
من سورة البقرة، كنا قد عرفنا عمل بني إسرائيل بالتشكيك في أوساط المؤمنين، واتخاذهم قضية الناسخ والمنسوخ من آيات الله تعالى بابا لنفث سموم كُرْههم أن يُنزَّل على المؤمنين من خير من ربّهم، وكيف تنقلب أماني إبعادهم المؤمنين عن دينهم بابا لزيادة اليقين في قلوبهم في كل زمان، وهو سبحانه الحكيم العليم الذي يقدّر مصالح عباده ويعلم ما يداوي عللهم، وما يبدّل حالهم من التيه إلى الاهتداء، وما يخرجهم من الظلمة إلى النور ..
وقد ختم بتحذير المؤمنين من أن يكونوا على خطاهم فيسألوا الرسول ﷺ عن أمر من أوامر الله، وقد جاءت قضية النسخ وطعن اليهود فيها مثالا على ذلك، تعليما لهم حتى يكونوا سامعين مطيعين للرب العظيم الخالق الذي هو أعلم بعباده وبما يصلحهم وما لا يصلحهم :
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}
وإنما سعيهم فيهم بالتشكيك هو من ودّهم أن يرتدوا كفارا حسدا منهم وقد تبين لهم أن ما نزل فيهم الحق :
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}
وهكذا هو الأمر من الله للمؤمنين أن يعفوا ويصفحوا عن اليهود، حتى يأتيهم أمره سبحانه بقتالهم، وإن أمر الله لهم بالعفو والصفح إلى حين، هو من حال المنسوخ، إذ هو العفو الذي سيُنسخ بالأمر بالقتال ... والنَّظْم بين الآيات كحال الثوب الموشّى ببديع الرسوم المتجاورة، فإذا الوَشْي جملةً أشكال متناسقة متسقة، والخيط واحد !
وإنه سبحانه وقد حذرهم خطاهم، يبيّن لهم بعدها طريقهم الذي عليهم أن يسلكوه، أن ينبذوا ما عليه بنو إسرائيل، وأن يفعلواما يجب أن يكونوا هم عليه:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) }
ورأس ما يكونون عليه السمع لأمره سبحانه والطاعة تحقيقا لثنائية التقديم والجزاء، فمن قدّم لنفسه لقي عند الله جزاء ما قدّم ..
وإنه القطاع من الآيات الذي يوجَّه فيه الخطاب للمؤمنين، إنه بداية الخروج من قطاعين استغرقا آيات عديدة من سورة البقرة، كانا عن أحوال وحقائق بني إسرائيل بأسلافهم وأخلافهم، لنجدنا بعدهما نتهيأ للخروج من سراديبهم المظلمة خروجا تدريجيا، فيه تحذير المؤمنين منهم، المؤمنين المعاصرين لرسول الله ﷺ والذين يجيئون من بعدهم عبر الأزمنة، فنجدنا نعرَّف أضاليلهم :
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) }
و للمرة الأولى بعد كل ما عرفنا من حقائق بني إسرائيل، نلقى النصارى مقرونين بهم.. فانظر –يرحمك الله- إلى الله تعالى وهو يجمع الفرقة الضالة إلى الفرقة الضالة؛ فليس الشأن أن اليهود وحدهم أهل الضلال بحكم الاستفاضة في ذكر حالهم أسلافا وأخلافا، بل إن النصارى معهم على ضلال يا أمة الإيمان والإسلام، يا أمة القرآن ومحمد ﷺ...
إنه البيان الكافي الشافي، وإنه أوانه على درب الخلافة والسيادة والريادة التي أنيطت بأتباع محمد ﷺ، حتى يعلموا أنهم الذين لا تُتَّبَع خطاهم ... وذلك زعمٌ من باطل زعمهم، فاليهود من جهتهم يقولون أن الجنة حكر عليهم، والنصارى من جهتهم يقولون أنها حكر عليهم، ويتحداهم الله تعالى بقوله : " قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ..
أرونا معشر يهود دخولكم الجنة من دون الناس، وأرونا معشر النصارى دخولكم الجنة من دون الناس ! أرونا برهانا ساطعا وحجة دامغة على قولكم.. !
وإنه لا حجة لهم ولا برهان، وهم الذين حرفوا كتبهم، وبدّلو كلام الله، وكتبوا بأيديهم كتاب أهوائهم وقالوا هو من عند الله.. ! وهل يقوم لواحد من الناس على الغيب برهان؟ ! هل لأحدهم -كائنا من كان- علمٌ بمن كُتبت له الجنة وبمن كتبت له النار ؟ ! بلْهَ أن يدّعي أنها له من دون الناس ! أفيعلم أحدهم من خاصة علم الله ؟ ومن أمر غيبه المخبأ عن أخصّ عباده وأقربهم ؟ ! لا برهان للإنسان على غيب .. والجنة والنار غيب، وهما من مقومات إيمان المؤمن، يؤمن بهما وهو لا يراهما، ولا يعلم عن أمرهما إلا ما بين الله في كتابه، من قانون ثابت يجزي به الله كل ذي عمل ما يستحق، إن بإحسان فله الحسنى، وإن بإساءة فله السّوأى ...
وعلى هذا وجب أن نتأمل موقع هذا السؤال من الله، والغرض منه تبكيتهم وبيان ضلالهم وافترائهم الكذب، وإنما هو التحدّي المتضمن علمه سبحانه باستحالة إجابتهم عنه، وليس هو السؤال الذي تتوقع له إجابة، إذ لا برهان لأحد على غيب الله !
ويأتي الدحض والتكذيب بقانون الله الثابت، بالقانون العادل من الله العدل:
{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}
من أسلم وجهه لله وهو محسن هو الآمن المأجور من ربه، الذي لا يخاف مما ينتظره، ولا يحزن على ما فاته..
قانون هذه الأمة، كما كان قانون كل الأمم التي مضت، والدين واحد والحق واحد من عند الله لا من عند غيره، سبحانه الذي بعث الرسل، وهدى عباده، وبيّن لهم شريعة الحق وجزاءه العدل المخبأ عنده... فمن أسلم منهم لله وهو على الطريقة التي جاءهم بها رُسُل الله، فله الجنة . أما من عاصر من أهل الرسالات السابقة رسول الله ﷺ، فإنما إحسانه على ما جاء به محمد ﷺ، ولا يُقبل منه أن يُعرِض عنه، ويقول أنه على ملة آبائه وقومه، من يهود أو نصارى أو أي ملة أخرى مدّعاة .
وفي سياق بيان باطلهم وضلالهم، تترى حقائقهم، يكشفها الله تعالى لعباده المؤمنين في هذا القطاع الذي يجعلهم على بيّنة منهم، فلا يغتروا بعد قول الله فيهم بقول منهم.. وإن حقيقة كل فرقة الطعن في الأخرى، بينما قد أنزل الله الكتابَيْن، التوراة أصلا للإنجيل، والإنجيل تبعا للتوراة، وعيسى معلنا تصديقه بالتوراة، في تتابع من الرسل والكتب الحاملة للهدى من الله، فما تقول فرقة على فرقة بمثل هذا، إلا وكلّ منهما على ضلال مبين، أنكرت به وحدة الكتب ووحدة الدين، واصطنعت هي دينا لنفسها سمّته دين الله !
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}
ويُزاد إلى الفريقين الضالين فريق ثالث، في تدرج من الله في ذكرهم جنبا إلى جنب مع اليهود، ضمن هذا القطاع الذي هو لتحذير المؤمنين وإرائهم الحق حقا والباطل باطلا .. ذلك هو فريق المشركين، الذين نعتهم الله بـ :
"الذين لا يعلمون" ... تمييزا لهم عن أهل الكتاب، ولكن، رغم تميز كل فريق بنعته، إلا أنّ : " قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ " جمعت الثلاثة في سلّة واحدة، وكأن الذين أوتوا الكتاب لم يؤتَوه وقد قالوا بما قال الذين لم يُؤتوا كتابا ... وقد جيئ بنعت "الذين لا يعلمون" تمييزا، يُردَف بمماثلة قولهم لقول الأوَّلَيْن، في إشارة إلى أن كل القائلين بذلك سواء في انتفاء العلم عنهم ..
وإنه من عدم أهليتهم لاتصافهم بالعلم، والذين أوتوا الكتاب يتقوّل بالباطل بعضهم على بعض، والذين لم يؤتوه يتقولون بالباطل على الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ ثلاثتهم، يحقّ فيهم وصف الآية التالية :
{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)}
يروي تاريخ اليهود والنصارى أنه تم تخريب المسجد الأقصى ونهب نفائسه في غزو بختنصر لبيت المقدس وأسره لليهود، وكذا في غزو طيطس الروماني له وحرقه للتوراة؛ أما المشركون فهم الذين أحاطوا الكعبة بالأصنام، وكانوا يطوفون حولها عراة، مُكاء وتصدية، وذاك منهم التخريب المعنوي الذي طال أول بيت وُضِع للناس.. كما كانوا يمنعون رسول الله ﷺ وصحابته من قراءة القرآن عند الكعبة، ومن الصلاة في حرمها، ومنعوهم من دخول البيت عام الحديبية عندما أمّوه معتمرين..
وترابط الآيِ من روح ترابط المعنى، والذين جمعهم الله، فجعلهم سواء في عدم العلم، من أوتي الكتاب ومن لم يُؤتَه، هم أهل هذا الظلم العظيم بانتهاك حرمات بيوت الله تعالى، تخريبا معنويا وحسيا ومنعا للمؤمنين من ذكر الله فيها؛ وتذييل الآية بقوله سبحانه : " أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ".. إيماء إلى أن الله ناصر عباده المؤمنين عليهم، وجاعل لهم شوكة ورهبة؛ ولقد تحقق ذلك عند فتح مكة، عندما لاذ المشركون بالجبالذ، وجحافل المؤمنين تدخلها فاتحة مؤيَّدةً بنصر الله، خوفا من أن يقتلوا ... !
وإن بيت الله الحرام اليوم، في عهد الحكام المطبّعين، المخرّبين له تخريبا معنويا، وهم يوالون أعداء الله وأعداء رُسُله، وهم يَذلّون ويُذِلّون الأمة قاطبة لمن ضُربت عليهم من الله الذلّة والمسكنة، ولعنوا بكفرهم، وباؤوا بالغضب على الغضب ... ! إنه اليومَ يحتاج فتحا جديدا يطهّره من خِزي الأذلّة بين يَدَي مَن أذلّهم الله، فتحا يطهّره من خيانتهم وتواطئهم مع العدوّ ضدّ الإسلام وأهله... !
وللقدامى من الخزايا وللمحدثين منهم، يأتي قول الله تعالى معلنا أنه أينما ولّى الناس فثمّ وجهه، وحيثما كانوا، وأينما ولّوا مُلكُه سبحانه :
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)}
فيا من تسمّيتم بأهل الكتاب لنزول الكتاب فيكم، وكتاب الله منكم براء...إن هذه الأرض التي ترونكم مُلّاكها وأصحاب القوة فيها، تبثون في أرجائها نبذَ كل أمر من الله، حالكم من حال أسلافكم، حِلفٌ أنتم ضدّ الإسلام مُقام، وحقيقتكم أنكم المتباغضون، الطاعن بعضكم في بعض، نراكم جميعا وقلوبكم شتى ! ويا كلّ خونة الأمة معهم، وأنتم خُطّاب ودّ أسيادكم، تَذِلون تحت أقدامهم طلبا لرضاهم...وأنتم مع خزيكم وعاركم وشناركم حملة لواء خدمة البيت الحرام !
إن الأرض بكل نقطة فيها ملك لله وحده ... وأنكم فيها الحاكمون ظاهر من الحياة الدنيا، وما تعلمون إلا ظاهرا منها.. وهو سبحانه يراكم ويعلم أمركم وحالكم جميعا ... ويمهلكم إلى حين ! تخربون بيوت الله وتمنعون ذكره فيها، فهل أوصدتم الأبواب على عباده دون عبادته ؟ ! إن له سبحانه المشرق والمغرب، وحيثما يولّي عبدُه فثمَّ وجهُه، وهو الواسع العليم ... وما الكعبة إلا رمز للوجهة الواحدة للأمة الواحدة الموحدة، والأرض كلها لله، ومن كل نقطة فيها يصحّ التوجّه للكعبة حيثما كان إنسان وولّى وجهه، فثمّ القبلة، وثمَّ وجه الله ... ! ولا تنقطع عبادته عن الأرض، ولا تنقطع الصلاة له، ولا الدعاء، ولا تنقطع عن الأرض قلوب مخبتتة مؤمنة مخلصة، ستحوّل وجه الأرض من الكلوح إلى الإشراق بإذن ربها ...وستنصر دينَه الذي لا يُغلَب ! وستعود مكة بفتح جديد يُغبِر خرابا صنعه خونةٌ يتمسّحون بالعدوّ ويصيّرونه غصبا وليّا ... !
هذا الإله الواحد العظيم، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، الذي له المشرق والمغرب، الواسع العليم... أتدري ما يقول عنه الضالون من الفرق الثلاثة :
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) }
فاليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يقولون عيسى ابن الله، والمشركون يقولون الملائكة بنات الله !!
كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا ... سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن أن يتخذ صاحبة أو أن يتخذ ولدا ...هذا قولهم في الله، وهم الذين يقولون أن الجنة حكر عليهم، جنّة مَن هذه التي هي لهم من دون الناس؟ ! جنة إله يدّعون له ولدا ؟ ! أفجنّة الإله هي أم جنة ولده ؟ !
أي إحسان تريدون به الجنة، وإنّ قولكم لَلْكفر الصراح، كل ما في السماوات والأرض قانت لله خاشع خاضع، ليس كمثله شيء سبحانه، ليساوي عباده في حاجتهم لسند ولظهير ولمَن يحفظ ذكرهم بعد فنائهم، سبحانه الغني وهم الفقراء، القوي وهم الضعفاء، الكامل وهم الناقصون، الحيّ وهم الميتون !
سبحانه بديع السماوات والأرض على غير مثال سابق وعلى غير اقتداء أو احتذاء ..وإذا قضى أمرا فإنما قوله له كن فيكون.. فلعلّ قائلا يقول فهل يؤمر معدوم ليكون ؟ أو هل يؤمَر موجود ليكون وهو الموجود ؟ ! له ولأمثاله نقول : سبحانه يأمر المعدوم وهو في علمه السابق موجود .. سبحانه له قضية الإحياء والإيجاد، وليس لأحد غيره سرّها ...
وتُزاد هذه الآية في الإيجاد والخلق والتكوين إلى ما سبق في هذه السورة العظيمة من آيات الخلق، وهي التي تنزرع فيها من بداياتها، ولا بدّ أن لانتشارها في ثناياها سرا .. !
وإنّ الفرق الثلاثة التي جمع بينها الله وهو سبحانه يماثل التي أوتيت الكتاب منها بالتي لم تُؤتَه في قوله : "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" ... من فرط جهلها بقدر الله تعالى، ومن فرط خبطها وخلطها، هي التي تجرأت على انتهاك حرمة بيوت الله التي هي مقر ذكره والصلاة له، وهي ذاتها التي سيذكر الله لها حماقة أخرى من حماقاتها ولونا آخر من ألوان جهلها :
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)}
وسواء كانت عن اليهود الذين قالوها لرسول الله ﷺ، أو عن المشركين، فإننا نراهم في هذا القطاع المحذّر للمؤمنين من ضلالاتهم، وجها واحدا، هم وجه الكفر الواحد الذي كان من غابر الأزمنة مع الأنبياء والرسل، وهم وجه اليهود الكالح الذي عرفنا في الأسلاف... قلوب متشابهة، فالذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، لن يستنكف أخلافهم عن سؤال رسول الله ﷺ أن يأتيهم بمعجزة !
ثم يلوّح الله تعالى بآياته العظيمة، بكتابه الخالد : "قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " ... لتساوي قوله سبحانه في بدايات البقرة : " ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) " . كيف يعرضون عن آيات هادية مبينة، تخرج خبء النفوس، وتكشف العلة الكامنة فيها، وتصف لها الدواء الشافي الكافي، وتنقّيها وتطهّرها وتزكّيها وتنمّيها وترقّيها، ثم يسألون المعجزات وكلّ ما حولهم في الكون معجزة الله الخالق الموجد المدبّر المسيّر لكل ذرة فيه ..؟ !
فإنك يا محمد صاحب الحق المبين، وإنهم أصحاب الباطل وأهل الجحيم :
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}
وإنهم وقد علموا أن محمدا هو الحق الذي يكتمون، وأن الذي جاء به الحق الذي يعرفون، وأنّهم الذين كانوا أهل باطل مع كل أنبيائهم ورسلهم، قد شرِقوا بمحمد وبدعوته وبكتابه، وإنهم لن يرضوا حتى يترك ومن تبعه الحق ويتّبعوا باطلهم :
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) }
وتارة يسميه سبحانه "الحق" وتارة يسميه "الهدى" وهو هذا وذاك معا، وما من شيء يقال له "الهدى" إلا هدى الله، كلمة هي في اللغة قصر على هدى الله .. ثم يزيد فيسميه فيها تسمية جديدة : "...بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ" .. إنه العلم..
"الحق"، و"الهدى" و"العلم" ... الحق وقد عرفوه وهم له منكرون كاتمون، والهدى وهم قد نبذوه واحتكموا لأهوائهم، والعلم وهم قد جهِلوا باختلاقهم الأكاذيب وجهالات رؤوسهم.. وإن منهم من يؤمن به، وهو يتلوه حق تلاوته، لا يبخسهم الله حقهم وإن كانوا عدّا عل الأصابع...
ثم يختم سبحانه بالآية الخطابية التي بدأ بها قطاع بني إسرائيل، في طيّ لصفحتهم، معه الفرصة القائمة، وهم إلى يومنا هذا يسمعون نداء الله لهم أن يؤمنوا ... :
{يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)}
وهكذا يُختَم هذا القطاع "البرزخ" بين آيات استغرقت العدد من الصفحات، كلها عن بني إسرائيل أسلافا وأخلافا، وبين آيات قادمات فيها أحوال مخالفة كل المخالفة، فيها الانتقال الكليّ للمؤمنين.. هذا القطاع الذي عرفنا يخاطبهم، ولكن بخصيصة تحذيرهم من طريق بني إسرائيل، وبيان ضلالهم مع ضلال غيرهم ليكونوا على بيّنة من أمرهم، وإنه ما يُعرف لشمس النهار قدر ولا وزن إلا وقد عُرف الليل بدامس ظلامه..
وإنه للتناسق الذي نعرف، والاتساق الذي نعهد في الآيات.. ونحن ننتقل الهوينى لنعرَّف مايتمنون لنا وما يكرهون لنا ...فانظر :
1-) أنهم الذين يكرهون أن ينزّل علينا من خير من ربنا : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
2-) فهم من كرههم أن ينزّل علينا من خير، يمشون فينا بالتشكيك في ديننا وفي قرآننا، وهو دَيدنهم الذي لم ينقطع إلى يومنا، فوجب ألا نسلك مسلكهم في سؤال رسلهم وهو الطريق إلى الكفر بعد الإيمان: { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) }
3-) أنهم الذين يودّون لو يردّوننا من بعد إيماننا كفارا حسدا منهم وقد تبين لهم أن الذي نزّل علينا هو الحق: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}.
4-)أن علينا أن نلتفت لأمر ربنا فينا لنكون أصحاب الهوية الخاصة، والسَّمت المميزّ، المحققين لأوامر الحق فينا سمعا وطاعة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)}.
5-)يدّعون احتكارهم للجنة، وهم الذين يطعن بعضهم في بعض، بينما كان ما نزل فيهم الحق الذي يصدر عن مشكاة واحدة، فتساووا وهم من لم ينزل فيهم شيء، فكأنهم لم يعلموا من العلم شيئا: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}.
6-)تجرؤوا على بيوت الله بالتخريب ومنع الذكر فيها، وكل أرض الله مسجد، وهم يعيثون في كل أرضه إفسادا ونشرا للإلحاد والكفر، كما تجرؤوا على الله الواسع العليم، بديع السماوات والأرض، القاضي أمره بكن فيكون، فادّعوا له الولد، وسألوا المعجزات والبينات وأعرضوا عن معجزة خالدة ممثلة في كتاب آيات بينات هاديات مخرجات من الظلمة إلى النور:{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}.
7-) مبلغ مُناهم وتمام مرادهم ليرضوا عنا أن نتبع ملتهم، فنجنح للأهواء والباطل والجهل ونترك الهدى والحق والعلم:{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)}.
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة