
تابع.....
لقد بلغَنَا العلم، ولقد تعلمنا، فوجب أن نكون العاملين بما علمنا، لذلك سيدخلنا ربنا بعد ما عرفنا مرحلة المواجهة بما تعلّمنا.. فلا تذهَلْ عن هذا الترابط الذي لم يغادرنا مُذ بدأنا مع الآيِات الأولى للسورة؛ انظر للخطوات تأخذك على درب الحياة تعليما وبيانا وهداية وتنويرا، وتمييزا بين حق وباطل، وتبصيرا بما هو مِلْء الأرض من سبُل الباطل والضلال...
إننا الآن مع القسم الثاني من "القطاع الإبراهيميّ"، قسم يخاطَب فيه الأخلاف، ورثة العهد والملّة الإبراهيميَّيْن، تلك الأمة التي دعا بها إبراهيم ودعا بنبيّها :
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
💎ألم تسأله أوّل ابتدائك الطريق : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة].
💎ألم يجبك سريعا أنّ :{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة].
💎ألم يقرّر عند إهباط آدم وحواء الأرض : { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }.
💎ألم يبين لك سبيل الظالمين المبدّلين المحرّفين، المتقوّلين على الله، المنتهكين لحرمة رُسُله وكتبه ؟ !
💎ألم يعلّمك أنهم الذين نُحُّوا عن الخلافة وقد باؤوا بالغضب منه سبحانه على الغضب، جزاء وفاقا لكفرهم بآيات الله ولقتلهم الأنبياء وكتابتهم الكتاب بأيديهم وقولهم أنه من عند الله ؟ ! وأنّ أكبر سعيهم أن يردّوك من بعد إيمانك كافرا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنك على الحق؟ ألم يعلّمك أنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملّتهم ؟ !
💎ألم يعلّمك أنّك من أمة محمد الهادي الذي ورث العهد امتدادا للإمامة الإبراهيمية في الناس إلى يوم الدين ؟
💎ألم يعلّمك أنّ دين الإسلام هو دين الأنبياء جميعهم، وأنهم الذين جاؤوا بالهدى والحق الواحد من عند الله ربّ العالمين ؟
💎ألم يعلّمك أنّ ملتك هي ملة إبراهيم، وأنها ملة الحق، وأنها إسلامك لربّ العالمين كما أسلم إبراهيم؟
فما دمت تتّقيه وتتبع هُداه الذي أنزل، فإنك لا بدّ مهتد.. وإنك لا بدّ آمن، وإنك لا بدّ متعلّم ما علّمك.. فاعلم أنّ الدنيا من حولك شِراكٌ منصوبة لإيمانك، يُراد لك أن تقع بها شرّ وقعة، وأن إيمانك هو الصيد الثمين الذي يرومون، وأنهم من جند إبليس المخلصين الذي توعّد ليقعُدنّ لأهل الصراط المستقيم، وليأتينّهم من كل سبيل : {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}[الأعراف].
وها نحن.. مسلمي اليوم، كما كان حال مَن قبلنا ممّن كان حول رسول الله ﷺ من ورثة العهد والإمامة والملة عن إبراهيم عليه السلام، نخوض كما خاض أسلافنا حربا عقديّة وجوديّة هي التصديق الحرفيّ لما جاء في القرآن، لما عرفنا في الآيات السابقة القريبة.. فكما قالوها للصحابة حول رسول الله ﷺ، هم اليوم يقولونها بكل الطرق، جهارا نهارا، وسِرّاً ودَسّاً، وحرباً بالسلاح وحربا بالشبهة والشهوة : "كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " !
وإنك وقد تعلمت، فأنت صاحب الزاد، وصاحب الردّ الحقّ بالعلم الحق، وبالنبأ الحق ! لقد هُيِّئت، ولقد عُلِّمتَ ما تقول حينما يقولون لك، عُلّمتَ بما تردّ وهم يدعونك بباطل دعوتهم :
{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
لقد تعلمنا.. ولقد وعينا.. فأصبح لنا سلاحنا في حربنا ضدّ المبدّلين : " بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ".. بل ملتنا ملة إبراهيم، لا هدى اليهود المزعوم ولا هدى النصارى المزعوم، وهم الذين حرّفوا وبدّلوا وعاندوا وكابروا وتقوّلوا على الله سبحانه ما لم يقله .. ملّته التي علمتْنَاها الآيات السابقة؛ ملّة الذي ابتلاه ربّه فأتمّ، وابتلاه فوفّى، الذي رفع قواعد التوحيد في الأرض وأعاد لها الحياة وهو يرفع القواعد من البيت، الذي رفع حجارة البيت وهو يدعو باللّبنة المتمّمة لبناء النبوّة والإيمان والتوحيد.. "محمد ﷺ".. الذي قال له ربُّه أسلم، فقال: "أسلمت لرب العالمين".. إبراهيم الذي جعله الله للناس إماما، وكان من نسله النبيّ الإمام الرحمة للعالمين، والأمة القائدة الرائدة المسلمة لله، إبراهيم الذي أوصى بَنيه بالإسلام... ذلكُم هو قدوتُنا.. وتلكم هي ملّتنا .. !
إنه العلم الذي علّمنا ربُّنا، وإنه سلاحنا الأحدّ والأمضى في حرب على الحق وعلى أمر الله في أرضه .. من الظالمين المبدّلين المغضوب عليهم من رب العالمين.
وإنه لقولنا لهم ملء العقل والقلب :
{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
إيماننا بالله وبكل رسله وأنبيائه وبكل كتبه، إيمانٌ كامل وافٍ شافٍ، ليس فيه افتراء على نبيّ بين الأنبياء، ولا إنكار لكتاب من الكتب كما نزلت من عند الله لا كما هي اليوم محرّفة .. "ونحن له مسلمون".
بالله يا صاح.. عُدَّ معي كم مرة نُعلَّم الإسلام لله ! ريثَك ..لنمضِ مع الآيات، وبعدها سنعدّ..
{فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}
يا أيها الدعاة إلى أهوائكم ! ترون أنفسكم المتكئين على أرائك الأمر، وأنتم تدعوننا ليهوديّتكم ولنصرانيّتكم، وإنما الحقّ أننا نحن أهل الحجة والبرهان والعلم والهدى والحق، ونحن أهل الدعوة وأهل أمركم بالاهتداء، وإنما الهدى هدى الله.. الهدى ما نحن عليه، ملّة إبراهيم، والإيمان بسلامة كل الأنبياء من كل حِوَلٍ ومن كلّ انحراف عن جادّة الهدى الربّاني.. نحن أهل الأصل، وأهل الدعوة، وأنتم المُدعَون لأن تعودوا إليه، فإن آمنتم بمثل إيماننا، فقد اهتديتم، وإن توليتم فإنما من شقاقكم وعداوتكم وإصراركم على حرب الحق، لا من حجتكم الدامغة ولا من برهانكم الساطع..إنما هي العداوة لا شيء غير العداوة !
ووَيْح المسلمين اليوم ! وهم ينبذون كل هذا الحقّ وهذا البيان في شأنهم من ربّ السماوات والأرض المحيط علما بدِقّ أمرهم وجِلّه، بعلانيتهم وسرّهم، بما يرومون من تحويلنا عن ديننا وإبعادنا عنه، بما يحسدوننا على ما حبانا الله به من الحق، وهم يعلمون ما كان منهم من كفر ومن كِبْر ومن محادة لأمر الله...
ويْحَ مسلمي اليوم ! ينبذون كلّ هذا العلم الذي زوّدنا الله به، ويدعون بدعاواهم، باسم الأخوة الإنسانية دينا يُعلَى على الدين الحق، باسم الودّ المزعوم والحبّ المجذوم والعسل المسموم ! وهم أكبر وُدّهم وغاية مرادهم أن نتبع ملّتهم .. !
وإنه الوعد من الله تعالى لحبيبه المصطفى، إمام المرسلين ﷺ : " فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"؛ و إنه سبحانه كما كفاهَهُم، فقد كفى دينه إلى يوم الدين ..
ثم انظر إلى هذا الوصف العظيم البديع الدقيق، اقرأه وأنت تستشعر معناه في قلبك، وتجد وقعه في نفسك :
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}
الصبغة ما تغلغل مع الشيء فانصبغ به، وأصبح منه وفيه، ما خالط الأصل واللُبّ والقلب فأصبح من القلب ومن اللُبّ ومن الأصل؛ وإنّ العلم يعرّفنا بما يحدّد في الإنسان أوصاف جسمه، لون بشرته، ولون عينيه ولون شعره، وطوله، وشيئا من صحة أو سقم في عضو من أعضائه، كله من شيفرة الوراثة التي هي بَنْك معلومات جسمه وتوثيق أوصافه؛ كلّه من "الصبغيات" التي يأخذها عن والدَيه مناصفة..
أما هذه فإنها صبغة الروح التي صبغ الله بها الإنسان، فطرته التي فطر الناس عليها، أن ينصبغ الإنسان بمعرفة ربّه، وبحاجته وتعطّشه للوصال بخالقه، وبأنه الذي يهديه ويعلمه ويبصّره بالحق.. !
إنه "الإسلام"، إنها ملّة الإسلام... دين الفطرة، دين الصبغة الربانية، الذي يعلمنا الله كيف لا نحول عنه، وكيف لا نغترّ بغيره من "الطلاء" الذي يبدو عليك لونا بين الألوان، ما أن يلامسه هواء من هواء حتى يذهب لونه ! لأنه الطلاء المصطنع، لأنها الصناعة البشرية، والتحريف اليدويّ الذي يُدَّعى لله كذبا وزورا.. !
"يهودية"، "نصرانية"، وكل اسم من الأسماء التي سماها البشر دينا، واصطنعوها لأنفسهم من أهوائهم وشطحاتهم وتحريفهم لأمر الله ولكتب الله .. ! أما الإسلام، أما الملة الإبراهيمية، أما القرآن، فهو الصبغة الإلهية، ومَن أحسن من الله صبغة، وما يأتيك منه إلا الحق الذي تعرفه الروح معرفة القلب لنبضه والنبض لقلبه !
هي من الله الصبغة، و"نحن له عابدون" ... وإننا من بعد ما أقررنا أنا له مسلمون، نقرّ أنا له عابدون مضيّا في تعلّم معنى الإسلام لله..
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)}
الله الذي نحن له مسلمون منصاعون طائعون لأمره، عابدون له وحده، تحاجوننا فيه ؟ ! وفي ذاته وفي أمره؟ ! في أن صيّر خلافة الأرض إلينا والإمامة الإبراهيمية فينا نحن أمة محمدﷺ، وأن نزعهما عنكم ؟ أتحاجوننا في أن ينزّل من فضله على من يشاء من عباده، أن يصطفي من الناس أمة العرب، ومن البشر محمدا العربي ؟ ! وأن تذهب الرسالة منكم وقد عثتم في أمره تبديلا وتحريفا، وفي رُسله تقتيلا وتكذيبا ..؟ !
أتحاجوننا في كل هذا والله ربنا وربكم ؟ ليس خالقكم وحدكم ليكون ربكم وحدكم، بل هو خالقنا وخالقكم، وتكريمه لعباده بمقتضى أعمالهم، فمن كان له أتقى كان عنده أكرم.. وكما جعل منكم الأنبياء والأصفياء والأنقياء، كذلك يصطفي منا ويجعل منا النبي الإمام الخاتم، الرحمة للعالمين.. هو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ولكن ما يميزنا عنكم أننا له مخلصون : "وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ"..
وعلى هذا تجتمع الصفات الثلاث المنبثقة كلها عن إسلام الوجه لله : " بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " ..
💧نحن له مسلمون .
💧نحن له عابدون .
💧نحن له مخلصون.
أسلمنا له على ملة إبراهيم، فانصبغنا بصبغته سبحانه، فعبدناه، فأخلصنا له وحده العبادة.
ولنا تتمة مع جزء لاحق بإذن الله، فكونوا معنا...
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#ملة_الحق
يتبع.....