها..  فاطمئن..!  ففرّ إليه،  فتيقن من علمه بكل شاردة وواردة في نفسك المبعثرة وهو سبحانه خالقها..  !
"وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ"
اقرأها..  وهي إذ تؤرقك أو تأخذ من حلاوة السكينة وجمال  الطمأنينة في نفسك،  يخبرك ربك انه يعلمها..  !  فلا تجزع،  بل إليه افزع..  ونادِه مستغيثا مستجيرا مستهديا،  وسيغيثك وسيجيرك وسيهديك..  !
ثم اقرأمن جديد، وزيادة، وفوق ما به قد احتواك :  "وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ"
إنه اقرب إليك منك،  إنه أقرب إليك من أقرب ما فيك إليك،  أقرب إليك من حبل سبب حياتك..  كيف لا،  وهو الذي وهبك الحياة..  هو الذي خلقك،  فكيف لا يكون أقرب من الحياة إليك..  !
استشعر كمّ الطمأنينة التي يزرعها جوٌ الآية في النفس..  !
استشعر كيف يملأ عليك فراغك،  كيف يجتثك من مخاضات الوساوس،  من براثن الوساوس إلى الاطمئنان بقربه منك،  بعلمه،  بتدبيره أمرك..  بسماعه دعائك..  !  بمعرفة نفسك له،  بمعرفة تلك الخامة المزروعة فيك له سبحانه،  فطرتك..  !
ثم انظر مع أواخر السورة،  سورة "ق"   سورة الحق الذي يتلهى الإنسان عنه إذا لم يستيقن ان له ربا يعلم بما توسوس به نفسه في شأنه سبحانه.. 
انظر إلى أواخرها والله تعالى يصف الجنة التي يدخلها المؤمنون الموقنون ان لهم ربا يعلم ما توسوس به النفس،  فيفرون إليه،  انظر  قوله تعالى "وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ(31)هَٰذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ(32)  مَّنْ خَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُّنِيبٍ(33) " [ق ]
"من خشي الرحمان بالغيب "
إنه الرحمان الذي يرحمك إذا فررت إليه،  وأنت تعلم أنه يعلم ما توسوس به نفسك،  إنه سيرحمك..  إنه يعدك الجنة وأنت تخشاه بالغيب،  تخشاه دون ان تراه،  بالغيب،  وتوقن انه الله الواحد الذي يُعبَد ويُطاع وإليه الرجوع..  ذلك الغيب..  تلك الجنة..  !
أسماء حازُرْلي
#اليقين
#الأسئلة_الوجودية
#اليقين_من_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #72 في: 2026-04-04, 15:33:41 »
كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ العقاب»-آل عمران: 11-
ضرب الله مثلا للذين كفروا فرعون.. 
بل انتبه!  إنه لم يذكره وحده،  بل لقد جاءت "آل فرعون"   ..!
في هذه السورة العظيمة الجليلة،  هذه السورة التي صُدّرت بالتوحيد: "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"،  يتوعد الله الذين كفروا بالعذاب الشديد،  وبأنهم وقود النار،  ويضرب مثلا لهم آل فرعون..! 
وعادةً وغالبا ما نرى" فرعون"،  ولا نرى الــ "آل".  بينما دقة القرآن تتكلم،  ويريد الله منا أن نستيقن من دور كل حرف فيه،  وأن لكل حرف دورا محددا،  فلا زيادة بلا دور،  ولا زيادة للزيادة وحسب!
فرعون تربّب في الأرض،  فقال:" أنا ربكم الأعلى".  فكان لمن حوله فتنة،  كان امتحانا من الله،  أيعبد الناس الرب الواحد،  الإله الواحد الحي القيوم،  أم يعبدون المترببين،  ويتخذونهم أربابا من دون الرب والإله الواحد..  !  فكان فرعون مع كل من اتبعه مثلا للذين كفروا فباؤوا بالخسران المبين..  عبدوه من دون الله،  ورأوا في قوته المادية  وفي سلاحه ربا يُسترضى ويُعبد،  فعبدوه.. 
وكذلك المتربّبون بالمادة وبالقوة وبالسلاح في كل زمان،  في زماننا..  وكذلك كلنا نُمتَحَن بهم، هم فتنتنا، أنعبد الله الواحد الحي القيوم،  أم نتخذهم من دون الله أربابا يُسترضَون ! 
لقد خُلِّد الأتباع،  وخلّد ذكرهم مثلا للذين كفروا،  لقد خُلِّد الذين اتخذوا من دون الله إلها وربّا مثلا للذين كفروا..  ولم يُخلَّد المتربّب وحده،  ولم يُتوعَّد وحده..  !  بل لازم اسمَه الـــ "آل"  ..  !  العبيد..
في هذه السورة التي يحمل اسمها الـــ "آل"..  هذه السورة التي خلّدت ذكرَ آل عمران مثلا للذين آمنوا وثبتوا على الإيمان.  سورة الآل الطيبين المؤمنين،  تذكر الآل الأنجاس الأرجاس..!  وشتان شتان بين آل عبيد للمترببين وآل عباد للرب الواحد.. 
لله درّكِ يا  " آل عمران"..  لله درّكم يا آلها الأطهار..!
أسماء حازُرْلي
#سورة_آل_عمران
#بين_آل_وآل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #73 في: 2026-04-04, 15:34:07 »
سورة آل عمران العظيمة دستور كامل للمؤمن، وسلاح ماضٍ في طريقه ضدّ شبهات المشبّهين وأباطيل المضلّين المترضدين له كل مرصد ليسلبوه دينه، وما يرضون عنه إلا أن يتبع ملّتهم ...
سورة آل عمران حصن حصين للشاب المسلم في هذا العصر، ليته تدبّر بنودَه وعرف قوّة حجّته ! سورة تبيّن  أن المؤمن كحامل حق وصاحب حق على الأرض، هو الذي يتحمل رسالة الهدى والإصلاح في الأرض، فتعرّفه عن كثب كيف تكون دعوة الآخر إلى الكلمة السواء. تنقلنا قطاعا إثر قطاع، من التعلّم والتزوّد بالحق إلى التعليم ... وفي خضمّ التعليم وفي زخمه نتعلم عن أباطيل أهل الباطل لنكون على بيّنة منها، ولنكون على ثبات من أمرنا وعلى علم بمدى سعيهم لإضلالنا ...
وإني لأجد أن مؤمن هذا الزمن الصعب لأحوج ما يكون إلى سورة آل عمران، إلى العلم الذي فيها، إلى مقومات الثبات التي نتعلمها منها، إلى أساليب أهل الباطل والمغرضين في التعرض لأهل الحق بأباطيلهم ليصيّروها باسم السيادة المادية في الأرض حقا ... والمؤمن المهزوم نفسيا، المُحبَط الذي لا يرى لأمته قائمة تقوم، بل هو من نكسة إلى نكسة أكثر عرضة لهذا التشويش ولفعل هذه الشبهات التي نعاين عن كثب كيف نصبح ونُمسي على أخبارها، وشباب المسلمين الذين يعرفون من القرآن اسمه غافلون عن علم عظيم فيه، كفيل بأن ينجّيهم من مساقط الهوى والضلال إن هم استمسكوا بتدبّر معانيه وجني قُطوفه الدانية... إن هم عاشوا مع الآيات عيش التأمل والتملّي...
مؤمن اليوم الذي يشنّف أذُنَيه لكل ناعق بهواه وبشطحاته وبإنكاراته باسم التحرر الفكري وتحت راية التشدّق بالعقل الذي لا ينقص عن أصحاب العقول الأولى التي تلقّت الهُدى فعاشت به حركة على الأرض فتحت بها مغاليق البلاد للحق وأضاءت بنورها عتمات الأرض ... ذلك الناعق بالهوى وهو يقول : هم رجال ونحن رجال ... وليته فعل فِعل الرجال وهو يتخذ القانون الرباني والدليل الرباني للحياة مشكاة تنير الدرب المُعتِم ... بل إنه ليأخذ من"فلاسفة الأنوار" ما يقارع به نور الله تعالى ! وكله تحت مسمى التحرر والعقل .... !
أما أن يشنّف أذُنيه لكلام رب العباد يريد فهمه وتشرّب تربياته وتوجيهاته، وترتيب معانيه في  حُجُرات عقله، ومراقبة اتساقاته ... فذلك عصيّ عليه، بعيد عن تفكيره....!  كتب "التنويريين" أولى من النور المبين !! تلك ثقافة وفِكر وهذا ثابت قديم لم يعرف كيف يرى فيه نفسه  لو أنه كان قائما بين يديه على درب الحياة يقتبس من نوره لتبيّن الطريق المستقيم ... !
فيا أيها المؤمن متى عرفتَ في القرآن بُعدا عن العقل وعن إعمال العقل والتعقّل وهو لا ينفكّ مناديا بكل هذا، داعيا إليه ... لا يخشى من تعقّل الإنسان وما أنزِل إلا لإشباع عقله ولتنوير قلبه ... أما إن كنت تريد إلصاق ما شُوِّه من فهم للدين بالدين فأنت المُبطل لا المحق، وأما إن كنت تتباكى وترى نفسك ضحية من يُملي عليك الدين إملاء ويحجر عليك أن تمسّ القرآن بعقلك فذلك منك تباكٍ وادّعاء ولا أحد يُملي على أحد هذا الابتعاد ... وأما إن اتبعت الهوى تريد أن تجعله فوق قانون ربّ العقول والقلوب فأنت المبطل لا المحق، وأما إن كنت تريد أن تجعل من إرضاء الآخر المتنعّم بأسباب الدنيا غاية من أجل تحقيقها تترخّص وتتنزّل ولا تُبقي لك من الثوابت ثابتا ولا من الأصول أصلا فأنت المُبطل لا المُحق ...
نعم إنه الوعي القرآني ... أن أعي وأتعلم وأعرف وأتبصّر بسعي قديم متجدّد لأهل الباطل وأصحاب الأباطيل لإضلال المؤمنين، ولست أعيب هنا على الذئب أن يرتع في قطيع غنم بلا حارس ولا مُحترس ولكنني أعيب على صاحب الغنم وهو يغطّ في نوم هو مَسَرّة الذئب وفرحه العظيم ...
الوعي القرآني الذي يفرّق بين حامل الحق وحامل الباطل، ولا يجعلهما سواء، بل يبيّن لصحاب الحق أنه صاحبه ، بل وأنّ تنوير الآخر دوره ورسالته، وأنّ تقبله للآخر ومسالمته وموادعته لا تعني بحال من الأحوال استسلاما وترخّصا وتنزّلا حتى يتساوى الحق بالباطل...
شيء واحد يوحّد بينهما ويجعلهما سواء ... إنها الكلمة السواء ... كلمة التوحيد، كلمة الإسلام ... تفريق ليس هو التفريق العنصري الذي يتباكى أهل التعايش المزيّف أنّه لا يجوز وأن الإنسان إنسان لا فرق بين من ينوّره الهُدى وبين من يُعتمه الضلال!! لا يتوقفون عند المساواة الإنسانية في حقوق الإنسان على أخيه الإنسان، وواجبات الإنسان تجاه أخيه الإنسان ...بل يتقدّمون في حنان فيّاض ورقة متناهية ليجعلوا دين الحق والأديان الوضعية سواء، ودين الحق والمحرّف من أيادي المتقوّلين على الله وعلى رُسُله سواء، وليجعلوا الثقافات سواء، وليجعلوا الحق الواحد ذا أوجه متعددة حتى لا يقول إنسان بأن أحدا من الناس على باطل، فكلٌّ يعمل وِفق حقّه الذي يراه حقا !!
هكذا يريدون للمؤمن أن تُمسخ خصوصيته، أن تذهب عزّته بربّه وبهُداه ... أن يجعل من التنزّل والتنازل والترخّص في الثوابت والأصول عملا بطوليا يحقق التعايش بين الحق والباطل ... ! فيتحقق السلام المنشود !
أسماء حازُرْلي
#سورة_آل_عمران
#الثبات_على_الحق
#الوعي_القرآني
#القرآن_دستور_حياة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #74 في: 2026-04-04, 15:34:29 »
{طه(1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى(2) إِلاَّ تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَى(3)}  -طه-
ما أنزل الله عليك القرآن يا محمد ﷺ ليعذبك،  لتتعذب مع المصرّين على كفرهم وضلالهم وظلامياتهم.. 
لم ينزل القرآن ليصرّ مَن يصرّ من دعاة إلى الله في كل زمان على المصرّين على موقفهم من الخالق سبحانه،  المصرّين على إنكارهم للخالق الموجد،  المصرّين على أهوائهم واختلاقاتهم ودعاواهم الدخيلة على الوجود  البشري بأنه لا إله..  !
لم ينزل القرآن ليُشقي الدعاة بالذين يستمسكون بالأهواء،  وبالقش الواهي،  وببيت العنكبوت من طغيانهم أو من إيثارهم الحياة الدنيا،  فهم الذين يكفرون بالآخرة ولا يرجون لقاء الله!
بل نزل ليكون تذكرة 💎لمن يخشى💎..
إننا غالبا ما  نُسقط "من يخشى" على المؤمن وهو يخشى ربه،  ونغفل عن معنى آخر عام تُسقط عليه،  إنها خشية الإنسان عموما،  خشيته على معنى وجوده،  على مآله،  بحثه وتنقيبه عن معنى لوجوده،  وتفطّنه إلى أنه في الدنيا ليس هباءة،  ليس اللامعنى،  ليس عبثا،  ليس اللاغاية، ليس من لا شيء وإلى لا شيء..  !  إنه الإنسان عندما لا يطمس الفطرة فيه،  ويزيد فيُعمل العقل السليم المبرأ من الهوى، يخشى على نفسه..  يدفعه دافع السلامة الفطرية والعقلية إلى التساؤل المثمر عن الغاية من وجوده..  فيوصله ربّه.. يجيبه كتاب ربّه إليه.
"تذكرة لمن يخشى"..  إنها التذكرة،  إنها إثارة لموجود،  وتجديد لظهوره، إخراجه من ظلمات التخفي إلى نور الظهور، وإنهاضه في النفس،  إنه السماع لصوت الفطرة وعدم إنكارها بالأهواء،  بإيثار الدنيا على الخلاص،  خلاص" الإنسان" عامة..  لا معنى خلاص "المؤمن"   .. بل خلاص الإنسان ذي الفطرة السليمة والعقل السليم الخالص من شوائب الهوى،  الذي لا يغشاه الهوى..  العقل الباحث بصدق..
إن هذا القرآن تذكرة للإنسان،  إحياء لفطرته،  مخاطبة صريحة حاسمة قوية للفطرة،  تفهمه وتسمعه وتعيه، وصاحبها يهيئ الطريق ويفتحها ولا يضع العقبات..  !
ثم..  تذكر معي  :
« فَأَمَّا مَنْ طَغَى (37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوى(39)وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (41)»-النازعات-
الطغيان وإيثار الحياة الدنيا،  تجاوز الحد في الضلال والغرق في حب الدنيا عقبات على طريق الفطرة،  على طريق العقل..
أما نهي النفس عن الهوى،  مع خوف من ساعة القيام بين يدي الله فمفاتيح السير إلى الله،  مفاتيح طريق الفطرة إليه..  مفاتيح التذكرة..  مفاتيح نفض الأتربة عن جوهرة الفطرة.. ومسح غبار الأهواء عن مصباح العقل..
ثم انظر معي مرة أخرى في سياق الآيات التي نحن بصددها من سورة "طه"..
امضِ مع الآيات لتجد الله تعالى وهو يخاطب موسى-عليه السلام- وقد ناداه بالوادي المقدس طوى:
« إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ (16)»
ما الذي يصدك عن ربك؟!   عن الإيمان بلقائه، بابا لاهتدائك بالقرآن ولتصديقك به ؟
إنه اتباعك  لذاك الذي ينكر يوم الحساب،  ينكر البعث،  من اتباعه للهوى..فيصدك أنت عن ربك. فتوصد بذلك الباب دون عقل فيك يُعمَل فيُبلَّغك ربَّك.. إنه النكران من دافع الهوى،  إنه جحود الفطرة وطريقها،  وإغضاء الطرف عنها،  والصمم عن صوتها..  إنه طمسها...!
فكيف يتذكر من لا يخشى على معنى وجوده،  من يُعمل عقله،  ومن لا يغضي الطرف عن الفطرة فيه وهي تسمع صداها في القرآن..  ! 
إنها ليست خشية المؤمن وحسب،  بل هي خشية الإنسان الصادق وهو يخشى على نفسه، يخشى على وجودها ومعناه وعلى نهاية وجودها ومآلها،  فيبحث عن طريقها وخلاصها..  ذاك هو الذي يتذكر..  !
وإنك يا رسول الله ﷺ لم ينزل عليك القرآن لتشقى بالمصرّين على أهوائهم وعلى ضلالاتهم وعلى نكرانهم..  !  بل لتذكّر به كل باحث عن الحق بصدق وعقل..  بلا هوى يغشى..  فيبلغه ربّه.. 
وإنك يا كل داعية لله..  لن تفعل شيئا مع من يعلم الله أنه صاحب هوى لا صاحب غاية وخشية على معنى وجوده..  !
القرآن سبيل للهدى لمن يخشى..  فهو يخاطب العقول بالحجة العقلية،  يخاطب النفس التي تترك للفطرة فيها مندوحة لتسمع..  !  نعم..  القرآن يهدي..  منه،  من كلماته يهدي الصادق المجرد عن الأهواء..  !
أما من أعرض فإنما يعرض من هواه فلا يبلغه هدى القرآن،  فذاك لن يشقى به داعية إلى الله..  ! لن يجدي أن يصرّ عليه أو يلحّ في دعوته..  فمهما قرأت عليه من "عقليات"  القرآن فسيعلن أنه الذي لا يريد سماع ما لا يؤمن به أصلا..!  وإنما ذاك صوت الهوى فيه لا صوت العقل المبرأ والقلب الباحث بصدق..  !
أسماء حازُرْلي
 #سورة_طه
#هداية_القرآن
#القرآن_هدى_لمن_يخشى
#خشية_الإنسان_فطرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #75 في: 2026-04-04, 15:34:57 »
مع تدبر القرآن،  والبحث في مرامي الآيات البعيدة،  وفي تناسقها وارتباطها واتساق موضوع السورة منها..  أنت مجدد للإيمان فيك..  أنت صُعُدا إلى مراتب اليقين تعلو اليقين.. 
نعم،  قد تكون السورةَ التي قرأتها بدل المرات العشر مئات المرات،  ولكنك دوما أنت معها في تجديد وتجدّد،  تمدّك بالجديد فيتجدّد الإيمان فيك.. ! 
هل عرفت مع آل عمران مسؤولية " لا إله إلا الله" وأنت تلفظها ؟!  هل عرفت في نفسك سعادة جديدة بها متجددة وأنت تستيقن أنها الحق الذي أنت عليه، وليس على الأرض كلها مَن هو على الحق، ما لم يكن من أهلها؟!  .. 
هل استشعرت الإسلام جديدا فيك مع آل عمران وهي تضرب بك في أعماق الوجود لتجد الإسلام هناك..!!  ثم تمشي بك وتمشي حتى تُبلغَك زمانك  من أزمنة الوجود وأنت ذلك الفرع الطيب من ذلك الجذر الأصيل الطيب  ؟!  من تلك الشجرة الطيبة التي أصلها ثابت في الأرض أصيل عميق عمق الوجود، وفرعها في السماء ممتد متصل اتصال الكون ونواميسه بجاعلها فيه..  ؟!
هل عشت مع آل عمران وأنت تنظر عبر عدستها الكاشفة إلى أحوال ما حولك،  إلى العالم المحيط بك كلّه،  لتستكشف كمّ الأوبئة القاتلة الفاتكة التي يعانيها العالم وهو بعيد عن :  "الله لا إله إلا هو الحي القيوم"   ؟! 
هل صححت رؤيتك بـ "آل عمران"  وهي تضع على عينك النظارة المناسبة التي تجعلك تبصر دونيّة  "الغرب" وهو يرفس ويعفس في دنيا الشهوات والملذات والأهواء بعيدا عن "الحق"..  وهو يؤلّه عيسى ويجعله الابن الإله للأب الإله،  ببركة الروح القدس الإله..  وأن الثلاثة والأبعاض هي الإله الواحد،  وأن الإله الواحد هو تلك الأبعاض؟!  هذا " الغرب" الذي تاه في الإله وتاه حتى لم يعد يؤمن بإله..!
هل وضعت على عينيك نظارة" آل عمران" المصححة للرؤية،  فأصبحت تشفق على مَن كنت تراهم "الأعلى"   ؟!  وأنهم بأموالهم وأولادهم وبكل ما بلغوه -إن ماتوا على ما هم عليه- وقود النار ؟! 
آل عمران..  منجم للاستيقان من أن الإيمان الحق في الأرض هو إيمان أهل الإسلام..  وعدسة كاشفة لحقائق العالم "المتحضر"  من حولك.. آل عمران مجداف السفينة في عَرض بحر الدنيا الهائج المائج،  مجدافها المقاوم لهيجانه ولتلاطم أمواجه ..  المثبّت لها رغم كل المزعزعات من هرج الشبهات ومرج الشهوات.. مجدافها  الذي يبلغها مرساها الآمن...  !
آل عمران عالم من الحق والحقيقة..  دخولك فيه لن يخرجك أنت الذي دخلت،  بل سيخرجك أنت الذي استيقنت فآمنت حقا...   !  فهلا دخلت..  ؟!
أسماء حازُرْلي
#آل_عمران
#القرآن_مجداف_سفينة_الحياة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #76 في: 2026-04-04, 15:45:52 »
في سورة الحج، جاء عن الإذن الإلهيّ الأول للمسلمين بالقتال، والذي كان في العام الثاني للهجرة؛ كما جاء فيها ذكر فريق المؤمنين وفريق الكافرين -في أكثر من موقع- على أنهم "الخصمان" الذين اختصموا في ربهم، فبيّن سبحانه حال كل فريق ومآل كل فريق ..
وجاء ذكر المهاجرين بشكل خاص، على اعتبار أنهم المعنيون بنزول الإذن بالقتال، ذلك أنهم هم الذين أذِن لهم أن يقاتِلوا وقد وصفهم سبحانه بأنهم الذين يُقتَلون : ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَٰتَلُونَ﴾ وبأنهم ظُلِموا : ﴿ بِأَنَّهُمۡ ظُلِمُواْۚ﴾ وأنهم الذين أخرِجوا من ديارهم ﴿ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ﴾ ..
كما جاء ذكرهم مرة أخرى في السورة، من بعد ما جاء ذكر مآل المؤمنين عامّة والكافرين يوم القيامة:
﴿ٱلۡمُلۡكُ يَوۡمَئِذٖ لِّلَّهِ يَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡۚ فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فِي جَنَّٰتِ ٱلنَّعِيمِ (56) وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا فَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ (57)﴾.
ذُكِر المهاجرون بعدها بصفة الهجرة تحديدا، وجاء عطف جزائهم يوم القيامة على جزاء المؤمنين، عطف خاص على عام، لمزيد بيان خصوصية مكانتهم عند الله تعالى، لكونهم السابقين الأوّلين :
 ﴿وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوٓاْ أَوۡ مَاتُواْ لَيَرۡزُقَنَّهُمُ ٱللَّهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَهُوَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ (58) لَيُدۡخِلَنَّهُم مُّدۡخَلٗا يَرۡضَوۡنَهُۥۚ وَإِنَّ ٱللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٞ (59) ﴾..
تتوالى بعدها ثلاث آيات، بافتتاح واحد، بصيغة شدّت انتباهي، هي  : "ذلك.... " .. تمثّل كلّها "مردّات"، إليها يُردّ ما سبق ذكره من مآل المؤمنين عامة، والمهاجرين بشكل خاص وهم المعنيون بأول قتال أذِن به في الإسلام، من بعد ما ظُلموا وشُرّدوا وأخرِجوا من ديارهم .. صيغة محمّلة بالسبب الذي يرجع إليه ما عرفنا من نهاية ومآل ..
فلنتأمل ورود ثلاثتها افتتاحا للآيات الثلاث على التوالي:
﴿ذَٰلِكَۖ وَمَنۡ عَاقَبَ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبَ بِهِۦ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيۡهِ لَيَنصُرَنَّهُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٞ (60) ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ (61) ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ (62)﴾
"ذلك ..." الأولى،  للكافرين المكذبين عذاب مهين، وللمؤمنين عامة وللمهاجرين خاصة مدخل يرضونه ونعيم، وقد كان قتالهم للكافرين من بعد الإذن الإلهيّ مقابلةً لظلم الكافرين لهم ولاعتدائهم عليهم، ثم بغي الكافرين عليهم من بعد انتصارهم منهم، موجبا لنصر الله لهم  ..
وإن هذا هو  قانون العدل الإلهيّ من باب نصره لعباده الذين ينصرون دينه ... فتأمل الآية التي بعدها، وتأمل افتتاحها هي الأخرى بــ : "ذلك..."
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ يُولِجُ ٱلَّيۡلَ فِي ٱلنَّهَارِ وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ وَأَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعُۢ بَصِيرٞ (61)﴾
أهل الإيمان الذين يُستضعَفون في الأرض، وهم الأقل عُدّة وقوة ومادة وسلاحا، ويبغي عليهم الأقوياء الظالمون من أعداء الله وأعداء الدين؛ ينصرهم الله تعالى وهم المؤمنون الصادقون الناصرون لدينه... هذا الذي يتحقق بإذنه وإرادته ومشيئته سبحانه، فيقلب موازين الأحوال لينصر المستضعَف على الأقوى، تأمل نظيره وشبيهه فيما أودعه سبحانه من نواميس في كونه..
في الليل والنهار وهما يتعاقبان، فيولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.. كما يُنقص من زمن النهار تارة ليأخذ الليل من وقته، ينقص من زمن الليل تارة أخرى ليأخذ النهار من وقته، فيصبح الأطول والأبقى   ... ! 
كانت دولة الكفر وظهر الكافرون على المؤمنين، واستقووا عليهم، ولكنّ الناموس الذي هو في الليل والنهار، هو أيضا في الكافرين والمؤمنين، إنه العدل الإلهيّ بإحقاق الحق وإظهار أهله، يقابله في الكون دفع الليل للنهار ودفع النهار لليل ... كذلك الحال بين أهل الحق وأهل الباطل، دولةً فدولة..  ولكن تأمل لقد انتهت الآية بـ : " وَيُولِجُ ٱلنَّهَارَ فِي ٱلَّيۡلِ " إيماء إلى الانتهاء إلى ظهور نهار الحق على ليل الباطل ..!
إن الله سبحانه يريد أن يرسّخ في اعتقادنا أنّهما قانون وقانون.. أنه كما هو في الكون قانون لا يتخلّف، كذلك هو في دنيا الناس قانون لن يتخلّف ... بل يتحقق، فلا يدوم حال على ما هو عليه .. وأنه كلما كان المؤمنون المقتفون لأثر السابقين الصادقين يكون النصر ويكون التمكين ..!
ثم تأمل الآية الأخيرة ... بالصيغة ذاتها ..
﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ هُوَ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ (62)﴾
تلك القوانين والسّنن التي لا تتخلف في دنيا الكون بمفرداته، كما في دنيا الناس بتقلّباتهم وتقلّب أحوالهم، كلها مردّها أنّ الله هو الحق سبحانه، والذي يحق الحقّ، وأن ما يدعون من دونه الباطل  !  أن الباطل لا كبير يعليه، ولا عليّ يكبّره، بينما الله وهو سبحانه "الحق" كفيل بالحق وبإظهاره ..هو العليّ الذي يكبره والكبير الذي يعليه.. !
إنها قوانين الحق سبحانه في إنفاذ أمره الحق بالعدل وبالحق، في خلقه كلّه، في كونه المسخَّر للإنسان، كما في الإنسان المسخَّر له الكون .. لا دخل لغير الله في نواميس الكون وما تكون عليه من حال، وما تصير إليه من حال، كما لا
 دخل ليد غيره سبحانه في قوانين الحق وإحقاقه والباطل وإزهاقه ..
كما يتعاقب الليل والنهار، يتعاقب الحق والباطل..  فتكون لهذا دولة ولذاك دولة(سنّة التدافع)،  ولكن النصر للمؤمنين قائم قيام إيلاج النهار في الليل !  في زمانه المحدد،  وبشروطه اللازمة!  قائم ما قام امتداد الآخِرين الصادقين للأولين الصادقين !  تماما كما أن "نهار" القرن الخامس عشر للهجرة هو  نهار القرن الأول للمهاجرين الأولين..!!
ولا عَجب أن تُقَرّ سنّة التدافع في هذه السورة تحديدا  :
﴿وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)﴾
كما أنه لا عجب أن يُقَرّ قانون دفاع الله عن الذين آمنوا في هذه السورة تحديدا :
﴿إنَّ ٱللَّهَ يُدَٰفِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٖ كَفُورٍ (38)﴾.
أسماء حازُرْلي
#سورة_الحج
#سنة_التدافع
#الليل_والنهار
#قضايا_قرآنية
#الحق_والباطل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #77 في: 2026-04-04, 16:44:13 »
ي قوله تعالى : ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (91)﴾ [المؤمنون].
سبحانه ما اتخذ من ولد، و "من" هنا استغراقية لبيان أنه ما من أدنى صورة من صور الوالديّة هي لله تعالى، ما اتخذ من ولد سبحانه، وليس له سبحانه ذلك، ليس من صفات كماله وعظمته أن يتخذ ولدا كما جعل ذلك فيمَن خلق، لضعفهم ونقصهم وحاجتهم لما يكمّل نقصهم ...  أما الخالق سبحانه، فلا يشبه خلقَه، وليس في صفاته نقص أو افتقار أو حاجة لأنيس أو معين أو ظهير أو ما يبقي الذكر، وهو سبحانه الحيّ الذي لا يموت، القويّ الذي لا يضعف .. الكامل الذي لا يعتريه نقص..
وما كان معه من إله .. سبحانه الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي يحتاج له كل أحد، ولا يحتاج لأحد ..  سبحانه الذي لا يشاركه في خلقه ولا في أمره ولا في فعله أحد، ما كان معه من إله، وهي "من" الاستغراقية، ليس معه سبحانه أدنى صورة من صور المشاركة في الألوهية، ما من إله معه، وحده الإله ...  ليأتي الدليل على وجوب وحدانيته سبحانه، وما ينفي تعدّد الآلهة والمشاركة في الألوهية في قوله تعالى :
"إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ..."
لو كان معه من إله، لذهب كل إله بما خلق، وهذا دليل الوحدانية في خلقه، في الكون، في كل ما حولنا، ونحن لا نعرف شكلا من أشكال ذهاب الإله والإله، كلٌّ بما خلق، لا نعرف ذلك في هذا الكون المتكلّم الصامت، الذي كلامه العظمة والدقّة والإبداع والتناسق والاتساق بين كل أجزائه، وصمته هو كلامه، صمته الدالّ على أنه للإله الواحد، المذعن كل جزء فيه للإله الواحد، فليس من تناحر بين آلهة متعددة، كل إله بينها يخلق وينفرد بما خلق، ويخلق غيره وينفرد بما خلق ويستقل عن الإله الآخر.. !
لو كان ذلك لعرفتَ في الكون فوضى وتناحرا وتمايزا بين الخالقين بما خلقوا، كلٌّ يستقلّ وكلّ يحكم ما خلق دون أن يحكم  خلق الآخر، وكلّ يعلو بما خلق على خلق الآخر ... !
فأين ذهاب كل إله بما خلق، وتفاخر كلّ إله بما خلق، وبتميّز خلقه عن خلق الإله الآخر وعلوّه على خلق الإله الآخر.. ؟ ! أين هذه الفوضى وهذا الصراع وهذا الانقسام في كونٍ صمتُه هو أعظم الكلام، وكلامه في صمته، أنه من الإله الواحد الذي ليس معه من إله، فلا يعلو عليه إله، ولا يستقلّ بخلقه عن خلقه إله .. كلّ ما في الكون يحمل ناموسَه وقانونَه ويعمل في صمت، بلا فوضى بلا ضجيج، بلا عراك، بلا صراع ... !   
لا تقوم الشمس لخالق لها، والقمر يقوم لخالق له آخر، فالشمس طوع أمر إله، والقمر طوع أمر إله غيره، فلا أمر لإله الشمس على القمر ولا أمر لإله القمر على الشمس، فلا يتكاملان، ولا يتناوبان، ولا يلتقيان كلٌّ بعمله يتمّم عمل الآخر، ويناوب عمل الآخر .. ولا تقوم النباتات لخالق لها، بينما تقوم الحيوانات لخالق لها آخر، فخالق النبات ذاهب بخلقه عن خالق الحيوان، وعال هو إله الحيوان على إله النبات، فلا يؤدّي هذا حاجة لذاك... لا تقوم حياة ولا تتكامل !
ما يريده إله من خلقه لا يريده إله غيره منه، وليس لإله أن يحكمَ ما من شأنه أن يتسق مع خلقه وهو خلق إله غيره !   والآلهة متفرقة وكلّ إله قد استقلّ بما خلق .. ! 
وإنه لمحال على الألوهية أن تحكم شيئا وتعجز عن حكم آخر، ومحال على الألوهية أن تملك من الكلّ جزءا ولا يكون لها أن تملك منه جزءا آخر.. النقص والعجز على الألوهية محال ! ومحال على الألوهية المدبّرة المهيمنة أن يتجاوزها أمر خلق فلا تجد لها عليه من سلطان يطوّعه لخلق غيره .. !
ولعلك تقفز بقولك، ليس شرطا أن تدرك تصارع الآلهة فيما بينها، ولا أن يبلغك تناحرهم، ولا اختلافهم ولا اتفاقهم، فذلك قد يكون مغيّبا عنكَ باتفاقهم ! فاعلم أنه محال على الألوهية التنزّل بالاتفاق، وهو الذي يكون مرة ولا يكون مرات، محال على الألوهية أن تتصف بالتنزّل والتعاقد والتصالح، وهي التي صفتها الهيمنة والكمال والكبرياء والقدرة الكاملة التامة على كل شيء.. !  ثم اعلم أنّ  الخلق دليل على الخالق، وأن حركة الخلق وحركة الكون وسريان الأمر فيه دليل على المدبّر، فما يخفى على الإنسان الاضطراب والفوضى والتداخل، وكلّها أثر ملازم لحركة أجزاء الكون تظهر فيه ولا تخفى .. !
فكما أنك تتبيّن الاتساق والانتظام والدقة، وتعقل ذلك وتتيقّنه، فكذلك لو كان من إله غير الإله الواحد يُشركه الخلق والأمر، لتبينتَ الفوضى والصراع والاختلاف، ولما عرفتَ للكون من صمت هو الإذعان المشترك بين أجزائه كلّها للخالق الواحد المدبّر الواحد، الآمر الواحد .. !
الكون من حولك صامت، يعمل في صمت، يُذعن ويطيع وينفّذ في صمت للإله الواحد الذي خلق كلّ جزء فيه، خلق البرّيّ والبحريّ والسماويّ، وتراه، وترى عملَه، ولكنك لا ترى صراعا بين المخلوقات يشي بتعدّد الخالقين وبتعدّد الآمرين،  ولا ترى علوّا لخلق في الكون على خلق، ونفور خلق من خلق من علوّ خالق على خالق بما خلق .. !
إنّ الكلّ مذعن مطيع لإله واحد آمر واحد مسيّر واحد، مدبّر واحد..
الكلّ مسخَّر لك أيها الإنسان بإرادة من خلقه لك كما خلقه، فجعلك السيّد عليها كلّها، تحيط بك كلّها صامتة متكلمة ! وصمتها هو عزّ كلامها، أنها المخلوقة من الرب الواحد لتكون لك أيها السيّد عليها، يا من كرّمك عليها لتكون المسخّرة لك، وأنك منه كما هي منه، وأنك له كما هي له، صمتها هو عزّ كلامها، أنها التي لا تعرف فوضى الشك أو فوضى البحث عن آلهة من دونه، أو فوضى إنكار الألوهية جملة وتفصيلا، كما تفعل أيها المكرّم عليها .. !
بصمتها تقول لك : آمِن، وحِّد، أيقِن في الواحد الذي لا شريك له، في الخالق الموجود الآمر المدبّر الذي خلقك ليبتليك ويمتحنك، ثم ليجزيك يوم لقاء لا ريب فيه !
صامتة هي، كصمت أعضائك التي بين جنباتك أيها الإنسان، كلّها مخلوقة فيك مهديّة   لعملها المحدّد دون أن يتداخل عملها مع عمل غيرها فيك، دون أن تفسد على عمل غيرها، مَهدية لعملها المحدّد بكل دقة، وكأنها تقول في صمت العاملين كما قال موسى -عليه السلام- لمن سأله من ربك ؟   : { قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50) } ..
وكلٌّ عند الله مهديّ لما خُلق، ميسَّر لما خُلق له، يُدفع مخلوق بمخلوق، ويكمّل مخلوق مخلوقا، وينفع مخلوق مخلوقا، ويحتاج مخلوق مخلوقا، بأمر الآمر الواحد الخالق الواحد، المحيط علما بما خلق، الحكيم في تدبير شأن كل ما خلق ..فما كان معه من إله، إذا لذهب كلّ إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولفسدت السماوات والأرض، ولعرفتَ فسادهما، أو قل.. لما عرفتَ على الأرض ولا تحت السماء قرارا ولا أمانا ولا حياة .. بل قل.. لما كنتَ أصلا لتعقل أو لتحيا وهما الفاسدتان ! بل قل.. لم تكن لتتعلم من صمت الكون أنه عزّ الكلام، أنه إعلان الوحدانية المطلقة لله تعالى .. ! بل قل.. إنه وجوب وحدانيته كوجوب وجوده سبحانه  !
أسماء حازُرْلي
#وحدانية_الله
#وجود_الله
#الله_الواحد
#سورة_المؤمنون
#قضايا_قرآنية
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #78 في: 2026-04-04, 16:45:57 »
في سورة النور العظيمة، أحببت  أن أطرق آية النور منها تحديدا(الله نور السماوات والأرض...)، ولكن كالعادة أجد غضاضة ونقصا في الذهاب إلى الآية رأسا  دون مرور  بالآيات التي تسبقها، ذلك أنّ القرآن وَشْيٌ خيْطُه واحد، منتظم متّسق ممتدّ بالأشكال كلها على ما يبدو من اختلافها، وذهابك إلى آية من السورة وكأنها المنقطعة عن غيرها، إنقاص من حقّ المعنى المنساب خلال الآيات، وتحييد للإطار العامّ الذي تنتظم فيه  ..
سورة النور تقف مندهشا إزاء فيوضات النور المشعّ من ثناياها إشعاعا في القلب وفي الضمير، وكأنما الآيات فيها شموس تنعكس أشعّتها على القلب فينبعث فيه النهار ليضيء،  فهي تلقي بالعلاج الرباني الناجع الفريد لعِللٍ تتفشى وأوبئة تجتاح عندما لا ينضبط الفرد والمجتمع  بضابط الوحي، ولا يتطهّر بمائه، ولا تتزكّى الأنفس بترقياته   .. وخاصّة منها العلل التي تتأتّى من التحلّل والتفسّخ الأخلاقيّ، والتنادي بالحريّة والانطلاق من كلّ عِقال ومن كل زِمام إنسانيّ يَميز إنسانا من حيوان، عللٌ تتأتّى من إطلاق العنان للغرائز في الإنسان لتغلب عليه فيخرج من رداء الإنسانية إلى مُسوح البهيمية وهو لا ينضبط بالوحي، ضابط الطُّهر والعفّة والاحتشام  ..
سورة النور التي أنزلها الله تعالى وفرضها فرضا لتحافظ على نورانية المجتمع المسلم، ولتحافظ على إشعاعه في الأرض مثالا للمجتمع الذي يحقّق الحضارة الإنسانية المُصلحة في الأرض .. فتبدأ بحدّ الزانية والزاني بيانا حاسما في الوقوف بالمرصاد لتعدّي الحدود الإنسانية ممثّلة في الأخلاق والفضيلة، حفاظا على طهارة المجتمع وعلى انتظام الأنساب في سلسلات بيّنة لا لُبْسَ للفرد مع وجودها في أصله وهو يضرب به أبا عن جدّ عن جدّ ! مجتمع لا يشقى فيه الأفراد وهم يُعْلون رأسا بجذور لهم يعرفونها ولا يجهلونها، يستمدّون منها الاعتزاز بوجود مؤصّل مؤسّس لا يقوم على هواء !
فكان فرض إقامة الحدّ على الزانية والزاني جلدا، علنا بشهادة طائفة من المؤمنين، ليكون الرّدع لكلّ مَن تحدّثه نفسه بالخروج عن الاستعفاف وعن الطريقة السليمة في طلب ما تميل له النفس البشرية ممثّلةً في الزواج، والمجتمع بذلك يُحمَّل مسؤولية الشهادة الجماعية على الفرد، لا ما يُتنادَى به اليوم من حريّات فرديّة يُراد لها أن تصير القانون المتَّبَع في إشباع الغرائز الإنسانية بطريقة تجعل من الدنيا غابة لحيوانات آدمية تفوق في شهوتها المسعورة شهوة الحيوان الذي لا ينضبط بضابط .. !
تلك الحريّة الفردية المزعومة القاتلة لروح المجتمع، ولروح الحفاظ على حركته الجماعية المتناسقة المتشاركة للضوابط والقوانين التي تحافظ على إنسانيّته وحضارته ورقيّه الإنساني .. !
{الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)  }
ويُزاد إلى الحدّ الرّدعيّ بالجلد فيمن وقع في الزنا، التصنيف المجتمعي  الذي يُخرج الزناة من دائرة الجماعة المؤمنة، بأن يُحرَّم على العفيفة أن ينكحها زانٍ، ويُحرّم على الزانية أن ينكحها عفيف، وأنّ هذا التحريم قضاء في المؤمنين، إيحاء بأنّ الزانية والزاني -غير التائبَيْن- مُخرَجان من دائرة المؤمنين حسما يُزاد على الحسم وعلاجا متمّما يُزاد على العلاج:
{ الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (3)}
ومن عظمة هذا المنهج الربانيّ القويم، أن ينتقل بعد هذا الحسم وهذا التشديد مباشرة إلى حدّ آخر، يُقام هو الآخر، ولكن هذه المرة فيمَن يستسهل الخوض في أعراض الناس فيقذف ويرمي المحصنات بما ليس فيهنّ، إيذانا بأن الحدّ الذي فرضه الله في الزُّناة لن يكون دافعا للترخّص في أعراض الناس والأخذ بكلام أيٍّ كان بلا بيّنة ولا شهداء..
{ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (4)}
إنّ هذا الحدّ في ذاته حدٌّ لإقامة الحدّ، أي أنه في حدّ ذاته رادع دون أن يكون حدّ الزنا بابا مفتوحا لكل قول ولكل نقل، هو في ذاته  كبح لجوامح الإنسان حتى لا يقع الإفراط والمبالغة والخروج عن النطاق والحدود المرسومة حتى باسم تطهير المجتمع وحراسته من التحلّل والتسيّب الأخلاقيّ .. فهو منهج منضبط يعلم مُنزِلُه سبحانه أتمّ العلم إمكانيّة تجاوز الإنسان للحدود المرسومة بالإفراط كما بالتفريط، فيضع الحدّ وهو يضبطه بالحدّ   !   :
ثم هو لا يغيّبهم عن ساحة الإيمان تغييبا تامّا، بل يفتح لهم باب التوبة وباب الانصلاح :
{ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5) }
وتأمــــــــــــــــــــل معـي ...
تأمل ونحن نُساق بهذا الخَيط الواحد المتين من حال إلى حال، ومن مقام إلى مقام، فنرقُب فيما نرقُب علم الله تعالى بخفايا  الأنفس، وبالأحوال التي يتقلب فيها الناس وهم يحتاجون ما يحجزهم عن الوقوع في المبالغة والشطط والذهاب بحكم بين الأحكام مَذْهب التعميم إلى الحدّ الذي يُفتَقَد فيه الفصل في حالة بين الحالات التي تطرأ مفتقِرة بدورها إلى الشروط المُلزِمة في ذلك الحدّ، ففرْض إقامة حدّ على القاذف للمحصنات بلا شهود يصبح عائقا أمام زوج يشهد بعينيه وقوع زوجه في شِراك الفاحشة ولا يستطيع أن يأتي على ذلك بالشهداء، وهو الشاهد الوحيد عليها وعلى مَن معها .. !
{وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (6) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (7) }
إنه الحكم الذي نزل في قصة هلال بن أمية -رضي الله عنه- الذي رأى بأمّ رأسه زوجَه واقعة في شِراك الفاحشة ! فهرع من فوره إلى رسول الله ﷺ، يخبره، ولم يكن الحكم قد نزل، وليس عند رسول الله ﷺ من حكم الله إلا حد الزاني الذي يشترط أربعة شهود، فألزمه ﷺ بالشهود بيّنة على ادّعائه أو ظهره والحدّ، حدّ القاذف ! 
ولكنّ هلالا وهو الصادق في ادّعائه كان واثقا من أنّ الله تعالى سيجعل له مخرجا، والله سبحانه قد جعل هلالا سببا في نزول هذا الحكم الذي سيُعتمَد  في كل حالة مشابهة عبر الأزمنة؛ فنزل الحكم متمّما للعدل وقاضيا وسادّا في واقعة حقيقية وفاحشة مبيّنة يُفتقر فيها للشهداء...
ثم تأمل معي من جديد ..  وقد عرفنا كيف كان حدّ القاذف حدّا في إقامة حدّ الزنا، هو ذا هذا الحكم الجديد (حكم اللِّعان) حدّ في ذاته في إقامة حدّ القذف .. !
ويالِهذا التشريع الإلهيّ العظيم الدقيق الذي ترقُب معه كيف تكمّل فيه القطعة القطعة، كيف يرتق الحكم فتقا قد يحدثه الإنسان بإفراطه أو بتفريطه وهو يعتمد حكما آخر، كيف يتحسّب لكل طارئ من الأحوال  كما يتحسّب لكلّ طارئ من التقلبات البشرية التي قد تتخذ الحكم الإلهيّ تعلّة  للَهواتها ونزواتها وتقوّلاتها ..
جاء حكم اللّعان حتى لا يقام حدّ القذف على زوج يقول في زوجه ما رأته عينُه ولا شهود غير شهادة عينه، وهو أبعد من أن يتجنّى عليها، وهي حرمته والطعن فيها طعن في عِرضه وفي سُمعته بين الناس ! 
ويْكأنّ الأحكام تنزل بالسبب بين الأسباب وفي قصة صحابي بين الصحابة ليوافق الحكم الواقع وأحواله المختلفة، ولنتبيّن كيف كان ذلك المجتمع المسلم الأول نموذجا للمجتمعات البشرية في كل زمان، عولجت فيه الآفات والعِلل الاجتماعية كما هي اليوم عِلل وفي كل زمان عِلل، تكثر من زمن إلى زمن، وتزداد وتنتشر تناسبا مع بعد المجتمع عن مَعين الوحْي وضابط الوَحي يضبط حركته وتفاعلاته .
تأمّل النور ينبعث مع كلّ حكم وأنت تراه شعاعا يُجلي ظلمة وعتمة كان لا بدّ لها من ذلك الشعاع ليُتمّ نور الحكم الأسبق، تأمّل النور والآيات تتحسّب التهوّر البشريّ  حتى في تطبيق حكم بين الأحكام فتفرط أو تفرّط، لتضبط بالضوابط اللازمة، لتشعّ بالأشعّة اللازمة لإتمام النور، ولا تترك الأمر مغمّى مظلما مبهما معتما تتناوله العقول البشرية بالتصعيد أو التخفيض فما تُحسن إنزاله منزله السليم .. !
وهكذا، كانت الشهادات الأربع من المدّعي على زوجته مكان الشهود الأربعة، والخامسة منه موجِبة، قوية شديدة ! هي الحاسمة في وازعه الداخليّ الذي لا يطّلع عليه إلا الله سبحانه، فإن كان صادقا في شهاداته الأولى نجا، وإن كان كاذبا باء بلعنة الله تعالى، هي وحدها رادعٌ ذاتيّ خفيّ عن الناس وعن القضاة، هو فيها المدّعي أمام قاضي القضاة سبحانه الذي لا يفلَت منه أحد، فسيّان في ذلك كذبه وصدقه، لأنّ الدار الآخرة هي ساحة القضاء العُليا التي تتقرّر فيها النجاة الحقيقية كما يتقرّر فيها الهلاك الحقيقي !
وإنه سبحانه، رغم فتحه باب الفصل في قضية الذي يعدَم الشهود على زوجه، لا يترك ذلك الباب على مصراعيه للزّوج، بل يعلّم مَن يقضي في دعواه أن يتحسّب منه الكذب كما يتحسّب منه الصّدق، فلا يبخس الزوجة حقّها ويجعلها محلّ شبهة لا محلّ جزم بثبوت التّهمة عليها، إذ ليس ادّعاء زوجها عليها بالحكم الفصل فيها؛ لتوضع هي بدورها أمام امتحان الوازع الداخلي الذاتيّ الذي لا يطّلع عليه إلا ربّها سبحانه، فلها أن تشهد هي الأخرى أربع شهادات أنّ زوجها كاذبٌ في ادعائه عليها، والخامسة عليها موجبة، تقضي بحلول غضب الله عليها إن كان زوجها من الصادقين ! وسيّان في ذلك كذبها وصدقها، وهي الصائرة -لا محالة- إلى دار القضاء العُليا التي ستبوء فيها بالحكم الفصل، فإما نجاة وإما هلاك !
إنّ منهج الله تعالى العدل، لَيُحقّقُ العدلَ في الحياة الدنيا، وهو سبحانه يعلّق المؤمن بالدار الآخرة دارا للقضاء النهائي التي يتقرّر فيها مآل الإنسان، فليست الدنيا في تصوّره هي المبتدأ وهي المنتهى كما هي في تصوّر غيره، عدل الله تعالى ممتدّ إلى ما بعد الدنيا، يقرّ أن الحكم الفصل والحكم الذي يُخاف هو حكم اليوم الآخر لا حُكمُ الفانية التي تفنى بفناء كلّ من عليها لتبقى المرحلة الأهم من مراحل الحياة، مرحلة تقرير الخلود، فإما خلود في جنان وإما خلود في نيران .. سلّمنا الله ..
إنّ ما يكون من الإنسان في امتحان الوازع الداخليّ هو قضاء الإنسان في نفسه قبل أن يقضي فيه ربُّه، إنه سبحانه ليَدَعُه فيه إلى التكريم على التكريم الذي حباه به،  كرّمه بالعقل فجعله مخلوقه العاقل، ثم كرّمه بالإيمان فجعله العاقل المؤمن ! هو سموّ في الضمير امتاز به الإنسان المؤمن عن غيره، سموّ يجعله الحَكَم على نفسه بنفسه، وهو يحكّم فيها الله الرقيب العليم الخبير، فلا يقول ولا يشهد بغير الحقيقة .. أوليس سبحانه القائل : {وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14)} [الإسراء] .
ويختم سبحانه هذه الحدود وهذه الأحكام الدقيقة بقوله :
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ حَكِيمٌ (10)}
لولا فضل الله على عباده ورحمته، وهو سبحانه التواب الذي كما يفتح بابا للحدود الرادعة التي تحدّ من انتشار الرذيلة والفاحشة والتحلّل من الأخلاق باسم الحريّات الفردية المزعومة داء هذا العصر العُضال في التنصّل من آصرة الإيمان بالإله الخالق الهادي المشرّع الحَكَم سبحانه في عباده، المنزل منهجَه عليهم حصنا منيعا دون الهُويّ في دركات الحيوانية وسفلات الحياة الغابِيّة المتوحشة المستأسدة المسعورة بسُعار الشهوة والغريزة؛ توّاب يفتح بابا للتوبة والأوبة، فلا يحرم مؤمنا مخطئا من فرصة العودة، وفرصة البقاء في صفّ الجماعة المؤمنة، التي هي نموذج المجتمع الإنساني الراقي على الأرض .. يفتح الباب للزاني أن يتوب، وللقاذف المتعرّض لأعراض الناس بالقالة بغير شهود أن يتوب .. يفتح لهم أن يفيئوا إلى حياض الإسلام والجماعة المسلمة !
حكيم سبحانه وهو يقضي بتلك الأقضية الحاسمة وتلك الحدود الرادعة الزاجرة التي تحول دون اشتعال سُعار الغريزة في المجتمع المسلم، كما هو الحال في المجتمعات الأخرى التي تدعو بكل قوتها المادية والسلطويّة للرذيلة بكل أشكالها، بين الجنس والجنس الآخر، أو بين الجنس الواحد، بل لقد بلغنا من جنون العصر صيحة "الجندر"  حريّة اختيار الإنسان جنسَه، فليست خلقته الحاكمة بل ما يختار عندما يكبر، فمن شاء أن يُسمّي نفسه الأنثى وهو الذكر سمّى، ومن شاءت أن تسمّي نفسها الذكر وهي الأنثى سمّت  !
وتبقي الآية الجواب على "لولا" مفتوحا، يومئ بشنيع ما هو لاحق بالمجتمعات المنحلّة، المجرّدة من ضابط الوحي وضابط العفة والاستعفاف . لولا فضل الله على عباده بهذه الأحكام المشدّدة ردعا  عن نشر الفساد الأخلاقي،  لذهبت ريح الإنسانية، ولما فرّق بين غابة الحيوان ودنيا الإنسان غيرُ أربع ما زال يمشي عليها مدّعي الإنسانية، وهو غارق في لُجّ الغريزة البهيمية يُشبعها كيفما كان وكيفما اتفق !
فبالله عليك ..! أما تحسّ فيوضات الأنوار وأنت تتتبّع الآيات ؟ أما ترى نور الطّهر يشعّ في ظلمة سُعار الغريزة الذي يملأ دنيا الإنسان اليوم، الإنسان الذي استعلى بعقله الذي كشف واخترع، فاستغنى عن ربّه الذي خلق وهدى، ومع كشفه عن أسرار المادة واختراعه للمادة وتطويعه لها، يُجوّع الروح فيه ويظمئها ويُخويها، وهو الذي يحرمها غذاءها وسقياها، يحرمها نور الله وهي من الله .. !
يتبع إن شاء الله...
أسماء حازُرْلي
#سورة_النور
#الحدود_في_القرآن
#الحدود_نور
#أحكام_القرآن
#نور_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #79 في: 2026-04-04, 16:46:32 »
🌅تابع تدبرات في سورة النور (الجزء الثاني).  🌅
رابط الجزء الأول في أول تعليق أدناه.
ا🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯🕯ا
وتُعقَب هذه الحدود الرادعة المطهّرة بحادثة الإفك التي كانت واحدة من أهم الأحداث التي هزّت المجتمع المسلم الأول في المدينة المنورة، مجتمع الصحابة الكرام،  مثالا حيّا على خطورة استسهال الخوض في الأعراض، وأنّ الناس لا يسلمون من ألسنة الناس، وأنّه لا يتحقّق رضى كلّ الناس عن أحدهم وإن كان قمّة في الطهر والورع والتقوى، ذلك أنّ الناس معادن والقلوب متفاوتة؛  وحادثة الإفك حياكة "مُنافقيّة" بامتياز ! فكانت عائشة -رضي الله عنها- الطاهرة المطهّرة زوجة أطهر خلق الله وأنقى نفس عرفتها الأرض منذ بزوغ فجر الإنسانية الأول عليها، موضوع ألسنة لا يؤدها أن ترمي بيت النبوّة الطاهر منبع النور والهدى بأبشع التُّهم.. تهمٌ في الشرف والعفّة !
وقد تولّى كِبْرَ الإفك رأس النّفاق عبد الله بن أُبَي بن سلول الذي أرجف بالطّعن في عرض عائشة -رضي الله عنها- في مسعى من سعيه الدؤوب وأتباعه من المنافقين لتشكيك المؤمنين في دينهم وفي صدق نبيّهم وفي طهر آل بيته الأطهار ..
والقصّة مفصّلة في حديث الإفك الذي جاء في الصّحاح، وخلاصته أنّ رسول الله ﷺ كان إذا خرج إلى غزاة أقرع بين نسائه للتي تخرج معه، فلما أن كانت غزوة بني المصطلق وقعت القرعة على عائشة؛ ولمّا آذن رسول الله ﷺ بالرحيل قافلا من الغزوة، تحسّست عائشة عِقدا لها كانت تضعه، فلم تجده، فنزلت من هودجها تتلمّسه، فحُبست عن القافلة، وقد احتمل المكلّفون بسَوق هودجها الهودَجَ وهم يحسبون أنها فيه،  وكما تقول -رضي الله عنها -: "كان النساء إذ ذاك خفافا لم يثقلهنّ اللحم" وعادت عائشة من حيث انطلقت فلم تجد أحدا، فمكثت وحيدة حيث هي حتى غلبتها عينها؛ وبينما هي كذلك إذ مرّ بها صفوان بن المعطّل وقد بقي خلف الجيش يتفقّد مخلّفاته، فعرفها، فاسترجع، فاستيقظت على صوته، وتقسم عائشة أنها ما سمعت منه كلمة بعد استرجاعه، وما كان منه إلا أن أناخ راحلته لتركبها ويكون سائقها حتى بلغ بها الجيش ظهيرة اليوم التالي..
عندها وجد رأس النفاق ابن سلول خيطا خبيثا يحيك به إفكَه على الطاهرة عائشة وعلى الصحابيّ الجليل الأمين صفوان بن المعطّل، إذ أرجف في الناس أن عائشة باتت معه ليلتها التي غابت فيها  ! وفي تفاصيل الحديث ما يغني ويبيّن أتمّ بيان الشدّة التي مرّت بها عائشة ورسول الله ﷺ وأبواها والمجتمع المسلم كلّه طيلة شهر كامل كانت فيه الطاهرة حديث الألسنة .. !
{إِنَّ الَّذِينَ جَاءُو بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (11) }
"عُصْبَةٌ مِنْكُمْ" ..  ولكنها ليست منكم؛ هكذا توحي الكلمات، وهي بدقة متناهية تجمع بين عدّهم من جماعة المؤمنين بما أظهروا من الإيمان وشهادة الإسلام، وبين حقيقة افتراقهم عن المؤمنين وهم يظهرون بخلاف ما يبطنون، ويكيدون للإسلام والمسلمين، وبين حين وحين يطفو على السطح  خُبث نواياهم في شكل دسّ ومؤامرات وتمالؤات ومَشْيٍ بالتشكيك والتثبيط، فكان القرآن يتكفّل بكشفها لرسول الله ﷺ وللمؤمنين معه، بل ويكشفها للمؤمنين في كل زمان، والمنافقون منبثّون في جسد الأمة في كل زمان، مثلهم كمثل الأورام الخبيثة التي تتخذ لها نسيجا متطفّلا مفسدا مخترقا لخلايا الجسد، يعمل على إفسادها وتعطيل عملها .. وصناعتهم هي من جنس صناعة منافقي المدينة في المجتمع المسلم الأول .. !
وإنّ كشفهم عبر الآيات وكشف خيوطهم المحبوكة في إفكهم العظيم على أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- نور يشعّ ليبصّر المؤمنين بموطن العلّة ومستقرّها، تبرئة للمطهَّرين من أقاويلهم :
"لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ "
أيّ خير تحمله هذه الكلمات، وأيّ أنس يرِفّ منها على القلوب المؤمنة الطاهرة !  وأيّ معيّة من الله لعباده المؤمنين، وهو ينوّرهم ويهديهم ويبيّن لهم، ويرسّخ فيهم اليقين برقابة الله وإحاطة علمه ودفاعه عن الذين آمنوا، وأنّ ما يظهر من شرّ إنما ينطوي على خير كثير، أقلُّه أنه سبحانه ليس بتاركهم لمَن يلبّس عليهم أمر دينهم دون أن يكشفهم لهم  : {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ} [آل عمران]. . 
وإنّ كشفهم للمؤمنين خير، وإن جاء في شكل محنة وامتحان عسيرَيْن أخذا من النبي ﷺ، ومن زوجه ومن المؤمنين كافة مأخذا عظيما، من راحة بالهم ومن طمأنينتهم ومن سكينتهم ومن ثقتهم بالركن الشديد الذي يأوون إليه في كل عُسرة وعند كلّ ضيق .. !
ومع الكشف، يرسم الله للمؤمنين عامة، -مؤمني ذلك الرعيل الأول ومؤمني كل زمان- معالم الطريق التي يسلكونها عندما يُطعَن في عرض واحد من المؤمنين، يُعرف بينهم بفضائله وشمائله ورفيع أخلاقه .. !  ولقد كانت عائشة أم المؤمنين الشجرة السامقة عفّة والجبل الأشمّ مقاما من رسول الله ﷺ صفيّ ربّه وحبيبه، والذي نفث فيه المنافقون الكاذبون القاذفون سُمومَهم، حتى لا يستبعد المؤمنون بعدها في كل زمان، أن يطال أعراض مَن دون مقامها وورعها وتقواها طعن أو اتّهام .. وحتى يتخذوا من هذه الآيات الراسمات لطريق التعاطي مع هذه المحن دستورا يُلزِمون به أنفسهم إلزامهم لها بالإيمان بالله وبرسوله وبكتابه الهادي.
وفي هذا المقام، لا حاجة لنا لأن نحلّل الآيات "الدستور" كلمة كلمة بقدر حاجتنا إلى إعادة قراءتها على ضوء مقامها الذي نزلت به على قلب المؤمن تربية وتعليما ومنهجا متّبعا في حال الإرجاف بما يُبتغى به زعزعة الصفّ المؤمن، بالطعن في أهل الشرف والعفّة والصيانة، في أهل الدين والالتزام عامّة .. فلنُعِد قراءتها :
{لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (12) لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (14) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (15) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16) يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآَيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (18) }
هذا ما ينبغي على المؤمنين فعله، هذا ما ينبغي أن تكون عليه حال المؤمن وهو يسمع عن أخيه ما لا يعرفه فيه، وهو يسمع من يطعن في عفّته ويقذفه بأبشع ما يُتَّهَم به العفيف الصيّن، والأخ هو النفس: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا } ...
ظُنَّ بأخيك خيرا كما تظنّ بنفسك، فأخوك نفسك، والكلام على عواهنه لا يُتَّخذ قاعدة ولا مصدرا، وإنما البيّنة هي قاعدة القاعدة في الإسلام، وهي التي تعطي العقل كرامته إذ تُشبعه وتقنعه بالدليل والبرهان، بالشهداء، وما لم يكن ذلك، فليس للحقيقة أن تتقلب بين أحوال، فإنما هو الكذب لا شيء غير الكذب : { لَوْلَا جَاءُو عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (13)}
الإسلام دين البرهان والدليل والبيّنة، دين الإقناع والإشباع، دين الحق والحقيقة، لا دين الكلمات الطائرة في الهواء بلا قرار وبلا أصل وبلا مصدر، وليس للمسلم أن يتداول الكلمات التي تُقال على أنها الحقيقة، ليس له أن يخوض فيما ليس له به علم، إلا أنه كلام من الكلام .. ! وهو على هذه الحال من الهوائية والتضخيم الكلامي بلَوْكه بين لسان ولسان، بعجنه وخبزه وتتبيله بين الألسنة، يصبح في شأن ويمسي في شأن أكبر، ليصبح من غده في شأن أكبر فأكبر، من لَوك الألسنة لا من الحقيقة .. !
الأجدر بالمؤمن أن يكذّب القالة في إخوانه لا أن يصدّقها ويشارك أهل التقوّل بها وتناقلها، الأجدر به أن يبادر إلى تكذيب ما يسمع وردّه وهو لا يجد على القول بيّنة، لا من تاريخٍ للمتقوَّل عليه يشهد بأنه الذي لا يتحرّج من إتيان الفاحشة، ولا من دليل يؤكّد ما قيل فيه، أولى بالمؤمن أن يحمي مع ذلك كلّه لسانَه مما خاض فيه الخائضون  :
{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (16)}
وإنّ في هذا الدستور الصائن للألسنة مع صيانتة للأعراض من أن يُخاض فيها، لَمنظومةً من التفاعل الاجتماعيّ الأمثل والأرقى إزاء قضية بالغة الحساسية في المجتمع المسلم، قضية الطعن في عِرض مؤمن، تبدأ بالردّ القلبيّ للكلام بعدّه الإفك المبين: { لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ}،  وتنتهي بإعلان الإعراض عن التكلّم بما يتكلّمون، مما يعدّونه هيّنا وهو عند الله عظيم :{وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } ! إنها معالم الطريق الذي يسلُكه المؤمن في هكذا شأن : "لا أصدّق  ولا أخوض" ...
وإنه للموعظة وإنه للتحذير الإلهيّ من العودة لمثل هذا الخوض في الأعراض، مقرونا بالإيمان أتمّ القرن :
{يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (17) } .. فمن كان مؤمنا ارعوى وائتمر بأمر الله، وخاف كل الخوف أن يخوض مع الخائضين أو أن يسارع في تصديق ما يُقال ويُتناقل ..
ومن بعد تربية المؤمنين على كيفية التعامل مع ما يُشاع في عرض مَن يُعرف عنهم التّقى وحسن الخلق، يبين الله الغاية الكبرى للذين يتولّون كِبر رمي أهل العفة والصلاح، وذلك منهم في كل زمان، فتأمل وأسقط :
{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آَمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (19) }
وإنه لفضل الله على الجماعة المؤمنة، أن بصّرها بعدوّها الداخليّ الذي ينخر سوسُه بكل سبيل ليهدِم بنيان الأخوة المتراصّ، وليزعزع الصفّ المسلم ! فكما كانت حكمته ببيان الحدود الرادعة وتمييز أهل الفاحشة عن الجماعة المؤمنة، كذلك هي ذي رحمته ببيان دافع المنافقين ومُرادهم الذي يخرجهم عن الجماعة المؤمنة، وكذلك فضله ورحمته في تزكية النفوس من الأخباث والأدران :
{وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ(20) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) }
وإنّ كلّ هذا الفضل منه سبحانه بالتطهير والتزكية والتصفية لنورٌ مشعّ على هذا المجتمع الذي يُراد له أن يكون صفوة المجتمعات ومثالها الإنسانيّ الحضاريّ الراقي المرقّي، المشعّ على الأرض نورا يُخرَج إليه من  ظلمات الشهوات وهَرَج النزوات..
كما تنزل في الصدّيق أبي الصدّيقة -رضي الله عنهما- آيات تزيد من رقيّه وهو الراقي، ترقّيه عن الغضب لشيء من دون الله تعالى، وهو الذي آلى ألا يعطي قريبه مسطح مما كان يعطيه وهو الذي كان من الخائضين في عرض ابنته الطاهرة :
{وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (22) }
ولقد كان الصحابة -رضي الله عنهم- إذا نزلت الآيات عملوا بها من فورهم وجعلوها نبراسا لطريقهم، فما كان من أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- إلا أن أجاب ربّه في : "وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ "  بقوله : "بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي "، وأعاد نفقته على مسطح ..
يتبع إن شاء الله...
أسماء حازُرْلي
#سورة_النور
#الخوض_في_الأعراض
#حادثة_الإفك
#دستور_صون_الأعراض
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب