المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7960 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #100 في: 2026-04-04, 19:10:33 »
الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ»-البقرة-
هي الآية التي تفصّل في أوصاف الفاسقين الذين جاء عنهم في الآية قبلها،  فهم الذين فسقوا،  أي خرجوا عن أصل مطبوع فيهم،  عن صبغة صُبغوا بها،  عن فطرة فُطِروا عليها،  خرجوا عن حال أصيلة قي نفس الإنسان،  خُلق عليها،  تِلكُم هي فطرة الإيمان،  فسق عنها كفسوق الرُّطَبَة عن قشرها،  أي خروجها عنه..!
هذه أوصاف هذا المتنكر لأصله،  للإيمان فيه جبلّةً وفطرة،  الكاتم لأنفاس الفطرة فيه؛ ناقض للموثّق،  قاطع لحبل الوصل والاتصال،  مفسد..   !
فأما العهد الذي ينقض،  فهو العهد الأصيل الأول بين العبد وربّه،  أنه هو ربّه وأنه له عبد، وأما الصلة التي يقطع فهي ما أمر  الله به من صلة ودوام اتصال يُجدد ذلك العهد ويزيده توثيقا،  إنها الصلاة رأسا،  قبل كل صلة! وأما إفساده في الأرض، فبنشر فسوقه والدعوة إليه.
 تنكَّر للأصل فيه،  والإيمان فيه أصل،  وأفسد في الأرض بكفره، والإيمان فيها هي الأخرى أصل..  أفسدها إذ دعاها للتنكر لأصلها كما تنكر للأصل في نفسه! لأن تكتم أنفاس الإيمان كما كتم أنفاس الفطرة فيه!
إنّ أصل حالك  أيها الإنسان إيمانٌ، فصلةٌ بخالقك لا تنقطع،  وأصل الأرض إيمان مُذ خلق البشر الأول نبيا داعيا إلى ربه،  وإن غير هذا الحال،  دَخَل ودَخَنٌ وتحوّل عن الأصل،  يجعلك كالقشة في مهب الريح،  كالفرع المقطوع عن شجرته فهو المتيبّس الأعجف،  المُحطّم،  كالقائم بهواء على هواء !  فلا أصل ولا امتداد،  لا مورِد ولا زاد ولا زوّاد..  !
وإنها لشجرةٌ طيّبة،  أصلها ثابت وفرعها في السماء! 
وإنك أيها الإنسان ما لم تتنكّر، فرعٌ من ذاك الممتد أصله في الأرض عبر زمان الزمان،  المُمَدّ بالغذاء والسُّقيا من مَدَد السماء حياةً لك على الأرض ! بالإيــــــــــــمان!
#سورة_البقرة
#الإيمان_أصل_والكفر_دَخَل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #101 في: 2026-04-04, 19:24:50 »
«هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَىٰ إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ ۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»-البقرة-

فلعلّ متبجّحا مدّعيا دعيّا يقول، قد خلق وترك!  أو أن يقول،  قد استوى إلى السماء وترك أمر الأرض!  فانظر إليه سبحانه وقد خلق للإنسان كل ما في الأرض،  ثم استوى إلى السماء،  يلوّح بقوله سبحانه:« وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ»  إلى أنه عليم بكل ما هو كائن،  وليس بغافل عن ظاهر ولا عن خفيّ،  عن دقيق ولا عن جليل،  عن حسن ولا عن سيئ!  عن أرض ولا عن سماء!

فلا تحسبنّ هذا الكتاب بموطن لثغرة بين الثغرات،  إنما هو موطن الكمال والتمام والجلال والجمال كلّه ! بل أكثر وأكثر مما لا يحصيه وصف ولا يحيط به قول!

#سورة_البقرة
#جمال_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #102 في: 2026-04-04, 19:25:46 »
﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآَخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5) ﴾-البقرة-

جاءت الأوصاف الثلاثة متتابعة، وهي مع تتابع اللفظ تتضمن اتساق المعنى وتساوقه ، فالذي يؤمن بالغيب، رأسه إيمانه بالله تعالى الذي هو غيب عنه لا تراه عينُه، فالصلاة بالتبعيّة تجسيد عمليّ لإيمانه بربّه الغائب عن ناظره، الحاضر في قلبه، هي تحقيق للاتصال بالربّ الغائب عن النظر، اتصالا لا ينقطع، يتجدد في اليوم مرات، ويُزاد على تأكيد دوامه في كل وقتِ المؤمن من ليله ونهاره  بإقامتها، وهي الخشوع والخضوع والحضور الواجب للقلب، مع ما في حقيقة إقامتها من دوام تأثيرها، بأن تكون الآمرة بالمعروف الناهية عن المنكر، وهي التي لا تقتصر حياتها على حركاتها المنتهية بالتسليم يُمنة ويُسرة، بل بقاء أثرها في حركة حياة المؤمن على امتداد ليله ونهاره، حارسا قائما على توافق سلوكه وأفعاله وأقواله مع تلك الإقامة التي أقام بها صلته بربّه، يستهديه ويستعينه في كل اتصال له به، فهي المُقامة من العبد، وهي بعدها القائمة عليه حارسة... !

ثم انظر مليّا، فإذا الإنفاق من رزق الله تحقيق لاتصال آخر ولصلة أخرى ينبثقان عن الاتصال والصلة الأولَيَيْن.

 تلكم هي صلة المؤمن بأخيه المؤمن، بل بأخيه الإنسان، لتحقيق التراحم والتلاحم بين الناس،  ولتحقيق العدل، ولتجريم استئساد فئة على فئة واستضعافها،  وهو ما يشهده عالَم تعالى على التعاليم الربانية واتخذها ظهريّا حتى قضى بالظلم والاعتداء سلاحا للأقوى يسلب به الضعيف حقّه في الحياة . 

وإن هذا التواصل وهذا التراحم الإنسانيّ لهو منطلق الإصلاح في الأرض، وهو نتيجة حتميّة لصلة الإنسان بخالقه، وكلتا الصلتين منبثقتان عن الإيمان بالغيب، بربّ يغيب عن الأنظار ولكن الإيمان بوجوده، وإحاطة علمه بكلّ صغيرة وكبيرة، وجليّة وخفيّة، ودقيقة وجليلة، يحقّق حضوره في قلب المؤمن، فلكأنه وهو يعبده بهذه الطريقة لم يعد الربّ الذي لا يُرى، بل أصبح يراه !

وإنك لتعرف بهذا كيف ينقلب الغيب شهودا وحضورا، وهو المترجَم في حركة الحياة استسلاما وانقيادا لأمر الربّ العظيم الغائب عن الأنظار ! وإنك من غير سابق استحضار لَتَصِل إلى قول رسول الله ﷺ : {...قالَ: ما الإحْسَانُ؟ قالَ: أنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأنَّكَ تَرَاهُ، فإنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فإنَّه يَرَاكَ}[صحيح البخاري].

#سورة_البقرة
#الإيمان
#صفات_المؤمن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #103 في: 2026-04-04, 19:26:35 »
{وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا(133) وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا(134) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا(135)}-النساء-

تِباعا يُقَرّر ملكه سبحانه لما في السماوات والأرض،  ولكنه التقرير الواحد في أحوال مختلفة متبدّلة.. 

تقرير أن لله ما في السماوات وما في الأرض أصلا وابتداء، ثم إنّكم  وإن تكفروا أنتم وكل من دُعوا من قبلكم إلى عبادته، فإن له ما في السماوات وما في الأرض، لا تغيير ولا تحويل..!

إنكم لن تنقصوا من ملكه شيئا،  وإن ملكه لما في السماوات والأرض ثابت، وأنتم بكَلّكم وكَلْكلكم جزء من ملكه،  وهو الغني عنكم،  لا يحتاج إيمانكم ليقوى،  ولا ليزداد ملكه،  ولا لحاجة تسدّوها له،  إنما هو الغني، آمنتم به أو كفرتم، سواء بسواء، إنما إيمانكم لكم زيادة ولكم فوز،  لا له سبحانه.!

وتأمل:«وَ كَانَ الله غَنيا حميدا»
سبحانه الغني الذي لا يحتاج أحدا،  ولكنّه الذي يحتاج له كل خلقه،  بكافرهم ومؤمنهم،  فهو الذي يُحمَد، وهو الذي يجب له الحمد، لأنه قاضي حوائجهم جميعا، من كفر منهم ومن آمن...!

فتدرُّجاً من تقرير ملكه لما في السماوات والأرض مجرّدا ملكُه عن قضية إيمان أو كفر،  إلى بقاء ملكه وإن كفر كل عباده،  وصولا إلى تقريره كما هو، وهو الذي يقدر سبحانه على إذهاب كل الناس واستبدالهم بآخرين،  وما ينقص ذلك من ملكه شيئا،  وإنهم الذين لا ينقصون من ملكه ولا من أمره ولا من إرادته شيئا..  ولا يكون إلا ما يريد !

ثلاث مرات متتابعات، تُقرَّر فيها هذه الحقيقة تباعا، في بيان لدوام ملكه واستقراره مع كل حال من أحوال خلقه،  من أحوالهم وهم ملكه، على أرضه وهي ملكه، وتحت سمائه وهي ملكه،  وهم مُذهَبون بقدرته،  وهم والأرض والسماء ملكه، ومُؤتًى بغيرهم وهم وإياهم والأرض والسماء ملكه!

 لا طَول لهم ولا حَول من غيره،  ولا ينقص ملكه بكفرهم،  ولا يُزادُ فيه من إيمانهم،  وهو سبحانه ذو الطَّول والحَول،  والقوة التي لا تحول والملك الذي لا يزول!

فسبحانك لا إله إلا أنت  ما قدرناك حق قدرك ! 

#سورة_النساء
#الملك
#ملك_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #104 في: 2026-04-04, 19:27:52 »
{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ(84)} -المائدة-

💎«مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ» و 💎«وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ»

حق ذُكِر في كتبهم،  فلم ينكروه بل عرفوه ! بل وأعلنوا إيمانهم به.

أعلنوا أنه قد جاءهم،  لأنه قد بُشِّر بمجيئه فيما عندهم،  فلما جاءهم أعلنوا معرفتهم له... أعلنوا إيمانهم،  ثم أكدوه بقولهم: «وما لنا لا نؤمن...»

و«فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ» وحدها تبين عظيم مقامهم، فهم شهود على أن الذي جاء حق قد عُرِّفوه من قبل مجيئه.

ولقد آمنوا مرتين،  وأذعنوا مرتين،  فلهم الأجران لا الأجر الواحد!

قال صلى الله عليه وسلم:«ثَلَاثَةٌ لهمْ أجْرَانِ: رَجُلٌ مِن أهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بنَبِيِّهِ وآمَنَ بمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، والعَبْدُ المَمْلُوكُ إذَا أدَّى حَقَّ اللَّهِ وحَقَّ مَوَالِيهِ، ورَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أمَةٌ فأدَّبَهَا فأحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وعَلَّمَهَا فأحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا فَلَهُ أجْرَانِ»-صحيح البخاري-

#سورة_المائدة
#الحق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #105 في: 2026-04-04, 21:02:18 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا أَن تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ ۗ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا ۗ قُلِ انتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ} [الأنعام : 158]

ماذا ينتظر الكافر؟  ماذا ينتظر المتشدق بالإلحاد،  الفار من الدين،  المنكر للإله الخالق؟!
ماذا ينتظر هذا الخصيم المبين لربّه،  وقد خلقه من نطفة،  من قطرة ماء من بعد أن لم يكن شيئا مذكورا؟!

ماذا ينتظر هذا الذي يخلط دينه ىالطاقة وبإيجابيتها وبسلبيتها وبطقوس الهراء الذي يسمونه "طاقة"  وهو يسير في درب تأليه الإنسان وإنكار الإله الخالق؟! 

ماذا ينتظر هذا الذي يسمي القرآن تراثا،  ويجعل من السنة لا شيء؟! 

ماذا ينتظر...؟!  والفرصة بين يديه؟  أينتظر أن تضيع من بين يديه،  ساعة ينقلب إلى ربه،  ساعة يصير بين يدي ربه؟!

أي غبـــــــاء؟! 

أيها المتشدق بالذكاء وبالعقل وبالحرية!!

أتنتظر يوم يأتي ربك...  سبحانه،  يوم تُدكّ الأرض ويجيئ ربك والملائكة صفا صفا ؟! 

بلا تشبيه ولا تخييل ولا وصف،  يأتي العليّ الرب الإله القدير العظيم ! يأتي الملك لحساب من ملك.

أتنتظر ذلك اليوم؟! 

إنه يوم ضياغ فرصتك!  إنه يوم انتهائها،  وانتهاء امتحانك،  إنه يوم تقرير مصيرك وتوفيتك جزاءك..!

أم أنك تنتظر بعض آيات ربك؟!   تنتظر ظهور بعض آيات النهاية..  !  تنتظر شروق الشمس من مغربها؟  تنتظر الدابة؟   تنتظر المسيح الدجال؟!   

يوم تأتي هذه الآيات..  أتدري؟! 

{... يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا... }.

لن ينفع نفسًا يومها أن تؤمن،  سيهرع الجميع ساعة تشرق من مغربها،  سيهرعون للإيمان ! سيؤمنون،  سيعلنون إيمانهم!

عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال:«لا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِن مَغْرِبِها، فإذا رَآها النَّاسُ آمَنَ مَن عليها، فَذاكَ حِينَ: {لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ} [الأنعام: 158].»-صحيح البخاري-

إن الناس إذا رأوا طلوعها من مغربها آمنوا جميعا! 

فأي إيمان هو ذاك؟!  إنه كلا إيمان،  كلا شيء!   إنه لن ينفعها.. ما لم تكن آمنت من قبل،  ما لم تكسب في إيمانها خيرا مما يحققه ذلك الإيمان عملا وحركة في الأرض ساعة الفرصة، ما لم يكن ذلك فإنه لا شيء!

لن ينفعك أيها المنتظر أن تؤمن ساعتها ! 

ويكأنّ العذابات التي لحقت بالأمم الكافرة،  وأهلكتهم كانت شكلا من أشكال ذهاب الفرصة، كانت شكلا من أشكال القيامة، كانت القيامة مصغّرة، كانت آيات ربك مصغرة. 

كان المشركون يسألون نزول الملائكة مع الرسول،  والله علمهم أن نزولها للرسل كان نزول ذهاب الفرصة،  كان نزول إنذار بحلول العذاب :{وَقَالُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ ۖ وَلَوْ أَنزَلْنَا مَلَكًا لَّقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنظَرُونَ (8)  }-الأنعام-

ولذلك لم تنزل عذابات الاستئصال بمدعوّي محمد ﷺ!

لأنهم  ومَن بعدهم، كانت عذابات الأمم التي سبقتهم مثالا لهم على ما هو قادم،  على القيامة الحقة وعلاماتها،  على بعض آيات ربك..  ! 

لأنها الرسالة الخاتمة التي تهيئك للقيامة،  وتهيئك لآياتها..  ! وليست التي تجعلك في الدنيا بين يدي مثالها المصغّر !  بل تجعلك وأنت في الدنيا بين يدي حقيقتها الكبرى،  تعيش وتحيا وشعارك العمل لها،  والإيمان بها وبمجيئها، وتحقيق العمل بهذا الإيمان من قبل ذهاب أوانه وفرصته !

فاللهم ثباتا حتى نلقاك.

#سورة_الأنعام
#علامات_ربك
#فرصة_الإيمان
#ذهاب_الفرصة
« آخر تحرير: 2026-04-04, 21:09:19 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #106 في: 2026-04-04, 21:05:41 »
الشيطان يسأل الله تعالى النظِرة:«أنظرني»، يعلم أن بقاءه حيا بيد الله وحده،  وأن الله وحده الباقي وكل من عداه فان،ثم يوسوس لآدم بضد ما علمه واستيقنه! يوهمه أنه ما نُهِي عنها إلا لأنها شجرة الخلد !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #107 في: 2026-04-04, 21:06:46 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
في مستهلّ  سورة الأعراف، انظر إلى ذكر حال البشر مع ربهم:
{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف : 10].

إنك وأنت تقرأ هذا الواقع الذي يقرّه الله تعالى، في شأن تفاعل عباده معه وهو المنعم عليهم، بينما –بالمقابل- مع غرقهم في بحر نِعَمه هم الجاحدون لتفضّله عليهم، فقليلا ما يشكرون!

إنك تجد بعدها الآيات تترى، وكأنها التي تقول لك: تعالَ ! أقبلْ أخبرك عن أصل هذا الحال، وهذا الواقع على أرض الله من خلق الله تجاه الله! أصغِ لتعرف أصل الحال، وأصل القصة.

إنها تُردَف بقوله تعالى :

 {وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }

إنها قصة معصية إبليس لأمر الله تعالى بالسجود لآدم، مع بيان سبَبَيْهَا اللذَين جاءا على لسانه –عليه لعائن الله- :

{وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12)}

فإنه منـــــــــــــــه :

1- الإباء ممثّلا في: "إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ".
2- الاستكبار ممثلا في : " قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ "

ولقد أجمل الله السّبَبَين في مقام آخر من القرآن في قوله تعالى :
{إِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ //أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ// وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)}-البقرة-

وهو الذي -عليه لعائن الله- قد أقرّ هذه الخيريّة المزعومة، رغم أن الحقيقة غيرُ ما زعم لنفسه، إذ جعل النار خيرا من الطين ! الاستكبار هو وَهْمُ الأفضلية والخيريّة والعلويّة، وذاك هو سُمّ إبليس الذي نفثه وينفثه في أوليائه من بني آدم !

وإنه تقرير الله الخالق العليّ القدير، صاحب الجلال والعظمة والكبرياء، صاحب ذاك الرداء الذي لا ينازَع فيه، والذي توهّمه إبليس لنفسه وهو يستكبر ! تقريره سبحانه أن الجنة لم تُجعل للمستكبرين، ولم يخلقها سبحانه لهم، فكان إبليس أول المبعَدين عنها، وليُبعَد عنها من بعده كلّ من تمثّل ريح إبليس السّموم، ريح الاستكبار والاستعلاء؛ قال ﷺ: " لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَن كانَ في قَلْبِهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ. " –صحيح مسلم-

بل إن كل مستكبر على الأرض باء بالصغار الذي باء به إبليس، منبع الاستكبار ونافثه في خلق الله:{ قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) }

وها هو اللعين  وقد طرده العليّ العظيم، يسأله النَّظِرة، وهو يدري ويعلم يقينا أنه الذي خلقه، وأنه الذي يملك كلّ أمره، وألا أمر له من غير إرادة الله تعالى ومشيئته :

{قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14)}

إنه يسأله أن يبقيه، ألا يميته ! إنه يعلم علم اليقين أنه سبحانه المحيي المميت، وأنه الفعال لما يريد، وأنه وحده الذي يبقى، وكلّ من عداه إلى فناء ! إنه يعلم علم اليقين ألا خلود لأحد غير الله !

وإنه سبحانه يُنظِره، بإرادته وحكمته وإحاطة علمه، وبما جعل الحياة الدنيا ابتلاء للبشر، أيؤمنون ويطيعون أمر ربّهم ويؤوبون ويتوبون، أم يتّبعون غواية الشيطان، فيضلون عن ربهم ويتوهون :

{ قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) }

هكذا بكلمات قليلة، هو ذا أمر الله، هي ذي إرادته في خلقه.

وهو ذا اللعين وهو يُعطَى ما يعلم أنه لا يعطيه لنفسه، البقاء ما بقيت الدنيا، يعلن عزمَه، ويقرّ مُرادَه، إنه عزمُه على إغواء ذاك الذي توهّم أنه خير منه:

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) }

 إنه اللعين الذي يعلم أنّ الله الذي أنظره هو  "العزيز"،  أي  الذي لا يُغلَب، ولا يُفاتُ، وإنه في مقام آخر يُقسِم بعزّة الله، أي بقدرته وإرادته التي لا تُغلَب على إغوائه لخلقه :

{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ }[ص : 82]

يوقن أنه سبحانه الذي بيده إحياء وإماتة، وأن الخلود والبقاء له وحده، وأنه الذي لا يُقهَر ولا يُغلَب، فكلّ الفساد والإفساد الذي في الأرض، لن يغلب أمر الله، ولن يخرج عن إرادته وحكمته؛ كلّه يعلمه إبليس، بل ويوقنه، ويُوهِم عباد الله بما لا يوقنه هو في الله ! لن يغلبَه سبحانه أحد، ولن يكون إلا ما يريد، ويضلّ عنه من عباده مَن صدّق أوهام إبليس وأكاذيبه ! إبليس الذي علّمنا الله أنه لا يَدَ له في شيء، وأنّه الذي يوقِن أن الله لا يُغلَب ! وإنه لو لم ينظره لما كان منه شيء ! ولكن الله هو الذي أراد وأقرّ أن يُنظَر ابتلاء وامتحانا.
ثم انظر إلى إبليس ومنهجه، حتى لا تستغرب منهج وسوسته في كل زمان ، ولكل إنسان:

{قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ}

لقد نسب غوايته وضلاله وفساد فعله إلى الله تعالى ! واذكر إن شئتَ ذاك الذي ينسب ضلاله إلى الله، وأنه جبر من جبر الله، كُتِب عليه فما له منه من مفرّ ولا من محيص !

اذكر ذاك الذي يرفع عقيرته بأنه الذي لم يهدِه الله، ولو هداه لما كان ذاك الضال الفاسد الغويّ ! وأنه الذي يبقى على حاله، ولا يغيّر من نفسه شيئا، ويزعم أنه الذي ينتظر هداية الله، وكأنها التي تأتيه آمن أو كفر، عصى أو أطاع، ضلّ أو اهتدى ! يساوي ليلا بنهار وحركة بسكون، وعملا بقعود، وحقا بباطل، يساوي مسلما بمجرم ! : {أَفَنَجْعَلُ المُسْلِمِينَ كالمُجْرِمِين مَالَكُم كَيْفَ تَحْكُمُون}-القلم-

لا تسغربنّ ! فإنّ كلام هذا الدَعِيّ الذي يجعل من نفسه والجماد سواء، ويلقي باللائمة على القدر، هو من نفث سيّده ومضلّه ومُغويه، الذي كان أول من غوى وضلّ وأفسد، ثم نسب ما عليه من حال إلى الله، إلى الجبر من الله !

وها قد عرفتَه في الآيات، يأبى السجود، يعصي أمر ربّه، ومن بعد إبائه يستكبر، ويتوهّم الخيريّة والأفضليّة لنفسه، ثم لا يستنكف أن يخاطب ربّه بهذه الكلمات، وينسب إليه الإغواء والإضلال، وكأنه الذي سمع وأطاع وانصاع وتواضع لربّه العليّ العظيم ! وما وجد بعد الطاعة منه والانصياع إلا الإغواء والإضلال !

ثم تأمل مبلغنا من الآيات، مبلغنا من قصة معصية أول العُصاة، وجذر المعصية الأول، وهو يقول : {..وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}

ثم تذكّر أول ما وصف الله تعالى من حال عباده على الأرض، في مستهلّ السورة:

{وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ ۗ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ} [الأعراف : 10].

لتعود من رحلتك مع ما عرفنا من آيات مفصِّلات مبيِّنات، وقد عرفتَ أصل هذا الحال، وجذره الأول، إبليس جذر المعصية الأول، وجذر التكبر، وجذر قلب الشرّ خيرا، والخير شرّا، وأصل نَسب الضلال إلى الجبر من الله لا إلى الاختيار والإرادة في الإنسان ! وجذر العيش في النعمة مع نكران المنعم... !

كلّه من إبليس... إنه فعله في عباد الله، وإنه نفثه، وسُمّه، وريحه السَّموم ..ولقد باء باللعنة والصّغار والطرد من رحمة الله، ولقد أقرّ الله سبحانه مصيره مع مصير كلّ من يتبع ضلاله:

{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}.

تُتبع القصة مع جزء لاحق بإذن الله.

أسماء حازُرْلي
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #108 في: 2026-04-04, 21:08:38 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

كنا قد عرفنا الجزء الأول من أصل هذه القصة المتجذرة في أعماق الوجود الإنساني، أصل قصة :"قليلاً مَا تَشْكُرُون"، وهنا رابط الجزء الأول منها :

https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/4693017924157037
وقد بلغنا من آيات القصة قوله تعالى:

{قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18)}

وتتوالى الآيات بعدها، في شأن مضادّ مخالف لحال إبليس ومآله، حال مغايرة كل المغايرة؛ إنه التكريم لآدم على التكريم، إنه من بعد الأمر بالسجود له، هو الأمر له بأن يسكن الجنة، إنه الإخزاء لإبليس الطريد الملعون المُبعَد من رحمة الله، وهو يُقهَر ويُغاظ بالتكريم لآدم يُزاد على التكريم الذي كرهه له ! فأبى السجود له، وعصى ربّه فيه..

هذا الذي أُسكِنُه الجنة يا مَن طُرِدتَ منها !

إنها عظمة الله وكبرياؤه، وهو العزيز الذي لا يُغلَب، القهّار الذي لا يُقهَر، الفعّال لما يريد، لا يخشى توعّد عدوّ، ولا قوة قويّ، ولا عزم عازم، وهو سبحانه الذي إذ أراد وشاء أنظره، ولو لم يشأ لم يكن !

{وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)}

فما كان من إبليس المنظَر إلا أن بدأ عمله أول ما بدأه مع آدم، مع أبي البشرية، مع أبينا الأول :

{فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)}

لقد وسوس، ولقد بدأ نهجه الذي عرّفَنَاهُ الله تعالى، في حواره معه، إذ عصى أمر ربّه وهو يأبى السجود لآدم، واستكبر، وزعم -غرورا وكذبا وتوهّما- الخيرية لنفسه، ثم وهو المستيقن من افتقاره لكل حول ولكل قوة، سأل الله النظِرة، وما أن أعطِيَها حتى أعلن حربه لله ولأمره في عباده، وعداوته لآدم ولكلّ بنيه، ولا يكبر عليه أن ينسب إلى فعل الله فيه ما كان منه من غواية وضلال !

وإنه سبحانه كما علّمنا عنه كل هذا، علّمه أبانا آدم من قبلنا، لئلا يغترّ بكذبه عليه، وبتلبّسه بلبوس النّصح وهو الغويّ اللعين، العدوّ المبين.

لقد لُعِن من ربّه فور إبائه السجود، ولقد أقبل على آدم بعدها، يزيّن له، ويكذب، ويغرّ، ويزعم أنه الناصح الأمين، يلقي إليه بما يعلم هو ويستيقن أنه الكذب، يوهمه أنه المنهيّ عن شجرة الخلد، هذا الذي ما وسوس إلا من بعد أن سأل المُحيي المميت، الحيّ الذي لا يموت وكل مَن عداه ميت سبحانه، سأله أن يُنظره .

إنها أصل القصة، إنها بدايتها في بني آدم، إنها أصل : "قليلاً مَا تَشْكُرُونَ". إنها تلك الشجرة الواحدة الَمنهيّ عنها بين لفيف شجر الجنّة؛ هي المحرّم القليل الذي هو ساحة عمل الشيطان في كل زمان ومع كل إنسان، بالتزيين والتغرير والكذب !

{ فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)}

لقد دلّى آدم وحواء بالغرور، بالكذب والزعم، ولقد أقسم لهما بالله أنه لهما ناصح، فكان قسمُه بالله  سرّ اغترارهما بكلامه، دلّهما كمن يُدلي الدّلو في بئر، كذلك فعل بآدم وحواء، وإنّ المُدلي ببئر مُنزِلٌ دلوه من طبقة أعلى إلى طبقة أدنى، عساه يرتدّ إليه بماء، ولكنّ الشيطان هو المُدلي بالغرور حيث لا ماء، حيث لا نفع ولا خير !  وأيّ خير يُطلب من مكانة دون مكانة الجنة، وهي مبلغ العلوّ والسموّ، ومبلغ كل خير، هي الرغد لهما حيث شاءا !

إنه كما طلب لنفسه بغروره الكبرياء والعلوّ حتى باء بالصّغار، كذلك بآدم قد فعل وهو يغرّه بالخلد وملك لا يبلى ! وكذلك بكُلّ بَنِيه يفعل، يريد لهم الصغار الذي باء به !

فما أن ذاقا الشجرة حتى بدا لهما ما كان مستورا عن أعينهما، بدا لهما ما أصله الستر والتغطية، الأصل في سَوْءة الإنسان الستر، الأصل في فطرته العفّة والتستّر !

وإنه التكريم له على التكريم، أن جعله الله مستور السَّوءة، أن ألهمه سترها، وغرزه في فطرته، فكان دور اللباس الأوّل الستر (وهو الذي يعني التلبّس بالشيء واللصوق به)، كان من أصل ما خُلِق عليه الإنسان ومن أولى سِماته، وألصق صفاته.

إنه سبحانه، أوّل ما خلقه، خلق له سِترَه؛ وها نحن أولاء بين يَدَي الآيات نتعلم كيف كان خلق الإنسان "متلبّسا" بالستر، "متلبّسا" باللباس يواري سوءته ، قام خلقه على فطرة التستّر؛ فما هو من عُرْي ودعوات للجهر بالتعرّي باسم الحرية وباسم الطبيعة الحاكمة، وباسم الافتخار بها وعدم الخجل منها مجرّدةً عن كل ستر، على أنها الأصل في الإنسان، إنّما هو الدَّخَل والدَّخَن والمفترى على الإنسان وفطرته، وما هو من نشر وانتشار لظاهرة كشف السّوءات والعورات، والانعتاق من العفّة ووقارها إيغالا في أدغال الرّذيلة وأوحالها، على أنها الحاجة الطبيعية والحرية، إنما هو من أهداف الشيطان، ومن مراد وسوساته للإنسان ! 

إنه إغراء به، وإدلاء، إنزال له عن سموٍّ به خُلِق، إضلال له عن جادّة الفطرة، وعن تكريمه بالسّتر تكريما يليق بالعقل الذي وُهِبَه وبه قد كُرِّم واختُصّ دون سائر مخلوقات الله، بخلاف الحيوان الذي لا تثريب عليه وهو لا يستتر !
آه .. ! إنهم يصفون الإنسان بــ"الحيوان العاقل" !! وإننا أهل البصائر المُنزَلة علينا من خالقنا ربّ البصائر، نتّبع خطواتهم، ونردّد كلماتهم، فهم أهل العلوم وسبر أغوار الإنسان والكون، وما سمّوه كذلك إلا عن علم !

نعم يا صاح.. !  إنهم أهل علم، ولكنهم أهل جهل بكُنْهِ الإنسان وحقيقة أصله وبدايته، وبالغاية من إيجاده، أهل جهل بالتصوّر الحقّ للوجود ولدور الإنسان فيه، ولتميّزه مُذْ خُلِق بفطرة تعرف ربّها، وبحاجة فطريّة فيه أن يكون مخلوقا متديّنا، لا تنقطع صلته بالربّ الذي أوجده بعد أن لم يكن شيئا مذكورا، اتّصال المخلوق بخالقه، اتصال العبد بربّه..

إنهم أهل جهل بأنه المخلوق بعقلٍ يتناسب والحاجة الأساسية للعيش بأخلاق، وهي في أعماقه مادّة أصيلة، تحتاج تربية ربانية لتبرز ولتنمو !

لقد بدا لهما ما ووري عنهما من سوءاتهما، وإنّ لحظة المعصية هي لحظة نسيان أمر الله، لحظة التعرّي من لباس الطاعة، وبذلك قد تزامنت وانكشاف السَّوءة الجسديّة؛ وإنها لَهي هي لحظة انكشاف السَّوءة النفسية !

إنها الفطرة التي تتزامن فيها نقاوة الظاهر مع نقاوة الباطن، يتزامن فيها طهر الباطن مع طهر الظاهر.

وإن لك أن تُسقِط هذا المعنى الأصيل، الضارب في عمق الوجود الإنساني، على أوامر هذا الدين العظيم، دين الفطرة السويّة، وهو إذ يزكّي الأنفس ويطهّرها من سوءاتها بالطاعة والتقوى، يجعل من اللباس في الإسلام مادّة للتستّر، لا مادّة للتعرّي، لأنه حال الفطرة المتأصلة، وأصل الوجود الإنسانيّ الأوّل ، بخلاف دعاوى التحرّر الشيطانيّة، التي تسعى حثيثا لاصطناع فجوة ما أنزل الله بها من سلطان، بين متلازِمَين متزامِنَيْن أصيلَيْن، هما ""الاعتقاد"" و""المظهر""؛ فيزعمون أن الأصل الوجوديّ إنما هو الموروث، فيدعون بتحرّر المرأة من "موروث السّتر" إلى الحريّة المطلقة في اختيارها ما تشتهي من ألبسة، ، هي الاسم على غير مسمّى، هي للتعرّي لا للتستّر، للتحرّر من سموّ ستر السّوءة، إلى دَرَكة كشفها والتفاخر بكشفها باسم "الحرية" و "التحرّر" و"التحرير" و "الطبيعة" و "الأصل في الإنسان" ! هي عندهم عنوان إعلاء شأنها وإعطائها حقّها، بينما هي حقيقة امتهانها والإطاحة بإنسانيتها وأنوثتها وكرامتها !

أسماء حازُرْلي

يُتبَع بجزء تالٍ بإذن الله تعالى .

#سورة_الأعراف
#قصة_آدم_والشيطان
#أصل_القصة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #109 في: 2026-04-04, 21:11:07 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في قول الله تعالى في سورة الأعراف:

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}

يُقال أنها نزلت في رجل بعينه، وفي آخر بعينه، كما يُقال أنها نزلت فيمن يؤتى العلم بالدين ولكنه لا يعمل به؛ ولكنني أرى أن هناك ما هو أعمق، أراه في  التناسق مع ما سبق من آيات، والاتساق معها في المعنى المُراد، وهو ما أشدّد في كل مرة على ضرورة النظر فيه، لما يتسم به القرآن العظيم من ترابط وتناسق بين آياته، بل وبين السُّوَر، التالي منها مع السابق ..

فانظر -يرحمك الله- إلى ما جاء قبلها، وهو تلخيص وإجمال لما جاء في السورة من تفاصيل عن حال بني إسرائيل مع موسى عليه السلام:

{وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (171)}

 ثم ما ناسب كل المناسبة، العودة إلى أصل العهد، يقابله أصل النقض والنكث، إلى عهد الذرّ الأول بين الله تعالى وكلّ عباده، وما أُنذِرَه البشر بما رُكِزَ في فِطَرِهم من أن يرتدّوا على أدبارهم متحججين بالغفلة أو بالآباء الضالين من قبلهم :

{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)}

وعلى هذا، تأمل الارتباط الكبير بين هذا، وبين قوله تعالى، أنه يفصّل الآيات، بما يسوق من حال المنسلخ من آيات الله :

{ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}

إنني لأراه –بالنظر في السياق- كلّ إنسان دُعي إلى الله عبرَ رسله، وعبرَ كتبه، وهداياته، فانسلخ منها، والانسلاخ هو  خروج الحيوان من جلده، وهو الذي يوافق كل الموافقة حال الفطرة المركوزة في كلّ إنسان، فهو بإعراضه، وتكذيبه بآيات الله، تلك الآيات التي جاءت تخاطب الفطرة وتلامسها وتحرّكها، ينكر ما تعرفه فطرته، فهو يخرج عنها كمن يخرج من جلده، ينسلخ انسلاخا، وهو إذ يخرج منها يخرج عن أصله؛ ثم هذا الشيطان من بعد فعله هو في نفسه يتبعه، يجده سهلا عليه، وهو الذي يخرج من أصل أصيل فيه، من فطرة الإيمان ومعرفة ربّه، فيسارع إليه ليجده أرضه الخصبة لنباته النَّكِد .. !  للكفر .

ثم تأمل بعدها قوله سبحانه:

{وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ...}

لو شاء الله لجعله بها رفيعا ساميا، ولكنّه هو باختياره، (وقد عرفنا من بداية السورة قضية الاختيار في الإنسان من قصة آدم )، باختياره قد أخلد إلى الأرض، رامها غايةً ومنتهى واتبع هواه .. ! وإنما اختيار السوء فيه هو الهوى !
ويزيد سبحانه فيمثله بالكلب، بحيوان، حيث لا عقل ! :

{فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ...}

حاله لهث في لهث، لا ينفع فيه هداية ولا دعوة ولا تذكير ولا إنذار، سواء عليه دعوتَه أم تركتَه، فهو اللاهث خلف السراب، الشقيّ الشاقي في الدنيا خلف اللامعنى، خلف هلاكه، خلف مُرْداه !!

ثم أنْهِ النظر "السياقيّ" وأنت تقرأ قوله تعالى :

{ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177)}

وعلى هذا، يتجلّى أنهم القوم الذين كذّبوا بآيات الله، كل من كذّب بآياته سبحانه، وأعرض عن هداه في كل زمان ... -كما أسلفت- أنه مثل ينطبق على كل إنسان يُعرِض عن هدى الله، ولا يخصّ إنسانا بعينه نزلت فيه، ولا مَن كان ذا علم ثم لم يعمل به . إذ سُبِق بعهد الذرّ تذكيرا بأصالة العهد، وبأصالة النكث من فعل الاختيار السوء في الإنسان، وهو المنسلخ من أصله وفطرته، ومسارعة الشيطان إليه وقد أعمَل في نفسه هواه، ليتمّ الإبعاد الكليّ ...

 
وهكذا ترى عمل السياق، في تبيّن الحُلّة والوَشْيِ كاملا متكاملا، وهو الخيط يطرّز إلى الخيط ... ! وهذه خصوصية القرآن وروعة ترابطه .

أسماء حازُرْلي

#سورة_الأعراف
#الفطرة
#الكفر_انسلاخ_من_الفطرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #110 في: 2026-04-04, 21:13:09 »
عن الخير والشر،  أعيد نشرها...
ا«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«»«» ا

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} -الأعراف-

هذا شيء مما لقّنه الله تعالى لنبيّه في سياق ما لقّنه أن يردّ به عن أمور وتصاريف هي لله وحده، حتى يبيّن للناس كيف أنها ليست لأحد سواه سبحانه، وإن كان هذا "الأحد" رسول الله وصفيّه من عباده !

إنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، الأمر بيد الله تعالى، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يجري على العبد إلا ما يريد سبحانه وما يكتبه له وما يقدّر.

تأملوا كيف يُلقَّن صلى الله عليه وسلم أن يزيد فيقول :

"... وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"

هذه هي التي استوقفتني مرارا كلما قرأتها !

"لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء "

ربما للوهلة الأولى وأنت تقرأها ستفهم أنّ الأمر لو كان بيد العبد، ولو كان يعلم الغيب، لما كتب لنفسه إلا خيرا، ولأبعد عن نفسه كل سوء !

ويكأنّ العبدَ هنا لو علم الغيب لجعل حياته أفضل مما هي عليه وهي من أمر الله ومن تدبيره !

أليس يلقي إليك هذا الاستكثار من الخير والإبعاد الكليّ للسوء أن العبد سيصطفي كل خير ويبعد كل شر، فيكون تدبيره وأمره الأحسن والأوفق والأنسب ؟!

تأمــــــــــــــــل جيدا ! 

إن هذا الذي تفهمه للوهلة الأولى، هذا الذي يومض في عقلك، أنّ تدبير النبيّ لنفسه خير من تدبير ربّه له، وهو الذي سيستكثر من الخيرات والمسرّات ويبعد كل المصائب والرزايا والبلايا !

إن هذا الذي تراه خيرا  لهو الأسوء، وهو الذي لا يناسب ولا يوائم الخلقة التي خلق الإنسان عليها، والهدف الذي خلق له، والوظيفة التي خلق لأجلها، وهو ما لا  يكون فيه خير له قطّ !

أجل... ألا يُصيب الإنسانَ إلا خير، وأن يُمحى الشر وأن تُدفَع كلّ المصائب والبلايا من الأقدار لهو العبث بعينه، وهو الذي لم يقدّره الله لتمام حكمته وإحاطة علمه وطلاقة قدرته؛ فما قدّره وكان من ابتلاءات ومن مصائب هو حقيقة الخير للإنسان وحقيقة نفعه، وما يناسب دوره بحق في دنيا هي إلى فناء ! وما يناسب مآلَه وما ينتظره في أخرى لا تفنى ولا تنتهي.

ما معنى خلقه أصلا إن لم يكن ليُبتلى ؟؟

ما معنى خلق الموت والحياة إن لم يُخلقا للابتلاء ؟؟

ما معنى الدنيا وما معنى إيجادها أصلا إن لم تكن دارا للابتلاء بالخير كما بالشر ؟؟

ما معنى أن تكون  الدار الآخرة دار الجزاء إن لم تكن الدنيا للامتحان والابتلاء ؟
الابتلاء بالخير كما بالشر : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}-الأنبياء-

تأمل .. ثم تأمل...

 إن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه الذي لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وحده، ولما مسه شيء من السوء، إنما هو الإقرار بالنقص البشريّ، بالقصور البشريّ،  بأنّ هذا من أكبر الدلالات على أنه ليس إلا لله أن يقدّر، وأن يعلم الغيب، وأن يكتب لعبده الخير كما يكتب الشر، أن يكتب الخير كما يكتب السوء، وفي كلٍّ للمؤمن خير، وهو عند الخير شاكر، وعند الشر صابر ! بل تتفاوت درجات الصبر والشكر من مؤمن إلى مؤمن، كما تتفاوت درجات الجزاء !

وهو على شكره وعلى صبره مجازى من ربّه خيرا ونعيما !

إنّ إيماض الكمال من عبارة : "لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"

هو الفهم المجتزأ لمعنى مجتزأ،  هو الفهم المبتور للمعنى المبتور.

إنّ العبارة على ما يظهر منها من خير، إنما هي دليل النقص والقصور، ودليل عدم اختصاص العبد بهذا الشأن، ولو أنه تُرِك له لكان هذا الاستكثار من الخير، والذي هو شر، ولكان هذا الإبعاد الكليّ للسوء، حتى إنك لترى: "وما مسني السوء"...  تلقي "ما مسني" بالإبعاد الكلي، مجرد المسّ بالسوء لا يكون، وهو شرّ تُظهره العبارة -لمن يفهم بعيدا عن تشرّب الغاية من الحياة ومن الوجود ومن الدنيا -  خيرا ...

بينما هو الإقرار من رسول الله العبد أنه الذي ليس له، ولا يليق أن يكون له، ولا لبشريته التي ترى بعين القصور أن الاستكثار من الخير وحده خير، والإبعاد الكليّ للسوء خير .

بينما التصور الإسلامي، التصور القرآني للوجود في هذه الدنيا، أنها للابتلاء بالخير وبالشر، للجزاء في الآخرة على الصبر على السوء، وعلى الشكر على الخير .

وإنه صلى الله عليه وسلم وهو خير من خلق وأحبهم إليه سبحانه، جرى عليه الخير كما جرى عليه السوء،  وعلى كل الأنبياء والرسل،  بل لقد كانوا أكثر عباد الله ابتلاء! 

لقد كُذّب،  ولقد رُمي بالجنون وبالسحر وبالكهانة،  ولقد ضُرب،  ولقد جرح،  ولقد هُزِم كما نصر...  ولقد لاقى ما لاقى في سبيل الدعوة وهو من هو!

وتأمل –يرحمك الله ويرحمني-  تتمة الآية :

"إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"

إنك لتلمس فيها الضعف البشري من بعد ما كان من قوله صلى الله عليه وسلم عن نفسه لوكان له من علم بالغيب : "إن أنا إلا" ...

ليس لي التدبير والقضاء والعلم بالغيب، ليس لي أن أكتب لنفسي شيئا، ولو كان لي لأخطأت وأنا أراني المصيب، لأخطأت وأنا أستكثر من الخير وأبعد السوء، وأنا أرى الخير التام والنفع الجزيل في مظهر الخير، وأرى الشرّ المحض في مظهر السوء الذي يصيبني !

بينما التصور القرآني يعلمنا : " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) " -البقرة-

تكره القتال أيها الإنسان، ويبدو لك شرا، ولكنّ خيرا كثيرا فيه، أنت لا تعلمه ! تماما كما هو الحال مع كثير جدا من مظاهر الخير ومظاهر الشر، التي تخبئ كل منها حقيقة هي عكس ما تظهر به !

لذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرّ أنّ ذلك الأمر عظيم عظيم، التقدير والقضاء والكتابة، والتدبير والإصابة بالخير والإصابة بالسوء، وعلم الغيب، أمر عظيم لا يكون إلا لله ! الذي يعلم ونحن لا نعلم ! الذي وهو سبحانه يعلم الغيب، هو الذي قد كتبه، وهو الذي يقدّره على عباده وليس المظهر هو مناط الحكم !

ولذلك يقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  : { إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.

ينذرهم مغبّة المعصية والحياد عن هدى الله، ويبشر المتقين المطيعين بالخير العظيم المخبّإ لهم في الآخرة على صبر وعلى شكر. على تفاعلهم مع شرّ يصيب، ومع خير يصيب .

فسبحان الله ! أي عظمة هي في معنى لا يعطيه الفهم الظاهري للآية، بل يعطيه الفهم المدعم بالتصور القرآني للوجود ولإيجاد الإنسان، وللغاية منه .

وعلى هذا لا يليق أن يؤخَذ بفهم مَن لا يتشرّب التصور الإيماني والقرآني للوجود، ولمحدودية العبد، ولمحدودية حكمته وعلمه، مقابل طلاقة القدرة الإلهية والحكمة الإلهية والتدبير الإلهيّ الذي شاء أن تكون دار للابتلاء، ودار للجزاء، فكان، والذي شاء أن يكون للعبد حدود، وللربّ طلاقة فكان !

#طلاقة_القدرة
#علم_الغيب
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #111 في: 2026-04-04, 21:14:21 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
كنا قد عرفنا عن  أصل القصة من سورة الأعراف،  عبرَ جزءَيْن سابقَيْن :

الجزء الأول: 
https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/4693017924157037
الجزء الثاني :

https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/4705722412886588

وقد كان آخر ما عرفنا الخصف كأصل وجوديّ في فطرة الإنسان، والكشف كأصل مُدَّعى مفترى على فطرته، واليوم نكمل :

"""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""""

لا تذهب بعيدا .. ! فما كلّ ذلك إلا أصل من أصول تِلكُم القصّة، قصّة "التنكّرالإبليسيّ" للتكريم الإلهي لآدم، ولبَنيه، تكريمه بالفطرة، بالعقل المتلبّس بستر سَوْءاته النفسيّة والجسديّة ! قصّة إبليس مزوّر الحقائق، وقالب الخير شرا والشرّ خيرا، المُضلّ عن طريق الفطرة، قالب عناوين الإنسانية والعقل في الإنسان، من فضيلة ورقيّ ووقار واحتشام، كَبْتا ينكر الطبيعة والأصل !

وارقب آدم وحوّاء، ارقب أصلك الأول أيها الإنسان ! ارقب الحقيقة والحقّ لا أوهام إبليس وتلبيسه وأكاذيبه وتغريره..

إنّ آدم وحواء، من نقاء الفطرة فيهما، بما أودِعا من حبّ للتستّر واستحياء من التعرّي، بما أُلْهِما من وجوب التستّر وكُره التعرّي، قد : {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ }

سارعا بفطرتهما التي تحرّكت فيهما أول انكشاف سوءاتهما، إلى ورق الجنة ، يخصفان عليهما منه، يستران سوءاتهما بالورقة تُلزَقُ على الورقة، كمن يرأب صدعا، أو يرتق فتقا، أو يلأَمُ ثَلْماً !

إي وربي، إنّ للكلمات القرآنية لوقعا يبلغ أعماق المعاني وأبعادها لا سطحها وحده  .. !

إنّ شرخاً قد حدث بفطرته ! إنّ خدشا قد ألمّ بأصالة الحياء فيه، إنّ صدعا قد لحِق بجدار نفسه ! إنّ مخلوقيّته للذي خلقه على الاستحياء من انكشاف السَّوءة، على طهارة وسموّ ووقار في الجوهر توازيها طهارة وسموّ ووقار في المظهر؛ كلّه قد هزّ آدم وحواء هزّا عنيفا، حتى طفقا يخصفان، يلأمان، يرأبان، يلملمان شتات ما تفرّق من أنفسهما  لحظة المعصية  !

ولَعَمْري إني لأتمثّل حالهما ! حالَ أبوَيْنا وهما يهرعان لإغاثة فطرتهما، أستشعره إنذارا من فطرتهما يهزّ كيانَهما، إنذارا من شرّ قد حلّ، لم يكن من قبل، إنذارا من دخيل بغيض نفذ إلى أعماقهما فأفسد عليهما راحة وسكينة كانتا تلفّانهما..

لقد كان انفعالها صرخة الفطرة من إنفاذ إبليس لوسوسته فيهما،  كان دقّاً لناقوس خطر قد دَهَم ! يُنبي بالتعدّي على حدودها، مقدّمةً لتعرّفهما على خطر الخطيئة ! مقدّمة للتحسّس من الذنب؛  مجسّات الذنب قد انطلقت من الفطرة تعمل، تعرّف آدم وحواء بأنه قد كان منهما الاختيار الخطأ  !
🌿والعلامة كانت:  " بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا ".🌿والإسعاف الأوليّ السريع كان : "وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ".

و"ورق الجنّة" ...إنه لوَرق الجنّة ! أفما أبصرتَ  ؟ !

أليس هو ورق ذاك اللّفيف الذي لم يُمنَع منه آدم ؟؟ أليس ورق الشجر المباح ؟ الحلال الطيب ؟

بلى ..إنه ورق الحلال يستر انكشاف سوءة النفس بورق الحرام ! وإنها الفطرة مرّة أخرى تهرع لمائها وهوائها ودوائها، تهرع للحلال تُذهِب به فعل الحرام فيها !

لَعَمْرٍي !  إنّ هذا التفاعل من آدم وحواء لَمقدّمةٌ للتوبة والأوبة إلى ربّهما، لقد أودِعا في فطرتهما تبيُّن دخان النفث الشيطاني، فهرعا يستسقيان ماء يطفئه، وهي ذي خزينة الفطرة فيهما تسعفهما بالهرع للاستتار .. !
إنهما بين نازِعَين، بين نازع الذنب والخطيئة، ونازع الرّتق والخصف، نازع الإصلاح والاستدراك !

حتى هو ذا نداء ربّهما سبحانه، يُسمَعَانه :

{وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)}

إنه يضع آدم وحواء في الإطار الواضح لما حلّ بهما، إنه سبحانه يُجلي لهما سبب انكشاف سوءاتهما، وسبب الهزّة التي حلّت بأنفسهما، يعلّمهما أنّهما المسؤولان عن اختيارهما، وأنهما كانا بين خيارين، إما أن يذكرا نهيَ ربّهما، ويستمسكا بأمره، وإما أن يتركا نفسيهما نهباً للعدوّ الذي أنذرهما ربّهما عداوته، ولقد أزلّهما فزلّا، ولكنها التربية الرّبانيّة والتعليم الربّانيّ، أنهما المسؤولان، لا أنهما الضحيّة !

إنه هدى الله ونوره سبحانه، وهو الذي لم يخلق ويترك، بل قد خلق وهدى، خلق وأمر ونهى، وأودع في الفطرة نورَ تبيُّنِ الخيط الأبيض من الخير من الخيط الأسود من الشرّ، وعرّف الإنسان بعدوّه اللّدود المترصّد لخطواته !

لقد تعلّم آدم أنه صاحب الإرادة والاختيار، أنه المكلّف؛ ولقد تعلّم كيف يتوب ويؤوب، تعلم كيف يمحو خطيئته، ويطفئ في نفسه نارها، علّمه ربّه وقد أودع في فطرته كُرهاً لها ونُفُورا منها، أتمّ له وصف العلاج من بعد ما هرعت فطرته  للإسعاف الأوليّ بالخصف من ورق الجنة .. !

أتمّ له التكريم وهو يعلّمه التوبة، يعلّمه تصحيح خطئه، ومحو خطيئته:
 {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}
إنها هي هي تلك الكلمات التي تلقّاها آدم من ربّه، تعلّمها منه ليتوب عليه، فتاب عليه :{ فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}-البقرة-

وما أهبطه ربُّه إلى الأرض إلا وهو المتزوّد بالعُدّة اللازمة لخلافته، بسلاحه ضدّ عدوّه، في حرب قائمة فيها ما دامت الدنيا.

وبهذا نكون قد تعرّفنا في عَرَض هذه القصة الأصليّة والأصيلة في الوجود الإنسانيّ على أبطال تحدّي الابتلاء والخلافة في الأرض :

💎 الفطرة المغروزة في النفس تحبّ النور وتكرهُ الظلمة، تحبّ الستر والوقار بالطاعة وتكره التعرّي والصّغار بالمعصية.

💎 الإرادة الحرة والاختيار في الإنسان . وأنه صاحب المسؤولية عن اختياره توافقا ووظيفته على الأرض (الخلافة).

💎 عُدّة الطاعة مع عُدّة التوبة في حرب الإنسان مع الشيطان.

💎 الإنسان سيد المخلوقات، الكائن العاقل الأخلاقي، المفطور على معرفة ربّه، وعلى تمييزه بين خير وشرّ.

وهذا أمر الله في آدم، وفي بَنيه من بعده :

{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)}

آدم، عبده الذي كرّمه، فوهبه العقل الذي به تعلّم، وأسجد له ملائكته، وأسكنه جنّته فيما طرد عدوّه منها، ووهبه الاختيار مَناطا لتكليفه بالخلافة في الأرض، وزوّده بالعُدة اللازمة للقيام بها، من طاعة وتقوى وعداوة للشيطان، وتوبة وأوبة..

آدم الذي أهبِط وقد تعلّم أنه المختار، وتعلم حجم مسؤوليته عن اختياره، وهو يتبين نور الطاعة من ظلمة المعصية، ويستسقي ماء التوبة والأوبة من نار الذنب والزلّة والخطيئة .. يخطئ ويزلّ ولكنّه يستدرك ويصحّح ويكمل ارتقاءه معارج النور، ولا ييأس من الارتقاء وهو الذي يخطئ ! ولا يركن للضعف فيه وبيده أن يرتقي كلّما آب وتاب ..كلما أقام على عداوته للشيطان، في أرض هي المستقرّ إلى حين، ليُبرِز جدارته وأهليته بدار الخُلد مآلا ومقرا ومقاما ..فقط عندما يوقن بالفناء في الدنيا سيحظى بالخلود !

أسماء حازُرْلي

#سورة_الأعراف
#أصل_قليلا_ما_تشكرون
#بين_ورق_الجنة_وورق_الشجرة
#التكليف
#الخلافة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #112 في: 2026-04-04, 21:16:29 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

دائما مع روعة سورة الأعراف، وقد عرفنا من بداياتها أصل قصة "قليلا ما تشكرون"، حتى بلغنا وسوسة إبليس لآدم وحواء، وانكشاف سوآتهما، وعرفنا عن التستّر والتعرّي،  والكشف والخصف، وكيف يُدَّعَى التعري والكشف اليوم من أولياء إبليس أصلا في الإنسان، بينما يعلمنا القرآن أنه العمل الشيطاني فيه، وقد كانت مسارعته إثر الوسوسة للخصف يبحث به عن لملمة لشتات نفسه وهو يلملم شتات جسمه !

ونَعرض اليوم للتالي من الآيات العظيمة في هذه القصة الوجودية الأصيلة:

{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)}

أهبِط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض، أهبِط آدم إلى قدره من المكان والزمان، فأما قَدَرُه من المكان، فكَونَ الأرض في أمر الله  ساحة خلافة آدم مُذْ خَلَقَه  ربُّه : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ ...} [البقرة: من الآية 30]؛ وأما قَدَرُه في الزمان، فهو إهباطه من بعد وسوسة إبليس، وأكل آدم من الشجرة التي نُهِي عنها، أو بتحديد أدقّ عقِب توبته، .. إنه الزمن الذي تعلّم فيه آدم مسؤوليته عن اختياره، كما تعلم عاقبة الاختيار السوء، وتعلّم من بعدها خطر تلوّث الفطرة، ومنها تعلّم التوبة يُخبِئ بها جمر الخطيئة ويُخمِد نارَها.

تعلّم آدم أنه على موعد مع حرب بينه وبين الشيطان، هي الدائمة ما دامت الدنيا، وأنّها المستقر إلى حين هو في علم الله ولكنّه الآتي لا ريب؛ ومما تعلّم أبونا، قد تعلّمنا معشر بنيه .

وبعد النموذج ممثَّلا في قصة آدم مع الشيطان، وبعد العلم الأساسيّ الذي يحصّله الإنسان من هذه القصّة الوجوديّة التي تتكرر في الدنيا بعدد البشر، وبعدد خطيئات كل إنسان.. يلتفت الخطاب الإلهي إلى معشر بني آدم، في مرحلةٍ هي مرحلةُ واقعيّة النُّسخ المكررة من تلك القصة النموذج:

{ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) }

 هكذا بنَسْبنا إلى أبينا الذي عرّفنا القرآن قصّته، حتى نستحضر العلاقة التي لا تنقطع بين ما جرى على آدم وبين ما يجري على بَنيه، حتى نستشعر امتداد العداوة، واستمرار الحرب الشيطانيّة المعلَنة إلى يوم يُبعَثون، وحتى يتعزّز فهمنا للقضية بأنها المستمرّة منذ خلق أبينا إلى آخر زمان الدنيا، فنعرف مقدار العداوة ومقدار الحقد الشيطانيّ على آدم وعلى كل سلالته، واذكُرْ في هذا  توعّده –عليه لعائن الله- :{ قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(83)} [ص].

تُنادَى أيها الإنسان من ربّ العزّة بأبيك آدم، حتى تُذَكَّر، ليُستَنفَر فيك شعور مركوز فطريّ، أنّ ما يضرّ أباك يضرّك، فتُستنهض فيك همّة الثأر لأبيك !

{ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) }

مُنزَل هو اللباس على بني آدم من ربّ العزّة، أوَتعقل هذا ؟ !

إنه اللفظ الدقيق الذي يحمل الدلالات هو الآخر؛ لقد أُنزِل آدمُ الأرضَ بلباس، ولم يُنزًل عاريا، آدم الذي كان الستر سِمة له ولزوجه، حتى أُلْهِما المسارعة للتستّر من بعد انكشاف سوءاتهما بالمعصية، أنزِل آدم الأرضَ واللباس سِمة فطريّة من سِماته، وعُدّة من عُدّته، فكان معنى إنزال اللباس من المصدر الأعلى، متلبّسا بالخِلقة والفطرة..

أنزِل اللباس تدليلا على أن التستّر هو الكرامة للإنسان على الكرامة، والفضيلة التي اختُصّ بها، هو القيمة العُليا التي كُرِّم بها فأنزِلت عليه؛ "أنزِل" تحمل ضمنيّا أصله النباتيّ والحيوانيّ على الأرض، والذي ما كان ليكون لولا الماء المُنزَل من السماء ليُحييها فتُنبت، ويُحيي الحيوان ليُنتج ما به ينتفع الإنسان .

"قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ" ..

فاحذروا، إنكم المزوَّدون بالفطرة والخلقة السليمة، إنكم المزوَّدون بالكرامة على الكرامة، يواري سوءاتكم، لتستتروا .. وهذا هو الأساس، أن تعلم يقينا يا ابن آدم، أن سوءتك خُلِقت لتُستَر لا لتُكشَف !

"وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ"..

وعلى التكريم زيادة تكريم، ريشا، لباسا للزينة؛ أما التقوى فتُسبَق بلفظ "لباس" زيادة في بيان خصوصيتها، وخصوصية نوعها، وهي للنفس، لتواري سوءتها، كما يواري اللباس الماديّ سوءة الجسم ! وإن هذا اللباس النفسيّ هو خير الألبسة ... ! هو الانصياع لأمر الخالق في مخلوقه، والانتهاء عن نهيه، هو الاختيار السليم الذي يكون عليه الإنسان ساعة يؤمن، ساعة يفهم الغاية من وجوده !

ويقرّر الله الخيريّة للباس التقوى، لأنه سبحانه يعلم في النفس البشرية ميلا لما تهوى، ميلا للريش، للزينة، ويعلم سبحانه في إبليس تزيينا لذلك الريش بكل أشكاله وتدريجات ألوانه، تزيينا لكل طرق تحصيله والفوز به، وإساغةً لكل طريق نهى الله أن يُنالُ بها، المهم أن يُنال وأن يُفاز به، إنه الريش، إنها الزينة !  ولكنّ تقرير الله تعالى بخيرية لباس التقوى، يلقي في رَوع المؤمن الذكرى والتحذّر والاحتراس من تلبيس إبليس ! يلقي في رَوْعه تحرّي الحلال والابتعاد عن الحرام .

وإن هذا التقرير الإلهي بخيرية لباس التقوى، مع ما ذُكِر من لباس الزينة، هو من شاكلة قوله تعالى : {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)}-آل عمران-

إنهما اللباسان، وإنهما المتلازمان، وإن مصدرهما لواحد، إنه من الرب الخالق المربي، لباس يواري سوءة الجسم، ومن الرب المربي لباس يواري سوءة النفس؛ فأما الذي يواري سوءة الجسم فهو ذاك الذي كان على آدم وحواء وهما في الجنة، وما أن عصى آدم حتى وقع عنهما، فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة ليسترا ما انكشف من سوءاتهما؛ وأما الذي يواري سوءة النفس فهو التقوى،  طاعة أمر الله الخالق،  وإن منها ذاك التصحيح بالتوبة،  ما فعل آدم وحواء وهما يجدان تلك الزعزعة والهزة في نفسيهما،  فهرعا يخصفان من ورق الحلال على أثر الحرام!

{يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}

النداء الثاني المتلبّس بالآدمية، مذكّرا بكل ما مضى من أصل أصيل في هذه الحياة الدنيا، أصل القصة، أصل إيجادك ..

إنك يا ابن آدم في هذه الحياة الدنيا، في ساحة ابتلاء واختيار بين أحد أمرَين، إما الستر وإما الكشف، إما الطاعة للخالق الباري، واتباع هُداه، وإما معصية أمره واتباع خطوات الشيطان..

ولقد عُرّفتَ من قصة أبيك عدوَّك المترصّد بلباسك ! أجل المترصّد بلباسك خاصّة ! بلباس جسمك وبلباس نفسك سواء بسواء، أنت يا صاحب دين الفطرة التي تزاوج بين اللّباسَيْن، فما كان  من التزام طاعة وتقوى كان معه تستر ووقار واحتشام، وبُعد عن لَوَثات الشهوة الحيوانية المتسيّبة التي لا تنضبط بضابط، وما كان من معصية وغواية كان معه انطلاق الشهوة من عِقالها الإنسانيّ الراقي إلى البهيمية والحيوانيّة وقلب الفطرة، وكتم أنفاسها !

{لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا...}

نَهيٌ عن مغبّة الافتتان بأكاذيبه وتلبيساته، عَودةً إلى دأبه ونهجه الذي عرفنا مع آدم، إلى تلبيسه عليه، وأوّله إيهامُه بما يعلم هو ذاتُه يقينا أنه الكذب والافتراء، ولكأنّ الله قد خلق الإنسان فإذا هو غريمُه الذي يخشى منافستَه على الخلد وعلى الملك  ! فهو –تعالى عن ذلك علوّا كبيرا- يمنعه من شجرة الخلد لئلا ينافسه !

هذا في كل زمان دأبُه وشأنه ودَيدَنه مع كل "ابن آدم"، قضية الخلد والملك الذي لا يبلى ! الدنيا ثم الدنيا ثم الدنيا، حَدَّ تأليهها، وتأليه المادة فيها والعلوّ في الأرض، وتأليه الزينة، تأليه الريش ! ومع تأليه الزينة والمادة إنها -لا محالة- الإطاحة بالقِيَم، بالأخلاق، بالمخلوقيّة في الإنسان لخالقه، الإطاحة بتقوى الله سبحانه وبالعبودية له، وقد جعلوا حبّ الدنيا الإله الذي يُعبَد ..

وهذا -لَعَمري- ما نلمسه ونعيشه، في عالم يقدّس القوة المادية، ويجعل القوة الروحية أسطورة تضيّع وقتا لا يجب أن يُصرَف في غير اللهث خلف العلوّ، العلوّ بالظلم وبالاستضعاف، وبالاضطهاد وبالسلب والنهب، ولا قيمة لأي اعتراض باسم القِيَم والإنسانية والأخلاق والدين ! لا قيمة لأي قيمة، فهي الهراء في دنيا الملاحدة الذين لا يرون من معنى لكل روحانيّ ! وما الإنسان عندهم إلا لوثة كيميائية، من لا شيء هو إلى لا شيء !!

فإنه النهي لبني آدم بالتذكير، "لا يفتننّكم"، احذروا أن يخدعكم، كما فعل بأبوَيْكُم من قبل، كما أخرجهما من الجنّة :{كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا}، وتأمل كيف لم تجئ: "يوسوس لهما"، بل قد جاءت :" يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا "، وهي نتيجة إنفاذ وسوسته، والافتتان بقوله –عليه لعائن الله-، جعلها سبحانه بدلا عن فعل وسوسته، للتدليل على أنّه المتلبّس بهذا الهدف تلبّسا، نزعُ لباسهما عنهما، كشف سوآتهما...

فاحذر إنه لم يعمل مع أبيك وانتهى، بل إنه العامل معك بعمله ! إنه المترصّد للباسك، لذاك الذي يواري فيك سوءة جسمك، ولذاك الذي يواري سوءة نفسك، للباس التقوى، للذي هو خير من لباس الريش، من كل زينة الحياة الدنيا ! فلا يفتننّك بالريش حتى تراه خيرا من كل لباس !

وتحصيلا.. نجمع بين النداءَيْن لبني آدم، للبشر كافة نسبة إلى أبيهم تذكيرا بالقصة الأصيلة التي تعادُ مع كل واحد منهم، قصة الترصّد الإبليسي لما يستر سوءات الإنسان، لما يبقيه المكرَّم، وذاك غيظ إبليس وداؤه، ولما يبقيه العبد لخالقه وحده، المؤتمر بأمره ، المنتهي عن نهيه، وذاك منتهى غيظ إبليس وأصل دائه .. !

وإجمالا لما عرفنا فإنّ:

1- {يا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26)} :
قيمة اللباس وعلويّته، وتلازم التستر وتقوى الله، تلازم الأخلاق والإيمان، وفطريّتهما في الإنسان، وأنهما الأصل المنزَل بهما آدم إلى الأرض لخلافة الأرض، وأن الخيريّة في التقوى على كل زينة، تلك التي هي ساحة عمل الشيطان.

2- {يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}:
التحذير من أصل عمله، وهو الممتدّ عبر أزمنة الدنيا . وهو المترصّد للباس الإنسان، يروم نزعَه عنه، يروم تعريته، وامتهان كرامة اختصّه الله بها، هي كرامة الأخلاق مع كرامة الإيمان.

{إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُون}

إنه يراك من حيث لا تراه، فانظر حولَك، غير بعيد .. لتراه يرتع في بني آدم تعريةً وامتهانا بالكفر والبعد عن الدين وعن كل خلق بدعوى التحرر !  وانظر لـ"الريش" يتطاير حيث "التحرر" المزعوم، ذاك الذي يعبدون من دون الله !

ولكن، أتَعْلم ؟ أتذكُر ؟؟   إنه "الخنّاس"، والخنوس هو التنحّي والتواري، فهو الذي يغيب إذا ذُكِر الله، هو الذي ينقبض ويتنحّى إذا ذُكِر الله ! فهو سبحانه إذ يحذّرك الافتتان به، قد علّمك أنه الذي ينكمش وينقبض ويغيب إذا ذكرتَ ربّك !

أسماء حازُرْلي

#سورة_الأعراف
#بنو_آدم
#القصة_الوجودية_المكررة
#اللباس
#عصر_التعري
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #113 في: 2026-04-04, 21:17:53 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ(42)وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ(43)} -يونس-

 سبحان الله!   آيتان فيهما من البيان والبلاغة وجوامِع الكلِم وجوامع المعنى ما لا يكون إلا من إله عظيم عليم حكيم واحد أحد ..

إنك حينما تتأملهما حقّ التأمل، ستكون صاحب فهم أعمق، وستتغير عندك مدلولات ومسمّيات!

فتأمّــــــــــــل ...

{وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ ۚ ...}

من الكافرين من يستمع إليك يا محمد، إنّ صوتك يبلغ آلة السمع فيهم، فهم يسمعون،  ولكنّ آلة الترجيح والاستدلال والفكر عندهم لا تعمل، أفأنت تُسمعهم؟ !

أجل يا ربّ ! إنه قد أسمعهم، أوَ لم يَبلُغهم صوتُه، إنك قد قلت سبحانك أنهم " يَسْتَمِعُونَ "  آذانهم سليمة، لا حائل بين كلامه وبينهم !

 لا.. . إن من كانت آلة السمع فيه تعمل ليس هو الأصمّ، بل الأصمّ عند الله من لم يعمل العقل فيه !

فانظر إلى الروعة والانفراد والسّبك البديع في اجتماع "يَسْتَمِعُونَ " مع الإنكار من الله تعالى على نبيه أن يُسمِعهم: "أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ" ..  لتتبيّن أن أصمّا يعقل يُسمَع الهدى، فلكأنّ آلة السمع عنده عقلُه، فجاء هنا تعطيل العقل مقرونا بالصّمم.. قضيةٌ نفيُها أنّ إعماله مقرون بسلامة السَّمع  .. !

وزِدْ ..وتأمّل وتفكّر ... 

إن ربّك يعلّمك أنك الإنسان الكريم المكرَّم، إذ تسمع فلا يذهب الصوت الذي تسمعه هباء، لا يكفي أن تكون لك أُذنٌ تعمل، فإن ذلك في البهائم كذلك، ولكنَّ لِمَا تسمع أيها الإنسان وِعاء لا يتركه يذهب هباء، بل يوعيه ليعي ما يجب أن يستقرّ فيك، وما يجب أن يُطرَح،  إنه عقلك .. ! فأما إذا أغلقتَ الوعاء فأنتَ والبهيمة سواء !  واذكُرْ معي قوله سبحانه : {وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ۚ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (171)}-البقرة-

فانظر إلى الجوامع وهي في الكلِم القليل ! وليس ذلك إلا لربّي ..
أما الآية التالية، فإن الإبهار في تركيب كلماتها أقوى وأعجب وأجمع !

{وَمِنْهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ ۚ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ(43)}

إنهم ينظرون إليك .. إن آلة الإبصار فيهم تعمل، ولكنه الإنكار من بعده على النبي صلى الله عليه وسلم : "أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ" 
فكيف هم العُمي، وقد أنبِئْنا أنهم الذين ينظرون إليك ؟ !

بل تأمّل أكثر، وتريّث ولا تقطعنّ حبل الآية، فإنّ منه بقيّة :

" وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ"

إن مبلغ البلاغة وسحر البيان وتمام الجمع في: " وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ"...
إنك بمفهومك الذي عقلتَه، أن الأعمى بداهةً لا يبصر، فما مقام " وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ" هنا ؟  وكأنها الزيادة على معنى العمى، وكأنها التي تتمّمه وتجعله على حقيقته ! وكأنها الزيادة على العمى التي تمنع حقيقةً من الإبصار...
كقولك لأحدهم : " أتريد أن تمشي ولو تورّمت قدماك ؟"  أو كقولك : "أتصرّ على الكتابة ولو شُلّت أصابعك؟"

فإنّ "لو" لغويّا حرفٌ دوره الامتناع؛ تورّم القدم، وشلل الأصابع يقضي بألا يكون من مشي ولا من كتابة .. فما جاء خلف "لو" هنا مانع دون مشي أو كتابة .
وبالمثل في الآية، "لا يُبْصِرُون"  هي المانع دون العمى ؟ !

والعمى أصلا مانع من الإبصار، فلكأنه هنا ليس كذلك، فجاءت "لا يُبْصِرون" لتكون المانع مع العمى !  لتعني أنّ المانع الأكبر من إبصارهم أنهم لا يبصرون!  وليس هو العمى!  عجبا.. !!

نعم.. إنها "لا يبصرون" والتي هي فعل إبصار البصيرة لا العين.. فعل "يُبْصِرُون" هنا، ليس عن آلة البصر، بل عن البصيرة ..عُمْي البصائر عند الله هم العُمي لا عُمي الأبصار.. مادامت آلة البصيرة فيهم معطلة، فإنهم لا يبصرون..

"أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ" ، أوَ حتى إن كانوا بلا بصائر تروم هدايتهم؟! هذا هو المانع الأكبر.. هذا هو العمى!  أما عمى البصر فليس هو الإعاقة ولا النقص ولا المعضلة... إنما هو عمى البصيرة، عمى القلب..

ومازال في بديع السَّبْك بديع !

تأمل –يرحمك الله- مجيء الفعل هنا: "لا يُبْصِرُون"  تحديدا مكان الاسم، إذ لم يأتِ مثلا : "العُمي ولو كانوا بلا بصيرة " فيتبيّن لك من اللفظ أنه إبصار البصيرة، فلا تستغرب بذلك اجتماع "العُمي"  بــ : "لا يبصرون"... بل لقد جاء فعلا لا اسما: "لا يُبْصِرون"،  محقِّقا لاجتماع ما يبدو للوهلة الأولى أنه لا يجتمع!  بين "العُمي" و "لا يبصرون" ...بينما هو الجمع بين الكلمات المحدّدة بعينها .. حتى تفهم أن ليس كل أعمى لا يبصر !

حتى تفهم فهما عميقا من جهة أن من العُمي مَن يبصر، وذاك صاحب البصيرة، ولتفهم من جهة أخرى أن العمى الحقيقي ليس الذي تعرفه أنت، بل هو عمى البصيرة، لتفهم فهما عميقا أن من العُمي من يبصر، فلذلك يخاطب الله نبيه بقوله : "أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ ؟ "، لن تهدي أعمى لا يبصر !  بينما بإمكانك أن تهدي أعمى يبصر ! ذاك هو مبصر البصيرة وإن ذهب بصر عينه..

وزد إلى جوامع ما يبلغك من جوامع هذا الكلِم العظيم، أن قوام الإنسان سمعه وبصره، فأما سمعه فعقله الذي يوعي فيعي، وأما بصره فقلبه، حتى لا يقول مَن يقول أنّ انفصال واحدهما عن الآخر يحقق معنى الإنسان المخلوق المكرَّم المُهدَى ... سمع وبصر، عقل وقلب، هو الإنسان  على بصيرة !

هكذا يريد الله تعالى أن يُذهب عنا سطحيّة الفهم، وأن يعلّمنا عُمق الأشياء وعُمقَ القضايا بما يليق بالعقل الذي كُرِّمنا به !
عندها، سيكفّ مَن يرى الأصم والأعمى صاحب إعاقة ونقص، وسيعلم أنه لم يَنفُذ إلى الأعماق، بل قد اكتفى بالمظهر، وحكم على المظهر.. عندها سيكفّ كل من يستقلّ شأن أعمى أو أصمّ.. وسيعلم يقينا أن من عُمي الأبصار مَن يفوقه إبصارا ! ومن صُمّ الآذان من يفوقه سمعا !

فاللهمّ ارزقنا بصيرة وعقلا ..!

أسماء حازُرْلي
#سورة_يونس
#العقل_والقلب
#العقل_والبصيرة
#البصيرة
#أدوات_الإيمان
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #114 في: 2026-04-04, 21:18:42 »
قبل أن يُهبَط آدم،  بين له ربه أن الشيطان له عدو:

«فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ»-طه: 117-.

ولما أهبِط بين له أن كلا منهما للآخر عدو:
 
...«وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ» [البقرة : 36]

لما عصى آدم وعاين أثر المعصية من نزع الشيطان للباسه، وتاب،  وتعلم تحمل  مسؤولية اختياره،  بين له ربه أنه أهبط وهو أهل ليعلن حربه على الشيطان كما أعلنها هو عليه...  حرب هي قوام خلافته في الأرض كما أقرّ الله أن تكون الخلافة !

#عداوة_الشيطان
#الحرب_بين_الإنسان_والشيطان
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #115 في: 2026-04-04, 21:20:13 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة الأعراف العظيمة، من بعد كل ما عرفنا عن القصة الأصليّة الوجودية للحرب المعلَنة من الشيطان على الإنسان، وللعُدة التي زوّد الله بها الإنسان، من بيان لعداوة الشيطان له ومن ضرورة اتخاذه عدوّا بالمقابل، والتزامه لباسه الذي أنزِل عليه كرامة على كرامة، يستر سوءات جسمه مع سوءات نفسه، ومن خيريّة لباس التقوى، ومن توبة يلملم بها شتاتا من نفسه تفرّقه المعصية والوقوع بالذنب ..

عرفنا قِدم هذه العداوة، وضربها في عمق الوجود الإنساني منذ آدم عليه السلام، الذي كان نموذج القصة المكررة عبر أزمنة الأرض .. وعرفنا امتدادها إلى بنيه، مع تلك النداءات العلوية من ربّ العزة  بــ : "يا بني آدم"، تذكيرا بوجوديّة العداوة، وأصليّتها، وبالمقابل، بأصليّة ووجودية الهُدى والبيان والعُدّة. 

نمضي بعدها لنلقى قوله تعالى :

{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)}

ولقد كان آخر الآية التي سبقت هذه الآيات، والتي جاء فيها النهي عن الافتتان بالشيطان،  قوله تعالى :

{...إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)}

وعلى هذه الولاية بين الشيطان والذين لا يؤمنون، تأتي الآيات تحدّث عن الذين اتخذوا الشياطين أولياء  : {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) }

إنهم أولياء الشيطان كما هو وليّهم، إنهم الذين لا يؤمنون، فبمَن تُراهم سيتصلون ولا صلة لهم بالله ؟ !

هؤلاء هم مَن يفعل الفاحشة، ثم يتحجّج بأنها التي كان يأتيها آباؤهم، بل ويزيدون فيفترون على الله الكذب، أنه هو الذي أمرهم بها !

ووليّ الشيطان متحدّث عنه بلسانه، قائل بما يقول، وهو الذي قد افترى على الله الكذب أول مرة، حينما وسوس لآدم، وأوهمه أنه ما نُهي عن الشجرة إلا لأنها شجرة الخلد وملك لا يبلى ! مع علمه أنّه هو ذاته ما كان ليبقى وليبقى عمله لولا إنظار الله له .. ويقينه من أنه سبحانه الذي بيده إحياء وإماتة وهو الحي الذي لا يموت ..

نعم، قد وجدوا عليها آباءهم، ولكنّ وجوديّة التسلط الشيطاني على الذين لا يؤمنون قديمة قِدم الوجود، كما عرّفتنا السورة، وعرفتنا قصة إبليس مع آدم، وعرّفتنا تلك الكلمات التي هي من أول ما أنزِل به آدم عليه السلام مبلّغا للبشر المبثوثين منه :

{قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24)}

إنه إعلان إلهيّ للحرب الوجودية بين الإنسان والشيطان، إنها الكلمات التي نزل بها آدم ليعلّمها نسلَه، وليعلّم نسلَه أن يعلّمها مَن بعده، ومَن بعده لمَن بعده، أمة من خلف أمة، وجيلا من بعد جيل وقرونا من بعد قرون...

فأن يتحجج الذين لا يؤمنون بما وجدوا عليه آباءهم من الفاحشة، ليس عقيدة، لأن العقيدة تؤخذ من مظانّها، ومظانّها هي ذاك المتوارَث والمجدَّد بتعاقب هدايات الرُسُل والأنبياء  بعضهم من بعض، وبعضهم خلف بعض، بدءا بآدم عليه السلام متروكة في عقِبه ، ومُذَكَّرا بها عبر الرسل المبعوثين كلما طغى الكفر، وادُّعِيَ استمداد العقيدة من الآباء ! وما الآباء إلا البشر الذين لا يملكون للعقيدة زِماما ولا منهجا، ولا يملكون للهدى منبعا ..

وإنما هو هذا الدستور الأصيل الأول النازل به آدم إلى الأرض ليبلّغه، وليبقى في عقبه وعقب عقبه :

{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)} -البقرة-

💎منبع الهدى  : فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم 💡مِّنِّي💡 هُدًى.

💎النهج المتَّبَع : فَمَن تَبِعَ هُدَايَ.

💎المؤمنون آباء وأبناء :  فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ.

💎الذين لا يؤمنون آباء وأبناء: وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ.

هذا الدستور ببنوده، هو الدستور الأصيل أصالة الإنسان، القديم قِدم وجوده على الأرض ... به وبأخذ الخلف منهم عن السلف، لا يستعجم الناس بعثةَ الرُّسُل : "فإما يأتينّكم مني هدى"، وقد عرفنا إعراض الأقوام عن رسلهم وتكذيبهم لهم ولما جاؤوا به، ووَصْمَهم بالجنون والسفاهة وأبشع التُّهَم ... !

كلّ ذلك تعلّلا منهم بالآباء، وما آباؤهم إلا ذلك الطرف المُتوعَّد بالنار في دستور الهدى الأصيل الذي لا يتبدّل  !

وأما افتراؤهم الكذب على الله، أنه أمرهم بالفاحشة: {... وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}، فذلك منهم منتهى الصفاقة والجرأة الشيطانية المنفوثة فيهم من وليّهم وهم أولياؤه، كدأبه الذي عرَّفَتْناه الآيات السابقة(لمَن يريد العودة إلى أصل القصة على صفحتي عبْر أجزائها) .

ليُعقَب بردّ الله تعالى أنه سبحانه  لا يأمر بالفحشاء: {قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)}.

وأخيرا .. تأمل معي، هذه النداءات الخاصة في هذه السورة : "يا بني آدم" ... والتي إذا بحثتَ في القرآن وجدتها خمسة، المجتمع منها في سورة الأعراف وحدها، أربعة، والخامسة في سورة يس..

تأملها وهي التي تذكّرك أنّ الأب الذي يُؤخَذ عنه هو أبوك آدم عليه السلام، أيها الإنسان، كيفما كان اعتقادك أيها الإنسان، فأنت له ابن، وهو النموذج الأول لقصتك مع إبليس، ولقد عُرِّفتَ ما كان بينهما، وعُرّفتَ أنه الذي تاب وأناب، وأنزِل الأرض بالهُدى، وبأنّ الهدى آت بني آدم آت، وأنّ من اتبعه هو الفائز، ومن أعرض عنه باء بالخسار .. !

في هذا تجد الفرق والبَون والبعد بين "آدم الأب"  الأصل، القصة والبيان، والعُدّة والهدى،  وبين : "عليه آباءَنا" الطرف المتوعَّد: "الآباء الكافرون" متَّخَذا مصدرا للهدى والعقيدة !  ونعم،  إنه الاتباع،  ولكنه الفرق بين اتباع الأصل والحق  واتباع المفتَرَى والباطل ! وإنه الأب وإنهم الآباء، ولكن شتان بين "الأب" "الأول" "النبي" "الأصل"، وبين أولئك الآباء ! شتان بين البنوّة لآدم، والبنوّة لــ : "عليها آباءنا" !
#سورة_الأعراف
#بين_بني_آدم_ووجدنا_عليها_آباءَنا
#بين_اتباع_واتباع
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #116 في: 2026-04-04, 21:21:14 »
ا🥀🌸🥀🌸🥀🌸🥀🌸🥀🌸🥀🌸🥀🌸🥀ا

الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.. ليس أجمل ولا أروع من اجتماع الأخوات في الله في رحاب تدبر كتاب الله !
كانت أمسية بنكهة الحياة ! 🌹 

وما الحياة من غير جِنان القرآن؟!  وما الحياة من غير آيِه  لآلئ تومض في داجية أنفسنا..  💎 من غير آيِه ونظمها وتناسقها رِيّاً لقلوبنا المجدبة 💦

ترمق العيون فإذا هي البراقة اللمّاعة من روح القرآن المبثوثة في أنفس تُهمِدُ جذوةَ الحياة فيها لهثاتُ الدنيا وأسْر مادّتها ! وترمق الثغور مفترة عن ابتسامات لكأنها بنات القلوب طارت من موطن السرّ إلى موطن العَلَن !

يا قرآننا الحبيب،  يا رياض الآيات،  ويا أزاهير اتساقها،  ويا رياحين عجب الجنّ حينما قالوها كما نحب قولها وجماله وجلاله وروعته تلامس  شغاف القلب، يا قولهم وقولنا  "إنا سمعنا قرآنا عجبا"  ! 

فاللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال..  🤲 

#القرآن_حياة
#الأخوة_في_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #117 في: 2026-04-04, 21:21:59 »
ا🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊ا

في سورة البقرة..

{وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنْظُرُون(50) وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَىٰ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (51) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(52) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53)}-البقرة-

«وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُم البَحْرَ»   و «وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ»

💎"فرقنا"  و💎" فرقان"

سبحان الله..!  اجتماع هذه الكلمة بصيغتي الفعل والاسم،  الفرق والفرقان..
هذا المعنى العظيم..  الذي فيه الحد والفصل والحسم بين الحق والباطل..

بالمؤمنين فرق الله البحر،  فكان لهم نعمة ونجاة،  وكان على الكافرين  نقمة وهلاكا،  «فرقنا 💎بــــكم💎»  ولكأنما كان المؤمنون أداة للتفريق بين حق يتبعونه وبين باطلٍ عليه أعداؤهم..!

وكان البحر بفِرقَيْه سببا وسبيلا للتفريق بين باطل المبطلين وحق المحقّين. أولم يقل سبحانه:  {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ 💧فِرْقٍ💧 كَالطَّوْدِ العَظِيم} -الشعراء-

ثم انظر إلى تناغم اللفظ والمعنى في كتاب الله تعالى،  لتجد قوله سبحانه بعدها:
{وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَ💎الْفُرْقَانَ💎 لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(53)}

انتهى عهد الخلط واللَّبس،  وحلّ عهد الوضوح والحسم،  وإعلاء كلمة الحق وتسفيل كلمة الباطل!  حان أوان الفرقان !

ثم انظر...  لقد رزحوا أذلّة تحت نير فرعون وآله،  تنال منهم سياط الاستعباد سوء نوال،  والإذلال والامتهان والاضطهاد لا يعلّم حقا، ولا يعلي قيما، بل يورّث استخذاء وتعودا على الذل،  وخلطا وخبطا لا يُحَقُّ به حق،  ولا يُبطَل به باطل،  لا يُعرف به ما يُعلى مما يُسفَل..  !   فجاءهم الفرقان ليعلمهم الحسم والتفريق والحدّ الفاصل بين ما يجب أن يكون وما يجب ألا يكون..

حتى أن الآية الآية التالية لآية إيتاء موسى الفرقان :

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54) }.. هي آية الأمر  بقتل الطائع منهم للمذنب،  توبة إلى الله،  هي حدّ أقامه الله تعالى على مَن عبد العجل،  حتى لا يستمرئ القوم خلْطَ حق بباطل وكفر بإيمان،  فإذا هم مؤمنون ساعة التنجية،  كافرون من بعد النجاة.. !

حتى يعرفوا أن للحقّ حدّا يُقام، يذود عنه، ويدفع عنه غائلة الباطل وأهله واستمراءهم حين يُترَكون لباطلهم.. حتى يُعلَّموا أن الإفساد في الأرض بالكفر يُتَصدّى له بالحد المفرّق الحاسم، لئلا يُكرّسَ للتسوية بين حق وباطل،  لئلا يتشرب الأقوام المداهنة،  من مثل دعاوى "التعايش"  الموبوءة التي نعيشها،  يُراد بها التسوية بين الدين الحق وبين ما يُدعَى أنه "الأديان"، والدين عند الله  الإسلام، لا شيء غير الإسلام  ...! يراد بها ألا تفريق ولا فرق ولا فرقان!

وهكذا...  هو الفرق،  وهو الفرقان،  وهو التفريق...  هو الحسم والحدّ،  لا الخلط واللَّبس وادعاء السويّة بين ليل ونهار باسم" التعايش" و"تقبل الآخر" ومصطلح "الديانات الإبراهيمية" المختلَقة ووووو...

ويا قرآننا يا عظيم!  ويا تناغم اللفظ فيك مع المعنى!

أسماء حازُرلي
 
#سورة_البقرة
#الفرقان
#الحق_والباطل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #118 في: 2026-04-04, 21:24:16 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
« آخر تحرير: 2026-04-05, 07:54:45 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #119 في: 2026-04-04, 21:29:39 »
شعيب عليه السلام دعا قومه لعبادة الله وحده، وألا ينقصوا المكيال والميزان، وأن يوفوهما ولا يبخسوا الناس أشياءهم وألا يعثوا في الأرض مفسدين ...

فماذا كان رد قومه عليه ؟

لقد قالوا :

 "يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ۖ إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ" -هود-

تأملوا ....

"أصلاتك تأمرك" ...

نعم ... ولكأن الذين لا يفقهون يفقهون... !

صلاته تأمره... تأمره تماما كما هي الناهية : "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر"

صلاته تأمره أن يدعوهم لترك ما كان يعبد آباؤهم، ولترك نقصهم المكيال والميزان...

وهكذا هي الصلاة عماد الدين مع كل الرسل، ففقهوا -وإن كانوا لا يفقهون- أن صلاته قد أمرته بما دعاهم إليه من معروف وبرّ وخير تماما كما هي تنهى عن الفحشاء والمنكر.

وهكذا هو حال مَن "لا يؤمن" بالأمر أو الحكم وهو الحق، يواجه به خصيمه، ويقوله له متهكّما ساخرا مستهزئا ... ويوغلون مستهزئين مُردفين بقولهم : "إنك لأنت الحليم الرشيد"

ثم لننــــــــظر...

لننظر إلى ما فقهوا،  وهم لا يفقهون!

أن الصلاة تأمر بترك الأصنام،  وعبادة الله الواحد،  تماما كما تأمر بألا يُبخسَ الناس أشياءهم،  وألا تُسلَبَ حقوقهم،  كما كانوا يطففون وينقصون المكيال والميزان،  ووصفوا جرائمهم  بأنها حرية التصرف في أموالهم : "أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء"

وإن الحياة وهي تُترك لمنطق "ما نشاء"  ..  غابة يأكل القوي فيها الضعيف،  ويستأسد فيها أهل المادة،  ويُستعبَد فيها المفتقرون إليها..  وإن عصرنا وهو يحتكم لقانون "ما نشاء"  يحقق هذه "الغابيّة"   بامتياز..!!

وهكذا،  فإن عبادة الله الواحد تحقق العدل والقسط وعدم أكل حقوق الناس،  الاتصال بالله،  العبادة،  تحقق العدل في الأرض،  تحقق إيفاء الناس حقوقهم،  وعدم الاعتداء عليها..

هكذا هو الدين،  ليس أمرا شخصيا بعيدا عن الحياة وتصاريفها -كما يعرّفه العلمانيون- بل هو حياة،  هو سبيل لتحقيق حياة ميزانها الحق والعدل.. 

نعم..  إن قوم شعيب قد فقهوا،  وهم لا يفقهون، قالوا الحق وهم يستهزئون.. 

وهذا شعيب عليه السلام يرد عليهم:

{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا ۚ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَىٰ مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ ۚ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ۚ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ(88)}

أي أنه المهتدي لربه،  العابد له وحده،  وإنه هو رازقه،  مالُه من فضله ومنّه عليه،  هو الرزق الحسن الحلال الطيب الذي لا يفعل فيه ما يشاء،  بل بما يحب الله ويرضى،  فلا يبخس الناس حقوقهم،  ولا ينقص مكيالا ولا ميزانا..

ثم يأتي شعيب-عليه السلام-  بالعبارة الجامعة التي توفي المعنى حقه، أن الدين حركة على الأرض، يحقق العدل، يحق الحق ويبطل الباطل:

"💎إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ💎"

إنها غاية الدين الكبرى،  غاية توحيد الله،  الإصلاح في الأرض،  إصلاح الدنيا بالدين،  لا أن يُعرَّف على أنه أمر العبد الخاص الذي لا يجب أن يتعدى للحياة ولحركتها..   وتلك علمنة الحياة،  تصييرها "غابة" بمنطق "ما نشاء"..  لا تحقيقها بمعناها وغايتها  ! وإنما الدين حياة...  !

#سورة_هود
#الدين_والحياة
#الدين_حياة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب