المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7926 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #140 في: 2026-04-05, 08:11:30 »
في قوله تعالى:«مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ» [البقرة : 106].
جاء اسم الله "القدير" مع قضية الناسخ والمنسوخ والتي تنطوي على تمام علم الله تعالى بشؤون خلقه وبما يُصلحهم،  وعظيم حكمته في نسخ حكم بحكم غيره..
فيتراءى لك أن اسم "العليم" و"الحكيم" أسبق  في هذا السياق من  "القدير"  ..
ولقد مكثت مع موقع "القدير" من الآية أتقصّى حقيقته وأنا أباعد نفسي عن التكلّف حتى تأملت عِظم الآية الواحدة وهي تنزل من رب العزة،   فإذا "القدير"  توائم كل المواءمة تنزيل أمر ثم نسخه بأمرٍ غيره؛ فهي قدرة الله وحده على إنزالها،  وعلى تحديد وقت عملها، وتحديد وقت استبدالها بالناسخة لتُنسَخ..
نزول الآيات من قدرة الله وحده،  بل نزول الآية الواحدة عظيم عظيم،  وثقيل ثقيل :«إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا»[المزمل : 5].
لا يقدر على إنزالها إلا الله وحده..  كان ذلك تأملي في آية البقرة منذ أيام مضت،  وشاء الله أن أقرأ أمس من سورة الطلاق قوله تعالى:«اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا» [الطلاق : 12].
تنزُّل أمر الله بين السماوات السبع والأرضين السبع عظيم عظيم،  لا يقدر عليه إلا الله سبحانه..! لا يقدر عليه إلا من هو على كل شيء قدير،  سبحانه:«...يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ... »
قد نكون غفلنا عن عِظم تنزّل الآية الواحدة، ونحن نعرفها بين أيدينا حيثما كنا، في مصاحف تملأ الأمكنة والأزمنة.. ولكن أمر تنزلها على رسول الله ﷺ كان عظيما،  جليلا،  ثقيلا إلى حدّ لا يوصَف...!
ولذلك واءَم كل المواءمة ذكر قدرة الله تعالى على الإنزال...  على التنزيل،  على الإيحاء لعبده وحبيبه وصفيّه ﷺ،  الذي كان يتفصد جبينه عرقا في الليلة الشاتية وهو يُنزَّل عليه..  حتى إذا سُرِّي عنه عرفوا أنه قد فُصِم عنه...!
يروي زيد بن ثابت-رضي الله عنه- كيف كانت فخذ رسول الله ﷺعلى فخذه وهو يكتب، فلما نزل الوحي كادت فخذه الشريفة ترضّ فخذ زيد من ثقل ما نزل عليه...!
«...يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ... »
سبحان الله..  ! 
وكأن تنزيله سبحانه لآياته علامة ودلالة على أنه على كل شيء قدير، وكأنها واحدة من الدلالات على عظيم وطلاقة قدرته سبحانه،  من عظيم وثقل إنزال آياته..!
إنه سبحانه الذي حفظ السماء من استراق الشياطين منذ مبعث رسول الله ﷺ،  لئلا يسرقوا كلمة من الوحي ويخلطوها بأكاذيبهم، كما كانوا من قبل يسترقون من خبر السماء ويلقون به إلى أوليائهم من الكهنة مخلوطا بأكاذيبهم  :
«وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8)وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا(9)»-الجن-
وإنه سبحانه الذي حفظه وهو ينزل على صفيّه ﷺ محاطا بالرَّصَد:«عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا(26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28)» -الجن-
كلّه لينزل محفوظا مصانا حتى يبلغ رسول الله ﷺ الذي كان بدوره على عين ربّه وهو ينزل عليه منجّما مرة ومرة على مدار ثلاثة وعشرين عاما،  على عينه وهو يبلّغه،  ولقد كفاه المستهزئين،  ولقد كفاه كل عدوّ من الإنس والجنّ ليبلّغه إلى آخر كلمة منه نزلت..!
وإني لأستحضر أبا بكر الصديق-رضي الله عنه- وهو يُنبَأ بإسراء النبي ﷺ وعودته في ليلة،  حين أجاب من جاءه بالنبأ: " إن كان قال هذا فقد صدق"...  لا يُكبِر ما سمع على قدرة الله تعالى،  ولقد قال : "إني لأصدقه في أعظم من ذلك،  في الوحي ينزل عليه من السماء"...! 
لقد كان الصدّيق لبيبا فهّيما،  صاحب نور ملقى في قلبه،  بصّره بما هو أعظم من العظيم..  بصّره أن تنزيل آيات الله أعظم من الإسراء والمعراج بما فيهما من عظيم آيات...!
«...يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ...»
يجب أن 💎نعلم💎 من تنزيل الآيات بين السماوات والأرضين أنه الأمر العظيم، يجب أن 💎نعلم💎 أنه من قدرته على كل شيء هو القدير على تنزيل الآيات...  !
وإننا لا نقدر هذا...  فلنقدره حق قدره...  ثم لنقدره حق قدره..!! وإن"القدير" أولى وأجمع وأشمل :«مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ۗ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»
أسماء حازُرْلي
#قدرة_الله
#عظمة_تنزيل_الآيات
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #141 في: 2026-04-05, 08:12:26 »
قرأت لمن استشهد للترحم على غير المسلم بقول الله تعالى: "وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ"..
أقول: انظر إلى خطورة الاجتزاء،  وقطع شيء من آية أو من سياق..  وأدعوكم لتقرؤوها في سياقها :
{وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا 🌼لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ🌼(156)🌼الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ🌼 الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ 🌼فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ🌼(157)  }[الأعراف].
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #142 في: 2026-04-05, 08:13:24 »
أيها المؤمن..  أيها المسلم..  ! كيف هو حال قلبك مع القرآن؟!  لا حال عقلك وحده.. !
إن للقرآن نورا يلقيه في القلب يجعل المؤمن خاشعا، متذللا،  منيبا،  كأنما تنزّل على قلبه لتوّه غضّا نديّا طريّا،  يعانق فيه حبيبا قريبا،  تُناسِم روحُه الروحَ فيه،  فإذا هي إليه تهفو هَفْوَ الوليد إلى صدر أمّه،  وإذا هي فيه ترتوي رواء الظامئ الصادي، وقد حيل بينه وبين الماء حتى لكأنه الميت الذي لم يعد له من غياث، فإذا قَطَرتْ عليه قطرات القرآن، اهتزّ وربا وحيِي..  !
إن لقلب المؤمن من القرآن نورا يُعمِل فيه مجسات الخوف عند الوعيد بالتباب والخسار، كما يُعمِل فيه مجسّات الفرح  والاستبشار عند الوعد بنعيم دار القرار !  وكلها على طريق نجاته معالم ومناوِر...!
 عندما يلامس قلب المؤمن القرآن،  تتناسم الفطرة والمخلوقية فيه مع أمر الخالق، فإذا ذُكِر الله وحده فرح واستبشر،  وإذا ذكر الذين من دونه اشمأز قلبه وأنكر.. 
إذا ذكرت صفاته العليّة خشع وعظّم، وغمرته العزّة بعبوديته لمن لا عظيم فوقه، برفعته وهو يتذلّل بين يديه عابدا، ويخرّ له وحده ساجدا...  !
إذا ذكرت صفاته،  ملئت نفسُه اطمئنانا وهو في كنف خالق كل شيء، مليك كل شيء، مدبر كل شيء  ! وأكبَرَ وأعظم نعمة الإيمان كلما تخيّل حاله لو كان واحدا من الذين كفروا.. !
كيف حال قلبك أيها المؤمن مع القرآن لا حال عقلك وحده؟!
احرص على نورٍ فيه يلقيه تسليمك بأمره، أنه الحق الكامل بلا نسبيّة، والنور المتَمُّ بلا جزئية، والعلم اليقين بلا فرضية ولا نظرية..!  نور يلقيه في قلبك تصديقك بكلامه، وإعظامك لشأنه، ويقينك في وعيده ووعده...
احرص على علاقة لك به، تجعل يقينك بعلويّته يزداد كلما قرأت منه، كلما وقفت عند أعاجيبه وأعاجيبه من نظم وبيان ودلالات وهدايات وكمالات،  وسرّ بديع في التناسق والتساوق والترابط الذي لا يغادر انتظام آيِه... !
احرص على تدبّر لآياته يُلقي عليك من إعظام وإجلال وانبهار، وأنت تقف على بعيد مراداته وعميق تقريراته...!
احرص على الوقوف عند الآية تُجمِل والآيات تفصّل، وأنت تُساق من نور إلى نور ومن تبصّر إلى تبصّر ومن حكمة إلى حكمة ومن علم إلى علم...   وأسرار نفسك وأغوارها تترى بين يديك، فإذا أنت تراكَ فيه،  بل ترى ما لا تُريكَه من نفسك نفسُك ولا مرآة بين أصدق المرايا...  !
احرص على أن تذوق حلاوة الإيمان فيه،  وعلى أن تنعم بروعة السياحة في حناياه الرحيبة،  وأنت كلما حللت بسورة من سوره أكرمتك  واحتفت بك، ونقلتك بين أفنانها وأزاهير جنانها، لتقطف ولتأكل ولتشرب، ولتستظل بوارفٍ ما عهدت له سمِيّا...!  فما يسعك وأنت مع نعيم الواحدة منها إلا أن تقولها ملء القلب والعقل : "إنا سمعنا قرآنا عجبا!  يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحدا "
اترك لقلبك أن يلقي بنفسه لطبّه ودوائه،  أن يهتزّ ويرتعش على وقع الحق الذي فيه يصدع،  وأن يحيا وينتعش بمائه يسقيه كما تسقى النبتة يشتد عودها فتونع ...!
انظر في نفسك وفي قلبك من القرآن، أتصدّق بعلويّته، أم تنجح دعاوى الباطل بقاتم ألوانها وورديّها، بخشن ملمسها وناعمه، بالصادع والصامت من أصواتها في إعلاء كل ذلك على عقيدتك ... فلا تسلّم للآية تُتلى عليك ولا لحكمها يمضي فيك ... !!
 انظر حال قلبك معه لا حال عقلك وحده ... فإن نورا من القرآن في القلب يُلقى... !
حجّة الإسلام أبو حامد الغزالي -رحمه الله- عاش فترة من البحث عن اليقين، فذهب في ذلك أبعد مذهب حتى أنكر كل شيء.. حتى بلغ السفسطة، وهو الذي يصف شغف البحث عن الحقيقة في نفسه بقوله :
((وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني، من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي)).
 فما أنجاه من دوامة الشك، وما أودع في نفسه اليقين إلا نور يصفه بقوله :
(( ...فأعضل الداء، ودام قريباً من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقاً بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.)) -من كتابه المنقذ من الضلال-
فما حال قلبك مع القرآن،  لا حال عقلك وحده؟!  فإن العاقل حقا من أدرك أن للقلب مع القرآن قصة لا تُكتب بمِداد العقول بل بمدادٍ من نور...!
فيا قرآني الحبيب ❤ يا فردوس الله في أرضه، ويا جِنانه الفسيحة بعيونها الجارية للروح رِيّا وحياة! ما أروح القلب وهو على نبضك،  وما أعظم فرح الروح وهي من روحك وبروحك...!
اللهم لا تحرمنا نورك، وثبتنا عليه ،وقِنا الفِتن ما ظهر منها وما بطن .. وارزقنا التسليم بأمرك كلّه دقّه وجلّه،  تسليم الموقن الذي لا تهزه رعود الفتن ولا قواصف الإِحَن ولا زلازل المِحن..  !
أسماء حازُرْلي
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #143 في: 2026-04-05, 08:26:33 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
نبدأ مع قطاع آيات بالغة الأهمية من سورة البقرة، أسميه "القطاع الإبراهيمي"؛  أو" قطاع الملة"، أضع تدبرات لي فيه على أجزاء بإذن الله تعالى:
ا🌾🍂🌾🍂🌾🍂🌾🍂🌾🍂🌾🍂🌾🍂ا
 من تساوق آيات سورة البقرة، نكون قد قطعنا تلك الخطوات التي أخذتنا الواحدة منها إلى التالية في تناسق وترابط يجعل حالنا حال الماشي على درب يستضيء عليه ليتقدم، فهو من معرفة إلى معرفة، ومن تبيين إلى تبيين على درب الحياة التي نحيا..
💎 فكنّا عند "الفاتحة" ذلك الإنسان المؤمن الذي أعلن إيمانه بين يدي ربّه، ملك يوم الدنيا وملك يوم الدين، ثم استهدى ربّه الصراط المستقيم، وهو يحدّد معالمه، أن يكون صراط المنعَم عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضالين ..
💎فما ابتعدنا عن "الفاتحة" إلا خطوة، لنجد الإجابة عن سؤالنا، ليعلمنا ربنا أن الهدى في ذلك الكتاب : {ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ} ..
💎ثم عرّفنا ربنا ونحن وقوف على طريق الحياة المعتم، ننشد نورا لخطواتنا عليه، أنّ الناس أصناف ثلاثة، مؤمن وكافر ومنافق، مع إسهاب في صفات المنافق لتململ حاله واضطراب مقاله وتذبذب فِعاله، وتستّره بالظاهر إيمانا وهو يبطن كفرا وحقدا واستهزاء بالإيمان وأهله ..
💎ثمّ هي دعوة الله الناس جميعا، بأصنافهم الثلاثة، إلى عبادته سبحانه، لا يستثني منهم كافرا ولا منافقا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21)}، ولا يدعوهم سبحانه لعبادته إلا وهو الذي يمدّهم بمفتاح العبادة(الشهادتان) معبَّرا عنها في هاتين الآيتين : { الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ ☀فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ☀(22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا ☀نَزَّلْنَاعَلَى عَبْدِنَا☀فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23)}.
💎ثمّ يثنّي سبحانه مؤكدا على عظمة هذا الكتاب الذي فيه وحده لا في غيره الهدى، بأن الحق كل الحق ما جاء فيه :{ إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا ☀فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ☀ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) }.
💎 لنجدنا بعدها مع قصة الخلق الأولى مقرونة بالاستخلاف من أول وهلة، بل إنه إعلانُ "جعل الخليفة في الأرض" من قبل إتمام الخلق، مع تفصيل في حيثيات هذه الخلافة، التي مقوّماتها الاختيار الحرّ وتبيّن العدوّ على طريقها، الشيطان من جهة والنفس الأمّارة من جهة أخرى، والاعتداد بالتوبة تُعفّي أثر الذنب والخطئية، حتى يتقدّم الإنسان على درب الخلافة ولا يضطرّه الذنب إلى النكوص والارتكاس الذي لا يقيم للبشر الضعيف قائمة في مهمة الخلافة.
💎 لنعرف بعدها أول ما نعرف من عينة البشر المستخلَف في الأرض بني إسرائيل، فإذا هم بجملة ما عرفتنا الآيات عنهم في قطاع طويل مسهَب، النموذج الفاشل في الخلافة، بما عصوا وكفروا وكانوا غاية في معاداة الله ورسله والاستكبار على أمره سبحانه.
ولقد خرجنا من قطاع آياتهم، والله يحذّرنا خطواتهم، مبيّنا كُرهَهُم أن نكون على الصراط المستقيم وهم قد كانوا في ضلال مبين، وودّهم أن نرتد على أدبارنا كفارا من بعد إيماننا، وأنهم الذين لن يرضوا عنا حتى نتبع ملتهم ..
وها نحن على عتبات قطاع من الآيات جديد، فما تُراه يحمل لنا وقد عُرِّفنا صراط المغضوب عليهم، وحُذِّرْناها ..؟
إننا مع مرحلة جديدة كل الجدة، وقد غادرنا ذكر مَن أنتَنَتْ أنوفَنا معاصيهم، ومَن أطبقت على صدورنا جراءتهم على الله وعلى رُسُلِه، ومن مَلَأَنَا تاريخُ كِبرهم ومحادّتهم لله غيظا وحنقا على حرمات الله وأمره في الأرض، ومَن عرفنا إقامتهم على غيّهم وجرائمهم إلى يومنا، محاربين للحق وأهله، ساعين في الأرض إفسادا وظلما واعتداء باسم اعتقادهم المحرّف المزيّف القديم الجديد، أنهم أحباء الله وأبناؤه وأنهم الشعب المختار، وأن مَن على الأرض لهم خَدَمة، وأنّ الأرض بما فيها  لهم وحدَهم ... ! أولئك الذين تقولوا على الآخرة، فهي الخالصة لهم من دون الناس، كيف لا يتقوّلون على الدنيا وأنّها بما فيها لهم من دون الناس ! فالظلم والاعتداء منهم حقّ من حقوقهم وشريعة من شرائع أهوائهم التي ينسبونها للّه، والدين عندهم صنعة أهوائهم، ويفترون أنه من عند الله ! إنهم هُم هُم، لم يتبدلوا، وإننا لنرى الآيات في أخبارهم مجسَّدة في حالهم اليوم على الأرض، وفي مساعيهم الكُفْريّة الظلامية الضلالية فيها .. !
وأخيرا .. هي ذي الشمس تشرق على قلوبنا من بعد ظلمات بني إسرائيل القدامى منهم والمحدثين سواء بسواء، والله سبحانه العليم بأنفس عباده، وبما يداويها، وبما يروّح عنها، وبما يبعث الأمل فيها، فلا يتركها في غيابات الغمّ وسراديب الظلمة، بل يفتّح لها نافذة من نور، ينقلنا سبحانه في انتشالة لأنفسنا التي غُمّت إلى موطن الإيمان والنور، فكما عرفنا النموذج الفاشل العاصي المتمرّد، قد آن أوان أن نعرف النموذج المنير المشرق، المؤمن المطيع !
{وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (124) }
وإنه من مستهلّ هذا الجديد، ما يُلقي إلينا بمعنى النجاح في كلمات قليلة بجوامع ليست إلا لله سبحانه : "وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمّهنَّ"
لقد ابتلاه ربّه.. ولقد أتمّ.. لقد وفّى.. لقد أدى ما عليه، بخلاف النموذج الذي عرفنا آنفا، فما أروح هذا لأنفسنا ونحن به نتنفّس الصعداء  ..
إنه الاسم الجليل، والقلب الخليل، والعبد الحليم الأوّاه المنيب، والإمام القائد والعقل الراشد، إنه "إبراهيم"  وما أدراك ما إبراهيم ! وكلمات القرآن توفّي وصفا حينما تعجز فيك الكلمات، إنه إبراهيم : "الَّذِي وَفَّىٰ" .. إنه الذي ابتلاه ربّه بكلمات فأتمهنّ، وما الكلمات ؟ ! إنها أمر الله وابتلاؤه، وإنه الذي انصاع وأطاعها، انصياع الملمّ بها وطاعة المتمّ لها...
إنه إبراهيم الذي شبّ في قوم كفرة عبدة للنجوم والكواكب والأصنام، وكان أبوه أحد سدنتها، ولكنه كان صاحب العقل الناظر والقلب الباصر؛ فلقد سايرهم أول دعوته لهم، فجالسهم في ليلة من ليالي السماء ذات النجوم،  وطفق يدعو له ربّا بينها، من كبير إلى أكبر منه، فمع الكوكب الآفل هو لا يحب الآفلين، ومع القمر الآفل يعلن أنه من غير هدى ربّه هو من الضالين، ومع الشمس الآفلة، يتبرأ مما عليه قومه، ويوجّه وجْهَهُ للذي فطر السماوات والأرض حنيفا : {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79)}[الأنعام] .
إنه للابتلاء، وإنه الوحيد المتبصّر بربّ لا يأفل ولا يغيب، بين قوم كلّهم للآفلين عابدون،  بل هو من أب يتوعّده بالرّجم إن لم ينْتَهِ عن دعوته إلى الله.. !
إنه الذي قام لأصنام قومه فحطّمها، وعلّق الفأس بكبيرها، فلما أن عاد قومه، أخبرهم أن كبيرهم هو فاعلها وطلب منهم أن يسألوه، ينشد إشراقة العقل فيهم، فساعة أيقنوا أنه الذي لا يُكلّم ولا يتكلم كانت ساعة رشد منهم ما لبثت أن غادرتهم إذ نكصوا على أعقابهم.. وقرروا أن يحرّقوا إبراهيم الذي تجرأ على آلهتهم.. ولكنهم وهم يمكرون، غفلوا أن الله خير الماكرين يمكر لعبده المطيع المنيب، فيأمر النار أن تكون عليه بردا وسلاما، وتطيع النار ربَّها وتتمّ كما أتمّ إبراهيم.. !
وإنه للابتلاء ... وإنه من إبراهيم الإتمام والوفاء !
إبراهيم الذي هاجر من أرضه ومن بين قومه إلى أرض لا يعرفها، فكان حامل الإيمان حيثما ارتحل داعيا إلى الله من أرض إلى أرض، والأرض كلّها عمياء عن نور الله، صماء عن كلمة الحق..وإنه للابتلاء ! وإنه من إبراهيم الثبات وحسن البلاء !
إبراهيم الذي حُرِم الذريّة هو وزوجه المؤمنة سارة، والأرض لا تكاد تعدّ عليها من المؤمنين غيرهما، وصبر إبراهيم واحتسب وهو أشدّ ما يكون حاجة إلى ابن صلب يسنده في دعوته إلى الله، فكان الابتلاء وكان من إبراهيم الصبر والاحتساب..
وإنه ما يليق بإبراهيم وهو حامل لواء الإيمان في الأرض -التي قحلت منه وأجدبت، فما كان عليها من موحّد لله غيره- إلا أن يُنعَت بــ: "أمّة" : {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)}[النحل].
إبراهيم الذي وُهِب على الكبر إسماعيل،ذاك الذي عاش ينتظر أن يحمله بين يديه، ولما أن وُهِبَه أمِر أن يتركه وأمّه بوادٍ غير ذي زرع، لا نأمة للحياة فيه، ولقد فعل صلى الله عليه وسلم..وإنه للابتلاء وإنه منه للإتمام .. !
إبراهيم يشبّ ولده بذاك الوادي، وما أن يبلغ مبلغ السعي مع أبيه حتى يُؤمَر بذبحه ! وإنه للابتلاء ... بل إنه للبلاء المبين !
{فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىٰ ۚ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ۖ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَن يَا إِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ۚ إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) } [الصافات].
يُتبَع مع جزء ثانٍ بإذن الله تعالى، فكونوا معنا..
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة

يتبع.....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #144 في: 2026-04-05, 08:27:23 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع.....

يضٌ هو من فيض انصياع إبراهيم لأمر ربّه، ومن كرامة إبراهيم على ربّه، وهو الذي سمع وأطاع في كل ما أمِر.. ومع ما قابل كلّ ابتلاء بالرضى والسمع والطاعة، قال له ربّه : "ِإنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا" ... إنك القدوة يا إبراهيم، والحذوة والمدرسة على الابتلاءات، والحياة ابتلاء ...!
وأدعوك لتذكر معي ما يقابل هذه الآية مما عرفنا في عَرَض سورتنا العظيمة : {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ } .. إنه الخليفة الذي جعل الله... وإن إبراهيم الإمام، الإمام في الخلافة في الأرض، والإمام برسالة الله إلى الأرض..
ويْكَأنّ النفس قد استروحت من غمّ بني إسرائيل بذكر إبراهيم ! ويكأنّها تصرخ إن إبراهيم لأمّة، إنه لقدوة، وإنه للحذوة على درب الخلافة ... !
إنه الذي ابتُلي من ربّه، وإنه الذي أتمّ سمعا وطاعة وانصياعا .. وإنه على ذلك، للناس إمام .. !  ولقد رغب إبراهيم في امتداد الإمامة في عقبه، ولكنّ الله بيّن له أول ما بيّن أنّ عهد الله إلى الإنسان بالإمامة والرسالة والهداية لا ينال الظالمين من عباده، إشارةً إلى أن الإمامة فيه لا تعني الإمامة في كل من يأتي من ذريّته، إلى أن الصلاح فيه لا يعني نجاة مَن بعده بصلاحه هو، بل بصلاح كلٍّ بذاته .. إلى أنّ ما يكون من الأب لا يُنجي الذرية إلا أن تكون أهلا للنجاة بعملها لا بعمل من سبقها، وإن كان الصلب الذي خرجت منه... !
وإننا نعلم أن من ذرية إبراهيم أنبياء، وهو أبو الأنبياء، ولكنّ ذلك لم يمنع من تبصيره بأنه سيكون من ذريته ظالمون، لا ينالهم عهد الإمامة والنبوة والقيادة على طريق الدعوة إلى الله وإصلاح الأرض بهدى الله .. !
ولقد عرفنا هذا من قبل أن نسمعه في حواره مع ربّه، عرفناه  في بني إسرائيل بيّنا، وهم ذريتُه الظالمة، التي لم تشفع لها إمامة إبراهيم الناس، بل باءت بالغضب من الله على الغضب جزاء وفاقا لما قدمت .. وإنهم بما قدموا قد خرجت منهم الرسالة، وقد أُخْرِجوا من إمامة وقيادة الناس إلى هدى الله وتوفيقه.. ! ولكن، في الوقت ذاته، إمامة إبراهيم الناس إمامة ممتدّة عبر الأزمنة لا تنقطع.. عبْرَ آخرين، غير الظالمين من ذريّته، عبر المهديّين من سلالته ...
فمَن تُراهم أهل هذا الامتداد الإماميّ الإبراهيميّ ؟
من الآية التالية يأتينا الجواب :
{وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (125)}
البيت الحرام الذي جعله الله تعالى مكانا يثوب إليه الناس، يحبّون العودة إليه كلما زاروه؛  وجعله آمنا، حتى أن الجاهليين بقدر ما أفسدوا وخلطوا وخبطوا، إلا أنهم أقاموا على تعظيم أمان البيت، فكان ناشدُ ثأره لا يستبيح دم منشوده اللائذ بالبيت محتميا . وإنه مقام إبراهيم الذي يصلي عنده الناس عند إنهائهم الطواف بالكعبة ..
حتى الآن الأمر يبدو معروفا مألوفا..ولكن لا تنسَ !  لقد كنا مع إبراهيم ومع سؤاله العهد لذريته، والبيان من الله أنه لا ينال الظالمين ! لنجدنا فجأة بين يدي البيت الحرام وبين يدي مقام إبراهيم، الصخرة التي كان يعتليها وهو يرفع القواعد من البيت، بل وإننا بين يديه وهو مصلّى !
إننا بين آية وتاليتها، من زمن إبراهيم إلى زمن متأخر عنه، زمن رسول الله ﷺ  الذي فيه تقرّر اتخاذ مقام إبراهيم مصلّى؛ عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-قالَ: {وافَقْتُ رَبِّي في ثَلَاثٍ: فَقُلتُ يا رَسولَ اللَّهِ، لَوِ اتَّخَذْنَا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى، فَنَزَلَتْ: {وَاتَّخِذُوا مِن مَقَامِ إبْرَاهِيمَ مُصَلًّى} [البقرة: 125].} [صحيح البخاري].
وإن هذه النقلة المفاجئة السريعة من إبراهيم المُبتَلَى من ربه، المُتِمّ لكلماته، الذي جعله ربّه للناس إماما، إلى عهد رسول الله ﷺ، لهي في ذاتها الجواب عن سؤالنا؛ إنها التي تبيّن أنّ ورثة العهد والإمامة الإبراهيمية للناس الممتدّة عبر الأزمنة، هم أمة محمد ﷺ، كما تبيّن من الآية الفارطة، ومما سبقها من قطاع آيات طويل جاء في بني إسرائيل وظلمهم، أنّ الأمة المُنحّاة عن الخلافة في الأرض هي أمة بني إسرائيل، هي أمة اليهود التي لم تحفظ عهدا ولم توقّر ميثاقا..
فانظر إلى نَظْم القرآن، وأنت إذا ما أمعنتَ، رأيتَ حياة وحركة وأنفاسا وصورا وشخوصا تتمثّل لك ! لا يأتيك بالجواب عَبْرَ الكلمات المباشرة وحسب، بل يأتيك بالإشارات وبالإيماءات، وبالكلمات التي تلتحم بالكلمات، لتتمثل لك الصورة لا شِيَةَ في لونها، وليكتمل المعنى لا شكّ ولا ريب فيما يحمل اكتماله .. !
لم تنتهِ الآية.. فهَلُمَّ نمضي، ففي ما تبقى منها مزيد :
{...وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ}
وبين كلمةٍ مُنتَهى منها وكلمة مبتَدأ بها، بين "مصلّى" و"عهدنا"، عدنا مرة أخرى من ورثة العهد الذين حققوا المعهود به(أمة محمدﷺ)،  إلى إبراهيم وإسماعيل المعهود إليهما، في مزج بين الجيلَيْن المتباعِدَين زمانا المتماثلَين عهدا وعقيدة وميثاقا، هذا المزج الذي يمثل العهد المتوارث المحقّق من ذرية إبراهيم عبرَ إسماعيل الذي هو بذرة العرب الأولى في الجزيرة العربية، في أرض البيت الحرام .. !
وإنك بين كلمات هذه الآية لتجد نفسَك في جوّ المعنى الجديد المسفِر المنفِّس، تجدك مع عهد الله، ومع المهديّين من عباد الله، مع الأمة الحافظة التي أنيطت بها الخلافة إصلاحا لأرض الله بأمر الله.. تجدك مع امتداد الإمامة الإبراهيمية في الناس، عبرَ إسماعيل جذر محمد ﷺ من إبراهيم . فالجزء الأول من الآية عن العهد المتوارث المتحقق، والجزء الثاني عن أصل العهد بتطهير البيت الحرام "للطائفين" رمزا للثائبين إليه من كل فجّ عميق، و"العاكفين" رمزا للمقيمين، و"الرُّكَّع السجود" رمزا لكل راكع ساجد في الأرض دينُه الإسلام... !
فأيّ امتداد هو للإمامة الإبراهيمية في الناس كافة، وهي الأصل لإرسال محمد ﷺ رحمة للعالمين، وهي أصل للعهد المحفوظ من المهديين من ذريّته عبر الأزمنة .. ! أي انتقال عجيب بديع من نموذج الخلافة الفاشل الممثّل في بني إسرائيل، إلى نموذج الخلافة الفالح ممثلا في إبراهيم وإسماعيل أصلا، وفي محمد امتدادا عبر زمان الدنيا، عليهم صلوات الله وسلامه .
أي مزج هو بين جيل العهد وجيل تحقيقه في الأرض في الآية الواحدة، مبتدئة بالمتحقّق، بيانا لتوفية المعهود إليهم من الجيل الأوّل إلى جيل رسول الأمة المحافظة، إلى الأجيال امتدادا عبر أزمنة الدنيا ..حتى إنك لتخاله الجيل الواحد والزمن الواحد ..!
وعَوْداً إلى إبراهيم عليه السلام...اسمع له من جديد من عمق الزمان يدعو لقابل الأزمان :
{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (126) }
لعلّه دعاؤه زمن مجيئه بزوجه هاجر ورضيعها إسماعيل إلى الوادي وهو غير ذي زرع، أو لعلّه عند انتهائه وإسماعيل من رفع القواعد من البيت، وفي كلا الحالَين هو زمن فيه بذرة استجابة دعائه، فيه إسماعيل الذي عمر الوادي غير ذي الزرع، فكان مبتدأ انقلابه "بلدا"   "آمنا"، ومبتدأ  "الأهل" وسبب الرزق "بالثمرات " ..
ولقد وعى إبراهيم الخليل جواب ربه أنّ عهده لا ينال الظالمين، فخصّص دعاءه هذا لمن آمن بالله واليوم الآخر، ولكنّ الله تعالى يبين أن الرزق عطاء ربوبية لكل خلقه، مؤمنهم وكافرهم، والعطاء للكافر مقصور على الدنيا، وهي التي بطولها وعرضها متاع قليل، ومآله في الآخرة إلى النار وبئس المصير !
وإنك لتعرف في هذه الآية الإشارة إلى المشركين قوم رسول الله ﷺ، الذين كفروا، فما أغنى عنهم أنهم من أهل البلد الآمن والحرم، ومن أهل الثمرات والرزق الطيب، ما أغنى عنهم أنهم من ذرية إبراهيم وإسماعيل، تماما كما بيّن الله لإبراهيم أن عهده لا ينال الظالمين إشارةً إلى ظلم بني إسرائيل ...
إنه القانون القرآني الثابت الذي لا يتحوّل، أنّ مَن عمل فإنما يعمل لنفسه، وأنّ أوعية الحق والنور ليست برَحِم الدّم، بل برحم العقيدة، وأن عهد الله ليس ملكا عضوضا ظالما عن عادل، أو ظالما عن ظالم سواء بسواء ! بل هو الذي لا يناله إلا أهل الحق، المُعْلُون لكلمة الله في الأرض خلافة وإمامة وقيادة ..
ومن بعد إقرار القانون الإلهي العادل في الأرض، ومن بعد انقلاب الوادي غير ذي الزرع بلدا آمنا آهلا ذا ثمرات، وأولى بذور الأهل فيه بذرة إبراهيمية مؤمنة ممثلة في إسماعيل وأمه العظيمة المؤمنة الصابرة الساعية هَاجَر؛ اذكُرْ كيف كنا مع إبراهيم المبتلى من ربّه، الذي كان وحده الموحّد لله، فكان أمّة قانتا لله، والأرض من حوله تموج بالكفر مَوجاً .. إبراهيم الذي بدأ وحيدا، ولكنه بتوحيده كان أمة، فما قنط من رحمة ربّه، وما استسلم، بل دعا للوادي غير ذي الزرع أن يصبح "بلدا"  "آمنا" بأهل .. ! فكان له ما سأل ...
وها نحن الآن بين يدَي البيت في البلد الآمن ذي الأهل والثمرات .. ها نحن بين يَدَي الوالد والولد (الذبيح الأول)،  الوالد المصدّق للرؤيا، والولد المنصاع لأمر الله، الحاضّ أباه أن يفعل ما يُؤمَر .. وكما أطاعا بالأمس القريب في البلاء المبين، وكانا من الموفّين، هما اليوم يطيعان في الأمر العظيم ... أمر رفع القواعد من البيت :
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) }...
ولنا بإذن الله تتمّة مع جزء لاحق، فكونوا معنا ...

يتبع.....
« آخر تحرير: 2026-04-05, 08:30:30 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #145 في: 2026-04-05, 08:30:05 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

ها نحن الآن بين يدَي البيت في البلد الآمن ذي الأهل والثمرات .. ها نحن بين يَدَي الوالد والولد (الذبيح الأول)، الوالد المصدّق للرؤيا، والولد المنصاع لأمر الله، الحاضّ أباه أن يفعل ما يُؤمَر .. وكما أطاعا بالأمس القريب في البلاء المبين، وكانا من الموفّين، هما اليوم يطيعان في الأمر العظيم ... أمر رفع القواعد من البيت :
{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) }...
إبراهيم والبيت، والبيت وإبراهيم، لا ينفصلان.. رمزيّة البيت على الأرض، والمشهد متمثل لنا يتحرك ! إبراهيم يرفع القواعد من البيت.. لا يبنيه، بل يرفع قواعده، وبمعيّته إسماعيل، لا غيره من بنيه، هذه البذرة الإبراهيمية الإيمانية الإمامية الممتدة، بوادٍ غير ذي زرع كان، بلدا آمنا آهلا قد صار...
إنه الأوان أن تُرفَع قواعد التوحيد في الأرض، الأرض التي كان أول أمرها إيمانا، وكانت أول بذرة البشرية عليها خليفة مؤمنا نبيا .. فكان أول بانٍ للبيت آدم عليه السلام، كما كان أول أمر الإنسان التوحيد في الأرض، نبيّا عن نبي ورسولا عن رسول، عن مشكاة واحدة صادر هُداهم ..
وإنه لا فاصل بين نبأ رفعهما القواعد من البيت وبين دعائهما، وكأنما البناء هو الدعاء والدعاء هو البناء : "وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ  " ..
كلّ كلمة في آيات الله لبنةٌ تشدّ البناء بعضَه إلى بعض، بل كل حرف فيه لبنة، ولا تقوم لبنة منه مقام أخرى.. بل كلّ التحام فيه بين الكلمات بلا حرف واصل ولا حرف عاطف لبنة ! ومن المقامات فيه ما لا يستبين فيه المعنى الكامل والمعنى البعيد بالحرف الواصل كما يستبين من دونه   !  فانظر كم يوحَى بالتلاحم والتمازج بلا واصل ولا عاطف !
إنهما يرفعانه بالحجارة كما يرفعانه بالدعاء ... وهما إذ يرفعان القواعد من البيت إنما يرفعان  قواعد التوحيد في الأرض .. وإن دعاءهما بيانٌ للإمامة الممتدة في الأزمنة.. :
💎1-) التواضع لله تعالى وهما النبيّان، مُتِمّاً عن مُتمّ، وموفِّيا عن موفٍّ، فأول سؤالهما أن يتقبل الله منهما:" رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"؛  لتنظر في نفسك وأنت تعمل، فتجعل عملك لله خالصا، وتكون غاية أمانيك أن يتقبل الله منك.
💎2-) "رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ "؛  في تعليم لنا أنّ الإسلام حركة وانفعال وتجدّد، لا عنوان بين العناوين أو "مارْكة" بين الماركات الجامدة ! الإسلام طاعة لله وامتثال لأمره يتجدد مع كل أمر ومع كل ابتلاء، فيسأل صاحبُه أن يكونَه في كل حين، ومع كل حال.
💎3-) "وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ"؛ أن نكون مسلمين، وأن يكون منا المسلمون، بل الأمة المسلمة؛ فمن النبيّ "الأمّة" وهو الوحيد الموحّد، إلى الوادي غير ذي الزرع، إلى البلد الآمن الآهل، إلى رمزية رفع قواعد التوحيد على الأرض وبعْثِه فيها من جديد، إلى "الأمة المسلمة لله" .. ! وإنها التي كانت وتحققت ..
💎4-) "وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ" ؛ يسألانه سبحانه أن يعلمهما شرائع الدين، في تعليم لنا أنّه لا يُكتَفَى في الدين بالعقل، ليشرّع كلٌّ بما يرى، وإنما يتلقى المؤمن شرائعه من الله تعالى؛ ثم سؤال التوبة التي هي الحارسة والمنقذة على طريق الخلافة في الأرض، مع ما في تركيبة البشر من ضعف مؤدٍّ إلى الغفلة والخطأ والزلل. وهنا نلحظ الاستمداد من الله والعودة إلى الله بالتعلم منه والعودة إليه.
💎5-) "رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" ؛ إنه سؤال امتداد الإمامة الإبراهيمية في الناس، ووراثة العهد، للحفاظ على الدين في الأرض برمزية رفع قواعد البيت .. إنه الحفيد القادم بعد قرون متطاولة، بعد أجيال متعاقبة، أهل العهد، والمطهّر للبيت من دنس الكافرين كما طهّره قبله أبواه إبراهيم وإسماعيل؛ ولقد بُعِث فيهم، ولقد اتخذ من مقام إبراهيم مصلى !
إنه ﷺ دعوة أبيه إبراهيم المُجابَة بعدعصور وعصور.. بعد أجيال متعاقبة من الظالمين، يأتي الهادي المهديّ إمام المرسلين ﷺ.. هو الذي جمع الله بين زمانه وقد فتح مكة وطهّر البيت من رجس الأوثان ومن دنس الكفار، واتخذ من مقام إبراهيم مصلى، وبين زمان إبراهيم حينما عهد إليه ربُّه وإلى إسماعيل بتطهير البيت(آية125)، في جمع بين المعهود إليهم جميعهم، دهرا من بعد دهر وعصرا من بعد عصر.. في امتداد للإمامة الإبراهيمية في الناس عبْرَ  محمدﷺ رحمة للعالمين.
وعلى هذا كان رفع البناء بالحجارة وبالدعاء، ولكأنّ البناء والدعاء واحد، وكيف لا، والبيت ورفع قواعده رمزية لرفع قواعد الدين في الأرض.. !  فكان ذكر محمد ﷺ على اللَّبِن المصفَّف على مدار محيط الكعبة قرونا من قبل مجيئه ﷺ؛ وإنهﷺ اللبنة المتممة لبناء الدين الشامخ على مرّ أزمنة الأنبياء في الأرض ! عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله ﷺ قال: {إنَّ مَثَلِي ومَثَلَ الأنْبِياءِ مِن قَبْلِي، كَمَثَلِ رَجُلٍ بَنَى بَيْتًا فأحْسَنَهُ وأَجْمَلَهُ، إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِن زاوِيَةٍ، فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ به، ويَعْجَبُونَ له، ويقولونَ: هَلَّا وُضِعَتْ هذِه اللَّبِنَةُ؟ قالَ: فأنا اللَّبِنَةُ، وأنا خاتِمُ النَّبيِّينَ.}[ صحيح البخاري].
{وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}.
الملّة هي ما يشرع الله لعباده من أمور الدين، فتغدو طريقهم الذي يسلكون وقوانينهم التي يعتمدون ليصلحوا دنياهم وآخرتهم؛ وتلكم هي ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها ولا يباعدها إلا سفيه، ضعيف عقل..   ملة إبراهيم الذي أتمّ حينما ابتلاه ربّه؛ فكان التقرير الإلهيّ بأن الطريق الذي سلك إبراهيم هو الطريق الأمثل، تساوقا مع ما عرفنا من إمامته للناس، وامتداد هذه الإمامة عبر الأزمنة ..
ولو تأملنا ما عرفنا من أدعية إبراهيم -عليه السلام- وهو يرفع القواعد من البيت، لعرفنا :
💧1-) الإسلام لله والأمة المسلمة لله.. والإسلام له سبحانه هو التسليم لأمره وشرائعه ومنهجه الذي يرسم لعباده، وهو هو الملّة.
💧2-) سؤاله أن يريه الله المناسك، هو سؤال أن يريه الشرائع والأحكام؛ وإنها للملّة.
💧3-) سؤاله ربَّه أن يتوب عليه هو سؤال العودة والأوبة إليه، فالأمر منه سبحانه وإليه؛ وإنه للتصوّر والاعتقاد في الله، وعبادته كائنة بين الإصابة والخطأ البشريَّيْن، في بيان لطريق العودة عن الخطأ...  وإنها للملّة.
💧4-)  الدعاء بأن يبعث الله فيهم رسولا يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم، هو الامتداد في الإمامة والرسالة والشريعة، وهو ذاك الاحتذاء من رسول الله ﷺ بملّة إبراهيم، مقرَّراً من عهد إبراهيم -عليه السلام-، تقريرا لوحدة الرسالة ولوحدة الدين، ولوحدة الملّة.
لتُعقَب الآية بعدها بجوامع الملّة الإبراهيمية :
{ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131) }.
فهو تسليمه لكل أمر من الله، وهو هو إتمامه لكلماته، وهو هو توفيته صلى الله عليه وسلم.
والملّة الواحدة المنبثقة عن باعث الحياة في الأرض بالإيمان، ورافع قواعد التوحيد فيها وهو يرفع قواعد البيت، هي ملّة محمد ﷺ، هي عهد الله الذي ناله من ذرية إبراهيم محمد-عليهما الصلاة والسلام-؛ هي الإمامة الإبراهيمية الممتدة في الناس إلى آخر زمان الناس وهي التي أوصى بها بنيه، كما أوصى بها يعقوب بنيه:
{وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) }.
وارقُب –يرحمك الله- تكرّر "الإسلام" لله بصيغ مختلفة في هذا القطاع الإبراهيمي من الآيات ..
ولقد اختُصّ يعقوب بالذكر(وهو إسرائيل) ومن نسله الأسباط، لتتضح لنا وحدة الرسالة، ووحدة الملّة، وبراءة الأنبياء مما صار إليه الظالمون من بعدهم.. بل إن هذه الآية تقدمة في شأن يعقوب -عليه السلام- الذي افترى بنو إسرائيل كذبا أنه أوصى بنيه باليهودية، ليخبرنا الله فيه بالنبأ الحق :
{أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)}
ويُعاد ذكر الإسلام والإيصاء به، وما الغرض من التكرار التأكيد وحسب، بل هو تكرار توثيقيّ لحقائق يقرّرها الله في حقّ أنبيائه من جهة، وتعليميّ من جهة أخرى، أنّ الإسلام عهدٌ بالعقيدة في الله الواحد وانفعال متجدّد بالتزام الملّة الواحدة زمنا من بعد زمن وجيلا من بعد جيل بلا تبديل ولا تحويل.. فأما من بدّل وحوّل ولم يوفِّ فعليه،لا على غيره ما كسب:
{تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134)}.
لن ينفعَ يوم القيامة مبدّلا ظالما أن كان مَن قبله من آبائه وأجداده مسلما، مطيعا منيبا، بل إن كُلّا آتٍ الرحمان فردا، محاسَبٌ على ما قدّم لا على ما قدّم أبوه أو جدّه !
وببلوغنا هذه الآية الفاصلة من القطاع الإبراهيمي، نكون قد عرفنا جيل الملّة الأصيلة للمسلمين، وعهدهم المتوارث، والإمامة الممتدة فيهم عبر الأزمان إلى قيام الساعة... نكون قد دخلنا "المدرسة الإبراهيمية الإماميّة" الرافعة لقواعد الإسلام في الأرض، وقد تعلّمنا فيها أصل الإسلام وجذوره الضاربة في تاريخ الوجود، ووحدة الرسالة ووحدة كلمة الرّسل، وبراءتهم من افتراء المفترين المبدّلين، كما عرفنا عراقة الأمة الإسلامية وأصلها، الأمة الوارثة للعهد وراثة سمع وطاعة وتوفية بنبيّها الذي ذُكِر على حجارة البيت وهو يُرفَع !
ويُتبَع مع جزء تالٍ بإذن الله تعالى، فابقوا معنا...
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#ملة_إبراهيم

يتبع.....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #146 في: 2026-04-05, 08:31:43 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع.....

لقد بلغَنَا العلم، ولقد تعلمنا، فوجب أن نكون العاملين بما علمنا، لذلك سيدخلنا ربنا بعد ما عرفنا مرحلة المواجهة بما تعلّمنا..  فلا تذهَلْ عن هذا الترابط الذي لم يغادرنا مُذ بدأنا مع الآيِات الأولى للسورة؛ انظر للخطوات تأخذك على درب الحياة تعليما وبيانا وهداية وتنويرا، وتمييزا بين حق وباطل، وتبصيرا بما هو مِلْء الأرض من سبُل الباطل والضلال...
إننا الآن مع القسم الثاني من "القطاع الإبراهيميّ"، قسم يخاطَب فيه الأخلاف، ورثة العهد والملّة الإبراهيميَّيْن، تلك الأمة التي دعا بها إبراهيم ودعا بنبيّها  :
{وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
💎ألم تسأله أوّل ابتدائك الطريق : { اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (6) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (7) } [الفاتحة].
💎ألم يجبك سريعا أنّ :{ ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2)} [البقرة].
💎ألم يقرّر عند إهباط آدم وحواء الأرض : { قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) }.
💎ألم يبين لك سبيل الظالمين المبدّلين المحرّفين، المتقوّلين على الله، المنتهكين لحرمة رُسُله وكتبه ؟ !
💎ألم يعلّمك أنهم الذين نُحُّوا عن الخلافة وقد باؤوا بالغضب منه سبحانه على الغضب، جزاء وفاقا لكفرهم بآيات الله ولقتلهم الأنبياء وكتابتهم الكتاب بأيديهم وقولهم أنه من عند الله ؟ ! وأنّ أكبر سعيهم أن يردّوك من بعد إيمانك كافرا حسدا من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم أنك على الحق؟ ألم يعلّمك أنهم لن يرضوا عنك حتى تتبع ملّتهم ؟ !
💎ألم يعلّمك أنّك من أمة محمد الهادي الذي ورث العهد امتدادا للإمامة الإبراهيمية  في الناس إلى يوم الدين ؟
💎ألم يعلّمك أنّ دين الإسلام هو دين الأنبياء جميعهم، وأنهم الذين جاؤوا بالهدى والحق الواحد من عند الله ربّ العالمين ؟
💎ألم يعلّمك أنّ ملتك هي ملة إبراهيم، وأنها ملة الحق، وأنها إسلامك لربّ العالمين كما أسلم إبراهيم؟
فما دمت تتّقيه وتتبع هُداه الذي أنزل، فإنك لا بدّ مهتد.. وإنك لا بدّ آمن، وإنك لا بدّ متعلّم ما علّمك..  فاعلم أنّ الدنيا من حولك شِراكٌ منصوبة لإيمانك، يُراد لك أن تقع بها شرّ وقعة، وأن إيمانك هو الصيد الثمين الذي يرومون، وأنهم من جند إبليس المخلصين الذي توعّد ليقعُدنّ لأهل الصراط المستقيم، وليأتينّهم من كل سبيل : {قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)}[الأعراف].
وها نحن.. مسلمي اليوم، كما كان حال مَن قبلنا ممّن كان حول رسول الله ﷺ من ورثة العهد والإمامة والملة عن إبراهيم عليه السلام، نخوض كما خاض أسلافنا حربا عقديّة وجوديّة هي التصديق الحرفيّ لما جاء في القرآن، لما عرفنا في الآيات السابقة القريبة.. فكما قالوها للصحابة حول رسول الله ﷺ، هم اليوم يقولونها بكل الطرق، جهارا نهارا، وسِرّاً ودَسّاً، وحرباً بالسلاح وحربا بالشبهة والشهوة : "كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا " !
وإنك وقد تعلمت، فأنت صاحب الزاد، وصاحب الردّ الحقّ بالعلم الحق، وبالنبأ الحق ! لقد هُيِّئت، ولقد عُلِّمتَ ما تقول حينما يقولون لك، عُلّمتَ بما تردّ وهم يدعونك بباطل دعوتهم :
{قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (135) قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
لقد تعلمنا.. ولقد وعينا.. فأصبح لنا سلاحنا في حربنا ضدّ المبدّلين : " بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ".. بل ملتنا ملة إبراهيم، لا هدى اليهود المزعوم ولا هدى النصارى المزعوم، وهم الذين حرّفوا وبدّلوا وعاندوا وكابروا وتقوّلوا على الله سبحانه ما لم يقله .. ملّته التي علمتْنَاها الآيات السابقة؛ ملّة الذي ابتلاه ربّه فأتمّ، وابتلاه فوفّى، الذي رفع قواعد التوحيد في الأرض وأعاد لها الحياة وهو يرفع القواعد من البيت، الذي رفع حجارة البيت وهو يدعو باللّبنة المتمّمة لبناء النبوّة والإيمان والتوحيد.. "محمد ﷺ".. الذي قال له ربُّه أسلم، فقال: "أسلمت لرب العالمين".. إبراهيم الذي جعله الله للناس إماما، وكان من نسله النبيّ الإمام الرحمة للعالمين، والأمة القائدة الرائدة المسلمة لله، إبراهيم الذي أوصى بَنيه بالإسلام...  ذلكُم هو قدوتُنا.. وتلكم هي ملّتنا .. !
إنه العلم الذي علّمنا ربُّنا، وإنه سلاحنا الأحدّ والأمضى  في حرب على الحق وعلى أمر الله في أرضه .. من الظالمين المبدّلين المغضوب عليهم من رب العالمين.
وإنه لقولنا لهم ملء العقل والقلب :
{قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}
إيماننا بالله وبكل رسله وأنبيائه وبكل كتبه، إيمانٌ كامل وافٍ شافٍ، ليس فيه افتراء على نبيّ بين الأنبياء، ولا إنكار لكتاب من الكتب كما نزلت من عند الله لا كما هي اليوم محرّفة .. "ونحن له مسلمون".
بالله يا صاح..  عُدَّ معي كم مرة نُعلَّم الإسلام لله ! ريثَك ..لنمضِ مع الآيات، وبعدها سنعدّ..
{فَإِنْ آَمَنُوا بِمِثْلِ مَا آَمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (137)}
يا أيها الدعاة إلى أهوائكم ! ترون أنفسكم المتكئين على أرائك الأمر، وأنتم تدعوننا ليهوديّتكم ولنصرانيّتكم، وإنما الحقّ أننا نحن أهل الحجة والبرهان والعلم والهدى والحق، ونحن أهل الدعوة  وأهل أمركم بالاهتداء، وإنما الهدى هدى الله.. الهدى ما نحن عليه، ملّة إبراهيم، والإيمان بسلامة كل الأنبياء من كل حِوَلٍ ومن كلّ انحراف عن جادّة الهدى الربّاني.. نحن أهل الأصل، وأهل الدعوة، وأنتم المُدعَون لأن تعودوا إليه، فإن آمنتم بمثل إيماننا، فقد اهتديتم، وإن توليتم فإنما من شقاقكم وعداوتكم وإصراركم على حرب الحق، لا من حجتكم الدامغة ولا من برهانكم الساطع..إنما هي العداوة لا شيء غير العداوة !
ووَيْح المسلمين اليوم ! وهم ينبذون كل هذا الحقّ وهذا البيان في شأنهم من ربّ السماوات والأرض المحيط علما بدِقّ أمرهم وجِلّه، بعلانيتهم وسرّهم، بما يرومون من تحويلنا عن ديننا وإبعادنا عنه، بما يحسدوننا على ما حبانا الله به من الحق، وهم يعلمون ما كان منهم من كفر ومن كِبْر ومن محادة لأمر الله...
ويْحَ مسلمي اليوم ! ينبذون كلّ هذا العلم الذي زوّدنا الله به، ويدعون بدعاواهم،  باسم الأخوة الإنسانية دينا يُعلَى على الدين الحق، باسم الودّ المزعوم والحبّ المجذوم والعسل المسموم ! وهم أكبر وُدّهم وغاية مرادهم أن نتبع ملّتهم .. !
وإنه الوعد من الله تعالى لحبيبه المصطفى، إمام المرسلين ﷺ : " فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ"؛ و إنه سبحانه كما كفاهَهُم، فقد كفى دينه إلى يوم الدين ..
ثم انظر إلى هذا الوصف العظيم البديع الدقيق، اقرأه وأنت تستشعر معناه في قلبك، وتجد وقعه في نفسك :
{صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}
الصبغة ما تغلغل مع الشيء فانصبغ به، وأصبح منه وفيه، ما خالط الأصل واللُبّ والقلب فأصبح من القلب ومن اللُبّ ومن الأصل؛ وإنّ العلم يعرّفنا بما يحدّد في الإنسان أوصاف جسمه، لون بشرته، ولون عينيه ولون شعره، وطوله، وشيئا من صحة أو سقم في عضو من أعضائه، كله من شيفرة الوراثة التي هي بَنْك معلومات جسمه وتوثيق أوصافه؛ كلّه من "الصبغيات" التي يأخذها عن والدَيه مناصفة..
أما هذه فإنها صبغة الروح التي صبغ الله بها الإنسان، فطرته التي فطر الناس عليها، أن ينصبغ الإنسان بمعرفة ربّه، وبحاجته وتعطّشه للوصال بخالقه، وبأنه الذي يهديه ويعلمه ويبصّره بالحق.. !
إنه "الإسلام"، إنها ملّة الإسلام... دين الفطرة، دين الصبغة الربانية، الذي يعلمنا الله كيف لا نحول عنه، وكيف لا نغترّ بغيره من "الطلاء" الذي يبدو عليك لونا بين الألوان، ما أن يلامسه  هواء من هواء حتى يذهب لونه ! لأنه الطلاء المصطنع، لأنها الصناعة البشرية، والتحريف اليدويّ الذي يُدَّعى لله كذبا وزورا.. !
"يهودية"، "نصرانية"، وكل اسم من الأسماء التي سماها البشر دينا، واصطنعوها لأنفسهم من أهوائهم وشطحاتهم وتحريفهم لأمر الله ولكتب الله .. !  أما الإسلام، أما الملة الإبراهيمية، أما القرآن، فهو الصبغة الإلهية، ومَن أحسن من الله صبغة، وما يأتيك منه إلا الحق الذي تعرفه الروح معرفة القلب لنبضه والنبض لقلبه !
هي من الله الصبغة، و"نحن له عابدون" ... وإننا من بعد ما أقررنا أنا له مسلمون، نقرّ أنا له عابدون مضيّا في تعلّم معنى الإسلام لله..
{قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)}
الله الذي نحن له مسلمون منصاعون طائعون لأمره، عابدون له وحده، تحاجوننا فيه ؟ ! وفي ذاته وفي أمره؟ ! في أن صيّر خلافة الأرض إلينا والإمامة الإبراهيمية فينا نحن أمة محمدﷺ، وأن نزعهما عنكم ؟ أتحاجوننا في أن ينزّل من فضله على من يشاء من عباده، أن يصطفي من الناس أمة العرب، ومن البشر محمدا العربي ؟ ! وأن تذهب الرسالة منكم وقد عثتم في أمره تبديلا وتحريفا، وفي رُسله تقتيلا وتكذيبا ..؟ !
أتحاجوننا في كل هذا والله ربنا وربكم ؟ ليس خالقكم وحدكم ليكون ربكم وحدكم، بل هو خالقنا وخالقكم، وتكريمه لعباده بمقتضى أعمالهم، فمن كان  له أتقى كان عنده أكرم.. وكما جعل منكم الأنبياء والأصفياء والأنقياء، كذلك يصطفي منا ويجعل منا النبي الإمام الخاتم، الرحمة للعالمين.. هو ربنا وربكم، ولنا أعمالنا ولكم أعمالكم، ولكن ما يميزنا عنكم أننا له مخلصون : "وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ"..
وعلى هذا تجتمع الصفات الثلاث المنبثقة كلها عن إسلام الوجه لله : " بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ " ..
💧نحن له مسلمون .
💧نحن له عابدون .
💧نحن له مخلصون.
أسلمنا له على ملة إبراهيم، فانصبغنا بصبغته سبحانه، فعبدناه، فأخلصنا له وحده العبادة.
ولنا تتمة مع جزء لاحق بإذن الله، فكونوا معنا...
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#ملة_الحق

يتبع.....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #147 في: 2026-04-05, 08:32:33 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
تابع....
{أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (140}
كنا قد عرفنا  إيصاء إبراهيم بَنِيه بالإسلام، وكذا إيصاء يعقوب بَنِيه بالإسلام، عرفنا الوصية مقولة مِن فِيّ إبراهيم، ومن فِيّ يعقوب، كما عرفنا الردّ من الموصَى إليهم بالثبات على الإسلام، وفي هذه الآية نعرف تتمة تبرئة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، بذكر افتراء اليهود والنصارى عليهم أنهم كانوا أحد فريقَيْن، قطعا لدابر الشك فيما كانوا عليه.
"أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ؟"  .. أأنتم أعلم بما كانوا عليه وبما ختموا به، أم الله أعلم ؟  وإنه منكم لظلم، وليس أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله أن أنبياء الله كانوا على الإسلام وأنهم أوصوا بالإسلام ..
وتُعاد آية الكسب مرة أخرى :  { تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (141)}
المرة الأولى جاءت في سياق بيان نقاء الأصل وتواصي الأنبياء أبا عن جدّ وابنا عن أب بعبادة الله وحده والإسلام له، في تعليم لبني إسرائيل أنّ الحق الذي كان عليه رسلهم لن يغني عنهم من الله شيئا، إن لم يقدّموا هم لأنفسهم باتباع الحق الذي جاؤوا به؛ أما ورودها هذه المرة ففي سياق تلقين المسلمين، الذين امتدّت فيهم الإمامة الإبراهيمية عَبْرَ نبيّهم وعَبْرَهم ("وابعث فيهم رسولا منهم" و "من ذريتنا أمة مسلمة لك") فالمعنيّون بها هنا هم كل أتباع رسول الله ﷺ إلى يوم الدين ..وهم –بالمثل- لن يغني عنهم الأنبياء من الله شيئا، إلا أن يقدّموا هم لأنفسهم باتباعهم لما جاؤوا به من الحق، بمعنى أنّ الإسلام لا يُنتَفَع به بوراثة الدم بل بوراثة العهد والعقيدة، وتفعيلهما في الأرض.
وبهذا ... نكون قد أنهينا هذا القطاع الإبراهيمي الزاخر بالعلم، الذي تبينّا من خلاله نموذج الخلافة الفالح من بعد ما عرفنا نموذج الخلافة الفاشل ممثلا في بني إسرائيل ..
لقد كان قطاعا تعليميا مزوِّدا بالحق وبالعلم وبالهدى، بتعليم ملة الحق، وبيان ملل الباطل، بالتأكيد على أصالة الإسلام في الأنبياء كلّهم، ودحض افتراءات أهل الكتاب في الأنبياء..
فيه تعلمنا "الإسلام لله" والانصباغ بالملة الإبراهيمية الحنيفة، كما عرفنا دور إبراهيم -عليه السلام- في رفع قواعد التوحيد والإيمان، وبعثه في الأرض من جديد برمزية رفع قواعد أول بيت وُضِع للناس، كما عرفنا الأمة الوارثة للعهد، الوارثة للإمامة الإبراهيمية، أمة النبي الخاتم الذي دُعِي به على حجارة البيت الأول، خاتما لسلسلة الأنبياء النورانية التي صدرت عن مشكاة واحدة بالدين الواحد، دين الإسلام لله ..
ولقد تكرّر ذكر الإسلام في هذا القطاع عبر صيغ مختلفة، كما جاء بيان معناه،  أجملها فيما يلي:
1-) { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)}.-----> وهي الإجمال الذي انبثق عنه العلم الذي عُلّمنا عبر القطاع الإبراهيمي.
2-) { رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128)}----> الدعاء بالأمة المسلمة.
3-) { إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131)}----> الأمر يقابله السمع والطاعة، في مثال وقدوة لنا في السمع والطاعة.
4-) { وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132)}-----> الإيصاء بالإسلام الدين المصطفى من الله.
5-) { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آَبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (133)} -----> الإقرار بالإسلام دينا على ألسنة الموصى إليهم .
6-) { قُولُوا آَمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (136)}----> سلاح المسلمين في مواجهة دعاة الباطل في كل زمان، إقرارا بالإسلام لله على درب الأنبياء.
7-){صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138)}---> التدرج في بيان معنى الإسلام لله، أنه عبادته.
8- ) {قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (139)}-----> درجة أخرى في معنى الإسلام لله، أنه إخلاص العبادة له وحده.
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#ملة_إبراهيم

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #148 في: 2026-04-05, 08:39:36 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في قوله تعالى : {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ } [البقرة] .
أن يُقتَل المؤمن في سبيل الله، مقدّما نفسه حُبّاً وطواعية ورضى، لله ربّ العالمين حتى يرضى، أن يتقدم غير هيّاب في ساحات الوغى، أو أن يُكمَّمَ فمُه، ويُسكَت صوتُه في غيابات سجون الظلمة المعتدين حتى يلقى ربَّه غير خوّار ولا مبدّل ولا متنازل، ولا مساوَم في دينه، يلقاه وقد أتعب عدوَّه الذي تقوّى عليه بالنار وبالحديد، يحسب أنه يفلَحُ به عزائم النور والإيمان ! يلقاه وهو ينافح عن دينه، يرتضي الموت عزيزا به، مُعِزّا له، ولا يرتضي حياة، كيفما تكون الحياة ! وهو الذليل بنبذه وبالتزلّف والتّمَسْكُن لمن حادّ الله ورسوله ودينَه باسم قوة قوي أو غِنى غنيّ أوحكم حاكم أو سلطانِ ظالمٍ معتدٍ يرى نفسه الإله الذي تجب له العبادة .. !
أن يُقتَل المؤمن في سبيل إعلاء كلمة الله، فنحسبه الذي مات بحكم معنى الحياة عندنا معشر الأحياء بأرواح ما تزال تتخذ من أجسامنا مسكنا .. !
بينما يحدّثنا القرآن عن حقيقة تخفى عنا جميعا، تخفى عن أعيننا وحوّاسنا، حقيقة محال أن نطّلع عليها من عالمنا الحسيّ المحدود، هي واحدة من حقائق الغيب، الذي هو خاصة أمر الله تعالى وخاصة علمه، الغيب الذي يكفر به الماديّون، فيقتصرون على عالمهم الذي هو جزء من ملكوت الله تعالى، ومن عوالمه التي أوجدها، فجعل منها ما نحضره ونشهده ونحسّه ونلمسه ونعايشه، كما جعل منها ما يخفى عنا فلا نشعر بنأمة منه، ولا نسمع له رِكزا ..!
عالم الشهود الذي هو جزء من كُلٍّ هو لله، جعل منه ما يعيشه الإنسان لزمن، حدّد الله نهايته، وجعلها من خاصّة علمه، وجعل منه ما يُعاش في زمن مؤخَّر وأوان مؤجّل، هو سبحانه مَن حدّد بدايته، وجعلها من خاصة علمه... !
وهو "الله" وحده، الذي يعلم الغيب ويعلم الشهادة، ويقضي بما يعيشه الإنسان في أوان هو من أزمنة الدنيا، وما يعيشه في أوان غيره، وهو من الغيب الذي لا يُكشَف له في الدنيا، بل يُوعَد به إلى أوانه المحدّد ..
وهو "الله" وحده الذي يُشهِدُنا ما يُتاح لحواسّنا، من محسوسات وملموسات ومدركات، كلها في متناول حواسّنا الدنيوية، كما يُغيّب عنا ما هو كائن من كائنات الوجود، محيط بنا، ولكنّه ليس نوال حواسّنا، فتقصر عن رؤيته أو لمسه أو تحسّسه أو إدراك كُنهِه ... وعالم الجِنّ الموجود من أبرز هذه المغيّبات عنا، وعالم الملائكة السيارة فينا، المحيطة بنا، التي تحفظنا وتحفظ أعمالنا، وتأتمر بأمر ربها جنودا مجنّدة في شؤون وشؤون من تدبيره سبحانه لنواميس الكون وقوانين الحياة في الأرض وفي غير الأرض من ملكوت واسع عظيم لا يعلم حدودَه إلا الذي خلقه وأوجده وأبدعه على غير احتذاء ولا اقتداء.. !
{وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ...سبحانه هو العليم الخبير، الأول الآخر، الظاهر الباطن، المحيي المميت الباعث الشهيد ...هو "الله"، الإله الواحد العظيم الذي يعبده المؤمن، واليقين من حكمته وتدبيره وإمضاء مشيئته يلازمه ولا يغادره ... ! أما ذاك الذي حدّد الوجود بحدود علمه -الذي هو من فضل الله عليه- وبحدود وجوده المؤقت وحواسّه المحدودة، فإنما قد افترى على سنّة الوجود وغاية الوجود كذبا، من أهوائه التي نَمَتْ وترعرعت في نفسٍ مُنْبَتّة عن خالقها وعن هُداه، وعن بيانه وعن تعليمه ... هذا العلم الذي نستنير به من مصدر أوحد لا عديل له ولا نِدّ، كتاب الله، دستوره الذي أنزل إلى خلقه، ومنهجه الذي أقرّ لحركة حياتهم ... !
الخالق سبحانه الذي خلق، والذي قدّر والذي دبّر؛ أيٌّ من خلقه له الحق في أن يُحِدّ مُلكَه، أو أن يحدّده ؟ ! بل إنهم في سعيهم الدؤوب لجعل الإنسان إلَهَ نفسِه والمشرّع لنفسه، لَيُكرّسُون لكل نظرية مخالفة للخلق، مخالفة لوجود قدرة عليا وحكمة عليا،  خارجة عن حدود مقدَّرات الوجود كلها، ذات قوة وعلم وحكمة، صفاتها هي العليا،  تقدّر وتدبّر وتقرّر،   !  {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ}... !
يجنحون لكل تصوّر لأصل الوجود، عدا تصوّر "الخالق" الموجِد لغاية، الخالق عبادَه سبحانه لابتلائهم، ثم لجزائهم.. !
صدفة، عبثيّة، مادة موجِدة لنفسها بنفسها بلا قدرة ولا حكمة ولا علم، لا قيم مطلقة ! كلّه نسبيّ يخضع لعدد من التقديرات مساوٍ لعدد البشر اختلافا وتباينا وتفرّقا !  لا يهمّ ... المهمّ ألا نصدّق بالخالق وبالخلق !
عبثيّة جنونية يبلغ بها العبث منتهاه في دنيا البشر المتألّهين، الذين بقدر ما أبلغتهم عقولهم سامق درجات العلم والمعرفة، بقدر ما أبعدتهم أهواؤهم عن معرفة واهب العقل ومكرّم الإنسان به، ومن ثَمَّ تقديره حقّ قدره !
{وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ... كلمات قليلة، ولكنها في المدلول تساوي عمقا متأصلا متجذرا في حقيقة الوجود، هي تلك المسافة بين علم البشر وعلم الإله، علم البشر المحدود بحدود ما حوله، بل حتى علمه بما حوله محدود بعوامل تُقسّم وتحدّد المحدود العام نسبةً إلى كل فرد، بالمتاح له، من حيث القرب ومتناوَل اليد ومجال المعرفة ووسيلتها، وسعة استيعاب العلم والقدرة على استيعابه؛  وعلم الإله المطلق الذي جعل منه سبحانه جُزءا معلوما لعباده، وما أخفاه عنهم أعظم وأوسع ... : { وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115) }
{وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ... !  إننا نعايش في دنيانا جزءا من الآخرة !  إنها تلك القبور المتناثرة المتجاورة، تشغل مساحات شاسعة حيثما حللت، في كل بلاد الأرض، في بلاد المسلمين وفي بلاد غيرهم، مقابر ومقابر، تواري جثث الموتى من أزمان سالفة غابرة، زمنا من وراء زمن، أموات تُدفَن فوق أموات، قرون متعاقبة، وأحقاب متتالية، وأجيال تخلف أجيالا، وحضارات تطوي حضارات، وتاريخ يؤرخ لتاريخ ! من بداية الوجود، ومن بداية الإنسان ! من عهد الغراب الذي بُعِث يبحث في الأرض ليُرِي قابيل كيف يواري سوءة أخيه، إلى عهد يومنا هذا، إلى ما هو آت من أزمنة باقية من عمر الدنيا .. إلى آخر زمانها وإلى منتهى وجودها ... !
هي القبور.. هي المقابر، جزء من الدار الآخرة، مادة كينونتها، تجاور ديار الأحياء في الدنيا !
دورٌ تطلّ على مقابر، يعيش أهلها الحياة، يعملون، يزدادون في المال وفي العيال، يقيمون الأفراح لزواج أو لنجاح، ولازدياد مولود جديد .. !  وإنهم الأحياء، المطلّون على المقابر ! فهل يشعرون بشيء من أحوال أهل القبور ؟ !   من أحوال جيرانٍ لهم، دورُهُم مَدّ البصر تحت الثرى ! يُنتَزَعون من عالم الأحياء انتزاعا، من "فوقيّة" لهم على الأرض إلى "تحتيّة حتميّة" ! نفسا من وراء نفس، قريبا من وراء قريب وحبيبا من وراء حبيب !
هل يشعرون بشيء من أحوالهم ؟؟ هل امتنع عن الناس العيش فوق أرض تحمل جثث البشر من مليارات السنين ؟ ! هل أنتنَت ريحُهم الأجواء ؟ هل استحال العيش على الأرض من روائح منبعثة من الأزمنة الضاربة في الوجود وأصله !  هل يشعر الأحياء بشيء من حال الأموات ؟؟ ! {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ...!
ولقد عالج القرآن قضية تكذيب البعث بعد الموت، بذكر حفظ الله للموتى من عباده كما للأحياء منهم : { بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (2) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (3) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (4)} [ق].
ذلك عجبهم ! ومِن ذلك هو عجبهم ...وكأنهم هم من سيفعلون ! وكأنّ الله الخالق الباعث من جنس محدودية قدرتهم، وقصورهم ونقصهم ! وفي الردّ الإلهي العظيم إفحام لصاحب كل عقل :{قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ } ..  يعلم سبحانه كل جسد وارتْه الأرض، يعلم عن كل إنسان انقلب من سطح الأرض إلى جوفها ! يعلم سبحانه كلّ من كان ذا حركة، وأصبح ذا قبر بين القبور !
 فإنك لتُولّي عن أحب أحبابك، عمّن قطّع موتُه كبدَك، ويكفيك وأنت الأقرب إليه، وهو الأحبّ إلى قلبك، أن تودِّعَه ساعةَ تُودِعُه التراب ! لن تزيد ... لن تعلم عنه بعدها شيئا ! لن تدري عن مكان روحه، ولا إلامَ صارت وهو بين آلاف المقبورين، بل بين الألوف !
أقصى ما أنت على فعله قادر، أن تَسِم  قبر مَن تحب بوَسْم، وأن تكتب عليه اسما كان له في الدنيا لتعود إليه زائرا مترحّما !  ولكن أين هو ؟؟ أيّ عالم عالَمُه اليوم ؟ أي حياة يحياها ؟ لا تعلم عن ذلك شيئا !   ولكنّ الله تعالى يعلم عن كلّ واحد فيهم.. ! بكل هذا أجد في نفسي وقع اسمه سبحانه "الحفيظ"  من قبل أن ألقاه في ختام الآية !
 يحفظ كل ميت، كل ذي قبر، إلى يوم يبعثون، وهذه الأرض كلّها، بكَلّها وكَلْكلها كم ضمّت من أصحاب القبور من يوم بدأت إلى يوم يُبعَثون ؟؟ ! قبور فوقها قبور فوقها قبور ! اندرس منها ما اندرس، ومُحيت آثار منها وآثار، ولكنّ كلّ واحد من أهلها محفوظ بحفظ الحفيظ سبحانه، إلى يوم يُخرَج ليلقى حسابه وجزاءه !  محفوظ وأنت تبكيه، وتراه الذي غاب عن الجمع المعلوم، إلى الجمع المجهول، غاب عن المتحركين، إلى الذاهبين الساكنين !
غاب عن الأرض إلى جوفها حيث ألقي!! تراك وترى من حولك، ولا تراه، فتبكي فَقْده، تسيطر عليك فكرة أن الاجتماع والأنس ليس إلا في الدنيا...!ليس  إلا الذي عهدته ! وما ذاك إلا من محدودية  تصور عقلك، من إِلفك ما هو من حدود وجودك الدنيويّ، وتنسى أنه الذي يحفظه الحفيظ ! في عالم يغيب عن تصور عقلك...  {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ... !
إنها عظمة فعل الله وأنت عنه غافل، عظمة تدبيره لما قرّر من قوانين لا يحيد عنها البشر مؤمنهم وكافرهم، ولكنّ المؤمن عُلِّمَها فصدّقها وعمل بموجبها وأعملها في تصوّره للحياة وللوجود وللغاية من وجوده؛ أما الكافر فأنكرها، فعاش يلهث خلف سراب من الأماني ومن الافتراءات والأوهام، ومن السخط على ألوهية الله الواحد ! وعلى طلاقة مشيئته وإرادته التي لا يبدّلها مبدّل ولا يحوّلها عن وجهتها هوى واحد من خلقه، وإن جمع من القوة أطرافا ومن السلطان أطرافا : {قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)} [الإسراء].
وعلى هذا ..  ومن هذا، لا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء و.... {وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} ... !
ولا تقل أيها الإنسان فقط بما يصوره لك عقلك المحدود وعلمك المحدود وحواسك الدنيوية القاصرة، وتذكر دوما أن لله شؤونا وعوالم  لا تعلمها ولا تراها ولا تدركها بحواسك، تذكر... أنه عالِم الغيب والشهادة..  وأنك تحسب ولكن "لا تشعرون " ...!
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#علم_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #149 في: 2026-04-05, 08:40:08 »
{إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَىٰ أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}  [آل عمران:153].
إنه رسول الله ﷺ في غزوة أحد،  من بعد انقلاب الكفة لصالح المشركين،  وانفضاض الصحابة من حوله ﷺ،  وفرار مَن فرّ منهم،  لا يلوون على أحد،  جعل يدعوهم من خلفهم ليثبتهم،  وهم على حالهم من الفرار والاضطراب والتململ..
تأمل..  قول الله تعالى هنا:  "فأثابهم"   والمثوبة من الثواب،  وهو الجزاء الحسن..  لتقرأ بعدها: "غمّا بغمّ"  فإذا هو الجمع بين ما لا يُتصوَّر اجتماعهما؛ إنه الغمّ، خير يُثاب به..!
غمّ نزل على قلوب الصحابة من معصيتهم أمر رسول اللهﷺ،  ومن دعوته إياهم في أُخْراهم وهم لا يلوون على أحد..  غمّ طغى على قلوبهم فهم لا يرون هزيمتهم وذهاب الغنائم عنهم شيئا معه!  .. 
نعم إنه غمّ،  إنه حُزن أصاب قلوبهم،  ولكنه ليس حزنا على الغنيمة،  ليس حزنا على الدنيا،  بل على ما كان منهم من معصية..  !  ولذلك كان هذا الغمّ خيرا،  كان ثوابا وجزاء حسنا...  !
ولقد ذكر الله تعالى علة هذا الثواب،  علة هذا الغمّ الذي أنزله بقلوبهم:   « لِّكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ ۗ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ»..
إنه مبلغهم من الاضطراب حدّ دعوة رسول الله ﷺ لهم في أخراهم وهم لا يلوون على أحد..!  وإن هذا "الغمّ"  لهو النعمة،  لهو الخير،  لهو الاستفاقة...!
ثم تأمل بالمقابل قول الله تعالى بعد عدد من الآيات:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَّوْ كَانُوا عِندَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَٰلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ [آل عمران : 156]} 
إنهم جمع من المنافقين، قالوا في شأن من يعرفون ممن خرج في غزو مع رسول الله ﷺ فقُتل، أن لو بقي معهم لما مات ولما قتل..  فأورثهم الله بمقولتهم حسرة في قلوبهم،  حسرة هي من حسبانهم أن بقاءهم معهم كان سيدفع عنهم الموت،  تحسروا على ذهابهم  في سبيل الله،  أدى إلى قتلهم..!
وإنها من جعل الله تعالى في قلوبهم،  جزاء وفاقا لفساد عقيدتهم في الموت!  والتي هي من فساد عقيدتهم في الله تعالى وفي أمره..!
فانظر في الموقفين...  💡
في تلك القلوب المؤمنة وفي فعل الله فيها،  وفي هذه القلوب الكافرة وفي فعل الله فيها..
انظر إلى غمّ يصيب المؤمنين،  لا على أنفس منهم ذهبت ولا على جراحات ولا على هزيمة،  ولا على غنائم،  بل على معصيتهم أمر رسول الله ﷺ؛ غمّ كان مثوبة وجزاء حسنا،  أذهب من قلوبهم الحسرة على الدنيا ..! 
وانظر-بالمقابل- إلى حسرة تملأ قلوب الكافرين،  هي الأخرى من الله-كما كان الغمّ على المؤمنين من الله-، جعلها في قلوبهم جزاء وفاقا لما قدّمت أنفسهم من سوء اعتقاد في قضية الحياة والموت..  من كفر بعقيدة أن الإحياء والإماتة من الله،  وأن الموت طائل حتى من كان في مضجعه آمنا،  إن كتبه الله عليه في ساعة اضطجاعه وأمنه وسلامته..!
إنه القلب والقلب،  وشتان بين قلب وقلب!  وإنه ما يملأ الله به كلّ قلب جزاء وفاقا وعدلا مقابل اعتقاد كل قلب..  ! 
وإنها الحسرة والحسرة،  وشتان بين حسرة وحسرة،  حسرة على الدين وحسرة على الدنيا..!
وإنه الحزن والحزن،  وشتان بين حزن وحزن،  حزن هو المثوبة والخير للاستفاقة والاستنارة،  وحزن لمزيد عماية على عماية..!
وإنه القرآن...  !  وحده القرآن المبحر في أعماق النفس البشرية،  الكاشف لخباياها ولانفعالاتها،  ولما يجعل فيها خالقها مقابل ما تُقدّم،  مقابل ما تختار،  عدلا لا ظلما،  ولا جبرا ولا قهرا..  ! وحده القرآن الذي يعرض لك النفوس ولكأنها القطع المشرّحة، تُعكَس عليها أنوار الكشف القرآني الإلهي بالحق! توضع تحت عدسة القرآن الكاشفة، فتراها على حقيقتها..!
فاللهم نسألك هداية نقدم بها ما تجعل بها في قلوبنا على الهداية هداية..
أسماء حازُرْلي
#سورة_آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #150 في: 2026-04-05, 08:40:43 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سلسلة من الآيات المتسقة المتساوقة من سورة البقرة بدءا من قوله تعالى :
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (153) } حتى قوله تعالى : {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163)}
فهي التقدمة بالدعوة إلى الاستعانة بالصبر والصلاة على ما سيعرِض للمؤمن من ابتلاءات في الدنيا، لنجد بعدها تعليم الله تعالى عباده أن الدنيا دار للابتلاء، تبيينا وهدى منه سبحانه لعباده، حتى يعيشوا وهم حملة لهذا العلم الوجوديّ الأساسيّ الدي ينجّيهم من تخبطات أهل الهوى والكفر والإنكار لسنن الله تعالى الماضية في وجوده وفي خلقه .. 
فحديث عن القتال في سبيل الله وهو من أعظم الابتلاءات على سامق إيمان المؤمن وتصديقه ويقينه، وهو منه النجاح الأكبر إذ يقدّم نفسَه في سبيل الله مستيقنا من وعد الله تعالى بعظيم الجزاء عنده في دارٍ هي للجزاء والخلود والبقاء :
{وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (154)}
...ثم حديث عن الابتلاء سنّةً مقرّرَةً ماضيةً، بالعبارة المباشرة العامّة التي يخاطب بها الله عباده عامّة، مع وعد بالجزاء :
{ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157)}
ومنها إلى حديث عن الصفا والمروة تذكرةً بهاجر أم إسماعيل عليه السلام، مدرسة الصبر على الابتلاء، وعدم القنوط من رحمة الله، والأمل فيما عنده من خير وفضل .
لتُردَف هذه الآيات المبيِّنة الهادية لسنة الله في الحياة الدنيا وفي الإنسان، بوعيد من الله لمن يكتم بيّناته وهُداه الذي بيّنه سبحانه لعباده في كتبه :
{إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) }
ولعلّنا لن نشطط إذا قلنا أنّ من أهمّ هذه البيّنات وهذا الهدى سنة الابتلاء في الحياة الدنيا.. فالإنسان دون هدى من ربّه لن يرضى أن يشقى أو أن يصيبه سوء أو أن يكدّر عليه صفو الحياة مكدّر، أو أن تكون السعادة في حياته ساعة من ساعات لا ساعاتها كلّها ... !
فمن لم يسترشد بكتاب الله، لم يَرشُد... ! من أنكره وأنكر هُداه كفر، فانظر إلى آيات مآل الكافرين، انظر وأنت تراهم يخبطون خبط عشواء، فهم الذين لا يقرّون ما أقرّ الله من سنن لهذه الحياة الدنيا ولهذا الوجود ولوجودهم فيه :
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162) }
هذا المآل التّعِسُ وهذا الرجوع النَّكِد للكافرين ! خلودهم في اللعنة وفي العذاب، وهم لا يُنظَرون ولا يمهَلون، من بعد فناء هذه الدنيا التي علم المؤمنون علم اليقين من هدى القرآن ومن بيّناته أنها دار للابتلاء، فصبروا واحتسبوا وتشوّفوا لخير الآخرة الباقية، بينما ارتكس الكافر وقد طمس الفطرة فيه، فأنكر الحق، واتبع الباطل، أو حرّف كتب الله، وكتم شهادة الحق بنبوة محمد ﷺ، وكتم البينات والهدى، بل أنكر وجود إله أصلا، فعاش في الدنيا يرنو لسعادة دائمة، سعادة بلا شقاء ولا عناء ولا ابتلاء، فتعب وشقي باعتقاد رأسه، وهو لا يستوعب سنّة الحياة، أعلن إنكاره لإله يعذّب ويُشقي ويُحزِن، إذ لا يستقيم وجود الشر مع وجود عليم قدير رحيم -على حدّ تصوّره- لأنه أراد إمضاء مراده لا مراد الله من الدنيا..!  وظلّ على كفره ما ظلّ على مراد رأسه ولم يخضع لسنّة الله ومراده، ظلّ على كفره وإنكاره لوجود الله أصلا، لأنّ سنّة الله في الدنيا -بالمقابل- لا تتحوّل، وهي من حوله ابتلاءات من إرادة الله الماضية فيها وفيه .. !
وسبحان الله .. ! تجدك في ختام سياق سنة الابتلاء مع هذا التقرير، الذي يدور حوله الملاحدة ويدورون، ويُصعِدون ويُهبِطون ويقولون ويزيدون، باستحالة تناسب وجود الشر مع وجود إله رحيم !
{وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (163) }
إلهكم إله واحد رحمان رحيم، يا من أنكرتموه لإنكاركم أن يكون الشرّ في الدنيا مع كونه إله رحيما ! إنه الإله الواحد الذي أمضى في الدنيا سنّته وأمرَه وقضاءه، أن تكون للابتلاء، فمن كتم هذا التعليم من الله، هذه البيّنات، وهذا الهُدى الذي لا يتأتّى للإنسان إلا من كُتُبه ووَحْيِه وتعليمه سبحانه لعباده، ولا يكون من رأس من يدّعي حكمة بلا هدى الله، أو يدّعي فهما للغاية من الوجود والإيجاد من غير هدى الله، بل الرؤوس من غير هُداه سبحانه تريد أن تُمضي الهوى ! ولو كان لأهواء البشر أن تَمضي سنّةً في الحياة لرأيتَ لهم القدرة على تحويل حال الدنيا، تحويلها إلى دار لا كدر فيها ولا نصب ولا تعب ولا شقاء ولا مصائب ولا عناء ولا كوارث ! لكانت لهم القدرة على جعلها دارا لسعادة لا تنقضي ولنعيم لا ينقطع .. ! ولكن، لأنه سبحانه الإله الواحد الذي لا إله غيره، ولأنه الذي يُمضي أمره ولا يَمضي أمرُ غيره، فإنه سبحانه الذي لا قدرة لغيره على تقرير سنّة للحياة الدنيا تكون بخلاف ما أقرّه سبحانه لها، ولا على تحويلها.. ولأنّ الإنسان عبدٌ للّه مقهور، فإنه-وهو ينكره وينكر وجوده- لا يستطيع أن يغيّر سُنَنه وأمرَه... بل يعيش وهو الكافر في ظلّ إرادته الماضية ومشيئته المطلقة سبحانه ! 
ولو أنه فكّر وقدّر، فأحسن التفكير وأحسن التقدير، لتراجع عن عناده وكفره وإنكاره، وهو يرى بأمّ عينه كيف أنه المقهور بسنّة الله وإرادته ومشيئته، وهو سبحانه الذي بيّن له وهَدَاه وعلّمه،ولم يتركه بلا بيان وبلا هدى وبلا علم !
وإنه سبحانه هو الإله الواحد، هو الذي قضى بالابتلاء، وهو هو سبحانه الرحمان الرحيم... ! نعم مجتمعان ! قدرته وعلمه ورحمته مع وجود الشرّ في الدنيا .. لأنه خلق ليبتلي، وابتلى ليجازي على ما يُبلي العبدُ في ابتلائه ... !
لأنه علّم عبده أن الدنيا دار للابتلاء، وأنّه الممتحَن فيها، ليُجازَى بما قدّم في دار هي للخلود والبقاء، وهي لمَن آمن وصدّق وتعلّم واطمأنّ لسُنن الله، فصبر واحتسب وأيقن أنه لله وأنه إليه راجع، دار قرار، ودار سعادة بلا شقاء، ودار صفو بلا كدر، ودار نعيم بلا سوء ولا شرّ ...!
فيا أيها الإنسان، يا من أنت بغير هدى ربك مُخبِط ! إنه في عَرَض القرآن (ومع سورة البقرة، أولى خطوات وجودك على هدى القرآن) يجيبك سبحانه على ما تسمّيه : «مشكلة الشر ووجود الله»...  يجيبك وهو يعلمك أنه مع إمضائه فيك سنة الابتلاء، هو الإله الرحمان الرحيم،  هو هو المبتلي بالنقص...  بالشرّ كما تسمّيه...!
من أولى خطواتك يعلّمُكَه، لتكون على "بيّنة" من الغاية من وجودك، ولتكون على "هدى" من سنة الحياة الدنيا، فعلمك أن من كتم  "البينات والهدى" فقد كفر...!   فأبشر يا مُبتلى.. يا عبد الإله الواحد الرحمان الرحيم  🙂
(هذا ملخّص لما كتبت في تدبر آيات الابتلاء من سورة البقرة،  تجدونه مفصَّلا في منشورات لاحقة في موضوع الآيات بإذن الله ..)
أسماء حازُرْلي
#سورة_البقرة
#مشكلة_الشر_ووجود_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #151 في: 2026-04-05, 08:41:15 »
{وَلَوْ تَرَىٰ إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27) بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ(28)}[الأنعام].
هي مشاهد من يوم القيامة في صيغة الماضي،  تدليلا على تحقّقها وحصولها لا ريب ! 
عندما يوقَفون على النار،  فيتحسرون ويندمون،  ولاتَ حين مندم!  ويتمنون...!  يتمنون لو يُردّون إلى الدنيا،  فلا يكذّبون كما كذّبوا..!
وإنك لتحسب، بل وتجزم أن هؤلاء الذين وقفوا على النار،  لو تسنى لهم حقا أن يعودوا للدنيا،  فلن يعودوا لكفرهم أبدا...!
ولكن انظر...  واسمع...  اسمع تقرير العزيز الحكيم العليم سبحانه:
{بَلْ بَدَا لَهُم مَّا كَانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ۖ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}
قضيتهم أنهم رأوا بأعين رؤوسهم ما كانوا يدّعون أنهم لا يعلمونه،  وأنه باطل،  بينما كانوا يعلمون أنه الحق...  كانوا يُخفون الحق،  ويخفون علمهم بأنه الحق..  كانوا يجحدونه،
أما لو أعيدوا.. لو رُدّوا إلى الدنيا لعادوا لما نُهوا عنه،  لعادوا لكفرهم!!
إنه كما أنه مبلغ الكفر فيهم،  ومبلغ انطماس البصائر فيهم، ومبلغ كذبهم، وهم يعودون للكفر بعد معاينتهم للنار،  فإنه بالموازاة..  مبلغ علم الله تعالى،  مبلغ إحاطة علمه سبحانه بحقيقة كفرهم..  فما أبلغهم النار سبحانه وما جعلها لهم جزاء، إلا وهو يعلم سبحانه أنهم بلغوامن الكفر ذلك المبلغ الذي لو عاينوا النار فيه،  ثم رُدّوا للدنيا لعادوا لكفرهم..!!
فهل رأيت إحاطة علم الله وتمام عدله،  مع ما رأيت من حالهم؟!!   هل رأيت كيف انهم اهل النار حقا حقا حقا...  !  وإن ندموا،  وإن أكلتهم الحسرة،  وإن اصطرخوا،  وإن بكوا دما،  وإن بكوا أرواحهم..!
سبحانك الله،  ما أعظمك! لا إله ألا أنت..  نستغفرك ونتوب إليك..!
الله اكبر الله أكبر الله أكبر،  لا إله إلا الله،  الله أكبر الله أكبر ولله الحمد..
أسماء حازُرْلي
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #152 في: 2026-04-05, 08:41:39 »
{وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا ۚ وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ ۖ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112) وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(113)}[الأنعام].
وسوسة شياطين الجن لشياطين الإنس بزخرف من القول،  أي بتزيين السيئ منه بالزخرفة تمويها،  وإخفاء لسوئه بزينة مصطنعة ..
ورحم الله ابن عاشور وهو يقول في زخرف القول: (((وأفهم وصف القول بالزُخرف أنّه محتاج إلى التّحسين والزخرفَة ، وإنَّما يحتاج القول إلى ذلك إذا كان غير مشتمل على ما يكسبه القبول في حدّ ذاته ، وذلك أنّه كان يفضي إلى ضُرّ يحتاج قائله إلى تزيينه وتحسينه لإخفاء ما فيه من الضرّ ، خشية أن ينفر عنه من يُسوله لهم ، فذلك التّزيين ترويج يستهوون به النّفوس ، كما تموّه للصّبيان اللُّعب بالألوان)))..[التحرير والتنوير].
وإن من أشهر القول المزخرَف في أيامنا هذه: 💎حرية💎 التي جعلوها زينة وزخرفا أخفوا به سوءا وضرّا كبيرا...
سُلب شباب مغرور أو موهوم أو محسوب على الدين  بقايا من عقولهم،  لينفروا من الدين باسم الحرية..!  سُلبوا الإنسانية،  فصيّروا الشذوذ الجنسي قاعدة،  وهم العاملون على نشره والتطبيع معه في كل مناحي الحياة حتى يُستساغ ويصبح والطبيعة والفطرة سواء..!!  باسم الحرية... 
أخرجوا اليافعين من طوق آبائهم وأمهاتهم باسم الحرية...  طعنوا في الدين وفي أهله وفي أصوله باسم الحرية...  !
وتأمل الأفئدة التي تصغي إليه... تأمل!
{وَلِتَصْغَىٰ إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ(113)}
أفئدة الذين ينكرون الآخرة،  ينكرون البعث... 
يريدونها دنيا أهواء بلا لجام ولا خطام ولا كبح...!  يريدونها غابة يرتعون فيها بخلط حيواني وخبط بهيميّ دونما رادع ولا ضابط ولا حدّ...  يريدونها للّهو واللعب، وأنه لا امتحان،  ولا ابتلاء،  فلا حساب بعدها ولا جزاء...  لا آخرة...  إنما هي الاولى وهي الآخرة...  !
لمثل هذا الزخرف  تصغي أفئدة هؤلاء...  !  ولهذا ينكرون البعث والحساب،  والدين بالكلية...  ليعيشوا كالأنعام...  بل أضل سبيلا...!
ويا سورة الأنعام العظيييييمة...!  لا بد أن لضلال الإنسان وارتكاسه إلى مادون الأنعام وطيد علاقة باسمك..  وأنت عقيدة كلّكِ...  يا عظيمة...!
أسماء حازُرْلي
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #153 في: 2026-04-05, 08:42:07 »
{وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}.
ومازال ذلك دَيْدَنه مع الإنسان، يغرقه في الشهوات والملذات حتى يعبدها، فيصبح يقينه أن الدنيا دار للخلود !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #154 في: 2026-04-05, 08:42:33 »
«قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ(38)وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39)»[الأعراف ]
قول أخراهم لأولاهم: "رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ"
استحضرت من كان مؤمنا ثم كفر..! استحضرت شبابا تاه مع الشبهات وصدّق المشبّهين،  وخانته بضاعته المجزاة في دينه،  فخسر الأمان وهو يخسر الإيمان...!
استحضرت مَن انطلت عليه أكذوبة "الحرية"  و"التحرر" و"التفكير"   فرأى أصحاب الدين والالتزام أهل اتباع بلا فكر...  رأى المؤمنين أصحاب نسخ ولصق بلا فكر ولا نظر..  ورأى المحادّين لحدود الدين وضوابطه وإلزاماته مفكرين،  متحررين،  بحثوا عن الحرية،  حتى وجدوها،  فعضوا عليها بالنواجذ...!!  وأعلنوا أنهم المتحررون من "القيود"  ومن "القديم"  ومن "التقليد"...!  من " الإله الخالق الآمر الحاكم الباعث"..!!
فهم يُمضون أهواءهم في حياتهم الهوائية الهبائية ويحسبون أنهم أهل ثورة في النظر،  وأهل نهضة في الفكر...  وأهل إيقاظ من النوم ومن السُّبات...  بل أهل إحياء للموات...!
وإنما حقيقة شبابنا الذي تاه وضاع وخسر دينه،  أنه هو الذي اتبع،  وقلد،  وسرعان ما انبهر.. وهو يرى المُضلّ مفكرا،  والمُبطل ناظرا ثاقبا...!!
وأنا اقرأ هذه الآية الآن...  استحضرتهم...  فقلت في نفسي: يا ليت التائهين يعلمون!!  يا ليتهم يستفيقون من نكستهم وينتبهون من ارتكاسهم...  من قبل أن يسألوا ربا كفروا به في الدنيا أن يؤتي مضلّيهم الذين لطالما انبهروا "بفكرهم المتحرر" عذابا ضعفا من النار...!!!
يا ليتهم..!  من قبل أن يسمعوا جواب ربهم: "قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ"
ومن قبل أن يسمعوا ردهم عليهم:« فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ» [الأعراف : 39]...!!
وإنه العذاب "" بما كنتم تكسبون""،  لن يشفع لكم أن كنتم متَّبِعين أضلهم غيرهم..  فلقد كانت لكم عقول،  وكانت لكم قلوب،  وكانت لكم إرادة حرة.. ولقد هُديتم النّجدين،  ولقد كنتم باختيار،  فاخترتم الضلال بعد الهدى،  والكفر بعد الإيمان..  ! فذوقوا...!!
فيااااا لــــيتهم....  !! 
اللهم الثبات حتى الممات،  الثبات حتى الممات..!
أسماء حازُرْلي
#سورة_الأعراف
#الثبات
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #155 في: 2026-04-05, 09:00:17 »
«قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ ۖ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ» [الأعراف : 151]
قومه هم الذين نكثوا العهد،  وهم الذين انتكسوا من بعد ما ذهب إلى ميقات ربه،  وهم الذين اتخذوا العجل من دون الله..!
هم الذين فعلوا كل سوء...  ولكن تأمل كيف يتوحه إلى الله ليغفر له ولأخيه هارون-عليهما السلام- وكأنهما المذنبان!
انظر إلى الإحساس بعِظم المسؤولية حينما يكون عميقا، كيف يسارع المسؤول أول ما يسارع إلى لوم نفسه، إلى محاسبتها، وإلى النظر في سوئه وخطئه قبل أن ينظر في خطأ غيره،  وإن كانوا هم المخطئين لا هو...  ! 
إنه الصدق والإحساس العميق بالمسؤولية الملقاة على العاتق..! فصل اللهم وسلم على كل رسلك وأنبيائك منارات الهدى والرشاد... 
أسماء حازُرْلي
#سورة_الأعراف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #156 في: 2026-04-05, 09:00:41 »
«وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِم بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا ۚ قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ مِن رَّبِّي ۚ هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ» [الأعراف : 203]
سألوه الآيات الخارقة ليصدقوه ﷺ،  حتى بلغوا أن قالوا له "لولا اجتبيتها"،  أي هلا اخترت آية مما نحب،  هلا اختلقتها من عند نفسك وجئتنا بها..  !
لعلهم وهم يتهمونه بالسحر،  سألوه أن يأتي بشيء يجمعه من نفسه،  سحرا من السحر،  أو حتى وإن عنوا أن يأتيهم بها اجتهادا منه مع ربه ليعطيهُ إياها..  !  فهم يريدونها من اجتهاده، من اختياره من بين ما يشترطون..!
فكان تمام البيان من الله بأنه يأتيهم بما يوحى إليه من ربه أمرا منه سبحانه أن يبلغه،  لا أن يتخير هو ويلح على ربه في شيء مما يشترطون..!
فهو الذي لا يأتي سحرا ولا خوارق من نفسه،  وهو أيضا لا يشترط على ربه مما يشترطون،  ولا يلح عليه استرضاء لهم.. بل هو أمر الله،  وهو المتبع لأمره تمام الاتباع وكل الاتباع..
"هَٰذَا بَصَائِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
إن هذا القرآن بصائر من ربكم وهدى ورحمة..  فهلا عرفتم لهذه المعجزة العظيمة حقها..؟!  إنها هي التي جاء بها من ربه،  متبعا لها حرفا بحرف،  مبلغا لها كما نزلت عليه.. هذه هي الآية كما نزلت عليه وحيا،  كما أمِر بتبليغها،  كما شاء الله أن تكون هي،  لا شيء غيرها! لا من نفسه ولا من رغباتهم وأهوائهم...!
#سورة_الأعراف
#القرآن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #157 في: 2026-04-05, 09:04:11 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة الأنفال جاءت آيتان متقاربتان جدا، تفصل بينهما آية واحدة،  تكادان تكونان متطابقَتين معنًى، إلا من بعض كلمات ..
ذلك في قوله تعالى :
💧{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52)}
ثم قوله بعد آية واحدة فاصلة :
💧{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52)}
ضرب الله مثلا لكفار قريش آل فرعون والذين من قبلهم، وكيف أن أحوال الكافرين واحدة عبر الأزمنة وعلى تطاولها ..
فهل تساءلتَ عن هذا التشابه الكبير، مع  هذا التقارب في الترتيب ؟
إنّ هاتين الآيتين من أهمّ الآيات التي تدعونا لضرورة النظر في السياق، حتى نقع على سرّ تواليهما مع هذا التشابه الكبير..
في سورة الأنفال، جاءت تفاصيل عما كان في غزوة بدر، وعما كان بعدها في شأن النزاع حول الغنائم، فكان سياقها عامرا بالتربية الربانية للجماعة المؤمنة، حتى تحسن ترتيب أولوياتها، فلا تسطو المادة فيها على الجانب الروحي، ولا تكون مفرّقة للُحمة الأخوة، ولا مفسدة لروح الجماعة؛ كما جاءت فيها الدعوات المتكررة إلى طاعة الله ورسوله .. ليكون قضاء الله فيهم وقضاء رسوله ﷺ فيصلا، وليكون حسما لكل خلاف ولكل نزاع .. ويتخلل تلك الدعوات ذكرٌ لأحوال الكافرين على سبيل المجانبة وعدم الاتباع لخطواتهم؛ فجاء في المقطع الأعلى الأقرب من الآيتين موضوعنا، قوله سبحانه:
{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (46) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)}
لا تكونوا كالكافرين الذين خرجوا لقتالكم بطرا واغترارا بأنفسهم من اتباعهم أوامر الشيطان فيهم، وهو إذ وعدهم كذبهم وانقلب عليهم لما رأى عزّة الله وإعزازه لعباده المؤمنين؛ ثم يجمع الله مع الكافرين فئة المنافقين، الذين يرون بخلاف منظور الحق، إذ يصفون إقدام المؤمنين في سبيل الله وطاعتهم لأمر رسول الله ﷺ بالقتال، بالغرور وهم القلّة في مواجهة كثرة كاثرة من الكافرين..بينما الكافرون هم أهل الغرور والبطر-كما وصفهم الله تعالى- وأهل الإيمان هم المتوكلون على الله العزيز الذي لا يُغلَب، الحكيم في أمرهم بقتالهم ...
جمع الله الكافرين والمنافقين ليكونوا النموذج الذي يُدعى المؤمنون لعدم اتباعه ولئلا يكونوا مثلهم .. ليُتبَع هذا النهي بذكر مآلهم :
{ وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (50) ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51) }
هذا المآل هو السنة الجارية في الكافرين، فيُذكَر إخوان لهم في الكفر سبقوهم :
{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)}
تأمل الآية 52 : {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (52)}
وهي التي جاءت عن مآل آل فرعون ومَن قبلهم، وهم الذين كفروا بآيات الله، في سياق ذكر حال كفار قريش والمنافقين ...فجاء وصفهم بـ : "كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ"
فناسب تشبيه :
💎كفر كفار قريش بكفر آل فرعون ومن قبلهم.
💎أنهم كفروا بآيات الله كما كفر آل فرعون ومن قبلهم بآيات الله.
💎ذكر اسم الجلالة "الله" المناسب للعبودية التي هي تحقيق الإيمان، والتي يضادّها جالهم وهو الكفر بالألوهية، بعدم تحقيقهم العبودية له سبحانه.
💎جاء قوله تعالى: " فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ "، وهي المناسبة لأخذ الله العزيز المقتدر لعباده الكافرين أخذا نهائيا، يمثل الصورة الأخيرة التي عليها يكون العقاب الأخرويّ.
💎جيء بصفة الله "القويّ"، المناسبة تمام المناسبة للسياق، وقد جاء فيه عن خروج الكافرين بطرا ورياء واغترارا بالقوة.
والآن تأمل الآية 54 : {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)}
ووجب أن تتأمل قبلها الآية الوحيدة الفاصلة بينها وبين شبيهتها، وقد جاء فيها قول الله تعالى:
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)}
الله سبحانه لا يغيّر حال قوم من حسن إلى سوء، ومن نعمة إلى نقمة حتى يغيروا ما بأنفسهم، فيستعيضوا بالجحود والنكران عن الشكر والإقرار، ويستعيضوا بالكفر بالله  والتكذيب لرسله ومحاربتهم عن الإيمان بالله والتصديق برسله ونصرهم ... وذاك هو تغييرهم ما بأنفسهم التي خلقها الله على الفطرة والعقل، ثم هداهم لتصديق الفطرة ولإعمال العقل.. ولكنهم اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة..
فهذه الآية الفاصلة حملت سياق النعمة وحال من يكفرها ويجحدها فيبدّل الله حاله من النعمة إلى النقمة، وذاك ما كان مع كفار قريش .. ليأتي ضرب المثل بآل فرعون والذين من قبلهم في هذا السياق أيضا ..
فلنتأمل كلماتها التي تفرّقها عن الآية السابقة، شبيهتها :
💎جاءت : "كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ" بينما جاء في السابقة "كفروا" مناسبَةً للحديث عن الكفر والكفار .
💎جاءت هنا "ربهم" وهي المناسبة كل المناسبة لسياق النعمة، الرب الرازق المنعم بينما جاء في السابقة  "الله" مناسبة لأمر العبودية للإله تحقيقا للإيمان.
💎جاءت هنا "أهلكناهم بذنوبهم" مناسَبة لعقاب دنيوي جزاء وفاقا لنكران النعم، بخلاف "أخذناهم بذنوبهم" في السابقة مناسبةً لعقاب أخروي.
💎جاءت "وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ" مقرونة بالإهلاك، اقتران عذاب دنيوي بعذاب دنيوي.
إذن فالآيتان تكادان تكونان متطابقتين مع تتاليهما، وآية واحدة هي الفاصلة بينهما، إلا أن السياق هو الذي حكم في مقام الأولى، كما حكم السياق الذي ألقت به الآية الفاصلة في مقام الثانية...
وزيادة على السياق، أرى بعد بيان الفرق بينهما، كيف أن الأولى جاءت عن الكفر والمآل الأخير للكافرين، عن الآخرة،  والثانية جاءت عن مآل دنيوي للكافرين ..
وعلى هذا فإن ما يُقدّم في الدنيا هو ما يُجازَى عليه في الآخرة، وهم قد لاقوا عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، ولقد عرفنا ارتباط النتيجة بالمقدّمة(الآخرة بالدنيا) في قوله تعالى في الآية الفاصلة :
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (53)}
فكانت "ذلك" هي الكلمة التي بينت ترتّب السابق عن اللاحق، أي ترتّب العقاب الأخروي المشار إليه في الآية 52 عن نكرانهم نعمة المنعم في الدنيا.
هذا لنلمس عن كثب كيف أن الآيات لا تُعاد ولا تُكَرّر إلا والسياق يلقي بظلاله على كل آية لمعنى جديد ولغاية مختلفة ... كما تتبيّن ارتباطات أخرى تزيد في بيان التحام الآية بالآية، كما عرفنا في قضية المقدمة والنتيجة ..
وإنه القرآن العظيم ... وإنه الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنه الذي تتشابك جمالياته، وتتعاضد مراميه، ولا تنتهي عجائبه
أسماء حازُرْلي
#سورة_الأنفال
#دور_السياق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #158 في: 2026-04-05, 09:04:36 »
أي فرق شاسع هو بين من يؤمن أن دارا أخرى سيُبعث فيها حيا ليعيش بلا موت...  وبين من يرى أن هذه هي الأولى والآخرة، وأنه لن يحيا من جديد..!
ووَيْحه ثم وَيْحه!! وهو يفاجأ أنه يبعث ويحيا من بعد موته،  وأنه سيعيش هو الآخر بلا موت بعدها،  ولكنه سيعيش ليعذب..!
وكيف لا يعذّب وقد أنذِر العذاب،  فلم ينفعه النذر،  بل كذب وحادّ وشاقّ وخاصم ربه خصاما مبينا..!
أي فرق شاسع هو بين من رأى أنه الموت فلا حياة بعده..  وبين من تيقن أنها الحياة بعد الموت فلا موت بعدها، وأنه النعيم الذي وُعِده، والذي كان به مصدقا، وبأن وعد الله حق، حتى وجده حقا حقا..
أيّ بَون شاسع هو بين من يُبعث ليرى عين اليقين ما كان عنده علم يقين،  وبين من يبعث ليرى عين اليقين ما كان عنده كذبا ووهما وهراء ولا شيء، فكانت منه المجاهرة بالعداوة والخصام والمحادّة..!
«إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ(7) أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(8)»-يونس-
#سورة_يونس
#الإلحاد
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #159 في: 2026-04-05, 09:04:58 »
{وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ} [يونس : 54].
لو أن لكل نفس ظلمت نفسها بالكفر ما في الأرض لقدمته  فداء لها من عذاب يوم القيامة الذي تعاينه وتراه..! 
ولكنها لا تستطيع.. لا يحق لها،  لا يؤذن لها..  لا ينفعها..  لا يجديها..  لا يُقبل منها..!
وانظر كيف حجب الله تعالى وطوى الجزء الثاني من بعد "لو" حرف الامتناع،  لم يقل سبحانه،  أنه لن ينفعها،  وأنه لن يجديها..  بل ساق حال هذا الكافر الظالم لنفسه:
...«وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ ۚ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ»
لقد أسروا الندامة..! 
تأمل-يرحمك الله-!  إنه يسرّها، يخفيها..
وإن إسراره لها، وإخفاءه لها لأبلغ في تصوير حاله اليائسة!
لم يعد عنده ما يقول،  ولا ما به يتكلم..  !
لقد ألجمته رؤية العذاب..  لقد تيقن من أنه طائله..!  لقد عاين وعيد الله،  لقد وجده حقا...!  فلم يعد له ما يقارع به،  لقد ألجمته الصدمة،  وألجمته الحقيقة،  وألجمه تحقق الوعيد الذي لطالما أُنذِرَه..!
فإن إسراره للندامة لأبلغ تصوير لحاله اليائسة البائسة التي تيقنت أنها إلى العذاب صائرة.. لا محيص...  !
ثم تأمل مرة أخرى..  إن قضاء الله فيهم بالقسط،  إنهم لا يُظلَمون..  إنهم يساقون بعدل تام..  إلى حتف ليس لهم منه من محيص ولا من مهرب وقد كذبوا به حتى نخاع النخاع!!
فاللهم ثبتنا وارزقنا اليقين..  وأجرنا من غضبك وعذابك..
أسماء حازُرْلي
#سورة_يونس
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب