
أما الآن فينقلنا سبحانه نقلة أخرى، من الداعية إلى المدعوّين، من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، وينسحب ما يُذكَر عنهم على كلّ كافر وعلى كل مُعرِض عن الحق في كل زمان :
"حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) "
حتّى إذا رأى الكفّار ما يوعَدون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبليغا عن ربّه سبحانه، ورسالاته التي تحمل النبأ اليقين بالوعد والوعيد، تبشيرا وإنذارا كما هو دور رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبشير المؤمنين بالفوز وبالجنّة، وإنذار الكافرين مغبّة معصيتهم لله ولرسوله(كما جاء في الآية السابقة) عذاب جهنّم خالدين فيه أبدا ... يظلّون على تكذيبهم وكُفرِهم ومعصيتهم لله ولرسوله حتى يُفاجؤوا بأنفسهم في قلب يوم عظيم قياما بين يَدَي ربّ العالمين يرون بأعينهم ما به كانوا يكذّبون من وعيد على معصيتهم أمرَ الله ورسوله !
في ذلك اليوم سيعلمون مَن أضعفُ ناصرا وأقلّ عددا... لأنّ الظالمين في كل زمان أصحاب أموال وحاشية وخَدَم وحَشَم، لا يرتضون عن تأليه أهوائهم وغايات إفسادهم في الأرض بديلا ... عرفناهم في ذلك العُتُلّ الزّنيم المعتدي الأثيم وهو يتقوّل على الله وعلى آياته بأنها أساطير الأوّلين مُعتدّا بماله وببنيه، متعوّدا على كثرة المطيعين له مِن حوله ...
وقد كانوا يقولون متفاخرين: "وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ"-سبأ:35-. مُعتَدّون بمَن ينصُرُهم مِن خَدمة لهم يأتمرون بأمرهم لأنّهم يدفعون لهم لقاء ما يقضون لهم من مآرب، لا يهمّ في أيّ خانة تُصنَّف مآربُهم، كل ما يهمّ أن يُدفَع لهم مقابل قضائها ...! كما كانوا يستنصرون آلهتهم ويتوسّلون بها، فسيعلمون اليوم مَن أضعف ناصرا، هُم أم المستمسكون بالإله الواحد الأحد ملك يوم الدنيا وملك يوم الدّين ...
سيرى هؤلاء العُصاة المُطاعون من عُبّاد المادة مَن أضعف ناصرا في ذلك اليوم العظيم .... حينما يُلقَون في قعر جهنّم وهي تدعوهم، فما لهم من حميم ولا شفيع يُطاع، كما عرفنا ذلك قريبا في السورة السابقة : " يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (😎 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا(10)يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) كَلَّا إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ (18)" -المعارج-
في ذلك اليوم ما من ناصر من دون الله تعالى ...
ولنتأمّل في هذه السورة توالي ذِكر النّصر والإجارة والإعاذة ...
1-)فالجنّ أعلنوا بدايةً أن رجالا من الإنس كانوا "يعوذون" برجال من الجنّ، فما زادوهم إلا ذُلا وضلالا، ولكنّهم لما آمنوا أعلنوا يقينهم أنّ مَن يؤمن بربّه لا يخاف بخسا ولا رَهَقا، أي أنّه سُبحانه العِياذ والملاذ.
2-) ثمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُعلن أنه لن يُجيرَه من الله أحدٌ ولن يجد من دونه ملتحدا، فهو سبحانه المُجير وهو الملجأ.
3-)ثمّ ها هنا يبيّن سبحانه أنّ الكافرين المعتدّين بالناصرين سيَرَوْن من أضعف ناصرا يوم لا ناصر غيرُ الله ...!
فهذا من جوّ السورة ... وهو ما يناسب تصحيح ما تَكَرَّسَ من مغلوط المفاهيم أنّ الجِنّ ينصرون، وأنّ لهم القوّة والعُدّة اللازمة للنصر، حتّى بلَغَ بالناس أنْ عبدوهم ... ونعرف اليوم مَن يذكر من مناقب فُلان العرّاف حتى لكأنّه صاحبُ الخوارق الذي يستحقّ أن يُعبَد ... !
في ذلك اليوم العظيم ... سيَرى كلّ مستجير بغير الله، وكلّ مستعيذ بغير الله، وكلّ مستنصر غير الله مَن أضعف ناصرا ...!
وكذلك -وكحال القرآن حمّال أوجُه- تحتمل الآية أيضا النصر الذي وُعِدَهُ المؤمنون في الدنيا والهزيمة التي تنتظر الكافرين على أيديهم ...وقد تحقّق ذلك في لقاءات عديدة بالمشركين في غزوات وحروب كان النصر فيها من الله لعباده المؤمنين ...ولقد توعّد الله الكافرين الوعيدَيْن : "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ(44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ(46)"-القمر-
وسيعلمون مَن أقلّ عددا ... وهم يعتدون في الدنيا بالعدد ... في ذلك اليوم حينما يرون ما يوعَدون بأعينهم سيعلمون أنّ العدَد الذي لا يعرف الوصول إلى ربّ العزّة هو كلا شيء ...
كذلك عرفنا الكافرين حولَ نوح عليه السلام وهُم عُتاة مستكبرون، يكاد يكون بينهم الوحيد الموحِّد، وهُم عبَدَة الآلهة المتعدّدة، نزل بهم عذاب الله فهلكوا كأن لم يكونوا ...
كما عرفنا الكافرين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن البعثة وكما نعرفهم في كل زمَان: "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" . "لِبَدا" من كثرة عددهم ... ! كانوا يرون في عددهم القوّة، وأشباهُهم وأمثالهم اليوم يرون في عددهم القوّة، وفي قلّة عدد أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم الضعف .... حتى هُم أولاء وهم يرون ما يوعَدون ... يعلمون مَن أقلّ عددا ... الأقلّ عددا هو مَن كان على كثرة أتباعه من الغاوين...يُعرض عن ربّه، ويعصي أمرَه، ويعصي أمرَ رسوله صلى الله عليه وسلم. والجِنّ الذين نقل الله عنهم مقالاتِهم كانوا نَفَرا ... ولكنّهم كانوا قوّة ورَشَدا وفِكرا ونظرا وحكمة ... كانوا ذاك النّفَر الرشيد الذي رأينا أنفسنا بين يَدَيه متعلّمين ...
ويستمرّ تلقين الله لعبده صلى الله عليه وسلم، الذي بيّن عبوديّته لله تعالى، وحدودَه، ودورَه :
"قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
هذه المرّة عن موعد الساعة، وفي الآية السابقة جاء ذكر ما يوعدون من ناحية معاينتهم لها عند حلولها، والآن يأتي الجواب عن موعدها، وقد كان دَيْدَن الكافرين السؤال عنه:" قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا"
و إنّ من أدوار "إنْ" النّفي، فجاءت هنا تحمل معنى "ما" النافية، أي "ما أدري أقريب ما توعَدون..." . لا يدري صلى الله عليه وسلم أقريب هو موعد الساعة أم بعيد، أم يجعل له الله أمَدا أي مُدة ...
وفي نَفْيه لعلمه بموعد الساعة مزيدُ بيان لحدوده صلى الله عليه وسلم، يقابله مزيد بيان لاختصاص الله تعالى بهذه الشؤون، كما سبق وأن أعلن أنّ الضرّ والنفع بيده سبحانه وحده، وأن الإجارة والنصر لا يكونان إلا منه سبحانه، كذلك فعلم الساعة له وحده ...
ثم نُساق سَوقا من موعد الساعة وهو غيبٌ كما هي غيبٌ، إلى الغيب عموما في تلقينه سبحانه لعبده ونبيّه صلى الله عليه وسلم : " عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) " . سبحانه عالِم الغيب، وليس علمه لأحدٍ غيره، ولا يُظهر على غيبه أحدا من عباده ...
لم يُطلع على غيبه الجنّ، لم يكن لهم من علم بالغيب فيُعلموه الناس، كما ادّعى ويدّعي الإنس إلى يومنا، نعرف ذلك فيما يفتريه الكَهَنة والمنجّمون من الأكاذيب، وهُم يزعمون علما بالمستقبل وبالقادم من الأحداث اتكاء على الجنّ الذين يأتونهم بالأخبار ... في سورة الجنّ نفيٌ وقطع بشأن الغيب، وأنه خاصٌّ بالله تعالى، ولا يُطلع عليه أحدا من عباده لا من الإنس ولا من الجنّ ... وقد تبرّأ الجنّ من كل حول لهم ومن كل قوة...
عرفنا ذلك منهم وهم :
1-) يصرّحون بجهلهم في قولهم : "وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"
2-)وعرفناه منهم مرة أخرى في : "وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" .
3-)وأيضا وهم يُقرّون بأنهم لا يُعجِزون الله : " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا"
كما قد جاء نفيٌ صريح لعلم الجنّ بالغيب في قوله تعالى : "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ"-سبأ:14-
ففي سورة الجنّ –كما أسلفنا- تصحيح وتقويم لمفاهيم مغلوطة تكرّست في أذهان الناس، واستشرتْ في حياتهم، وهي ذات تأثير كبير على العقيدة، إذ ينسبون ما هو خاصّ بالله وحده من قدرة مطلقة وعلم تامّ محيط، وتدبير وفِعل وإرادة لغيره ...
ولكن لا يتمّ المعنى حتى نكمل مع الآية الموالية التي جاء فيها الاستثناء :
"إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
شيء من الغيب يُعلِم به الله تعالى عبادا له، هم رُسُله سبحانه الذين ارتضاهم ، بينما هناك غيبٌ لا يُحيط به حتى رُسُله...
فقد كان عيسى عليه السلام ينبئ قومَه بما يأكلون وبما يدّخرون في بيوتهم، وقد أوّل يوسف رؤيا الملِك، ورؤى صاحِبَيه في السجن .... كما أعرِج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات السبع، فرأى من الغيب ما أراه ربُّه سبحانه ...
وهؤلاء الرُّسُل أنفسُهم يعزون العلم لله لا لأنفسهم، فكان عيسى عليه السلام يدعو قومَه بمعجزاتٍ أوتِيَها وهو يُردِفَها بـ : "بإذن الله" : " وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"-آل عمران:49-
ويوسف كذلك يشكر ربّه على ما آتاه من فضله فيقول : "رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" –يوسف:101-
ويخبرنا سبحانه بعَطيّته لنبيّه صلى الله عليه وسلم في قوله : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" -الإسراء:01-
هو سبحانه عالم الغيب والشهادة، هو المحيط علما بالغيب، بل بالغيوب كلّها . علام الغيوب. ولقد كان الوَحيُ غيبا حتى أطلع عليه اللهُ مَن آتاهم الكتُب من رُسُلِه. فكان "القرآن" غيبا من الغيب حتى نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" ... يسلُك أي يُدخل سبحانه من بين يَدَي الرسول ومن خلفه رصدا قائما على حِراسة الوحي حتى يبلغ الرسول، يحرسه من كل مترصّد، رصدٌ من الله...ملائكته سبحانه هي الرًّصد، هي حارسة الوحي ... جبريل الذي وصفه الله سبحانه بقوله : " إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21)"-التكوير-
من أمين السماء إلى أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربّه سبحانه ووصف معه القرآن بقوله: "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)" -الحاقة-
وهكذا ... عرفنا الرّصَد مرتين في هذه السورة... الرَّصد الحارس لخبر السماء، فما شاء الله أن يُبلِغَه منه أهلَ الأرض أبلغه، وما لم يشأ لم يَبْلُغْهُم.
الوحي ... القرآن ... كلام الله تعالى الذي بُدئ حفظُه من السماء، إذ حَفَظَ الله خبرَها من استراق المسترقين : "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا" ... " شِهَابًا رَّصَدًا " مترصّد لكل محاول من الجنّ.... حتى عرفناهم يرسلون رسُلَهم في الآفاق بحثا عن سبب منعهم من الاستماع ... إنما كان ذلك حفظا للقرآن العظيم ...
ثم حفظه الله تعالى في رحلة نزوله إلى الأرض : "إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" وصولا إلى الأمين صلى الله عليه وسلم الذي تولّى حفظَه بتبليغه كما أنزِل عليه، لا يُنقص منه حرفا ولا يزيد :
"لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
ليعلم الله تعالى، وهو العليم سبحانه بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون، ولكن جاءت : "ليعلم" وهي تعني حصول علم المشاهدة من بعد أن كان غيبا... ليتحقق تبليغ الرُّسُل للرسالة كما هي، ليتحقق تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن كما هو .... لا من حيث أنّه الذي قد يبدّل فيه هو صلى الله عليه وسلم فسُلك الرصَد منعا لفعل له هو فيه، بل لأنّ الله سبحانه وقد حفظه بدءا من السماء بالرّصَد الحارسين، تبليغا إلى الأرض بالرّصَد الحارسين من بين يدي الرسول ومِن خلفه فإنّه حتما سيبلّغُه محفوظا لم يطرأ عليه شيء من تغيير أو تبديل وهو في رحلته من السماء إلى الأرض ... "ليعلم " اللام لام التعليل... فقد سلك سبحانه الرّصَدَ ليعلم أنْ قد أبلغ الرُّسُل الرسالة ...أي ليتحقّق تبليغهم للوَحي وقد حُفِظ ...
"وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا"
أحاط بما لدى الرُّسُل وأحصى كل شيء عددا، لا يغيب عليه سبحانه شيءٌ دَقَّ أو جَلَّ، بل إنه سبحانه الذي يعدّ الدقيق منه والجليل عدّا...!
وهكذا تنتهي سورة الجنّ... وهي على مدارها وعلى مدى آياتها، جاءت تصحّح المفاهيم المغلوطة الخطيرة المتكرّسة في الأذهان، والمعشّشة في المجتمعات في كلّ زمان، فإذا أنتَ سألتَ أحدَهم -وهو الذي يصدّق بها، وتنطلي عليه أكاذيبها- إن كان المُوحّد لله، انتفض وزمجَر، وتعجّب وغضب وهو يجيبك : "وكيف لا ؟ ! أيّ سؤال هذا الذي تسألُنيه ؟!" ...
ومَن يَستعصِ عليه أمرٌ فيشيرعليه مشير أن يؤمّ العرّاف والمسهّل ليقضيه له ...يفعل ولا يتأخّر...وإن أنكرتَ عليه، وأخبرتَه أنه لا يجوز، وأن الله هو المدبّر وهو الذي يُسأَل وهو علام الغيوب، وهو القاضي بأمره في عباده بما يشاء، وأنّ الذّهابَ إلى أمثاله طَرْقُ بابٍ للشِّرك، أجابك بأنّما هي منه نيّة وتسبّب، والأحرى ألا نُعقّد الأمور وألا نذهب مذهب العقيدة والحديث عن العقيدة، فإنما ذلك منكَ مبالغة وإفسادٌ للنوايا، وأنّ فعلَه ليس مما يمسّ بالعقيدة... !!
هكذا هُم يسوّغون اللجوء لغير الله، والاستجارة بغيره، وسؤالَ غيرِه في قضاء ما يُستعصى ! هكذا يبسّطون القضيّة ويُبعدونها عن حقيقتها وجَوْهَرِها، ويجعلون من العقيدة شيئا لا متعلّق له في الحياة وفي حركة الحياة، وإنما هي أمرُ القلب ولا يُشترط لصَونِها والحفاظ عليها أن نُقحِم الحياة وحركتها في مدلولها وفعلها، كأنها اعتقاد وكفى ولا فِعل لها، ولا أثر ولا عمل ... !
هكذا هو فصل العقيدة عن الحياة وعن حركتها، هكذا هو فصل الدين عن الحياة، عَلمَانيّة هي بوجه من الوجوه ... !
سورة الجنّ من بدايتها إلى نهايتها هي إعلان من الفريقَين، من الإنس والجنّ على السواء للتوحيد الخالص الذي لا يستقيم بمجرّد الشهادة اللفظيّة أنّ لا إله إلا الله . بل بمقتضيات اليقين بأنّ في كَنَفِهِ سبحانه وحدَه الأمان من البخس ومن الرَّهَق، وأنّ اللجوء إلى غيره ذلّ وضلال، وبأنّ طلاقة القدرة له وحده، وأنّ تمام العلم له وحده، وأنّه لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في غير الأرض ... وأنّ الأرضَ كلّها قبضتُه سبحانه، فعّال فيها وفي خَلقِه ما يريد، وأنّه لا يكون إلا ما يريد ...فالضرّ منه متى أراد وكيفما أراد، والرَّشَد منه متى أراد وكيفما أراد...
سورة الجنّ بيانٌ وتقرير ناصع ساطع صادع عن وحدة مصدر القرآن العظيم، وأنّه من عند الله الكتاب المحفوظ من كلّ تشويه أو تبديل أو تعرُّض له بعارض أو بخَلْط...
أنه الكتاب الذي حُفِظت لأجله السماء من كلّ استراق فتُرُصِّد لكل مُسترق لخبرها، وحُفِظ وهو النازل منها إلى الأرض، مرفوقا برَصَد من بين يدَي الرّسول ومن خلفِه حتى يبلُغَه كما هو من عند ربّه، فيبلّغه كما هو من عند ربّه...
فبشهادة وإعلان وتقرير بألسنة الجنّ، يذهب ما انغرس من اعتقاد بقوة فيهم خاصّة تجعل منهم الكائنات التي تعلم غيبا، وتتسلّط، وتسطو، وتفعل في الأرض وفي أهل الأرض ...
سورة الجنّ إعلان الفريقَيْن إنسا وجِنّا أنّ التوحيد الخالص يعني براءة كل مخلوق من كل حول وقوّة، وأنه سبحانه وحده الملاذ والعِياذ والملجأ والمنجى، والمجير والنصير، والضارّ والنافع، وأنّه سبحانه حافظ كتابه، ومبلّغُه عباده، حفظا من السماء إلى ما بين السماء والأرض، بلوغا به إلى الأرض ... ثم حفظا في الأرض من كلّ تبديل أو تحريف أو خلط أو افتراء ... فهو المحيط علما المُحصي لكل شيء عددا ...
سورة الجنّ جاءت تبيّن اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثته للعالَمين رحمة وهداية، فهو للجنّ رسول، كما هو للإنس رسول.
سورة الجنّ جاءت تبيّن مسيرة الحفظ الربانية للكتاب الخاتِم البالغ الجِنّ والإنس ...فهُمْ كلُّهم لله عبدٌ ...
جاءت تُذهب الاعتقاد الفاسد السائد بأنّ الجِنّ أهل الإضرار والإفساد والشرّ والإهلاك ... حتى نحن أولاء بين يدَي النّفر الرشيد منهم تلاميذ متعلّمون ...!
فياللرَّشَد الذي فيها...
وياللعباد حينما يتبيّنون طريق الرّشاد ...!!
ويا للعباد حينما لا يشركون بالله أحدا، فلا يستجيرون بغيره، ولا يسألون غيرَه، ولا يستنصرون غيرَه، ولا يعوذون بغيره ...!
وياللعباد حينما يستقيمون على الطريقة ...!
وتنتهي تدبراتي في سورة الجن بفضل من الله ومنّة، ولقاؤنا قريبا بإذن الله مع سورة المزمّل
(أسماء حازُرْلي)Asma Bent Abdelmadjid
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا""ا"""ا
#سورة_الجن