المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7942 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #120 في: 2026-04-04, 21:30:28 »
ا🪴☘️🪴☘️🪴☘️🪴☘️🪴☘️🪴☘️🪴☘️🪴☘️ا

قالوا لأبيهم:

{أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}

ثم جاؤوه يقولون:

{قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ...}

أي عذر هو؟!  وقد غدا المحفوظ حافظا،  والحافظ محفوظا؟!

حتى يقنعوا أباهم، وليرسله معهم، قالوا أنه الذي سيرتع وهم له حافظون،  فلما كذبوا،  ولأنه لا عذر لهم،  قالوا بعكس ما وعدوا..!

 أصبحوا هم اللاعبين ويوسف الحافظ ! 

ولذلك أجابهم أبوهم بقوله :  "بل سولت لكم أنفسكم أمرا"..

حقا إن حبال الكذب قصيرة!  وإن من الأعذار ما هو أقبح من الذنب!

#سورة_يوسف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #121 في: 2026-04-05, 07:45:40 »
يوسف-عليه السلام- لما أوّل رؤيا صاحبَي السجن،  أوصى الناجي منهما أن يذكره عند سيده، لينظر في أمره وما كان من قضية امرأة العزيز والنسوة:
{وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ(42)}
ولكن الله تعالى يشاء ويقدّر ألا يذكره ذلك الناجي عند سيده،  إلا بعد سنوات طوال يقضيها يوسف في السجن..!
وإنك لتحسب ذلك شرا،  وإنك لتحسبه بقاء ليوسف في السجن لمدة كانت لتكون أقل لو أنه ذكره..
ولكن الله تعالى يقدّر أن يذكره في ساعة، الملك فيها أكثر حاجة ليوسف،  من حاجة يوسف القديمة للملك.. وقد جاءه  خادمه بتأويل يوسف لرؤياه..  تأمل قوله:
{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ... ۖ}
إنه الذي يطلبه ويريده....   لا،  بل تأمل..  إن يوسف ليزيد فيشترط قبل أن يذهب معهم إليه:
{... فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيم(50)} 
ثم تأمل مرة أخرى...  إنه يريده ويريده..  يريده لنفسه،  يريده مقربا، يريده ليمكّنه ويؤمنه:
{وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي ۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ( 54)}
أفرأيت وأنت ترى بعينك القاصرة،  أن ما تريده قد تأخر.؟!  قد يكون تأخره لخير كبير سيأتيك في أوانه اللازم،  لا ما يبدو لك أنت  أنه الأوان الأمثل..  !   
أرأيت وأنت تستجدي أن يكون ذلك من نصيبك،  كيف أنه بعد حين سيستجديك هو..!  وأنت تحسب نفسك قد حُرمت ! إنه يعلم أوانك الأمثل،  وإنه يدخر لك الخير وأنت بتسرعك وقصر نظرك تحسب الخير قد ذهب عنك!
فيا رب عفوك وحلمك بعبدك الضعيف الذي لا يعلم..  وإنك أنت الذي تعلم، وإننا يا رب لا نعلم  !
#سورة_يوسف
#الخير_المخبأ
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #122 في: 2026-04-05, 07:46:41 »
يوسف-عليه السلام- اليوم ممكّن في الأرض..  وأولاء هم، أبواه وإخوته يخرّون له سجدا.. فاسمع لما يقول:
{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)}
وتأمل-يرحمك الله- كيف رفع أبويه على العرش.. فإذا الكريم يسبق في التكريم، من قبل تكريمهما له بالسجود !
 ثـــــــم...!
بدأ،  -وهو يخاطب أباه- يعدد نعم الله،  ولا يُرجع لنفسه فضلا،  بل يرجع الفضل كله لله..
1-) قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا ۖ
2-) وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ.
3-) وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي.
4-) ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ.
5-) إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ.
يوالي ذكر النعم،  ومحنته التي عاشها سنوات طوال من عمره،  يذكرها عابرا،  وهو يردّها للشيطان ونزغه.. !! 
ثـــــــم...
من بعد تعداده نعم الله وتحديثه بها..  يتوجه لربه داعيا.. وهو يثني عليه،  ويذكر فضله عليه:
{رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ ۚ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101)}
أفرأيت يوسف-عليه السلام- وهو بين أمرين،  كلاهما خير كله،  وكأنه الذي لم يلقَ في حياته شرا ولا سوءا.. !! 
إذا هو بين 💎"تحديث بنعم الله"،  و💎" توجه لله بالثناء عليه وبالدعاء"..
إذا الذي أمامك عبد شكور، منيب،  مخبت،  يرى نِعم الله تلفّه وتغمره، حتى لا يكاد يبصر سوءا، وقد قضى دهرا في أتون محنة عظيمة !
فتعلّم من الكريم ابن الكريم،  كيف ترى عينك النعم قبل أن ترى السوء!
#سورة_يوسف
#الكريم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #123 في: 2026-04-05, 07:47:09 »
إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَىٰ أَن مَّسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُن مِّنَ الْقَانِطِينَ (55) قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56)} -الحجر-
إبراهيم -عليه السلام- حينما جاءه ضيوف الملائكة:
💎وجِل منهم ونكِرَهم💎-------> حتى طمأنوه وبشروه💎----->  فلما أن بشروه تعجب،  فلما تعجب💎------>  ذكّروه بألا يكون من القانطين💎-------> فأجاب أنه لا يقنط من رحمة الله إلا الضالون.
لسانه نطق تعجبا بشريا من شيء غريب عجيب بعيد،  لم يألفه الناس،  مجيء الولد من بعد كبر وشيخوخة..  ولكن قلبه لا يغادره اليقين بقدرة الله على كل شيء،  ولا يراوده اليأس من رحمته سبحانه !
وليس كيقين إبراهيم عليه السلام،  وكيقين الرسل يقين...
ولكن أنت وأنا.. نتعلم أن المدار كلّه،  ومناط الأمر كله، أن يكون قلبك عامرا به سبحانه، واثقا به، مستيقنا من أن كل شيء بيده،  حتى وإن ظهرت أمارات الضعف البشري، على لسانك وعلى نفسك،  بحالات وتقلبات...  بين جزع، وقلق واضطراب،  وحزن وخوف...  !  المعتَمَد والأساس والركيزة أن تكون خزينة قلبك عامرة،  لأنها هي التي ستفيض على نفسك -بعد تفاعلاتك البشرية - فتنعكس فيك تذكرا،  وانتباها، وعودة وأوبة وإنابة وتسليما ورضى...  !  وأملا في الله لا ينقطع..  !
#سورة_الحجر
#الأمل_في_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #124 في: 2026-04-05, 07:47:42 »
{وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ} [النحل : 9].
سبحان الله...! استوقفتني هذه الآية...  تركيبها،  كلماتها.. 
إنها جوامع الكلِم،  وما أدراك ما جوامع الكلِم! وهذا التركيب البديع فيه، الذي أذهل فطاحلة اللغة،  وجاءهم بأتمّ البيان ومبلغ البلاغة،  وغاية المعنى،  وسامق المبنى..
💧"قصد السبيل"،  أي السبيل المستقيم، الموصل لغاية، للمقصود، غاية حدّدها الله تعالى، فكانت معلم الهداية، ونقول" سبيل قاصد" أي سهل مستقيم،  وإذا قلنا" سبيل قصد"، فهي أبلغ وأقوى...
ولكن...  انظر كيف هي "قصد السبيل"..  أي عليه سبحانه مستقيم السُّبُل،  على اعتبار" السبيل" هنا جمع جنس،  كقولنا "الكتاب" جمعا لجنس الكتب.
"قصد السبيل"  ..  ولكأني بها وهي تحمل معنى  المستقيم من السبيل، تحمل بهذا التقديم لــ" قصد" على "السبيل" (على اعتبار إفراده) معنى أنه كما أن بيده سبحانه الهداية إليه،  -وجاء ذلك بتعبير "على الله" أي المتعهد ببيانه-  فكذلك هو سبحانه المتفرد في جعله مستقيما من أصله.. 
💧" وعلى الله قصد السبيل"...  منه سبحانه،  من إرادته وحكمته جعل معنى " الاستقامة" في السبيل، هو الذي جعل في ذات الهدى معنى أنه الهدى،  بمعالمه ومعانيه ومقاصده المحددة،  ثم هو الذي إليه يهدي..!
💧فعليه سبحانه جعْل الاستقامة في السبيل، وعليه سبحانه بيان السبيل المستقيم من بين سائر السبل، أي الهداية إليه، لنجد قوله:{ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ}.. بمعنى أن من هذه السُّبل ما هو جائر،  أي منحرف، مائل...!
لتكون "السبيل"  هنا:
💎كلمة واحدة،  حاملة لمعنى الإفراد والجمع. 💎ولتكون-وهي جمع-  مقرونة بصفة "القصد" من جهة. 💎ومقرونة بــ "الجائر" من جهة أخرى،  فإذا هي تعمل من جهتين..  !
💧فأما السبيل الجائر،  فقد جاءت بالمجاز العقلي،  وكأن الطريق هو الظالم، مرادا منها المعنى الأقوى لكونه طريق انحراف وميل.. كقول الله تعالى:  "وَ آتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً"، فالناقة من قوة عملها كآية كأنها هي المبصرة... 
💧ثم انظر كيف أن"جائر"  لا يُنسب لله تعالى،  كما نسبت له "قصد"
💧ثم تجد " وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ"..  لتعود على معنى "قصد السبيل"..  أي أن عليه سبحانه الهدى،  ولو شاء لهدى الناس جميعا..
فسبحان منزل الهدى،  وجاعله سبيلا مستقيما،  وهو الذي عليه الهداية إليه،  وسبحانه الذي لا يهدي إلى سبيل الجور والانحراف،  وسبحانه،  وهو الذي لو شاء لهدى الناس جميعا..
سبحانه منزل جوامع الكلم،  بمبلغ البلاغة،  وبمنتهى البيان،  وبتركيب للكلمات بديع عجيب، يجمع بين أطراف المدلولات والمعاني جمعا ليس إلا لله سبحانه وحده...!
#سورة_النحل
#جوامع_الكلم
#عظمة_القرآن
#بلاغة_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #125 في: 2026-04-05, 07:48:07 »
"... وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ" [النحل : من الآية 44].
في هذه الآية بيان أنّ دور رسول الله ﷺ مع القرآن هو البيان... وهو من أدوار السنّة المشرفة، إذ تفصل مجمله وتبين مبهمه، وتخصص عمومه وتقيد مطلقه.. 
فللذين يقولون أن المعنى هو بيان القرآن بالقرآن،  لا بالسُنّة،  لمنكري السنة وللطاعنين بنَقَلتها،  أقول:  فكيف هو تبيينه للقرآن كما أمره ربّه؟!   
إن لم يكن بكلمات هي منه،  هي لرسول الله ﷺ تشرح وتوضح وتفصّل؟! إن لم تكن هي قوله وفعله وتقريره؟  وهي هي السنة؟!
عجبا لكم ثم عجبا..! كيف هو تبيينه إن لم يكن قد أوتي القرآن ومثله معه-كما قال ﷺ- أوتيه وحيا مع القرآن،  ينطق به وفق مراد الله تعالى من قرآنه..
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #126 في: 2026-04-05, 07:49:16 »
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76)}-البقرة-
هؤلاء هم اليهود... هم ذاك الوجه الكالحُ الحمّال لكل شرّ ولكل بليّة.. هم أولاء ينافقون المؤمنين، فيدّعي فريق منهم أنهم معهم مؤمنون، مصدّقون برسول الله صلى الله عليه وسلم، مصدّقون بالقرآن ..
فإذا خلا هذا البعض المدّعي إيمانا إلى البعض الآخر منهم، وُبِّخَ وقُرِّعَ ممّن لم يمثّل دور المؤمن، أو ربما ممّن ادّعى الإيمان معهم، ولكنه لم يوغل كما أوغلوا، إذ أن فريقا منهم قد ادّعى الإيمان نفاقا، وليجعل نفاقه على أكمل وجه وعلى أتمّ صورة، جعل يُخبِر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شهادة كتابهم في شأن مبعثه ونزول القرآن عليه، وأنه الذي يعرفونه، ويعرفون أوصافه... !
وإن البعض والبعض الآخر منهم، كلّهم لا ينقصهم الوفاء لطبعهم الشارق بالحق، الساعي بالباطل سعيَه؛ فليس الذي نافق وأخبر أن رسول الله هو النبي المُحَدّث عنه في كتبهم بأقل سوءا، بل لعلّ إخلاصهم للنفاق فاق فيهم الاحتراس من دخول ساحة كتمهم لأخبار النبي الخاتم ! من فرط خبثهم كان فرط نفاقهم ..
فلنستمع للمنكرين عليهم وهم يوبّخونهم :
"أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"
وَيْحَ يهود !!  أيّ إمامة هي فيهم للخبث والمكر والدهاء ؟ ! أيّ إصرار هو فيهم على المراوغة والمداهنة وكتم الحق الذي أنزل الله تعالى وأخذ عليهم في شأنه العهود والمواثيق ؟ !
ألا وَيْحَهم ثم وَيْحَهم ! وَيْحَ انعدام الرهبة في صدورهم لربهم، ويْحَهم وهم لا يقدرونه، ولا يعرفون لجلاله وعظمته قدرا !
أتَرَى ممَّ هو خوفهم ؟؟ إنه ليس من علم الله بكتمهم الحق، ومن تواصيهم به، ومن زجر الواحد منهم لأخيه وتقريعه وهو ينبس بشيء مما يكتمون، وإن بسبيل النفاق، حتى وهم يتخذونه سبيلا لكسب ثقة المؤمنين كسبا ييسّر لهم مكرهم وكيدهم وانبثاثهم في صفوفهم .. !
إنهم يخافون أن يحاجوهم بما أخبروهم عند الله يوم القيامة !
عجبا ... ثم عجبا ! وهل الله المحيط بكل دقيق وجليل، وبكل ما يُسَرّ وما يعلَن بحاجة لمحاجّة المؤمنين لكم ؟ ! هل يعوز علمَه شيء ليعلم بالمحاجّة ما يغيب عنه ؟ !  هل يخفى عليه شيء، ليُعلِمه به أحد من خلقه ؟ !
ثمّ تأمل في هذه الكلمات منهم، وهم -بزعمهم- يعيدون أصحابهم إلى جادّة قد ضلوا عنها !
إن أعظم ما يحرصون عليه ألا يُعلَم بحقيقة ما يكتمون، ولا أنهم يكتمونه، من خبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، النبي الخاتم، وخبر القرآن الكتاب الخاتم، وخبر الميثاق الذي أخذ عليهم ألا يكتموا، وأن يؤمنوا بهذا النبي ويصدّقوه ويعزّروه  .. مبلغ سعيهم، وقصارى مرادهم، وغاية مناهم أن يكتموا نبأه، وأن يعلنوا كفرهم به، وأنه الذي لم ينزل عليهم بشأنه خبر، وأنه المدّعي الذي لا يصدّقونه !
هذا مرادهم الأكبر ورَيْمهم الأعظم .. أن يُكذّبوه، وأن يكتموا خبره، وألا يحدّثوا بشيء عنه !
ومع أكبر مرادهم، هذا فضح الله لهم، ولما يحسبون أنه الخفيّ وقد أخفته الجدران عن مسامع الناس ! فهذه كلمات في آية واحدة تُسمِع أخطر خططهم وأكثرها حساسية وأخفاها عن الناس، كلّ الناس، تُسمِع الناس كلهم في كل مصر، وفي كل عصر كيف يخطّطون له، وكيف يقرّعون من يخطئ -حتى على سبيل النفاق والادّعاء- فيُخرج منه شيئا !
تقرّعونهم لحديثهم بشيء مما تكتمون ؟ ! فهذا ما تكتمون، وما تسعون لدوام كتمانه، يُخرجه القرآن ! يُخرجه علم الله الذي يعلم ما تسرون وما تعلنون، إلى كل أهل الأرض عبر الأزمنة ! فتُعلَم به جريمتكم القديمة الجديدة المتجددة !
ماذا بقي لكم وآية واحدة تفضح أمركم، وتُخرج أعظم سرّكم ..
ماذا بقي لكم، وأنتم تقرّعون مَن حدّث شيئا بقولكم : "أَفَلَا تَعْقِلُون؟"
والعقل عندكم هو الكذب، وكتم الحق، وعدم تقدير الله حقّ قدره حدَّ حسبانكم أنه الذي لا يعلم ما تسرّون،  ونقض الميثاق معه سبحانه ومع رسله، وتبديل كلامه !  وهو هو عقلكم إلى يومنا، وإلى كل يوم ..
وزيادة في العجب من أمرهم .. تأمل وصفه لما يكتمون بـ : " بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ".. و"فتَحَ" عند العرب  "قضى" و"حكم"، أي حكم وقضى بأمره سبحانه أن يأخذ عليهم العهد بالإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم .
فيا أيتها الآية العظيمة، يا جوامع الكلِم، يا قليلة الكلمات ! يا عظيمة البيان !كم تبيّنين، وكم تكشفين، تكشفين حقيقة كتمهم وكذبهم، من خلال كلمات حرصهم على الكتم ! من سراديب سرّهم ومناجاتهم واختلاء بعضهم ببعض ! على ألسنتهم الناطقة بعزم قلوبهم على الكتم والإخفاء، يأتي الكشف والفضح ..  وليس ذلك إلا لله تعالى .. إلا لآيِ كتابه وهو العليم بما يسرون وما يعلنون : "أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)".
#سورة_البقرة
#عقل_اليهود
#كتم_الحق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #127 في: 2026-04-05, 07:50:31 »
إن لي مع سورة الإسراء العظيمة قصة خاصة وحياة خاصة تتجدّد كلما تجدّدت جولتي بأنحائها الوضيئة، فأقع فيها على العجب، وهي إذ تحمل اسم "الإسراء"، وتُفتَتح بحادثة الإسراء التي خُصّ بها نبي الله صلى الله عليه وسلم، تحسب أنك ستمضي مع آياتها في تفاصيل الحادثة،  فإذا هي آخذتك مأخذا آخر، بعيدا عن حُسبانك كل البعد .. !
سترى حادثة الإسراء فيها قصرا على الصفحة الأولى من صفحاتها، مع حديث عن بني إسرائيل ابتُدئ بذكر نبي الله موسى –عليه السلام- :
{وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا (2) }
ولا يُذكَر موسى وبعثته بالتوراة في بني إسرائيل هدى، إلا ويُثنّى بذكر نوح عليه السلام : { ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)}، في إشارة وإيماض إلى أنّ موسى هو سليل نوح -عليهما السلام-، سلالة دم، كونه من ذريّة مَن حمل الله مع نوح في سفينة النجاة والحياة، سفينة انبعاث نبتة الإيمان من جديد على الأرض .. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كونَه سليل الرسالة الواحدة التي جاء بها كلّ رسل الله تعالى وأنبياؤه، في وحدة هي لهذا النور الواحد الذي يصدر عن مشكاة واحدة ..
إذن ...فإنك مع ذكر موسى ونوح، الابن عن الأب من رحم الدم، والابن عن الأب من رحم العقيدة، والأخ عن الأخ من مشكاة الرسالة الواحدة .. وقد ذُكِر قبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكرا يوائم حادثة الإسراء : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى ... "
فإذا أنت مع رسل ثلاثة، كلّهم بالدعوة الواحدة جاؤوا، لعبادة الله الواحد دعوا .. وكما كانت إمامته صلى الله عليه وسلم لإخوانه الرسل والأنبياء في حادثة الإسراء مصلّيا، جاءت سورة الإسراء تبيانا لإمامة "القرآن" وشمول هدايته كل الهدايات، ولكونه المعجزة العظمى التي تحمل سورة الإسراء تفاصيل إعجازها، المعجزة المختلفة كل الاختلاف عن معجزات الأنبياء السابقين، عن الآيات التي أيِّدوا بها من ربّ العالمين ...
إنك وأنت تتصوّر أن تعرِض في مجالات السورة وقطاعاتها  لتفاصيل عن حادثة الإسراء -بحكم اسمِها وافتتاحها- تجدك تعرض في حناياها لتفاصيل عن القرآن .. !
إي وربّ العزّة... !  تلكُم هي قصة حبّي لهذه السورة العظيمة الجليلة، وهي التي جاءت تبيانا لمعجزة القرآن، لكونه المعجزة العظمى والآية الأسمى التي أيِّد بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي التي فاقت كل الآيات وكل المعجزات..
اسم السورة جاء شاهدا مع ما تشهد به الآيات على أنّ القرآن وما جاء فيه أعظم من إعظامك لإسراء الله بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة ! جاء الاسم: "الإسراء"  وهو يعلن مع ما يعلِن في هذه السورة، أن القرآن بما جاء فيه أجلّ وأعظم، أنه بما حوى أدعى للإعظام والإكبار !
تأمل معي –يرحمك الله –
إنك لا تلبث إلا قليلا، حتى تجدك مع حديث القرآن، وأنت الذي حسبتَك ستمضي مع حديث الإسراء، إن لم يكن إلى آخر السورة، فإلى قطاع كبير من آياتها .. ! بعد ثمان آيات مفتتِحات، بعد مرور سريع جاء فيه ذكر موسى عليه السلام، وكتابه، وأنه وقومَه من ذرية مَن حمل الله مع نوح، فأما هو فالابن البارّ دما وعقيدة، وأما قومُه فالأبناء دما، العاقّون عقيدة ..
كما جاء سريعا ذكر قضاء الله فيهم، ووعده الذي لا يُخلَف أنّ ما علوا متبَّر تتبيرا ...
ثم ها أنت.. ها أنت بعدها مع القرآن :
 {إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) }
ومن هذه اللحظة، من هذه الانطلاقة، سيكون كل طريق السورة معبَّدا بالقرآن، معبَّدا بتفاصيل عن القرآن، بأساليب وبأفانين، وبطُرُق يُطرَق بها موضوعه، وهداياته، وقوانينه الثابتة، وتصوراته، وعلاقة المدعوّين به، خاصة منهم من أعرض عنه، وكفر به ...
فيمهد للتفصيل في شأنه بقوله تعالى:
{وَيَدْعُ الْإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ ۖ وَكَانَ الْإِنسَانُ عَجُولًا (11) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ ۖ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِّتَبْتَغُوا فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ ۚ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا(12)}
ولكأن الليل والنهار إشارتان للحق والباطل الذي جاء القرآن فرقانا بينهما،  لتجد بعدها التقدمة للتفصيل في شأن القرآن،  وللتفصيل الذي في القرآن ذاته: "وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا"
فخُذ عندك الانطلاقة ممثلة في هذه القوانين الثابتة التي جاء بها القرآن، قوانين التبعة الفردية للإنسان:
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) }
ثم يُطرَق القرآن من باب آخر ...  تأتيك تفاصيل هداياته من باب قانونه الثابت حول تصوّر الوجود، دنيا قصيرة عاجلة هي دار العمل والسعي، وآخرة مديدة هي دار الحساب والجزاء:
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)}
ثم... تأمّل هذا الباب الآخر الذي يُطرَق لمزيد تفصيل وبيان عن القرآن، إنه باب إفراد الله بالعبادة، باب توحيده، والذي تندرج تحته أقضية ومقتضيات :
{لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) }
وإنك إذا تأملت الآيات أعلاه، وجدتها بين أمر ونهي، ووجدتها بين تخلية وتحلية، لتُختَم ببيان أنها الحكمة والوحي، في إشارة إلى أنها قوانين القرآن :
{كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا }
وإن قوله سبحانه : { ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ ... } لتعبير جديد عن القرآن، تضمّن القرآن وتضمّن وصف ما يحمل ..
ولحديثنا عن سورة الإسراء تتمة بإذن الله فانتظروها ...
أسماء حازُرْلي
#سورة_الإسراء
#معجزة_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #128 في: 2026-04-05, 07:51:57 »
في المنشور السابق(يوم أمس) عرضنا للجزء الأول من تدبرات لي في سرّ سورة الإسراء :
https://m.facebook.com/story.php?story_fbid=4861729597285868&id=100003466263333
واليوم نحن مع الجزء الثاني :
ا-----------------------------------------------ا
انظر إلى هذا القطاع من الآيات، وكيف طُرق القرآن فيه، انظر إلى افتتاحه :
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) }
صرّف الله في القرآن ببديع الطرائق وأروع الأساليب، تشريعاته وهداياته وكمالاته وتخْلياته بالنهي، وتحلياته بالأمر، وما جاء فيه من قَصص للعبرة والاعتبار، وما جاء فيه من أخبار الماضي بسحيقه وقريبه، وما جاء فيه عن النبأ العظيم، وعن أحواله وأهواله ...
ولكــــــــــن ..... رغم كل ما جاء فيه، رغم الإعجاز الذي يحمله هداه ونوره، لقد قالوا، فماذا قالوا ؟ :
{وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) }
رغم كل كنوز القرآن، ورغم كل أغواره النيّرة، ورغم كل بيانه، جعل المعرضون الكافرون يطالبون بهذه الحسيّات والملموسات، بهذه الخوارق التي جعلوها شرطا لإيمانهم ... طالبوا بالمعجزات تراها أعينهم، بالخوارق تجري على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم  ليصدقوا أنه النبي المبعوث والرسول الهادي ...
إنهم يُعرضون عن معجزة القرآن، يغلقون عقولهم ويمنعونها من العمل مع عظمة القرآن، ويرومون ما يبهر أعينَهم ...
فيلقّن الله نبيّه : "قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا"
نعم... بشر رسول يأتيكم بالقرآن لعقولكم، ليرقى بكم من دركات البهيمية إلى عليّات الإنسانية ! فيعلّل الله تعالى تماديهم وإغراقهم، وهم إذ يشترطون الخوارق ليؤمنوا، إنما يجعلون بعثة بشر منهم نبيّا سببا لإعراضهم :
{وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) }
ثم يلقّنه مرة أخرى أن إرادة الله ببعثة النبيّ بشرا للبشر، لا تبدّل استرضاء لهم، حتى على سبيل استجلابهم للإيمان، وأن إعراضهم عن إرادته مهلكة لهم وخسار وتبار :
{قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا ...}
وإنهم مع تعللهم لكفرهم ببعثة النبي بشرا منهم، يتقولون على قدرة الله وفعله :
{وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) }
وانظر إلى تعلّق تكذيبهم بالبعث بما طلبوا من خوارق، فالخوارق طلبوها من النبي البشر، وفي زعمهم أن النبي ليغاير البشر يجب أن يقدر عليها،  وتكذيبهم ببعث الله الناس بعد موتهم، من تسويتهم بين قدرة الله المطلقة ومحدودية القدرة البشرية، أجروا قدرة الله على قدرة البشر، تكذيب بقدرة الإله الخالق العظيم الذي له وحده القدرة على ما لا يتصوّره عقل بشر .. !
ويْحَهُم ! يسألون ما لله وحده من البشر، ويكذّبون بما لله وحده لأنهم يقيسون قدرته  بقدرة البشر ! فأي تناقض هو في أنفسهم، وهم يطالبون البشر بالخوارق، ويكذّبون بقدرة الإله العظيم على ما لا يقدر عليه البشر !
ليعود الله بعدها إلى هؤلاء الذين يملكون عقولا لا تعقل، هؤلاء الذين يطالبون البشر بما لا يقدر عليه، ويكذّبون الخالق فيما يقدر عليه :
{قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)}
كل ما سألتموه، لو كنتم مالكي خزائن رحمته سبحانه لأمسكتم، ولما أعطيتموه، وإنها حتى وهي ملكهم افتراضا :" قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ".. فإنها لربي، وإنها لخزائن ! والوقوف عند هذا التعبير الإلهي البديع وحده يكفي ليُعلم أن الافتراض ذاته لا يمكن أن يكون كليا، بل إنما هو جزئيّ، وما يكون لهم أن يملكوا افتراضا ما هو لله تعالى إلا بإذن من الله ! 
الله يعطي من خزائن رحمته، ويُجزل العطاء، ويغدق، في كل منحى من مناحي حركة الحياة، في كل جانب من جوانبها،  وإنكم تضِلون عن هذا كله، وهو بكم محيط، وتستمسكون بسؤال الخوارق ... !
ويكأنّكم أنتم من تملكون الخزائن، فهي لكم، فأنتم تعطون منها، وسَهْلٌ عليكم الإعطاء، وأيديكم مبسوطة بلا حساب،  وكأن كل نعمة من فضلكم وإنعامكم، وما ذلك فيكم إلا من إلْفِكم النّعمة المحيطة، حتى ذهب إحساسكم بها،  فأنتم بعدها تطالبون الله أن يجري لكم الخوارق !!
وفي هذا إيماء إلى أن القرآن جاء ليسقي نبتة الإحساس بعظمة نعمة الله، المحيطة بالإنسان من كل جانب، وأنه وهو يتأملها ويقدّرها، يعلم كم هي عظيمة، وكم أنّها خوارق محيطة به، مقيمة لكلّ أمره، تلامس تفاصيل حياته في كل حين، وتقيمها له حياة !  فما الخوارق التي يسألون قياسا إلى هذه النعم التي تغمرهم من الرأس إلى أخمص القدم، وليس لهم فيها يد ولا جهد ولا عناء ؟ ! يسألون الخوارق وقد غفلوا عن خوارق النعم التي لا تغادرهم !
ثم انظر –يرحمك الله- إلى الآية بعدها، وهي تجعل الإشارة والإماءة تفصيلا وبيانا وتصريحا، انظر وأنت مزوّد بعقلك الذي يعمل :
{ وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101)}
فهل نفعتهم تلك الآيات التي أُيِّد بها موسى عليه السلام؟ هل كان لها في أنفسهم وقع ؟ وهل وافقت في قلوبهم تصديقا وإيمانا ؟؟
لذلك فإن القرآن أعظم المعجزات وأبقاها، وأكثرها لمسا لحقائق الوجود، ولحقائق إيجادك فيه، القرآن هو الذي يفسّر معجزة إيجادك في هذا الوجود، هو الذي يبث النور في نفسك، ليستنير درب حياتك...هو الذي إعجازه في ما جاء به من هدايات وحقّ ونور، فيما جاء فيه من تعريفك بعظمة خالقك الذي يحيطك بنعمه إحاطة، ولا يستقيم لك في الحياة شيء من غير عطائه وآياته في كونه التي تلفّك لفّا، ومن غير آياته في نفسك وهي التي بين جنبيك .. !
إنه الآية التي هي أعظم من إسراء الله بعبده من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى في ليلة واحدة ... ! وعلى هذا كانت سورة الإسراء بالتحديد، هي "سورة القرآن"، هي سورة تفاصيل المعجزة العظمى والآية الأسمى... تأخذك بعنوانها وافتتاحها إلى إعظام ذلك الإسراء برسول الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى  في ليلة، لتجدَكَ وقد أسرِي بك في ملكوت الحق والحقيقة، في ملكوت القرآن، في رحلة هي رحلة سرّ وجودك والغاية من وجودك ...
أسماء حازُرْلي
#سورة_الإسراء
#القرآن
#معجزة_القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #129 في: 2026-04-05, 07:52:24 »
في سورة طه الجليلة المهيبة، تلك التي كلما قرأتها استشعرت الهيبة والجلال والعظمة والقدسيّة؛  تستشعرها كلها بقوة وأنت مع قصة مناداة الله نبيه موسى بالوادي المقدس طوى، حينما آنس نارا، فبشّر أهله، لعله يأتيهم منها بقبس أو يجد عليها هدى ..
حينما ناداه ربه بجلاله وعظمته... بصوته سبحانه يسمعه كليمه :
{يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)}
💎"إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى"
خالقك ورازقك ومربيك وهاديك، فتأدّب وأنت في رحابه، واعلم أن الوادي قد تقدّس من جلاله، وهو الذي تسمع فيه صوته سبحانه .
💎"إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي "، فاعبده وحده وأقم الصلاة لذكره.
أعلَمَه أن مبتدأ أمر الإنسان في هذا الوجود منه سبحانه: " إِنِّي أَنَا رَبُّكَ "، وأنّ غاية وجوده أن يكون عبدا له سبحانه : "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي"، ثم أتمّها ببيان أنّ المآل إليه :
{إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)}
فيالِروعة النظم القرآني، وهذا الافتتاح الأغرّ من حوار الله مع عبده، وهو يُجمِل له في كلمات أصله ومبتدأه، ووجوده وغايته، ونهايته ومآله؛  في هذه الكلمات المتتاليات المنسابات انسياب الماء في سَريّ مُحيٍ .. !
ثم يبدأ الحوار الجليل القدسيّ المهيب، فإذا هو السؤال منه سبحانه إيناسا لموسى وهو في فضاء الرهبة، وفي حضرة الرب الإله الواحد، بصوته يسمعه موسى !
{وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18)}
إنه في حضرة العليم سبحانه، الذي لا يحتاج أن يجيبه عبدٌ من عباده عن سؤال ! وعُدْ -يرحمك الله- إلى بداية السورة لتجد هذا مُقَرّا فيها من رب العزة :  {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7)}
ثم يبدأ الأمر من الله إلى عبده موسى، من بعد تزويده بالتصوّر الواجب نحو الله تعالى، ومن بعد سؤاله عن عصاه إيناسا، وهي التي لا يعلم موسى عن مآرب أخرى، أخرى قد أعدّت لها ! إنها عصاه، وإن له فيها مآرب أخرى غيرُ هشّه بها على غنمه واتكائه عليها، ولكنّ مآرب أعظم هي خافية عنه .. ! فهذا أول أمره له... أن يلقيها :
{قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20)}
ولقد ائتمر موسى وألقاها، ولقد خاف –عليه السلام- وهو يراها حية تسعى، وإن ربّه ليُسكّنه وليهدئ من روعه :
{ قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21)}
وإنه يلملم شتات رهبته وهو يأمره تارة أخرى :
{ وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى}
ولكأنما يلملم أبعاضه المفرّقة من الرَّهَب، وهو يأمره أن يضم يده إلى جناحه، لتخرج بيضاء من غير سوء ..
ثم ... إنه أوان الأمر الذي أعِدّ له موسى، إنه أوان أمر ربه له، إنه أوان بعثته :
{ اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (24) }
وإننا لن نسمع موسى يردّ بغير السمع والطاعة، لن يسأل، لن يبحث، لن يتردد، لن يتحير، إنه أمر واحد، وكلمات معدودة جامعة قد كفت موسى، وهو الذي يعرف فرعون، فمن فوره ائتمر وأطاع وبدأ بسؤال الله الإعانة والظهير :
{قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا (34) إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا (35)}
وكل سؤاله، لا لنفسه ولا لمآربه، ولا لغاياته،  بل للغاية التي أمره الله بها، فسأل شرح الصدر ليتحمّل عبء الدعوة، وتيسير الأمر عليه، وأن يحلل عقدة من لسانه الذي سيدعو به ليفقهوا عنه ما يدعوهم إليه، وأن يجعل له أخاه معينا وظهيرا، وما كل ذلك إلا ليذكراه كثيرا وليسبحاه كثيرا..
ولعلّ لنا مع الحوار القدسي تتمة بإذن الله تعالى
أسماء حازُرْلي
#سورة_طه
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #130 في: 2026-04-05, 07:52:51 »

نكمل مع سورة طه، وقد بلغنا (في المنشور السابق) سؤال موسى -عليه السلام- ربّه أن يشرح له صدره وييسر له أمره، ويجعل له وزيرا من أهله ..
وكلّه، ما سأله موسى إلا ليتقوى على أمر الله تعالى بالذهاب إلى  فرعون،  أن يدعوه لله تعالى، فما عرفنا في موسى تلكأ ولا تأخرا ولا ترددا، بل عرفنا الأمر من الله تعالى، والذي كان منه بذلك الوادي المقدس الذي عرّف فيه الله نبيّه أنه بين يدي ربّه، وأنه الله الذي لا إله إلا هو،  وعرفْنا من نبيّه السمع والطاعة ...
لقد سأل موسى ربّه، وإنّ ربه يجيبه :
{قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (36)}
أعطاه الله تعالى كل ما سأل، من شرح الصدر وتيسير الأمر، وحلّ العقدة من لسانه، وجعل هارون وزيرا له... ثم نسمع الله تعالى وهو يذكّره أنها ليست المنّة الأولى عليه، بل إنّه سبحانه قد منّ عليه مرة أخرى، كانت سابقة لهذه ... وإنها للمنّة العظيمة، تلك التي نراها في عَرَض الآيات تشمل كل سنيّ عمر موسى عليه السلام ...
تأمّــــــــــــــــل :
 {وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (37) إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (38) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (39) إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى (40) وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي (41)}
يا إلــــــــــــــــــــــــهي ... !
إنها لقصة حياة موسى –عليه السلام- كاملة، أجملت في هذه الآيات؛ الوحي إلى أمّه أن تقذفه في اليمّ، والأمر المتضمَّن لليمّ بدوره أن يلقيه بالساحل : " فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ"..  إلى أين ؟ إلى عدوّ الله وعدوّه فرعون ! وكيف ألقى عليه الله محبة امرأة فرعون، كل هذا ليُصنَع على عين الله تعالى، وأين ؟ !
في قصر عدوّه ! ثم قصّ أخته لأثره، لتدلهم على أمّه وأمّها مرضعةً له، سببا لإرجاع موسى إلى حضن أمّه..
مُضيّا إلى قضية قتله القبطي، وخروجه بسببها من مصر إلى مدين التي مكث فيها سنين إلى يوم عودته منها، وهو هو هذا اليوم الذي هو فيه بين يدي ربّه بالوادي المقدّس طوى !
"ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى"   إن حياتك كلها التي مضت بمنة الله عليك،   وإن توّك ولحظتك هذه في حضرته على قدر منه،  كما كانت كل حياتك على قدر منه..  !  ولأنه سبحانه اصطنعك لنفسه في هذه المنة الثانية! كما صنعك من قبلُ على عينه في تلك المنة الأولى..!
أجل... إنه بقيّة الحوار، إنه بالوادي المقدّس طوى، وموسى في عرض تلك الصحراء الشاسعة التي لم يتبيّن فيها سبيله إلى مصر، فلما أن رأى النار استبشر وهرع إليها لعله يجد عليها هدى !
ولقد وجد عليها الهديَيْن لا الهدى الواحد، وجد هداه إلى ربّه الذي بعثه إلى فرعون مصر نبيا، وقد خرج منها طريدا ... !
لننتقل من الحوار بين الله تعالى وكليمه موسى، إلى الحوار بين الله تعالى ونبيَّيْه موسى وهارون .. لننتقل إلى تفاصيل الدعوة التي كلّفا بها :
{اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآَيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (42) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (44) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (45) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (46)}
ولنا تتمة مع سورة طه بإذن الله ..
أسماء حازُرْلي
#سورة_طه
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #131 في: 2026-04-05, 07:55:06 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

💎الجزء الأول: 💎

شغلت أخبار بني إسرائيل قطاعا كبيرا من سورة البقرة،  جاء فيه عن عظيم الإنعام عليهم، وما قابلوه به من جحود ونكران وكفر، في منظومة متسقة من سرد ووصف وقصّ هو في القرآن مشاهد وحركة تتمثل لك تمثّلا، وكأنما دخلتَ مع القوم، وعايشتهم مبلغ استخذائهم تحت سياط جلّادهم، ومبلغ العذاب الذي سيمُوه، والهوان الذي أُشرِبوه .. وكأنما درجتَ معهم خطوات التنجية والتخليص والنصر على عدوّهم، فإذا أنت ترمقهم بعين المتسمّر حيرةً، من بطر وكفر وجحود يقابلون به كل إنعام عليهم، فإذا الأحداث فيهم دائرة تدور،  فإنعام فجحود فعفو وتجاوز، فإنعام فجحود فعفو وتجاوز .. !

حتى قلتُ فيما قلتُ، إنك إن أردتَ أن تعرف وسعَ عفو الله تعالى وكرمه، فشدّ الرّحال إلى مكان وزمان هما لبني إسرائيل، يقودهم موسى ويسوسهم، لترى العجب العُجاب من العفو عمّن تقول في نفسك، ويْحَهُم، كيف يجحدون ؟ ! ويْلَهُم كيف يُعفَى عن أمثالهم ؟ !

وأنت تعايش الأحداث، معايشة الحاضر بينهم يسمع ويرى، فتأخذك عزّة الإيمان، حتى تكاد تبطش بهم، يدا بيد، إلا أنك عندها، وأنت العاجز عن فعلها، تفطن أنّك لست معهم حقا، أنهم ليسوا قُبالتك، وتمنيت لو أنهم كانوا فلكُنتَ فعلتَ !!

ذلك من فعل روح القرآن في النفوس التي تقرأه قراءة مُناسمة الروح لنفختها، فيصوّر لها الماضي حاضرا يُرى ويُسمَع، فيجعلها تتفاعل تفاعل الذي يعيشه، ويعيش أزمنته، وهو يعي تمام الوَعْي أنّه الذي إذ يقصّ، يفتح لك صفحات الحاضر، لتكتشف أنه مُكَرَّرُ تلك الأزمنة الغابرة ! تُسقِط فتجد الجبلّة واحدة، والأفعال واحدة، والأقوال واحدة .. ! فتقول في حبّ وعجب مقترِنَيْن: إنكِ أيتها القَصَص واقع الحال، وإنك أيها الزمان بماضيك وحاضرك، لَلْعجلة الدائرة دوران السُّنن والتاريخ المكرّر، والعبرة المحمّلة !

تملَّ آيات البقرة المبتدئة تفصيلا في شأن الإنعام على بني إسرائيل من بعد الإجمال في شأنهم في قطاع من الآيات المتواليات (40-47) :

{يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40) وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42) وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (43) أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (44) وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (45) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاَقُواْ رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (46) يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47)}

رأسها هو ذاته خاتمتها : { يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ ...}

إجمال... يجعل القارئ المستكشف يتساءل، أي إنعام هو الذي يذكّر به الله بني إسرائيل؟ وأي تفضيل؟

لتأتيك الآيات بعدها تترى ... مفصّلة، في نَظم بديع، يسوقك سَوقا لتُلامس ملامسة ما كان من الله، وما كان منهم !

يأخذك إلى ذلك الزمان، وإلى ذلك المكان ! إلى مصر، وإلى البحر، وإلى ما وراءه، حيث نجوا، وإلى الصحراء الشاسعة تشهد ما لاقاه موسى في سبيل الدعوة إلى ربّه، وما تجرأ به القوم، أولئك الذين قبل زمن يسير كانوا أذلّة خَزايا، فلما أن خُلّصوا وحُرّروا، تمرّدوا وتبطّروا !

فهَـــلُمَّ ... نرقب شيئا من تلك الجبلّة الفريدة المتفرّدة، تلك التي وهي تحمل عنوان "بني إسرائيل" تحمل معنى الوجه الكالح للإنسان، تحمل منتهى الجراءة والخصام المبين من العبد المخلوق نَحْو خالقه !  ولعلّك لا تحبّ أن تنصت لرأيي وحُكمي، قبل أن تسمع حديث الله عنهم ! وإنه لَعَمْرُ الله  ما أروم ..

{وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (49) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (50)}

إنها التنجية من سوء العذاب، من تذبيح الولدان، ومن استحياء النسوان، وأي بلاء هو أكبر ؟ ! وأي نعمة هي أكبر من التنجية من ظلمات تغشاها ظلمات، يحسبها مَن ألِف الذلّة والهوان القدر المحتوم الذي لا حِول عنه ! وإنه البحر يُفرَق فِرقَيْن، فإذا هو الفرقان بين أهل الظلم والعدوان وأهل المظلومية والهوان، فإذا هو اليبَس لنجاة المظلومين، وهو هو البحر المُغرِق للظالمين، وأي نعمة أكبر، وأي شفاء للصدور أعظم،  والقوم يشهدون إهلاك عدوّهم؟ !

وإنك وأنت بين يدي البحر المُفرَق بإرادة ربّه ونعمائه، والعدوّ المهلَك بإرادة ربّه ونعمائه، لتقول من معرفتك الأمرَيْن، لا تعدو لتعرف ثالثا لهما  : إنها النعم التي لا توفّيها الحياة بطولها وعرضها شكرا وحمدا للمنعم سبحانه !

ولكن ... !   رُويدَك وهَوْنَك ورَيْثَك ! فإنك ما تلبث أن تعلم بالنبأ العظيم، وبالإنعام الجليل حتى يفاجئك القوم :

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)}

إنهم تـَـوَّهُمْ قد نجوا من ظلمات زمن بقدّه وقديده، برجاله ونسائه، بأحلامه وبآماله، بدُورِه وبعيالِه، كما تكون للبشر أحلام وآمال، ودُورٌ وعِيال !  ذهبت كلها في غياهب الاستعباد والاستخذاء، عاشوا فيها أشباه بشر وهم العبيد لبشر مثلهم...

فما أن أنجاهم الله وأهلك عدوّهم؛ ما أن ذهب موسى لميقات ربّه يروم الهدى لقومه، والماء الباعث لنفوسهم من موت الاستعباد، حتى هم أولاء يتخذون العجل إلها معبودا من دون الله المنعم المُنجي سبحانه !

{وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (51)}

فأي نكران، وأي كفران ! أي حال هي حالك وأنت ترى من كان عبدا لبشر مثله يسمع ويطيع، وتُذبَّح فلذة كبده على مرأى منه ومسمع، وتُستباح حرمتُه على مرأى منه ومسمع، وتلفحه سياط الجلاد وجسمه المتهالك ينضح بعرق السُّخرة والابتذال، وهو الذليل السامع المطيع .. ! أي حالٍ هي تُراها حالُك، وأنت تراه مع خالقه، المنعم عليه، ناصره، ومنجّيه من الهوان، تراه هذا الكافر الجحود  ؟ !

ثمّ مـــــــــــــــــــــاذا ؟

{ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (52)}

لعلّك ستُشْدَهُ للعفو مقابل هذا الكفر أكثر من شدَهِكَ للكفر ذاته فوْرَ الإنعام !

ألم أقل لك إن أردتَ أن تعرف وسعَ عفو الله تعالى، فشدّ رحالك إلى ذلك الزمن من الزمان، وإلى تلك الصحراء الشاهدة على عظيم الإنعام وعلى عظيم الكفران بالمقابل،  وعلى عظيم العفو ! وإني –من جديد- لن أغمّي عليك برأيي، بل اقرأ،  تسوّر السّورة وأنت تقرأ، ولا تمرّ حذوَها مرور من لا يعرف غير السور، ولا يستكشف ما خلفه من عظيم أسرار !

{وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (54)}

ولقد كان العقاب حدّا، وحسما، وردعا، وفرقانا بين الحق والباطل، وبيانا لما يجب من عقاب للظالم المعتدي، الظالم نفسه التي بين جَنبَيه وهو يخنق الفطرة فيها، ويحرمها الحياة ! ومع العقاب هي التوبة وهي الرحمة من التواب الرحيم العفوّ الكريم !

وبعــــــدُ ... ؟ ! انتهى الأمر، وهل بعد المقتلة التي كانت من كفر مَن كَفَر شيء يستجدّ ؟ ! لا بدّ أنها النهاية، وأنها التصفية، وأنه هلاك كلّ مَن عبد العجل وبقاء الصفوة ممن لم يتخذه معبودا، لا بدّ أنها التصفية !

ولكن ... !   رُويدَك وهَوْنَك ورَيْثَك ! فإن القوم مفاجئوك من جديد !

ولكن، لعلّك لن تصدّق وأنت تعي الآن أن هؤلاء ليسوا عبدة العجل، بل هم الباقون، الذين لم يُقَم عليهم حدّ القتل، هم الصفوة، فأي مفاجأة ستكون ؟ إلا أن تراني أعني مفاجأة تبدّل حال القوم من بعد التصفية، إلى القنوت والخشوع والعبادة، إلى الثبات على الحق  !

رُويدَك وهَوْنَك ... واقرأ الجديد :

{وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (55) }

مَن قائل الكلمات ؟ من ذا قد قدح زناد الجرأة على ربه، وهو يشترط، ويضع حدّا فاصلا دون إيمانه، وأنه الذي لن يكون "حتى" ... !

أتدري يا صاح مَن يكونون ؟ إنك المصيب لا المخطئ، إنك المتثبّت لا المخلِط، إنهم هُم !

إنهم الصفوة الذين لم يعبدوا العجل، إنهم الذين قتلوا بأيديهم عَبدَة العجل كما حكم الله توبة لهم ! بل سأزيدك من الشّعر بيتا، لتكتمل دهشتك، وليُحَال دون انطباق شفتيك انطباق المتحيّر حينا من الزمن، وما يلبث أن يعرف السبب فيزول عنه العجب، وليُحال دون عودة النظرة المستقرة لعينيك المتسمِّرَتَين..

إن بيت الشعر المتمّم، أنهم صفوة الصفوة، أنهم خيار الخيار، أنهم الذين اختارهم موسى من بين قومه لميقات ربّه، من بين مَن لم يعبد العجل، ليسألوا العفو من ربّهم على ما كان من عبدة العجل : {وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)}-الأعراف-

هم أولاء الذين اشترطوا لإيمانهم أن يروا الله جهرة ! وكما تبيّنت هشاشة إيمانهم المشروط برؤية الله جهرة، هم أولاء يصعَقون جهرة، وهم ينظرون...

يموتون ... ثم مـــــــــاذا ؟  :

{ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (56)}

وإنك لتجدك منبهرا بالإنعام يتلوه الإنعام، وبالعفو يتلوه العفو، وبالفرصة تتبعها الفرصة !

إنك في تلك الصحراء الشاهدة على وسع عفو الله تعالى ...

إنك تُعَلَّم عظيم عفوه، وأنت ترى هؤلاء المتمرّدين، العصاة الكفرة، الذين بالأمس القريب، كانوا يسمعون ويطيعون لبشر مثلهم، لا حول له ولا قوة إلا الاستقواء بالأذلّة تحت سياطه، وهم اليوم مع الخالق العظيم القدير الذي أنجاهم وأراهم المعجزات،  متمرّدون، بالكفر مستعلون !

ولنا بإذن الله تتمة مع الحزء الثاني..

أسماء حازُرْلي

#سورة_البقرة
#الوجه_الكالح_للبشرية
#بنو_إسرائيل
#اليهود
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #132 في: 2026-04-05, 07:55:51 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
نا قد عرفنا في جزء سابق عن بني إسرائيل كما جاء ذكرهم في سورة البقرة، وهذا رابطه الذي أنصح بقراءته أولا لينتظم السياق
https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/4806213532837475
ونكون اليوم مع التتمة :
انظر للإنعام يترى :
{وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) }
ثم انظر تارة أخرى :
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}
لقد أمِروا أن يدخلوا القرية، وإنهم قد دخلوها... ولكنهم دخلوا مبدّلين لأمر الله فيهم، مبدّلين لقوله، كدأبهم التبديل، وكدأبهم لَبْسَ الحق بالباطل !  تأمل ... لقد دخلوها؛  إنها ليست هي المرّة التي أمرهم فيها موسى بدخول القرية مقاتلين، فأبوا، ونطقوا كفرا وهم يقولون : { قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ (24) }..  تلك التي عوقبوا فيها بالتّيه ضُرِب عليهم أربعين سنة، لا يعرفون خلالها الفرق بين نقطة انطلاق ونقطة وصول، تائهون لا يعرفون طريقا، ولا يستقرون : {قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي ۖ فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (25) قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (26) }
ومات موسى -عليه السلام- خلال سنوات التيه، وخلفه على بني إسرائيل يوشع بن نون عليه السلام، وهو الذي دخل بهم بيت المقدس، من بعد انقضاء سنوات التيه، وتبدّل الجيل الذي خنع وجبُن وعصى الأمر بالقتال، وحلّ محلّه من المكان والزمان جيلٌ لا يهاب القتال ..
هؤلاء هم المعنيون بهذه الآية في البقرة، بقوله تعالى :
{وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59)}..
ولقد دخلوها مبدّلين، محرّفين ... مستهزئين، وبدل قولهم "حِطّة" لتُحطّ عنهم خطاياهم، قالوا "حنطة"، وفي حديث صحيح أنهم قالوا : "حبّة في شعيرة"، وهي الحنطة .. !
كلّنا يعرف هذا، وقرأ عنه وهو في حياته يَعرِض لسورة البقرة، وعرف فيها من إماطة اللثام عن بني إسرائيل الذين لطالما أوهموا العرب أنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، ولكنّ الذي أريد أن نعايشه هنا، هو بيان حال خيار الخيار منهم، وهم يقبلون على المعصية والاستجراء والمكابرة وجحود النعمة الإلهية، وكفران الفضل، خيارهم تقربا إلى الله وبعدا عن المعصية، ومنهم -كما عرفنا- من اختارهم موسى عليه السلام لمعرفته بفضلهم على قومهم تدينا وطاعة..
وهنا بالمثل، إنهم الجيل الذي نبت في التّيه، وهو يُلَقّى من الآباء والأجداد ما حاق بهم من عقوبة جراء المعصية والكفر، مقابل كل نعم الله تعالى عليهم.. ! فشبوا على رهبة الله تعالى، ومَيْز الحق من الباطل، شبّوا على التوراة بين أيديهم هدى ونور ..
أجل... إنهم هُم، الجيل الجديد، الأكثر جسارة وإقداما، الذي لا يهاب القتال، والذي قاتل مع يوشع بن نون عليه السلام، حتى نُصِر على المعتدين، وكان حقا لهم دخول القرية ! هم الذين دخلوها مبدّلين لأمر الله، مبدّلين لكلامه !
أفرأيت محوريّة ما أنا بصدده ؟ !
كيف أن خيار الخيار وصفوة الصفوة من بعد الإنعام من الله، والكفر والجحود من القوم، والعقوبات الإلهية على الكفر، ثم العفو الإلهي الواسع عليهم، من بعد كل ذلك تاريخا من الكرّ والفرّ، تاريخا من الوجه الكالح للمخلوق مقابل اليد الفياضة من الخالق العليّ العظيم سبحانه ... يُقدِمون على الجحود والاستهزاء والكفران، الخيار وغيرهم سواء، الصفوة وغيرهم سواء ! طبعا دون أن ننكر أن فيهم مَن ذكر لهم القرآن كعادته في الإنصاف وعدم بخس الناس حقوقهم، أنهم أهل طاعة وإحسان، وذلك في الآية ذاتها التي فيها عن الذين ظلموا، في قوله تعالى يعْنيهم بالتحديد، وهو سبحانه لا يأخذ محسنا بجريرة مسيء : {...وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)}
وهكذا في سلسلة من الآيات الكاشفات لشنائعهم ومنتهى بطرهم وكفرهم وتجرئهم على الله وعلى رسله، تتوالى النعم التي يُفتَرَض أن تزيدهم حبا في الله ورجاء في فضله، وتتوالى العقوبات والحدود الإلهية التي تزيدهم رهبة من الله وخوفا من غضبه، كما يتوالى العفو نعمة فوق النعمة وفرصة فوق الفرصة ..
وغير بعيد من هذا الذي كان، يصوّر لنا الله مما يصوّر لنا من أحداثهم، استسقاء موسى عليه السلام لهم، وأمر الله له أن يضرب الحجر بعصاه، فانفجرت منه العيون تسقيهم بأعيانهم قبيلة فقبيلة، ومن بعدها هم المشترطون من جديد، وعلى مَن ؟؟ على ربهم وعلى نبيّه !!
{وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)}
وكأنما نسيم النعمة العليل وهواؤها المنعش وهو يدغدغهم بالحياة ويهدهدهم بالرغد وسهولة العيش، يُنبّه فيهم مِجسات البطر ويُنبت فيهم قرون الجحود، ويوقظ فيهم مارد الكُفر  !!
فهم أولاء بعد الأكل والشرب من رزق الله، يعلنون ضجرهم وضجّهم من النعمة ! من الرزق الآتي إليهم سخاء رخاء من غير كدّ ولا تعب ولا عناء، يعلنون أنهم الذين ""صبروا"" عليه حتى فاض بهم كأس الصبر ! فما عادوا يطيقون أن يصبروا زيادة !
وإنهم كما بدّلوا وحرفوا وقلبوا آيات كتب الله، قد قلبوا آيات العقل والمنطق، بل قد قلبوا أساسيات العقل والفهم والتصوّر ! فهم الضاجون، الذين سئموا النعمة وحنّوا للذلّ والامتهان، هم الذين يقابلون الإنعام بالجحود والكفران والعصيان.. !
ذهب موسى –عليه السلام- لميقات ربه ليأتيهم بالهدى منهجا ودستورا ومِشكاة على درب الحياة، فما أن ذهب حتى كفروا واستبدلوا المنعم المنجّي الواحد الأحد بعجلٍ صنعته أيديهم من ذهب، وإذ يُصطفَون لميقات الله سؤالا للعفو على ما كان، يعلنون أنهم ""الأخيار"" الذين لن يكون لهم من إيمان ما لم يُلبَّ طلبهم برؤية الله جهرة،  مبدّلين النّدم على الذنب والإقبال على الله بقلوب مخبتة خائفة راهبة، بإيمان منهم مشروط لا يكون إلا إذا تحقق شرطهم ! هم الذين إذ يُبَدَّلون جيلا جبانا بجيل مقدام، يدخلون القرية عصاة مستهزئين مبدّلين أمر الله قولا وفعلا بتُرهّاتهم .. !
فلا تستغربنّ مخاطبة الله لهم في كثير من مواضع القرآن توبيخا وتقريعا واستنكارا بـــ : "أَفَلَا تَعْقِلُونَ" "أَفَلَا تَعْقِلُونَ"...
فتأمّل ... تجد هذه الآية التي أخزاهم فيها الله تعالى، بضرب الذلّة والمسكنة عليهم، وإعلان بوئهم بغضبه، تجد فيها قوله : " أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ " عامّا لكل ما كان منهم، لا لما جاء على ألسنتهم أخيرا من طلب رزق الأرض مكان رزق السماء الرَّغَد ! إنهم في كل أحوالهم –كما رأينا- مبدّلون للذي هو أدنى بالذي هو خير، وجاء الإخزاء من الله والإذلال والغضب جزاء وِفاقا لكلّ ما كان منهم من تبديل .. !
جزاء وِفاقا لامتهانهم العقل فيهم، لتُختَم سلسلة من تجرئهم على الله قلبا وتبديلا وتحويرا لأمره، بمنتهى الصفاقة ومبلغ الشناعة.. ذلك قتلهم النبيين، وما قتلهم لهم إلا من تمرّس أنفسهم على المعصية والتمرّد والتبطّر :
{ ...وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)}
وختاما، مع هذا الجزء الذي اقتطعت من شنائع بني إسرائيل، والتي ما يزال من صيحاتها المزيد، لننظر كيف أن الخطاب كلّه موجَّه لليهود الذين عاصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بماضي ما كان من قَصَصهم، وكأنهم هم الفاعلون : "وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ"،  "وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ"،   "وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ"،   "اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ"   "ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ"،   "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى..."،  "فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ"،  "وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى"،    "وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ"....
كله خطاب لحاضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم، مضمَّنا فعل أسلافهم، على أنه فعلهم، والإنعام على أسلافهم على أنه الإنعام عليهم، بل إن الخطاب موجّه لهم في كل زمان كانوا فيه، على أنهم الجبلّة الواحدة، والطبع الواحد، والفعل الواحد ... ليس خطابا للأسلاف الذي هلكوا وانتهى عصرهم، بل لبني إسرائيل في كل زمان، بيانا لكونهم ذلك الوجه الكالح للإنسان في كل زمان، دعوةً لنظر كل واحد منا في نفسه، ليحرص على محو أي ملمح يعتري نفسَه من ملامح ذلك الوجه الكالح، الذي هو وجه الكفر والتمرّد على الخالق والمخاصمة له سبحانه خصاما مبينا، وعداوته بكل سبيل
!
إنهم الذين ضُربت عليهم الذلة والمسكنة، وإنهم المغضوب عليهم، ولكننا في تَيْه ضربناه على أنفسنا بأنفسنا، حينما أعرضنا عن بيان القرآن للوجه الكالح للإنسانية، وَجْهُهُم، وحسبه مَن حسبه من المحسوبين على الإسلام أنه الوجه المنير، حينما عبد المطبّعون المطبّلون عِجل القوة، وأشرِبوا المادة والذهب، فهم المهرولون لخِطبة ودّ المغضوب عليهم، المضروب عليهم الذلة والمسكنة ... ! وإنه التَّيْه عن أمر الله، لا شيء غير التَّيْه يصيّر كل وجه، ذلك الوجه الكالح !
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#بنو_إسرائيل
#فظائع_بني_إسرائيل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #133 في: 2026-04-05, 07:57:43 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة البقرة جاء عن بني إسرائيل ما كشف الغطاء عن حقيقتهم، وهم الذين كانوا يتفاخرون على العرب في المدينة، أنهم أهل الكتاب، وأنهم شعب الله المختار، وأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم وأنهم..  وهم الذين كانوا يعلمون كل صغيرة وكبيرة عن شنائع أسلافهم وجرائمهم في حق رُسُل الله تعالى، وفي حق كُتُبه .. جاءت البقرة فاضحة لهم، مبيّنة لما كان منهم، آيةً فآية في قطاعات مطوّلة مسهبة في شأنهم، تجعلك تُذهَل من كمّ جراءتهم على الله، ومع الآيات المصوِّرة لجبلّتهم الفريدة يصيبك الدُّوار من مناقضة أحوالهم لأقوالهم، فلا تجد دواء لحيرتك، ولا ترياقا لذهولك غير آيات الله تعالى تستنكر عليهم أن تكون لهم عقول وهم يفعلون ما يفعلون، ويقولون ما يقولون !
"أَفَلَا تَعْقِلُون" ، "لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ"...
في سورة البقرة، عندما تُمعن النظر تجد الحديث عن بني إسرائيل قد انقسم إلى قسمين، قسم عن أسلافهم، عن جرائم الأولين السابقين منهم، وقسم عن أخلافهم، المعاصرين لرسول الله ﷺ..
** فأما القسم الأول، فيمتدّ من قوله تعالى : {يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)} إلى قوله تعالى : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}، من بداية الإجمال عنهم(من 40إلى48) إلى التفصيل حول ما كان منهم مع موسى عليه السلام بوجه خاص(من49إلى74).
خُتِم القسم الأول بقصة البقرة وذبحها، من بعد المماطلة والتلكؤ الذي كان سِمتَهُم إزاء أمر الله تعالى لهم بذبح بقرة، أي بقرة !  فلما شدّدوا شدّد الله عليهم.. كانت آخر آية من القصة بيانا لقساوة قلوبهم، وقد أوشكوا ألا يذبحوا البقرة التي أمِروا بذبحها ... : { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}
في الآيات التي مثلت القسم الأول(أسلاف بني إسرائيل)، كان الخطاب موجها لبني إسرائيل، تذكيرا لهم بالنّعم التي توالت عليهم من الله، على الذين كانوا مع موسى –عليه السلام-؛ فجاء ذكر تنجيتهم عبرَ طريق مهّدها الله لهم في البحر يَبَسا، وإغراق عدوّهم بمائه يرتدّ عليهم، فكان منهم الجحود والنكران، باتخاذ العجل من بعد مواعدة الله موسى عند الطور، وكان من الله الإنعام بالتوبة عليهم.. كان منهم سؤال رؤية الله جهرة شرطا لإيمانهم، وكان منهم تبديل أمر الله واستهزاؤهم به من بعد أمرهم بدخول القرية رغدة المأكل والمشرب؛  وكان استسقاء موسى لهم، وانفجار الحجر عيونا رواء من ضربة عصاه، وكان منهم الكِبر والتبطّر والحماقة وهم يعلنون نفاد صبرهم على المنّ والسلوى طعاما من السماء، فضربت عليهم الذلة والمسكنة، وكان عليهم من الله الغضب؛ وكانت قصة أصحاب السبت وتحايلهم على أمر الله، تظاهُراً بالانصياع وهم يشرّعون أهواءهم ويأتون ما نُهُوا عنه بمَكرٍ وحيلة ...
وكانت قصة البقرة، وهم إذ يُلقى إليهم الأمر بيّنا لا غبش فيه، يسألون تماطلا وتلكأ،  فلما ذبحوها، وأظهر الله ما خفي عنهم بإحياء قتيلهم ببعضها، لم يكن منهم عقل يعي أنّ الإحياء من الله وحده، وأنه كذلك البعث بعد الموت منه، وكما أنه الذي رأوه بأعينهم، إلا أنه الذي لن يملكوا سرّه ! إنما هو أمرُه وحده لا أمر غيره ...وإنما هو الذي لا يقدر عليه غيره ... لم يعقلوا أنّ ذبح البقر ليس بِدعا من العمل فيهم، ولكن لن تفعل أبعاض كل البقر الذي يذبحون ما فعلته بقرةٌ بعينها، هي التي جعلها الله سببا لأمره بإحياء ميت ... ! لم يعقلوا أن ذلك ليس إلا منه وبأمره !
ولقد قست قلوبهم من بعد ذلك، وكان حريا بها أن تلين ! قست، وليس كقساوة الحجر قساوة، ولكن قلوبهم كانت أشد من الحجارة قسوة، لم تلن لأمر الله، لم تخشع، لم تذعن، لم تؤمن ... ! { ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74)}
فكانت: " مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ " إشارة إلهية دقيقة محدّدة إلى امتداد قسوة قلوبهم في الزمان، إلى كل أجيالهم؛ كانت إشارة بين الإشارات الكثيرة التي عرّفتنا في هذه السورة العظيمة أن بني إسرائيل جبلّة لا تتحول ولا تتبدّل، هي هي، لا فرق بين الجد الأعلى من أزمنتها الغابرة والابن الحاضر من زماننا، ومن كل زمان آت ... !
لنجدنا بعدها مع القسم الثاني، في نقلة سلسة تحمل طابع إعجاز النظم القرآني الفريد، فكأنك وأنت تنتقل إلى اللاحقة، لم تنتقل !  وكأنك وأنت تخرج من السابقة لم تخرج ! ذلكُم هو "التخلّص الحَسَن" الذي تعرف به آيات القرآن..
من تلك القسوة التي عرفنا أنها طابع قلوبهم وعنوانها الأوحد، يأتي الخطاب الإلهي للمؤمنين، لأصحاب رسول الله ﷺ : {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
وانطلاقا من هذه النقطة، قد دخلنا عصر رسول الله ﷺ، والمؤمنون من حوله يخاطَبون في شأن اليهود الذين يعيشون معهم في المدينة ... إننا قد انتقلنا من سالفتهم إلى حاضرتهم ... دخلنا جيل أبنائهم وهم مع رسول الله ﷺ، ليُفتَتَح الأمر معهم ببيان أنهم الجبلة الواحدة والطبع الواحد، والحالة الواحدة، وأن ما كان من آبائهم وأجدادهم لم يكن جرائم ماضية وانتهت، بل إنها الممتدة فيهم، الممتدة عبرَهم ... !
تُجمِل لنا هذه الآية المبتدئة في شأن الأخلاف بالإنكار على المؤمنين طمعهم في إيمانهم، إنهم أولئك الورثة ...ورثة القسوة، ورثة القلوب الأشد قسوة من الحجارة ! "أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ"   من بعد كل ما عرفتم من جرائم أسلافهم ؟ ! إنها وجوه الحاضر الممثلة لوجوه الماضي، إنها قلوب الحاضر الممثلة لقلوب الماضي ...
بل تأمل ... إنهم يأتون الجريمة الأعظم والفعل الأشنع ...تحريفهم كلام الله وهم يعلمون أنه كلام الله، إنهم يبرهنون بالدليل على جدارتهم وأحقيّتهم بلقب "القلوب الأشد قسوة من الحجارة"  :
{...وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}
انظر إلى سياق قادم من الآيات، كلّها ستتخذ سِمة جديدة، سمة خاصة غير التي كانت عليها آيات الأسلاف ...كلّها ستأخذ طابع الإيمان ومحاوره ... وإني أدعوك أن تتساءل :  لمَ ؟   لمَ سيكون محور الآيات القادمة عن بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله ﷺ عن الإيمان وحيثياته ؟ !
هل تساءلت ؟ حاول أن تتساءل لتجد منك الجواب من قبل أن تمضي مع كلماتي التالية ..
إن المعاصرين منهم لرسول الله ﷺ يُعطَوْن الفرصة الأكبر... إنّهم المحظوظون حظا خاصا، وهم الذين يعيشون زمن النبيّ المنتظر، النبي المرتقَب منهم قبل غيرهم، النبيّ الذي يعرفون كما يعرفون أبناءهم، النبيّ الذي لا يُغمّى عليهم هُم خاصة، وهم الذين يُفترض بهم أن يعلّموا الناس أوصافه، أن ينادوا في الناس أنه النبي الذي يعرفون، وأنه الذي يذكره كتابهم !
إن آباء لهم وآباء وأجدادا لهم وأجدادا قد عاشوا وهلكوا وهم على باطل تحريفهم وتبديلهم لكتب الله، حتى هو ذا الجيل الذهبيّ الذي يُعطى الفرصة، الذي يُلقى إليه بطوق النجاة ! 
ولكـــــــن !  إنهم الذين لا يُطمَع في إيمانهم.. هكذا تقرّر الآية : {أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (75)}
لقد حرّفوا كلام الله، لقد بدّلوا، لقد كتموا وهم قد عقلوا أنه كلام الله، وهم يعلمون أنهم يحرفون كلام الله !!  فدقّق بالكلمات -يرحمك الله- لترى فيها العجب بعينه ينظر إليك كما أنك تنظر إليه !
نعم ...هو كلام الله، يعقلون ذلك، ويحرّفونه، يعلمون أنه كلام الله ويحرّفونه .. فأي جُرم ؟؟ وأي شنيعة وأي فظيعة ! وكأنها الأكبر من كل ما مضى، الأعظم من كل ما كان منهم، وكأنها القاصمة ... ! فإنني لأصور لك منتهى مبلغ أحدهم من الصفاقة والفساد، سأخبرك عنه بما يجعلك تفهم أيَّ مبلغ قد بلغه حاله ! يجعلك تفهم بعد فعله ذلك أنه الذي بلغ المنتهى .. وكذلك حال بني إسرائيل مع هذه الآية، يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون، عن سبق إصرار وترصّد يحرفون كلام الله، فذلك منتهى مبلغهم من الإجرام والتجرؤ على الله تعالى ... فأي طمع يكون في إيمان أمثالهم ؟ !
ما كان عليه أسلافهم هم عليه اليوم مقيمون.. إنها الآية التي جاءت تُجمِل حال الأخلاف وهم حول رسول الله ﷺ، وهم يحظون بالفرصة التي تمحو كل ما كان منهم إن هم أقبلوا عليه وعلى النور الذي بُعِث به ...
لذلك فإنّ سِمة ما هو آت من آيات مع المعاصرين لرسول الله  ﷺ من بني إسرائيل هي –كما أسلفت- الإيمان وحالهم إزاء الرسول الخاتم والكتاب الخاتم..
فانظر إليهم، انظر إلى عقلهم المقلوب وفهمهم المنكوس، انظر إلى أكثر ما سعوا فيه كاتمين، خبر رسول الله ﷺ في كتبهم، والله يكشفه على ألسنتهم :
{وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (76) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (77)}
إنها قضية الإيمان، وكيف اتخذوها مُسارّة وتواصيا بكتم الحق، لإنكار رسول الله ﷺ ولعدم الإيمان به، فإن كان من ألسنتهم إقرار به، فإنما هو النفاق الذي لا يعدو الألسنة ..
إنها قضية الإيمان، قضية علاقتهم بكتاب الله، فهم فيه فريقان، فريق يتبع ما يُملي عليه كبراؤهم وعلماؤهم من أكاذيب وأماني من وحي تحريفهم  وتبديلهم، بأنهم أصفياء الله وأبناؤه وأحباؤه وبأنهم الناجون؛ وفريق هو الذي يكتب الكتاب بيده وينسب ما كتبت يده للّه تعالى جراءة وكذبا وافتراء :
{وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (78) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (79) }
ونمضي لنجد شيئا من تحريفهم وافترائهم الكذب على الله، تصوّرهم المحرَّف الذي يمليه سادتهم على عامّتهم، ومعه التصور السليم الذي هو وحي الله تعالى وقانونه الثابت في كلّ كتبه  :
{وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (80) بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (81) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (82)}
ولي تتمة مع جزء ثان بإذن الله
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#بنو_إسرائيل
#إيمان_بني_إسرائيل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #134 في: 2026-04-05, 07:58:50 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عرفنا الجزء الأول(المنشور السابق) حول بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، كما جاء عنهم في سورة البقرة..
ونكمل اليوم مع الجزء الثاني :
ا☘️🍀☘️🍀☘️🍀☘️🍀☘️🍀☘️🍀☘️🍀☘️🍀ا
وتستمر قضية الإيمان، والعلاقة بكتاب الله هي سمة الآيات :
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (83)}
ولقد جاء الحديث عن الميثاق في آيات أسلافهم، ولكنه كان مجمَلا، وها هنا أوان تفصيله، وهو الذي يُفتَرض أن يبقى ثابتا يرثه الأخلاف عن الأسلاف، وكلٌّ من الفريقين مكلَّف به ومحاسب عليه.
ومن بعد تفصيل شيء من بنوده، يأتي الله تعالى بحقيقة حال الأخلاف معه، نكوصهم ونقضهم له، تماما كما كان من أسلافهم، فهم الآخذون ببعض ما جاء فيه، الكافرون ببعضه الآخر، في انتقاء هوائيّ منهم   :
{وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (84) ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (86)}
ويمضي السياق مع قضية الإيمان، عما أنزل عليهم من كتب، وعن كتاب الله الذي أنزل على نبيه الخاتم، وعن حالهم مع الأنبياء التي جاءت بالكتب،  فإذا هم لفريق منهم مكذّبون، ولفريق منهم قاتلون :
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (87)}
وجاءت "تقتلون" بصيغة المضارع، إيماء إلى إقامتهم –وهم مع رسول الله ﷺ - على حالهم المعروفة إزاء الأنبياء؛ فليس بعيدا عن سيرتهم محاولات قتلهم له ﷺ، بهمّ بني النظير إلقاء الرّحى على رأسه وهو جالس تحت الحصن، وبشاتهم المسمومة التي قدموها لهم، حتى أنطقها الله تهيب به ألا يأكلها !
وإنها قضية الإيمان، دائما، لأنهم الذين حظوا بفرصة معاصرة نبي آخر الزمان الذي يعرفون .. فاسمع لقولهم له حينما دعاهم للإيمان :
 {وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (88) }
وإنه الكتاب مجددا، وإنه الرسول، كما كان حالهم مع موسى ومع من جاء بعده، ومع عيسى ومع ما جاؤوا به من كتب؛ يتجدد مع كتاب الله ومع رسوله الخاتِمَيْن.. :
{وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (89) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (90) }
إنهم الأخلاف عن الأسلاف، الصورة المطابقة للأصل ..لقد باؤوا بغضب على غضب، غضب أسلافهم عليه الغضب الذي ضرب عليهم...
واسمع لبهتانهم وهم يُدعَون للقرآن، يزعمون أنهم الذين لا يؤمنون إلا بما أنزل عليهم، غُلف هي قلوبهم دون غيره:
{وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آَمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ...}
فالله يفحمهم بذكر شنيعة قتلهم لأنبيائهم، وحقيقة ما كان منهم مع النبي الذي زعموا أنهم لا يؤمنون إلا بكتابه، وحقيقة مروقهم عن أوامر الله في الميثاق الذي أخذ عليهم بإعلانهم العصيان مكان الطاعة   :
{... قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (91) وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (92) وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آَتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ...}
ليختم سبحانه بوصف إيمانهم الذي يدّعون :
{... قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (93)}
إنه إيمانهم لا الإيمان الحق، إنه الإيمان المزعوم المكذوب، وإن الله بعد بيان محوَرَيْ "الكتاب" و"الرسل"، يزيد ليذكر تصوّرهم المزعوم المحرّف عن الدار الآخرة وعن الملائكة... وهي كلها قضايا الإيمان :
{قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآَخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (95) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (96) }
كل خير الآخرة خالص لهم من دون الناس، ولَيْتَهم -على هذا- تمنّوا الموت ليسارعوا إليه، وهو الذي لن ينافسهم فيه أحد من الناس !
ثم إنهم أعداء جبريل عليه السلام، رسول الله من ملائكته إلى رسله من عباده بالهداية والنور إلى الأرض ...
{قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (97) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (98)}
ليأتي الآن تمام بيان مُروقهم عن الحق بكل أوعيته، بكتبهم التي نزلت عليهم، وبكتاب الله الخاتم :
{وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (99) أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (100) وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)}
وإنهم كعادتهم، يبدّلون الذي هو أدنى بالذي هو خير، ينبذون كتاب الله توراة وقرآنا، ويقبلون على أضاليل الشياطين، ليكون السحر كتابهم الذي يتبعون ودينهم الذي يرتضون :
{ وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآَخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (102) وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)}
وهكذا، كانت قضية الإيمان، بكل أركانها هي قضية آيات أخلاف بني إسرائيل، المعاصرين لرسول الله ﷺ، إيمانهم الذي كانت أركانه :
💎 مع الله : هم الذين اتخذوا العجل من دونه، هم أبناء الله وأحباؤه وهم أولياؤه من دون الناس.
💎 مع الكتاب: هم المحرّفون لكتاب الله(التوراة)، الناقضون للميثاق الذي جاء فيه، مدّعون أنهم مؤمنون به وحده، نابذون له وللقرآن، متبعون لأضاليل السحر كتابا ومنهجا.
💎مع الأنبياء: هم المكذبون لفريق من الأنبياء، القاتلون لفريق آخر، المستكبرون على كل ما جاؤوا به.
💎 مع الآخرة: كل خير الدار الآخرة خالص لهم من دون الناس. لن تمسهم النار إلا أياما معدودة، ثم هم وحدهم أهل الجنان .
💎 مع الملائكة: هم المتخذون من ملائكة الله -الذين لا يعصون الله ما يأمرهم- أعداء.
وعلى هذا الارتكاس العظيم، والانتكاس المبين، وهم بين يدي حبل النجاة، بين يدي رسول الله ﷺ وبين يدي القرآن، كان محور كل الآيات المحدثة عنهم "الإيمان" بعناصره..
فأي فرصة هي عظيمة، وأي رُزْء هو حالهم، وأي تَعْس، وهم يعرضون عنها، ويقيمون على كفرهم ! ولو أنهم آمنوا برسول الله وبالقرآن لنجوا ولأصبح كل ما فعلوا عدما ليس له في صحائفهم من وجود !
وسبحانك ربي ... ! إنها للآية التي تبين هذا، من بعد كل الذي سبقها من آيات عن حال إيمانهم :
{وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)}
ولقد اعتدنا أن نراها الآية التي يُذيّل بها الحديث عن اتباعهم ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما ينبثق عنها من حديث عن السحر وتعلمهم له، ومن عاقبته عند الله ... ولكنّني أراها الآية الخاتمة لكل ما كان من آيات جاءت تصف حقيقة إيمانهم المدَّعى وهم المقيمون على ما كان عليه آباؤهم من جبلّة فاسقة كافرة لا تقبل الهدى كما لا تقبل السِّباخ والقيعان ماء، فلا هي التي تمسكه ولا هي التي تنبِتُ !
وهكذا هو حال بني إسرائيل إلى زماننا وإلى كل زمان، الفرصة قائمة بين أيديهم إلى يوم القيامة أن يؤمنوا بالقرآن وبمحمد، ولكنهم هم هم، سلالة القردة والخنازير، المضروب عليهم الذلة والمسكنة، المغضوب عليهم غضبا على غضب، الملعونون ...
وتلكم كانت الآية الخاتمة لقطاع كامل من الآيات التي جاءت عن هذا القسم من بني إسرائيل، وهي هي ذاتها الآية المهيئة لمرحلة جديدة من الآيات، مرحلة يتحول فيها الخطاب إلى المؤمنين ...
وهكذا هو القرآن ... ! سبيكة كبرى عجيبة من جمالها جُملة وهي السبائك الصغيرة المتناسقة المتسقة، التي تأخذك من معنى قد فصّل إلى معنى سيُفصّل، وكل المعاني مترابطة ترابطا يجعلها الموضوع الواحد من جملة المواضيع التي لا ينفك بعضها عن بعض ... !
#سورة_البقرة
#بنو_إسرائيل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #135 في: 2026-04-05, 07:59:49 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ومع سورة البقرة العظيمة من جديد..
إنه لا يليق بك أن تعيش العمر وأنت تقرأها تلك القراءة التي تروم بها جمع حسنات الحروف كلما مررت عليها في ختمة من ختماتك الحَرفِية ! وإنك وأنت تقيم على ذلك تفوّت على نفسك خيرا عظيما ..
كنا قد عرفنا أن قطاع بني إسرائيل من جملة آيات السورة انقسم إلى قسمين، أوّلهما جاء فيه عن أسلافهم، وثانيهما جاء فيه عن أخلافهم، وعرفنا أن آيات قسم الأخلاف كان محورها الإيمان، بيانا لثقل الفرصة الذهبية التي حظي بها المعاصرون منهم لرسول الله ﷺ، وهم الذين لو آمنوا لجَبَّ إيمانهم برسول الله وبالقرآن كل ما كان منهم من قبل، من تغطرس وتفاخر كذّاب، وادعاء زائف أنهم أبناء الله وأحباؤه وأنهم الأصفياء من عباده، وأنهم أهل خير الآخرة كله من دون الناس، وأنهم وأنهم... ! 
فعرفنا ختام تلك الآيات المبيّنات لحالهم إزاء رسول الله ﷺ، وإزاء دعوته، وإزاء الكتاب الذي بعث به، عرفنا قوله تعالى :
{وَلَوْ أَنَّهُمْ آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (103)}
فكانت الآية الجامعة التي بينت سبيل نجاتهم من كلّ تلك المخلّفات العفِنة لآبائهم وأجدادهم، التي توارثها الأخلاف على طريق معاداة الله ورسله وكتبه ... فقط لو أنهم آمنوا واتقوا... لنجوا ... !
ولقد كانت الآية الفاصلة بين قطاع الأخلاف وقطاع من الآيات جديد، يستبين عبر أول آيِه، وهي تحمل خطابا للمؤمنين الذين عاصرهم يــهود المدينة، وإنه بالتعدّي خطاب للمؤمنين في كل زمان :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
يأمرهم سبحانه أول أمرهم بالعدول عن كلمة تعودوا قولها لرسول الله ﷺ، "راعِنا"، يريدون بها أن يمهلهم ويتأنى وهو يعلمهم أمور دينهم حتى يتشربوها، ذلك أن لليهود في قاموس كلماتهم كلمة تشبهها لفظا وتغايرها معنى، تحمل معنى قبيحا، فكانوا يقولونها لرسول الله ﷺ، على سبيل السبّ والشتم ! فكشف القرآن دسَّهم ودغَلَهم؛ ثم أعقبت ببيان كرههم أن ينزّل الله على المؤمنين من خير، هذا الخير العظيم الممثَّل في القرآن، وقد اختصّ به الله تعالى هذه الأمة من فضله، بل قد نعته سبحانه أنه من فضله العظيم.
وانطلاقا من هذا المعنى ونحن مع خطاب المؤمنين، نجدنا مع دأبٍ من دأب اليهود الجديد، وهم لا يتركون سبيلا من سبل الكيد بهؤلاء الذين اختُصوا برحمة الله تعالى بمحمد ﷺ وبالقرآن، إلا وسلكوه ..
إنه تشكيكهم المؤمنين في دينهم، في قرآنهم .. ليبعدوهم عنه، يريدون بقاءهم على كفرهم، وألا يتسمّوا بأهل تلك المنّة العظيمة وذلك الفضل العظيم من ربهم ..
{مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106) }
لقد جعلوا ينفثون سُمّ أراجيفهم وتشكيكاتهم في صفوف المؤمنين، و هم يجدون من قضية نسخ الله لآيات بآيات غيرها منفذا، قالوا لهم: لو كان هذا القرآن حقا من عند الله، لما جاز أن يُبدَّل حكمٌ بحكم غيره، ولما جاز أن يبدّل أمر بأمر غيره.. !
فنزلت هذه الآية تحدّث عن شأن من شؤون آيات القرآن العظيم، عن الناسخ منها والمنسوخ، وأن الله تعالى ما ينسخ من آية إلا وينزل مكانها ما هو خير منها أو مثلها ...
وسبحان الله ! قد مكثت مع هذه الآية ساعات وأياما، وهي التي على قلة كلماتها، وأنها فيها المعدودة، إلا أنها التي تحمل أمرا جليلا، وتحمل معنى واسعا عظيما ...
الناسخ والمنسوخ من آيات القرآن.. إنها الآية من آياته تُرفع بأحد شكلين، إما رفع تلاوة أو رفع حكم .. فأما التي رفع حكمها، فهي التي انتهى حكمها في المؤمنين ولم يعد فيهم نافذا، لتبقى تلاوتها عبر الأزمنة تعبدا وشاهدا على مرحلة من مراحل التدرج في فعل الحكم في الناس، وأما التي رفعت تلاوتها فهي التي بقي حكمها ورفعت هي من جملة آيِ القرآن، كحكم الرجم للزاني الثيّب. كما أنّ هناك ما رفع من الآيات تلاوة وحكما، كالذي حدّثت عنه عائشة –رضي الله عنها-، إذ قد نزلت آية تحدد عدد الرضعات المحرمات بعشر، ثم نسخت بآية حددتها بخمس، ورفعت آية الرضعات العشر تلاوة وحكما، وبقي الأمر على آية الخمس التي رفعت تلاوة وبقيت حكما ..والآية التي تُنسَخ (المبدَّلة) تسمّى "المنسوخة"، والآية البديلة تسمى "الناسخة".
ولقد كان النسخ في القرآن بمشيئة الله تعالى العليم الحكيم، الذي في سابق علمه أن التشريع في قوم كانوا في لجّ العماية وفي غيابات الجاهلية وفي دامس الظلامية، يحتاج تدرجا وترويضا، يهيئهم للتخلص من عادات درجوا عليها أبا عن جدّ، وعدّوها القانون الأوحد والسبيل الأمثل للعيش .. ! علم سبحانه وهو خالق عباده، أنّ تخليصهم من براثن الجاهلية يقتضي أن يُحكَم فيهم بما يستغرق فيهم زمنا يعلم الله منتهاه يخلّصهم مما تعوّدوه بشكل نسبيّ، ليُلحَق بالحكم الناسخ يخلّصهم منه بالنسبة الجزئية المتممة ...  وهذا ما عرفناه مثلا في قضية تحريم الخمر، وهو يحرّم على مراحل ثلاث ...
وقد تحمل الآية الناسخة حكما مخففا لحكم الآية المنسوخة، كما قد تحمل حكما أثقل، وفي كلا الوجهين مصلحة للمؤمن، الأخفّ للتيسير، والأثقل لتكثير الحسنات .. التخفيف من مثل ما بين الآيتين التاليتين، أولاهما المنسوخة وثانيتهما الناسخة : 
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ ۚ إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (65) الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ۚ وَإِن يَكُن مِّنكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (66)} [الأنفال].
فكان الأمر الأول للمقاتلين من المؤمنين بالثبات أمام عشرة من المقاتلين الكافرين، ثم نزلت الآية الناسخة تحمل تخفيفا مقتضاه ثبات الواحد منهم أمام اثنين ...
وأما النسخ بالأثقل فمثاله في التحريم الكلي والنهائي للخمر من بعد أن بيّن الله سبحانه في مبتدأ تحريمه أن فيه إثما ومنافع : {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ۖ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...} [البقرة: من219]. ثم نزل تحريم أن يقرب المؤمن الصلاة وهو سكران : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ...} [النساء: من43]، ثم الانتهاء إلى تحريمه كليا في قوله تعالى : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)} [المائدة] .
ولقد نُسخت آية نزل فيها الحكم بحبس الزانية في بيتها حتى يتوفاها الموت:
{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِّنكُمْ ۖ فَإِن شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىٰ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (15)} [النساء]  بآية الجلد في سورة النور: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ۖ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ (2)}.[النور]... ولقد حكم الله في المؤمنين بتقديم الصدقة بين يدي نجواهم رسولَ الله ﷺ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ ۚ فَإِن لَّمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (12) }، ثم نسخت تخفيفا عليهم  بقوله تعالى : { أَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ ۚ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (13)} [المجادلة].
وهكذا... فإن الأمثلة على الناسخ والمنسوخ من الآيات كثيرة في القرآن ..ذكرتُ منها نزرا،لا على سبيل تجلية معنى النسخ وحسب، بل على سبيل النظر في هذا التشريع الإلهي الذي كان للناسخ والمنسوخ فيه دور كبير في تحقيق الصورة الفعلية الحركية للمجتمع المؤمن المزوّد بقانونه، المميّز بمنهجه، الذي يحقق العيش وِفق منهج الخالق سبحانه مشكاةً تضيء له درب الحياة المعتِم... وكلّه من روح العلم الإلهيّ المحيط بكل ما يصلح شأن الإنسان في الأرض، وما يحقق خلافته فيها على الوجه الأتمّ .. تناسبا والضعف الجبليّ فيه، الذي يستحيل معه الانتقال من الظلمة المطبقة إلى النور الساطع في ناحية واحدة من نواحي الحياة دون أخرى، أو بأمر واحد يجتث الجاهلية فيهم من جذورها مرة واحدة، ويقتلع الباطل المستفحل فيهم دهرا من خلف دهر في طرفة عين ...
لقد كان المجتمع المؤمن الذي صنعه رسول الله ﷺ على عينه بالوحي، هو تلك العيّنة الأولى من الناس التي أدخِلت ساحة التشريع الإلهي الخاتم المهيمن، بأسلوب ناسب كل المناسبة إخراج مَن أنستهم الظلمة ضوء الشمس، بل من أصبحوا يخافون على أعينهم ضوء الشمس ! فتارة هو الحكم النهائي المحكَم الذي يستوجب الحال أن يكون نهائيا محكَما مرة واحدة لا يعْرُوه نسخ ولا تبديل، وذلك في العقيدة ومواضيعها، لوجوب اجتثاث أصول الشرك والتصورات الباطلة، وترسيخ التصوّر السليم للاعتقاد في الله تعالى وفي رسله وكتبه وملائكته، وفي اليوم الآخر؛ وتارة هو الحكم التشريعي الذي يقتضي أن يكون جزئيا، وفي علم الله تعالى السابق أن حكما بديلا سيأتي مكانه في أوانه المحدّد، والذي يكون معه الحكم الأول قد استوفى عمله في النفوس ترويضا وتخلية ...
وعلى هذا وجب النظر في هذه الآية ... في هذا الذي جعله اليهود موضوع تشكيك في صحة القرآن وفي علوية مصدره، هذا الذي هو في حقيقته باب من أبواب إعظام الله تعالى، وملامسة مدى علمه سبحانه بدقائق الأنفس، وبما يَصلح لها وما يُصلح من حالها، هو باب من أبواب اليقين في تفرّد هذا المنهج، وعلوية مصدر هذا التشريع، وهو الذي يعرف أدواء النفس، ويعرف سبل مداواتها، وترقيتها عبر معارج النور وتغييرها من السوء إلى الحسن، من التعوّد على الباطل إلى الاعتقاد في الحق، والنفس ذاتها تلمس تعطّش الفطرة والعقل فيها إلى نوره، فتجد نجاعة الدواء بتجلّياته في كل مناحي الحياة ...
إن الناسخ والمنسوخ سبيل لمعرفة مدى تولّي الله تعالى لعباده حق التولّي، وهو سبحانه الذي يكلأهم بالهداية، وبتبيين سبيل الحق من سبيل الباطل، وبترويضهم على الحق الهُوينى، وبإخراجهم من ظلمة الباطل وهو يراعي دروج أنفسهم الضعيفة عليه، وهو سبحانه يخفّف عنهم ما يثقلهم تارة، ويثقل عليهم تارة أخرى ليرغبهم في حظ الآخرة، وليجعلهم عمّالا في الدنيا لتهيئة ما يريحهم في الآخرة ويصيّرهم إلى نعيم مقيم  ...
هو هذا باب الناسخ والمنسوخ الذي دخل منه اليهود على المؤمنين، يريدون أن يشككوهم في القرآن، إنما هو باب لمزيد اليقين في أنه المنهج الكامل المتكامل الذي نزل للأنفس وفيه العلم الدقيق بسبل إصلاحها والأخذ بيدها إلى طريق النور...
وإنها مع بدايات قطاع خطاب المؤمنين من بعد ما مرّ من قطاعات أحوال بني إسرائيل بأسلافهم وأخلافهم، تردّ شُبَهَ الكارهين أن ينزّل على العرب من خير من ربهم ...وتزيد في يقين المؤمنين أنه الذي لا ريب فيه، وأنه للمتقين هدى على هدى...فمن حيث تُثار الشبهة،  بابٌ لزيادة اليقين يُفتَح... !
وإنه قد وجب النظر في نهاية الآية : { مَا نَنْسَخْ مِنْ آَيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (106)}
 { ... أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ..
إنه قد يخطر لك وأنت تتأمل وتربط، أن أكثر ما يناسب قضية الناسخ والمنسوخ -بحكم نزول حكم يأخذ عمله في الناس زمنا، لينزل حكم بعده يأخذ مكانه- هو أن الله تعالى أعمل النسخ في عدد من آياته، من إحاطة علمه بكل دقيق وجليل وظاهر وخفي، ومن تمام حكمته؛ فيتبادرإلى فهمك أنّ صفة العلم والحكمة أنسب صفاته سبحانه لهذا المقام، ولكنك تجد صفة القدرة هي ما تختم به الآية، في سؤال تقريري يقرر قدرة الله على كل شيء .. !
فما مفاد موقع القدرة ؟ ! هل فكرت ؟
إننا نعلم من أسماء الله تعالى "القادر" و"القدير"، فأما القادر فاسم صفة أي أن صفة القدرة ملازمة له سبحانه وإن لم يطبقها، والقدير اسم فعل على المبالغة "فعيل"، أي يطبق قدرته فعليا، فمتى أنفذ سبحانه قدرته فهو القدير، وهو سبحانه على كل شيء قدير، أي أنه على فعل كل شيء قدير... فهو سبحانه القدير  على تولّي كل عباده، وهو سبحانه القديرعلى هدايتهم، وعلى تغيير قلوبهم من الكفر إلى الإيمان، وعلى إنزال ما يصلحهم فعليا ...
قدرته مطلقة غير محدودة، بينما قدرة غيرهِ محدودة، فمن قال أقدر على شيء، إن هو قدر عليه فعلا عجز عن أشياء، وربما قالها ولم يقدر عليه فعليا؛ بينما هو سبحانه الذي يقدر على فعل كل شيء، وقدرته على فعل كل شيء تقتضي علما بكل شيء، وحكمة في كل فعل، فهو سبحانه القدير بملازمة العلم والحكمة لقدرته... فكانت : "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ " تقريرا لقدرة عليم حكيم ينفذ قدرته عن علم وعن حكمة، فيصلح سبحانه عباده ولا يعجزه شيء عن ذلك،  ويقلّب قلوبهم، ويهديهم ويبدّل أحوالهم بالطرق التي يعلم سبحانه بعلمه المحيط الدقيق أنها توصل لهذا كله فيهم ... فشملت بذلك "القدير" علمه وحكمته، فكانت الأشمل والأحق أن تكون ...
وإنك تجد بعدها مزيد بيان لقدرته على كل شيء :
{أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)}
في تقرير تالٍ عن ملك الله للسماوات والأرض؛ فهو سبحانه القدير على كل شيء، وهو المالك لكل شيء .. وأنّى لمن خلق كل شيء،  وملك كل شيء، ألا يقدر على كل شيء ..
وإنه :   {... وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (107)}  الولي الذي تولى عباده بإصلاحهم وهدايتهم تعلقا بآية الناسخ والمنسوخ وفعله في عباده، فهو الذي تولى أمرهم فأنزل لهم هذا المنهج المصلح، وهو سبحانه نصير المؤمنين، إيماء إلى أنه القدير على نصرهم على أعدائهم الذين كانوا من قريب أهل الوجاهة عندهم وهم أهل كتاب، وكانوا أهل المال والأعمال بينهم ... قدير سبحانه على نصرهم عليهم ..
وإن هذا بدوره ليتأكد فيما يلي من آيات :
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}
إنهم يرومون أن يشككوكم في دينكم، عبر قضية الناسخ والمنسوخ، فهل تريدون سلوك طريقهم مع أنبيائهم، وقد عرفتموه فيما عرّفتكم آيات قريبة حدّثت عن شنائعهم وفظائعهم، أتريدون أن تصدّقوهم في دعاواهم، فتسألوا رسولكم عن أمر الله ومشيئته بنسخه لما يريد، وتركه لما يريد، إنما ذلك طريق لتبديل الكفر بالإيمان، وذلكم هو الضلال ... !
ولننظر لتوائم : "وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ " مع قضية النسخ، نسخ الإيمان بالكفر، ذلكم هو طريقهم ... !
ولنا مع قابل الآيات تتمة بإذن الله.
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #136 في: 2026-04-05, 08:00:54 »

{وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَٰكِنَّا أَنشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۚ وَمَا كُنتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَٰكِن رَّحْمَةً مِّن رَّبِّكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أَتَاهُم مِّن نَّذِيرٍ مِّن قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46) } [القصص].
هذه الآيات من سورة القصص،  آيات عظيمة،  يخاطب فيها الله سبحانه وتعالى نبيّه،  أنه ما كان حاضرا زمن موسى ساعة قضى الله إليه الأمر،  وقد مضت عليه قرون متطاولة، حتى اندثر ذكره، واندرس خبره؛ وأنه ما مكث في أهل مدين ليعرف منهم الأخبار، ولكن الله قدّر أن تبلغه عبر الرسالة، عبر الوحي.. وأنه ما كان بجانب الطور يوم أن نادى الله موسى عليه السلام..
كل ذلك لم يكن،  ولم يحضره ولم يعاينه رسول الله ﷺ،  ولكنه أُخبِرَهُ عبر الوحي:  "وَلَٰكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ"   
  و "كُنَّا مُرْسِلِينَ"  توحي بعلم الله السابق وإرادته السابقة لبعثته رسول ﷺ،  وأنه الذي سيُحدَّث بهذه الأخبار وبهذه القصص... وإنّ صدق هذا الخبر في القرآن لمساوٍ للمعاينة وللمعايشة..!
وإنها للرحمة من الله أن أرسل إلى محمد ﷺ،  يُخبر بأنباء من سبق، ليكون بها نذيرا.. 
وأنا أقرأها اليوم،  فعلت في نفسي فعلا جديدا...  استحضرت فيها عظمة الله تعالى وإحاطة علمه بما مضى وبما هو كائن وبما هو آت..  !
استحضرت بها جلال القرآن العظيم وجلال موعظته، فدقّت في أعماقي ناقوس الذكرى،  وسارعتُ منها -من قبل أن أمضي مع لاحق الآيات- إلى مشكلة شغلتني،  ففضضتها، وقد كانت نفسي تحدثني أنه لا سبيل إلى تنازل، وليكن ما يكون،  ومن روح الآيات وفعلها، صغرت وسهلت وذُلّلت لنفسي وهان أمرها،  وكلمات طيبات أعادت المياه لمجاريها...!  من فعل الآيات لا من غيرها ارتاحت الأنفس وقد كانت مثقلة، وأشرقت القلوب بنورها...!  بنور ربها..  !
 فيا قرآن ربي،  يا بلسم القلوب،  ويا نورا يشرق على الأنفس فيطلع نهارها ويذهب ليلها البهيم...  !
#القرآن_راحة_للنفوس
#سورة_القصص
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #137 في: 2026-04-05, 08:04:48 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

من سورة البقرة، كنا قد عرفنا عمل بني إسرائيل بالتشكيك في أوساط المؤمنين، واتخاذهم قضية الناسخ والمنسوخ من آيات الله تعالى بابا لنفث سموم كُرْههم أن يُنزَّل على المؤمنين من خير من ربّهم، وكيف تنقلب أماني إبعادهم المؤمنين عن دينهم بابا لزيادة اليقين في قلوبهم في كل زمان، وهو سبحانه الحكيم العليم الذي يقدّر مصالح عباده ويعلم ما يداوي عللهم، وما يبدّل حالهم من التيه إلى الاهتداء، وما يخرجهم من الظلمة إلى النور ..
وقد ختم بتحذير المؤمنين من أن يكونوا على خطاهم فيسألوا الرسول ﷺ عن أمر من أوامر الله، وقد جاءت قضية النسخ وطعن اليهود فيها مثالا على ذلك،  تعليما لهم حتى يكونوا سامعين مطيعين للرب العظيم الخالق الذي هو أعلم بعباده وبما يصلحهم وما لا يصلحهم :
{أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108)}
وإنما سعيهم فيهم بالتشكيك هو من ودّهم أن يرتدوا كفارا حسدا منهم وقد تبين لهم أن ما نزل فيهم الحق :
{وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}
وهكذا هو الأمر من الله للمؤمنين أن يعفوا ويصفحوا عن اليهود، حتى يأتيهم أمره سبحانه بقتالهم، وإن أمر الله لهم بالعفو والصفح إلى حين، هو من حال المنسوخ، إذ هو العفو الذي سيُنسخ بالأمر بالقتال ... والنَّظْم بين الآيات كحال الثوب الموشّى ببديع الرسوم المتجاورة، فإذا الوَشْي جملةً أشكال متناسقة متسقة، والخيط واحد !
وإنه سبحانه وقد حذرهم خطاهم، يبيّن لهم بعدها طريقهم الذي عليهم أن يسلكوه، أن ينبذوا ما عليه بنو إسرائيل، وأن يفعلواما يجب أن يكونوا هم عليه:
{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110) }
ورأس ما يكونون عليه السمع لأمره سبحانه والطاعة تحقيقا لثنائية التقديم والجزاء، فمن قدّم لنفسه لقي عند الله جزاء ما قدّم ..
وإنه القطاع من الآيات الذي يوجَّه فيه الخطاب للمؤمنين، إنه بداية الخروج من قطاعين استغرقا آيات عديدة من سورة البقرة، كانا عن أحوال وحقائق بني إسرائيل بأسلافهم وأخلافهم، لنجدنا بعدهما نتهيأ للخروج من سراديبهم المظلمة خروجا تدريجيا، فيه تحذير المؤمنين منهم، المؤمنين المعاصرين لرسول الله ﷺ والذين يجيئون من بعدهم عبر الأزمنة، فنجدنا نعرَّف أضاليلهم :
{وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (111) }
و للمرة الأولى بعد كل ما عرفنا من حقائق بني إسرائيل، نلقى النصارى مقرونين بهم.. فانظر –يرحمك الله- إلى الله تعالى وهو يجمع الفرقة الضالة إلى الفرقة الضالة؛ فليس الشأن أن اليهود وحدهم أهل الضلال بحكم الاستفاضة في ذكر حالهم أسلافا وأخلافا، بل إن النصارى معهم على ضلال يا أمة الإيمان والإسلام، يا أمة القرآن ومحمد ﷺ...
إنه البيان الكافي الشافي، وإنه أوانه على درب الخلافة والسيادة والريادة التي أنيطت بأتباع محمد ﷺ، حتى يعلموا أنهم الذين لا تُتَّبَع خطاهم ... وذلك زعمٌ من باطل زعمهم، فاليهود من جهتهم يقولون أن الجنة حكر عليهم، والنصارى من جهتهم يقولون أنها حكر عليهم، ويتحداهم الله تعالى بقوله : " قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ " ..
أرونا معشر يهود دخولكم الجنة من دون الناس، وأرونا معشر النصارى دخولكم الجنة من دون الناس ! أرونا برهانا ساطعا وحجة دامغة على قولكم.. !
وإنه لا حجة لهم ولا برهان، وهم الذين حرفوا كتبهم، وبدّلو كلام الله، وكتبوا بأيديهم كتاب أهوائهم وقالوا هو من عند الله.. !  وهل يقوم لواحد من الناس على الغيب برهان؟ ! هل لأحدهم -كائنا من كان- علمٌ بمن كُتبت له الجنة وبمن كتبت له النار ؟ ! بلْهَ أن يدّعي أنها له من دون الناس !  أفيعلم أحدهم من خاصة علم الله ؟ ومن أمر غيبه المخبأ عن أخصّ عباده وأقربهم ؟ !  لا برهان للإنسان على غيب ..  والجنة والنار غيب، وهما من مقومات إيمان المؤمن، يؤمن بهما وهو لا يراهما، ولا يعلم عن أمرهما إلا ما بين الله في كتابه، من قانون ثابت يجزي به الله كل ذي عمل ما يستحق، إن بإحسان فله الحسنى، وإن بإساءة فله السّوأى ...
وعلى هذا وجب أن نتأمل موقع هذا السؤال من الله، والغرض منه تبكيتهم وبيان ضلالهم وافترائهم الكذب، وإنما هو التحدّي المتضمن علمه سبحانه باستحالة إجابتهم عنه، وليس هو السؤال الذي تتوقع له إجابة، إذ لا برهان لأحد على غيب الله !
ويأتي الدحض والتكذيب بقانون الله الثابت، بالقانون العادل من الله العدل:
{بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}
 من أسلم وجهه لله وهو محسن هو الآمن المأجور من ربه، الذي لا يخاف مما ينتظره، ولا يحزن على ما فاته..
قانون هذه الأمة، كما كان قانون كل الأمم التي مضت، والدين واحد والحق واحد من عند الله لا من عند غيره، سبحانه الذي بعث الرسل، وهدى عباده، وبيّن لهم شريعة الحق وجزاءه العدل المخبأ عنده... فمن أسلم منهم لله وهو على الطريقة التي جاءهم بها رُسُل الله، فله الجنة . أما من عاصر من أهل الرسالات السابقة رسول الله ﷺ، فإنما إحسانه على ما جاء به محمد ﷺ، ولا يُقبل منه أن يُعرِض عنه، ويقول أنه على ملة آبائه وقومه، من يهود أو نصارى أو أي ملة أخرى مدّعاة .
وفي سياق بيان باطلهم وضلالهم، تترى حقائقهم، يكشفها الله تعالى لعباده المؤمنين في هذا القطاع الذي يجعلهم على بيّنة منهم، فلا يغتروا بعد قول الله فيهم بقول منهم.. وإن حقيقة كل فرقة الطعن في الأخرى، بينما قد أنزل الله الكتابَيْن، التوراة أصلا للإنجيل، والإنجيل تبعا للتوراة، وعيسى معلنا تصديقه بالتوراة، في تتابع من الرسل والكتب الحاملة للهدى من الله، فما تقول فرقة على فرقة بمثل هذا، إلا وكلّ منهما على ضلال مبين، أنكرت به وحدة الكتب ووحدة الدين، واصطنعت هي دينا لنفسها سمّته دين الله !
{وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}
ويُزاد إلى الفريقين الضالين فريق ثالث، في تدرج من الله في ذكرهم جنبا إلى جنب مع اليهود، ضمن هذا القطاع الذي هو لتحذير المؤمنين وإرائهم الحق حقا والباطل باطلا .. ذلك هو فريق المشركين، الذين نعتهم الله بـ :
"الذين لا يعلمون" ... تمييزا لهم عن أهل الكتاب، ولكن، رغم تميز كل فريق بنعته، إلا أنّ : " قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ "  جمعت الثلاثة في سلّة واحدة، وكأن الذين أوتوا الكتاب لم يؤتَوه وقد قالوا بما قال الذين لم يُؤتوا كتابا ... وقد جيئ بنعت "الذين لا يعلمون" تمييزا، يُردَف بمماثلة قولهم لقول الأوَّلَيْن، في إشارة إلى أن كل القائلين بذلك سواء في انتفاء العلم عنهم ..
وإنه من عدم أهليتهم لاتصافهم  بالعلم، والذين أوتوا الكتاب يتقوّل بالباطل بعضهم على بعض، والذين لم يؤتوه يتقولون بالباطل على الحق الذي جاء به رسول الله ﷺ   ثلاثتهم، يحقّ فيهم وصف الآية التالية :
 {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (114)}
يروي تاريخ اليهود والنصارى أنه تم تخريب المسجد الأقصى ونهب نفائسه في غزو بختنصر لبيت  المقدس وأسره لليهود، وكذا في غزو طيطس الروماني له وحرقه للتوراة؛ أما المشركون فهم الذين أحاطوا الكعبة بالأصنام، وكانوا يطوفون حولها عراة، مُكاء وتصدية، وذاك منهم التخريب المعنوي الذي طال أول  بيت وُضِع للناس..  كما كانوا يمنعون رسول الله ﷺ وصحابته من قراءة القرآن عند الكعبة، ومن الصلاة في حرمها،  ومنعوهم من دخول البيت عام الحديبية عندما أمّوه معتمرين..
وترابط الآيِ من روح ترابط المعنى، والذين جمعهم الله، فجعلهم سواء في عدم العلم، من أوتي الكتاب ومن لم يُؤتَه، هم أهل هذا الظلم العظيم بانتهاك حرمات بيوت الله تعالى، تخريبا معنويا وحسيا ومنعا للمؤمنين من ذكر الله فيها؛ وتذييل الآية بقوله سبحانه : " أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ "..  إيماء إلى أن الله ناصر عباده المؤمنين عليهم، وجاعل لهم شوكة ورهبة؛ ولقد تحقق ذلك عند فتح مكة، عندما لاذ المشركون بالجبالذ، وجحافل المؤمنين تدخلها فاتحة مؤيَّدةً بنصر الله، خوفا من أن يقتلوا ... !
وإن بيت الله الحرام اليوم، في عهد الحكام المطبّعين، المخرّبين له تخريبا معنويا، وهم يوالون أعداء الله وأعداء رُسُله، وهم يَذلّون ويُذِلّون الأمة قاطبة لمن ضُربت عليهم من الله الذلّة والمسكنة، ولعنوا بكفرهم، وباؤوا بالغضب على الغضب ... ! إنه اليومَ يحتاج فتحا جديدا يطهّره من خِزي الأذلّة بين يَدَي مَن أذلّهم الله، فتحا يطهّره من خيانتهم وتواطئهم مع العدوّ ضدّ الإسلام وأهله... !
وللقدامى من الخزايا وللمحدثين منهم، يأتي قول الله تعالى معلنا أنه أينما ولّى الناس فثمّ وجهه، وحيثما كانوا، وأينما ولّوا مُلكُه سبحانه :
{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)}
فيا من تسمّيتم بأهل الكتاب لنزول الكتاب فيكم، وكتاب الله منكم براء...إن هذه الأرض التي ترونكم مُلّاكها وأصحاب القوة فيها، تبثون في أرجائها نبذَ كل أمر من الله، حالكم من حال أسلافكم، حِلفٌ أنتم ضدّ الإسلام مُقام، وحقيقتكم أنكم المتباغضون، الطاعن بعضكم في بعض، نراكم جميعا وقلوبكم شتى ! ويا كلّ خونة الأمة معهم، وأنتم خُطّاب ودّ أسيادكم، تَذِلون تحت أقدامهم طلبا لرضاهم...وأنتم مع خزيكم وعاركم وشناركم حملة لواء خدمة البيت الحرام !
إن الأرض بكل نقطة فيها ملك لله وحده ... وأنكم فيها الحاكمون ظاهر من الحياة الدنيا، وما تعلمون إلا ظاهرا منها.. وهو سبحانه يراكم ويعلم أمركم وحالكم جميعا ... ويمهلكم إلى حين ! تخربون بيوت الله وتمنعون ذكره فيها، فهل أوصدتم الأبواب على عباده دون عبادته ؟ ! إن له سبحانه المشرق والمغرب، وحيثما يولّي عبدُه فثمَّ وجهُه، وهو الواسع العليم ... وما الكعبة إلا رمز للوجهة الواحدة للأمة الواحدة الموحدة، والأرض كلها لله، ومن كل نقطة فيها يصحّ التوجّه للكعبة حيثما كان إنسان وولّى وجهه، فثمّ القبلة، وثمَّ وجه الله ... ! ولا تنقطع عبادته عن الأرض، ولا تنقطع الصلاة له، ولا الدعاء، ولا تنقطع عن الأرض قلوب مخبتتة مؤمنة مخلصة،  ستحوّل وجه الأرض من الكلوح إلى الإشراق بإذن ربها ...وستنصر دينَه الذي لا يُغلَب ! وستعود مكة بفتح جديد يُغبِر خرابا صنعه خونةٌ يتمسّحون بالعدوّ ويصيّرونه غصبا وليّا ... !
هذا الإله الواحد العظيم، الذي له ملك السماوات والأرض، وهو على كل شيء قدير، الذي له المشرق والمغرب، الواسع العليم... أتدري ما يقول عنه الضالون من الفرق الثلاثة :
{وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (116) بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (117) }
فاليهود يقولون عزير ابن الله، والنصارى يقولون عيسى ابن الله، والمشركون يقولون الملائكة بنات الله !!
كبرت كلمة تخرج من أفواههم، إن يقولون إلا كذبا ... سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن أن يتخذ صاحبة أو أن يتخذ ولدا ...هذا قولهم في الله، وهم الذين يقولون أن الجنة حكر عليهم، جنّة مَن هذه التي هي لهم من دون الناس؟ ! جنة إله يدّعون له ولدا ؟ ! أفجنّة الإله هي أم جنة ولده ؟ !
أي إحسان تريدون به الجنة، وإنّ قولكم لَلْكفر الصراح، كل ما في السماوات والأرض قانت لله خاشع خاضع، ليس كمثله شيء سبحانه، ليساوي عباده في حاجتهم لسند ولظهير ولمَن يحفظ ذكرهم بعد فنائهم، سبحانه الغني وهم الفقراء، القوي وهم الضعفاء، الكامل وهم الناقصون، الحيّ وهم الميتون !
سبحانه بديع السماوات والأرض على غير مثال سابق وعلى غير اقتداء أو احتذاء ..وإذا قضى أمرا فإنما قوله له كن فيكون.. فلعلّ قائلا يقول فهل يؤمر معدوم ليكون ؟ أو هل يؤمَر موجود ليكون وهو الموجود ؟ ! له ولأمثاله نقول : سبحانه يأمر المعدوم وهو في علمه السابق موجود .. سبحانه له قضية الإحياء والإيجاد، وليس لأحد غيره سرّها ...
وتُزاد هذه الآية في الإيجاد والخلق والتكوين إلى ما سبق في هذه السورة العظيمة من آيات الخلق، وهي التي تنزرع فيها  من بداياتها، ولا بدّ أن لانتشارها في ثناياها سرا .. !
وإنّ الفرق الثلاثة التي جمع بينها الله وهو سبحانه يماثل التي أوتيت الكتاب منها بالتي لم تُؤتَه في قوله : "كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم" ... من فرط جهلها بقدر الله تعالى، ومن فرط خبطها وخلطها، هي التي تجرأت على انتهاك حرمة بيوت الله التي هي مقر ذكره والصلاة له، وهي ذاتها التي سيذكر الله لها حماقة أخرى من حماقاتها ولونا آخر من ألوان جهلها :
{وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آَيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (118)}
وسواء كانت عن اليهود الذين قالوها لرسول الله ﷺ، أو عن المشركين، فإننا نراهم في هذا القطاع المحذّر للمؤمنين من ضلالاتهم، وجها واحدا، هم وجه الكفر الواحد الذي كان من غابر الأزمنة مع الأنبياء والرسل، وهم وجه اليهود الكالح الذي عرفنا في الأسلاف... قلوب متشابهة، فالذين سألوا موسى أن يريهم الله جهرة، لن يستنكف أخلافهم عن سؤال رسول الله ﷺ أن يأتيهم بمعجزة !
ثم يلوّح الله تعالى بآياته العظيمة، بكتابه الخالد : "قَدْ بَيَّنَّا الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ " ... لتساوي قوله سبحانه في بدايات البقرة : " ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) " . كيف يعرضون عن آيات هادية مبينة، تخرج خبء النفوس، وتكشف العلة الكامنة فيها، وتصف لها الدواء الشافي الكافي، وتنقّيها وتطهّرها وتزكّيها وتنمّيها وترقّيها، ثم يسألون المعجزات وكلّ ما حولهم في الكون معجزة الله الخالق الموجد المدبّر المسيّر لكل ذرة فيه ..؟ !
فإنك يا محمد صاحب الحق المبين، وإنهم أصحاب الباطل وأهل الجحيم :
{إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}
وإنهم وقد علموا أن محمدا هو الحق الذي يكتمون، وأن الذي جاء به الحق الذي يعرفون، وأنّهم الذين كانوا أهل باطل مع كل أنبيائهم ورسلهم، قد شرِقوا بمحمد وبدعوته وبكتابه، وإنهم لن يرضوا حتى يترك ومن تبعه الحق ويتّبعوا باطلهم :
{وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120) الَّذِينَ آَتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (121) }
وتارة يسميه سبحانه "الحق" وتارة يسميه "الهدى" وهو هذا وذاك معا، وما من شيء يقال له "الهدى" إلا هدى الله، كلمة هي في اللغة قصر على هدى الله .. ثم يزيد فيسميه فيها تسمية جديدة : "...بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ" .. إنه العلم..
"الحق"، و"الهدى" و"العلم" ... الحق وقد عرفوه وهم له منكرون كاتمون، والهدى وهم قد نبذوه واحتكموا لأهوائهم، والعلم وهم قد جهِلوا باختلاقهم الأكاذيب وجهالات رؤوسهم.. وإن منهم من يؤمن به، وهو يتلوه حق تلاوته، لا يبخسهم الله حقهم وإن كانوا عدّا عل الأصابع...
ثم يختم سبحانه بالآية الخطابية التي بدأ بها قطاع بني إسرائيل، في طيّ لصفحتهم، معه الفرصة القائمة، وهم إلى يومنا هذا يسمعون نداء الله لهم أن يؤمنوا  ... :
{يا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (122) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (123)}
وهكذا يُختَم هذا القطاع "البرزخ" بين آيات استغرقت العدد من الصفحات، كلها عن بني إسرائيل أسلافا وأخلافا، وبين آيات قادمات فيها أحوال مخالفة كل المخالفة، فيها الانتقال الكليّ للمؤمنين.. هذا القطاع الذي عرفنا يخاطبهم، ولكن بخصيصة تحذيرهم من طريق بني إسرائيل، وبيان ضلالهم مع ضلال غيرهم ليكونوا على بيّنة من أمرهم، وإنه ما يُعرف لشمس النهار قدر ولا وزن إلا وقد عُرف الليل بدامس ظلامه..
وإنه للتناسق الذي نعرف، والاتساق الذي نعهد في الآيات..  ونحن ننتقل الهوينى لنعرَّف مايتمنون لنا وما يكرهون لنا ...فانظر :
1-) أنهم الذين يكرهون أن ينزّل علينا من خير من ربنا : { مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (105)}
2-) فهم من كرههم أن ينزّل علينا من خير، يمشون فينا بالتشكيك في ديننا وفي قرآننا، وهو دَيدنهم الذي لم ينقطع إلى يومنا، فوجب ألا نسلك مسلكهم في سؤال رسلهم وهو الطريق إلى الكفر بعد الإيمان: { أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (108) }
3-) أنهم الذين يودّون لو يردّوننا من بعد إيماننا كفارا حسدا منهم وقد تبين لهم أن الذي نزّل علينا هو الحق: { وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (109)}.
4-)أن علينا أن نلتفت لأمر ربنا فينا لنكون أصحاب الهوية الخاصة، والسَّمت المميزّ،  المحققين لأوامر الحق فينا سمعا وطاعة: {وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (110)}.
5-)يدّعون احتكارهم للجنة، وهم الذين يطعن بعضهم في بعض، بينما كان ما نزل فيهم الحق الذي يصدر عن مشكاة واحدة، فتساووا وهم من لم ينزل فيهم شيء، فكأنهم لم يعلموا من العلم شيئا: { وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113)}.
6-)تجرؤوا على بيوت الله بالتخريب ومنع الذكر فيها، وكل أرض الله مسجد، وهم يعيثون في كل أرضه إفسادا ونشرا للإلحاد والكفر، كما تجرؤوا على الله الواسع العليم، بديع السماوات والأرض، القاضي أمره بكن فيكون، فادّعوا له الولد، وسألوا المعجزات والبينات وأعرضوا عن معجزة خالدة ممثلة في كتاب آيات بينات هاديات مخرجات من الظلمة إلى النور:{ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (119)}.
7-) مبلغ مُناهم وتمام مرادهم ليرضوا عنا أن نتبع ملتهم، فنجنح للأهواء والباطل والجهل ونترك الهدى والحق والعلم:{ وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (120)}.
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #138 في: 2026-04-05, 08:10:22 »
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ} [السجدة : 12].
"ولو ترى" يا محمد..  وكأن المشهد قد حضر ! 
لو ترى إذ المجرمون يوم القيامة ناكسو رؤوسهم عند ربهم، ربهم الذي كفروا به،  وعاندوا فيه،  وكابروا،  وكانوا دعاة للكفر به  ..  ربهم الذي أبوا أن يعلنوا أنه ربهم وأنهم عباده!  هم اليوم من الخزي والندم ويقينهم بالهلكة ناكسو رؤوسهم..  !
واسمع لقولهم..  اسمع لهم وهم يعلنون بعد فوات الأوان ما هو من شأن الدنيا لا الآخرة، من شأن دار الابتلاء وجواب العباد فيها..  !
«رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ» 
أبصرنا الحق وسمعنا الحق..  ! 
لم يعد أوانه،  لم تعد من فرصة،  قولوا أو لا تقولوا..  سواء قولكم وعدمه..!
ماذا تريدون بقولكم؟  ماذا بعدما أبصرتم يوم الحساب، وبعدما سمعتم يوم الحساب؟! الحساب على ما يكون في الدنيا  من إبصار وسمع أو من عمى وصمم !
اسمع لما يريدون:
«فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ»
لن ينفعكم يقينكم اليوم،  كان لينفعكم لو كان منكم في الدنيا،  أما اليوم فإنه يوم انتهاء الامتحان وحلول أوان النتيجة.. يوم لا سبيل فيه إلا للإيمان واليقين والغيب عيان،  والمحجوب مكشوف، وسؤال الامتحان مجاب عليه، وكله مُبصَر مسمَع!!
 لا حاجة لنفسك اليوم بإبصارك وسمعك..  لا حاجة لها بيقينك، وهو الذي لا سبيل إلا إليه!  كانت تحتاج منك يقينا ساعة كفر من كفر وأنت مؤمن،  ساعة أغرى من أغرى من شياطين الإنس والجن وأنت مؤمن!  ساعة ثباتك من يقينك..  ! 
أما اليوم فقل أو لا تقل..  سواء..! إنه لا رجوع..
ثم تأمل ما جاء بعدها:
{وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَٰكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}
لو شاء سبحانه لجعل كل الناس على هدى،  ولكنه شاء أن يكون في العبد حرية الاختيار ليختار..  وعلى هذا كان المجرمون نصيب جهنم..  وكان على الله ملء جهنم بأهلها.. فما من رجوع وقد انتهى أوان الاختبار وأوان الاختيار  ..  وقد كان لك أن تختار الهدى،  ولكنك اخترت الضلال..!
اللهم أجرنا..  واسترنا وثبتنا حتى نلقاك..
أسماء حازُرْلي
#سورة_السجدة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #139 في: 2026-04-05, 08:10:57 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
والسِيُّ بالسِيّ يُذكَر، ونحن في سياق المسجد الأقصى، وآخر الأحداث فيه،  وما يُحاك من سعي لطمس معالم الهوية المؤمنة في نفوس المسلمين، وسعي بالتخريب والإفساد في أرض الله تعالى بنشر الكفر والإلحاد.. ومع رمز الهوية المؤمنة في المرابطين الأشاوس.. هذا قبس من إضاءات سورة البقرة التي كشفتهم لنا، وكشفت لنا قلوبهم قطعة بقطعة..
ولكن كعادتنا نتوه بحثا عن الأسباب والحلول بين تحليل وتنظير وتأويل "تعايشي" خطير، وباسم "الواقع" وإملاءات الواقع، نقلب حقائق أقرها الخالق في خلقه وسننا أمضاها في كونه،  حتى هزلنا وهزلت قضايانا...! كل هذا وكتاب الله بين أيدينا، فيه السبب وفيه الدافع وفيه الحل، وفيه الانتهاض والسبيل إلى النهوض، إلا أننا قليلا ما نقرأه كما تجب قراءته...! 
حاولتُ تصميم هذا التدرج الممنهج في آيات قطاع التحذير والدعوة إلى نبذ طريقهم واتخاذ طريقنا المميز الخاص، في معركتنا العقديّة الوجوديّة ضدهم ..
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب