المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7756 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #300 في: 2026-04-05, 18:01:09 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ي سورة يونس، تصدّر آياتِها ما حكى الله عن الكافرين الذين كان لهم عجبا أن أوحى الله إلى رجل منهم، فجاءت الآيات تترى بعدها وهي تفصّل عن بشريّة هذا الرسول مقرونة بخصوصية نبوّته، من حيث انقياده التامّ لأمر الله، فهو الذي لا ينطق إلا بما يُوحَى إليه، ولا يذعن لإملاء من إملائهم ولا لأمنية من أمنياتهم؛  فلا تمييع ولا استرضاء، بل هو الحق وهي العقيدة في الله الواحد الآمر الناهي، بالحزم اللازم وبالظهور التامّ، وبالحرب المعلَنَة على كل المعتقدات الباطلة وعلى كل الشركيات والوثنيات والخلط المُراد منهم  .. !
جاء في السورة تفصيل لكونه "رجلا منهم" مع بيان خصوصية مقام النبوة من حيث الانقياد التام للوحي، ومن حيث الانصياع لإرادة الله تعالى، وكيف أنّه بأمره يحدّثهم ولا يحدّثهم بهواه، وأنه إن شاء سبحانه جعل له آية، وإن لم يشأ لم يكن ما يملون من طلب الآيات والمعجزات : {وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20)} -يونس-
وأن هذا "الرجل منهم" الذي عجبوا أن يوحَى إليه، لا يفتري على الله، ولا يأتي بالآيات من عنده بل هو الذي يبلّغهم ما ينزَّل عليه تماما كما ينزّل عليه، فيتحدّاهم أن يأتوا بشيء مما يسمونه افتراء : {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38)}
وأن هذا "الرجل منهم" وإن كذّبه كلّهم فإنه الثابت على أمر ربّه، لا يقول ولا يفعل إلا بأمره لا بأمرهم : { وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41)} .
وأن هذا "الرجل منهم" لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا إلا أن يشاء الله : { قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) }
كلها مقامات لبيان خصوصية أنه "رجل منهم" وأنه في الآن ذاته "المُصطفى منهم" ، فهو الذي يُحدَّث بما لا يُحدَّثون، وهو الذي اختُصّ بما لم يكن من حظهم .
وتنظر في اسم السورة "يونس"  لتجدك في رحاب النبوّة التي هي سمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولإخوة له من قبله، كان لهم ما كان له، كانوا على الدعوة الواحدة التي بها بُعِث، وجرى عليهم ما جرى عليه، لتستشعر الأنس، ولتستشعر وحدة الرسالة، ولتلمس صعوبة ما أنيط بهم من أمر الدعوة، وتشابه الأنفس، وكيف يكرّر الكفر نفسه بالكفرة في كل زمان، وكيف يكرّر العناد نفسه فيهم، والتجرؤات والافتراءات ...
لتجدك وأنت في "يونس" تسمع عن "محمد" وعن خصوصية محمد وهو الرجل منهم، كما كان يونس رجلا منهم ...
فلا تقف على شيء من قصة يونس إلا في أواخر السورة !
ويتملّكك العجب ! وتتساءل المرة تلو المرة، ما بال السورة باسم النبي يونس عليه السلام، ولا نجد ذكره إلا في آخرها ؟ !
ما سبب تسمية السورة باسمه، وما ذكره إلا في آيات معدودات من أواخرها ؟ !
ولكنّك إذا ما أمعنت النظر، وتفحّصتَ الآيات المتسقات المنساقات بعضها إلى بعض، عرفتَ أن محمّدا صلى الله عليه وسلم يُخاطَب في السورة وهو يُعلَّم أنه الذي لم يكن بِدعا من الرسل، ولم يكن التكذيب من قومه بدعا من تكذيب الأقوام، فلقد كان كذلك حال قوم يونس، وما كان عجب قومه من الوحي إليه وهو الرجل منهم بِدعا من عجب الأقوام، وكذلك قد عجب قوم يونس من الوحي إلى رجل منهم !
يُعلَّم ونعلَّم من خلاله أنّ الرسالة واحدة، والدعوة واحدة، وأن الأرض قاطبة بما مرّ عليها وبالنور الذي أنزِل إليها حاضرة في هذه الرسالة، في هذه الجامعة الشاملة المهيمنة !
يُخاطَب فيها محمد صلى الله عليه وسلم، وما جرى على يونس يؤنس الخطاب إليه ويلازمه... نبوّة يونس تؤنس نبوة محمد صلى الله عليهما وسلم.
وأن يا محمد (صلى الله عليه وسلم) إنك رغم ما تلقى من صدود، ورغم كل ما تلاقيه من الكفرة حولك، ورغم أنهم الكثرة، وأنك ومن معك القلة،  - والسورة مما نزل في مكة وهي المرحلة الأكثر تضييقا على الدعوة، وعلى أهلها -  فانظر إلى مصير قوم يونس !
إنه الذي ذكِر في آخر السورة، من بعد ما عُلِّمتَ أن الهداية لله، وأن الآيات لا تغني عن قوم لا يؤمنون إن هم اختاروا ألا يؤمنوا، وإن شاء الله بعدله أن يحرمهم نعمة الإيمان  : 
{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97)}.
انظر يا محمد إلى قوم يونس وقد آمنوا من بعد ما خرج يونس من بينهم مغاضبا ظانا ألا أمل فيهم وأنهم الأعداء أبدا  !
{ فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98) }
يعلّم نبيّه وكل مؤمن أنّ الهداية لله، وأنّ عجبهم من هذا "الرجل منهم" بأمر الله ومشيئته قد ينقلب تصديقا وإيمانا وتعقلا ونظرا في الحق وفي صدق وأمانة تبليغه له  !  بهداية الله وحده لا بهداية أحد !
في آخر السورة، كما يجب صبر النبيّ إلى آخر نفس من أنفاسه وهو يدعو إلى سبيل ربّه، لا تدري يا "محمّد" لعلّ كل هذا ينقلب إلى إيمان وتصديق، فتؤمن قريتك كما آمنت قرية يونس بأمر الله وحينما أراد الله على غير ما ظن يونس عليه السلام !     ولقد أمِر صلى الله عليه وسلم أن يصبر وألا يكون كصاحب الحوت تحديدا وإن خرج مغاضبا لله.! ألا يكون منه إلا ما يأمر به الله !  : "فاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكظوم"-القلم: 48-
وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن الله : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)}.
وهذا "الرجل منهم"  كما هو المؤتمر بأمر ربّه وحده، كذلك أمركم يا من عجبتم من الوحي إليه وهو منكم، لا يكون إلا بأمر ربكم، وقلوبكم بين أصبعين من أصابعه سبحانه يقلبها كيف يشاء !
فينقلب عجبكم من وحي الله إلى رجل منكم إلى إيمان وتصديق بوحي الله وبأمره، وبأنه الذي بحكمته قد أوحى إلى رجل منكم !
فها هو اسم السورة، وإنه كما يؤنس الاسم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ويثبّته، وهو الذي ينزّل عليه مما جرى على إخوة له هو اليوم عليه يجري، كذلك يؤنسنا الاسم ونحن نعلم أنّ عجبهم ليس بدعا من عجب الأقوام، تماما كما أن إيمانهم أخيرا ليس بدعا من إيمان مَن آمن بأمر الله في قلبه !
ولا يُذكَر يونس وقومه إلا في آخر سورةٍ تحمل اسمه، كما يُعلَّم محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا دوام لعجبهم ! بل إنه الذي سينقلب إيمانا !
ومن بعد "يونس"  تجد "هود" ...  فماذا في اسم "هود" عليه السلام، وماذا في جوّ سورته وفي اسمها لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ؟؟ وماذا في جوّ السورة واسمها لك ؟؟ ماذا في الاسم مع موضوع السورة ومحورها ؟؟ ماذا في استصحاب الأنبياء في سورة هود،وهي التي لا تأتي على ذكر هود وحده  ؟؟
انظر في جنبات "هــــــود"   وطوِّف بأنحائها، وتقلّب في أطرافها، فإنها التي تعجّ بالحركة !
#سورة_يونس
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #301 في: 2026-04-05, 18:01:37 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة هود العظيمة المهيبة؛  سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما من أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن سرّ مداهمة الشَّيب رأسه على غير ما عهده، فأجابه صلى الله عليه وسلم : {شيّبتني هود وأخواتها} !
شيّبته بما فيها من غضب الله على الأقوام، وما ألحقه بهم من إهلاك وعذابات ! شيّبته صلى الله عليه وسلم وهو بعدُ في مكة، وربُّهُ سبحانه يُعلِمه بالنبأ اليقين عما كان مع إخوته الرسل، عما كان من تكذيب أقوامهم لهم وصدّهم وصدودهم وعنادهم ونفورهم من الحق !
شيّبته صلى الله عليه وسلم وهو يرى ما يحيك له قومُه من الكيد وما يمكرون به وبأصحابه، وهو في مكة، حيث تعهّد الملأ من قريش بوأد الدعوة في مهدها، وهم يتربّصون به وبأصحابه، ويسومونهم سوء العذاب، ويذيقونهم ألوان القهر والمذلّة، وهم يتربّصون بمَن يتبعه، بل بمن يفكّر باتباعه ليصدّوه وليصرِفوه عنه، وليشككّوه بما جاء به، وهم يتهمونه، ويصِمونه بالكهانة تارة وبالسحر تارة وبالجنون أخرى !
شيّبته هود صلى الله عليه وسلم، وهو يرى نفسه ومن معه القلّة المستضعَفة المتّبعة المترصَّد لها ولخطواتها؛ فمِن دار الأرقم ثلاث سنوات إلى الجهر بالدعوة، ورؤوس مكة يُزبِدون ويرعَدون، ويتوعّدون ويتهدّدون، وبالكاد يلتفّ حوله صلى الله عليه وسلم العدد القليل القليل، وهم يتربّصون بهم ليفتنوهم عن دينهم بالتعذيب والتنكيل، وبالتسفيه والتعريض، وبكل ألوان الإذلال والإهانة، حتى لا يُبقُوا معه أحدا ... !
شيّبته هود صلى الله عليه وسلم وهو يرى القوم من حوله قوةً وسلاحا وسلطانا ومكانة وتمالؤا، وتواصيا بالضرّ والضرار، وهو يراهم يصرّون على الحنث العظيم، وهو يسمعهم يسخرون منه ويستهزئون بما جاء به : أئذا كنا عظاما ورفاتا أئنا لمبعوثون ؟؟ أوآباؤنا الأولون ؟ !
وهم يتتّبعون خطواته، ويسفّهون كلامَه، ويسمونه مذمّما، ويحثون التراب على وجهه الشريف، ويبصق الذليل المهين في وجهه وهو العزيز الكريم ! والجاهل يلقي بسلا الجَزور على ظهره المنحني ركوعا بين يدي ربّه ! 
شيّبته هود وهم يفعلون بأصحابه الأفاعيل، حتى سألوه يوما وهم الذين بلغت بهم اللّأواء كل مبلغ : يا رسول الله الا تدعو لنا، ألا تستنصر لنا ؟؟ وأحبُّ أصحابه إليه يُوسَع ضربا ووطأ بأقدامهم النّجسة حتى يُقادَ إلى بيته ولا يُشَكُّ في موته، من اجتماعهم على ضرب جسمه النحيف لمّا دعاهم لأن يسمعوا من رسول الله ما يدعوهم إليه  ! 
شيّبته وهو يرى ما يلفح جسمَ بلال من حرّ رمال مكة ومن حرّ سوط أميّة سيّده ليعود عن أحد أحد ! وهو يرى ما يلحَق بآل ياسر على مرأى من عين عمّار !
شيّبته صلى الله عليه وسلم وهو يرى من حوله ما تُريه سورة "هود" من إصرار الأقوام على الكفر، ومن هزئهم برُسُلهم وتجرئهم عليهم، ومن عنادهم ولجاجهم، وسؤالهم الآية والآية، وليت الآية قد أجدتْ معهم نفعها  !
ولقد عرفناها في سورة يونس من قبلها : {إِنَّ ٱلَّذِينَ حَقَّتۡ عَلَيۡهِمۡ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤۡمِنُونَ (96) وَلَوۡ جَآءَتۡهُمۡ كُلُّ ءَايَةٍ حَتَّىٰ يَرَوُاْ ٱلۡعَذَابَ ٱلۡأَلِيمَ (97)} -يونس-
لتؤكّدها "هود" بما جاء من ذكر حال قوم ثمود مع الناقة، فإذا هم  سريعا سريعا ما عقروها، ونحن نرقب فعل حرف الفاء في "فـــعقروها"، فإذا هو دليل مسارعتهم لمعصية أمر الله فيهم، ولمعارضة أمر نبيّهم :
{وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا} .
شيّبته "هود" صلى الله عليه وسلم، وكيف لا تشيّبه وهو على تلك الحال مع القلة المستضعفة المستذَلّة، المترصّد لها كل مَرصَد ! المتربَّص بها كل متربَّص ! والله لا يأذن له في آية حسيّة، وهي ذي هود تعلّمه أنّ الآيات والنُّذُرلا تغني عن قوم لا يؤمنون !
فكيف لا تشيّبه هود ؟؟ !  وهو صلى الله عليه وسلم يرى الطوفان يبتلع مَن على الأرض من قوم ظالمين، ويرى العذاب الغليظ يحلّ بقوم هود، ويرى الصيحة تأخذ قوم ثمود، ويرى عالي الأرض سافلها في قوم لوط وهم يُمطَرون حجارة من سجيل منضود ! ويرى قوم شعيب وكأن لم يغنوا فيها، أخذتهم الصيحة وهم في ديارهم جاثمين !
فكيف لا تشيّبه هود، وهو بعدُ ومَن معه قلّة مستضعفون في قوم جبابرة مستكبرين معاندين مصرّين ؟ !
صلى الله عليك وسلم يا من شيبك ما خفتَه على قومك!
#سورة_هود
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #302 في: 2026-04-06, 08:59:51 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

إنك مع سورة الإسراء ...
فإذا الافتتاح تنزيه لله تعالى عن كل نقص وعن كل عيب، سبحانه الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإذا هي ليلة !
ليلة جليلة القدر، عظيمة المعنى على قصرها وهي ليلة، ليست إلا ليلة !
هي تلك التي أسرى فيها الله سبحانه بعبده مسافة شهر مما يقطعه المسافر !
ليلة أُرِي فيها العبد الحبيب من آيات ربّه، حتى أبلغه مأمنه من بيت المقدس، حيث صلى بالأنبياء والرسل إماما هاديا، تغشى أنوارهم أرجاءَه ، وهي التي قد غشّت الأرض نورا من الله إليها !  مُذ بدأت بمَن بدأ رسولا إلى منتهاها بإمامهم صلى الله عليهم وسلم جميعا .
ومن بيت المقدس إلى السماوات في رحلة جديدة، كان الإسراء منطلقها، رحلة المعراج إلى سماوات الله، حيث أصعِد الحبيب المصطفى سماوات ربّه سماء بسماء ! يُستَفتَح فيُفتَح له  ! حيث الملائكة المستقبِلة والأنبياء وحيث الفرح به والاحتفاء !
وهو لآدم الابن الأبرّ، ولإبراهيم الابن الأبرّ، وهو لموسى ولعيسى ولهارون  ولكل نبيّ الأخ الأجلّ... !
ومن واحدهم إلى الآخر، يلتقيهم ويحدّثهم، وهم به المحتفون !
وفي السماوات فُرضت الصلوات على الأمّة خمسا، توسّلا من الحبيب صلى الله عليه وسلم بين يدي ربّه وقد أرشده أخوه موسى إلى أن أمّته لن تطيق الخمسين ! فيلبّي ربّه مطلبه ويكتب لأمّته الخمس بالخمسين !
ويُدخَل الحبيب الجنّة ويُطاف به في أرجائها، وهو حيٌّ حيٌّ يُرزَق، ما يزال في عِداد أهل الدنيا، يسبق كل خلق الله إليها من قبل أن يأتي موعد الدخول إليها !
ويرتقي صلى الله عليه وسلم السماوات، حتى يبلغ السابعة منها، بل حتى يُزجّ به في النور، ويحتبس جبريل دونه، وهو الذي لا يبلّغه مقامه ما أبلِغ محمّد من مقام ! ويُرى سدرة المنتهى، بل ويُرى وجهَ ربّه الأعلى (على اختلاف في رؤية من عدمها، ولا تعدّ رؤيته لوجهه بعيدة)
 في جلال وهيبة وعظمة وحال هي ليست من طَوق تصوير البشر، ولولا أن نزل خبرها قرآنا وجيء على تفاصيلها في صحيح الحديث لما تصوّرنا كيف تكون الليلة بألف ألف ألف ليلة ويزيد ويزيد !
وأنزِل الحبيب صلى الله عليه وسلم من السماوات كما أعرِج به إليها، والمسرى كان المنزِل، ومنه كان الرجوع إلى مكة كما كان إليه الإسراء !
وكلّه يا صاح في ليلة !   
وإنها لم تكن إلا ليلة ! تلك التي شهِد فيها الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ما هوّن عليه تفاقم الحال بينه وبين قومه الصادين المكذّبين المتمالئين على أذيّته وصحبه، في عام خلا فيه جَنْبُه من أقرب اثنَيْن إلى قلبه، من زوجه خديجة أوّل من أسلم وصدّق، ومن عمّه أكثر من آوى ونصر !
في عام لجأ فيه إلى الطائف ينشد نصيرا بعد شُحّ النصير في مكة، فإذا القوم يحرّشون به سفهاءهم وصغارهم ليرجموه بالحجارة حتى ما يجد على الأرض أين يضع قدمه والحجارة تنهال عليه من كل صوب، فتُدمى قدماه الشريفتان !
في ذلك العام يُسرَى به تسلية له، وإيناسا من الربّ المحبّ لحبيبه وصفيّه، وأنه الذي يُريه ما لم يُرِه أحدا من أنبيائه، بله من خلقه !  فإن كان أهل الأرض قد أذاقوك المَرار واللأواء، فإني إلى أهل السماء أرقّيك حيث التقدير والفرح بك والاحتفاء !
وإنه لا يسعك وأنت أمام هذه العظمة إلا أن تقول بما علّمك ربّك، ولا يسع المعنى إلا كلمات ربّك : {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى }
إنك مع الإســـــــــــــــــراء ...
إنك مع السورة التي جاء فيها ذكر هذا الحدث العظيم الذي اختُصّ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لتجد من بعد تسبيح الله على عظيم قدرته، الحديث عن الكتاب، وإنه كتاب موسى الذي أوتيه لبني إسرائيل  : { وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي ‎وَكِيلًا (2)}
وتأمــــل قَرْن هذا الحدث العظيم بشأن الكتاب العظيم الذي أنزل في قوم لهم وطيد العلاقة ووثيق الصلة بمسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، ذلك المسجد الذي تعاقب عليه الأنبياء، فهو للإسلام منذ عصور الأنبياء السابقين، نبيّا عن نبيّ، وإنه وقف للدين الحق، وما الدين عند الله إلا الإسلام . وما هو في حقيقته المهيمنة الشاملة الخاتمة إلا ما جاء به محمد إمام الأنبياء والمرسلين ! ليكون  بيت المقدس لنا نحن المسلمين امتدادا للإسلام الذي جاء به الأنبياء، والذي ختمه إمامهم محمد صلى الله عليهم وسلم .
ويُقرَن الحدث بالكتاب ...  وهذا شأن السورة فيما هو آت .. فانظر !
لتُعقب آية الكتاب المنزّل لبني إسرائيل بقوله سبحانه :
{ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3)} 
بنو إسرائيل ذرية من حمل الله مع نوح، امتداد النور عبر الزمان ...
كما هو امتداده عبر الزمان نبيا من نبي، ونبيا عن نبيّ .. وصولا إلى محمد صلى الله عليه وسلم وأمّته، امتدادا في الزمان إلى آخر الزمان، دعوةً واحدة، وحقاً واحداً من مشكاة واحدة .. !
وتمضي مع "الإســـــراء"  لتجد حديثا عن تقلّب بني إسرائيل بين قوة وضعف، وتمكين واستضعاف، والله متوعّدهم بالعذاب كلما عادوا لعتوّهم بقوله سبحانه :  {وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)} ...
إلى هذا الحدّ ينتهي الحديث عن حادثة الإسراء العظيمة، مع الحديث عن بني إسرائيل، لينتقل بنا السياق إلى حديث مغاير !
والسورة تحمل اسم الحدث : "الإسراء" ..  وكأنّ الحدث سيُفصّل فيها، أو أن يكون فيها –على أقل تقدير- بين ظهور ثم غياب وغياب  ثم ظهور !
ولكنه لن يعود مرة أخرى، إلا من آية وحيدة سنذكرها ...
فما السرّ الذي يكتنف السورة ؟؟ ما السرّ الذي تنطوي عليه "الإسراء" ؟؟
يا مَن استحضرت حادثة الإسراء العظيمة، وما انبثق عنها من آيات، ومن رحلة المعراج إلى السماوات العُلا سماء بسماء عَودا إلى الأرض في ليلة !
يا مَن تستحضر معي عظمة الحدث، وأنه الذي يستحق أن تنزل بشأنه سورة، تدبّر معي سرّ الإسراء وهي تغيّب الحديث عن الإسراء من بعد آياتها الأولى !
واسمـــــع، اسمع  لربّك :
{إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)  }
القرآن ؟؟ حديث عن القرآن ؟؟ لعلّه حديث آية بين آيات السورة، لعلها آية تتخلّل السورة لتقدّم لشأن آخر !
سننظر، سنرى، سنعرف ...
إنه الكتاب الهادي المبشّر للمؤمنين العاملين للصالحات، المنذر للكافرين عذابا أليما، هذا العذاب الذي يستهزئ به المكذبون حدَّ استعجالهم له، كشأنهم استعجال الخير !  إنه دور القرآن، دور الكتاب الخاتم، وقد جيء على ذكر كتابٍ أول السورة، هو أيضا الهدى من الربّ الواحد المنزل لكل الكتب، وهذا الكتاب الخاتم المهيمن امتداد الهدى إلى آخر الزمان .
ثـــــــــــــــم ؟؟ وبعد ؟؟!
{وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12) }
ما مقام الليل والنهار من حديث عن القرآن بتبشير وبإنذار ؟؟
أليس المبشَّر هو المؤمن المستنير بنور الله؟؟ أليس المنذَرَ هو الكافر المعاند المنكر لليوم الآخر، وهو يصرّ على بقائه في دياجير الظلمات ؟؟
وإنه بالمقابل، "الليل والنهار" ، معنى بحسّ ...  فما وجود كافر ومؤمن في الأرض إلا كوجود ليل ونهار، ضياء المؤمن فيها دليل على ظلمة الكافر، وظلمة الكافر فيها دليل على ضياء المؤمن !
وهما كتلازم الليل والنهار، إرادة كونيّة من الله تعالى أن يتلازما في الأرض كافر ومؤمن ! لــ "سُنَنِيّة" الصراع بين الحق والباطل إلى قيام الساعة !
وإن الحقّ ظاهر تماما كقوله سبحانه في هذه الآية العظيمة: {فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً } ...
وإنه صراع قائم دائم بين الحق والباطل تماما كقوله عن الليل والنهار فيها : {لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} ..
عدد السنين والحساب، إنه الزمان ما بقي، وإنها الدنيا ما بقيت، باق هو الليل وباق هو النهار آيتين لحساب الزمان، وكذلك الصراع بين الحق والباطل ...
ومن آخر الآية  سننطلق ... !
إنها نقطة الانطلاق في السورة، فلنربط الأحزمة !
إن الله يتأذّن بالانطلاق من قوله في آخر هذه الآية :
{ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا }
إنه التفصيل آتٍ... إنه تفصيل في شأن هذا القانون الربانيّ، هذا المنهاج الربانيّ ! "القـــــرآن" ...
ولا تقلق ! لن أنسى علاقة "الإسراء" كحدث بتفصيل في شأن القرآن، إنها للعلاقة الوثيقة الوثيقة... فتريّث !
وهذا قطاع من الآيات يأتي بعد تأذّن الله تعالى بالتفصيل، ولك أن تنظر فيه ... :
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)}
وإنني لن أسهب فيه آية بآية، فهذا مجاله التفسير، ولكنّ مُرادي هو تبيّن تلك الوشيجة وذلك الرابط، ذلك الموضوع الذي يُطرَق، ولمَ يُطرق، لذلك سأحدّث عن آياته إجمالا، وفي هذا الإجمال تقديم للمعنى ضروري وأكيد: 
💎من 13 إلى 15 : إقرار التّبعة الفردية، أي المسؤولية الفردية للإنسان :
{وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)}
🌹(آية 13)** إلزام كل إنسان طائره بعنقه : مسؤوليته الذاتية عن أفعاله وأنه المسؤول عن صدورها منه إن خيرا منه فخير، وإن شرا منه فشرّ .
🌹 (آية 14)** كل ما يفعله الإنسان باختياره بين خير وشر، وكفر وإيمان وحق وباطل وصلاح وطلاح، مسطور في كتاب لا يضلّ ولا ينسى، يُعرَض عليه يوم القيامة ليقرأه بنفسه، وكأنما -وهو المحفوظ كل عمله- المحاسب لنفسه بنفسه !
🌹 (آية 15)** من اهتدى فلنفسه اهتدى، ومن ضلّ فعليها.
🌹 (آية15)** لا يتحمّل أحد ذنب أحد، ولا يأخذ الله أحدا بذنب آخر، كلّ محاسَب بما قدّم هو لا بما قدّم غيرُه.
🌹 (آية15)** من تمام عدل الله تعالى أنه لا يعذّب  دون أن يبعث رسولا مبيّنا هاديا بشيرا ونذيرا.
💎فانظر أول التفصيل الذي تأذّن الله به في هذه السورة، إنه قانون التبِعة الذاتية، المسؤولية الذاتية للإنسان على أعماله مفصّلا، وقد جاء به القرآن ..
ومن بعد قانون التبِعة الفرديّة للعبد، يأتي الله على ذكر قانون الجماعة، وقد سُبق بكل ذلك العدل في حقّ الفرد (في قانون التبعة الفردية الذي عرفنا من 13 إلى 15)  ... فانظر في قانون الجماعة الذي هو وليد قانون الفرد :
{ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16) وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17)}
لا يهلك سبحانه بظلم، بل بما أقرّ من قانون للفرد يحميه(التّبِعة الفردية الذي عرفنا أعلاه) وِفق ما أوتي من اختيار يخوّل له مسؤولية ذاتية عن نفسه، بالعقل الذي كرّمه به، وبالفطرة التي أودعها فيه، وبالرُّسُل الهُداة، وبالكتب الهادية . ووفق هذا القانون العادل، يكون للجماعة من الله ما يكون، فلا تُهلَك القرى إلا وأهلها ظالمون.
💎فحتى الآن عرفنا قانون التبِعة الفردية يقدّم لقانون معاملة الجماعة .
ثم انظر آخر التفصيل في قانون المسؤولية من هذا الكتاب العظيم، من القرآن :
{مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18) وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20) انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)}
إنك أيها الإنسان معَلَّمٌ أنك لم تجئ للدنيا لتنتهي بانتهائها، بل ستنتهي هي وستبدأ حياة لك أخرى، هي الحياة الحقة، وانتبه لما يقرّ الله من قانون لمن أراد الدنيا ولمن أراد الآخرة من عباده :
{كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)}
سيعطيك الدنيا يا طالبها، وسيعطيك الآخرة يا طالبها، فانظر أيّ طالب أنت ! وأيّ مطلوب هو مطلوبك ! وهو سبحانه يزيد فيبيّن لك -في سياق تبيينه الدائم- الأبقى والأفضل :
{انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21)} .
💎وإنك انتهاء عند هذه النقطة، ستنطلق انطلاقة جديدة من نقطة جديدة، انطلاقة أخرى، وهي أيضا في شأن القرآن ...  وقد كنت في انطلاقتك السابقة مع التفصيل في قانون العمل الذي أقرّه القٍرآن للإنسان فردا، وللجماعة ....
ومن بعد القانون العام الذي مداره أن العمل منك، والاختيار منك، وأنك المحاسب على ما تقدّم، وأنك لا تزر وازرة غيرك، وأن ربك لا يعذب بظلم بل حتى يهدي برسول وبرسالة ...
سيأتي ما هو أكثر تفصيلا في اللاحق من الآيات ...
وانظر يا يرحمك الله، ليبقَ ذلك السؤال ملازمَك ... أن ما شأن حادثة الإسراء في آيات معدودات استغرقت من السورة كلها صفحة واحدة، بكل هذا الذي نعرفه من قوانين القرآن العامة، وما هو آت من قوانين فيه متفرّعة ...
وحتى لا أطيل أكثر ...  بإذن الله تعالى سأخصص يوم آخر للجزء المتبقي الباحث في سرّ الإسراء ...  وربما يكون غدا إن شاء الله تعالى .
وحتى نلتقي أدعوكم للنظر في القطاع من الآية 23 إلى الآية 39.

يتبع.....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #303 في: 2026-04-06, 09:00:54 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ربما سترونه منشورا طويلا، ولكنني توكلت على الله، ووضعته بكَلّه وكلكله ولم أقطّعه، لأنّ قطع المتصل فيه نشاز لا يليق بسرّ الإسراء !
وإنني لا أدعوكم لتقرؤوا لأجل أنني من كتب ولا لأجل ما كتبت، بل أدعوكم وأسألكم أن تقرؤوه لعظمة القرآن لا لشيء غيره، ولتذوقوا مما ذقت فإن ما ذقت لممّا يقال فيه : "يا ليت قومي يعلمون !"  !
فاقرؤوه فضلا  لا أمرا  !
كنا –في المنشور السابق لهذا- قد بدأنا في سبر غَور "الإسراء" تنقيبا عن السرّ الذي جعل الحديث عن حادثة الإسراء فيها مقتصرا على عدد من الآيات قليل، فما تلبث أن تنقلب منها إلى إسهاب في أحاديث مخالفة، حتى لكأنّك لست مع سورة حملت اسم الحادثة !
وسريعا أذكّر بما عرفنا؛ فمن بعد ذكر دور القرآن الكريم في البشارة للمؤمنين والنذارة للكافرين، ومن بعد مقام آيَة الليل والنهار المومِئَيْن للإيمان والكفر في الأرض، دواما للصراع بين الحق والباطل كما يدوم النهار بضيائه والليل بظلمته، إلا أنّ الله كما أقرّ فيها محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، فقد أقرّ نصر الحق وأهله ودحر الباطل وأهله ...
1-)🌹عرفنا بعدها انطلاقة أولى تأذّن بها قوله سبحانه :  {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا}  لتفصيل جاء فيه أول ما جاء نصوص قانون ربانيّ وجوديّ للإنسان فردا وجماعة، فكان قانون مسؤوليته الفردية عن عمله وعن الجزاء عليه(من13إلى15)، مقدّما للقانون الربانيّ الماضي في الجماعة(من16إلى 17) .
2-)🌹 كما أقرّ بعدها سبحانه التصوّر الإسلامي لوجود الإنسان في الحياة، ببيان عطاء طالب الدنيا طلبه وطالب الآخرة طلبه، وببيان أفضلية الحياة الأخرى على الدنيا. (العودة إلى المنشور السابق حيث التفصيل).
3-)🌹 لنأتي الآن على انطلاقة جديدة في السورة أكثر تفصيلا، انطلاقة تُبنى على ما أقرّ سبحانه في الآيات السابقة من قانون المسؤولية الذاتية عن العمل والجزاء عليه لينبني عليه ما هو آت في هذه الآيات :
{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }
💎إنه الآن في هذا القطاع من الآيات، قانون الأمر والنّهي الإلهِيَّيْن، قانون افعل ولا تفعل الذي أقرّه القرآن، من بعد بسط قانون العمل والجزاء بأن كل إنسان مسؤول عن اختياره بالامتثال والطاعة أو بالإعراض والمعصية، وأنه لا يزر وِزر غيره، بل يُحاسَب على ما أتت نفسُه، وبأنه سيلقى كتابه منشورا وقد سُطِر فيه كل ما قدّم من عمل، وأنه لا يعذَّب ولا يعاقَب إلا وقد بعث الله له رسولا هاديا مبيّنا. 
تمام العدل والبيان لمن كرّمه الله بعقل يُعمَل ويَعمَل !
وبناء على ما أقرّ كقاعدة للعمل والجزاء، نجدنا مع قانون الأمر والنهي(قانون التكليف)، وقد جاء فيه باختصار وعلى الترتيب :
🌹(من 22 إلى 25)**  الأمر بألا يُشرَك بالله معبود . وهو رأس أمر الإنسان في الأرض وغاية وجوده فيها، ثم التأكيد على إفراده سبحانه بالعبادة، مقرونا بالإحسان للوالدين، توحيد الموجِد متبوعا مباشرة بالإحسان لسبب الوجود (الوالدان).
🌹(من 26 إلى 30)** الامتداد لتحقيق مفهوم "المجتمع"، خروجا من الخليّة الأساسية(الأسرة) إلى الخليّة الأكبر (المجتمع المسلم) عبر التكاتف الاجتماعي لتحقيق المساواة وتواضع الأخ لأخيه، مرتّبة من الأقربين إلى من بعدهم من أهل الحاجة، مع تعليم العطاء العقلاني بعيدا عن التبذير الشيطاني. وترسيخ عقيدة الرضى بتصرّف الرازق سبحانه في العطاء بين بسط وتضييق.(التعاطي المجتمعيّ وِفق هدايات الوحي لتحقيق العدل).
🌹(من31 إلى 33)** النهي عن القتل بأنواعه، قتل الولد خشية الفقر وهو من أفعال الجاهلية، وعن الزنى وهو مؤهل القتل المعنوي للولد منه، وعن قتل النفس بغير حق.
🌹(من 34 إلى 37)**  النهي عن أخذ حق الغير من مال يتيم أو مما هو مستحق لصاحبه، وعدم الافتراء على الناس بغير علم("ولا تقفُ ما ليس لك به علم" : وهي هنا مسؤولية عقلية تكرّم العقل وتصونه، فلا يلقي بكل ما يعرف دون تثبت ولا أصل سليم) والنهي عن التكبر في الأرض. (تأمّل التأكيد على تحقيق المساواة وإبعاد التفاوت عبر النهي عن التكبّر).
ليُختَم هذا القطاع بقوله سبحانه:
{ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }
ولنتأمل : " ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ "، تأكيدا على أنه قانون الوحي الربانيّ، على أنه قانون "القــــــــــــــرآن"
إذن، فمن القانون القاعديّ للعمل والجزاء، ممثلا في التبِعة الفردية والجماعية، إلى  إقرار تصوّر أفضلية الآخرة على الدنيا، إلى قانون الأمر والنهي(قانون التكليف) . كل هذا كان التفصيل الذي منبعُه القــــرآن .
اجمَع عندك حتى الآن من ألفاظ السورة ذاتها ما جاء عن القرآن :
💎"إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
إنهما عن القرآن، وعن قوانينه !
وأحبّ أن أشير إلى ملحظ مهم في هذا القطاع من الآيات، الخاص بقانون التكليف افعل ولا تفعل،  وانظر -يا يرحمك الله- إلى بديع نظم الله تعالى لآياته العظيمة...
ألم يبدأ القطاع بقوله سبحانه : { لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) } ، وانتهى بقوله سبحانه : { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }.
الإشراك خسار وبوار في الدنيا وفي الآخرة معا ... التوحيد، الأساس الذي عليه تنبني التكاليف، والسقف الحافظ لعمل الإنسان كلّه .
والآن،  امضِ مع السورة وليلازمك التساؤل عن قَصْر الحديث فيها عن حادثة الإسراء على بعض آيات، بينما تُعنى آياتها الأخرى بشأنٍ غيرها !
سنجد حديثا يفصّل في شأن توحيد الله سبحانه الذي عرفناه أساسا وسقفا حافظا :
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)}
واجمع معي وأنت في طريقك، اجمع معي إلى لفظ "القرآن" من السورة، وأضف هذه إلى السابقتين :
💎  "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
ثم ستجد شيئا من الإسهاب عن الإيمان باليوم الآخر مفتَتَحا بالقرآن، فتأمل:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)}...
إنها العلاقة الوثيقة بين إنكار الآخرة وإنكار القرآن بالتعدّي، لتجدك بإزاء قاعدة تقرّ أنّ إنكار الآخرة أكبر دافع لإنكار القرآن كلّه ...
فاجمع معي لنحصّل حتى الآن :
💎 " إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
💎  "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
💎  " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ..."
ثم يستمرّ بيان أحقيّة اليوم الآخر ودحض دعاوى منكريه، مع دحض دعوى الإشراك بالله تعالى في عدد من الآيات، جاء منها :
{ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) }
كما جاء قوله تعالى : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56)}
بلوغا إلى مخاطبة المشركين في شأن سؤالهم الآيات الحسيّة،(هنا الذي أعنيه بالآيات هو المعجزات، لأن القرآن لا يسميها معجزة بل آية) يدّعون أنها التي تنقصهم ليؤمنوا، ليبين الله بعدها خلوّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منها، في قوله :
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) }
إن الآيات من الله (المعجزات) لم تكن إلا لتخويف العباد حتى يرتدعوا، وهم إذ أرسلت فيهم فكفروا بها، كان الأخذ الشديد منه سبحانه، كما كان مع قوم ثمود والناقة.
ولقد بلغنا من مرادنا مبلغا... بلغنا مفتاحا من مفاتيح سرّ "الإسراء" مضافا إلى ما جمعنا من تلك الألفاظ (لفظ القرآن المتكرر كما عرفنا).
إنه الحديث عن الآيات التي كان المشركون يلحّون في سؤالهم إياها، مقابل حادثة الإسراء العظيمة التي كانت آية لم يُرَها المدعوّون كعادة الحال مع المعجزات يُعضَّد بها الرسل في أقوامهم، بل أرِيَها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده !
ولقد كذّبه صلى الله عليه وسلم قومُه عندما حدّثهم بما رأى في ليلة الإسراء، وهي التي ما جعلها الله تعالى إلا فتنة واختبارا لهم أيصدّقونه  أم يكذّبونه كعادتهم :
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) }
فكان منهم التكذيب، بل افتُتن من المؤمنين مَن افتُتن .
ثم تأمّل، بمَ قرن الله الرؤيا (أي ما رأى رسول الله في الإسراء) ؟؟
لقد قرنها بالشجرة الملعونة في ""القرآن"" ... !
تلك،  شجرة الزقوم التي ذُكرت في القرآن، فكذب بها المشركون، واستهزأ بها من استهزأ ! إنه الخبر يُذكَر في القرآن يُكذَّب، وإنه القرآن يُكَذّب بكل ما جاء فيه من أخبار الجنة والنار، والجزاء والعقاب واليوم الآخر والبعث من أساسه ! كلّه خبر القرآن المكذَّب !
وإن حادثة الإسراء بما فيها من عظمة ومن تفرّد لا يكون إلا من عند الله سبحانه الذي هو على كل شيء قدير، جاء خبرها في القرآن !
القرآن الذي يُكَذًّب ويُكَذّبُ خبره، وإنه الأعظم من كل عظمة ! وإنه هو الآية الحقة ! بل هو آية محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة، هو معجزته التي لا تنتهي، بينما قد انتهت معجزات كل الأنبياء !
يا الله ! ! لقد فُتِح لنا بما جمعنا من مفاتيح !
فُتح لنا باب ولجنا منه إلى سرّ الإسراء !
من القرآن فُتح لنا، من سورة الإسراء ذاتها، من عموم اعتناء السورة بالقرآن، وهي التي تذكره أول ما تذكره أنه الذي يهدي للتي هي أقوم، وأنه الذي يبشر مؤمنا وينذر كافرا، ثم تستطرد آياتها تلقي إلينا بالقوانين القرآنية مفصّلة، قانون العمل والجزاء، التَّبِعة الفردية والتبعة الجماعية، يتلوهما دستور الأمر والنهي، دستور التكليف الذي انبنى على تلك القوانين الأساسية !
كله من القٍرآن، كله جاء به القرآن ! كله خبر القرآن !
إن سورة الإسراء تصدع أنّها عن القرآن، جنبا إلى جنب مع الحدث العظيم، مع الآية التي خُصّ بها رسول الله (حادثة الإسراء)، لتعلمنا سورة الإسراء أن الآية العظمى إنما هي القرآن ... !
وأنْ يا أيها الذين تكذّبون بالقرآن وتشترطون الآيات الحسيّة لتؤمنوا، إنما أنتم تفترون وتكذبون !
{ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَـنْ قـَوْمٍ لا يُـؤْمِنُـونَ} -يونس: 102-
لن تغني عنكم الآيات، لن تنفعكم، ولذلك كانت آية رسول الله ومعجزته القرآن، وهو الآية العظمى التي لا تنقضي ! لا ينقضي العجب من عظيم هداها، وما جاءت به من كمالات السموّ الإنساني، ومن تمام الغائية الوجودية ! ومن حقيقة الوجود والإيجاد !
ثم تستطرد آيات "الإسراء"، فتذكر إبليس -عليه لعائن الله- وما كان من من استكباره عن أمر الله ومن توعّده إضلال الناس، إلا عباد الله المخلصين، وهو عدوّ الإنسان الأكبر الذي جاء خبرُه في القرآن ليتسلّح المؤمن بما يجب لمجابهته !
ثم يُذكَر سوقه للغاوين إلى الإشراك به سبحانه، سبحانه الذي بيده كل شيء، وقد كرّم عبده : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) }
وكلّ هذا من معجزة القرآن العظيمة، من "آية" القرآن التي لزمت محمدا صلى الله عليه وسلم، فكانت الهدايات فيها من كل لون !
لتلتقي في عرض الآيات مرة أخرى بقوله :
{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) }
إنه الذي أوحاه سبحانه إليك، إنه معجزة القرآن، في سورة الإسراء، في سورة الحدث العظيم، والآية العظيمة التي خُصّ بها رسول الله الحديث عن القرآن لا ينقطع ! ومن أكثر من زاوية، ومن أكثر من جانب؛ من جانب قوانينه وتكليفاته وهداياته، ومن جانب بسط تصوّره للوجود، ومن جانب حقائق العداوة والإضلال المترصّدة للإنسان، ومن جانب مُراد الكافرين به وبأهله !
واجمَع لفظ القرآن من السورة، فإنك حتى الآن مع :
💎 "إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
💎"وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
💎  " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ..."
💎 "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ".
أضف إليها من قوله سبحانه بعدها :
{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) }.
أضف إليها من قوله سبحانه بعدها :
💎{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)}
وهو القــــــرآن الحق المزهِق للباطل ...
أضف إليها قوله سبحانه بعدها :
💎{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } .
ثم أضف إليها، أضف هذه وعِش في جوّها الرائع المتفرّد، عش في جلالها وجمالها ولا تمرّ بها مرورا ! أضف من هذا الجلال والجمال والعظمة في قوله سبحانه :
💎{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) }
الروح كما هي أمر ربي وحده سبحانه، وكما أن إذهابها بيده وحده سبحانه لا بيد أحد غيره، فكذلك الذي أوحي إليك، هو منه وحده لا من غيره، ولئن شاء ليذهبنّ به، ولا يذهب به إلا هو وحده لا غيره سبحانه !
إلا أن رحمة ربك قضت ألا يذهب به، بل أن يبقى روحا لهذا الوجود، وللغاية منه، ليبقى النبض والحياة والأصل، ومن غيره هو الموت وإن تراءى لك المحرومون منه متقافزين مستعلين  !!
أضف إليه عن القرآن العظيم، عن المعجزة العظيمة التي لا تنتهي كانتهاء المعجزات، أضف  هذه العظمة..عن القرآن يا يرحمك الله، عن القرآن :
💎{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) }
لن يأتي به غيره سبحانه، ولا يذهب به غيره إن شاء، ولا يستطيع أن يأتي به غيره وإن اجتمعوا إنسا وجنّا !!
فانظر .... !! أي معجزة هي أعظم ؟؟ !  أي آية هي أبهر وأعظم وأدوم ؟؟ !
 أهي حادثة الإسراء التي من عظمتها افتُتِح الحديث عنها بتسبيح الله ! لا ليست حادثة الإسراء بأعظم من القرآن وهي العظيمة الفريدة !
لا والله ! بل القرآن أعظم وأعظم وأعظم !
هل عرفت الآن سرّ الإسراء ؟؟ هل عرفت سبب اقتصار الحديث فيها عن حادثة الإسراء على عدد معدود من الآيات قليل قليل، لتجد بعدها كل الحديث عن القرآن !!
وما يزال من حبات الجمال حبات يا صاح !  ما يزال !
فاسمع لهم وهم يشترطون الآيات(المعجزات)، واربط قطاع الآيات الآتي بحادثة الإسراء، وهي وحدها أعظم من كل آية، من كل معجزة يتصورونها ويشترطونها !
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)}
ثم اربط كل هذا بالقرآن ....  بمعجزة القٍرآن العظيمة، في سورة اسمها عن واحدة من أعظم الآيات !! 
فعنه هم معرضون، وهو الذي قرنه الله بحديثه عن الروح في آية الروح التي سبقت، بل ووصفه بالروح وصفا لفظيا في قوله تعالى :
{ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)} -النحل-
ما يزال من الجمال حبات ! ما يزال من جمال الحديث عن القرآن في سورة الإسراء، فاسمع :
💎{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)}
ثم أضف إلى ما جمعتَ ! بالله عليك أضف :
💎{وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)}
بل وأضف أيضا من الجمال جمالا :
💎{قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}
آمنوا به أو لا تؤمنوا به ....... !!
هو وعد ربنا من قبل أن ينزل، وقد نزل !!
فأي معجزة هي أعظم منه ؟؟ أيها ؟؟؟ لا معجزة ! لا آية أعظم منه !
وإنه السرّ في الإسراء ... ! في الإسراء خاصة، وهي سورة عن آية عظيمة !
ثم أنصتوا للصدّيق رضي الله عنه وهو يقول بما قالت "الإسراء"؛ سورة "الإسراء" وهي تحمل اسم حادثة الإسراء العظيمة تعظّم القرآن على كل آية، وتجعله الأحقّ أن يُصدّق خبرُه وكل ما جاء فيه وهو بتلك العظمة التي جاءت عنه !
أنصتوا للصديق يا يرحمكم الله ، حين ردّ على من جاءه بخبر محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عما حصل معه مُسرًى به إلى بيت المقدس ومنه إلى السماوات، ثم عن عودته إلى مكة في ليلة واحدة؛ قال رضي الله عنه:
(((لقد صدقته فيما هو أعظم ! صدقته في خبر السماء ينزل عليه !! )))
لقد فقهها الصديق، إن خبر السماء إليه أعظم،  أعظم بكثير! ولقد جمع في كلماته هذه العظيمة سرّ الإسراء !!
فآمنوا به أو لا تؤمنوا، إنه الحق قد ظهر، وإنه الآية العظمى التي لا تُعلى عليها آية، وإنه في سورة الإسراء يُعلَى ويُسهَب عنه لأنه الآة الحقيقة بالانبهار، وبالإسهاب، وهو الذي فيه مما ليس في شيء، وهو المنزَل بالحق، وبالحق قد نزل  !
#سورة_الإسراء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #304 في: 2026-04-06, 09:01:30 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

رجلان صاحبان، ولأحدهما جنّتان، وهما الرجلان في كل زمان، صاحب جنة وصاحب إيمان !  :
{وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا (32)}
وأي جنّتين هما أي جنتين ! أعناب ونخل وزرع .
{كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡ‍ٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا (33) }
أعطت كلتاهما خيرها موفى، ولم تنقص شيئا، بل لقد جيء بــ : "لم تظلم" ولم يُجأ بـ : "لم تنقص" .. مناسبة لما سيكون من ظلم صاحبها نفسَه !
{وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا (34)}
ولقد كان له خير ومال زيادة على الجنتين؛ وهو ذا يحاور صاحبَه، والصاحب ليس بالبعيد، بل هو المقرّب، دائم الصلة بصاحبه، ولقد كان صاحبه أقل منه مالا...
هو ذا يعميه الزهوّ بما هو فيه، وتُطغيه النعمة، فتلبسه ثياب الغرور والكبر  ! ويا ما أشدّ الابتلاء بالخير !
{أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا}
الاغترار بالمال والعزوة بالولد والعشيرة والأنصار !
لقد قالها لصاحبه، وكم من الناس يقولها دون أن يتلفظ بها، يقولها بحاله لا بمقاله، يقولها بتأفّفه ممن هو أقل منه مالا ونفرا، يقولها بتكبره على من هم أقل منه مالا ونفرا !
يقولها بمَيله لأهل المال والجاه والسلطان، يرضى بما يكون منهم، فحقهم حق وباطلهم حق، ويزدري الفقير والمسكين وقصير ذات اليد، ولا يراه أهلا لأن يُصاحَب، في دنيا الصاحب فيها مَن يقضي لك حاجات الدنيا، فإما هو السلطان، أو هو المال أو هو الجاه، أحدها أو كلها فيه، ذاك ما يجعله الصاحب والمقرّب، وهو الذكيّ الفطِن اللبيب إذ يُحسن اختيار أصحابه !
وها قد بلغ به العمى مبلغَه، ها قد ملأتْ عليه جنّتاه قلبه وعقله وكيانه كلّه !  ها قد استوطنتا قلبَه، واستولتا عليه، فنسي المنعِم، وأقبل على النعمة يعبدها، نسي المسبّب وأقبل على السبب يراه الفاعل بنفسه  !
ويا وَيْحَه ! لقد عبدها من دون المنعم، فهي اليوم إلهه !
ها هو،  وهو لا يعلم،  يُقبِل بكل قوة على ظلم نفسه :
{وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا (35) }
لقد قالها ! ولقد قتلتْه إذ قالها !  لقد قتل نفسَه وهو يقتل إيمانَها !
أيبيد كل هذا ؟ ! أيأتي عليه يوم ولا يكون شيئا ؟ ! أكل هذا الخير ؟ ! أكل هذا الثمر؟ أكلّ هذا الخضار وهذا النماء وهذا الجمال ؟؟ أكل هذا المال يبيد يوما  ؟ !  لا بدّ أنه الخالد الذي لا يبيد ! لا بدّ !
ها هو يزداد ظلما على ظلم لنفسه :
{وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ}
أيّ ساعة ستقوم فإذا كل هذا بائد  فلا شيء ؟ ! 
وإنه ليقولها كثير من أصحاب الجنان في هذه الدنيا !
ليست جنان الزرع والنخيل والأعناب، بل كل جنّة من رفاه الدنيا وخيرها وتقلّب صاحبها في النعم بألوانها ! إنه ليقولها، قد يقولها مُسمعا بها، وقد يقولها لنفسه ويقولها، حتى تتمكّن منه، وإن القول الذي يُلقى للنفس ويُلقى لأشدّ على الإنسان مما يُلقيه على الناس، يكفيه أن يلقيه على نفسه حتى وإن لم يسمعه الناس منه قولا، حتى وإن سمعتَه يقول بغيره أو بعكسه ! يكفيه قتلا للإيمان في قلبه أن يعبد "جنّة النعمة" من دون الله ! فيخوض لأجلها كل مخاضة، وهو لا يلوي لا على حلال ولا على حرام !
{ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا (36)}
تدرجا في الغرور والبطر والكبر وعبادة النعمة والعمى عن المنعم، هو ذا يبلغ أن يستهزئ بالبعث والانقلاب إلى الله ! فحتى على فرض أن أردّ إليه، لأوتينّ ما هو خير منها، فأنا يا أنا !  الأهل لكل هذا الخير في الدنيا، لا يليق بي إلا أن أبقى أهلا لكل الخير  !
{قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا (37)}
إن صاحب الجنتين لم يقل أنه الذي كفر بالله، لم يعلن الكفر ! ولكن صاحبه المؤمن، الذي لا تستعبده الدنيا، يكفيه ما قال ليفهم أنه منه الكفر، لا شيء غير الكفر !
إنه لم يردّ عليه في إطار ما حدّث به، لم يردّ بنفي ما قال في جنّته، أنها التي لن تبيد، لم يردّ عليه، أنها البائدة لا محالة، وأنها الذاهبة، بل استنكر منه الكفر مباشرة ! لأنه كفاه أن يسمع منه اعتقاد عدم بيد جنّته ليفهم استيلاءها على قلبه، وإذهابها للإيمان منه.
كفاه ما قال ليفهم أنه الذي صار يعبدها من دون الله.
{أَكَفَرۡتَ بِٱلَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رَجُلٗا}
حتى وهو يستنكر منه الكفر، لا يُحدّثه عن الجنة وهي موضوع حديثه الأول، بل يحدّثه عن نفسه، لم يقل أكفرت بالذي أعطاكها ونماها وأنبت زرعها وآتاك ثمرها ...  لا ! بل حدّثه عن نفسه !
أنت أيها الإنسان، أنت محور الوجود، أنت الأكبر عند الله، أنت الذي سخّر لك كونَه، أنت الذي أنعم عليك بما هو مسخّر لك، أنت الذي كرّمك بالعقل، وجعلك سيد مخلوقاته، وأسجد لك ملائكته، وأسكنك جنّته، وما أهبطك منها إلا وهو يعرّفك عدوّك ويعلمك أنّها ليست قرارك الأخير !  : { وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ } ... وجعلك في الأرض خليفة !
أنت الأكبر من النعمة التي أكبرتَها ! أنت الذي خلقك لتكون محور الوجود . ولذلك جاء أول حديث الصاحب المؤمن لصاحبه عن نفسه لا عن جنته !
{لَّٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّي وَلَآ أُشۡرِكُ بِرَبِّيٓ أَحَدٗا (38)}
إنها القضية المحورية التي لم يُطل الصاحب ولم يتحيّن الطرق المؤدية إليها، بل سلك إليها مباشرة، ودون مقدمات ! فإما أن تكون أولا تكون،  ليس بمفهوم الفلاسفة الماديين،  بل بمفهوم التصور القرآني،  أن تكون مؤمنا أو ألا تكون!
هو الله ربي، ولا أشرك بربي جنة ولا جنتين، لا أشرك بربي دنيا ببهرجها وزينتها وشهوتها.
وهذا حال المؤمن في كل زمان ! إنه الذي لا تستعبده الدنيا، ولا يشركها بربّه !
وهكذا هما رجلان في كل زمان، رجل عبد لجنة النعمة والألوان، ورجل عبد للمنعم المنان .
فاللهم ثبتنا ولا تجعلنا ممن تنسيهم النعمة المنعم .
#صاحب_الجنتين
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #305 في: 2026-04-06, 09:08:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة إبراهيم العظيمة !
سورة جاء فيها عن القرآن، وعن دور الرسول صلى الله عليه وسلم في الناس، وعن إيمان من آمن وعن كُفر مَن كفر...
وجاء فيها عن الرُّسُل عموما وعن دعوتهم في أقوامهم وعن ردّ فعل أقوامهم، وعن سياقات متصلة  ..
فماذا ترى من خصوصيّة في السورة ؟؟
ابدأ، فإنها تبدأ  بقوله سبحانه:
"الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (1)"
انظر في هذه الآية، فإذا هي ذاتُها محوريّة جامعة شاملة، يخاطب الله فيها نبيّه عن الكتاب الذي بُعِث به، فيصفه وهو يصف الكتاب ! :
" كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ "
إنك يا محمد بالقرآن، وإن القرآن بك، فهو ذا دورُك بـــ"الكتاب" الذي أرسِلتَ به، أن تُخرج الناس من الظلمات إلى النور !
وإنك لن تُخرجهم من الظلمات إلى النور بحَولك أو بقوتك، لن تهديهم إلى النور بمَلكِك، بل بإذن ربّهم وربّك الهادي، الذي لا يهتدي من يهتدي إلا بمشيئته سبحانه في قلبه...  فإلى أين ؟ :  " إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"
إلى صراط العزيز الحميد؛ وقد جاء هذان الاسمان من أسمائه الحُسنى تحديدا : " الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ " .
فإخراج الناس من الظلمات إلى النور قضيّة محورية أساسيّة في دعوة الله عباده عَبْرَ رُسُله، إلى صراطه وهو سبحانه "العزيز" الذي لا يُغلَب، و"الحميد" المستحقّ للحمد والشكر على عظيم مَنّه ووافر نِعَمه .
فإذا تأمّلتَ "وظيفة" رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، مع المَبْلَغ الذي يُراد الإنسانُ أن يُبلَغَه : "صراط العزيز الحميد"، وجدتَ السورة تتسق وهذين الخطّين الأساسيّين ..
فانظر مثلا إلى ذكره سبحانه لنبيّه موسى وبماذا يذكره في هذه السورة تحديدا :
"وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (5)"
تأمّل ذكره لهذا الدور الخاصّ الذي دُعي به رسول الله ، كما ذُكِر به موسى صفة ً دون غيرها من الصفات، تدليلا على أنه دورك يا "محمد" كما كان دور كل من سبقك من إخوتك الرّسل :
" أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ " ....
إلا أنك يا محمد ستخرج كل الناس:  " لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ "؛  بينما كان في موسى  : "أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ"
ثم تأمّل بمَ دُعي أيضا عليه السلام : "وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ "
ذكّرهم بأيام الله على بني إسرائيل، بأيام النصر والمنعة والإنعام؛ وهي ما يصبّ في اسمَي الله تعالى : "العزيز" الذي لا يُغلَب، و"الحميد" الذي يستحق الحمد على جليل نعمه، على نعم لا يؤتيها غيرُه !
ليُعزَّز هذا المعنى بالآية الموالية، وموسى عليه السلام يأتمر بأمر ربّه أن يذكّرهم بأيّامه،  فيذكّرهم قائلا:
" وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (6) " 
إنعام الله "العزيز الحميد" بنصرهم وتنجيتهم .
بل لتُعزَّز أكثر وتؤكد بالذي يليها : 
"وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) "
شكر المنعم الناصر سبحانه، فهو  "العزيز الحميد"
ثم تُذكِّر السورة بأحوال الرّسل من قبل رسول الله ومن قبل موسى، عليهم جميعا صلوات الله وسلامه، فتعرض لنا الآيات حوارا بين الدعاة والمدعوّين، بين الرُّسل ومن أرسِل إليهم ...
ولا تنفكَّ ناظرا في خَطَّي السورة الرئيسيين  : (-1/ دور الرسل في الإخراج من الظلمة إلى النور)  و (2-/ تبليغهم الناس صراط العزيز الحميد الذي ينصر وينعم ويستحقّ الحمد على إنعامه).
انظر إلى هذين الخطَّيْن، والحوار قائم بين الظلمة والنور، بين الساعين للإخراج من الظلمة، وبين من يصرّ على البقاء في عتمتها وفي دياجيرها :
💎أصحاب النور: جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ .
🌑أصحاب الظلمة: فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ .
💎أصحاب النور : أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى (أي ليخرجكم من الظلمات إلى النور، وليُنعِم عليكم).
🌑أصحاب الظلمة: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (بلا عقل، يصرّون على البقاء في دياجيرها).
💎 أصحاب النور :  إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (11) وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آَذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (12) .(توكّل وصبر يعزّزان الهداية)
🌑أصحاب الظلمة : لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا. (اختاروا أحد أمرَين أن تعودوا لما نحن عليه من ملّة آبائنا، أو أن نخرجكم من أرضنا) .
فماذا كان  بعد الحوار بين وميض النور وحلكة الظلمة ؟
إنـــــه قد جاء أمر ربّك :
"فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ "
إنه العزيز !    إنه الحميد !
وتذكّر ولا تنسَ .. لا تمضِ مع السورة دون أن تعود إلى صدرها الأول، دون أن تربط آياتها بما سبق وبما يلحق !
تذكّر :  " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7)  " 
وتذكّر الخطَّيْن، تذكّر اسمَيه سبحانه اللذَين تصدرت بهما السورة، لترى فعلهما : العزيز الحميد، العزيز الذي لا يُغلَب، وهو سبحانه الغالب على أمره، الحميد الذي يستحقّ الحمد على وافر وافر نعمه .
ثم تأتي الآيات التي فيها مصير الكافرين الجاحدين تترى، وأنت ترى فيها غلبة الله سبحانه، وإنفاذه أمره ومراده في خلقه، فتسمع خلال ذلك تبرؤ المجرمين بعضهم من بعض، بل وتبرؤ رأس الإجرام والإفساد والوسوسة من كل أتباعه : 
"وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22) "
إنه العزيز الذي لا يغلب نورَه ظلمة شياطين الإنس والجنّ !
إنك ترى """العزيـــــز """   بكل قوتها، وإنك ترى النور يهزم الظلمات !   وأنت تسمع أيضا عن مآل من احتضن النور، وصدّق أهله :
 "وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23) "
أُدخِلوا في الآخرة من بعد ما أخرِجوا في الدنيا، أخرِجوا فيها من الظلمات ليُدخَلوا نور الجنّات !
أفلست ترى الخطَّين اللذَيْن سُطّرا ابتداء في السورة قد تساوقت الآيات تحمل مقتضياتهما ومدلولهما وعملهما في الأرض ؟ !
لقد جمعت السورة بين الرّسل، ولقد بينت خطّ سيرهم الموحّد، ولقد أبانت عن إعزاز الله لهم وللنور الذي يحملون، وعن إذلاله لأعدائهم أصحاب الظلمة،  الدَّجْرَى !
ثمّ ! أتدري ما تذكر السورة من بعد ؟؟ انظر لعلّك ترى . أتُراك رأيتَ ؟؟
احمل لرحلتك بين ثنايا الآيات رَحْلَك ! إنه ما اتفقنا على أنه خطّ السَّير، وهو هو محور الرسالة، بل محور الوجود كلّه  ...
من الظلمات إلى النور  ... فإلى أين ؟ !     إلى صراط العزيز الحميد، تذكّر "العزيز الحميد"  تحديدا !
أفتراك رأيت ؟
"أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) "
كلمة كشجرة، وكلمة كشجرة، ولكن شتان بين شجرة وشجرة !!
كلمة طيبة كشجرة طيبة، وكلمة خبيثة كشجرة خبيثة
الشجرة الطيبة أصيلة عريقة، باسقة سامقة ! أصلها ثابت لا يتزعزع، وفرعها في السماء !  وإنها لتؤتي أكلها، بل وكل حين بإذن ربها ! لن ينضب عطاؤها، لن تتيبّس فروعها، لن تقتلعها الريح السَّموم، لن تجتثها الأعاصير ! لن تقوى عليها .
أعقِلتَ ؟ إنها كلمة ... كلمة النور، أصلها نور وفرعها إلى النور، إلى صراط العزيز الحميد !
وكيف لا ؟؟ إنها كلمة النور، إنها : "لا إله إلا الله" التي لن تقتلع، ولن يذهب ريحها، ولن تغيب !
والكلمة الخبيثة المنتنة، تلك كالشجرة الخبيثة، اجتثت من فوق الأرض، تبدو للرائي أنها شيء فوق الأرض، فإذا أنت لمستَ وحقّقتَ عرفتَ أنها التي لا أصل لها، ولا جذور ! إنه لا قرار لها ! إنها كلمة الكفر، الذاهبة لا محالة !
فاذكر ... وهاتِ مما حملت في رَحْلك ! هاتِ من ذَيْنِك الخطَّيْن
إنها " الكلمة الظلمات" التي يُخرَج منها العباد إلى "الكلمة النور"، إلى الكلمة الأصيلة السامقة الثابتة، إلى صراط العزيز الحميد !
العزيز الذي لا يُغلَب، الذي ينصر عباده أهل كلمته، أهل نوره، ويخذل أهل الكلمة الخبيثة، أهل الظلمة .
ثم انظر بعدها مرة أخرى :
"يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27) "
سبحانه العزيز الناصر النصير، الحميد المستحق لكل حمد وشكر وهو أهله وأهل كل ثناء !  وهو العزيز الذي يذلّ أعداء نوره، يضلّ الظالمين
وبعدها كلّها !
ما يزال الخطّان يشعّان نورا على الآيات وسياقاتها !
"أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)"
تأمل... ! إنها "النعمة"  وإنها هي هي "الكلمة الطيبة" وإنها هي هي "صراط العزيز الحميد" !
أفتُبَدَّل ؟؟؟ أفيُعرَض عن حَمَلَتِها  ؟؟ !
ارجِعِ البصر، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير، إنه ما من تفاوت !  إنه ما من بعد، وما من تجاف بين الطرف والطرف !
انظر كيف هي "نِعْمَةُ اللّهِ"  يقابلها : "كُفْراً" والمفترض أنها "الإيمان" تقابل : "كفرا"؛ لتفهم أنّ الإيمان رأس النّعم التي تستحق الشكر والحمد، شكر العزيز الحميد عليها، الإخراج من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان .
ثم تذكَّر قبالتها من زادك القديم قوله تعالى : " وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ (7) "
لتجد كلمته سبحانه وسُننه التي يمضيها في خلقه  لا تُبَدّل !
وامضِ لتجد الله يعدّد مما سخّر لك  :
"اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ ..."
إنه "الحميد" سبحانه، المستحق للحمد والشكر، وهو المنعم بكل شيء على كل شيء، الذي اختصّك بالسيادة على ما خلق، واختصّك بأن سخّر لك كل ما خلق !
لتجده يُفيض بما لا يُعَدّ :
"وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)"
فإذا : "الحميد"  و "نعمة الله"  و"لئن شكرتم"  تدور حول المحور، لا تغيب غِبّا حتى تزور من جديد !
أفــــــــرأيت ؟ ! 
💎 إنه الإخراج من الظلمات إلى النور.
💎إنها صراط العزيز الذي لا يُغلَب، فلا يُغلَب نوره بالعتمات وإن تظاهرت.
💎إنها صراط الحميد الذي تأذن لئن شكر من شكر ليزيدنّه، ولئن كفر من كفر فإن عذابه شديد.
💎 إنه النور يحمله الرُّسُل لأقوامهم.
💎 وإنه النور يحمله خاتمهم للناس أجمعين.
💎 إنه وعده بنصر عباده المرسَلين (العزيز)
💎 وإنه خاذل عباده الكافرين الطاغين .
💎 وإنها كلمة النور(الطيبة) التي لن تغيب،  تعلو على كلمة الظلمة(الخبيثة) أبدا.
وإنه العزيز الذي سيعز كلمته،  سيعز دينه الذي سيغلب ولن يُغلَب !
وإنـــــه محمد، وموسى، والرّسل في أقوام خلت من قبل ... النور الواحد، والصراط الواحد ...
وإنه💎 إبـــــــــــراهيم 💎 المِحورالذي جُمع في سورته الدعاة، وقلب الدعوة، وهو الأمة وحده !
لذلك سأدّخر لإبراهيم عليه السلام لقاء وحده وهو الأمة وحده ! عساه يكون يوم غد بإذن الباعث مِن عباده مَن يخرج عباده من الظلمات إلى النور .
#سورة_إبراهيم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #306 في: 2026-04-06, 09:08:48 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

مع سورة إبراهيم عرفنا الإخراج من الظلمات إلى النور، وقد ابتدأه الله تعالى برسول الله صلى الله عليه وسلم، خاتم الأنبياء والمرسلين، ثمّ ثنّى بذكر إخوته المرسلين من قبله، فسمّى موسى، وذكره بصفة الإخراج من الظلمات إلى النور، وبأمره تذكير قومه نعمة الله عليهم وتعليمهم شكرها، وهو سبحانه الذي تأذّن أن من شكر ليزيدنّه، ومن كفر فإن له العذاب الشديد ...
فنجدنا ونحن في رحاب السورة وآياتها بين النعمة والشكر، بين العطاء من المنعم سبحانه وما يجب لأدائه من العباد بالحمد اللائق بعظيم مَنّه وكرمه سبحانه "الحميد"، وهو "العزيز" الذي ينصر عباده المتنورين بنوره ويعزّهم، ينصر دينه في الأرض ويعزّ أهله  ...
سبحانه الذي أقرّ إهلاك الظالمين واستخلاف أهل نوره : "فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (13) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ "
إنها سورة تحمل الإقرار الإلهي العظيم بنصر دين الله الذي بُدِئ بالرُّسُل السابقين، وخُتم بإمامهم صلى الله عليه وسلم، فيدعو الله عباده  للتقديم من أنفسهم بالاستجابة ليفوزوا بالتثبيت من عنده  :
"قل لِّعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لَّا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ"
وإنما هذه الاستجابة رأس شكر المنعم سبحانه على نعمة إخراجهم من الظلمات إلى النور وعلى كل نِعَمِه ...
والآن ....
هو ذا سيدنا إبراهيم مع ختام السورة،  يتمثل داعيا ربَّه سبحانه، فإذا تأملنا دعاءه عرفنا فيه مما كان في سياق آياتها من دور الرسل في إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن فرق بين كلمة الكفر وكلمة الإيمان، ومصير أهل كل كلمة؛ وكيف أن الصبر والشكر والتوكل على الله أدوات حفظ نعمة المنعم سبحانه  :
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35) "
"هَٰذَا الْبَلَدَ "  ... مكّة ؛ مكّة التي يدعو لها إبراهيم، هي مكّة التي بُعث فيها محمد صلى الله عليهما وسلم، هذا الابن من ذاك الأب، هذا النبيّ من ذاك النبيّ، ذو العزم من ذي العزم !
وكما دعا –عليه السلام- للمكان بالأمان، دعا للزمان ولامتداده، دعا لما بقي من زمان الأرض بسبب أمانه ونوره، دعا بمحمد صلى الله عليه وسلم، إذ قال : " رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) " -البقرة-
"هَٰذَا الْبَلَدَ "   الذي يدعو له إبراهيم بالأمان، هو مصدر الإشعاع مذ كان إبراهيم، وهو الذي أشعّ منه نور الأرض كلّها بمحمد  !
هي منه -عليه الصلاة والسلام-  دعوة لعدم نسيان المنعم سبحانه في غمرة النعمة؛   دعا بالأمن، ثم دعا بعدها بالثبات على مُجانبة الشرك، بالثبات على حنيفيّته، على مَيْله، وأيّ مَيْلٍ هو ميلُه عن ظلمات كفر قومه إلى نور  ربّه !
ثم اسمع لإبراهيم مرة أخرى :
"رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ ۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي ۖ وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(36) "
هذا صلى الله عليه وسلم من ثقته بربّه وبأنه المثبّت على الحق، يلجأ إليه ليَثبت ولا يعوّل على نفسه، ولا يرى نفسه خيرا من الناس وإن كان أمة .... ! وأن من تبعه فهو منه،  في بيان ضرورة أن يُتَّبَع الرُّسلُ الدعاة إلى نور الله ...
ثم اسمع له أخرى :
"ربَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ(37) "
سنام الغايات ورأسها : "إقامة الصلاة" في الأرض؛ تحقيق عبادة الله في الأرض؛  إعمار الأرض بتعبيدها لله تعالى رأس الغايات كلها : " لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ "  .. بهذا الوادي الأجرد القاحل الذي لا يُنبت شيئا،  وليس فيه قطرة ماء ! ولكأنها الوسيلة ليُعمَر والغاية في آن  !
من هذه البقعة ستكون الانطلاقة، انطلاقة النور المخلّص للأرض من ظلمتها، الذي سيخرجها من قحلها وجدبها إلى نمائها وعمارها  !
وهو ذا عليه السلام  يدعو لأجل هذه الغاية: " فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ "  .  أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إليهم لإيناسهم، وليجتمعوا حول دعوة التوحيد، حول إقامة الصلاة في الأرض، إقامة الصلة بالله فيها   !
إنها دعوة لسبب من أسباب الحياة أن تُسخَّر لغاية إقامة الدين في الأرض، دعوة لتكثير الناس وبالتالي تكثير أسباب الحياة بهم ودواعي تيسيرها، ثم  هو ذا صلى الله عليه وسلم يدعو بأن يرزقهم الله من الثمرات: " وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ "  دعوة أخرى من أسباب الحياة وتيسيرها، وكلها في خدمة وتيسير تحقيق عبادة الله وإقامة دينه في الأرض ...
قد دعا –عليه السلام- أن يجعل البلد آمنا، ثم ثنّى بأن يجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم، ثم دعا بأن يرزقهم من الثمرات،   وما هي إلا الدعوة بالأمن من خوف، والإطعام من جوع لتحقيق إقامة الصلاة، إقامة عبادة الله في الأرض،  وهي التي استجاب لها الله تعالى ، حتى جاء يومٌ جحدت قريش تلك النعمة،  وكفر فيهم مَن كفر، فنزلت دعوتهم أن يعبدوا الذي آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع، نزل تذكيرهم برأس شكر نعمه سبحانه، العبادة : "فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ* الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ "-قريش-
إن سيدنا إبراهيم -عليه السلام- يعلمنا بدعواته أنّ : إعمار الأرض يكون بإقامة العبادة لله فيها غايةً أولى، دون أن يكون ذلك نافيا للأخذ بأسباب الحياة، على أن تكون تلك الأسباب الماديّة الوسيلة الميسّرة لتحقيق هذه الغاية، لا أن تنقلب هي الغاية !
ولذلك كانت سورة "إبراهيم" هي السورة الحقيقة ببيان إخراج الناس من الظلمات إلى النور، ببيان تخليص الأرض من ظلمات الكفر والجهالة وإعمارها بنور الإيمان، وتعبيدها لله تعالى غايةً كبرى وأُولى تُسخّر لتحقيقها الوسائل المادية خادما للغاية الأساسيّة من الوجود "تعبيد الأرض لله"، "إعلاء الكلمة الطيبة"؛ لا أن يُحرَّف التصوّر الذي أقرّه الله تعالى للوجود، فيُتَنادَى أنّ إعمار الأرض بالمادة لا بالإيمان، بقلب الوسيلة الميسّرة غاية ! وذهاب الغاية الكبرى من بوصلة المؤمن !
وإنه ليُسعَى لهذا أيّما سعي، والمؤمن اليوم لاهث خلف الوسيلة يراها الغاية الأسمى التي يُرنى لها، ويتخذ تنوير الأرض بالإيمان وإعمارها بـ" إقامة الصلاة" ظِهرِيّا !
تلكم هي المعادلة التي يجب أن يُتَّخَذَ لها الميزان الصحيح، وتلك التي حُورِبَت في عقليّة المؤمن حتى انقلبت !
1-) رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ  ---->  الهدف، الغاية.
2-) فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ + وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ -----> الوسائل.
بل تأمّل إن الوسيلة ذاتها ما كانت لتكون لولا إنعام الله، فوجب إزاءها : " لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ "؛ وجب إزاءها الشكر، ورأس الشكر العبادة !
فهل عقِلتَ ؟ !   أنّ توفّر الوسيلة لتحقيق العبادة يستوجب منك العبادة ! حتى لا تنفكّ عابدا، ولا تنفكّ محققا للغاية من وجودك من كل وجه :{ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)} -الذاريات-
وهكذا يعلّمنا إبراهيم عليه السلام ماهية (الإخراج من الظلمات إلى النور)، والغاية من الوجود (إعمار الأرض بتعبيدها لله)
إبراهيم عليه السلام ومسعاه نموذج الغاية من الوجود .
ولقد بدأت السورة الحاملة لاسمه بمخاطبة الابن النبيّ  (محمد) مشعّا لنور الإيمان في الأرض معبّدا إياها لله، ولقد خُتمت بمسعى الأب النبيّ (إبراهيم) نموذج إشعاع النور في الأرض تعبيدا لله.
لتختتم بالتأكيد على ما أقرّ ووعد سبحانه :
{فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)}"
#حقيقة_إعمار_الأرض
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #307 في: 2026-04-06, 09:09:18 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة النحل آية، كثيرا ما يُخلَط في فهمها وفي الإحاطة بجوانبها التي تبيّن دقّتها، بل هي مما يتحجج به المتنصّلون من اختيارهم السوء في كل زمان؛  الذين يتنصّلون من التّبعة الفردية، من مسؤوليتهم ! "لو شاء الله ما كنا مجرمين ".  " لو شاء الله ما كنا كافرين " ومن شاكلتها كثير،، وكلها على وزن هذا الذي كان من المشركين.
إنها قوله تعالى :
{وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) }
هؤلاء المشركون يَعْزون شِرْكهم لمشيئة الله فيهم؛ أن لو شاء الله ما عبدوا من دونه من شيء لا هم ولا آباؤهم، بينما قد شاء أن يعبدوا من دونه هم وآباؤهم، وأن يحرّموا ما لم يحرّمه سبحانه .
لنتوقف عند كلماتهم، وإنّ فيها حقّا، ولكنه الحقّ الذي يُراد به باطل، الحقّ الذي يُحوَّر بحسب الأهواء، ليقضي غاية في أنفس أهل الهوى ! الحقّ الذي لا يُؤخذ على حقيقة المراد منه، بل على هوائية القائل !
فلننظر ! إنهم يتحججون بمشيئة الله على شركهم بالله، -وبمعنى أدقّ- يتحججون بمشيئة الله على ما لم يشأ الله !
فهم يريدون بما قالوا أنهم -من جهة- مُجبَرون، فهم على ما أودِع في أنفسهم من هذا الجبر كائن منهم ما هو كائن من شرك بالله، -ومن جهة أخرى وقد جبرهم الله على هذا- ليس لله عليهم من حجة!  بل الله راض بشركهم !
ولنجعل من "مراد قولهم" المقسوم قسمَين قضيتَيْن ولننظر في كل واحدة منهما :
1-) أنهم المجبَرون، فهم أولاء -وقد أجبِروا على الشرك وهو مشيئة الله الماضية فيهم- مشركون :
وهذا هو التلبيس، والكذب على الله، وهو المُراد الباطل بهذا القول منهم، لذلك أنا هنا أحلّل مُرادَهم من قولهم، لا قولهم؛ ذلك أن قولهم وهو يُؤخَذ وِفق السُّنن التي قضاها الله هو قول حق، وإنك لتجده في قوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)} -الأنعام-
فلنكن مع مرادهم أولا :
الله سبحانه لم يجعل الإيمان والكفر جبرا من الجبر، بل جعلهما قضية اختيار في الإنسان، بما أودعه من إرادة حرة؛ وتثبّت من ذلك في قوله تعالى :
**{وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ ۖ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} -الكهف-
**{إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (3)}-الإنسان-
**{ وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا ۖ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ ۚ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (148)}
 كما قد تبيّن ذلك في حوار الله تعالى مع إبليس عليه لعائن الله :
{ قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)} -الحِجر-
** "إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ"----> قد اختاروا الهدى على الغواية.
** "إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ"-----> قد قدّموا من أنفسهم الغواية واتباعها على الهدى.
والله تعالى قد تأذّن أنّ : "قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ" -------------> حفظ من الله لعباده الذين اختاروا الهدى (زيادة هدى على الهدى، هداية توفيق).
وعلى هذا فقد أودع الله في الإنسان إرادة ""حـــــرّة"" ...  باختيار، أن يفعل أولا يفعل، أن يؤمن أو أن يكفر .
ثم يجب أن يُعلَم أن قضاء الله السابق هو قضاء علم لا قضاء جبر، -ولله المثل الأعلى- المعلّم الذي يقول بأن فلانا من تلاميذه راسب، هو لن يجبره على التكاسل، بل إنه يعلم منه مقدّمات الرسوب، وعلم الله تعالى ليس كعلم البشر، إذ لا تشوبه شائبة من شك ولا من جهل ولا من تكهّن، بل هو علم أكيد لا ريب فيه، ولكنه ليس الجبر.
كما يجب أن ندقّق أن الإنسان -وهو مخيّر في دائرة التكليف- بإمكانه أن يفعل أو ألا يفعل، أن يطيع أو أن يعصي، أو أن يطيع مرة ثم يعصي أخرى، أيضا أن يختار الكفر والإعراض، ثم ينقلب فيصير إلى الإيمان ! أو أن  يختار الإيمان ثم ينقلب إلى الكفر!
بينما على حسب قولهم، هم قد أقرّوا حالا لا تبدّل فيها، حال مستقرّة قضت بها أهواؤهم لا حقيقة أمر الله،  أقرّوا حال الكفر فيهم، التي لا يرون معها إمكانية تبدّل، لأنهم يفترون على الله الجبر، ولا يقولون بمقتضى الاختيار !
أيضا أحب أن أضيف إلى هذا التحليل والتثبّت في قضية افتراء الجبر من الله، جبر الشرك منه سبحانه، آيات الندم التي تدلّ أيما دلالة على الاختيار؛ فتأمـــــــــل :
** {...تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ ۖ كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (😎 قَالُوا بَلَىٰ قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ كَبِيرٍ (9) وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ فَسُحْقًا لِّأَصْحَابِ السَّعِيرِ (11)} -الملك-
** "لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ".
** "فَاعْتَرَفُوا بِذَنبِهِمْ" .
ولننتقل الآن إلى القضية الثانية في رؤيتهم المفتراة :
2-) مرادهم من قولهم أن الله يرضى منهم الشرك (حاشاه سبحانه) :
يمكننا أن نقسم إرادة الله تعالى قسمَين :
(أ-) إرادة كونية . و    (ب-) إرادة شرعية.
أ-)الإرادة الكونية هي التي قضى الله تعالى بها في خلقه، من مثل تمرد إبليس ومعصيته، ومن مثل وجود الكافرين (ووجودهم بمقتضى الاختيار الذي ملّكه سبحانه عباده).
ب-) الإرادة الشرعية؛ التي هي إرادته سبحانه فيما يأمر وينهى من شرعه لعباده، فهو يحب ما يأمرهم به، ويكره ما ينهاهم عنه، والله سبحانه هو القائل : {إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِىٌّ عَنكُمْ ۖ وَلَا يَرْضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلْكُفْرَ ۖ وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ ۗ...} –الزمر:07-
ثم انظر ! الله سبحانه لو كان قد رضي من عباده الكفر، لمَ يعاقبهم عليه ؟؟ والله هو القائل: {...كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ...} –الأنعام:148-
وقد وصف سبحانه قولهم (في آية سورة الأنعام المشابهة لآيتنا هذه من سورة النحل) بالتكذيب  : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتَّىٰ ذَاقُوا بَأْسَنَا ۗ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا ۖ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148) } -الأنعام-
وما التكذيب؟؟ أليس هو الإعراض ؟ أليس هو عكس ما يكون من تصديق مَن صدّق ؟؟ وبالتالي فهو اختيار فيهم، اختاروا الإعراض، اختاروا التكذيب، فيما اختار غيرهم الإيمان والتصديق !
وإن القول لواحد؛ ولكن، انظر إلى البعد بين الحقّ في أمر الله، وبين الباطل في تقوّلهم وافترائهم ! البعد بين الحقّ الذي يُراد به الحق، والحق حينما يُراد به الباطل.
وأحبّ أن أزيد فأذكّر، بمقتضيات الشرع، إذ لا يتعلق حكمٌ فيه بمُكرَه، ولا بمجنون، ولا بغير بالغ، وهذا دليل على أن الله يريد أن تكتمل في الإنسان  "آلة الترجيح" : (عقل+ نضج+ عدم إكراه) .  ووِفق هذا سيختار الإنسان بإرادة.
إذن نخلُصُ إلى أنهم قد قالوا كلمة حق أبلج، ولكنّ مُرادهم بها باطل لجْلجْ !
نعم، لو شاء الله ما عبدوا من دونه من شيء، نعم لو شاء ما أشركوا، ولقد قالها سبحانه : {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)} -الأنعام-
ولكنّ قولهم افتراء بأنه من الله جبر من الجبر، وهو سبحانه لا يجبر، بل أودع الإنسان الإرادة الحرة للاختيار، وإنما هو العلم منه لا الجبر، كما أنهم يقولون برضى الله عن شركهم، وهو سبحانه الذي لا يرضى لعباده الكفر، بل هم الذين تُرِكوا للاختيار فاختاروا الكفر، فيما اختار غيرهم الإيمان .
كما أنهم يتحدثون عن مشيئة الله فيما لم يشأ الله، ذلك أن الله سبحانه شاء أن يكون للعبد اختيار، ولم يشأ أن يُجبَر .
ومن بعد آيتنا الدقيقة، التي أرى من الضرورة الإحاطة بجوانبها وبمقتضياتها الحقة لدحض تقوّل كل متقوّل في كل زمان -وكثير ماهُم  في زماننا- قول كلّ متنصّل من عمله واختياره وخطئه وكوارثه بالتعليق على مشيئة الله  .
هذا ما يأتي بعدها، وهو مما يعضّد معنى الاختيار لا الجبر:
{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36) إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37)}.
أنّى يكون الكفر جبرا من الجبر، أو الإيمان جبرا من الجبر، وهؤلاء دعاة الحق على درب الله، رُسُل الله تعالى في كل أمة، كلهم على دعوة الحق، أن يعبد الناس الله (الدعوة للإيمان) ويجتنبوا الطاغوت(التحذير من الكفر).
ليستبين تأييد الله للمختار هدى بزيادته هدى، وإضلاله للمختار الضلالة بما قدّم من إصرار على العمى  :
** {.. فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ }.
** {إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ }.
وهكذا حاولت إضاءة عتمات أعرفها في فهم الكثيرين لهذه الآية الحساسة والتي يتسلل منها المؤوّلون والمشككون والمشبّهون للطعن في القرآن بالقول بتناقضه، وهم يرون رفض قول المشركين هذا من جهة، بينما يقرّ الله به  في قوله تعالى : {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)} -الأنعام-
فإنه ما من ذرّة تناقض في هذا الكلام المتناسق المتسق بعضه مع بعض، المصدق بعضه لبعض ... بل إن التناقض في الفهم المجتزأ والفهم المفتقر للمعرفة بمقتضيات أمر الله تعالى مقابل افتراءات البشر !
التناقض كائن بين الحقيقة والادّعاء، بين من يعترف بمسؤوليته وتبِعته الفردية، وبين من يتنصّل منها ليعلّقها على مشيئة الله !  فيتحجج بقدر الله على معصية الله !
#مشيئة_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #308 في: 2026-04-06, 09:10:01 »
عندما نرى الغلبة للمادة،  وللمنطق المادي،  وللميزان المادي  يوزَن به الناس؛  فإذا أنت تزن بقدر ما تملك،  وإذا الغاية المادية تبرر كل الوسائل!
لا ضير،  لا مشكلة،  لا اعتراض،  لاحسابات !   
كله في سبيل الوصول للمادة مقبول،  مهضوم،  مستساغ، لا شية فيه ولا شَوب !  لا علة فيه ولا عيب!
عندما ترى المظاهر هي الحَكَم وهي التي إليها يُحتَكَم،  فمن لبس الأغلى وركب الأغلى وبنى الأعلى كان الأعلى، وليس عليه يُعلى!
لا يهم إن كان منّاعا للخير،  معتديا،  أثيما،  عُتلا،  زنيما !
لا يهمّ إن كان لا يهتم لقيمة ولا لمبدأ ولا لخُلُق !
أهو ذو مال؟!  أهو ذو عزوة وسلطان؟  أهو ذو جاه وهيلمان ؟!
نعم،  نعم هو ذاك...!
إمممم 😎 إذن،  يكفي ويَفي ويشفي !  وما عدا هذا، ينتفي !
عندما ترى صراع "بارونات" المادة والتجارة، وهم وكأنهم يكيلون المال بالجرّار،  فتجد اللهث والمنافسة الشرسة،  وترصّد "بارون" لــ"بارون"؛  أيهما يقتل الآخر تجاريا، وأيهما يَزوي الآخر من حلبة الصراع !  وكأنك تتفرج على متصارعي "الكاتش"  وهم يقتل بعضهم بعضا،  لا يلوي القاتل على مقتوله ولا على أحد !
وفي خضم كل هذه الصراعات،  وهذا الطيران في عالم المال وصناعة المال للمال،  تذوي الأخلاق،  وتنحسر القيم،  وتصبح الغريبة في ديار الغربة !  وتصبح نغمات صاحبها شذوذا، وتغريدا خارج السّرب المتوحش المفترس !
يصبح صاحب المبادئ والقيم العالية قديما لا يُسمع له، وضعيفا لا يُأبَه له! 
يصبح صاحب مُثُل، يعيش في عالم من الخيال والأساطير التي تُروى للطفل قبل النوم،  ولكنه يُنسَاها عند استيقاظه على وقع الحرب المادية الضروس !  ليُعلَّم ساعة الحركة كيف يكون محاربا في سبيل المادة الجليلة المبجلة، التي لا يُشرَك في عبادتها !!
وأنت ترى هذا يحيط بك في كل حركة من حركات حياتك،  دقّها وجلّها،  وهم من حولك من قريب ومن بعيد،  يعلون كلمة المادة ومنهجها الذي ليس فيه وسيلة دون وسيلة،  بل كل وسيلة،  وكل طريق تؤدي إلى "المادة"  منتهَجة مسلوكة مقطوعة دون نظر ولا حساب ! 
عندما ترى كل هذا، ويكون بصرك الإيماني والقِيَمِيّ والمبادئيّ حديدا،  لن تستغرب! 
بل ستنظر،  فإذا كل القيم العليا والمبادئ السامية،  هي تلك الدرر الكامنة في قاع بحر الدنيا، لا يفوز بها إلا غواصها...  وقليل ما هم !
أجل...  قليل ما هم أصحاب تقدير الدّرر حق قدرها !  قليل ما هم!
أفترى فوق قدر الإله الواحد الأحد العظيم الملك قدرا ؟!
أفترى فوق جلال المحيي المميت المدبر الباعث الماجد جلالا ومجدا ؟! 
فإن الخالق العظيم سبحانه جل في عُلاه، ما قدره خلقه حق قدره !  :«وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ ۚ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يشركون»-الزمر: 67-
قليل من يقدر الله حق قدره !  قليل ما هم!
💎«««وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُور»»» 
💎«««إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ»»»
💎«««إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يؤمنون»»»
💎«««وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمؤمنين»»»
فلئن كان حال أكثر الناس مع جلال الله هو هذا، فأنى تبتئس من واقع يُنتقص فيه من قدر  أهل القيم العالية والمبادئ السامية،  ويُعلَى فيه أهل المادة،  فقط لأنهم أهل مادة !
وإنّ تكالب الكثرة على المظاهر المتواثبة، وعلى هذا اللهث المادي المسعور،  مقابل زُويّ الأخلاق وذُويّ القيم ومجافاتها،  لهو دليل "" دُرريّة""  فيما يُزوى ويَذوى ويُجافى،  ودليل ثقل الواحد من أهلها،  وأن كفّته وحده ترجح عليهم وهم  الألوف والملايين !   ولهو دليل على أن القلة الأثقل غالبة ! 
فلا تبتئس!  وليكن بصرك الإيمانيّ والقِيَمِيّ والخلقي والمبادئيّ...  حديــــدا  !!
#اللهث_خلف_الم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #309 في: 2026-04-06, 09:13:22 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

قصة ذي القرنين في سورة الكهف، وكنا قد عرفنا -في المنشور السابق- عن الصاحبين من قبلها، صاحب الجنتين وصاحب الإيمان !
عرفنا صاحب الجنة وقد ملكت عليه جنته كيانَه كلّه، حتى عبدها من دون الله ! فما عاد يراها تبيد أبدا، بل وما عاد يرى أن الساعة تقوم على مثلها فتبيد !
انطمست بصيرته من تعلّقه بها، حتى عبد النعمة من دون المنعم ..
أما ذو القرنين، فهو ذلك الملك القائد المؤمن الفاتح القويّ الممكَّن، الذي أوتي علما وحكمة، حتى أن الله تعالى ليصف عظيم فضله عليه فيما آتاه قال:
{إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَبٗا (84)}
لتجده وهو الملك، الذي أوتي من ملك وسلطان وقوة  وتمكين ! أوتي من أوسع وأعظم ما يُؤتى إنسان، لا يغرّه منه شيء، ولا تطمس النعمة نور الإيمان في قلبه، بل يبقى إيمانه بربه المنعم أعلى من كل نعمة !
تجده وهو يطوّف بالأرض شرقا وغربا، حيثما حلّ نشر الإيمان وأحلّ الأمان والعدل، ودحر الكفر وأذهب الجَور:
{قَالَ أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا نُّكۡرٗا (87) وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا (88) }
تجده وهو يُسأل من الناس نصرا وعونا، يعزو القوة لله لا لنفسه :
{قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٞ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا (95)}
بنى السدّ بين القوم المستضعفين وبين يأجوج ومأجوج الظالمين، فكان حصنا حصينا وسدا منيعا، وقوة لا تقارَع، حتى ما استطاع يأجوج ومأجوج -مع ما لهم من قوة- أن يظهروه، وما استطاعوا أن يحدثوا فيه ما يُنفِذُهم منه !
رغم كل ما أوتي، ورغم عظيم ما نفع الناس به،  وجليل أثره في الأرض، حتى كان الذي لا يُردّ له أمر ولا يُداس له على طرف، لمع اسمه في سماء المجد، وشقّ له من الحق، فبلغ الآفاق وعمرها إيمانا وأمنا وعدلا ! إلا أنه أبقى على أعلى وأغلى ما فيه ! على إيمانه؛ به حقق كينونة الإنسان ! فكان ذلك فقهه السليم، وهو يعلي أمر ربّه لا ذاتَه !
طوّع الأسباب، وقد أوتي من كل شيء سببا،  طوّعها وهو يتبع سببا وسببا، فلم تأخذه –على كثرتها-  عن ربّه وربّها  !
على غير حال صاحب الجنتين، وقد أوتي جنتين، قد عبد الأسباب وغفل عن ربّ الأسباب ! 
إنه على غير حال من أوتي شيئا من الأسباب فعبدها، هو ذا من يُؤتى من كل شيء سببا يثبت على عباده ربّه وربّها !
فاسمع له وهو يقول عن إنجاز له عظيم، عن السد الذي لم يجد له الجبارون من قوة لاختراقه، عن غلبة وتمكين وقوة ونصر كان منه لقوم مستضعفين على قوم جبارين:
{قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا (98) }
إنما هذا الذي فكّر له وقدّر، وبنى وأعلى وشيّد، وأتقن وقوّى ومتّن، كلّه كلّه يُعزيه لله، ويصفه أنه :
1-) "رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّيۖ"  --------------------> عزو كل الفضل لله تعالى.
2-) "فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ" ------->  الإقرار أنّ القوة لله.
3-) وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا ------------------> الإقرار باليوم الآخر الذي يبيد فيه كل شيء وأقوى ما يبدو للإنسان من قوة .
بخلاف صاحب الجنتين، الذي أنكر أن تبيد جنته أو أن تقوم الساعة !
وشتان شتان !  بين مؤمن بقوة ربّ الأسباب ومؤمن بقوة السبب، بين مسبح بحمد النعمة ومسبح بحمد المنعم !
فاختر لنفسك وأنت المخيّر  ! بين أن تكون عبدا للسبب قلّ أو كثر،  أو أن تكون عبدا لربّ السبب.
اختر،  فأنت الفاعل، ولا تتحجج بقوة في الأسباب من حولك تفعل بك ! وانظر لمن كثرت من حولهم، وما تزحزحوا !
#سورة_الكهف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #310 في: 2026-04-06, 09:13:49 »
عندما تقرأ في سورة "التحريم" عن كشف القرآن لما كان بين عائشة وحفصة-رضي الله عنهما- من تظاهر على رسول الله صلى الله عليه وسلم،  وإفشاء إحداهما لسرّ استكتمها إياه،  وكيف يدعوهما الله للتوبة تربية وتصحيحا وتقويما...
وعندما تقرأ عن نزول صدر سورة "الممتحنة"  في حادثة إفشاء حاطب بن أبي بلتعة الصحابي البدري الجليل لسرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بغزو مكة،  تربية وتقويما له وللمجتمع المسلم من خطئه !
وعندما تقرأ تعليم الله للصحابة كيف يوقّرون نبيّهم حتى وهم يريدونه في حاجة من حاجاتهم، فينهاهم أن ينادوه باسمه من وراء حجراته كما تعودوا !
بل إنك لتقرأ عتاب الله لنبيه في:«عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جَاءَهُ الأَعْمَى وَمَا يُدريكَ لَعَلَّهُ يزّكّى» ! 
عندما تقرأ من هذا،  تعرف تربية ربانية مضمَّنة في العتاب،  ليس بعموم الخطاب وحده،  بل بالتعيين،  وأنت تعرف الواحد ممن نزلت فيه الآية باسمه من بيان السُنة.
عندما تقرأ كل هذا،  ألا تنظر في نفسك حينما تستنكف أن يبصّرك أحدهم بعيب فيك؟! ثم يعظّمها الشيطان في رأسك ويأتيك من مدخل اللين والغلظة،  فينقلب لك معلما لأصول الوعظ والنصح!  لتجد المعاذير لنفسك بدعوى أن من بصّرك غليظ لا يحسن التبصير بالتي هي أحسن !   فيضيع تبصّرك بعيب فيك حقا،  وأنت تنقلب على المبصّر تنتقد طريقته وأسلوبه !
عندما تقرأ عن كل هؤلاء العظماء،  والقرآن يعوّدهم تقبل التربية والتقويم والتصويب، وأن البشرية في الإنسان عنوانها الضعف وعلاماتها الخطأ والزلل لا محالة! وأن التبصير بالخطأ لا يكبر عليه أحد ! 
ألا تراجع عندها نفسك وأنت لا تتقبل أن يُمسَك عليك خطأ أو أن تُعرف منك زلة،  وتتمادى فلا تتقبل من يقومك!!
نعم...  للأسلوب في النصح والتقويم دور كبير،  ولكن حاول ألا تلغي الخطأ-وقد كان منك حقا لا افتراء- من فرط تركيزك على أسلوب من صوّبك،  فإن ذلك مشجبٌ تحب نفسك أن تعلّق عليه، لتبقي على رؤيتك لها  أعلى من أن تقوّم أو تُصحّح  !
#الخطأ_بشري
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #311 في: 2026-04-06, 09:14:16 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة طه العظيمة الحبيبة الرائعة...
إنه الفاروق -رضي الله عنه- وقد حثّ العزم على قتل رسول الله  صلى الله عليه وسلم، ونفسُه تغلي منه غَلْي المِرجل غضبا !
هو ذا وقد اعترض طريقه من حدّثه أنك يا مَن تريد تخليص قريش من سحر محمد، أولى بك أن تنظر في أمر أختك وقد صبأت هي وزوجها!
لم يعد عمر يمتلك شيئا من نفسه، وقد ذهبت بالغضب والغيظ أشتاتا ! أأختي صابئة بين الصُّباة، وأنا الذي تراني قريش من خيرة من ينافح عن آلهتها وعن عزّ آبائها ومجد أجدادها ؟ !
فما نشب أن اقتحم على أخته بيتَها، وقد سمع هينمة، كان خباب بن الأرت مصدرها، وهو يقرأ القرآن في بيتها، فلما عرف أهل البيت أنّ عمر المقتحم، اختبأ خبّاب؛  فإذا عمر يبادر فاطمة أخته بالسؤال عن الهينمة التي سمع، وعن حقيقة ما هي عليه وزوجها، فأجابه خِتنُه سعيد بن زيد قائلا: "أرأيت يا عمر إن كان الحق في غير دينك؟" ... فوثب عليه ووطئه حتى كاد يقتله، ثم انهال على فاطمة ضربا حتى شجّها، وكانت بيدها  صحيفة !  فسألها إياها، فما أعطتْهُها، بل اشترطت عليه أن يتطهر، ففعل ... !
وهل تعقل أن يستجيب لمطلبها وهو على حاله ذاك من الغضب ؟ !
إنه يستجيب، ليتطهر، وليقرأ أول ما يقرأ :
{طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) } إلى قوله تعالى : "لَهُ الأسْمَاء الحُسْنَى".
يقول عمر : " فتعظّمتْ في صدري وبكيت وقلت: مِن هذا أفرّتْ قريش؟"
ما أن قرأها حتى عاد لعقله العمل، أهذا مما يُعرَض عنه ؟ !
كلما قرأتُ في "طـــه" تذكّرت الفاروق العظيم، وتمثّل لي حاله وهو يقرأها، فإذا هي التي كانت سبب إسلامه ! إذا هي التي جعلته يخرّ بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم من فوره معلنا ألا إله إلا الله وأنه رسول الله ! ليكبّر السابقون من حول رسول الله عليه وسلم لإسلام عمر، تكبيرا سُمع عند المسجد !
إنه قد خوطِب الفاروق فيها كما خوطِب موسى عليه السلام، وهو يسمع بصوت ربّه  :
{ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ ...} !
{إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي } !
وإنّ لهذا النداء العظيم المهيب الجليل لقوّةً تليّن الحجر، وتشقّقه وتُخرج منه الماء وتُهبِطه من خشية الله !  وإنّ له لهيبة تُخضع، وجلالا يُبهر، وإن له لنسمات ترفّ على الفطرة فتُحييها من بعد انطماس، وتبعثها من بعد اندراس   !
{ إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12)}.
عمر قد قرأها، فتشقّق حجَرُه، وخرج الماء من شقوقه دمعا ورِيّا لنفسه العجفاء، وهبط من خشية الله على ركبتيه، وكأنما تصيح به فِطرتُه :  "إنك ربّي وأنا عبدك، إنك ربّي وأنا عبدك !"
ارتوى بها عمر، وحيِي بها من بعد موت ! عمر الذي جاء من أقصى مكة يسعى ليقتل محمّدا، هو عمرالذي بلغ محمّدا وهو يشهد بين يديه أنّ الله ربّه، وهو بحضرة النبوّة والرسالة والرحمة المهداة للعالمين ! يقع على ركبتيه يُسمِعها رسول الله، يردّ على النور في طه  : " إِنِّي أَنَا رَبُّكَ " ،  ويجيب على الرِيّ والحياة في "طه" : " إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي " ...
يجيب وهو يشهد، ولكأنه يقول: إي وربّي إنك ربي، إي والله إنك الله ربي الذي لا إله إلا هو !
وأنت ؟؟ وأنا ؟؟ ماذا عنّا مع نور طه ورِيّها ؟؟
إنك كلما قرأتَها، وكأنك تعرفها جديدة، وكأنها المرة الأولى !
وكأن الفطرة فيك تصيح بك، وقد خالطتْ نفسُك من دَرَن الحياة : إي وربّي إنك لَرَبّي، إي والله إنك الله ربّي ! وإني لك عبدٌ ...
إنها لتهزّك في كل مرة هزا شديدا، وترجّك رجّا عنيفا، تُحيي فيك الموات، وتبعث فيك الحياة ! فتستشعر بها الرواء، وتداعب بها بصيرتُك النور فتحدّ البصر لترى ما كانت تغمّيه عليك لوثات الحياة وفلتات النفس، وشطحات الهوى !
إنها بقوة الماء ينبجس عيونا في نفسك المتيبّسة، إنها :
" إِنِّي أَنَا رَبُّكَ "  ... 
" إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي " ..."
إنّ عينَك لتدمع كما دمعت عينُ الفاروق، تبثّ ربّك شكواك من نفسك التي نسيت، ولهت، وغفلت، وغفتْ حتى نامتْ، وتيبّست حتى كادت تموت !
فاحيَ بــ "طـــــه" من جديد، وانبعث عبدا لربك الذي لا إله إلا هو !
وتذكّر أوائل "طه" :{مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3)}
"إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى " ... وأي تذكرة، تذكرة العبد بسرّ الحياة ! بربّه الذي لا إله إلا هو، وأنه له وحده عبد !
#سورة_طه
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #312 في: 2026-04-06, 09:14:35 »
في سورة الأنبياء جاء :
«بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ(5)»
وصموا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمفتري الكاذب،  بالشاعر،  وادعوا انهم يريدون آية تلازمه ليؤمنوا،  كما أرسل بالآيات مَن كان قبله من الرسل ..
على افتراض تتبعنا لهذا المطلب منهم.. إنهم إذن يقرّون برسل قبله،  وبأنهم كانوا بشرا  !
إذن فلمَ أعرضوا عنه بدعوى أنه الرسول البشر؟!
أفتسألون أن يأتيكم بآية كما جاء بها من قبله من الرسل البشر،  وأنتم أساسا قد أنكرتم أن يبعث فيكم رسول بشر!
أرأيت هذا التناقض الصارخ عند الكفرة ؟!  إن القرآن ليعرضه عليك في أقوالهم المتضاربة التي تنمّ عن تململ واضطراب وقيامهم على هواء!
في سورة الأنبياء ذاتها وقبل هذه الآية بقليل،  يذكر الله تعالى إنكارهم لرسالته فيهم وهو البشر:
«لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ(3)»
هذا قولهم؛  إنه بشر مثلكم !  وإنه لساحر،  أفتتبعون سحره؟!
بل إنك إذا تتبعت تضارب أقوالهم وما يدعونه حجاجا وهو منهم اللجاج،  لوجدتهم يتحججون ببقائهم على ما ألفوا عليه آباءهم،  وهم ينكرون الرسالة في بشر !
عندها تساءل أنت...  ألم يكن آباؤهم بشرا أيضا؟!  فلمَ آمنوا بما اتبع آباؤهم وصدقوهم-وهم البشر- في اتخاذهم الآلهة من دون الله،  بينما ينكرون أن يدعوهم بشر لعبادة الإله الواحد؟!
إنهم بشر كما أن الرسول بشر،  فلمَ تؤمنون بمزاعم بشر،  وتكفرون بدعوة حق من بشر بدعوى بشريته؟!!
هذا شيء من تضارب فكرهم وشطحاتهم وهم القائمون على هواء، فإذا ألسنتهم هي فاضحتهم !
#سورة_الأنبياء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #313 في: 2026-04-06, 09:15:29 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

إخوتي وأخواتي من آباء وأمهات، بل وممن هو مقبل على الأبوة والأمومة من شبابنا  أيضا ..
حثوا أبناءكم على إعطاء اللغة العربية حقها، وعلى تقديرها حق قدرها، فلقد درج في حُسبان هذا الجيل المعاصر لقفزات التكنولوجيا ووثبات العلوم، الحطّ من قدر اللغة العربية ومن قيمتها في عصر يرون فيه الغلبة للعلوم المادية ولأهلها وللغة أهلها ! بحكم معادلة الغالب والمغلوب، وانهزام المغلوب نفسيا ... !
لا تظهروا لهم استهانة باللغة العربية، وانتقاصا من علومها؛ علموهم قواعدها، وليؤسسوا لها متينة يُقيمون عليها اللغة بألفاظها وتراكيبها وأسلوبها إقامة سليمة، فلا تقرأ لأحدهم "التعبير"  أو "المقال" وكأنّه الطريق الملأى بالحجارة، فأنت ترى العثرة منه والسقطة من ورائها السقطة، فلكأنّ ما كتب،  الكدماتُ في الوجه والجروح الغائرة في الجسد والدم السائل من كل حدب فيه وصوب  !! فإذا هي مقتلة في عالم اللغة لا مقالة !
يا حسرة على معلّمين حفروا بأخلادنا سِيَرَهم، وقد لمع نجمهم في سماء التعليم عملا دؤوبا وسعيا حثيثا على إعطائنا كل سليم وإبعادنا عن كل سقيم، وعلى زيادة حبنا للغة على ما ألقى الله فينا من حب لها، وعلى إعزاز أنفسنا بها  !
سلاما سيدي "خالد" معلّمي للسنة الرابعة من تعليمي الابتدائي، وقد قضى أن نتحدث الفصحى في الصفّ (القسم)، فلا يُسمَع للعامية فيما بيننا همس ولا رِكز ! ومن أخطأ وتفوّه بكلمة عامية في أبسط ما يكون بين الزملاء من أوجه التعامل والتعاطي، أو وقع بخطأ لغويّ ما،  فإنّ المسؤول عن مراقبة الأخطاء والهفوات، له بالمرصاد  !! وقد كنت المسؤولة، إذ عيّنني "سيّدي"، فكنت أترصد  لمن ينسى أو يسهو  فينطق عامية، أو يخطئ لغويا، وعليه عندها أن يدفع صاغرا مقدارا رمزيا (عشرون سنتيما: أربعة دورو) إنفاذا للعقوبة فيه !
وقد كنا جميعا لا نخرج من بيوتنا صباحا إلا وقد جمعنا قطعا نقدية من ذوات العشرين سنتيما، استعدادا لدفع الغرامات فيما لو اقتضى الأمر دفعها مع هفوة أو خطأ لغويّ يُصطاد، والصيّاد -يا ويْح المخطئ- بالمرصاد  !☺️
أما حاصل ما يُجمَع من القطع النقدية، فيصرفه سيّدي في اقتناء ما نزيّن به قاعة الدرس، أو نصلح به من شأن طاولاته، كأن نغطيها كلّها بمفارش بلاستيكية متسقة الألوان ! 🙂
وسلاما سيّدي "جبايلي" معلمي للسنة الخامسة ابتدائي، يوم أن رأى بكرّاسي عددا يتيما باقيا من الأوراق، يكاد يُعدّ على أصابع اليد الواحدة من فرط تقطيعي الأوراق منه كل حين وحين، فحمله وهو يشهّر بي وسط زملائي، أن انظروا إلى هذه التي كراسها لا يكاد يَعُدّ الوريقات ! 😮
فتملكني الغضب ساعتها من ضحك زملائي، فما وجدتني إلا وأنا أنهال على كراسي أقطعه نصفين على مرأى من معلمي ومن زملائي !  😡 فصُدم معلمي من تصرفي وما عادتي التجرؤ أمامه، وآلى ألا يكلمني بعدها، ولقد كانت مخاصمته لي أكبر في نفسي من ضرب العصا لو أنه ضربني بها !  😥
فعدت من يومي ذاك أقصّ على والدي وعلى شقيقتي -المعلمة في مدرستي ذاتها- ما كان بيني وبينه، فأمرني كلاهما أن أسأله العفو والسماح على فعلتي؛ فلما أن كان موعد الفترة المسائية في مدرستي، ونحن في تَيْنك الساعتين ندرس اللغة الفرنسية، استأذنت من معلمة الفرنسية أن أذهب إلى معلمي في حاجة، وقد كانت له ساعات تدريس لصفّ آخر غير صفنا؛  طرقت عليه الباب ونافذة القسم مُشرَعة، فلما أن رآني قال بصوت المفتعل غضبا لم يَزُلْ :  " انصرفي يا أسماء " ...  فوجدتني -من غير سابق إعداد ولا تنبؤ بما سيكون منه- قائلة : "أنا أسماء الممنوعة من الصرف " 😎🤨🤗
فما كان من معلمي إلا أن أقبل إلى الباب يفتحه بوجهي، وقد افترّ ثغره باسما يحمل البشرى والسرور بمقالتي ! وقد ذهب كل غيظه، وانجلى كل حنقه عليّ، وهو الذي علّمنا مقام الأسماء من الصرف، فوجدني إذ أحمل اسمها أحمل مقامها من صرفه لي .😊
ورحمة من الله عليه "سيدي حسين" معلمي للسنة السادسة ابتدائي، وهو يخصص حصة لقراءة ما كتب كلّ منا من موضوع "التعبير الكتابي"، وهو الذي اتخذ له مقعدا من بين مقاعدنا ليقابل كلّ من يخرج إلى المصطبة ملقيا ما كتب، فيستمع وهو ينتشي بكل تعبير راق سليم، ثم يسأل الزملاء أن يصفقوا على كل من عرف في تعبيره جمالا وتميزا !
سلاما لك أستاذي في التعليم المتوسط "أستاذ محمد علي" الذي كان يحفّزنا، وهو مع الدرس وخارج إطار الدرس يلقي إلينا بألغاز لغوية، والأسرع إلى الجواب الصحيح هو من يفوز بعلامة أو بعلامتين زيادة تخبّأ له لساعة عُسرة !
سلاما أستاذي، وتحية إكبار ! فإني لم أنسَ ذاك اليوم الذي كان يوم امتحان، فإذا الهدوء مُطبق على القاعة، والكل منهمك في ورقته، ووجدتني قد أنهيت الإجابة واستوفيت ما عندي قبل زملائي، فسلمت ورقتي، وكذلك فعل زميلي الذي عادة ما تحتدّ المنافسة بيني وبينه، فلا يرتضي أحدنا أن يغلبه الآخر في شيء، وكلّ منا ماض في درب الاجتهاد للفوز بقصب السَّبق !
يومها حدّثنا أستاذنا بهينمة لئلا يشوّش على الزملاء المنهمكين بعدُ في أوراقهم، فألقى إلى كلَيْنا بلغز لغوي من ألغازه قائلا : "عاتبتُها فراحت تميط الثريا بالهلال عن البدر،  هيا من منكما يسبق للإجابة عن معنى هذه العبارة ؟؟ "
فإذا أنا وزميلي في سباق شخَصَتْ له أبصارنا، وتسارعت له أنفاسنا، مَن يسبق مَن ؟ !  ولكننا يومها لم نحزر، حتى أجابنا أستاذنا مشيرا بيده مفسّرا، أنها التي عوتبت فراحت تمسح بهلال ما بين سبابتها وإبهامها الدمعة عن خدّها !!
فكان وقع جمال ما سمعت من وصف العرب في نفسي، أسعد من سبقي للإجابة لو كانت عندي !!
سلاما لكل معلم عرف للغة قدرها، وحبّب تلاميذه فيها، ودعوةً لكل معلم ومعلمة أن يتقوا الله في تلاميذهم، وأن يغرسوا فيهم تقدير اللغة وحبّها، بالتحفيز والتشجيع وتحرّي الدقة لتقديم الأسلم ...
 ودعوة مني للآباء والأمهات  أن يدفعوا أولادهم للاجتهاد في اللغة، وتحصيل قواعدها وعلومها، فإنما هي الهوية، وهي العزة وهي لغة الكتاب المصلح للأرض، الحاكم فيها بوعد الله !
واغرسوا فيهم أنّها ليست حكرا على أهل التخصّص فيها، بل كم من صاحب تخصّص علميّ برع في اللغة وكتب بها كأحسن ما يبدع أديب !  فكان الطبيب الأديب والفيزيائي الأديب، كما كان القاضي الأديب والفقيه الأديب ! وإنّ حبّي لها من جنس هذا الحبّ، إذ لم أكن من أهل الاختصاص فيها فيها، بل كانت دراستي علمية،  لكن حبي لها كان وما يزال الأعلى .
اللغة العربية أصل وهويّة وجذور ضاربة في أصل الوجود وأصل الغاية من الوجود ! اللغة العربية حبّ قبل أن تكون قواعد تُدرَّس، اللغة العربية سليقة في صدر محبّ قبل أن تكون دروسا تُلقى في البيان وألوان البديع.
#اللغة_العربية
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #314 في: 2026-04-06, 09:15:56 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

جاء في سورة الحج قوله سبحانه :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)} -الحج-
نداء علويّ رباني للناس كافة، هداية من الله تعالى لكل عباده عبر عبده المصطفى صلى الله عليه وسلم الذي بعثه رحمة للعالمين، بهذا الكتاب الهادي الخاتم، فيه إيقاظ للفطرة المركوزة في البشر، فيه ذكرى للعباد ... فيا من تنكر البعث والحياة بعد الموت، والامتثال للحساب، انظر في نفسك، في خلق نفسك، أأشهدك الله على خلقك ؟؟ أشهِدتَ خلقَك ؟؟ ! 
أشهِدت من خلقك  شيئا، فاستدعى الحال أن يُؤخَذَ برأي تراه في نفسك، باختيار لك في خلقك بين ما تريد وما لا تريد، بين رفض أو قبول، بين مصادقة أو ممانعة ؟؟ !
يا هذا الذي إذ شببتَ عن الطّوق قمت تخاصم ربّك ! : {خَلَقَ الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ (4)} -النحل-
هذا الذي لم يكن شيئا مذكورا قام يخاصم ربّه، فأنكر البعث بعد الموت لا لشيء إلا لأنه ينكر ما لا يقدر هو عليه، أو ما لا يتصوّره عقله، ويكأنّه قدر على خلق نفسه التي يقوم بها مخاصما ليقدر على البعث !
ويكأنه شهد خلق نفسه التي يخاصم بها ليقدر على البعث !
{...فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ...}
تراب يا ابن آدم أصلك...تراب يا ابن تراب !
ثم من نطفة ماء أمشاج تكاثر البشر، فإذا أنت من ملايين الملايين واحد، ومن بعد النطفة أنت قطعة دم تعلقتْ بالرّحم !
فهل تذكرُك ساعة تعلقت به ؟ ! هل تذكر مصارعتك الأهوال لتتعلق  بجدار ذاك الرَّحِم ؟؟ هل أنت من قرّر أن يتعلق ؟ ! هل أنت من اخترت طريق تخلّقك ؟ !
ثم ها أنت كالقطعة تُمضغ بالأسنان !  مضغة مخلقة تامة الخلقة للخروج للدنيا، أو غير تامة الخلقة فتصير إلى سقْط !
قد تكون أو لا تكون، تلك إرادة الله ومشيئته فيك، فإن خرجت للدنيا فقد شاء أن تكون، وإن لم تخرج فقد شاء ألا تكون !  فأيّ دور لك أيها المخاصم المبين في شيء من خلقك، لتخاصم وتجادل في البعث ؟؟ !!
هذا الذي خلق وقدّر، ولم تكن على شيء من أمره فيك شاهدا ولا صاحب رأي ولا صاحب فعل في نفسك التي بين جنبيك خُلقتَها، واليوم أنت تخاصم بها، أليس بقادر على أن يحيي الموتى ؟ !
{...وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ...}
يُقرّ في الأرحام ما يشاء سبحانه، وكيف يشاء : {هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاء لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(06)}-آل عمران-... الكيف له والنوع له سبحانه لا لأحد غيره .
يقرّ ما كنت، وكيف كنت، فهل كان لك الاختيار في شيء ؟؟ لعلك اخترتَ أن تكون الذكر أو أن تكوني الأنثى ؟؟ لعلك تخيّرت من بين ما عُرّفتَ من سبل الخلق سبيلا، فجئت به إلى الدنيا باختيارك ؟؟ !
ثم أنت الطفل الذي يكبر على عين ربّه، ثم على عين أبوَيه..  وها قد بلغت أشدّك !
أفيشتدّ عودك لتشتدّ خصومتك لربك الذي صورك، ورعاك نطفة، ورعاك علقة، ورعاك مضغة، وشاء أن تكون ولو لم يشأ لم تكن !
وقد حدّد أجلك الذي ستبلغه، قد يأتي في أي حين من أحايين عمرك، وقد يطول بك العمر إلى أرذله، ولكنك في كل حال لك أجل مسمّى، وبه إلى ربّك أنت راجع !
فيا صاحب الرحلة المحتومة ! يا من لم تكن شيئا مذكورا، يا ابن تراب ! ويا من أنت من ماء ! يا من كنت مضغة مخلّقة فكنتَ بإرادة من قال كُن فكنت، يا أيها المخاصم المبين، يا أيها المجادل في ربك بغير علم، انظر إلى الأرض يا ابنها ! انظر إلى التراب يا ابنه !  وأنت تنظر في نفسك، انظر معي للآيات تتسق، فلا يأتي حديث عن الأرض من غير ما وشيجة ولا رباط !
 {وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5)}
هامدة، ساكنة لا حياة فيها، لا انبعاث للحياة منها !
هامدة فإذا أنزل الله عليها الماء اهتزّت من بعد همود، اهتزّت من بعد سكون، وربت فزيد فيها بما صار فوقها، بما خرج منها ونبت ! لقد أنبتت ...  أنبتت من كل زوج بهيج ...
كذلك كان خلقك يا ابن الأرض ! يا ابن تراب، من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب، هو ذاك الذي فيك يبعث الحياة يا ابن تراب ! هو ذاك الذي في أبويك بأمر الله بعثك حياة في تراب ! فاهتزّ الرّحم وربا وأنبتك  :{وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17)}
وإن آية الأرض هذه، كما هي عن خلقك، فهي أيضا عن بعثك، متعلّقة بالحالَين، كما أنت المتعلّق بالحالين، ما خلقتَ إلا لتُبعَث، وما بعثت إلا وقد خلقت أول خلقك !
هي الأرض الهامدة التي يُقبَر فيها الإنسان، فإذا هو في باطنها وقد كان يوما عليها، هي الكِفات التي تقلب ظهرا إلى بطن !
هامدة والموتى في بطنها ساكنون هامدون، لا حياة ! فإذا تأذن ربك اهتزت وربت وأنبتت !
آية جمعت بين القضيتَين، لتجمع بين ما سبقها من آيات الخلق، وما هو آت من آيات عن البعث، لتفهم بهذا التعلّق فيها من الناحيتين تعلّق الإنسان بالقضيتين لا محالة ولا ريب !
فليس من خلق بلا بعث ولا من بعث بلا خلق !
فإذا أنت تسمع بعدها :
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6) وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (7)}
💎 بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ----> كما خلق بالحق :{ مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ...} –الأحقاف- فإن البعث منه كما أنبأنا  حق  .
💎 وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى----> كما أحياك من بعد ما لم تكن شيئا، كما أحياك بعد موت سبق حياتك : {كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (28)}-البقرة-  سيحييك بعد موتك.
💎 وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ----> على البعث بعد الموت كما على الخلق من بعد اللا شيء .
💎 وَأَنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا----> كما جاء في بداية السورة عنها : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (1)} . وكما جاء في بداية الخطاب عنها : {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ...}
** وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ---->  زيادة تأكيد على : (هو الحق+يحيي الموتى+على كل شيء قدير+ الساعة آتية لا ريب فيها).
فتأمل تسلسها والتدرّج فيها :
فلأنه الحق سبحانه، فقد قضى أنه كما خلق بالحق فإحياؤه الموتى حق، وإحياؤه الموتى من مقتضيات أنه على كل شيء قدير، فليس يستعصي وليس يستحيل على قدرته شيء، ولأنه على كل شيء قدير فهو سبحانه ملك يوم الدين الساعة الآتية لا ريب، والتي فيها يبعث الله من في القبور  للقيام بين يديه ...
اللهم إيمانا ينبعث فينا حياة،  ويقينا لا يُهزّ. 
#سورة_الحج
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #315 في: 2026-04-06, 09:16:23 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

كنا قد عرفنا في سورة الحج عن أطوار الخلق؛ وقد ابتدئت السورة بالحديث عن الساعة وزلزلتها، فسيق التذكير بالمعجزة المتكررة ما دامت الدنيا، معجزة خلق البشروتخلّقهم  في الأرحام طورا من بعد طور، في تطويف بالفكر البشري المنكر للبعث، إلى الخلق الأول ورحلته الممضاة من الله من غير أدنى دخل للإنسان فيها، وهو الذي لا يُكبِر أن يتطاول على صاحب الأمر المقضيّ المُمضى والقدرة المطلقة بإنكار إنبائه عن بعث بعد الموت؛ عرفنا منها هذه الآيات :
{يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (5) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (6)}
فالذي خلق هذا الخلق، قادر على أن يحيي الموتى .. هو الخالق سبحانه والمخلوق المخاصم !
ثم لا تبتعد عن "الحج"، حتى تجدك مع السورة التي تليها: "المؤمنون" لتؤخذ في هذه الرحلة من جديد، ولكن بصيغة أخرى، ولغرض آخر، وفي سياق مختلف، في سياق: "المؤمنون" وما يحمل الاسم من معنى ...
تبدأ السورة ببعض أوصاف للمؤمنين المفلحين، لتُؤخذ بعدها إلى قضية الخلق، إلى تلك المعجزة الباهرة التي تسمع عنها في كل حين، وتراها وتلمسها فيك وفيمَن حولك ... تراك فيها، وهي تتكرر، تكررك وتكرر كلّ إنسان ! فكل صاحب رحلة جديدة هو أنت أيها الإنسان !
فمن بعد  إحدى عشرة آية هي صدر السورة، جاءت عن المؤمنين المفلحين الذين يُختم القول عنهم بــ:
{أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (10) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (11) }
تبدأ أطوار الرحلة :
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (12) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (13) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (14) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16) وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)}
لقد كانت صفات للمؤمنين الذين آمنوا بربهم الذي خلق؛  فيا أيها الإنسان كيفما كنت، وأينما كنت، انظر للربّ الذي أنت بالإيمان به تسمى المؤمن، الذي أنتم بالإيمان به تسمّون المؤمنين؛ فلننظر في سورة "المؤمنون" ...
يا أيها الإنسان إنما خلقتَ لتؤمن بمَن خلقك ...
من سلالة من طين خلقتَ، ثم نطفةً في قرار مكين جُعلت،  قطرة ماء أمشاج بين رجل وامرأة أنتَ ! في قرار مكين أودِعَتَ قطرة !
ثم أنت العلقة من النطفة، ثم أنت من العلقة مضغة ! ثم هي ذي العظام، يأخذ كل عظم مكانه وينحى كل عظم منحاه، ويلتقي العظم بالعظم، وينفصل العظم عن العظم، مأمور هو كل عظم بأمر !
ثم هو ذا أنت يا "عظام" ...  تُكسَى لحما !
ثم أنت المُنشَأُ خلقا آخر، تُنفخ فيك الروح، تكتمل خلقتك، يكتمل خلق كل عضو فيك ...
ولكن ... تريّث وتمهّل وانظر مليّا ..
** وَلَقَدْ خَلَقْنَا  ** ثُمَّ جَعَلْنَاهُ   ** ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً   **فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً    **فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا  **ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آَخَرَ  **فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ .
كم مرة ذكر الخلق في هذه الآيات ! بين الخلق والجعل والإنشاء، كلها أطوار للخلق، وكلها تأكيد على قضية الخلق .
إنّ السياق في هذه السورة سياق الإيمان، بينما كان سياق سورة الحج البعث، المحور في هذه الإيمان، والمحور في السابقة كان البعث ... فجاء الخلق هنا مكرّرا مع كل طور؛ ولقد نزل أول ما نزل إلى الأرض من وحي الله تعالى ومن هُداه إلى عباده قوله تعالى :
{اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَق(2)}
كان أول ما نزل أمرٌ للمخلوق أن يقرأ باسم خالقه، الذي خلقه من علق...  كانت القضية الأولى التي عُلِّمَها الإنسان، القضية الأساسية للإيمان ! قضية الخلق.
دُعِيت أول ما دُعِيت أن تعرف ربّك الذي خلق عموم مخلوقاته، ربك  الذي خلقك أنت. خلقك من علق !
فتجد منحى آيات الخلق في "الحج" إلى البعث  والساعة وإحياء الموتى (عُد إليها من 5إلى7) ، بينما تجد المنحى في سورة "المؤمنون"  إلى الخلق الأول ...
نعم... تُذكَّر قبلها بما يؤول إليه خلقك الأول :
{ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (15) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (16)}
ولكن يعود بك السياق تارة أخرى إلى الخلق الأول، إلى قضية الإيمان المتسقة مع اسم السورة: "المؤمنون"، المتسقة مع صدرها الذي جاء فيه من صفات المؤمنين المفلحين ...
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (17)}
خلق السماوات من فوقك وهي الطرائق طبقة فوق طبقة ..
لتأتي الآن...  الكلمات الفاصلة، الكلمات الجليلة المهيبة المدويّة تهزّ الآفاق هزّا، تهزّك يا أيها الذي تخلّقت من ربك طورا إثر طور :
{وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ }
ما خَلَقك سبحانه ليتركك، ما خلقك من سلالة من طين، ثم أقرّك نطفة في قرار مكين، ثم خلقك العلقة، ثم المضغة ثم العظام ثم كساك لحما، ثم أنشأك خلقا آخر،  ليتركك بعدها هَملا ... !
وما خلق الطرائق الطباق ليتركها، وما خلق كل ما خلق ليتركه، ليس بغافل عنك ! ولا بغافل عن كل خلقه، وهو المؤتمر كلّه بأمره، القائم بنواميس أقرّها فيه ... في الشمس وفي القمر، في الليل وفي النهار، في الجبال وفي البحار، في الشجر وفي الحجر، في السهول وفي الوديان، في الروابي وفي التلال، في الصحارى وفي الجِنان .. !
ما كان سبحانه غافلا، بل "" يدبّــــــــــــــر"" الأمر :
{ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ...} –السجدة: 05-
خلق وهو المدبّر الذي يقوم كل شيء بأمره وعلى عينه وبإرادته فيه، لتتوالى الآيات من بعدها، وفيها عن خلق الله، وعن بديع صنعه وأمره فيما خلق :
{وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (18) فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (19) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ (20)....} 
لا أيها الإنسان المخلّق طورا من بعد طور !
لم يكن عنك غافلا سبحانه ! فكما تقوم السماوات بغير عمد، وبإذنه هي التي لا تقع، وكما دُحِيتْ الأرض وجعلت لك مهادا ومستقرا، وكما هي الجبال رواسٍ لئلا تميد الأرض بك، وكما أن الليل آية مُمحاة، والنهار آية مبصرة، وكما أنّ كل ما خلق مهدِيّ لما خُلِق ...
كما قال موسى عن ربّه، وهو يُسأل : "فمن ربكما يا موسى"، {  رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ (50)} -طه-
ما كان عن مخلوق منها غافلا سبحانه... ! وكذلك حالك،  لم يخلقك ليغفل عنك، بل خلقك ليبتليك ... !
ويا عظمة هذا الكتاب، ويا عظمة آيِه الناطقة بعظمة منزلها... إنني وأنا أحدّث عن الابتلاء ... تجيبني "المؤمنون"، تناديني آية من آياتها، وهي سياق الإيمان والمؤمنين :
{...وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِـــــــــينَ}
فيا أيها الإنسان !  بل يا أيها المؤمن، هذه سورة "المؤمنون"، وهذه صفاتهم في أولها، ثم هذه تذكرة برحلة خلقك، لتُعَرَّف أهم قضية  لإيمانك "قضية الخلق"، ثم إنك لم تُخلَق ليغفل عنك خالقك، بل إنك الذي خلقتَ لتُبتلى ... !
هي قضية الإيمان، وهي محوره، ثم هو الابتلاء محور الوجود أصلا !
ويكأن سورة" الحج" وقد تقدمت سورة "المؤمنون"، تقول معها في اتساق وتسلسل : إنما تبعثون لأنكم خلقتم،  وهذا خلقكم،  وتلكم رحلته التي لا تنقطع إلى يوم تبعثون!  وإنه ما كان خالقكم عنكم سبحانه غافلا،  بل قد هداكم أنه الذي خلقكم، أفتؤمنون؟!  أفتعبدونه؟ وهو الحقيق بالعبادة وحده، وذاك  ابتلاؤكم،  وهذا بعثكم لجزائكم على ما أبليتم!
#سورة_المؤمنون
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #316 في: 2026-04-06, 09:18:09 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122) قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } -طه-
"ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى"
تاب عليه ربّه وهداه؛ وإنه رغم توبته أهبِط الأرض، ولم يبقِه الله في الجنة  !
ذلك أن الله تعالى قضى في سابق علمه وإرادته أن يُهبَط آدم، وأن يكون في الأرض خليفة..
ولقد حاجّ موسى آدمَ في خطيئته التي أخرجته من الجنة، فجاء في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم صحيح :
" احْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى؛ فَقالَ له مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذي أَخْرَجَتْكَ خَطِيئَتُكَ مِنَ الجَنَّةِ؟! فَقالَ له آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذي اصْطَفَاكَ اللَّهُ برِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي علَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟! فَقالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى، مَرَّتَيْنِ. " -صحيح البخاري-
"حجّ آدم موسى"؛  قالها صلى الله عليه وسلم مرتين، أي غلبه بالحجة، وكان الحقّ ما قال؛ إنه الأمر الذي قُدِر على آدم عليه السلام، أن يُهبَط إلى الأرض، أن يكون فيها خليفة لا في الجنة، وقد قالها الله تعالى : {إنّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَليفَة} -البقرة-. 
إنه ليس الاحتجاج بالقَدَر على الخطيئة التي كانت منه، بل هو الاحتجاج بقدر الله أنه المُهبَط إلى الأرض من قبل أن يخلقه، فلا بقاء له بالجنّة.
وكُثُرٌ هم القائلون بتسبب آدم -عليه السلام- في الهبوط، وكأنّ الجنة كانت هي قَدَرَه، وهي شبهة يدحضها ما جاء في الحديث أعلاه  .
ذلك أن الله تعالى قضى في سابق أقداره وعلمه أنّ آدم للأرض قد خُلِق من قبل خلقه أصلا :
{إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} -البقرة-
وكأن الله تعالى أدخل آدم الجنة ليعرّفه مستقرّه الذي لا حِول له عنه حينما يحقق الطاعة لله تعالى، فلما أن وسوس الشيطانه له، أخرجهما منها، وقد كانت كُبرى غايات الشيطان -عليه لعائن الله- أن يعصي آدمُ ربَّه لا أن يُخرَج من الجنة أو أن يبقى فيها، بل أن يعصي أمر ربّه  !
ولقد حقّق الشيطان مبتغاه فيه : {وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121)}
لكنّ الله تعالى ما أهبط آدم إلا وقد تاب عليه، وإنه -وقد تاب عليه- لم يُبقِه في الجنة، بل أهبِط رغم توبته، لأنّ ذلك لم يكن موعد الخلود فيها... بل إن موعده بعد انتهاء الخلافة التي جُعِل لها في الأرض ..
أهبِط آدم بعُدّة ولم يهبط خاوي الوِفاض، أهبِط بحبل النجاة الذي لا يقطعه عن ربّه، بل يعيده ويبقيه الموصول :
{ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}.
فأما أوّل عُدّته فإيمانه، وأما ثانيها فالتوبة..
لقد فتح الله لآدم باب التوبة من قبل أن يهبط، حتى تكون التوبة لازمة لا تنفكّ عن الإنسان، أهبِط بها الأرض عُدّة وتأصيلا لحركته على الأرض، وهو الإنسان الذي سيخطئ وسيزلّ وسينسى، وستكون نفسه  مع ساعة وساعة !
ولك أن تتخيّل حال الشيطان –عليه لعائن الله-، لو أنّ الله تعالى لم يجعل من عُدّة آدم في هبوطه حبل التوبة ! لك أن تتخيّل حال الإنسان لو أنه إذ يغويه الشيطان ويزلّه ويوقعه بالمعصية والخطيئة، لا يجد ما يرأب صدعَ نفسه، ولا ما يلملم شتاتها، ولا ما يُوقف نزيف الخطيئة ويُلئِم جُرح الذنب ! لك أن تتخيّل نفسك وأنت الذي إذا ما أخطأت لم يكن هناك من دواء ولا طِبّ ! وإنك من ساعتها للشيطانّ وليّ، فهو وليّك ومحبّك، ولم يبقَ لك في رِحائب النور من بصيص !
"التوبة" .. ذلك الحبل الممدود من الله، الممتدّ إلى الله ! "التوبة" سرّ بقاء الإيمان في الأرض، وسرّ غلبته .
لقد تاب آدم من قبل أن يُهبَط، ولقد تاب عليه ربّه من قبل أن يُهبطه، وإنه كما عُلّم الأسماء قد عُلّم كلمات التوبة، وألقي فيه من أول ما ألقِي النّدم على الذنب :
{فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)} -البقرة-
تلك الكلمات المنجيات، تلكم هي خيوط الحبل الممدود من ربّ العزّة سبحانه إلى عبده، تلك هي العُدّة التي أهبِط بها آدم إلى الأرض، وتلكم هي ميراث النبوّة والهداية، ونور تبيّن طريق العودة من بعد ضلال عنها أو زيغ أو ابتعاد .. وإن طال بالضال الأمد !
ولقد أسمعنا الله ما ألقى إلى آدم من كلمات، أسمَعَنَاهَا من آدم ومن حواء :
{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ }-الأعراف : 23-
لقد عُلّم أن :
💎 المعصية ظلم لنفسه.
💎 وأنّ الله هو الغفور الرحيم.
💎 وأنه الذي يُسأَل الرحمة والمغفرة.
💎 وأنّه من غير رحمته ومغفرته هو الخاسر.
ولقد عُلِّم فوق كل هذا، أنه سبحانه الذي يجيب، وأنه التواب الرحيم:
💎 {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)} –طه - 
💎 {فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ ۚ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) } -البقرة-
إنه –عليه السلام- لم يُدخَل الجنة ليخلد فيها من ساعته، بل ليُعَرَّفَها، وليُعَرَّف عاقبة نسيانه إنذار ربّه مغبّة اتباع عدوّه، عدوّه الذي حذّرهُ الله خطاه من قبل أن يوسوس إليه: { وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى(116) فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى(117) }-طه-   
ما من سلطان للشيطان على عباد الله المخلَصين :{ إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ} -الحِجر-
عباده الذين تعهّد الله بحفظهم بما يقدّمون من أنفسهم،  لا من آيات الطاعة والاستقامة التي تعني فيما يُساء فهمه أنها العيش بلا أدنى خطأ وبلا أدنى زلل، بل عباده التائبون؛  وانظر إليها وهي أول ما يُذكر من صفات المبشرين بالجنة :
 {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} -التوبة-
إنه –عليه لعائن الله- مع التائبين العائدين إلى رحاب الله، ذو الكيد الضعيف : {...إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}  -النساء:من76-
إنه مع عُدّة آدم التي أهبِط بها الأرض، ضعيف مهزوم مدحور؛ بل إن الله جلّ في عُلاه، حينما سأله النَّظِرة أعطاهُها وهو سبحانه العليّ الكبير العظيم الذي لا يُغلَب ولا يُقهَر، ولا يكون إلا ما يريد !
وإنه لو لم يُنظَر من الله لما كان له فعل في الأرض، ولكنّ الله أنظره بإرادته وحكمته، أن جعله الابتلاء للإنسان، أيتخذه الوليّ وهو العدوّ أم يستيقن من عداوته، فهو المخلص لربّه، التائب العائد كلما أذنب أو زاغ أو زلّ .. : {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلا(50)} -الكهف-
وهو الذي أنظِر بإرادة من الله وحده، ما أن أنظِر حتى انتفش فتوعّد :
{قَالَ رَبِّ فَأَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(79)قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنظَرِينَ(80)إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ(81)قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(82)إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ(83)} .
وإنه وهو يتوعّد، موقن أنه لا سلطان له على عباد الله المخلصين، على عباد الله التائبين ...
إنها "التوبة" سلاح المؤمن الماضي، سلاح الإنسان الماضي، وإنها الصفحة التي تُفتَتح جديدة بيضاء نقيّة في كل مرة : "التَّائبُ من الذَّنبِ كمَنْ لا ذَنبِ له".
لقد كانت عُدّة آدم للهبوط، وهي عُدّة بنيه في كل زمان، لا للهبوط بل للعودة إلى رحاب الله السمِيّة، للعروج والرقيّ إلى الرحاب النورانية !
إنّ إهباط الله لآدم لم يكن إهباط غضب –كما يعتقد الكثيرون-، بل كان إهباطا مع توبة، تاب عليه ثم أهبطه: { ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى}، هكذا أهبطه؛ كان إهباط قدر إلهيّ مقدّر من قبل أن يُخلَق؛ قدّر له أن يكون في الأرض الخليفة، "الخلافة" لا بملائكية لا ذنب معها ولا زلل، بل ببشرية مرقاتها "التـــــوبة"، حبل نجاتها التوبة، حبل وِصالها بربّها التوبة .
لقد كان إهباطا إلهيّا مقدّرا برحمة لا بغضب، ولو أنه سبحانه أهبطه بغضب لما كان له ولا لبَنيه من خير يُرجى، وهم إذ ذاك المنبوذون المطروحون الذين لن يُفتَح لهم باب لرضى من الله أو فوز بحُسناه ... !
نعم لقد كان الإهباط، ولكنه كان القدر الإلهيّ للابتلاء، لهذا البشر الذي خلق ضعيفا، تزلّ به قدم، وينسى ويغفل، ويذنب، ويعصي، ولكنه ليس بالذي يُطرَد، بل إنه الذي يُنادى ليتوب، يُنادَى ويد التواب الرحيم مبسوطة له آناء الليل وأطراف النهار : {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} -التحريم-
وما أهبِط آدم إلا بعُدّته، تلك العُدّة النورانية التي أورثها بَنِيه، فكانت سِمة من سمات عباد الله المخلصين : " كلُّ ابنِ آدمَ خطَّاءٌ ، وخيرُ الخطَّائينَ التَّوَّابونَ "-صحيح الترمذي-
عبد الله المخلص لله، هو العصيّ على الشيطان، كيفما زيّن له وكيفما حاول وكيفما حثّ سعيه، لن يفلح معه وهو الذي يتوب ويؤوب، وإن الله العظيم الذي لا يُغلَب إذ أنظر الشيطان عليم بكلّ ما سيكون من عمله في الأرض وسعيه الدؤوب مع بني آدم ليعصوا، وليتمردوا على ربهم، وليخاصموه خصاما مبينا..
فاسمع لعظمة الربّ العليّ سبحانه، وهو يعلِمه بما هو كائن منه، والذي يراه الشيطان حربَه الضروس على الإيمان في الأرض : {قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلاَّ قَلِيلاً(62)قَالَ اذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاء مَّوْفُورًا(63)وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا(64)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً(65)}
(لأحتنكنّ : من "احتنك"، أي وضع بحَنَك الدابّة حبلا ليقودها به .)
اذهـــب ! احتنِكْ.. هي الأرض أمامك، أنت أيها المُنظَرُ بإرادة الإله الواحد، ولولا إنظاره لك لما كان لك عليها من رِكز !
استفزز بصوتك، أجلِب عليهم بخيلك، اجمع جنودك كلهم وألّب عليهم، ائتِهم بكل قوة فيك وبكل قوة لك، شاركهم في الأموال، زيّن لهم حرامها وعبادتها من دون الله، شاركهم في الأولاد، زيّن لهم العمل على إرضائهم وإن على حساب رضى الله، وعِدْهم  وغرّر بهم ... !
هي الأرض أمامك ...  بكل ما تدّعي لنفسك من قوة، وبكل جندك وأوتادك وحربك، إنّه لا سلطان لك على التــــــــــــــائبين !!
تلكم عُدّة آدم التي أهبِط بها ليورثها بَنِيه من بعده، وقد كان ! وإنها العقبة الكؤود في طريقك أيها المنظَر بأمر الله !
عباد الله المخلصون، عصيّة أنفسهم على الشيطان، لا لأنهم لا يذنبون، لا لأنهم لا يخطئون، بل لأنهم يتوبون !
تلك العُدّة التي كان أوّل من اعتدّ بها فأنجته، آدم عليه السلام : {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ} ...
تلك العُدّة التي كانت ليونس –عليه السلام-، فنادى في الظلمات أن : { لّا إِلَهَ إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } فاستجاب له ربّه، فنجاه من الغمّ، واجتباه : {فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ}-القلم-
تلك العُدّة التي دعا الله نساء من خيرة  مَن عرفت الدنيا إلى الأخذ بها،  زوجتَيْ رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ دفعتهما الغيرة إلى التظاهر عليه، وأفشت إحداهما سرّه إلى الأخرى، فناداهما الله إلى ما يصلح حالهما، إلى التوبة في قرآن يُتلى إلى يوم الدين : {إِن تَتوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا ۖ وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ ۖ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَٰلِكَ ظَهِيرٌ (4) }-التحريم-
بل لقد كانت صفة من صفات الخيرية في مَن هنّ أهل لأن يكنّ زوجات للنبي صلى الله عليه وسلم : {عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)}-التحريم-
إنها تلك العُدة النورانية المنجية التي هي الاستثناء في قضية البراء من أعداء الله، فمن تاب انقلب من عدوّ إلى وليّ : {فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (11)} -التوبة-
 {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (3)} -التوبة-
{فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (5)} -التوبة-
وإنها العُدّة التي هي الاستثناء في قضية النفاق :
{إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا(145)إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا(146)} -النساء-
وهي العُدّة التي أخرجت كافرين لُدّا من الظلمات إلى النور، من بعد ما ظُنّ أنهم الذين لن يهتدوا، ولن يُسلموا، وأنّ إسلام أحمِرتهم أقرب من إسلامهم ! وأخرجت كفرة من عِداد المغضوب عليهم إلى عِداد المرضيّ عنهم، وقد شجّوا رأس نبيهم وكسروا ثنيّته، حتى بلغ به الغضب مبلغا، فنزل قول الله تعالى يبشر بأنّ الأمر لله، وأن منهم هُم من سيكون عزوة للإسلام والمسلمين :
{لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} –آل عمران-
وهي العُدّة التي كانت منجاة للثلاثة الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت :
{وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}-التوبة-
هي العُدّة النورانية التي كان مَن أمّل قاتل التسعة والتسعين نفسا في أهليّته لها، واحدا ممن استحقّ لقب العالم عن جدارة وهو إذ علم قد فقه  أنما التوبة باب للرحمة لا يُوصَد .. !
هي العُدّة المُنجية من كل مهلكة، التي تعيد صاحبَها إلى حِياض الإيمان والأخوة والولاء، وإنك حيثما وليتَ وجهك في القرآن فثَمَّ التوبة، والتوبة ثم التوبة ...  فالمغضوب عليهم لكفرهم أو لمعصيتهم، أو لتمرّدهم أو لاستكبارهم أو لنفاقهم، أو لفجورهم، أو لفسوقهم، كلّهم يُعقَب الغضب عليهم باستثناء من يتوب منهم، بعودة الرضى الربانيّ على من يتوب منهم !
بل إنك في القرآن تجدك مع سورة تحمل اسم عُدّة آدم "التوبة"، سورةٌ، من غضب الله عند نزولها، نزلت دون بسملة، فتجد الغضب الإلهيّ فيها حرّا، فلا تُعدَم نسائم الرضى كلما أتيتَ على التوبة فيها وهي تستثني وتستثني !
بل يا لِتِلك الآية العجيبة البديعة في سورة النور :
{وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (22)}
وهي التي نزلت في أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- تدعوه أن يعود للإنفاق على مسطح بن أثاثة قريبه، الذي كان يعطيه من فضل الله صدقة، فلما تجرأ على عائشة وحدّث بالإفك الذي طالها، قطع عنه الصدّيق العطايا، فنزلت تدعوه أن يعود لإعطائه، وأن يعفو ويصفح، في دعوة للإنسان أن يجرّب مِن فعل الله تعالى نزرا، الله الذي يعفو ويصفح ويغفر كل ذنب، كل ذنب ! إلا أن يُشرَك به ... جرب أيها الإنسان ! جرب أن تصفح عمّن أساء، بل وبكبير إساءة ! جرب فإن الله يصفح ويعفو عن كبير كبير الإساءات ! ألا تحبّ أن يغفر الله لك ؟؟
فما كان من أبي بكر الصدّيق الصَّدوق إلا أن قال: " بَلَى واللَّهِ يا رَبَّنَا إنَّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنَا " .. وعاد للإنفاق على قريبه .
وإنها الدعوة لكل المؤمنين، بكل درجات إيمانهم أن يعتدّوا بها عُدّة في كل حين وفي كل حال :
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} -التحريم-
لأجل هذا وكثير منه ومن شاكلته، أهبِط آدمُ الأرضَ ولم يبقَ بالجنة رغم توبته، لأن إهباطه كان القدر المحتوم للخلافة في الأرض وللابتلاء، ولأنّ التوبة كانت تأصيلا لوجوده الإيمانيّ في الأرض، فكانت له ولبَنيه العُدّة لتحقيق الخلافة فيها، كانت المُنجية المرقّية، وكانت الحبل الممدود الذي لا يَقطع عن الله، والتي تُبلِغ الجنة ساعة موعد الخلود فيها !
#التوبة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #317 في: 2026-04-06, 09:35:42 »
«رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ» [النور : 37]
لأنهم يخافون، فهم يحترسون أن تلهيهم تجارة أو بيع عن ذكر الله !   يخافون أن يتلهّوا عن صلتهم بربهم بعوارض  الدنيا...
له من المال الكثير،  فهو الغائص الحائص،  بين تتبع وحساب ومراقبة وتربص،  وبيع وشراء،  وعقد للصفقات وتشوّف لصفقة تالية وتالية،  ونجاح مبيعات،  ورواج سلعة ! وساعة صلاته قد ضاعت، لم يسعفه الوقت، استغرق منه العمل كل الوقت!! 
وساعات ذكره قد ضاعت، في خضم التحصيل، ضاع ذكره لما يجب أن يكون  وما لا يجب أن يكون،   لما يرضي الله وما لا يرضيه، الكل أصبح عنده مقبولا !  في خضم الفوضى المادية العارمة!  الفتوى جاهزة والدنيا تؤخذ غلابا ! وإنه المضطر المُكرَه! ولا تثريب! وهو يتحجج بالعمل ومتطلبات الغلبة،  والفوز،  فيُؤخذ عن صلاته.. وعن ذكره لله وتحرّيه حلالا من حرام!!
تضيع منه سويعات لتحبيب أبنائه في القرآن،  وتخصيصه للقاء أسريّ جامع لتفسير شيء منه، أو من الحديث بما يناسب مستوى فهمهم...،   فإذا هو عمله وتجارته وأمواله الكثيرة  وما يلزمها من متابعة دؤوبة ومراقبة للعمال حثيثة،  واحتراس من مضاربة للمضاربين وترصد من المترصدين، ومن حسد حاسدين  وعين عائنين !!
ويأخذه العمل واللهث خلف نجاح أكبر من نجاح له كان، عن جلسات مع نفسه للمحاسبة وللحديث الكشفيّ التقييميّ التقويمي !
ولا تجد الخوف من هذا التلهي،  بل تجد الفرحة بالصفقة تلي الصفقة وتُعلي الصفقة،  والأموال تتكدس إلى الأموال، والشغف بها يُزاد إلى الشغف...  ! 
لا يشترط أن تكون الثروات الطائلة،  بل إن أبسط من الطائل بكثير يأخذ الكثيرين ويلهيهم عن ذكر الله،  عن العيش بما يرضي الله،  وعن الصلاة وعن الزكاة...  ! 
والحُجة...؟!!   إنه العصر،  عصر السرعة والمادة ومستلزمات التقافز فيه ! وما باليد حيلة،  والله غفور رحيم !!
أما أولئك،  فإنهم 💎««يخــــــافون»»💎  ...  يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار...  !
يخافون ذهاب النور من القلب  وحلول الظلمة مكانه !
أراه يوما في الدنيا، يُخشى،  وفيه يتقلب القلب من الخوف إلى الغفلة،  من الاحتراس إلى اللامبالاة،  من الحرص على العلاقة بالله إلى ذهاب الحرص !! وأنّى لا يُخاف!!
كما أنه يوم عظيم مجموع له الناس بين يدي رب العالمين،  يوم يضطرب فيه القلب، ولا يثبت فيه البصر من شدة الأهوال،  وقد زالت الدنيا بما فيها،  وبقي العمل...! ليس عمل المال، بل عمل اللقاء المحتوم !
أفتُراه يُجزي أم تراه البضاعة المجزاة ؟!!!
عافنا الله ورزقنا الفهم والاحتراس .
#سورة_النور
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #318 في: 2026-04-06, 09:36:12 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة الشعراء، بعض الآيات تتكرر مع كل قصة نبي؛ وقد جاء ذكر موسى عليه السلام مع قومه، ثم قصة إبراهيم، ثم  نوح، ثم هود، ثم صالح ثم لوط ثم شعيب عليهم جميعا صلوات الله وسلامه ..
من قول الأنبياء جميعا إلى أقوامهم، يقدّمون لدعوتهم فيهم :
{إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (178) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (179) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (180)}
لازمة تتكرر مع السورة بمحطات قصص الأنبياء فيها ..
رسالة واحدة ممتدة في الزمان والمكان، والرسل جميعهم، حلقات في سلسلة دريّة سنيّة ربانية جاؤوا بالدين الواحد، والدعوة الواحدة؛ كلّهم أهمّ صفاتهم وأبرز سماتهم "الأمانة"، فدعوتهم أقوامهم إنما هي لتقوى الله وطاعة أمرهم فيهم من أمر الله، وأنهم ما جاؤوا يسألونهم أجرا، إنما أجرهم على ربّ العالمين .
لا يريدون من العباد جزاء ولا شكورا ! الإخلاص والصدق والأمانة تجمعهم ... كما تجمعهم الدعوة الواحدة إلى عبادة الله الواحد ...
لازمة نبوية دعوية، تتكرر في السورة وتُعاد، تومئ إلى الدعوة المتوارثة عبر الزمان من نبي إلى نبي وصولا إلى خاتمهم وإمامهم عليهم جميعا صلوات الله وسلامه .
لتجد في السورة لازمة أخرى هي من كلام ربّ العزة سبحانه :
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (😎 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}
فكان أول ظهور لها في السورة، في صدرها والحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصدود قومه، وكيف أنه سبحانه لو شاء لأنزل عليهم آية (معجزة) حسيّة تخضع لها أعناقهم وينقادون بها مسلّمين، ولكن الله لم يشأ: 
{طسم (1) تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (3) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (4) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (😎 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)} .
وتأمل .. بداية السورة بذكر آيات الكتاب :{ تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)}.. 
هذه الآيات التي هي الكافية الوافية الشافية، التي لا تعلو عليها آية ( من معاني "الآية" في القرآن المعجزة، فالاسم الأصح  لها هو آية لا معجزة).
لتجد بعد آيات قليلة أول ظهور لهذه اللازمة : {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (😎 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}،  مقرونة بذكر الأرض وإنبات أزواج النبات فيها .
فإن الكتاب المسطور(القرآن) والكتاب المنظور(الكون) أعظم الآيات التي كانت بها البشرية-مع بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم-  على موعد مع الاعتداد بها وحدَها وهي أعظم الآيات، تأصيلا لمرحلة الرشاد العقليّ، خروجا بالبشرية من مرحلة الطفولة التي تنبهر للحسيّات، إلى مرحلة الرشاد..
مرحلة النظر في آية (معجزة) القرآن  العظيمة، وفي آيات الكون ...
يا «محمد»... إنه عصرك، عصر الرقيّ بالبشرية إلى النظر العقلي، والمعرفة عبر العقل لا المعرفة الإبهارية التي تأخذ الحسّ زمنا ثم تنطفئ !
{إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (😎 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)} ..
ما كان أكثر الناس مؤمنين، وإن الله مع ذلك لهو العزيز الذي لا يُغلَب ولا يُقهَر، ولكنه سبحانه مع عزته هو الرحيم، الذي يرحم إذ يرسل، ويُتبِع الرسول بالرسول، والتذكير بالتذكير، ويهدي، ولا يعذّب إلا وقد بعث الرسول الهادي ...
ويتوالى ظهور هذه اللازمة بعد كل قصة نبيّ من الأنبياء الوارد ذكرهم في السورة ...
مع موسى عليه السلام، في تنجية الله له ولمن معه وإغراق عدوّه، لترى إغراق الله للمستكبر الذي دعا الناس كذبا وإفكا ليعبدوه : "أنا ربكم الأعلى" ...
وإن في إغراق المتربّب الأفاك المستكبر المتألّه لآية، وفي إنجاء النبي الأمين الصادق الداعي إلى الرب الواحد الذي لا يبتغي أجرا من أحد، لآية ... {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (😎 وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)}
وإن أكثرهم –كعادة البشر مع توالي الإرسال للهداية- لا يؤمنون، وإن الله لعزيز لا يُغلَب، وهو الرحيم إذ يغرق المتربّبين المتألهين ذوي القوة والأوتاد في الأرض بالباطل ..
ولتجد اللازمة مرة أخرى مع قصة إبراهيم، وهو يدعو ويعدّد من آلاء الله ونعمائه، ومن كرم هدايته، وتمام إنعامه على المؤمنين ورهيب تعذيبه للكافرين ... وإن في حجة إبراهيم لآية، وفي ما جاء به من النبأ الحق لآية ...
وإنه لا يسأل أجرا، وما سأل موسى من أجر ...
إنهم الصادقون الأمناء، الأصفياء ... لا الأفاكون ولا المصطنعون، ولا المتقوّلون على الرب الواحد ... !
لتمضي فتجد اللازمة تارة أخرى مع قوم نوح، وهم يصفون المؤمنين بالأرذلين،  استكبارا وعتوا، وظنا بأنفسهم العلوية والخيرية، فأهلكهم الله ونجى عبده الأمين الصادق ...
وإن في تنجية الحق وإغراق الباطل لآية، ولكن أكثر الناس لا يؤمنون ! وإن ربك لعزيز لا يُغلَب، ولكنه الرحيم الذي أبقى بذرة الإيمان في الأرض بنوح وبمن يُعدّون عدا معه من أهل الإيمان والإخبات لرب العالمين ... !
ثم تجدها تارة أخرى مع قصة هود وقومه، أهل قوة اغتروا بقوتهم، فما رأوا أن أحدا أكثر منهم قوة، فأهلكهم الله وعذبهم، وقد كذبوا نبيهم، وكذبوا أن يُعَذَّبوا ...
ثم مع ثمود، وقد كذبوا أخاهم صالحا، وهم الذين قد أترِفوا، ونُعِّموا فنسوا المنعم وعبدوا النعمة، ووصموا نبيهم بالساحر، فأهلِك أهل النعيم والترف ... وإن ربك لهو الذي يغلِب ولا يُغلَب، وهو الرحيم إذ أهلك الكافرين ونجى المؤمنين، وأبقى عقبهم...
ثم تجدها مع لوط عليه السلام، مع قوم الفاحشة التي لم يسبقهم إليها أحد من العالمين، وتوعدوا أن يخرجوه، ولكن الله هو الذي أخرجه ناجيا مما لقوا من عذاب مهين !
ثم تجد لازمة الآية والعزة والغلبة لله والرحمة منه، مع شعيب وقومه الظلمة آكلي حقوق الناس ظلما ...وإن في إهلاك الظالمين المعتدين على الحقوق لآية ...
فانظر واجمع أحوال الأقوام، فإذا أنت مع :
💎  التربّب والتألّه في فرعون واستعباده للناس، فآيةٌ إهلاك المتربّب وتحرير الناس من العبودية لغير الله.
💎 الاستكبار في قوم نوح على من آمن، وعدّهم أراذل الناس، والاستهزاء بالواحد الذي يدعو بما ليس عليه عامة قومه. فآية إهلاك المستكبرين.
💎 القوة في قوم هود، حدّ الاغترار ونسيان القويّ سبحانه الذي أمدّهم بها، فآيةٌ إهلاك المغترين بالقوة في الأرض ...
💎 التنعم والترف في قوم ثمود، فآية إهلاك المنعّمين العابدين للنعمة الكافرين بالمنعم.
💎 الفاحشة وقلب الفطرة في قوم لوط، فآية إهلاك أهل الفاحشة واللَّوَث.
💎 الظلم وأكل حقوق الغير في قوم شعيب، فآية إهلاك الظالمين آكلي ما للناس بغير حق.
أفتجد الفطرة والعقل السليم يقولان بسوء في دعوة متوارثة واحدة حاربت كل هذا الفساد ؟؟ فكان الأمر بنصر الحقّ وأهله وتنجيتهم وإهلاك الباطل وأهله ؟؟
أفتجد شيئا من سوء وعوار في هذا الذي جاء به من لا يبتغي أجرا ولا جزاء ولا شكورا، إلا أن يدعو إلى ربّه الواحد،  ويعلي أمر ربه الواحد ؟؟
أفتجد في كل هؤلاء مكانا لإفك أو لكذب أو لافتراء، وهم أهل الحق والرقيّ والطهر والنقاء ؟؟
وكلّه، أين نبؤه ؟؟ إنه في القرآن، في آيات الكتاب المبين، في هذا الكتاب الذي جاء عنه في أواخر السورة :
{وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آَيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ (197)}
نزل به أمين السماء على أمين الأرض؛ وإن كل نبي ممن جاء قبله جاء بنبئه، حدث عنه وعن كتابه ... وإنه المهيمن الشامل الكامل .. .
فأين الشعر في نبأ الحق من كل نبأ نبي؟ وأين الشعر من كل نبأ حق جاء به إمامهم عنهم وعنه، بالدعوة الواحدة التي هي الحق الذي جاء ليدحر الباطل وأهله، ممثلا في شاكلة أقوام الأنبياء وما كانوا عليه ...
النبأ الحق في هذا الكتاب الحق، الذي جاء عنه مرة أخرى في أواخر السورة :
{وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211)}
إنه تنزيل رب العالمين لا تنزيل الشياطين، نزل به الروح الأمين على الأمين ...
وهو الذي جاء عنه مرة أخرى :
{هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (221) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (222) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ (223) وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (224) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (225) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (226)}
حاشاه أن يكون شاعرا، أو أن يكون واحد من إخوته الذين سبقوه في النبوة شاعرا، وهم إنما بعثوا لإحقاق الحق وإزهاق الباطل...لا لتزيين الكلام ولتنميق الأقوال، لا لقول يخالف الفعل من فرط التزيين  ليحلو الكلام، والزخرفة لتُبهِر الألوان، بل لينجلي الليل بشمس النهار  ...
أي شعر هو هذا ؟؟ وأي شعر هو ما كان من الأنبياء، وما كان من مآلاتهم مع المؤمنين ومن مآلات الكافرين  ؟؟ وإنما قد دُعوا ليتركوا الظلم والفاحشة والإفساد والاستكبار وأكل حقوق الناس، واستعبادهم ... ؟؟
أي شعر في كل هذا ؟؟ وأي شعر في كتاب جاء بنبأ الحق ؟؟
جاء بحرب على كل ذاك الذي كانت عليه الأقوام وهي عليه الأقوام في كل زمان...
 وأي شعر هو فيمن جاء يقصّ الحق من نبأ إخوان سبقوه بتنزيل من رب العالمين، عبر الأمين من السماء إليه وهو على  الأرض الصادق الأمين...
#سورة_الشعراء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #319 في: 2026-04-06, 09:36:44 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة القصص، في عَرَض قصة سيدنا موسى عليه السلام، جعلت أتأمل قضية ذهابه إلى مَدْين، من بعد ما جاءه الرجل من أقصى المدينة يسعى، مخبرا إياه عن تآمر الملأ لقتله، سارع إليه محذّرا ناصحا أن يخرج،  فخرج سيدنا موسى، وقضى في مدين من عمره عشر سنوات .
تساءلتُ عن سرّ مرحلة "مَدْيَن" في حياة سيدنا موسى؛ لم يكن عندها قد أرسِل إليه، بل انتقل إليها فارا من فرعون وملئه، وهم يهمّون بقتله بالرجل الذي قتله موسى -عليه السلام- من قومهم.
كان يجب أن ينجو سيدنا موسى من ملاحقة فرعون له، كان يجب أن يخرج من مصر، كان يجب أن تطول مدة غيابه عنها، بل كان يجب أن تستغرق كل تلك السنوات... !
هل كان له عليه السلام أن يُبعث نبيا ويؤمَر من ربه بما أُمِر وهو الملاحَق ليُقتل؟ ! بل هل كان له أن يذهب إلى فرعون ويدعوه إلى الله وهو الملاحَق منه ؟ هل كان فرعون ليسمع منه شيئا ساعتها ؟ ! هل كان له وهو الملاحَق أن يسأل فرعون إرسال بني إسرائيل معه ؟
لم يكن لكل هذا من مجال وفرعون قد حشر جنده ليقتلوا موسى بقتله القبطيّ منهم .
فكانت مدين... كانت تلك المرحلة الفاصلة، تلك التي نجا فيها موسى، وهو بنجاته تنجو دعوته التي لم يكن يعرف عنها شيئا، كان الله يعدّ لإمضائها به بذهابه إلى مدين ..
عشر سنوات  كاملة، قضاها موسى في مدين مع الرجل الصالح، الذي قصّ عليه موسى القصص أول لقائه به، وهو المدعوّ ليجزيه أجر ما سقى لابنَتَيه، ما أن قصّ عليه القصص حتى قال له :
" لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ "
ما الذي حدث خلال تلك السنوات  "المَدْيَنيّة " من عمر موسى عليه السلام ؟ ما الذي حدث لموسى، وما الذي حدث  في مصر  بالمقابل ؟
لقد قالها موسى -عليه السلام-،  لقد جأر إلى ربّه وهو الفارّ من فرعون، وهو الذي لا يعلم ما ينتظره، ولا يعلم ما يُعَدّ له، لا يعلم والله سبحانه يصنعه على عينه ! سقى للمرأتَين ثم تولى إلى الظلّ، وبثّ ربّه همَّه، وجأر إليه :
"رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ"
إنه الذي يأمل في خير من ربّه سبحانه، وهو الفار الذي لم يألف غير بلاده، ولا يعلم ما ينتظره وقد غادرها، إنه الفقير إلى ربّه سبحانه، إلى فضله ومنّه ... إلى خيره وهو المتأمل في ربه خيرا، لا يقنط ولا يجزع .
فهذه الفتاة من الفتاتَين:
"يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ"
إنه القويّ الذي ذاد عن المرأتين، بينما كانتا تذودان، القويّ الذي سقى لهما وقد كانتا مهيضتَي الجناح في وسط الرجال أولي القوة والقدرة، إنه الأمين الذي سقى لهما وتولى إلى الظلّ، ولم يلتفت إليهما بشيء غير التفاته إليهما بالعون..
لم يؤذِهما، لم يستغلّ ما أسدى لهما من خدمة ليعتدي عليهما بأبسط أشكال الاعتداء ! لم تكن نيّته من إعانتهما إلا أن يفكّ عنهما عُسرا كانتا فيه، وضيقا كانتا تعانيانه، وهما اللتان جاءتا لتقضيا حاجة مكان أبيهما الشيخ الكبير.
فاستأجره الرجل الصالح، وأنكحه إحدى ابنَتيه، فكان ذاك جواب سُؤله الذي سأل عندما تولّى إلى الظلّ  ! كان الخير الذي آتاه الله، معاشرته الرجل الصالح، ومصاهرته له، وقضاؤه الأجل الذي كان بينهما.
فماذا عن فرعون ؟ هل عَدل عن ظلمه وعن تجبّره، وعن تربّبه وتألّهه ؟؟ هل عدل عن تعبيده بني إسرائيل وسَومهم العذاب الأليم ؟   هل عدل عن شرّه ؟
لا لم يكن من ذلك شيء، بل إنّ النفسية المستعبَدة، لَتُورِّث ذلّها وخنوعها جيلا بعد جيل، وإنّ إِلف الاستعباد والاستضعاف والظلم ليصنع أجيالا من العبيد الذين يستعصي عليهم التخلّص من شَوك الاستعباد  ! يغدو في أعينهم  الشوك المغروز في نفسياتهم دما يسري مع الدم، لازمة من اللازمات التي لا يُستغنَى عنها !  إنهم ليألَفون الظلمة، وإن أعينهم الكليلة لتستكثر خيوط الشمس، ولتستصعبها ! 
وكلما مرّ الزمن بلا مصلح منادٍ بالخلاص والتخليص، بلا متصدّر للتحرير من عبودية البشر للبشر، لإخراج الناس من عبادة الناس إلى عبادة رب الناس، كلما استفحل داء العبودية في جسد الأمة، وكلما استفحل داء التربّب والتألّه في المستعبِد المتجبّر!
لقد بلغ السيل الزُّبى من بعد مرور السنوات العشر، ولقد أصبح سائغا أن يكلّم موسى فرعون، موسى الذي كان مُلاحَقا ليُقتل،  أصبح سائغا أن يسمع فرعون لموسى، وقد كان الملاحِق الذي يروم قتله،  أصبح ضرورة أن يُبعَث موسى، أن ينبعث من بين الرُّكام المكدّس والحُطام المترامي في مصر في شكل رجال ونساء وولدان يحملون اسم  "بني إسرائيل"، أصبح ضرورة أن تنبعث الحياة مكان هذا الموت الزؤام !  موت الروح، موت الإنسانية بعبودية البشر للبشر ! موت العقل باستلابه من المتألّهين ! وهم يستخفّون عبيدهم، ويُملون عليهم آيات العبادة ويصيّرونهم هُم قرابينهم إليهم !
عاد موسى وقد اجتمعت عوامل الحاجة الملحّة لمخلّص، لمصلح، لا بل لأكثر من هذا وذاك؛ الحاجة لـــنبيّ !
ولكأنّي بالإنسانية حينما تبلغ المنتهى من الحضيض والضحالة والظلمة، ينفلق الإصباح بنور الهُدى والحقّ يحمل البشرى بالحرية والعدل !
فها هو موسى عليه السلام، يعود من مَدين، يعود إلى مصر من جديد، من بعد عشر سنوات كاملة قضاها أجلا عهدا وميثاقا بينه وبين الرجل الصالح؛ ومن العهد إلى العهد هو موسى، ومن الميثاق إلى الميثاق !
{فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آَنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (29) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (30)}
كيف خرج، وكيف عاد ؟ ! خرج فارّا، وعاد بأهله، عاد وهو الذي لم يستبن له طريق العودة الصحيح، حتى إذا هو بنار،  آنسها..
وانظر إلى: "آنسها" وهي تعمل عملَين، الإبصار والاستئناس، فلما آنس، توسّم الخبر، أو جذوة للاصطلاء !
وما أن أتاها حتى نودِي: "يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ"، وقلب له العصا حيّة، وأخرج له يده من جيبه بيضاء من غير سوء..
💎 فكان من موسى: "فَلَمَّا رَآَهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ "
💎 ومن الله الهادي كان : "أقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآَمِنِينَ"
💎 وكان منه : "قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ" و: " إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ"
💎 ومن الله الهادي كان :" سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآَيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ"
انتهى الأمر، لقد تحقّق وعد الله تعالى..
وعَدَ أمّه أن يردّه إليها، وردّه، وأنه سبحانه جاعله من المرسلين، وجعله:
{وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7)}
فكانت "مـــــَدْين"، وكانت العودة بعد مَدين، للرسالة، للدعوة، للحكم والعلم الذي آتاه الله تعالى.
ولقد تكفّلت تلك المرحلة "المَدْيَنيّة" من عمر موسى عليه السلام بتسويغ ذهاب موسى مؤيَّدا بأمر الله، وبوعد الله أنه الآمن، وأنه الغالب، من بعد خوف قديم ما يزال في موسى منه شيء وهو على أبواب مصر، وهو عند النار التي توسّم منها الخبر، حتى أمِر عندها، وعندها بُعِث، وعندها أمِّن، وعندها شُدَّ عضده بأخيه. من بعد مَدين، وقد بلغ استضعاف واستعباد بني إسرائيل المبالغ !
وذهب موسى إلى فرعون، ودعاه، فاستكبر فرعون، وأصرّ على تألّهه :
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39) }
فكان أوان عقاب الله تعالى، أوان نصر عباده المؤمنين، وإهلاك عباده الكافرين المستكبرين في الأرض بغير الحق :
{ فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (40) وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ (41) وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (42)}.
ولقد آتى الله موسى الكتاب :
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (43)}.
ومن بعد عرض سورة القصص لقصة موسى عليه السلام، وقصة هجرته إلى مدين، ثم عودته إلى مصر ممكّنا بتكليم الله تعالى له، وأمره بالذهاب إلى فرعون داعيا، عودته إليها وقد نُبّئ مُدخله إليها ..
تنتقل بنا الآيات إلى خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم :
{وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ (44) وَلَكِنَّا أَنْشَأْنَا قُرُونًا فَتَطَاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَمَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِنَا وَلَكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (45) وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (46)}
تأمل "مَا كُنْتَ" ...  وهي تُعاد مرات :
💎 ما كنتَ يا "محمد" بجانب الغربيّ، حيث ألقى الله بالألواح إلى موسى، بالتوراة وأوامرها، بل جاءك نبؤه عبر القرآن.
💎 ما كنتَ يا "محمد" ثاويا، أي مقيما بمدين حيث كان موسى لتعلم كل ما كان من قصصه مع مَدين، بل جاءك نبؤها عبر القرآن.
💎 وما كنت يا "محمد" بجانب جبل الطور حيث نودِي من ربّه موسى، بل كل هذا جاءك خبرا في القرآن وقصّاً للحق من ربّك ..
وهكذا، في سورة القصص، ينتقل السياق من قصة موسى، إلى مخاطبة محمد صلى الله عليهما وسلم، أنه الذي جاءه نبأ إخوته الرسل من قبله في هذا القرآن الذي يقصّ لا للقصّ كما تُقصّ القصص، بل يقُصّ ليَقُصّ الرسول أثر إخوانه الذين جاؤوا يدعون بالدعوة الواحدة، وبُعثوا من ربهم الواحد، ليستأنس بما كان معهم، وليُثَبَّت، وليعلم أن ما كان مع مَن قبله، لاقيه هو من قومه ...
كما ألقيت الألواح إلى موسى، أنزِل عليه القرآن، وكما نودِي من ربّه موسى عند جبل الطور وأمِر من ربّه ، أمِر هو في الغار أن يقرأ باسم ربّه، وأمِر أن يقوم فينذر... وكما هاجر موسى إلى مَدين، سيهاجر محمد إلى المدينة، وهو وسورة القصص تتنزل عليه، ما يزال بعد في مكة ..
وهو في لُجّ الاستضعاف من قومه، يسمع ما كان عليه موسى من ضعف وقد كان الفارّ من مصر إلى مدين، ثم هو العائد بعد عشر سنوات غير موسى الذي خرج من مصر، موسى الداعية إلى ربه، موسى المخلّص لقومه .. موسى المُعلي لكلمة ربّه، المُذهب لأحلام فرعون المتربّب المتألّه ...
وكأنّ الله بهذه القصص يومئ لنبيّه أنه الذي سيتقوى بعد استضعاف، وسيهاجر ...  وسيمكث في المدينة ما يشاء الله أن يمكث، كما كان مع موسى .. 
بين "مَدْين" و "المدينة" ... شَبَه كبير، وعلاقة ووشيجة ..
بين "مَدْين" التي فرّ إليها موسى و"المدينة" التي هاجر إليها محمد -صلى الله عليهما وسلم- تلك السِّمة المشتركة ...
نجا موسى من القوم الظالمين حينما بلغ مَدين، وفرعون يلاحقه لقتله، ونجا محمد من القوم الظالمين حينما هاجر إلى المدينة، وقد تمالأ القوم على قتله بحشد أربعين من خيرة شبابهم ليضربوه ضربة رجل واحد !
احتضن موسى الرجل الصالح وآجره الحِجج، وزوّجه ابنته، ونصر محمدا الأنصار، واحتضنوا دعوته وسادهم ...
لم يعدِل فرعون عن تألهه وعن استعباده لبني إسرائيل، ولم تعدل -بالمقابل- قريش عن عدائها لمحمد وهو في المدينة، بل جيشت له رجالها ورجال القبائل من حولها لحربه ولاستئصال شأفة دعوته ..
وإنه سبحانه قد كتب لموسى العودة لفتح مبين نصره فيه وبني إسرائيل، وأغرق عدوّه المتألّه وكسر شوكته ..
ثم تجد السياق في السورة يمضي وهو يحدث عن كفر أهل مكة، وعن تجرّئهم : {وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آَمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (57)}
ويحدّث عن مآل الكافرين عند ربهم: { وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (64) وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (65) فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الْأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ فَهُمْ لَا يَتَسَاءَلُونَ (66) }
ويمضي مرة أخرى مع قصة قارون في قوم موسى، وما كان من مآله على تبطره واستكباره .. وكلّه إنذارا لأهل مكة، وهم يسمعون من هذا القصَص ...
لتقع في أواخر السورة، على ما هو العجب العُجاب، من إشارات الله تعالى لنبيّه، وإسقاطات من قَصص إخوته الرسل على شأنه في قومه، وما سيؤول إليه أمره ..
وقد عرفنا العلاقة بين مَدين والمدينة ...
ورسول الله وهي تتنزل عليه "القَصَص" ما يزال بعد في مكة مستضعفا مع أصحابه القلّة ...
استمع لما أوحِي إليه من أواخر القَصَص :
{إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) }
إن الذي فرض عليك القرآن، فأنزله عليك وأمرك بتبليغه، لرادّك يا محمد إلى مكة، وأنت بعدُ فيها لم تُخرَج منها ...  ولكنّ خروج موسى من مصر إلى مَدين وعودته منها إلى مصر، من شاكلته سيكون خروجك من مكة إلى المدينة، ومن شاكلته ستكون عودتك من المدينة إلى مكة فاتحا، منتصرا بجيش طاهر مبارك يدكّ حصون الأماني التي بناها أهلها في هلاكك وذهاب ريح دعوتك !
وسيدخل الناس في دين الله أفواجا، وسيُدحَر كل شريك يُتخذ من دون الله، كما دُحِر فرعون المتربّب ... !
إنه لرادّك إلى معاد، ومعاد الرجل وطنه .. !
إنك بعدُ في مكة، ولكنك ستُردُّ إليها ... ! أليس العجب !
ترى كيف كان يستقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا القَصَص الذي هو قصص العبرة والإسقاط، والتشابه في الأحداث والدوافع والمآلات ! بل وقصص الإشارة إلى ما هو آت ومتحقق !
ترى كيف كان وقع : {إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (85) }
عليك يا رسول الله، وأنت بعدُ في مكة، لم تُخرَج منها، لتُوعَد بالردّ إليها !
إنها القَصَص، وإنها ليست للقصّ والحكاية، بل للتشابه، بل لأنّ كثيرا مما جرى على إخوتك، سيجري عليك ! ولأن النصر الذي نصر الله به رُسُلَه، سينصرك به !
وإنه الإسقاط الممتدّ للقصص عبر الأزمنة لهذا الكتاب الخاتم، ولهذا النبي الذي لا نبي بعده، لهذا الدين الذي لا يُغلَب .. القَصَص الذي يجب أن نعقل ونعي أنه النصر الذي وُعِد به محمد وتحقق، وسيتحقق في كل زمان، كما تحقق للرسل من قبله ... وإنه لَلقَصَص الحق !
#سورة_القصص
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب