
ربما سترونه منشورا طويلا، ولكنني توكلت على الله، ووضعته بكَلّه وكلكله ولم أقطّعه، لأنّ قطع المتصل فيه نشاز لا يليق بسرّ الإسراء !
وإنني لا أدعوكم لتقرؤوا لأجل أنني من كتب ولا لأجل ما كتبت، بل أدعوكم وأسألكم أن تقرؤوه لعظمة القرآن لا لشيء غيره، ولتذوقوا مما ذقت فإن ما ذقت لممّا يقال فيه : "يا ليت قومي يعلمون !" !
فاقرؤوه فضلا لا أمرا !
كنا –في المنشور السابق لهذا- قد بدأنا في سبر غَور "الإسراء" تنقيبا عن السرّ الذي جعل الحديث عن حادثة الإسراء فيها مقتصرا على عدد من الآيات قليل، فما تلبث أن تنقلب منها إلى إسهاب في أحاديث مخالفة، حتى لكأنّك لست مع سورة حملت اسم الحادثة !
وسريعا أذكّر بما عرفنا؛ فمن بعد ذكر دور القرآن الكريم في البشارة للمؤمنين والنذارة للكافرين، ومن بعد مقام آيَة الليل والنهار المومِئَيْن للإيمان والكفر في الأرض، دواما للصراع بين الحق والباطل كما يدوم النهار بضيائه والليل بظلمته، إلا أنّ الله كما أقرّ فيها محو آية الليل وجعل آية النهار مبصرة، فقد أقرّ نصر الحق وأهله ودحر الباطل وأهله ...
1-)🌹عرفنا بعدها انطلاقة أولى تأذّن بها قوله سبحانه : {وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا} لتفصيل جاء فيه أول ما جاء نصوص قانون ربانيّ وجوديّ للإنسان فردا وجماعة، فكان قانون مسؤوليته الفردية عن عمله وعن الجزاء عليه(من13إلى15)، مقدّما للقانون الربانيّ الماضي في الجماعة(من16إلى 17) .
2-)🌹 كما أقرّ بعدها سبحانه التصوّر الإسلامي لوجود الإنسان في الحياة، ببيان عطاء طالب الدنيا طلبه وطالب الآخرة طلبه، وببيان أفضلية الحياة الأخرى على الدنيا. (العودة إلى المنشور السابق حيث التفصيل).
3-)🌹 لنأتي الآن على انطلاقة جديدة في السورة أكثر تفصيلا، انطلاقة تُبنى على ما أقرّ سبحانه في الآيات السابقة من قانون المسؤولية الذاتية عن العمل والجزاء عليه لينبني عليه ما هو آت في هذه الآيات :
{لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26) إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32) وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34) وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36) وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38) ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }
💎إنه الآن في هذا القطاع من الآيات، قانون الأمر والنّهي الإلهِيَّيْن، قانون افعل ولا تفعل الذي أقرّه القرآن، من بعد بسط قانون العمل والجزاء بأن كل إنسان مسؤول عن اختياره بالامتثال والطاعة أو بالإعراض والمعصية، وأنه لا يزر وِزر غيره، بل يُحاسَب على ما أتت نفسُه، وبأنه سيلقى كتابه منشورا وقد سُطِر فيه كل ما قدّم من عمل، وأنه لا يعذَّب ولا يعاقَب إلا وقد بعث الله له رسولا هاديا مبيّنا.
تمام العدل والبيان لمن كرّمه الله بعقل يُعمَل ويَعمَل !
وبناء على ما أقرّ كقاعدة للعمل والجزاء، نجدنا مع قانون الأمر والنهي(قانون التكليف)، وقد جاء فيه باختصار وعلى الترتيب :
🌹(من 22 إلى 25)** الأمر بألا يُشرَك بالله معبود . وهو رأس أمر الإنسان في الأرض وغاية وجوده فيها، ثم التأكيد على إفراده سبحانه بالعبادة، مقرونا بالإحسان للوالدين، توحيد الموجِد متبوعا مباشرة بالإحسان لسبب الوجود (الوالدان).
🌹(من 26 إلى 30)** الامتداد لتحقيق مفهوم "المجتمع"، خروجا من الخليّة الأساسية(الأسرة) إلى الخليّة الأكبر (المجتمع المسلم) عبر التكاتف الاجتماعي لتحقيق المساواة وتواضع الأخ لأخيه، مرتّبة من الأقربين إلى من بعدهم من أهل الحاجة، مع تعليم العطاء العقلاني بعيدا عن التبذير الشيطاني. وترسيخ عقيدة الرضى بتصرّف الرازق سبحانه في العطاء بين بسط وتضييق.(التعاطي المجتمعيّ وِفق هدايات الوحي لتحقيق العدل).
🌹(من31 إلى 33)** النهي عن القتل بأنواعه، قتل الولد خشية الفقر وهو من أفعال الجاهلية، وعن الزنى وهو مؤهل القتل المعنوي للولد منه، وعن قتل النفس بغير حق.
🌹(من 34 إلى 37)** النهي عن أخذ حق الغير من مال يتيم أو مما هو مستحق لصاحبه، وعدم الافتراء على الناس بغير علم("ولا تقفُ ما ليس لك به علم" : وهي هنا مسؤولية عقلية تكرّم العقل وتصونه، فلا يلقي بكل ما يعرف دون تثبت ولا أصل سليم) والنهي عن التكبر في الأرض. (تأمّل التأكيد على تحقيق المساواة وإبعاد التفاوت عبر النهي عن التكبّر).
ليُختَم هذا القطاع بقوله سبحانه:
{ ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }
ولنتأمل : " ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ "، تأكيدا على أنه قانون الوحي الربانيّ، على أنه قانون "القــــــــــــــرآن"
إذن، فمن القانون القاعديّ للعمل والجزاء، ممثلا في التبِعة الفردية والجماعية، إلى إقرار تصوّر أفضلية الآخرة على الدنيا، إلى قانون الأمر والنهي(قانون التكليف) . كل هذا كان التفصيل الذي منبعُه القــــرآن .
اجمَع عندك حتى الآن من ألفاظ السورة ذاتها ما جاء عن القرآن :
💎"إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
إنهما عن القرآن، وعن قوانينه !
وأحبّ أن أشير إلى ملحظ مهم في هذا القطاع من الآيات، الخاص بقانون التكليف افعل ولا تفعل، وانظر -يا يرحمك الله- إلى بديع نظم الله تعالى لآياته العظيمة...
ألم يبدأ القطاع بقوله سبحانه : { لا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22) } ، وانتهى بقوله سبحانه : { وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) }.
الإشراك خسار وبوار في الدنيا وفي الآخرة معا ... التوحيد، الأساس الذي عليه تنبني التكاليف، والسقف الحافظ لعمل الإنسان كلّه .
والآن، امضِ مع السورة وليلازمك التساؤل عن قَصْر الحديث فيها عن حادثة الإسراء على بعض آيات، بينما تُعنى آياتها الأخرى بشأنٍ غيرها !
سنجد حديثا يفصّل في شأن توحيد الله سبحانه الذي عرفناه أساسا وسقفا حافظا :
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43) تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)}
واجمع معي وأنت في طريقك، اجمع معي إلى لفظ "القرآن" من السورة، وأضف هذه إلى السابقتين :
💎 "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
ثم ستجد شيئا من الإسهاب عن الإيمان باليوم الآخر مفتَتَحا بالقرآن، فتأمل:
{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45)}...
إنها العلاقة الوثيقة بين إنكار الآخرة وإنكار القرآن بالتعدّي، لتجدك بإزاء قاعدة تقرّ أنّ إنكار الآخرة أكبر دافع لإنكار القرآن كلّه ...
فاجمع معي لنحصّل حتى الآن :
💎 " إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
💎 "وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
💎 " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ..."
ثم يستمرّ بيان أحقيّة اليوم الآخر ودحض دعاوى منكريه، مع دحض دعوى الإشراك بالله تعالى في عدد من الآيات، جاء منها :
{ وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51) }
كما جاء قوله تعالى : {قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56)}
بلوغا إلى مخاطبة المشركين في شأن سؤالهم الآيات الحسيّة،(هنا الذي أعنيه بالآيات هو المعجزات، لأن القرآن لا يسميها معجزة بل آية) يدّعون أنها التي تنقصهم ليؤمنوا، ليبين الله بعدها خلوّ رسالة محمد صلى الله عليه وسلم منها، في قوله :
{وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59) }
إن الآيات من الله (المعجزات) لم تكن إلا لتخويف العباد حتى يرتدعوا، وهم إذ أرسلت فيهم فكفروا بها، كان الأخذ الشديد منه سبحانه، كما كان مع قوم ثمود والناقة.
ولقد بلغنا من مرادنا مبلغا... بلغنا مفتاحا من مفاتيح سرّ "الإسراء" مضافا إلى ما جمعنا من تلك الألفاظ (لفظ القرآن المتكرر كما عرفنا).
إنه الحديث عن الآيات التي كان المشركون يلحّون في سؤالهم إياها، مقابل حادثة الإسراء العظيمة التي كانت آية لم يُرَها المدعوّون كعادة الحال مع المعجزات يُعضَّد بها الرسل في أقوامهم، بل أرِيَها رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده !
ولقد كذّبه صلى الله عليه وسلم قومُه عندما حدّثهم بما رأى في ليلة الإسراء، وهي التي ما جعلها الله تعالى إلا فتنة واختبارا لهم أيصدّقونه أم يكذّبونه كعادتهم :
{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60) }
فكان منهم التكذيب، بل افتُتن من المؤمنين مَن افتُتن .
ثم تأمّل، بمَ قرن الله الرؤيا (أي ما رأى رسول الله في الإسراء) ؟؟
لقد قرنها بالشجرة الملعونة في ""القرآن"" ... !
تلك، شجرة الزقوم التي ذُكرت في القرآن، فكذب بها المشركون، واستهزأ بها من استهزأ ! إنه الخبر يُذكَر في القرآن يُكذَّب، وإنه القرآن يُكَذّب بكل ما جاء فيه من أخبار الجنة والنار، والجزاء والعقاب واليوم الآخر والبعث من أساسه ! كلّه خبر القرآن المكذَّب !
وإن حادثة الإسراء بما فيها من عظمة ومن تفرّد لا يكون إلا من عند الله سبحانه الذي هو على كل شيء قدير، جاء خبرها في القرآن !
القرآن الذي يُكَذًّب ويُكَذّبُ خبره، وإنه الأعظم من كل عظمة ! وإنه هو الآية الحقة ! بل هو آية محمد صلى الله عليه وسلم الخالدة، هو معجزته التي لا تنتهي، بينما قد انتهت معجزات كل الأنبياء !
يا الله ! ! لقد فُتِح لنا بما جمعنا من مفاتيح !
فُتح لنا باب ولجنا منه إلى سرّ الإسراء !
من القرآن فُتح لنا، من سورة الإسراء ذاتها، من عموم اعتناء السورة بالقرآن، وهي التي تذكره أول ما تذكره أنه الذي يهدي للتي هي أقوم، وأنه الذي يبشر مؤمنا وينذر كافرا، ثم تستطرد آياتها تلقي إلينا بالقوانين القرآنية مفصّلة، قانون العمل والجزاء، التَّبِعة الفردية والتبعة الجماعية، يتلوهما دستور الأمر والنهي، دستور التكليف الذي انبنى على تلك القوانين الأساسية !
كله من القٍرآن، كله جاء به القرآن ! كله خبر القرآن !
إن سورة الإسراء تصدع أنّها عن القرآن، جنبا إلى جنب مع الحدث العظيم، مع الآية التي خُصّ بها رسول الله (حادثة الإسراء)، لتعلمنا سورة الإسراء أن الآية العظمى إنما هي القرآن ... !
وأنْ يا أيها الذين تكذّبون بالقرآن وتشترطون الآيات الحسيّة لتؤمنوا، إنما أنتم تفترون وتكذبون !
{ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا تُغْنِي الآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَـنْ قـَوْمٍ لا يُـؤْمِنُـونَ} -يونس: 102-
لن تغني عنكم الآيات، لن تنفعكم، ولذلك كانت آية رسول الله ومعجزته القرآن، وهو الآية العظمى التي لا تنقضي ! لا ينقضي العجب من عظيم هداها، وما جاءت به من كمالات السموّ الإنساني، ومن تمام الغائية الوجودية ! ومن حقيقة الوجود والإيجاد !
ثم تستطرد آيات "الإسراء"، فتذكر إبليس -عليه لعائن الله- وما كان من من استكباره عن أمر الله ومن توعّده إضلال الناس، إلا عباد الله المخلصين، وهو عدوّ الإنسان الأكبر الذي جاء خبرُه في القرآن ليتسلّح المؤمن بما يجب لمجابهته !
ثم يُذكَر سوقه للغاوين إلى الإشراك به سبحانه، سبحانه الذي بيده كل شيء، وقد كرّم عبده : { وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) }
وكلّ هذا من معجزة القرآن العظيمة، من "آية" القرآن التي لزمت محمدا صلى الله عليه وسلم، فكانت الهدايات فيها من كل لون !
لتلتقي في عرض الآيات مرة أخرى بقوله :
{وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73) }
إنه الذي أوحاه سبحانه إليك، إنه معجزة القرآن، في سورة الإسراء، في سورة الحدث العظيم، والآية العظيمة التي خُصّ بها رسول الله الحديث عن القرآن لا ينقطع ! ومن أكثر من زاوية، ومن أكثر من جانب؛ من جانب قوانينه وتكليفاته وهداياته، ومن جانب بسط تصوّره للوجود، ومن جانب حقائق العداوة والإضلال المترصّدة للإنسان، ومن جانب مُراد الكافرين به وبأهله !
واجمَع لفظ القرآن من السورة، فإنك حتى الآن مع :
💎 "إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ "
💎 "ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ"
💎"وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ"
💎 " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ ..."
💎 "وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ".
أضف إليها من قوله سبحانه بعدها :
{أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) }.
أضف إليها من قوله سبحانه بعدها :
💎{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)}
وهو القــــــرآن الحق المزهِق للباطل ...
أضف إليها قوله سبحانه بعدها :
💎{وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) } .
ثم أضف إليها، أضف هذه وعِش في جوّها الرائع المتفرّد، عش في جلالها وجمالها ولا تمرّ بها مرورا ! أضف من هذا الجلال والجمال والعظمة في قوله سبحانه :
💎{وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85) وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) }
الروح كما هي أمر ربي وحده سبحانه، وكما أن إذهابها بيده وحده سبحانه لا بيد أحد غيره، فكذلك الذي أوحي إليك، هو منه وحده لا من غيره، ولئن شاء ليذهبنّ به، ولا يذهب به إلا هو وحده لا غيره سبحانه !
إلا أن رحمة ربك قضت ألا يذهب به، بل أن يبقى روحا لهذا الوجود، وللغاية منه، ليبقى النبض والحياة والأصل، ومن غيره هو الموت وإن تراءى لك المحرومون منه متقافزين مستعلين !!
أضف إليه عن القرآن العظيم، عن المعجزة العظيمة التي لا تنتهي كانتهاء المعجزات، أضف هذه العظمة..عن القرآن يا يرحمك الله، عن القرآن :
💎{قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) }
لن يأتي به غيره سبحانه، ولا يذهب به غيره إن شاء، ولا يستطيع أن يأتي به غيره وإن اجتمعوا إنسا وجنّا !!
فانظر .... !! أي معجزة هي أعظم ؟؟ ! أي آية هي أبهر وأعظم وأدوم ؟؟ !
أهي حادثة الإسراء التي من عظمتها افتُتِح الحديث عنها بتسبيح الله ! لا ليست حادثة الإسراء بأعظم من القرآن وهي العظيمة الفريدة !
لا والله ! بل القرآن أعظم وأعظم وأعظم !
هل عرفت الآن سرّ الإسراء ؟؟ هل عرفت سبب اقتصار الحديث فيها عن حادثة الإسراء على عدد معدود من الآيات قليل قليل، لتجد بعدها كل الحديث عن القرآن !!
وما يزال من حبات الجمال حبات يا صاح ! ما يزال !
فاسمع لهم وهم يشترطون الآيات(المعجزات)، واربط قطاع الآيات الآتي بحادثة الإسراء، وهي وحدها أعظم من كل آية، من كل معجزة يتصورونها ويشترطونها !
{وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93)}
ثم اربط كل هذا بالقرآن .... بمعجزة القٍرآن العظيمة، في سورة اسمها عن واحدة من أعظم الآيات !!
فعنه هم معرضون، وهو الذي قرنه الله بحديثه عن الروح في آية الروح التي سبقت، بل ووصفه بالروح وصفا لفظيا في قوله تعالى :
{ يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2)} -النحل-
ما يزال من الجمال حبات ! ما يزال من جمال الحديث عن القرآن في سورة الإسراء، فاسمع :
💎{وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105)}
ثم أضف إلى ما جمعتَ ! بالله عليك أضف :
💎{وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106)}
بل وأضف أيضا من الجمال جمالا :
💎{قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)}
آمنوا به أو لا تؤمنوا به ....... !!
هو وعد ربنا من قبل أن ينزل، وقد نزل !!
فأي معجزة هي أعظم منه ؟؟ أيها ؟؟؟ لا معجزة ! لا آية أعظم منه !
وإنه السرّ في الإسراء ... ! في الإسراء خاصة، وهي سورة عن آية عظيمة !
ثم أنصتوا للصدّيق رضي الله عنه وهو يقول بما قالت "الإسراء"؛ سورة "الإسراء" وهي تحمل اسم حادثة الإسراء العظيمة تعظّم القرآن على كل آية، وتجعله الأحقّ أن يُصدّق خبرُه وكل ما جاء فيه وهو بتلك العظمة التي جاءت عنه !
أنصتوا للصديق يا يرحمكم الله ، حين ردّ على من جاءه بخبر محمد صلى الله عليه وسلم وهو يحدّث عما حصل معه مُسرًى به إلى بيت المقدس ومنه إلى السماوات، ثم عن عودته إلى مكة في ليلة واحدة؛ قال رضي الله عنه:
(((لقد صدقته فيما هو أعظم ! صدقته في خبر السماء ينزل عليه !! )))
لقد فقهها الصديق، إن خبر السماء إليه أعظم، أعظم بكثير! ولقد جمع في كلماته هذه العظيمة سرّ الإسراء !!
فآمنوا به أو لا تؤمنوا، إنه الحق قد ظهر، وإنه الآية العظمى التي لا تُعلى عليها آية، وإنه في سورة الإسراء يُعلَى ويُسهَب عنه لأنه الآة الحقيقة بالانبهار، وبالإسهاب، وهو الذي فيه مما ليس في شيء، وهو المنزَل بالحق، وبالحق قد نزل !
#سورة_الإسراء