
ي عَرَض بعض التدبرات التي أكتبها حول آيِ القرآن الكريم، وانا أصف القرآن بالمشكاة على درب الحياة، تخيّلت لو أن أحدهم سألني سؤالا ....فكان هذا الذي كتبت :
---------------------------------------------------------------
قد يخطر لأحد خاطر... ! قد يتساءل مَن يتساءل، وقد يبحث في قولي باحث...
ـ ما الذي يجعلكِ تتخذين من هذا الكتاب مشكاة دون غيره ؟!
ما الذي يدعوكِ لاعتماده نبراسا والكتب على أشكالها تقع ؟ ! وقد كتب الرجال، ونظّر المنظّرون، وقعّد الفلاسفة المفكّرون، والحكماء عبر الأزمنة والدهور ... !
لماذا ترين في هذا وحدَه النور، والنور قد أشعّ من أفكارهم، وزناد الفهم قد قُدح من أذهانهم ! وعلماء الطبيعة، ومستكشفو أغوارها قد بسطوا للناس عِلمَهم، وفكرتهم عن الوجود، ونظرهم وتقديرهم للحياة وأصلها، ولأصل وجود الإنسان، وللغاية من وجوده ...؟ !
لماذا لا ترين في غير هذا النور، وكثير من حولنا كثير، شنشنتُه صيحات العلماء، وأخبارهم، وأقوالهم، وما اصطلحوا عليه حول الإنسان وأصل وجوده ...؟ !
سأقول لهذا الذي ألقى سمعه للصيحات تملأ الآفاق، وهو يرى الناس قد مالوا إليها، وانجذبوا إلى سحرها، وعرفوا من أقوال العلماء والفلاسفة والطبيعيين، وعرفوا لهم صيتا، وعرفوا سامعين لقولهم إذا قالوا، هم على أثرهم مقتدون، بقولهم قائلون...
إنّني مع هذا الكتاب الذي هو ليس كلام البشر، ولا قوانين البشر، ولا ما اصطلحت عليه عقول البشر، ولا هو من فكر جهابذتهم، ولا من طفرات فلتاتهم، ولا من عقول فهّامتهم ...
إنني أيها السائل المتسائل مع "كتاب الله" ... مع كلام خالق العقل، وواهبه الإنسان، ومُكْرمه به، إنني مع ما نوقن أنه لله لا لأحد سواه، وأنه الذي اصطفى مَن أرسله مبلّغا له، بشيرا ونذيرا، فكان عليه أمينا، بلّغه كما نزل، حرفا بحرف، وأمرا بأمر ...
وإنني وأنا معه ومعك، نسير الهُوَينى، خطوة إثر خطوة، فإذا الكلام من ذاته يُبين عن ذاته، يحدّث عن ذاته، من الحياة التي فيه تدُبّ، ومن الروح التي تبعث الحياة في عنصر الحياة، ومن الحركة التي تتجلّى في صُوَره، ومن البيان الذي يصدعُ في آيِه ...
إنك وأنت تقطع معي هذا الدرب على ضوئه، يستبين عقلك نورَه، ولا تجدك تكتفي بما تسمع عنه من قول المؤمنين به، المذعنين لأمره، لا تكتفي بكلامي وبكلامهم خلفيّة، بل إنك تعرفه منه، لا من أحد ... وإنك تبصره منه لا من أحد، مما نستكشف سويّا على هذا الدرب على ضوء مشكاته، وستتبيّن إن كانت ستضيئ لك حقا، أم أنّه ليس إلا ادّعائي الضياء، وتكلّفي النور... !
ألم تبصر به ما كان عنك مُغمّى ؟ ! ألم ترَ في تناسق آيِه، وترابطها وتلاحُم أطراف السورة من سُوَره، ووحدة موضوعها، واتساقها مع السورة والسورة ، كيانا حيا مضيئا، يُسفر ويُجلي لك الحقائق، ويبسط لك في شؤون نفسك التي بين جنبيك، فإذا هو مرآتها العاكسة لكل خفاياها، وإذا هو الطبيب الآسي لكل أدوائها، وإذا هو المرتقى الذي ينتشلها من أوحال الأهواء، ودركات البهيميّة إلى سنا الإنسانية السامقة بمعانيها النفيسة المتفرّدة في خلق الله تعالى...
ويبسط لك في شؤون الوجود من حولك، وفي العلاقة بينك وبين كل عناصره، وفي الغاية من وجودك، فهو يقيم لك مبدأ وغاية، ومآلا، ولا يملي عليك أنك الهَمَل الذي جاء من هَمَل، وإلى هَمَل هو صائر ! ويبسط لك في الحياة وأبجدياتها، ويكشف لك لا عن المشكلة والمعضلة وحدها فيحدّدها بمعالمها، بل يرشدك إلى منبتها الشائك وإلى مرعاها المُرّ، وموردها الآسن... فيعلّمك كيف تـتّـقيها، ويعلمك كيف تتجاوز العقبات على دربك، وكيف تتفادى المهالك ... !
ألم تُبصر كل هذا مع هذه الحياة التي عشنا في رحاب الآيات ؟ ! وفي رحاب الاتساق والتناسق، والتكامل بين أطراف هذا الهدى الذي تنمّ كلّ حركة معه، وكل حقيقة تتبيّن تحت عدسته الكاشفة، عن تفرّد وعلويّة مصدره، فهو ليس إلا وحي الخالق المالك لأمرِك كلّه، ولأمر الوجود كلّه، وليوم الدنيا كما ليوم الدين ...ليس كلاما من كلام البشر، بل هو كلام خالق البشر، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ... !
من ذاته يُنبيك عن حقيقته، دونما حاجة لإملاءات ولا لتعليمات مسبقة... !
يفسح لعقلك أن ينظر، لا يحجر عليك، ولا يُملي عليك القول فيه إملاء، بل يدعُك له... فيعمل مع عقلك عمل النور في الظلمة، عمل البيان في المُبهَم والمُشكَل ... عمل الروح في الجسد الهامد، لتنبعث الحياة، حياة الحقيقة، لا حياة الأوهام ... !
حياة الميزان لا حياة العبثيّة، حياة الغاية لا حياة الهبائية ... ! حياة الروح لا حياة الجسد وحده، حياة "الإنسانية" يا مَن لم تكن شيئا مذكورا... وصرتَ بأمر خالقك من نطفة أمشاج، مخلوقَه العاقل المكرّم على كل مخلوقاته التي سخّرها لك، وهداك السبيل، وجعلك مخيَّرا، وكلّفك وابتلاك ... ! ابتلاك ليوفّيك أجر ما عملت، إن إحسانا فبإحسان، وإن سوءا فبسوء ... في دار هي دار القرار ودار المقام ودار البقاء بعد دار الفناء ... !
إن قضيّة الإيمان والتصديق، والإذعان لله الخالق، والتسليم بأنّ كتابه هو الهدى، ليست قضية مقرّرات وإلزامات وإملاءات ...بل هي قضيّة اختيار، ونظر، وإعمال للعقل، وإبصار للحق بعين القلب والعقل معا ... !
وإن القرآن ليهدي للتي هي أقوم ... إنك لتراه يفعل ذلك في نفسك، وفي دبيب الحياة فيه، وفي الحكمة التي يحمل، والحق الذي به نزل ولأجله نزل... !
ثم انظر مع كل سورة، ومع كل حياة في رحابها، ومع كل حركة لها فيك، كيف أنّ القرآن هو المشكاة المضيئة على درب الحياة، وحده لا ينازعه في ذلك غيرُه ... !
وإنّي لست أمليها عليك إملاء ... ولكنّني أدعوك أن تعيش معي هذه الحياة ....
عِش معنا هذه الحياة ... واخلع عنك كلّ إملاء ... وسِرْ وأنت تتملّى عظمته وتفرّده بالإرشاد إلى سواء السبيل ... وأنت ترى روعة بيانه، وإحكام سَبْكه، وتناسق أطرافه، وتكامل صوره ... !
عِش في هذه الرحاب السنيّة وأنت ترى بأم عقلك وأمّ قلبك كيف يبين لك مواطن العلل، ويُجلي لك سرّ حال الأمّة من تأخر وضعف وهوان، ويجعل لك في الأنبياء، وفي المؤمنين الأولين القدوة والمنارة والهدى الذي تحقق على الأرض حركة وعزّا وعلوّا ونهضة ... !
عش وأنت تتعلم منه كيف أنّ العزة لله جميعا، وكيف أنك في جنبه وفي رحابه تعزّ وتسمو، تحقق السيادة على الأرض بالهدى والنور والعدل، وأنك لا تنال من ذلك شيئا في جنب سواه ...
وإنني لأجل هذه الحياة مع القرآن، ولأجل هذه الحركة التي يُحدثها في نفسك، وفي مجريات حياتك من حولك، دعوتك لهذا العيش الذي تلامس فيه روحُهُ روحَك، فلا تبقى في حدود الحروف، وفي حدود التنادي بثواب الحروف، بل لتخرج من تلك الحدود إلى فضاءات الملامسة والمعايشة، والتناغم بين روحك وروحه ... لتُبَثّ فيك حياة القرآن، فتحيا الحياة التي لأجلها خلقك الله ... !
هلمَّ بنا نكمل دربنا ... خذ المشكاة بيدك ... وهيا إلى الحياة ... !