المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7700 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #320 في: 2026-04-06, 09:37:41 »
«وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ» [لقمان : 12]
بين سبحانه أنه قد آتى عبده لقمان الحكمة...
ثم تأتي "أن"   وهي أن التفسيرية،  أي التي تفسر ما كان قبلها،  كقولي: "لقد أفهمتك أن تريث ولا تستعجل"
فما جاء بعد "أن"  هنا هو تفسير لما أفهمته،  يتريث ولا يستعجل..
كذلك في الآية:
💎أن : 💎
«.. اشْكُرْ لِلَّهِ ۚ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيد»
الحكمة ان تشكر لله..
رأس الحكمة أن يشكر الإنسان لله،  على نعمه وألا يكفر،  الكفر بأنواعه،  الكفر الذي هو ضد الإيمان،  وكفر النعمة بجحودها وعدم الاعتراف بها..
ومن شكر فلنفسه،  ومن جحد فعليها.. 
إذن..  تأمل وكأن العبد الشاكر الذي تغلب في عينه النعم كل المصائب والعوائق والابتلاءات -وإن كثرت- إنما هو العبد الحكيم..
وكيف لا، والحقيقة أن العبد عاجز عن إحصاء النعمة،  غير أن الذي يألف التذمر لن يراها..  !
فاللهم لك الحمد حتى ترضى.. 
#سورة_لقمان
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #321 في: 2026-04-06, 09:38:08 »
القرآن يخرجك من الدنيا بأوهامها ودناءتها، ليرقى بك إلى أعلى، إلى حيث الحقيقة، وحيث الحق، حيث الله وعلمه وعظمته وتدبيره لكل أمر، إلى إرادته، وأنه الذي لا يكون إلا ما يريد !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #322 في: 2026-04-06, 09:38:34 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة الأحزاب جاء قوله تعالى :
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (1)}
مطلعٌ نودِي فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتقي الله، وألا يطيع الكافرين والمنافقين ..
ولعلك تستغرب أن يُنهَى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن طاعة الكافرين والمنافقين، وهو الذي ما بُعِث إلا لينذر مغبة اتباع طريقهم !
بل إن السورة مدنية، أي أن أقرب أوقات نزولها جاوز معه رسول الله صلى الله عليه وسلم أربع عشرة سنة من سِنِيّ بعثته !
بعد كل هذه السنوات التي قضاها بين مكة مطارَدا محارَباً، مستضعفا من قومه، وهو الصابر الثابت الذي لا يَني عن الدعوة إلى ربه، ولا ينثني، ولا يضعف ولا يستكين، وبين سنوات المدينة الأولى التي بدأت فيها شوكة المسلمين بالتقوي، وتأسست فيها الدولة، وأصبح عليه من الأعباء ما عليه -صلى الله عليه وسلم- وهو السيد والقائد والمعلم والمربي  والواعظ والمرشد .. لا يهدأ ولا يسكن مُذ أمِر في مكة أن يقوم فيُنذر : {يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (1) قُمْ فَأَنْذِرْ (2) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (3) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (4) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (6) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (7)} -المدثر-
وإنما هذا تعليم لنا نحن المؤمنين -من باب أولى- ألا ننكر التذكرة، وألا ننكر على مَن يذكّرنا بتقوى الله ويحذرنا طريق الكافرين والمنافقين؛  فإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد دُعِي إلى كليهما من ربّه، وهو المصطفى من عباده،  بعد سنوات من الثبات وسنوات من العطاء، فإننا بهذه التذكرة أولى، وبتقبلها وبالحرص على تنقية الهواء الإيمانيّ الذي نستنشق أولى وأحرى !
ثم يُدعى صلى الله عليه وسلم إلى اتباع ما يُوحَى إليه من ربّه :
{وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (2)}
ولعلك تعود فتستغرب أن يُدعَى إلى اتباع ما يُوحَى إليه من ربه، وهو نزول مدنيّ، جاوز به رسول الله صلى الله عليه وسلم عقدا كاملا من الدعوة، ويقطع طريق العقد الثاني منها !
بل تأمل ... إنه صلى الله عليه وسلم، قد لقّنه ربّه أنه الذي يتبع ما يُوحى إليه مرات وهو في مكة، من قبل أن يهاجر إلى المدينة، في سورة الأنعام المكية، وفي سورة يونس المكية، وفي سورة الأحقاف المكية، في ثلاثتها لُقّن صلى الله عليه وسلم الرد على الكافرين، بأنه المتبع لما يُوحَى إليه :
💎 {قُل لَّا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۚ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَىٰ وَالْبَصِيرُ ۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ (50)} -الأنعام-
💎{وَإِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ ۙ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَٰذَا أَوْ بَدِّلْهُ ۚ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ ۖ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)} -يونس-
💎{قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ (9)}-الأحقاف-
ليُدعَى في هذه السورة -مدنيّة النزول- إلى اتباع ما يُوحَى إليه !
ما أثقل هذا القول الذي ألقي عليك يا رسول الله  !  وإنك قد أعلمتَ أنه القول الثقيل الذي سيُلقَى عليك !
ما أعظم مسؤوليتك، وما أشدّ حرصك عليها، وإن دعوتك في كل مرة إلى تقوى الله، وإلى ألا تطيع الكافرين والمنافقين، وإلى أن تتبع ما يُوحَى إليك، وحدها، على الثقل ثقل! وعلى المسؤولية مسؤولية !
والواحد منا يستثقل أن يذكّره أحد إخوانه بما عليه من واجبات دينه، أو أن يخوّفه المعصية، أو التسويف أو التكاسل أو الغفلة ... !
هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعرف الناس بربّه، وأكثرهم حرصا على طاعته وإرضائه وامتثال أمره، يُدعَى كل مرة، يُدعى إلى التقوى، وإلى ألا يطيع الكافرين والمنافقين، وإلى أن يتّبع ما يُوحَى إليه !
فكيف بالله عليك وعليّ، تستثقل أو أستثقل أن يذكرنا مذكّر ؟ !
إنه القول الثقيل، وإنه الميثاق الغليظ، وإنه حبة القلب وروح الروح، وإنه أكثر ما عليه يُخاف، وأكثر ما عليه يُحرَص .. إنه قوامك وعزّك ومعناك ووجودك...!
وإن نبيّك الذي قد غُفِر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر يُدعَى للقيام به المرة والمرة ! فكيف تستثقل أنت أو أستثقل أنا التذكير ؟ !
ثم هو ذا صلى الله عليه وسلم في هذا المطلع المذكِّر، يُدعى للتوكل على الله : { وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (3) }
💎تقوى الله + 💎عدم طاعة الكافرين والمنافقين + 💎اتباع الوحي + 💎التوكل على الله  = أسلحة الدعوة والثبات عليها .
لتجد بعد هذه الدعوات المتتاليات آيات جاء فيها :
{مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)}
إنه اجتماع المتناقضات، اجتماع ما لا يجتمع، أو بالأحرى، جمع ما لا يجتمع، فالله سبحانه وتعالى ما جعلها، ولكنّ الإنسان يريد إقرارها اعتباطا وتلفيقا وزورا ...
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وما جعل الله الزوجات أمهات حتى يُظاهر منهنّ الرجال، فيشبّهها  واحدهم بأمه وهو يريد تحريمها  :  "أنتِ عليّ كظهر أمي " ! وما جعل الله سبحانه مَن يُتخذ فيُربَّى وما هو بابن الصلب، ابنا ! 
كلها ادعاءات الجاهلية، وهي تزعم أن القول يقلب المستحيل ممكنا، فمن يقول أن بجوفه قلبين قولا بلسانه لا يوافقه المنطق ولا العقل، ومن يزعم أنه يحرّم زوجته بكلمة ينطقها، كلمة يجعل بها زوجته بمقام أمّه، -كبر ذلك وهو يحسبه هيّنا -!!  ومن يتخذ ولدا بعيدا عنه وعن صلبه فيربّيه ثم يجعله ابنا بكلمة يقولها، أو بورقة مزعومة يلفّق بها أنه ولد الصلب وحامل اللقب، وهو البعيد القصيّ عنه !
الظاهر الذي لا يوافق الحقيقة، المظهر الذي لا يوافق الجوهر ... من أكثر ما حاربه هذا الدين، وهذا الوحي، وهذا النبي المرسَل متقيا ربّه، لا يطيع كافرا يتقوّل، ويصيّر قوله حقيقة، ولا منافقا أبرز سِماته إظهار خلاف ما يبطن !
دين واضح جليّ، لا غبش فيه، لا مظهر فيه يخالف جوهر، ولا سرّ فيه يخالف علانية، بل يدعو لموافقة علانية العبد سريرته، يدعو للوضوح وللصفاء وللصراحة؛ دين قويّ، دين لا يخشى ضوء الشمس، ولا بوارق النور، بل هو الشمس المشرقة أبدا، والنور الساطع لا يبهت...!
محجّة بيضاء، ليلها كنهارها ...  فالبياض لونها الأوحد !
لا مكان للمداهنة فيه، وقد دُعِي صلى الله عليه وسلم أيضا إلى :
{فَلاَ تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ(😎 وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَّشَّآءِ بِنَمِيمٍ(11)}.-القلم-
كما علم سبحانه المؤمنين أنه كبر مقتا عنده أن يقولوا ما لا يفعلون:
 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (3)}-الصف-
لا إدهان، ولا مسايرة على حساب الحق ... ولقد انتهت آياتنا من سورة  الأحزاب بقوله سبحانه :
{...ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (4)}.
وشتان شتان بين قول الحق والتقوّل بالأفواه إدهانا وزورا وبهتانا، وإظهارا لخلاف ما يُبطَن، وجمعا لما لا يُجمَع نفاقا ومخالفة للحقيقة !
#سورة_الأحزاب
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #323 في: 2026-04-06, 09:38:59 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة سبأ سورة تصدع بالمَكيّة، وأنت ترقب من بدايتها الحديث عن البعث ويوم الساعة، مقابل تكذيب المكذبين، وكفرهم نعمة الله تعالى؛ كفر يعيد نفسه عبر الأزمنة، ومع توالي الرُّسُل، وهو من قوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس بِدعا من عمل الأقوام !
ويضرب الله داوود وسليمان -عليهما السلام- مثلا للعباد المنعَّمين بألوان من النعيم لم يُؤتَها أحد من قبلهم ولا من بعدهم :
{وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (12)} -سبأ-
سخّر لسليمان  -عليه السلام- الريح غدوّها شهر ورواحها شهر تأتمر بأمره، وأسَالَ له عين القِطر(النحاس) كيف يشاء، وسخّر له الجنّ يأتمرون بأمره بإذن من الله، الجنّ بعمومهم، وحتى الشياطين منهم، المردة الكفرة المُغوية، تأتمر بأمر سليمان عليه السلام بإذن من الله تعالى ! 
إنّه -لعَمْر الله- مُلك لا ينبغي لأحد من بعد سليمان -عليه السلام- تماما كما سأل ربّه : {قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35) } -ص-
ولك أن تتخيل الشياطين وهي تأتمر بأمره، وقد جاء تفصيل عنها، وأن من لم ينصع لأمره بينها كان يقرّنه سليمان-عليه السلام- في الأصفاد !
{وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (37) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (38) هَٰذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39)}-ص-
انظر إلى عظمة الله تعالى وإلى ضعف الشيطان وكيده، ويظنّ ظانّ أبعد شقّته عن ربّه أنّ الشيطان مهلك، وأنّه من سلطانه قد صار إلى ما صار إليه !
وكَنَفُ الله تعالى قوة وحفظ وتمكين ومنبع للسلطان في الإنسان على الشيطان الرجيم اللعين، الذي ما باشر عمله في غواية الإنسان إلا من بعد سؤاله النَّظِرة من الله تعالى، ومن بعد إنظار الله له ، ولولا إذنه لما كان له من ركز  !  ولكن الله تعالى جعله ابتلاء في الأرض !
كما ذكر الله تعالى في سورة سبأ مما آتى داوود عليه السلام :
{وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (10) }
فكانت الجبال والطير تؤوّب معه، تذكر ربّها وتسبحه ... !
كانت الطبيعة تذكر معه وهو يذكر، تعبد معه وهو يعبد .. ! فأي نعيم هو، وأي مُلك..  !  أي إنعام !
أفرأيت ما أوتي داوود وسليمان –عليهما السلام- .. وإنهما لمدرسة الشكر على النعمة :
{...اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ (13)}
ولقد كان من داوود ومن ابنه سليمان الشكر، كان منهما منتهى الشكر والعرفان، وشكر المنعم في أوج النعيم، في أوج التسخير والتطويع، تطويع القوى الطبيعية بين أيديهما تأتمر بأمرهما ..لا تزيغ ! بل تطويع الشياطين المردة الكفرة !
الشكر مع هذه النِّعم التي لم يُعطَها أحد ! وسليمان يكلّم الحيوان، ويسمعه ويفهم منطق الطير، وجيش مجيّش من إنس وجنّ وحيوان، لم ولن يُؤتاه مُدّعٍ لقوة في الأرض قبلهم ولا بعدهم .. !
الشكر في قلب النعمة، مع عِظم النعمة، مع غمرة النعمة وبلوغها المبالغ هو ذاته النعمة الأكبر !!
سليمان مدرسة الشكر على النعمة، في أكثر من مقام وهو يُذكَر ما آتاه الله من فضله، والجنّ تُسخَّر لأمره في عرش بلقيس، فيُؤتاه قبل أن يرتدّ إليه طرفُه، في عزّ ذلك الأمر المطاع منه، وسرعة الاستجابة من الجنّ يذكر ربّه، ويشكر ... !
وإنك قد تسبق إلى التحجج بكونه النبيّ المقرّب !
فدعني وإياك نسمعه، وهو يذكر أنه العبد المُبتَلى بهذا الإنعام، ولو رَكَن إلى منطق النبوّة ومقتضيات القرب لما قال بلسانه يذكّر نفسَه أنه المبتلى، بل وأي ابتلاء ! الابتلاء بالنعمة ليُرى ما يكون منه، أيكون منه الشكر والإيمان أم يكون منه الجحود والكفران  !
{قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)}-النمل-
وفي هذا الذي قاله سليمان –عليه السلام-، فهمٌ وإدراك لمراد الله تعالى،  ابتلاء له أيشكر أم يكفر، دونما اعتداد بالنبوّة أنها المانع من الكفر، -ومن باب التعدّي- فهي المانع من الابتلاء، بهذا الذي قال، يتبيّن لنا كيف تكون للناس أسوة في الأنبياء حسنة، لا أن يتحججوا بالنبوة التي هي مقام الرسالة والاصطفاء والبعثة من الله والدعوة إليه، ليقال أنه النبيّ فلا علاقة بين ما يفعل وبين ما نفعل ! وهل بُعِث النبي وهو البشر من البشر إلا ليكون القدوة والأسوة للبشر ؟ !
وتأمّل قول الله تعالى يدعو المؤمنين :
{قَدۡ كَانَتۡ لَكُمۡ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ فِيٓ إِبۡرَٰهِيمَ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ إِذۡ قَالُواْ لِقَوۡمِهِمۡ إِنَّا بُرَءَٰٓؤُاْ مِنكُمۡ وَمِمَّا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ... } –الممتحنة من الآية:04-
يدعوهم سبحانه أن يتأسوا بإبراهيم عليه السلام، كما دعاهم أن يتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم :
{لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا (21) }-الأحزاب-
وعلى هذا، فإنّك وأنت تذكر شكر سليمان -عليه السلام- وهو مغمور بالنعمة غمرا، بنعمة لم تُؤتَ أحدا من قبله، ولن تُؤتَى أحدا من بعده، وتدعو المؤمنَ أن يتعلم من شكره في عزّ النعمة وأوجها، إنما تدعوه لحقّ ولواقع ولممكن الحصول، ولا تدعوه لما يُعجِز وهو يتقوّل أنّ سليمان –عليه السلام- لم تُطغِه النعمة لأنه النبيّ المبعوث من ربه !
وإن ذا القرنين يا صاح واحد من الناس، واحد من المؤمنين، ولم يكن نبيّا، ولكنه كان تقيا متأسيا بالأنبياء، فأوتِي من كل سبب، من الملك والعلم والقوة والمال، وكان الذي يشكرمع عظم النعمة، لم تطغِه النّعمة !
فاحذر من موّال : "إنه النبي، وإنني العبد الضعيف"، فإنما الأنبياء بُعثوا من البشر ليكونوا معلّمين للبشر، بُعثوا لهم قدوة على درب الحياة وأسوة، ولم يبعثوا من جنس غير جنسنا لنجدنا أهل حجّة بقولنا أنّهم الأقصاء عن جنسنا، وما بيننا وبينهم من وجه للشّبه وللتمثيل، ومنه للاقتداء والتأسي !
وعليه، كان ضرب الله سليمان وداود -عليهما السلام- مثلا، في هذه السورة، مقابل ما يذكره سبحانه بعدهما، من قصة قوم سبأ، وما كان منهم من كفر وجحود بالنعمة :
{لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آَيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (15) }
أمرهم سبحانه بمن أرسل فيهم من رسل أن يشكروا المنعم على عظيم نعمه .. فكفروا، فكان من الله لقاء كفرهم تبديلهم الثمر الحلو والزرع بالثمر المرّ والشوك، وتبديلهم الأمن وقرب ما بينهم وبين من جاورهم إلحاق النِّقم بهم،  بما جعلهم عِبرة :
{فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (16) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (17)وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آَمِنِينَ (18) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (19)}
وهكذا حال من شكر وحال من كفر، كلاهما أوتي من الفضل الكبير ومن النّعم الجزيل، فمَن أُنعِم عليه فما نسي المنعم وأدرك أن النعمة ابتلاء عظيم، وهي التي يُعرف عن بحرها الإغراق وعن ألوانها الإطغاء، فمن كان فيها شاكرا كان ذا حظ وفير، ومن أُنعِم عليه فجحد وكفر، فشتان بين شاكر وكافر !
وهكذا، في السورة من بعد ذكره سبحانه للحالَيْن، ممثِّلا الشكر في سليمان وداوود عليهما السلام، الأسوة والقدوة،  وممثّلا الكفر في قوم سبأ الذين جحدوا نعمة ربهم، يحدثك عن الدافع إلى حال الكافرين بقوله سبحانه :
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)}
أفتذكر قبل أسطر من هنا كيف عرفنا تسخير الله الجنّ والشياطين لسليمان ؟ ! عندها كتبت ما لم أكن أعدّه لهذه الآية الأخيرة، وهو لها !
كتبت من وحي تطويع الله الشياطين لسليمان يعملون بأمره، فمن عصى صُفّد !  ومقابله استحضرت حال من يحسب للشيطان من سلطان، فهو الذي يتحجج لفساد طويّته أو عمله بالشيطان ! وكأنه الفاعل القاهر الذي لا يقارَع !
فإذا هذه الآية تمتثل لي في سياق الآيات !
{وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (20) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)}
إنّه –عليه لعائن الله- قد صدّق ظنّه على أمثال هؤلاء الكفرة الجاحدين لأنعم المنعم سبحانه، الكافرين به، صدّق ظنه بأنه مغويهم وموقعهم في حبائله، وسائقهم إلى ما يريد من الكفر والفسوق والعصيان، وإنه لم يصدّق ظنّه فيهم من سلطان له على البشر، ولا من قهر ولا من قسر ولا من إكراه، بل من انسياق منهم من ذواتهم لغوايته ! من تقديم كان من أنفسهم جعلهم المطيعين له، المتخذين له وليا من دون الله  تعالى ! ولقد قالها تعالى : {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)} -الحِجر-
وكما أسلفت، فإنه الذي لولا نظِرة له من الله كانت، بإرادة من الله كانت، لما كان له من رِكز في الأرض ولا حِسّ ! ولكنه أُنظِر من الله ابتلاء، ما من سلطان له،  إلا أنه تُرِك لما جاء في آخر الآية :
{...إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآَخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (21)}
الآخرة، الساعة، البعث ... ذاك الذي هو محور من محاور هذه السورة، ذُكِر لأجله المنعَّم الشاكر والمنعَّم الكافر ! إنها النعمة على خطى الآخرة، بين شكر شاكر وكفر كافر !
فاللهم شكرا لنعمك،  شكرا للإسلام نورا،  وللقرآن قرة عين ورفيقا في الدنيا وأنيسا في القبر وشفيعا يوم القيامة ! اللهم شكرا على نعمة الشكر...  !
#سورة_سبأ
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #324 في: 2026-04-06, 09:43:39 »
{قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)}[البقرة]
نغفل عن كونها الوصية الأولى التي هبط بها آدم وحواء إلى الأرض، قبل أي رسالة، وقبل أي رسول؛ تناقلتها البشرية عن آدم -عليه السلام- جيلا بعد جيل وعصرا بعد عصر.. أنه آتيهم الهدى من الله..  وأن من اتبعه نجا،  ومن أعرض عنه هلك!
فكانوا عندما يأتيهم عبر رُسُل الله يعرفون أنه مصداق تلك الوصية وذلك الإعلام الأول !!
فأي حجة هي للناس على الله ؟! 
#أصل_العلم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #325 في: 2026-04-06, 09:44:18 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة الروم؛ جاء في مستهلّها إنباء الله تعالى عن حدث كان في تلك الفترة من الزمن، وافق بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن، في تلك البقعة من الأرض؛ إنه نبأ انهزام الروم في حرب لهم ضدّ الفرس، وقد كانوا أهل كتاب، وكان الفرس مجوسا عبدة للنار.
نزل وحي من الله تعالى يخبر عن انهزام أهل الكتاب أمام عبدة النار، مضمَّنا وعدا بنبأ مستقبلي لم يحن بعد وقته، محدَّدا بـــ: "بعد بضع سنين"، وبـ "سين" المستقبل، أن هؤلاء المغلوبين اليوم غالبون بعد بضع سنين:
"...وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (3) فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4)"
ويتحقق الوعد بعد بضع سنين وتَغلِب الروم الفرس في لقاء جديد...
وانطلاقا من هذا الوعد من الله تعالى العليم الخبير، الذي له الأمر سبحانه من قبل ومن بعد، يبسط الله سبحانه في شأن الآخرة، والبعث ولقاء الله تعالى الذي كذّب به المشركون، ويكذّب به من الناس في كل زمان ..
إن الله الذي أعلمكم بهذا الغائب عنكم، والذي ليس لكم من قدرة على العلم به، هذا الغيب الذي تحقق أمام أعينكم، وكان حقا متحققا في الموعد الذي حدّده لكم، هو الله الذي يعدكم بيوم الامتثال بين يديه، يوم الحساب، يوم الجزاء والعقاب  :
{وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (6) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7)}
وتتوالى الآيات في هذا، تحمل الدلائل التي تخاطب في الإنسان عقله  الذي كُرِّم به آلة لمَيْز حق من باطل، ومنطق من هراء، وحقيقة من خرافة .. 
تهيب به أن ينظر في نفسه وفيما حوله .. هكذا في "عقلانية قرآنية" توجّه الإنسان أن يقيس وأن يستدلّ من واقع ما يحيط به، على قدرة العظيم سبحانه الذي هيّأ كل هذا الذي يراه ويتحسّسه ويلمسه، ويدركه بآلة الإدراك التي حباه بها الله ! هذا الذي كل الأمر بيده من قبل ومن بعد، أنّى يبعُد عنه ويكبر عليه البعث والإعادة ؟ !
آيات الخلق والإبداع في نفس الإنسان وفي الكون من حوله تترى :
{أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (8)}
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22) وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24) وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (26) }
لتجده سبحانه بعد أخذ عقلك في هذه الرحلة الاستكشافية، أسمّيها: "الرحلة الاستنهاضية"، وأنت تعرف هذا، ولكنّك من إِلْفِه ذهب من نفسك الإحساس به : "إِلف الناموس يُذهِب الإحساس من النفوس".
فأنت تعلمه وتراه، وتُدركه في كل حين، ولكنّ مشاعر الإحساس بعظمته وهو إِلفُك قد تبلّدت، وقد تعوّدت حتى ما عدت تُثقِب النظر في عظمتها، وفي أنها التي لولا تسخير ربّها لك لما كانت طَوْعَك ! من إِلفِ الإنسان للنعمة لا تغادره، يجحد ويكند، ويكفر بالمنعم سبحانه !
لذلك فإن القرآن، يُحدث في نفسك تلك الهزّة، وهو يستنهض النظر فيك، وهو يَخِزُ نظرك ويستدعي عقلك، لعمل يجعله يصل إلى النتيجة انطلاقا من المقدمات . وفي هذا عمل العقل الأهم، وعمله الأساس، أن يوصل الإنسانَ إلى حقيقة وجوده وهو يوصله إلى ربّه !
وسبحـــــــــــــــــــــان الله !
إنك وأنت تنتقل مع آيات السورة من أمر حسيّ معروف مألوف، إلى أمر غيبيّ يصوّره لك الله تعالى العليم الخبير، الذي جعل الشهادة التي هي نوال بصرك وإدراكك، وجعل الغيب وهو البعيد عن بصرك وإدراكك، ليصوّره لك انطلاقا من أن عظمة عالَم الشهادة الذي سخّره لك .. دليل على قدرته سبحانه على الإعادة  والبعث ومجيء يوم تحقّق ذلك الغيب وانقلابه مُشاهَدا ! وما هي إلا أيام عالم الشهادة وساعاته المنقضية لا محالة، ليحلّ الغيب مكانه، وقد انقلب شهادة !
إنك وأنت تأخذك الآيات بين العالَمَيْن، تلمس عظمة الله تعالى، وعلمه بآليّة عمل عقلك، فهو الذي يستنهضك وهو يستنهضه، ويهزّك وهو يهزّه للعمل !
فانظر إليه سبحانه وهو يُوالي تلك الآيات المستنهِضة بقوله :
{وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (27)}
إنه الأهون عليه، وقد بدأك وبدأ كل ما يحيط بك من لا شيء، وهو يعيدك منك، أيها التراب الآيل إلى تراب ، العائد من تراب!
بل حتى في قضية التوحيد، ونفي الشرك، وهي من أهم قضايا القرآن ومن أهمّ بياناته، يضرب الله لك المثل المحسوس؛ في هذه السورة، غير بعيد ..
{ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (28)}
في زمن العبيد والإماء كان ملك اليمين، وفي زماننا هم مَن تحت أيديكم ممن يخدمونكم، فهل تقبلون منطق مشاركتهم لكم فيما تملكون ؟؟ ! أنتم تملكونهم بمنطق العبودية في زمن العبيد، وتملكون أمرَهم في شأن خدمتهم لكم في زماننا، فهل ترضون أن يشاركوكم أموالكم ؟ !
إن هذا لمن عَجَب العُجاب في منطق الإنسان، وإنه لا يرضى مجرّد التفكير به، فكيف يرضاه بذاته ؟ !
أنت أيها الإنسان، ومن يخدمك إنسان مثلك، أيها المخلوق وإياه، لا ترضاها، ولا تقبلها، وتنفر منها أيما نفور، كيف بك ترضاها في شأن الخالق مع مخلوقه ؟؟ !  تقبل أن تُشرك بالخالق سبحانه مخلوقا له ؟ !
من هذه الشاكلة، تأخذ الآيات عقلَك إلى ساحات الواقع والملموس والمشاهَد، تارة بتعداد النّعم والتسخير من حولك، في عملية استنهاضية، وتارة بضرب المثال ...
فإذا أنت في تجوال قرآني فريد ... !  في رحلة عقليّة وجوديّة يأخذك فيها خالق الوجود وخالق عقلك وخالقك أيها الإنسان، فيعرف كيف يأخذك، ويعرف كيف يخاطبك، ويعرف كيف هو السبيل إلى الاستنهاض !
أفرأيت روعة القرآن، وتفرّد حُججه ؟ !!
تأمّل ... تأمّل بعد المثال قول الفصل، وقد بلغ بك التجوال الحقيقة، يضع يدَ عقلك وقلبك عليها، فيجعلك تلمسها لمسا :
{بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (29) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31)}
أقم وجهك للدين حنيفا، فإنها الفطرة التي فطر الله الناس عليها، أن الله هو الواحد سبحانه الذي لا شريك له ! لا تبديل ... !
إنها الفطرة وهي تُعلَى من بعد أن أركسها الإنسان، وغمرها، وردمها برُكام الغفلة، وإِلف الناموس، وذهاب الإحساس من نفسه من فرط إِلفِه...
انظر يا يرحمك الله ! انظر إلى القرآن، وهو يهزّ العقل من سُباتِه، ليعمل بدوره على نفض الأغبرة عن الفِطرة المركوزة في النفس، المركوسة من النفس ! وانظر إلى التقاء العقل والفِطرة على السلامة، ليبلغا بكَ برّ الأمان !
أفرأيتَ تجوال القرآن ؟ !
ثمّ أقبل معي ونحن نرتحل في رحاب سورة "الروم"، نرتحل في نفس الإنسان، وفي طبائع النفس، وخالقها يُحدّث عنها ...
لا تفكّ الحزام، فإنّ الروم ما تزال تأخذك في رحلة وفي تجوال ..
انظر إلى الإنسان، وهو يسارع للكفر في الحالَين المتناقضَيْن، إذا أبطرته النعمة، نسي وغفل، وكفر، وإذا مسّه الضرّ نسي وغفل وكفر .. !
عندما يبتعد الإنسان عن رأس الحقائق كلّها، وعندما يغيّبها عن نفسه بتغييب عقله، وبإركاس فطرته، هكذا يصبح حاله ... فانظر إلى عظيم علم الله بتقلبات النفس، بل وبحالها مع المتناقضات :
{وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (33)}
عندما اضطرّ واحتاج وضعف دعا ربّه، وما أن أذهب الله عنه الضرّ وأذاقه الرحمة حتى ارتكس فأشرك !
ثم انظر إليه وهو يكفر في حال الشدة، بخِلاف ما سبق :
{وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (36)}
أفئِن رُحِمتَ نسيت وكفرت، وإن أصابتك سيئة بما قدَّمتَ قنطت وكفرت ؟ !
وما هذا إلا وهو مُغيَّب عن معادلة الحياة، الابتلاء بالخير والابتلاء بالشر، سواء بسواء ..
واذكر معي قول الله تعالى في حال الإنسان هذه :
{إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)} -المعارج-
ويُبينُ الله تعالى بسلسلة من الاستثناءات التي تعقب هذه الآيات من سورة المعارج، عن طِبّ النفس وهي تهتدي، فلا تبقى في إطار الهلع الذي يجعلها مع الحالين المتناقضَيْن متقلبة مضطربة غافلة عن الحق وعن الحقيقة .
ثم انظر مرة أخرى في رحاب "الروم"، إلى قياس الحسيّ الملموس بالمعنويّ ..
انظر فإن بين هذه الآيات المتجاورات تناسما وتقاربا، من حيث تحسب بظاهر من النظر ألا تقارب بينها ولا تشابه :
{وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (46) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (47)}
الرياح المبشرات بالمطر المُحيي، وهو رحمة الله تعالى يذيقها عباده، ولتجري الفُلك بأمره، وتلك الرياح وسيلة مساعدة لجريها على الماء، تأتي الآية بعدها وهي تحمل نبأ الرُّسُل جاءت أقوامها بالبيّنات...
أفلا ترى أنّ الرُّسُل تجيء بالبينات، هي الرياح المُرسَلَة، -وتأمل قوله سبحانه : "يُرْسِلَ الرِّيَاحَ" مع ذكر الرُّسُل- الرّياح المبشرة كما تبشّر الرسل المؤمنين، ثم تكمل الآية  : {... فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ}
لتعرف هذه البشرى بالنصر بإهلاك الله للمجرمين، واذكر قبلها الفُلك التي تجري في البحر بأمره، من إرسال تلك الرياح، لتعرف أنه سبحانه بنصر المؤمنين وإهلاك الكافرين يُمضي أمره، يجري فُلك أمره في هذه الحياة، كما تُجري الرياح الفُلكَ بأمره ... !
وهكذا ... أحببت أن نتشارك هذا التجوال القرآني، بين عالم الشهادة وعالم الغيب، وبين الحسيّ والمعنويّ، تارة بالذكر والتعداد، وتارة بالمثال، وأخرى بالإبحار في أغوار النفس، وأخرى بمجاورة الحركة في الطبيعة للحركة في فعل الهُدى في الأنفس .. !
وياله من تجوال، وياله من تطواف، وياله من علم عليم خبير عظيم، وياله من حقّ أنزِلَ بالحق، وبالحقّ نَزَل .. !!
#سورة_الروم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #326 في: 2026-04-06, 09:45:09 »
«إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ» [فاطر : 29]
الذين 💎يتلون💎 كتاب الله،  «وأقاموا» الصلاة «وأنفقوا»
هل تأملتم مجيء صيغة التلاوة في المضارع،  بينما جاء عن إقام الصلاة والإنفاق بصيغة الماضي؟!
ويْكأنّ تلاوة القرآن علم يتجدد ! بل هي كذلك. نبع علم هو وفهم لا ينضب!
فتاليه بإمعان للنظر وإثقاب للبصيرة يقع على الجديد من العلم،  بل من رأس العلوم كلها..  !
الوعظ يتجدد،  والتذكير والإيمان، والقرب،  كله يتجدد مع القرآن،  والمعارف تتوالد واحدة تلو أخرى.. كيف لا وهو الولاد الذي كلما حسبتَكَ قد فهمت منه آية ولامستَ منها بيانا ومعنى وغاية وبعدا..  فوجئتَ بها تلد الجديد مع كل قراءة جديدة !
بل إنك وأنت مع القرآن،  تبسط للآيات،  وتسبر غورها،  وتتأنى في النظر فيها والتأمل،  تجدها تضرب في عمق الحياة وحركتها،  ومجرياتها...  لأنك مع منهج الحياة لا مع حروف للقلقلة والمد والإدغام والإظهار والإخفاء وحسب !
إنك مع تجدد العلوم والمعارف،  ومع حبات بَرَد الحكمة تساقط ندية على النفس خيرا كثيرا ! 
💎يتلــــون💎 فلا ينقطع علمه وخيره!
#سورة_فاطر
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #327 في: 2026-04-06, 09:45:40 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة فاطر العظيمة الجليلة !
تبدأ بالحمد المستحَقّ للعظيم سبحانه ""فاطر""  السماوات والأرض: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ...}.
سورة تهزّ الأنفس وتستدعي الفِطرة من أعماقها، تناديها باسم ربّها الذي ركزها في النفس البشرية.. سورة أخالُ الكافر، الذي لم يعرف عن القرآن شيئا تُصغي إليها روحه وتتنسّمها فطرته المركوسة وهي تُسمَع نداءاتها !
سورة فيها جلال الفاطر الخالق، فتبدأ بحمد الفاطر سبحانه، كما تُثنّي فتسأل الناس كافة سؤالا استنكاريا، هل من خالق من دونه سبحانه:
{... هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)}
وفرق دقيق هو بين "الفاطر" و"الخالق".
جاء عن ابن عباس –رضي الله عنه- أنه قال : (( كنت لا أدرى ما" فَاطِرِ السماوات والأرض " حتى أتى أعرابيان يختصمان فى بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها ، أي : أنا ابتدأتها . .))
فالفطر هو الإيجاد على غير مثال سابق ومن غير أساس سابق، أما الخلق فهو إيجاد من أساس أوجده الله قبله، كقوله تعالى : {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ...} –الأنعام: من الآية2-
فتجتمع الصفتان في مستهلّ السورة، الفاطر الخالق سبحانه، فاطر السماوات والأرض، الذي له الحمد المستحقّ، وهو الخالق الرازق من السماء والأرض !
لذلك يسبق سبحانه سؤاله الاستنكاري، تذكيره الناس بنعمه :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)}
فمَن ذا يستحقّ الحمد على عظيم نعمه ويستحقّ أن يُعبَد غيرُه ؟
الفاطر الخالق المنعم الرازق ... وإنك مع القرآن وآيِه، لتعيش في ظلال أسمائه وصفاته، تجمعها من انتظام الكلمات القرآنية الشريفة، ومن معاني الآيات، فتجدُك تُحقّق معنى حفظ أسمائه الحسنى، لا أن يكون حفظ حروف، وحفظ ترديد للأسماء من غير عقل لمعانيها ولفعلها، بل بأن تعيش معانيها وتتشربها، تتشرّب عظمته سبحانه، وليس لوجودك من معنى إلا بمعاني أسمائه وصفاته، وتَحَقّقها فيك وفيما حولك من مُسَخَّر لك أيها الإنسان !
فلا تغفل عن آيات قليلة متتالية، تجمع لك معاني العظمة والجلال، وهي تذكّرك بفعل أسمائه وصفاته، وبتحقّقها .
💎 الفاطر الذي لا يستحقّ الحمدَ غيرُه، وهو الذي بدأ من غير سابق أساس، فطر السماوات والأرض، شقّ العدَم فأوجدها !
💎 الخالق الذي يسأل عباده مستنكرا هازّا، مستنهضا، مُعليا للفطرة من ركامها، "هل من خالق غيرُ الله" .
💎 وليس هو الذي خلقكم وترككم ، بل هو الذي خلقكم ويرزقكم من السماء والأرض، فاذكروا الرازق، واذكروا نعمَ المنعم عليكم !
ثمّ هو ذا اسم آخر من أسمائه الحسنى يُشعّ ويلمع، من بعد التذكير بالخلق والإيجاد الأول، بالفطر من عدم، وبالخلق مما أوجد، إنه يتجلّى في قوله سبحانه :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5)}
إنه سبحانه الفاطر الخالق المنعم الذي إذا وعد فوعدُه الحق، فلا تغرنّكم الحياة الدنيا بزينتها وبهرجها، ولا تأخذنّكم عن وعده الحق الذي وعد، ولا يغرنّكم بالله الغَرور، الشيطان الذي دأبه التغرير بكم..
فبمَ تُرى هذا الوعد يلوّح ؟؟
إنه يلوّح باسم جديد من أسماء الله تعالى، ستأتيك بخبره الآيات المواليات؛ هكذا نعيش أسماء الله وصفاته من آيِ القرآن الكريم، ونحن نتشرّبها فعلا متحققا .
إنك إذا تأملتَ الآيات المواليات، وجدتها لا تصرّح بيوم البعث تصريحا، ولكنها تذكر ما يكون فيه، وأدعوك قبلها أن تتأمل التي سبقتها، لتجد التلويح بدأ منها، لتجد بديع نَظم الله تعالى، وسلاسة الانتقال، وأنت تُؤخَذ من قضية إلى قضية، لا تنفكّ الواحدة منها عن الأخرى، في تسلسل وترابط لا ينفكّ أبدا ..
فتعوّد كيف تبحث في الربط؛ وإن هذا الانتقال السلس هو ما نسميه: "التخلّص الحَسَن"، الذي يحقق الخروج من مقام وكأنك لم تخرج، ودخولك إلى مقام غيره، وكأنك لم تدخل،  فانظر إلى ما كان قبل الحديث في هذا عن الوعد :
{وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (4)}
إيماءة بــ : "إلى الله تُرجع الأمور" ... ليستقرّ في ذهنك أولا، أن كل أمر إليه سبحانه راجع !
ثم تأتيك آيتنا بالحديث عن وعده الحقّ، وهو وعده بالبعث وبالحساب، وعده بالرُّجوع إليه .
تأتيك الآيات المتواليات بمعنى اسمه : "الباعث" سبحانه، لا على التصريح بل على ذكر ما هو متحقق فيه، فتأمل :
{إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) الَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (7)}
لقد حذّرك الغَرور(الشيطان) أن يأخذك عن تذكّر الوعد الحق والتصديق به، فهو ذا سبحانه بعدها يأخذك منه إلى ذلك اليوم، وهو الداعي حزبَه ليكونوا من أصحاب السعير، وما السعير إلا دار الهلاك في يوم الحساب لمَن كذّب وأعرض !
ثم تأتيك عاقبة الكافرين وعاقبة المؤمنين في ذلك اليوم... فأنتَ تُؤخذ إلى اسم "الباعث" سبحانه، بهذه المعايشة الحيّة المتحقّقة بما يكون في ذلك اليوم .
ثم تأمّل وهو يتدرج بك سبحانه من التلويح، إلى التلميح، إلى التصريح بذكر الأحداث، تدرّجْ وأنت تتأمّل وتنظر ... لتجدك الآن قد وصلتَ إلى التصريح باسم من أسماء ذلك اليوم، اليوم الذي يبعثك فيه الباعث سبحانه :
{وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9)  }
إنه يخاطب عقلك، ويرسل إليه بإشارات يفهمها، ويعرفها ويدركها ويلمسها، توصله إلى غيب عنه مُغيَّب، إلى يومٍ وُعِدَه من الخالق الفاطر المنعم الرازق الباعث سبحانه؛ فيضرب لك الرياح مثلا، وهي التي تُرسَل فتثير السحاب الذي يُساق إلى بلد ميت يحيي أرضه بعد موتها، وأنّ حال "النشور" كحال هذا الإحياء بأمر الله فيما جعله سببا للحياة بعد الموت !
وإنك وأنت في رحاب الآيات العظيمات، تُؤخَذ في تجوال "عقليّ استنهاضيّ" لعمل عقلك ولفطرتك التي تستجيب مع محفّزاتها وأساساتها التي انبعثت فيك بها، تُؤخَذ في رحلة إلى ما حولك من أطراف هي -على تناقضها- متكاملة، تحقّق تكامل مكوّنات الوجود، وكمال الخلق:
{وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11) وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (13)}
"يُعمَّر و  "يَنقُص" ، "عذبٌ فُرات"  و "مِلْحٌ أُجَاج" ، "الليل"  و "النهار"  "الشمس" و  "القمر"  ..
هو سبحانه الذي أوجد الوجود على هذا النّسق، وعلى هذا الإبداع، ففطر وخلق وأبدع في تكامل بين المتناقضات ليس إلا له وحده سبحانه ! لتجد الآية تختم باسم جديد من أسمائه الحسنى وبصفة من صفاته العُلا، "الملِك" ... هو الذي أبدع كل ذلك،  له المُلك، ومن تدعون من دونه ما يملكون من قطمير !
ولنصل من بيان مُلكه سبحانه لما خلق وأبدع وصوّر وفطر، إلى ذكر ما يُتَّخذ من دونه من الشركاء؛ إذ قد استوقفني وشدّني ما ذكره الله عنهم في هذه الآية من السورة :
{إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (14)}
إنهم وهُم يُدعَون من دون الله لا يسمعون دعاء داعيهم، بل حتى وإن سمعوا لن يستجيبوا، فهو سبحانه وحده الذي يسمع دعاء من يدعوه ويعبده ويسأله، سبحانه "السميع"..  فأمّل اسما جديدا من أسمائه وهو يتجلى من الآية .. كما أنه سبحانه وحده المجيب الذي يقضي حوائج من يسأله، "المجيب" في تجلّ جديد لاسم جديد من أسمائه .
ومع تجلّي أسمائه من ثنايا الآيات، استوقفتني عبارة :
" يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ "
يالهذا التعبير، ويالاجتماع الكلمَتَيْن : "يكفرون"  و "شرككم"
إنهم يوم القيامة سيكفرون، بمن عقل فيهم وبما لم يعقل، بمن كُلّف فيهم وبما لم يُكلَّف، كل شريك اتخذتموه سيعلن كفره بكفركم، كما كفرتم في الدنيا بالله المستحقّ وحده للعبادة، سيعلنها شركاؤكم الذي اتخذتموه من دونه، أنهم يكفرون بشكرككم، يكفرون بكفركم، أنهم وهم الشركاء المتخَذون، سيعلنون براءتهم من شرككم، سيعلنون التوحيد، سيعلنون باطل إشراككم بالواحد غيرَه !
ثم تمضي مع آيات السورة آية فآية، لتبلغ من جديد إبداعا إلهيا فريدا، لم يُسبَق له في التعبير ولا في التصوير الدقيق للمعنى، سبحانه كما فطر من غير سابق أساس ولا مثال، يفطر المعاني من غير سابق تعبير ولا تصوير من معبّر منمّق مزوّق للعبارات ، متفنّن في التصوير والوصف  ...
تأمّل هذه القطعة القرآنية الفريدة في قوله تعالى من السورة ذاتها :
{قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (40)}
تلقين للنبي صلى الله عليه وسلم أن يسألهم :
** "أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ" ؟ ألهم شرك في خلق الأرض؟
** "أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَوَاتِ" ؟ أم لهم شرك في خلق السماوات وتصريف أمرها ؟
وتأمل ابتداء السورة بإقرار الحمد لفاطر السماوات والأرض على غير مثال سابق وعلى غير أساس أوجدهما منه، لتجد المحاجّة في شأن وحدانيته سبحانه، بالسماوات والأرض .
** أم آتيناهم كتابا فهم على بينة منه ؟ :
أما هذه، فهي التي شدّتني وهزّتني، وهي مع ما عرفنا في الآية14، "يكفرون بشرككم" هي الأخرى من المبكّتات المُفحِمات، التي اجتمعت فيها كلمات دقيقة المعنى، ليس من السهل اجتماعها:
 {أَمْ آَتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ  }
أيّ كتاب آتاه الله هؤلاء المشركين، يقرّ فيه بمشاركة شركائهم له، وبالتعدّي هو يقرّ لهم بشركهم ؟ !
هو منتفٍ أصلا، ولكن على فرض وجوده، فهو الذي لا يُقَرّ إلا إذا أقرّه الله تعالى ! الأمر منه، والحقّ منه، وباطلٌ وجود شريك له سبحانه، ولكن ما يقرّه هو سبحانه الحقّ الذي لا يُعدَل عنه، فحتى على فرض سلامة شركهم، فأيّ كتاب آتاه الله يقرّ فيه بعبادتهم شريكا أقرّ هو سبحانه أنه له شريك ؟؟ !
ويحضرني هنا ما كان يقوله المشركون وهم يطوفون بالبيت، كانوا يبدؤون التهليل والتلبية بإقرار التوحيد، ثم يثنّون بقول الشرك، وذلك قولهم بدءا : " لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ" فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول من خلفهم : "وَيْلَكُمْ، قدْ قَدْ"  يريد أن يكتفوا بهذا، وهو الحقّ وألا يكملوا ما يعرفه من قولهم المُفسِد وهم يقولون :" إلَّا شَرِيكًا هو لَكَ، تَمْلِكُهُ وَما مَلَكَ  "  ... !
وكأنهم حقا قد أوتوا من الله ما يقرّهم على قولهم !
إنما إقرار الله الأوحد هو الحقّ الذي لا يحول ولا يزول،  أنه لا إله إلا هو؛ وتأملها في بدايات السورة، وهو يستنكر على الناس :
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (3)}
في هذه السورة فاطر السماوات والأرض، المحاجّ بالسماوات والأرض  وفطره لها وملكه لها، أنه ما من شريك له، وأنه وحده الملك، تجده في أواخر السورة يبيّن أنه ممسك السماوات والأرض، الحافظ لها من الزوال، وأنها ساعة تزول ما من ممسك لها من بعده :
{إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (41)}
وفي جمال متصل، وبديع نظم لا ينقطع إنك تجد في بدايات السورة آية عن إرساله سبحانه لرحمته، وإمساكه لما يقدّر إمساكه :
{مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (2)}
وعُدَّ أسماءه الحسنى المضمّنة في وأنت تحفظها حِفظ من يقرّ بها لله تعالى صفة لجلاله، وفعلا من أمره في وجوده الذي أوجد .
ألست تقع على : "الله"، "الفاطر"، "الخالق"، "الرزاق"، "المنعم"، "الملك"، "السميع"، "المجيب"، "الباعث"، "المحيي"، "المميت"، "الحيّ"، "القيّوم"،  "العزيز"، "الحكيم" ...
سبحانه له الأسماء الحُسنى، ندعوه بها ونحن نقرّ بتحقّقها، وأنها له وحده !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #328 في: 2026-04-06, 09:46:07 »
بين الفيل والطَّيْر يا سادة قصة، وأي قصّة !
إنه فيل برك، فما زاد عن أن برك، ذاك  الذي إذا مشى على الأرض خلتَها من تحته تهتزّ، وخلتَه سيخرِقها من فرط ضخامته ! وإذا زاد وأعلى نهيمَه خلتَ ما حوله كلّه يرتجّ لعظمته !
ولكنّ فيلَنا يا سادة قد برَك  ! وما زاد عن أن بَرَك ... !
ولقد ضربه أصحابه ليقوم، ليتزعزع، ليتحلحل ! ولكنه ما زاد عن أن بَرَك !!
والملِك من هناك يصرخ بالفِيَلة، وبفيلِه الأعظم، ويصرخ بسائسيه، وأنه الذي سيُسوّي وسيسوّي، وأنهم إن لم يحرّكوه ليقتلنّه وليقتلّنهم معه ! ويتوعد ويُزبِد ويرعد  !   وقد غدا الملك الجسور وكأنه الفيل ينهَم !
والقوم حيارى، مشدوهون من بُروك الفيل الأعظم  ! ذاك الذي وُكِّل به ذات عام هو عامُه، وما بقي من ذكر الفيل ومن عظمته إلا أنه عامُه !
وُكِّل به أن يهدِم الكعبــــــــــــــــــــــــــــــة !
فأبى الفيل، وانصاع لمراد الله تعالى، فبَرَك؛ وإذا بالسماء من فوق القوم تغشاها طيْرٌ، تسبح في جوّها، فلا تكاد تحسّ لها من رِكز وهي التي تسبح، كأنها الهواء مع الهواء، كأنها النسيم العابر ...!
هل تعرف للطير من ثقل عليك وعلى الأرض وهي السابحة المحلّقة ؟؟!
أين طير سابح من فيل ترتجّ الأرض من تحت أقدامه الضخمة ؟؟!
أين طير محلّق يقطع المسافات خفة ورشاقة من فيل يهتزّ مَن حوله من ثقل وزنه وهو يُعقِب الخطوة منه بالخطوة ؟؟!
ولكنّ الفيل يا سادتي، قد بَرَك ! الفيل الضخم العظيم بَرَك، وهو بدفعة منه وبدفقة -لو ائتمر بأمر السائس- يهدم الكعبة، فيذرها حطاما ! 
ولكنّه بَرَك ...
وإذا الطّير الأبابيل(الأسراب والجماعات منها) الرشيقة الخفيفة السريعة السابحة في جوّ السماء، وما يُمسكها في جوّها غير ربّ السماء وربّها ! إذا بها وهي تحمل حجارة من سجيل(من نار)  ترمي بها قوم الفيل المعتدِين، المعتَدّين بالقوة وبالفِيَلة جيشا لا يُقدَر عليه.. فتجعلهم كعصف مأكول !
إذا القوم من رمْي الطير المسخّرة في السماء، الممسَكة من ربّها فيها، تغدو كقشر الحبّ المتطاير ! هبــــــــــــــــــــاء هباء !
فأيّ فِيَلة، وأيّ فيل، يا عاما لم يبقَ للفيل منه إلا اسمُه (عام الفيل) !
فهل كنت تَعُدّ الطائر شيئا أمام فيل عظيم؟!  وهل كنت تحسب يوما أن يغلب الطير فيلا؟!  أن يغلب سابح في الأجواء،  ممسَكا من الرحمان، ضخما تهتزّ الأرض من تحته؟!
أي فيل ضخم عظيم أمام طير رشيق خفيف سابح في السماء سبحا، هو جُندٌ لله، غلب به الفِيَلة وسائسيها !! وحمى به كعبته وهو حاميها !
وفي عامه، ذاك الفيل المهزوم،  انشقت الدنيا عن نورها،  وازدانت الأرض والسماوات بشمسها التي لا تغيب "محمد"...  في عام الطير المأمور بحماية الكعبة ازدانت الارض بمنقذها وحاميها !
صلى الله عليك وسلم يا نورا في الدجى،  ويا نصرا على الأعداء ويا حقا أبلجا...
#الفيل_والطير_الأبابيل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #329 في: 2026-04-06, 09:46:41 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في سورة الزّمر، جاء تلقين الله تعالى نبيّه صلى الله عليه وسلم :
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (12) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)}
أن يبلّغ مَن حوله –صلى الله عليه وسلم- أنه المأمور من ربّه أن يعبد الله مخلصا له الدين وحده، متحدّيا كل المتفشّي في وسطه، المتعارف عليه، المتوارث أبا عن جد، من عبادة لغير الله تعالى ومن تعدّد الآلهة، ومن التقرّب إليها بألوان القربات، ومن جهالات داجية لا يقوم بها بصيص من نهار !
وأنه المأمور من ربّه أن يكون أول المسلمين، بمعنى أن يكون القدوة لهم في إسلام وجْهِه لله تعالى، وفي الائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه، أن يكون أسوتهم وقدوتهم والمُعلّم والمُقتَفَى أثره على درب الحياة، وعلى درب الممات، وهو ما يوازي تلقينه سبحانه له  : {قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (163)}-الأنعام-
وقل أيضا يا محمد، مزيدا في بيان قدوتك للمؤمنين:
{قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (13)}
قد أمرتُ أن أخلص العبادة لله، وقد أمرتُ أن أكون القدوة، وعلى هذا فإني "أخاف" ! أنا أول المسلمين، فأنا أول من يخاف، يخاف معصية ربّه ! يخاف مغبّة المعصية . 
علّمهم أنك وأنت "محمد" بجلال قدره، وهو حبيب ربّه، وهو الذي بأعين ربّه، وهو الذي أقسم به ربُّه : "لَعَمْرُكَ"...  تخاف معصية ربّك .
علّمهم أنك مخلص لربك الدين، وأنك أول المسلمين، وأنك أول من يخاف معصية ربّه، يخاف عذاب يوم عظيم !
إنه تلقين الله لنبيّه ليكون القدوة، لتكون منه الأوليّة في الطاعة والتسليم وخوف المعصية.
ليأتي بعده تلقين ثانٍ من الله عزّ وجلّ لصفيّه صلى الله عليه وسلم، هو ذاته الأوّل:
{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)}
هو ذاته الأول: {قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) }
ولكنّني أستشعر فرقا دقيقا بين الاثنَيْن..
ذلك أن الأول :{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11) }  جاء في سياق القدوة والمثال الذي يُقتفى والأوليّة، والثاني جاء في سياق التبليغ إنذارا وتبشيرا، لذلك ترى الثاني يُتبَع بقوله تعالى :
{فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (15) لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ (16) وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)}
وكلا الأسلوبَين دعوة؛ "دعوة بالقدوة" و"دعوة بالتبليغ إنذارا وتبشيرا" .
💎 الدعوة بالقدوة: وه يمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة النبوة : أمِرتُ بإخلاص الدين لله+ أمرتُ أن أكون قدوة للمسلمين.  .وهي الدعوة بالقدوة التي يتبناها كل داعية على درب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يكون على حال مخالفة لما يدعو إليه غيرَه.
💎 الدعوة بالتبليغ : اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي + التبليغ بين إنذار وتبشير، بين ترغيب وترهيب.
وفي كلا النّوعَين نلحظ ملازمة البدء بالنفس، ضرورة كون الداعي مخلصا لوجه ربّه:
{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (11)}
{قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14)}
أن يكون آتيا لما يدعو له غيرَه، تاركا لما ينهى عنه غيرَه.
وفي هذا نستنتج دور السياق القرآني في بيان الاختلافات الدقيقة، والتي إن غضضنا عنها الطَّرف اقتصرنا على أنّ التكرار مفاده التأكيد وحدَه، بينما هو يفيد التأكيد ويفيد معه المرامي المنوَّعة.
#سورة_الزمر
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #330 في: 2026-04-06, 09:47:26 »
{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر : 64]
في سورة الزمر،  كان قد جاء حول إخلاص رسول الله ﷺ العبادة لله، بصيغ مختلفة:
1-) 💎{ إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر : 2].
2-)💎{قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [الزمر : 11].
3-) 💎 {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [الزمر : 14]
 وبعد إسهاب في حال المعرضين عن توحيد الله تعالى،  وعن مآلهم بين يدي رب العالمين،  يأتي في أواخرها تلقين آخر، هو تحصيل لما سبق من دواعي دعوته ﷺ إلى التوحيد وإخلاص العبادة لله قدوة للمؤمنين، وتبليغا لهم :
{قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [الزمر : 64].
أيها الجاهلون!!  أغير هذا الرب العظيم تأمروني اعبد؟!
ما بين أمر الله لي،  وأمركم لي!!  هو ما بين الفوز والخسران،  ما بين النور والظلام،  ما بين العلم والجهل،  ما بين الغاية من الوجود والعبثية!! ما بين كرامة الإنسان ومهانته،  ما بين عزته ومذلّته!
أيها الجاهلون!  وأنتم تجهلون هذا الرب العظيم الواحد !
إنه أمر الرب العظيم الواحد الذي جاء عنه سبحانه في إجمال قبل هذه الآية: 
{اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ(62) لَّهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ(63)}
فما بين أمره سبحانه وأمركم..  !  هو ما بين النور الساطع والظلمة المطبقة،  ما بين الحق اللامع والباطل المعتم.! 
فيا أيها الجاهلون!  لن يفلح فيّ أمركم!  بل وحده أمر الله الواحد فيّ ماضٍ ! 
وإنه لحقيق علينا أن نقولها في وجه كل من يدعونا لأن نذلّ لغير الله،  وأن نخشى غير الله،  وأن نظن القوة في غير الله،  وأن نطأطئ الرأس لغير الله! في وجه كل من علم من صنوف العلوم،  ولكنه ما قدر الله حق قدره، فطفق يدعو لعبادة الدنيا، ولعبادة الهوى، وألا رب يُعبَد ولا إله!  فذاك الجاهل الجاهل وإن كان فلتة زمانه في كل العلوم!!
#سورة_الزمر
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #331 في: 2026-04-06, 09:47:55 »
خسارة كبيرة، وأي خسارة، أن نحسب أنّ غاية ما نفعل مع القرآن أن نحفَظَه حروفا وانتهى ! والله تعالى يصفه بقوله:
{وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ 💎رُوحًا💎 مِّنْ أَمْرِنَا...}
-الشورى: 52-
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #332 في: 2026-04-06, 09:48:26 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) }-فصلت-
مَن أحسن ممن دعا إلى الله وإلى طاعته وامتثال أمره امتثالَ عمل، وهو مع دعوته غيرَه عامل : "وَعَمِلَ صَالِحًا"، لا يخالف الناس إلى ما يدعوهم إليه، بل هو في ذلك قدوة فعليّة، يزداد الناس استجابة لدعوته وهم يرونه فاعلا لما يقول ...
وهو مع دعوته وعمله بما يدعو إليه، هو القائل : "إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ"
إنني من الذين يُسلمون وجوههم لله تعالى مخلصين له الدين، مخلصين في توجّههم إليه، لا يبتغون إلا وجهَه سبحانه وهم يسلمون له الوجه !
ثم تأمّل معي، ما يعقب هذا القول منه والفعل، تأمل ما يعنيه الإسلام لله تعالى، وهو في حقيقته، وفي عمقه الائتمار بأمر الله والامتثال لعلاجات الترقّي التي يصفها لهذه النفس التي خُلقت من ضعف؛ إنها وهي المخلوقة بضعف ومن ضعف، وصف لها خالقها علاجات الترقّي والسموّ بها من الضعف إلى القوّة، قوّة نفسيّة لا يحقّقها إلا القرآن العظيم، وهو يرتقي بالإنسان عمّا يصيّره هباءة وقشّة أمام أضعف ريح !
وإننا مع واحدة من تلك الوصفات، التي تحقّق انصياع مَن يقول : " إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ " إلى أمر الله فيه، وإلى طبّ القرآن، يحقّق فيه الإسلام لله، إسلام من يثق ويوقن أن الربّ هو المربّي، المرقّي، المعالج لأدواء النفس التي خلق ...يحقّق طبُّ القرآن وعلاجاته في النفس كمالات النفس، وقوّة النفس !
{وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) }
إنه من البداهة التي لا تستدعي فيض علم ولا واسع معرفة، أن الحسنة والسيئة لا تستويان، فهما كحال الظلمة والنور. أما أنت أيها المسلم وجْهَك لله، يا مَن دعوت إلى الله وعملت صالحا، وأقررت باللسان مع الفِعال أنك من المسلمين، فادفع الظلمة بالنور وأنت صاحبُه، صاحبُ هذا النور الذي يخرجك من كل ظلمة، ويغلّبك على كل ظلمة ..
ادفع السيّئة بالحسنة، بل بالتي هي أحسن !
وإن هذا لمن مبالغ الكمالات والقوة النفسية، ألا تستجيب النفس لمثيرات الغضب والحنق والحقد، قبالة من يسيء إليها، أن تقابل تلك الإساءة بإحسان ..
إنها قوّة لا يُؤتاها أيٌّ كان، بل يُؤتاها من يحقّق إسلامَ وجهِه لله تعالى، ويوقن أنّ وصفات القرآن علاج فعّال، ناجع لا ريب فيه، وأنّ النتيجة التي يحقّقها هذا العلاج نتيجة مضمونة، لا محتَمَلة !
فانظر لنتيجة دفع السيئة بالحسنة، دفعها بالتي هي أحسن :
" فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ"
إنّ الذي بينك وبينه عداوة، وأنت تدفع سيئته بإحسان، ينقلب لك وليا حميما، فكيف بمن ليس لك عدوا محادّا، بل هو أحد الأقارب أو المعارف، أو الأصدقاء، فهو  إذ أساء إليك، يسهُل عليك أن تفوّت له الإساءة، بل أن تردّ إساءته إحسانا، وصبرا !
وإنه لا شكّ، أن كثيرين ممن عاينوا في دنياهم من هذا، ومن أصناف الناس وألوانهم، سيستثقلون هذا التفاعل إزاء إساءة المسيء، ولا شكّ أن أول ما سيقفز من رأي يرونه، أنّ هذه المقابلة ضرب من ضروب إهانة النفس، وعدم الانتصار للكرامة، وأنه ضعف وانكسار وامتهان للنفس مع مَن سَهُل عليه أن يسيء إليك، وأنه من دواعي استسهاله ذلك معك مرات أخرى،  وأن الحدود يجب أن توضَع، وأنه يتوجّب إيقافه عند حدّه لئلا يتمادى ! وأنّ واقع الناس اليوم صعب، فمَن وجدك كذلك استمرأ، ولم يَؤُدْه أن يصيّرها معك عادة ! وأنّ وأنّ ... !
إنّ الله العظيم العليم، الربّ الخالق المحيط علما بنوازع النفس التي خلق، وبأصناف الناس ومعادنهم، وبنوايا مَن أساء ونوايا مَن أحسن، وبطويّة كل إنسان، آتاك هذه الوصفة القرآنية، وهو يعلم ما ذكرتَ أنت، وما لا تقوى أنت على تكهّنه، أو الإحاطة به علما، وقد وصفها !
وإن يقينك بعلم الله تعالى، وبعظيم حكمته، وبنجاعة وصفات القرآن لعلاج النفس وترقيتها، وبأنه لا يهديك إلا إلى حقّ، يقين من لا تساوره ذرّة من شكّ، ولا تُنازع نفسَه شعرة من تردّد؛ إنك إذا بلغتَ هذا اليقين بربك وبحكمته، وبإحاطة علمه، وبعلوّ النور الذي أنزل على كل أمر، وجدتَ النتيجة قبالة عينك متحققة !
اليقين وحده في نفسك بالله تعالى، وبأنّ هذا القرآن نزل تربية وترقية وعلاجا لأدواء نفسك، وخروجا بها من قوقعة الضعف التي لا ننفكّ ندندن بها، ونحن لا نبذل أدنى جهد للخروج منها وللترقّي، وحده هذا اليقين بأمر الله فيك كفيل بأن يريك النتيجة كما وُصِفَت لك، لا أن تلازم مكانك ولا تسعى، ولا تفعّل ترقيات القرآن فيك، ثم تدندن بأننا المخلوقون من ضعف !! المغلوبون بالضعف !
أما يقينك من نظرتك أنت للناس، ومن خِبرتك بمعادنهم،  ومن تجربتك في الحياة، ومن أنّ نفسك الأعلى، أكثر من يقينك فيما دعاك الله إليه، فهو من دواعي عدم قدرتك أصلا على تخطّي هذه العقبات، وعلى مجاهدة النفس التي تثور وغاية أمانيها الانتقام والانتصار، فأنت المستجيب لها، المنتصر لها في كل حال، المقارع في الصغيرة كما في الكبيرة، الممرّن لها على الإساءة باسم فهم عقليّات ناس هذا الزمان، وباسم الكرامة، والعِزّة والأنفة ! وباسم التذاؤُب لئلا تأكلك الذئاب،  إنك المستجيب لها لا لأمر الله فيكَ ...
لذلك وجب أن نتمّ الآية، وهي تزيدنا بيانا لحال هذا الذي ينجح في دفع السيئة بالتي هي أسحن، حال من يعاين النتيجة لا المقدّمة وحدَها، فإذا الذي بينه وبينه عداوة كأنه وليّ حميم، انظر لصفاته :
{وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (35) }
وما يُلَقّى في نفسه هذا التفاعل إزاء إساءة المسيء، إلا الذي صبر، ما يلقّاها في نفسه إلا ذو حظّ عظيم من توفيق الله له لأن يردّ الإساءة بالإحسان...
💎 الَّذِينَ صَبَرُوا
💎 ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
الذي يصبر على المكاره، ويعوّد نفسَه على مجاهدتها... فلكأني بنفسه ذاك المتمرّد على تربية الله له، وعلى ترقية الله له، فهو الذي يتصدّى لها بالمجاهدة، وبإرغامها على ما تكره إرضاء لله، لا إرضاء لها؛ تعوّد الصبر على تحميلها ما تكره، وصدّها عمّا تهوى، هكذا كانت حياته مع نفسه دُربة على الصبر على المكاره وتحمّلها، فكان من زمرة الذين صبروا، فما عادت نفسه تلك الجَموح التي لا تهدأ ولا تني إلا إذا قابلت الشرّ بشرّ مثله، والإساءة بالانتقام !
هؤلاء الذين صبروا، هم أهل الحظّ العظيم من عطايا الله تعالى، عطايا توفيقهم لمقابلة الإساءة بالإحسان، عطايا تقديرهم على ذلك، عطايا الحكمة، وهي الخير الكثير يُؤتاه العبد من ربّه، فما تعود تعني لهم الإساءة شيئا، وهم الذين صبروا، وكان جهادُهم في أشرس ساحة، ساحة النفس الأمّارة بالسوء !
النفس الهلوعة التي وصفها الله تعالى بقوله : { إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21) } -المعارج-
هكذا خُلِق الإنسان، هلوعا، كما خُلق ضعيفا، ولكنّه –بالمقابل- لم يتركه ربُّه لضعفه، ولا لهلعه، بل دعاه للترقّي وللتقوّي، وقد خلقه بنفسٍ تلك صفاتها، لتكون واحدة من أكبر ساحات ابتلائه في هذه الحياة الدنيا، ومن أشرس ساحات معاركه، لفوزه بالحظ العظيم، ولنوالِه الحكمة من ربّه إن هو ترقّى، وسما بها وهو يتّبع ما وُصِف لها من علاجات !
لذلك تجد سورة المعارج، بعد وصف تلك الخِلقة في الإنسان، تسهِب في عدد من الاستثناءات المتصلة التي لا تُبقي الإنسان على هلعه :
{إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35)} -المعارج-
كل هذه اليقينيات التي تتوشّى بها النفس  وتتحلّى، تجعلها الأهل للمجاهدة، وللترقّي، وللصبر على المكاره، ولعدّها ابتلاء من الابتلاء الذي تتعوّد التصدّي له بسلاح الصبر، حتى تدخل في زمرة أهل الحظّ العظيم، والخير العميم .
ثمّ هَبْ أن واحدا من الناس قابلتَ إساءته بإحسان، فتمرّد، لن يضيرك عندها أنك الذي عملتَ بوصفة خالقك، وائتمرتَ بأمره، لأنك وأنت تمتثل للعلاج القرآنيّ، لستَ بالذي يُهين نفسَه، ولا بالذي يتمسّح بالناس ليرضوا، وإنما منطلقك اليقين بما يهديك إليه ربّك، وغايتك إرضاؤه، فأنت تفعلها مرفوع الرأس لا مطئطئه، وشتان من يتملق الناس ويتزلّفهم، ويخطب وُدّهم ورضاهم وإن أساؤوا، وبين من يحسن لمسيء وهو يتزلّف الله تعالى ويرجو رضاه !
إنّ اختلاف المنطلَق في الحالَين، واختلاف النوايا التي تسبق الفعل، كفيلة  باختلاف النتائج المتحقّقة، فالمتزلّف للناس ذليل، بينما المتزلّف لله عزيز ! وهي حالات تُقرأ في الإنسان قراءة .
ولذلك عُدْ إلى الآيات التي سبقت، والتي بدأنا بها:
 {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (33) }.
إنه الإسلام لله، لا للناس، الامتثال لأمره، والتطبّب بدواء القرآن، لا الامتثال للناس والتمسّح بهم !
إنك وأنت تجاهد نفسَك وتتخذ الحِلم والموادعة سلاحا أمام من يسيء إليك من المؤمنين، تكون قد دخلتَ ساحة الوغى الأشدّ، ساحة نفسك، فحقّقتَ النصر عليها أولا، حقّقتَ فيها القوة الحقّة، ليست قوّة البطش والأخذ، بل قوّة ملكك لها ساعة الغضب ! عندها سيشعر المسيء بالخِزي، وسينظر في الفرق بين ما آتاكَ وبين ما آتيتَه بالمقابل، سيعرف أنه لا تستوي سيئته وحسنتك، وأنك كنت الأرقى، وكنت الأقوى، وأنه لم يملك زمام نفسِه وهو الذي ابتدأ ولم يُبدَأ، بينما ملكتَ أنت زِمام نفسك وقِيادَها وأنت الذي بُدِئتَ ولم تبدَأ !
سيكون إحسانك مقابل إساءته لك بمثابة العدد من الدروس والمواعظ، بمثابة المدرسة التي دخلها ليتعلّم فيها معنى القوّة، ومعنى الرقيّ، ومعنى ما تُجعل له القيمة، وما لا تُجعل له من قيمة ! معنى الحكمة والعيش بالعمق ! معنى تحقيق الغاية من الوجود، أن نُسلِم الوجهَ لله، فنتطبّب لأدواء أنفسنا بعلاجات القرآن... !
واذكُر نبيّك صلى الله عليه وسلم وهو يقول: "" ليسَ الشَّدِيدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّدِيدُ الذي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ. ""-صحيح البخاري-
فاللهم نسألك ان تعلمنا،  ونسألك الحكمة،  وأنفسا تنتصر على ذواتها !!
#سورة_فصلت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #333 في: 2026-04-06, 09:50:14 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::


﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (19) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) ﴾[فصّلت ].
عياذا بالله من هذا المقام الذي يُقامُه عدوّ الله ! الذي يُقامُه ذاك الذي كان يستكبر في الدنيا، ويحادّ أمر الله وأمر رسوله، وكان يجهر بمحادّته وعداوته لله ولأمره، وكان يتشدّق بألوان المُحادّة، من قوانين الأهواء والوضع البشري، والفلسفات المادية التي أنكر بها الإله الواحد، وعبد المادة، وعبد الملموس المشاهَد، وكذّب بكل غيب أعلم به الله عباده، وأنذرهم مغبّة التكذيب به !
إنهم يُحشرون إلى النار ! بأمر من الله الذي أنذرهم، فما صدقوا وما آمنوا، وما ارعَووا.. فهُم اليوم يُوزَعون، يصفّون، السابق فاللاحق، يُصَفّون وهم يُحشرون إليها –عياذا بالله- ! يُساقون إليها الواحد خلف الآخر...
فبين ضال ومضل، وبين ضال وقرين ممن كان يتبع ضلاله، وكان يسبّح بحَمد أقواله وافترائه على الله الكذب، ربما باسم علمه الماديّ ونبوغه في علم المادة، خلط حابلا بنابل، فرأى في قوله في فلسفة الحياة وفلسفة الوجود علما لا يُقارَع هو الآخر ما دام قد نبغ في علم المادة، فهو العالم الألمعيّ الذي يُطاع، إذ أنّ مبلغ عقله من النبوغ والفهم الماديّ يخوّل له أن يصير قائدا وسائقا إلى الفهم القويم في دنيا الوجوديات والتصوّر الوجوديّ، فيأخذ عنه إلحادَه، وكفره بالإله الواحد، وإيمانَه بالعلم وحدَه، وبأنه لا خالق ولا موجد، وأن الطبيعة سيدة نفسها وموجدة نفسها، وأنه اللاشيء من لا شيء وإلى لا شيء !!
إنهم اليوم يوزَعُون ... !
إنه يأتي قبله، أو يأتي بعده، لا ضير !  هو ومعبوده باسم العلم والعقل والمعرفة والمادة إلى النار يوزَعوُن !
لقد كان يعدّ المؤمن بالله العظيم في الدنيا سفيها، تافها، قائلا بالأوهام ! لقد كان يسخر منه ويضحك من قوله، ويعدّ قولَه واعتقاده الجهل الذي لا يقبله عقله الفَلتَة !
لقد انساقت خلف دعاوى الحرية، وخلف دعاوى ذمّ المجتمعات العربية والإسلامية، وأنها المجتمعات الذكورية المتسلطة، وأن المرأة فيها مهدورة الحقوق، مهضومة القيمة، وأنّ عليها التصدّي للرجل، وأن تعلن عليه الحرب حتى يستسلم فيعلن بدوره أنه وهي رجل ورجل، لا فرق ! فليس بينها وبينه من اختلاف تقضي به الطبيعة التي خُلق عليها كل منهما، وهم إذ يقرّون للطبيعة بحكم نفسها، -ويْحَهُم وخُسْرَهم ويا مفارقات فكرهم - لا يقرّون باختلاف في "الطبيعة" بين ذكر وأنثى !!
فهي المتحرّرة، المصارعة للرجل، ولكأنها معه الرجل لا المرأة بصفاتها المخالفة وطبائعها المكمّلة له كما يكمّلها !
وهي المفاخِرة بانضمامها للنسويات وبتبنيها لفكرهنّ، وهنّ اللائي يحاربن طبيعة خُلقت بها المرأة، يحاربْن خلق الله وأمره فيمَن خلق !
وشيئا فشيئا حتى هي اليوم من المحاربات لكل أوامر الدين، والتستر والعفة باسم حرية المرأة، وباسم إعلانها الحرب على مجتمع الذكورة !
ولكنها اليوم معهم، ومع مَن أحبت، وتبنت فِكره أو فكرها المناهض للدين، إنهم إلى النار يوزَعون !
وكلّ محادّ لله، ولأمره، ولأمر رسله، كل من حمل لواء تمييع الدين باسم "التجديد"، وكل من حمل لواء التفريق بين أمر الله وأمر رسوله، فهو يدعو بصفاقة وخبث ودهاء إلى إنكار سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم بدعوى أنها "القرآنية"، والقرآنية وحدها، تسللا خبيثا وتسترا باسم القرآن، إلى هدم بيان القرآن، وتبنّي الأهواء في تأويله وتفسيره لا بيان الذي بُعِث مبيّنا له صلى الله عليه وسلم ... وإنه على ذلك قد مات .. !
إنه اليوم ومن تبعه، ومات على ما مات عليه، إلى النار يُوزَعون !
وكل محادّ لله ولأمره، كل من مات على كفره وعداوته لله، إنهم اليوم يوزَعون !
﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) ﴾
وهم اليوم تشهد عليهم جوارحهم، أطرافهم، منهم الشهادة تقوم عليهم، من جنباتهم، سمعهم، أبصارهم، جلودهم، بما كانوا يعملون مما قد ينكرون، إنهم أعداء أنفسهم، لو كانوا -ساعة وجب عليهم العقل – يعقلون !
وإنهم السائلون جلودهم :" لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ؟"
وإن جلودهم لقائلة : "أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ "
إننا منكم، إننا فيكم، إننا لكم، ولكنّنا المؤتمرون بأمر ربنا، نطقنا إذ أنطقَنا ! لم نعد نأتمر بأمركم، لا أمر لكم اليومَ علينا !
ثم اسمع ... اسمع أيضا لمزيد بيانهم :
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)﴾
يا أصحابنا ونحن الجلود منكم، نحن جلودكم ! إنكم لم تحتسبوا في الدنيا لهذا، لم تحتسبوا أن نشهد نحن عليكم، أن نكون أنتم، وتكونوا نحن، ولكننا نحن من يشهد عليكم أنتم، نحن أنفسكم، نشهد على أنفسكم ! لم تحتسبوا أن تُنطَق أطرافكم، جنباتكم، فما خططتم لهذا، ما خططتم ولا تحسّبتم ولا احترستم من جلودكم ساعة كنتم تعملون !
فاتكم أن تستتروا منا، حتى لا نغلبكم، يا أنتم، ويا من أنتم نحن ونحن أنتم ! إنكم ظننتم أنكم معجزو الله، وظننتم أن كثيرا مما تعملون يخفى على الله، فكنتم تخفون كثيرا عن الناس، وما كنتم تملكون أن تخفوه عن أطرافكم، عن أنفسكم ! فكانت أطرافكم الشاهد عليكم !
بأمر من ربها، نطقت، وبأمره ائتمرت، فكانت وهي منك، وهي أنت، كانت عليك ! 
فأين أبلغكم ظنّكم بربّكم، يا أهل الإلحاد والكفر، وعبادة الهوى وشطحاته، وعبادة المادة، ومحاربة الأخلاق، وإعلاء التفسخ الأخلاقي والفساد باسم الحرية، يا أيتها النسويات المتحررات، يا أيها المثليّون المتحرّرون !
يامن لم ترضَ بجنسك فاخترتَ لك الجنس الآخر، يا من كنت الذكر فاخترت الأنوثة، ويا من كنتِ الأنثى فاخترت الذكورة باسم الحرية !  ويا أيها المجدّد للدين بهدم بيان الله به عبر نبيّه ! ويا كلّ من تُركتَ لفعلك ولعملك، بل ومُدّ لك فيه، ووُسِّع عليك حتى حقّقتَ مرادك من حرب الله، وحرب الدين، ولكنك غفلت كلّ الغفلة عن أن تستتر من سمعك، ومن بصرك ومن جلدك !  غفلت عن أن تستتر منك !
فها أنت اليوم يفضحك جلدك، تفضحك جوارحك ! ها أنت وبعضُك يفضح كلَّك !
﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)﴾ .
ويا عظمة الله العظيم، ويا مَكْرَه ! وأنت أيها العبد الذي ظننت بنفسك الظنون، وبعقلك القانون، وبفكرك الفنون، يا أيها الضعيف الجاهل، تقارع العليم الخبير الحكيم !  فهلا استترت منكَ ؟ !
استتر هيا من جلدك، من سمعك، من بصرك، من رجلك، من يدك !
هيا استتر منكَ أيها الألمعي، الذكي، النابغة، الفِطَحْل، الفهيم، الفطِن الأريب ! استتر منك وأنت تعصي . هيا استتر !
إن هذا مصيركم ما منه من فرار ولا مهرب :
﴿فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ(24)﴾ .
سواء عليكم أصبرتم، أم جزعتُم، إن صبرتم فلأنه لم يعد لكم من مفرّ، فإنما النار مثوى لكم، وإن استعتبتم، أي طلبتم الرضا، فما أنتم من المرضيّ عنهم ! لا مفرّ .
فاللهم عفوك وسترك وتثبيتا منك !
#سورة_فصلت
« آخر تحرير: 2026-04-06, 09:54:25 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #334 في: 2026-04-06, 09:50:44 »
{فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا ۖ إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)}-الدخان-
إن هاتين الآيتين الجامعتين،  جاءتا عقب دعاء سيدنا موسى ربه،  وهو ضاجٌّ من فرعون وآله، وذلك في قول الله تعالى :
{فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَٰؤُلَاءِ قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ}
مجيء فوريّ لهذه الأوامر من الله تعالى إثردعاء موسى ربه،  في نسق متسارع بآلية الحروف من جهة في: "فــــاسرِ"   وبآلية طيّ التفاصيل في الأوامر المجمَلة من جهة أخرى.
فهو إذ يأمره بالإسراء بهم،  ينبئه أن فرعون وجنده لاحقون به وهم سراة،  فيفهم موسى عليه السلام أن فرعون سيتعقبه،  ثم ما يلبث أن يفهم بعدها،  أن الله مغرقهم،  وهو يأمره بترك البحر رهوا،  أي على حاله من الانفلاق..
أيّ جوامع للكلم هي!!  وموسى-عليه السلام- يتلقى في كلمات معدودة:
1- 💎إجابة ربه لدعائه.
2-💎تبيين سبيل خلاصه وخلاص قومه بأمره أن يخرج بهم ليلا.
3-💎إخباره بما هو كائن، أن فرعون وجنده لاحقون بهم.
4-💎التسبيق لموسى بشأن البحر وتحوّله.  وهو يدعوه أن يتركه على حال انقسامه فِرقين. فالأمر هنا يجوز أن يكون قد صدر له من الله قبل خروجه ببني إسرائيل، لا بعد خروجه بهم.
5-💎إعلامه أنه سبحانه مغرق فرعون وجنده.
وهكذا في انسياب، وسرعة ونظم دقيق،  وإجمال بديع يعرف موسى-عليه السلام- في إجابة الله لدعائه،  أنه المخلص لقومه،  وأن ربه ناصره ومهلك عدوه.
فلله لا لسواه، للقرآن لا لسواه، هذا الجمع والبيان والإجمال بأقل الكلمات!!
#سورة_الدخان
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #335 في: 2026-04-06, 09:51:22 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

هذا الجزء الأول من هذا الموضوع الذي قسمته جزءَين لطوله :
------------------------------------------------------
سورة الجاثية العظيمة، سورة تأخذك في جولة بين الآيات، وهي تزاوج بين نوعَيْها، آيات الكون  وآيات القرآن، جولة مزاوجة بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، لتقع على معنى هداية الله للإنسان، وهو الذي خُلِق في هذا الكون، وله سُخِّر هذا الكون، ثم هو الذي يعرّفه ربّه من خلال آيات القرآن بالغاية من خلقه، وبالغاية من تسخير الكون له...
يوجّهه سبحانه من خلال آيات القرآن للنظر في آيات الكون والخلق والإيجاد والتسخير . فهذا عقلُه الذي وُهِبه، وبه مُيِّز عن سائر مخلوقات الله تعالى، ليكون وسيلة لهذا النظر وهذا الاستدلال على الله، من خلال هذا الحضّ القرآني والاستنهاض القرآني له .
إن العقل وحده من غير الوحي لن يهتدي إلى ما يجب من أمر بيّن واضح واحد، تصطلح عليه الأفهام على اختلافها والعقول على تفاوتها،  وتحتكم إليه الناس كمصدر أعلى ثابت يناسب كل العقول ويناسب كل الأنفس .
هكذا جاءت سورة الجاثية، ونحن نبصر من آياتها الحضّ القرآني، الاستنهاض القرآني، التوجيه القرآني لهذا العقل، فترى عندها بوضوح علويّة الوحي على العقل، علويّة  التشريع الإلهي على التشريع العقليّ.
"آيـــــات" القرآن تحضّ على النظر في "آيـــــات" الكون ..
من بداياتها، إلى ما يتخلّل موضوعها على مدى آياتها، إلى نهايتها،  السورة تقرّ هذه العلويّة للوحي، وهذا التوجيه للعقل، أو لأقل بعبارة أدقّ، هذا الضبط للعقل، وهذا التوجيه السليم له حتى يصل إلى خالقه، حتى يحتكم إلى أمر خالقه ..
وإنك لتجد الإنسان بلا وحي ضابط موجّه مسيّر مبيّن، يحتكم لتشريعات عقله، يحتكم للوضعيات البشرية على تفاوت العقول واختلافها، وتباين نظرها، وما تتبنّى ..
سأبدأ مع آيات السورة، وفي جوّها، ومع جوّها سنعرف هذه العلويّة للوحي على العقل  البشري ..
{حم (1) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (2)}
إنه التنزيل الإلهي لهذا الكتاب، لهذه الآيات الهادية، لهذا النور الذي يضيء للإنسان دربَ حياته المعتم، والذي من غيره سيتهيأ له أنه يبصر، وأنه يرى، وأنه يرسم طريقه، ولكنّها ستكون الطرق المختلفة، ستكون التشريعات البشرية المتلونة بألوان العقول، المتدرّجة بدرجات الأفهام والآراء، المختفة باختلاف نظرها وتقديرها . سيقول من يقول بنظريّة، وسيقول من يقول بأخرى، وسيضع مَن يضع فِكرَه وما يتبنى من فلسفات وتصوّر للحياة وللوجود، وسيضع مَن يضع من أفكار وفلسفات وتصوّرات تتباين تباين أنظار العقول ..
أما هذا فهو التنزيل.. ولفظ "تنزيل" وحدَه يوحي بالعلويّة على كل وضع، بالعلويّة على كل عقل . يوحي بالمصدر الأعلى الذي يسيّر ويوجّه، ويضبط، ويكون المنبع والمَعين الذي يعلو على كلّ الاختلافات، ويحدّد الوجهة، ويبينُ طريق الحقّ من الباطل، وطريق الهدى من الضلال ...المصدر الذي يَميز بين نظر بحق ونظر بباطل، فــــــ: "يـشرّع"، بل يكون حقيقا بالتشريع .
وسنمضي مع الآيات الهُوَيْنى، لنقع على ما يعضّد بعضه بعضا في هذا الموضوع، في هذه القضية الوجودية الحيويّة الأساسيّة ، قضية علويّة المصدر الذي يُحتَكَم إليه، بل مسيس حاجة البشرية إلى عودتها لهذه العلويّة، والنَّهل منها، من بعد انتكاسها وارتكاسها وخيبتها وخسارها وبوار حالها وهي تحتكم لتشريعات العقول على تباينها وتلوّنها !
{تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ}
إنها العلويّة، وإنها التي لا تُغلَب وإن أبهرتْنا هالات التشريعات البشريّة الهوائية، وإن تكاثرت وانتشرت ألوانا وضروبا، إعلاء للرأي والفكر بين الأفكار مرّة، وإعلاء لضدّه مرّة أخرى .. وهكذا، والبشرية تتخبط وتتلوّى، وهي تأخذ بالعقول بين فلتَةٍ منها في زمانها وفلتة، وموضة وموضة أخرى، وتنأى عن "التنزيل" ...  تنزيل الله العزيز، الذي لا يغلبه كل هذا التلوّن الفكري البشري، وهذا الوضع البشري الذي يرفع شأنا، ويحط آخر، ثم يحط شأنا ويرفع آخر، في تذبذب وتململ واضطراب، هو سِمتُه ما ظلّ معرضا عن المصدر الأعلى، المصدر الحقّ .. !
تنزيل الله العزيز الحكيم، الذي ينزّل بحكمة وقدر، ومعرفة عميقة دقيقة، بكل مداخل النفوس ومخارجها، بكل حاجاتها ومتطلباتها، بما يوائمها وما يناسبها، بكل ما يلزمها وما لا يلزمها، بكل ما يرقّيها وما يُدنّيها !
ثم ها هو الله تعالى العزيز الحكيم، ها هو هذا التنزيل الذي نزّل لنا نحن البشر، نحن أهل الأهواء المتقلبة، والعقول المتفاوتة والأفهام المتباينة، والألوان المتلوّنة، ها هو وهو يدعو فينا العقول، يوجّه فينا العقول، يستنهضها لتعمل أهمّ عمل لها، بل رأس كل عملها :
{إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}
أن انظروا، أن سيحوا في الكون نظرا وتأملا، لتنتج من هذا النظر عمليات العقل، هذه الهبة العظيمة من الربّ الخالق، هذه المَكرُمة التي خُصّصتَ بها أيها الإنسان دون كل مَن خلق ربّك، هذه الآلة المرجِّحة التي أكرمك بها ربّك، وبها علّمك ما لم تكن تعلم، وبها علّم أباك الأسماء كلها، وبقدْرِها عرّف ملائكته وهم يغارون على جلاله وعظمته أن يكون مِن خلقه مَن لا يسبّح بحمده ويقدّس له، أن يكون من خلقه من يفسد ولا يصلح، أن يكون من خلقه من يسفك الدماء ظلما وعدوانا !
{وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۖ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ ۖ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30)} [البقرة].
إنه سبحانه العليم الذي يعلم ما لا يعلمون، وإن كانوا ملائكته، وخلقه المقرّبين !  فمضى سبحانه يبيّن لهم أنه وحده العليم، وأنه خصّ آدم بما يجعله مكرّما :
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32)} [البقرة].
ولقد أمِر أن ينبئهم بتلك الأسماء، فأنبأهم، إيذانا بتعلّمه ما علّمه ربّه، وإنه لما أنبأهم، ذكّر سبحانه ملائكته : {...أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ}.
ثمّ أسجدهم لمخلوقه الذي كرّمه بالعقل وعلّمه :{ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34)} [البقرة].
ومنها عوْدا إلى آياتنا من "الجاثية"  :
{إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (3) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}
السماوات والأرض، خلقكم وما بثّ من دابة على الأرض، اختلاف الليل والنهار، والماء من السماء رزقا محييا للأرض بعد موتها، والرياح وتصريفها ذات اتّجاه وذات اتّجاه غيره ..
أيها الإنسان، أيها العاقل ... انظر.
يا أيها الناس، يا أصحاب العقول المتفاوتة، والأفهام المختلفة، كلّكم على اختلاف ألوانكم وألسنتكم وأجناسكم وأعراقكم وعقولكم وأفهامكم، وأوساطكم وبيئاتكم، كلّكم تشتركون في القدرة على هذا النظر، كلّكم خلقكم الله وأودعكم هذا العقل، هذه القدرة على إعماله، هذه القدرة على النظر،  على إجالة أبصاركم فيما حولكم !
فيجيئ التأكيد من هذا التنزيل، من منزله سبحانه العزيز الذي لا يُغلَب أمرُه، ولا يكون إلا ما يريد، الحكيم الذي يخلق بحكمة، وينزل بحكمة ولحكمة وبمقتضى الحكمة، التي لا تتبدّى للإنسان في شؤون كثيرة، بل قد تبدو له شرّا، فيأخذها بظاهرها، ولا يتبدّى له جوهرها الذي قد يكون ذاك الخير العظيم الملفوف في شرّ !
يجيئ التأكيد من العزيز الحكيم سبحانه بــ : "إنَّ" و بــ  "لَــ" في : "إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ" وفي : " لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ "
على أنّ النظر في السماوات والأرض عند العاقل يجعله يستدلّ، يستدلّ بالمنظور فيها، في الآيات، أي العلامات والدلائل، التي توصله إلى أعلى، إلى المصدر الأعلى، إلى علويّة خالقها، القائم عليها، المدبّر لأمرها كلّه !
إنّ في السماوات والأرض، بكل ما حوتْ، بكل ما جمعت، بكل ما فيها علامات، دلالات، معالم على الله، على الصانع، على الخالق سبحانه، على علويّته ... إنها لعلامات تدُلّ العاقل الناظر على ربّه:
{ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}
علامات ودلالات واضحات موصلات إلى الله تعالى، يقع عليها من ينظر نظر العقل السليم المتجرّد من الهوى، المتجرّد من الإملاءات، ومن الموروثات، ومن أضغاث الفلسفات والتصوّرات البشرية المتلوّنة، من أضغاث النظر العقليّ الوضعيّ، ومن لوثات النظر العقليّ الوضعيّ الذي لا يعترف بعلويّة المصدر الذي يوجّه ويضبط ويبيّن ويهدي السبيل اللازم، السبيل الحق !
{ لَآَيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ}... تأملتها، فإذا أنت للوهلة الأولى تفهمها على أنها  آيات لمن آمن بالله، وصدّق رَسوله ولم يكذب بما جاء في كتابه، أن هذا المتصف بهذه الصفات هو الذي سيستدلّ، وهو الذي ستكون له علامات ... ولكنني عندما أمعنت النظر، وجدت أنّ هذا الإيمان، وهذا الاتصاف بهذه الصفة "لِلْمُؤْمِنِينَ"  تعني ذاك الذي نظر ولم يكن مؤمنا، ولكنه نظر بعقل لا بهوى، نظر بعقل، متجردا من كل عالقة ومن كل متعلّقة، نظر وهو ليس بعد من زمرة المؤمنين، ولكنه وهو ينظر بتجرّد، أو ينظر وهو يتوجّه بتوجيه آيات هذا التنزيل، غيرَ متعصّب ولا متعلّق، سيقع له الإيمان ..  سينقلب من التردّد إلى الإيمان، سيعرف أنّها صنعة صانع أعلى، أعلى من كلّ عال ضمن دائرة البشر ! سيدرك أنها خلقة الخالق، أنها صنعة صانع عظيم أعلى . وكأنّ نظر العقل السليم يحقّق الإيمان، يحقّق التحقّق من أنّ منزل الآيات الحاضّة على النظر، هو خالق الآيات موضوع النظر !
وتتوالى الآيات الحاضّات المستنهضات :
{وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (4)}
في خلقكم أيها الناس، وفيما يبثّ وينشر سبحانه من دابة تدبّ على الأرض آيات أيضا، علامات، دلالات على الخالق سبحانه، آيات على منزل الآيات، موجِّهة للعقل، ضابطة له، مسيّرة له ..
في خلق أنفسكم:  { وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21)} [الذاريات]، وفي خلق كل دابة تدبّ على الأرض دلالات على الخالق سبحانه، دلالات للموقنين. إنه بالنظر السليم المبرَّئ من الأهواء والإصرار على الكبر المضلّ والعناد الفارغ، سيقع اليقين في نفس من ينظر في خلق الإنسان بدءا من نطفة أمشاج، من قطرة ماء، فإلى علقة، فإلى مضغة فإلى عظام فإلى لحم، خلقا من بعد خلق، وفي كل حيوان وفي كل طائر وفي كل حشرة، في كل ما يدبّ وهو ينتشر ويتكاثر ويزداد خلقا متواصلا في كل لحظة ! من ينظر في كل هذا لا ريب لن يَخْلُص إلا إلى أن خالقا عظيما أعلى هو وحده الذي بيده كل هذا الإعجاز العظيم الذي يتجدّد في كل لحظة، ولا يتوقف !
فانظـــــــــــر ... 
إنه من "المؤمنين" إلى "قوم يوقنون"، ترقّيا في سلّم الإيمان، ترقّيا في سلّم البلوغ إلى منزّل الهُدى سبحانه، ترقّيا في الإقرار بعلويّة هذا التنزيل وبعلويّة مُنزِلِه سبحانه؛ هذا الهدى الذي يوجّه العقل ويُبلِج الحقّ، ويوقع اليقين في النفس من علويّة مصدر الآيات والآيات، آيات الكون وآيات الكتاب !
لتمضي في النظر، ومع الآيات وهي المتجاورات المتعاقبات :
{وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آَيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (5)}
اختلاف الليل والنهار، للسكون والراحة ليلا وللابتغاء من فضل الله نهارا، والماء رزقا من السماء لإحياء الأرض، والرياح المُصرَفة في كل اتّجاه؛ كلها آيات ودلالات وعلامات على عظمة الخالق مدبّر الأمر سبحانه، الذي أودع في كل ما خلق ناموسا يحرّكه في الكون لأداء دوره. دلالات لأهل العقول الذين يُعملون عقولهم ولا يخمرونها..
ولكأنّ صاحب العقل السليم الذي يعمل بآلياته دونما تأثير من آليات بيئة أو اعتقاد هوائي مسبَق، هو صاحب الاهتداء، الذي يستدلّ بالصنعة على الصانع..
وإنه لَلترقّي في درجات التكريم، من "للمؤمنين" إلى ""لقوم يوقنون" إلى "لقوم يعقلون" !
أجل الترقّي من "الإيمان" إلى "اليقين" إلى "العقل"، لأن العقل السليم المتجرّد من كل متعلّق يُبلِغ الحقّ، وإنّ كلّ ما مضى استدلال، استدلال يوقع "الإيمان" ويوقع "اليقين"، وفي كليهما إنما هو إقرار العاقل بالعلويّة للعليّ سبحانه، بالخلق للخالق، بالألوهية للإله الواحد، صاحب كتاب النظر، وصاحب كتاب الحثّ على النظر، مبدع الكتاب المنظور، ومنزل الكتاب المسطور سبحانه ! صاحب الآيات والآيات، خالق الآيات ومنزل الآيات الحاثّة على النظر في الآيات !
يقول عبد الله دراز –رحمه الله- في كتابه "الدستور الأخلاقي في القرآن" كلمات دقيقة عن حقيقة العقل في الإنسان، واتصاله بالنور الأعلى :
((وحينئذ يكون معنى أن يستنصح المرء عقلَه، أنه يقرأ في كتاب فطرته النقيّة والإنسانية بصفة نوعيّة، ما سبق أن فطرها الله عليه، وبعبارة أخرى، عندما يرجع أشدّ الناس إلحادا إلى سلطة العقل فإنه لا يفعل في الواقع سوى الإنصات إلى ذلكم الصوت الإلهيّ، الذي يتكلم في داخل كل منا، دون أن يذكر اسمه، وهو ينطق به صراحة عندما يتحدث إلى المؤمن)) .
كما يقول أيضا في كتابه :
((وفي قلب المؤمن يستقر نوران، على حين لا يجد الملحد سوى نور واحد، وهذا هو معنى رمز النور المزدوج في قوله تعالى "نور على نور))
ثم يقول أيضا  :
((فمن ذلكم النور اللانهائي يجب أن أقتبس نوري، وإلى ذلكم الضمير الأخلاقي المطلق يجب أن أتوجه لهداية ضميري : "...وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ")) . انتهى.
وبهذا نرى علويّة القرآن على العقل، نورا إلهيّا يهدي ذاك النور المودَع في الإنسان من خالقه .
علويّة الإله الخالق المبدع، المكرّم عبدَه بالعقل نورا، يهديه ويضبطه ويوجّهه إلى الحق بنور الهداية، وإنها الآيات تحثّ على النظر في الآيات، وكلّها من الإله الواحد الخالق الهادي سبحانه !
يتبع مع الجزء الثاني بإذن الله..
#سورة_الجاثية
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #336 في: 2026-04-06, 09:51:43 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

نكمل الآن مع الجزء الثاني من موضوعنا حول أحقيّة الله تعالى وحده بالتشريع استنباطا من جوّ سورة الجاثية، وقد كان الجزء الأول على الرابط التالي:
https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/4440772512714914
---------------------------------------------------------------
وإنك في جنبات هذه السورة العظيمة(الجاثية) تجدك تستوثق، وتستيقن، وأنت تُهدَى إلى النظر، وأنتَ تُعلَّم الحقّ، وأنت أيها المكرّم بالعقل، تُضبط وتُوجَّهُ وتُهدَى السبيل المنجي؛ فاستمع للآيات يعضّد بعضها بعضا، استمع للآيات :
{تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآَيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ(6) }
ذاك هو النور الهادي، فبأي حديث أيها الإنسان بعد الله المنزل للهدى، المنزل للنور المُبلِجِ  للنور الذي أودعه فيك  .
وإنه للويل حقّ الويل لكل من يعرض عن هذا النور، فلا يقرّ بعلوية الوحي على العقل...
{وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (7) يَسْمَعُ آَيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ  ( 8 )  وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آَيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (9) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (10)}
ويل لكل متأله بعقله يتخبط في أوحال الأهواء المتباينة، المسماة فلسفات التصور للوجود وللغاية من الوجود ..
ثم انظر، لا تبرح أجواء هذه السورة العظيمة، وهي تنير فيك عتمة، وهي تزرع فيك يقينا، وهي تزيدك على الإيمان إيمانا، وهي تُخلّص عقلَك من شوائب الأهواء المتمسّحة بـــ"العقلانية" :
{هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (11)}
إنّ الآيات الهاديات لتُسفِر عن وصف هذه الشمس المشرقة على قلبك، وعلى عقلك : "هَذَا هُدًى"
ولا أملك من أسر بيان الآيات فِكاكا، من أسر سحرها وجمالها وقوة حجّتها، من قبساتها التي تلقي بالنور يُزاد على النور :
{اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (12) وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (13)}
من السماوات والأرض، إلى نفسك وما بثّ من دابة، إلى الليل والنهار واختلافهما ورزقه من السماء، وتصريفه الرياح، كلها كانت آيات لــ : "المؤمنين"، ولــ "الموقنين" ولــ "العاقلين" ...
إلى هذه ... إلى تسخيره سبحانه ما خلق لك أيها الإنسان، إنها الآيات تدعوك إلى النظر في الآيات، تذكَّرْ معي ولا تغفل عن هذا، إنها آيات الهُدى تقدح زناد عقلك، فهي نور يلمس نوار مودَعا فيك ! لتبلغ الحقيقة، لتبلغ اليقين من علويّة الخالق المنزل للهدى العزيز الحكيم ...
إنها تدعوك أن تنظر في تسخير ما خلق لك، وإن النظر في تسخير مخلوقاته لك أيها المخلوق المكرّم، لدلالات، لعلامات، لسائقات لك إلى الحق، وأنت تتفكّر..
وفرق هو بين "التفكير" و"التفكّر"، فأما التفكير فعملية ذاتية تعتمد على معارفك الذاتية ومختزناتك في وصولك إلى نتيجة، وأما "التفكّر" فهو تفاعل عقلك مع أمر الله، للوصول إلى الإيمان وإلى اليقين، وإلى التعقّل النوراني  . هو بحثك في حركة ما حولك، وفي سُخرته لك، للوصول إلى النتيجة الكبرى والحقيقة العليا، إلى يد الفاعل الآمر المدبّر سبحانه !
ثم تجدك في جوّ الآيات مسترسلا في الأنوار والهدايات، فإذا حديث عن بني إسرائيل وبعثة موسى عليه السلام فيهم، وأنه لا يستوي عند الله محسن ومسيء، لتجدك بعدها بين يدي القضية المحوريّة التي دارت الآيات حولها،  تلك التي هي نور جامع يُحصَّل من قبسات الآيات، إنه قوله تعالى :
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (19)}
إنها النتيجة، نتيجة المؤمنين، الموقنين، العاقلين المتفكّرين، نتيجة النظر في الكتاب المنظور، نتيجة الاسترشاد بنور الآيات إلى الآيات من حولنا، نتيجة تكامل "التنزيل" مع "الكون"،  تكامل الآيات مع الآيات ...
إنّها العلويّة التامة للإله الخالق، الهادي، المنزل للهُدى نورا يلامس العقل فينقدح النور بالنور !  ينضبط العقل بالوحي، ينسجمان وهما كلاهما من عند الإله الواحد العزيز الحكيم .
{ ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (18)}
فمن ذا يحقّ له التشريع غيرُه سبحانه، أي حكم هو الحكم الحق للأرض  من غير حكمه ؟؟ أي تشريع هو للعقول المتفاوتة المختلفة سيخلّص الأرض وسيخلّص البشر عليها، وإنما هي الوضعيات البشرية والفلسفات الوجودية التصورية، خلطت حابلا بنابل، وأردتْ الإنسان، وأدخلته لُجّ الحيرة ومَطَبّات العَماية !
جعلناك على شريعة من الأمر يا "محمّد"، فاتبعها ولا تتبع الأهواء، كلّها –أيها الإنسان- من غير نور الله الخالق الهادي المشرّع سبحانه لن تلامس فيك نور العقل، بل ستلامس الهوى، وستدّعي بالهوى أنك العقلانيّ المتعقّل !
ستحيط نفسك بهالات التعقل والفلسفة والحكمة، وما هي إلا الأهواء، ما لم تكن من هَدْي خالق المنظور ومُنزل المسطور، خالق الآيات ومنزِل الآيات !
إنك على شريعة من الأمر بأمر ربّك ... بأمر الذي يعرّفك الحق، ويهديك الحقّ، بأمر العزيز الحكيم ..
فأي تناسق، وأي انتظام، وأيّ سَوق قد ساقتنا الآيات، وهي تحدّث عن تكامل الآيات، آيات الكون من حولك، وآيات الهدى المنزَل إليك ! أي معنى، وأي حقيقة عُظمى هي في جنبات هذه السورة العظيمة !
علويّة الله وأمره وآياته على كل عالٍ من دائرة البشر، على كل اختراع بشريّ في عالم التصوّر الوجوديّ، وكل الاختراعات المادية من عقلك –أيها الإنسان- هي ساحتك، وهي مضمارك وميدانك، إلا هذه الاختراعات الهوائية والفلسفات الموشّاة بزيّ الحكمة والفلتة الفكرية، ليست من اختصاصك، ليست لك، وأنت المخلوق الذي يفتقر لخالقه، المخلوق الذي يحتاج هداية خالقه، وهو وحده سبحانه، لا أحد غيرُه يحدّد لك تصوّر وجودك وتصوّر الوجود من حولك، وحده حقيق بأن يُعبَد، وأن يشرّع، وهو الذي أنزل لك منهجا للحياة، لتتبنّى الحقيقة ولتعرف الحقّ، ولتجيب نفسَك عن سؤالها "لمَ أنا موجود ؟ "  ولتجيبها عن سؤالها "لمَ سُخّر لي كلّ ما حولي؟" ولتجيبها عن سؤالها : "مَن أوجدني ومن سخّر لي؟ ولمَ ؟" !
تريّث .. لا تبرح، لا تغادر ...  فالجاثية تلقي لك بالأنوار تترى :
{ هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (20)}
هذا القرآن، هذه الآيات المنزلة من العزيز الحكيم المشرّع سبحانه، بصائر للناس، لكل الناس، وهدى ورحمة لقوم يوقنون ! هدى لكل الناس لينقلبوا من التّيه إلى الاستقرار، وهدى لقوم يوقنون، ليزدادوا على الهدى هدى، والعبد لا ينفكّ محتاجا للهدى ! لا ريب ولا مراء ! يا أيها الناظر في الآيات بحثّ من الآيات، يا أيها المودَع فيك نور من ربك يلامس نور الوحي لتهتدي إلى الحق لا ريب ..
أما من حكّم الهوى وهو يدّعي له اسم "العقل" زورا وبهتانا وغفلة وضلالا، فانظر في الجاثية وهو يُذكَر حاله ومآله :
{أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23)}
كما يذكر بعدها سبحانه في آيات متعاقبات غاية مُرْدَى عُبّاد أهوائهم، والمشرّعين بأهوائهم، وهم ينكرون الإله الواحد، ينكرون الخالق المكرّم بالعقل، الهادي للعقل:
{وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)}
ويكأنّ الآيات تحدّث عن أهل هذا الزمان الطاغي ، المغرق في الأهواء، العابد لها، المؤلّه لأهل العلم بالمادّة، الذين يتّبعونهم في خروقاتهم الوجوديّة بدعوى تألّق عقولهم في علوم المادة !
مهما بلغ علمهم الماديّ، فإنهم وهم ينكرون الخالق الذي لا يُعبَد غيرُه، وهو الذي خلق المادّة وطوّعها للإنسان، وهو الذي لا يشرّع للبشرية على السويّة غيرُه، فإنهم : "وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)"
وإنّ هذا في السورة، لهو صوت الحقّ، الداعي إلى الحق من قبل فوات الفرصة، من قبل فوات الدنيا :
{قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (26) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (27)}
ثم ها هي "الجاثية" تبلغ مبلغَها !
هذه السورة العظيمة التي تُبينُ عن علويّة المصدر الأسمى والأعلى والأحقّ بالأمر والنهي والتشريع للبشر، المصدر الخارج عن دائرة البشر، الخالق سبحانه للبشر وللكون، والذي سخّر الكون للبشر، إنه النور سبحانه، الذي بثّ في الإنسان نور العقل ليلامس نور الوحي، فيرتقي به عبرَ "الإيمان" و"اليقين" و"العقل" و"التفكّر" ..
إن السورة تبلغ مبلَغَها، وهي تصف حال البشر أُمَماً أُمما، كما هي أحوالهم في واقع الدنيا، أمما أمما؛ أمم مستأسِدة، وأمم مستضعَفة، منطق القوة ومنطق المادة هو السيد، وهو الحاكم، وهو الفاصل بينهم؛ تُرِكوا لابتلائهم، تُرِكوا ليعمل كل عامل منهم بعمله، فمن كان ذا عقل وبصر آمن وأيقن وعقِل وتفكّر وأعدّ ليوم اللقاء، ومن اتخذ إلهه هواه سدر في غيّ الضلال ولم يجد بما يلاقي ربّه ..
تأمّل حال الأمم في ذلك اليوم، وقد بلغت "الجاثية"  مبلغها :
{وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (29) فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُدْخِلُهُمْ رَبُّهُمْ فِي رَحْمَتِهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (30) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ (31)}
لا مفرّ ! لا قوة لا مادّة، لا عقول جهابذة، ولا فكر فلاسفة، ولا تشريعات هوائية صيّرت الحريّة مِشجبا يُعلَّق عليه كل تفسّخ وكلّ فساد وكل نأيٍ عن الفطرة، وكلّ إركاس لها، وكلّ بهيمية صارخة تنحطّ بالإنسان إلى ما دون الحيوان، إلى دركات المسخ والهباءة  !
هذه هي حقيقتكم من بعد كلّ صَولكم في الدنيا وجَولكم بظلم أنفسكم وظلم بعضكم بعضا، وأنتم تدّعون لأنفسكم ما ليس لكم، تدّعون أنكم أصحاب التشريع وتسيير شؤون البشر، وإصلاح الأرض ! 
هذه حقيقتكم اليوم، ها أنتم جُثاة على الرُّكَب لا تملكون إلا أن تجثوا أمام الملك الديّان، أمام العزيز الحكيم الذي هداكم فأبيتم إلا الضلال !
 ومع سياق الآيات والآيات هذا جزاء الذين استكبروا عن آيات الله، عن آيات هُداه :
{أَفَلَمْ تَكُنْ آَيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاسْتَكْبَرْتُمْ وَكُنْتُمْ قَوْمًا مُجْرِمِينَ}.
ثم تزيد فتُبينُ :
{ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)}
فأما ختامها فمِسك المِسك !
{فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (36) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (37)}
كما بدأت السورة عن أن هذه الآيات تنزيل العزيز الحكيم، عن علويّة هذا الهدى، علويّة هذه البصائر على كل عالٍ، علويّتها التي تؤهلها لأن تكون المصدر الأوحد للتشريع ... كذلك تُختَم بهذه العلويّة، بالكبرياء الذي ليس إلا رداءه وحده سبحانه .. تُختم بما بدأت به :  بــ "العزيز الحكيم" .
فاللهمّ لك الحمد أنك الإله الواحد، العزيز الذي لا يغلبه تألّه البشر بألوان التألّه، لا يغلبه حُسبانهم إمضاء تشريعات أهوائهم، الحكيم الذي يتركهم يرتعون لحكمة قدّرها، منزل آيات الهدى والبصائر، مودِع العقل فينا نورا  لينظر في آيات خلقه..
لك الحمد على آيات تحضّ على النظر في الآيات، وأنت منزل تلك هدى وخالق تلك هدى، وأنت المشرّع وأنت العليّ الذي لا يخطئ، العظيم الذي لا يتكهّن، الحقّ الذي لا يزيغ .. سبحانك لا إله إلا أنت إيمانا ويقينا وعقلا وتفكرا .. وحقا حقا .. سبحانك ... ما أروع اليقين في جنبات آياتك !
#سورة_الجاثية
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #337 في: 2026-04-06, 09:55:51 »
كل ما فيك أيها الإنسان، كل ذرة فيك، كل حركة تتحركها، نعمة...
أن ترفع يدك لتمشط شعرك،  أن تمطط ذراعك لتدخله في كمّ ثوبك،  أن تحمل بيدك أخف شيء،  وأن تقبض بها على شيء..! أن تكتب،  أن تضرب برؤوس أناملك على حروف جوالك لتكتب!
كلها نعم، وكلها لن تعدها ولن تحصيها، بل قد تطغى، وقد تراك عن المنعم مستغنيا، ولكنك عند فقدها،  بل بمجرّد اعتلالها،  ستبدأ بعَدّ ما كنت بيدك تفعله، ولم تعد قادرا على فعله!  عندها فقط ستشعر بنعمة يدك! وستشعر بافتقارك للمنعم!
«إِنَّ الْإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ(6) وَإِنَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ لَشَهِيدٌ(7)»
#نعم_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #338 في: 2026-04-06, 09:56:14 »
«وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَّا يُؤْمِنُونَ(88)»-البقرة-
ما الذي دفعهم لهذا القول،  لهذا الوصف الذي وصفوا به أنفسهم؟ أن قلوبهم «غُلف»  . وبالمقابل دحض الله لمقولهم،  بوصفه لحقيقة حالهم،  أنهم الملعونون منه سبحانه.
والآية الموالية تشرح سبب لعنهم:
«وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ ۚ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِين(89)»
1-) جاءهم كتاب مصدق لما معهم.
 2-) كانوا يستفتحون على الكافرين بمقدم رسول جاء ذكره في كتابهم،  فكانوا يتوعدونهم بأنهم المنصورون به عليهم.
فلما جاءهم ما عرفوا أنه الحق،  كفروا،  فكان كفرهم رغم الخلفيُّتين 1 و2 سبب لعْنِ الله لهم.
لتجد الآية التي بعدها وقد أبانت أكثر،  وفصلت في حقيقة كفرهم:
«بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُوا بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَن يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ۖ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَىٰ غَضَبٍ ۚ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ(90)»
إنهم بغيا وحسدا وكراهة منهم لبعثة نبي في غيرهم،  قد كفروا.  وإنهم قد اشتروا أنفسهم فيما يحسبون،  وبئسما اشتروها به!  اشتروها بالكفر..  بالثمن الأبخس!  بل بلا ثمن! 
لقد اشتروا الفطرة فيهم مع الهدى الذي أنزل فيهم،  مع الهدى الذي جاء مصدقا لما معهم،  مع الرّسول الذي بعث للعالمين رحمة،  كلّه قد اشتروه،  وإنه في حسبانهم أنهم يشترون!  والثمن؟!  أن كـــفروا...!!
وهل يُشترى ذلك كله بأن يكفروا ؟ 
هل تُربَح النفس ويُفاز بها،  وبكل ما أودعت من وسائل النجاة بأن يكفر صاحبها؟!
إنما ذلك حسبانهم!  وإنما هوتركيب ما لا يُركَّب،  وما لا يتحقق،  لا عقلا ولا منطقا ولا طبيعة ولا واقعا...!
إنما هو فقط حسبانهم،  حسبانهم أنها الصفقة،  وأنها الرابحة،  وأنه الثمن،  وأنها المشتراة المُفاز بها ! 
وإنما الحقيقة: «بئسما اشتروا به أنفسهم»!
وكم من بائع نفسه،  وبائع هداها وهو يحسب أنه مشتريها !
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #339 في: 2026-04-06, 09:56:41 »
نعم حفظ القرآن نعمة، ولكن احذر ثم احذر أن يأخذك حفظ الحروف عن تدبّر المعاني والهدايات والكنوز التي لا تنضب من هذا المعين الصافي الرقراق ! احذر أن ترى في القرآن حروفا تُحفظ وانتهى ! اجعل الحفظ غايتك التالية لا الأولى، فإنك إن عشت ترنو لحفظ الحروف وحدها ضيعتَ روح القرآن، وإنك لتضيّع على نفسك روحَها، وهو روحها !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب