المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7692 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #340 في: 2026-04-06, 09:57:33 »
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُم مُّؤْمِنٌ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ»
ويا أيتها الفاء المسارعة ! ⚜️فَـــ⚜️ منكم كافر!
يخلقكم فـــتكفرون؟!
أيّ عجب ثم أيّ عجب!!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #341 في: 2026-04-06, 09:57:52 »
{إِنَّ ٱلَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُم مِّنَّا ٱلْحُسْنَىٰٓ أُوْلَٰٓئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ} [الأنبياء:110].
في هذه الآية تحديدا كتب أحدهم يقول أن الذين سبقت لهم الحسنى من الله تعالى، وهم الذين بلغوا من التقوى درجات، من مكانتهم عند الله تعالى، لم يصرح سبحانه باسم النار، بل أشار إليها بالضمير المتصل في: "عنها"، كرامةً لهم.
وكنت قد رأيت في هذا تكلفا واضحا، ذلك أنه ليس من غضاضة أن تذكر النار باسمها في مقام نجاة المؤمنين منها..بل حتى في مقام دعوتهم لاتقائها،  انظر مثلا إلى قوله تعالى:
{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}[التحريم:06]
ومنذ أيام، وخلال قراءتي لوردي ، وقعت على ما يصدّق ما ذهبتُ إليه وما رأيته تكلفا، واستثقلته،  وذلك في ختام سورة الجاثية:
{ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَغَرَّتْكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (35)}[الجاثية].
هؤلاء أهل النار، وهذه النار يُشار إليها بالضمير في : "لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا " ..
فهل هي كرامة أهل النار التي جاءت لأجلها الإشارة إلى النار في شأن عدم خروجهم منها، بالضمير لا باسمها ؟ !! 
فإنها كما جاءت في مقام المؤمنين في آية الأنبياء بالإشارة، جاءت في مقام أهلها الكافرين  بالإشارة، لاعتبارات اللغة والتركيب لا غير، دون تكلّف لمعانٍ لا تُستساغ.
#التكلف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #342 في: 2026-04-06, 09:58:10 »
يا قرآننا العظيم، يا جنّة الدنيا، ويا مستراح الأنفس، يا موغلا في أعماقنا نورا وشفاء وتربية!
يا مرآة حقائقنا!
يا قوامنا ويا قيامنا ويا معنانا !
يا من مِن دونك، نحن لا شـــيء !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #343 في: 2026-04-06, 16:25:57 »
خواطر سنة 2020
« آخر تحرير: 2026-04-06, 17:41:33 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #344 في: 2026-04-06, 16:32:54 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وموعد مع سورة جديدة، وكعادتنا، نتسوّر جنّة جديدة...
جِنان الله على أرضه هو القرآن ... هو السعادة والراحة والطمأنينة، هو ذهاب الكَدَر، وصفْوُ العَيْش، وعَذْبُ الوِصال، ورَقْرَقُ المعنى... هو الروح للروح.. هو لها الماء  فمُحييها، وهي من غيره ظمأى تعجُفُ وتتيبّس... هو لها الهواء الذي يتغلغل في أوصالها ليمُدّها بالنّبض فتحيا ... !
فلنستقِ... ولنرتَقِ ...
إنها سورة "الجنّ" ...
سورة من سور القرآن الكريم تحمل اسم "الجِنّ" ...فنجدها تُعنى بأمرهم، وتُفصّل في شؤون من شؤونهم ...
الجنّ...ذلك العالَم الآخر، الغريب، المغَيَّب عنا... المليئ بالأسرار...!
تلك المخلوقات التي يسمع عنها الإنسان ولا يراها، فهو المتشوّف دوما لأخبارها، حتى بات يَحيكُ لها الحكايات، وينسج لها من الخيالات ألبسة يسمّيها الحقيقة...! يؤلّف القصّة ويحبِك الحبكة، فتنتشر وتبلغ الآفاق وهي مَحْض وَهْمٍ وخُرافة ... فأصبح الجنّ رمزا للعالم الخفيّ الذي له قوة خارقة، وله سلطة وسَطوة...إنه العائث في نفس الإنسان فسادا وتنغيصا وتعكيرا...!
حتى غدا ذاك المِشجَب الذي يعلّق عليه الخائب خيْبتَه، والمصاب مصيبتَه، ومَن بنفسه علّةٌ علّتَه... فما أسهل ما يُقال به جِنّة، وما أسرع ما يُتحجَّجُ بسُكنى الجِنّ جسم مريض نفسيّ أو متمارض لحاجة في نفسِه يريد أن يقضيها ...! ويقضيها مِثلُه في قوم يسارعون للتصديق بالأكاذيب والأراجيف مُسارعة الواثق عن عمى ...!
أما بائعو الأوهام والخُرافات فأسواقهم رائجة وتجارتهم رابحة في أمّة هي الأحرى بنبذ الخرافة وبكشف زَيْف أهلها والعاملين عليها ...
وأجدني أخالف العادة في الإسقاط من حال أقوام سابقة على حال أقوام لاحقة ... لأعود من واقعنا إلى عرب الجاهلية، فأقول إنّه كذلك كان سائدا فيهم الكذب على عالم الجنّ، والتهويل في شأنهم، وكان متفشّيا الاعتقاد بسطوة لهم كبيرة على عالم الإنس كما هي حالنا ...ففداحة الأمر فينا تجعلنا الممثَّلَ به لا المماثِل...! تجعل حالَنا الأنكى والأدهى والأمرّ ونحن قد نزلَ فينا الهُدى الذي جاء يُعلي من شأن العقل، ويُكرّم العاقل المتعقّل، وينبذ الخُرافة والأوهام كما نبذ عبادة الأوثان والأصنام...!
وإنك لتسمع من حكاياتهم العجبَ العُجاب...!
ففلان من الناس فعل فيه الجنّ وفعل، والآخر تلبّس به وتحدّث مكانَه وبلغةٍ غير لغته، وجعل يُخبِر بأسراره مَن كان له الفضل في تخليص المسكون المسكين منه، وبسبب اختياره مسكنا دون غيرِه من المساكن ... !
ربّما هو العاشق الولهان الذي تسلّط على المعشوقة وتزوّجها ...!
وربّما هو الجنيّ الكافر الذي اتخذ له من هذا الجسم أو ذاك بيتا يريد أن يفتن صاحبَه عن دينه... أو لعلّه الذي قفز من بالوعةٍ بين بالوعات بيتٍ بين البيوت يريد أن يلقّن صاحبه درسا لا ينساه وقد سكب على البالوعة ماء ساخنا ... !!
ولا يخفى ما في النفوس من خوف ورعب من هذا العالَم هو من صنع أيدي البشر للبشر...! خوفٌ ولّدته الخرافات والشائعات والأساطير التي جعلت من الجنّ كائنات ذات خوارق وطوارق، تطرق عالَم الإنس وتفعل به ما تشاء، والخوف جبلّة في الإنسان مما تراه عينه ويَعرف منه الأذى، فكيف بما لا تُدركه عينُه وهو يعتقد أنّ له عليه سطوة ...!
غيضٌ من فيض الخُرافات والتهويلات هو هذا  ...
وعلى شاكلته كان العرب في الجاهلية يعتقدون بالجنّ سطوة وسلطة وقوة خارقة تُلحق الضرر بالإنسان، ويعتقدون بهم المعرفة والاطلاع على الغيوب... حتى كان الكاهن عندهم تُرجمانَ الجنّ، ينقل عنه الخبر من أخبار الغيب يسترقه وهو يتسمّع السماء ... ! فكان يأتي بالكلمة الصحيحة مخلوطة بالمئة الكاذبة ويحلف أيمانا بآلهته المتعددة على أنه الغيب المقطوع بصحّته، والمُحدَّثون من جهتهم يصدّقون ويُمضون أمرَهم وِفقَ ما يلقيه إليهم ... !
بل لقد ذهبوا إلى أبعد من ذلك، حتى ادّعوا أنّ بين الله وبين الجنّة نسبا، وأنه اتخذ منهم صاحبة كان له منها الملائكة ولدا ... ! تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا ...
جعجعةٌ هي نسمعها ... وأيّ جعجعة...! وما من طِحن ...!
جعجعة لو أنّنا اكتفينا بخبر القرآن لما كانت، ولما عِشنا دهورا والأجيال ينقل بعضُها عن بعض الخوفَ والرُّعبَ، والكذب على عالَم يُقرّ القرآن وجودَه، وليس لنا عنه من علم يُجاوز حدودَ ما أعلمنا به، ولو كان للجنّ من سطوة على الإنس لكان القرآن أحقّ وأسبقَ  مَن يخبرنا بها ... وإنّ فيه وفي السنّة الصحيحة عنهم النبأُ اليقين، وحرِيٌّ بنا كمؤمنين أن نكتفي بهما مصدرا موثوقا وخبرا أكيدا لا ريب ولا خلْط فيه ...
فلنقعد من السورة مقاعد للسمع ... لنستمع ... :
"قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(1) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ  وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2)"
إنه الأمرُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم من ربّه عزّ وجلّ أن يُبلّغ الناس أنّه قد أوحِي إليه أنّ نفرا من الجنّ قد استمعوا للقرآن ...
ولنتأمل هذا التركيب، وهذا البناء في هذه الجملة الشريفة، فإذا هي دقيقة كلّ الدقّة، موحِية كل الإيحاء بالمعنى المُراد ... "قُلْ أُوحِيَ إِليَّ" ولم تأتِ: "قل إن نفرا من الجنّ قد استمعوا" . فـ "أوحِي" تعمل عملا عظيما في بيان أنّ الذي يأتيه من الخبر صلى الله عليه وسلم هو الوحي، لا شيء غير الوحي ... في هذه السورة بشكل خاص، مع هذا الموضوع بشكل أخصّ ... مع هذه الفئة من مخلوقات الله، الجنّ الذين ادّعت قريش فيما ادّعت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يستقي منهم الخبر كما يفعل الكُهّان ويقول أنه من عند الله، كما ادّعوا أنّ به جنّة، أي أنّ جنّا مسّه فأصبح في حال من الخبل والجنون ...!
"أوحِي"  جاءت هنا من أجل القطع في أمر الجنّ، وأنه لا علاقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بهم، بل إنّ الخبر عنهم وعن أحوالهم ينزل عليه وحياً من ربّه، وأيّ خبر ! إنه خبر استماعهم للقرآن وإيمانهم به ... !
إنهم الجِنّ الذين ادّعيتم كذبا وزورا وبُهتانا أنّ رسول الله متّصل بهم فهو يتسمّع لخبرهم ويأتي الناسَ به، برميه بالجنون تارة، وبالكهانة والسّحر تارة أخرى... إنه لا يعلم عنهم إلا ما أبلغه به ربُّه...وأولاء هُم مَن يسمعون منه ويستقون منه صلى الله عليه وسلم النبأ اليقين...!
ولقد عرفنا قريبا في سور سابقات لسورتنا هذه، كيف برّأ الله سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلم من الجنون، ومن الكهانة ومن الشعر...  فكانت شهادة الله العظيمة لنبيّه : "ن  وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) "-القلم-
وكذلك قوله سبحانه في سورة الحاقة : " فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ  قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ  قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)"
فتأتي "الجنّ" لتفصّل في شأن حقيقة القرآن التي أشارت إليها السور السابقة في تسلسل وترابط بين السور لا يغيب.
وإنه القرآن ينبئ عن نقاء القرآن ووِحدة مصدره وعُلويّته، وينفي كل مصدر عداه ... ! وكفى بالقرآن شاهدا للقرآن ...!! "لَّٰكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ  أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ  وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا"-النساء:166-
متى كان سماعُهم للقرآن ؟ أين تحديدا ؟ في أي مناسبة ؟
ذلك ما لا يتبيّن على وجه الدقّة، إذ إنّ ذكر سماعهم له كان أيضا في سورة الأحقاف : "وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا  فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَىٰ قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (29) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَىٰ طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (30)"
كما أتت السنة الصحيحة على ذكر سماعهم له تارة بعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتارة من غير علمه حتى أعلمه الوحي، فكان الجمع بين الروايات أنّها كانت المرات لا المرّة الواحدة، ولكن المؤكّد أنّ "الجنّ" جاءت بسماعهم له أول مرة . وكان ذلك في مكة...
أوحِي إليه صلى الله عليه وسلم من ربّه في شأن نفر من الجنّ استمعوا للقرآن، فقالوا : " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا ".
هم أولاء يصفونه أول ما يصفونه بالعجب ... !
لقد سمعوا القرآن المكيّ، العامر بآيات تبني أسس العقيدة في النفوس وتقوّي آصرة العبودية لله الواحد الحقيق بالعبادة وحده... فبدَهَهم وبهَرَ حِسَّهُم، ولامس شِغاف قلوبهم، وهزّ مشاعِرَهم، وتغَلغَلَ بَيانُه في أوصال نفوسهم تغلغل الدواء يُحلُّ الشفاء في جسم العليل ... وروى ظمأ أرواحِهم، وبهتَهم فلم يملكوا إلا أن يقولوا : " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا " !!...
إنّي لأتمثّلُ النفر من الجنّ وهم في حال ذهول وانبهار بالقرآن ...!
لقد بهرهم بيانُه، فأشرق في سُويداء قلوبهم الحقّ، ونزل ماءً على أرواحهم الظمأى  فاهتزّت وربتْ، ولامَسَ مخلوقيّتَهُم أمرُ خالقِهم فعرفوا، فقالوا: "إنا سمعنا قرآنا عجبا" ...!
نعم... إنهم أولئك الذين تقوّل العربُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تقوّلوه بشأنهم، فقالوا بأنه الذي يسمع منهم، ويأتي بالخبر من عندهم، وقالوا إنّ بعقله مسّا من مَسِّهم ... هُم الذين نسمع من القرآن قولَهم في القرآن ... نسمع من الوحي قولَهم في الوَحي ... "قل أوحِي إليّ"  وحيُ الله سبحانه، وحْيُ الذي يلقي إليه بالقول، ولا يلقي إليه به غيرُه ... لم يكن يدري صلى الله عليه وسلم عما قال النفر منهم في القرآن حتى نزل عليه في ذلك الوحي قطعا في أمر عُلويّة المصدر كما أسلفنا ...
يالِنفر الجنّ ... ويالِسُموق فهمه، ورهافة حسِّه، وشفافية روحه وهو الذي استشعر عظمة القرآن فقال إذ سمعه :  " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا "...
وملتقانا مع جزء جديد من تدبرات جديدة في سورة الجن بإذن الله
(أسماء حازُرْلي) Asma Bent Abdelmadjid
"" ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #345 في: 2026-04-06, 16:33:34 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ومازال النفر يقول ...فلنُصغِ :
يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ  وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (2) وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (3) وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5)
إن وصفهم أروع وصف، وأدق وصف ...!
إنهم النّفر أهل للرشد ولتبيّن مَعِينه ونبعه :" يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ " ...إنها عقول تزن فتحسن الوزن، وألسنة تصف فتحسن الوصف ...!
يهدي إلى "الرّشد" ... ولكأنّي بالكلمة في سورة الجنّ تلوّح من بعيد أنها من روح سورة الجنّ لا مِن غيرها ... تناسب نسقا من الآيات متصلا يعمل على تصحيح المفاهيم المغلوطة، والتكريسات الباطلة التي حفرها بأخلاد الناس انسياقُهم خلفَ كل سائق واتباعهم لكلّ ناعق...
يأخذون الكذب على أنه الحقيقة، والوهم على أنه الواقع...
تكريسات لم تكن خصيصة من خصائص الجاهليّين وحدَهم، بل مازال يعمل عليها العاملون، ومازال ينساق خلفها المنساقون، المغيِّبون لعقولهم ، والمتخذون للقرآن عنوانا ومظهرا لا يقينا في النفوس لا يغالبه خبرٌ... !
مازال يُكرَّسُ في أمة القرآن أنّ الجِنّ أهل الشرّ والإيذاء والتسلط على الإنس... القرآن الذي أعلنت الجنّ أنه يهدي إلى الرّشد ...!
عندما قرأت سورة الجن قراءة المتدبّر، مرّ بخَلَدي الكثير من الصور، والكثير من التصورات التي شاعت وانتشرت، مرّت بخَلَدي الحكايات التي كنا نسمعها منذ صغرنا، وما انتشر عن الجنّ من صحيح وسقيم، من خرافة وحقيقة ... وليت الحقيقة كانت الغالبة ...
عندما قرأتها قراءة المتدبر أحسست بالاطمئنان، على غير عادة ما تكون عليه الأحوال عند ذكر الجنّ ! أحسست بالراحة ... أحسست بالاختلاف ... تلمست الحقيقة بقوتها ...
كان كلما ذُكِر الجنّ، خاف مَن خاف، وارتعب مَن ارْتعب، وتحاشى من تحاشى السماع عنهم، أو الحديث عنهم ... ويالهول الحال إذا ما كان الحديث ليلا ... !
في سورة الجنّ، تعرفت إلى الجنّ ...
استمعت لقول النفر منهم، وتحسست رُقِيّ فِكرهم، وسلامة منطقهم، بل وعرفت أنّ لهم رشدا ... بل وفهمت كم كانوا يتحرون الرَّشَد والحكمة ...فذكرت أمر التقوّل عليهم بأنهم أهل التلبّس والدخول في جسم الإنسان، وأنّ من كان متلبَّسا بهم عُدّ كالفاقد لعقله، المُتحكَّم به، المُتسلَّط عليه ...!
ذكرت هذا من حكايات كنا وما نزال نسمعها، مقابل ما عرفت وتلمست من حقيقة في سورة الجن ... فتمثلوا قُبالتي تَمَثُّل بريئ متّهَم مُرمَى بتخريفات من نسج أخيلة الإنس، بأكاذيب وأباطيل وأخيلة نفسية جعلوها الحقيقة غصبا ...!
فإذا بالإنس المتقوّلون بهذا هم أهل الهذيان والتخريف، والسَّفه، وإذا الجنّ من جنس ذاك "النّفر" هم أهل الحكمة والرشاد ... !
وياللمفارقات ...! والذي تحرّى الرشد، وعرف مَعِينَ الرُّشد فنهل منه، قد غدا من أوهام الناس وتخريفاتهم وتقوّلاتهم المجرم المتسلّط، المتحكم الذي يأخذ من الإنسان كل مأخذ، فإذا هو كالرياح العاتية، وإذا الإنسان كالقشة في مهبّها ... !
تبدّتْ لي الحقيقة بإزاء الأوهام ... وتبدّت لي المسافة بين الحقيقة والخيال وهي القريبة غير البعيدة، وقد صيّرناها من اكتفائنا بالأقوال، والحكايات والمرويات والمنسوجات بعيدة بعيدة  ... ! على كتاب الله موقعها ... ولكنهم يحفظون الحروف من السورة ويتلونها ويعرضونها، ويحفّظونها وهم بالمقابل ممن يختلق حكايات التلبس ويتداولها، وينقلها ...
يهدي إلى "الرُّشد"  والرشد هو الصواب، وهو الحق، ولكنّك تجد في هذه الكلمة بالذات ظلال النضج والعقل الراجح، تجد ظلال الحِكمة الوارفة ...
فأيّ الفَريقَين أولى بالسَّفَه أإنسِيٌّ مكذِّب مُنكِرٌ لنور الشمس الساطعة في كَبَد السماء، أم جنيّ من شاكلة النّفر الرشيد ؟؟!!
أصغِ معي ... أرعِ النّفر سمعَك وانتباهك وتملَّ ... ولننشد الرّشد مع الراشدين ...
إنهم فورَ سماعهم القرآن آمَنوا ... "فآمَنَّا بِه وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَداً " ...
يُقِرّون بوحدانية الله تعالى، ويقرّون بالتوحيد، وألا يشركوا بالواحد أحدا ... هم أولاء يقتطفون الثمرة الأكثر إيناعا ... الثمرة الأهم... هم أولاء من رشدهم يعلنون التوحيد الخالص ويقرّون البراءة من الشرك ...
وإنّي لأستحضر أنهم قد استمعوا لآيات من سور القرآن المكّي، فهُم مع أول الأمر، مع مرحلة البناء للنفوس، مرحلة العقيدة، وعقدِها في القلوب ... مع ما إليه أرواحُهُم  عطشى ... توحيد ربّهم وعدم الإشراك به ...
وإنها للصَّفْعَةُ على وجوه المشركين وهم الملازمون لمحمد الذي عرفوه بين ظهرانيهم، وعرفوا صدقه وأمانته حتى كانوا يلقبونه بالصادق الأمين، ثمّ كذّبوه لمّا حدّثهم بخَبَر السماء، ورموه بالجنون والسحر والشعر ...!
فأيّ فَرْق هو وأّيّ بَوْن شاسع بين أن نتحاشى ذكر الجنّ، وأن نصدّق تلبّسهم بالإنس، وأن نرتعب من مجرد سماع اسمهم قبل وصفهم وكأنهم العُتاة المجرمون، والأشباح المروّعون... وبين أن نستمع للحكمة من أفواه النّفر الراشد منهم ...  فنتعلم، ونرى أنفسنا المتعلمين بين أيديهم، نراهم أهل هدى وأصحاب رشاد وحكمة، وأهلا للاقتداء بهم...!
ثم قالوا : "وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا"
الواحد الأحد الذي لا شريك له، سبحانه تعالى جَدُّه، والجَدّ هو الجلال والعظمة، من عظمته وكماله، وجلاله ما اتخذ صاحبة ولا ولدا...
تأمّــــــــــل ...
إنهم قد أعلنوا التوحيد رأسا، وثنّوا بتبرُّئهم من الشرك وقرار مباعدته ... ولم يكتفوا بذلك بل زادوا إيمانهم قوة وجلاء وهم  يقدّرون الله حقّ قدره، فيفقهون أنّ من عُلوّ شأنه سبحانه عدم اتخاذه الصاحبة والولد .. فكان منهم التوحيد الخالص، والإيمان السليم بعظمته حَدَّ تنزيهه عما تقوّله الإنس عليه إدّا ...!
كان منهم تامّا كاملا كما ينبغي لعظيم سلطانه وجلال قدره ... وفي هذا تمام نقض ذلك الغَزْل المشؤوم المَدحور أنكاثا... ذاك الذي كان الكافرون يبيتون ويصبحون وهُم يَبْرُونَهُ سهْماً يُضاف إلى كِنانة سِهامِهم المسمومة يريدون قَلْب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجَلَدَه وصبْرَه وثباتَه ... وهيهات هيهات أن تُفلِح في إيمانه وثباته الكِنانة بما تحمل ... !
لقد جعل الكافرون من الأناسيّ  بين الله تعالى وبين الجنّة نسبا، منه كانت الملائكة له الولد، تعالى سبحانه عن ذلك علوّا كبيرا ... فها هُم النفر الرشيد من الجنّ يُعلنون بألسنتهم تبرّؤهم من هذا البُهتان والشرك العظيم ... ويصدعون بالتوحيد والتعظيم والتنزيه لربّ العزّة الأحد الذي لم يلد ولم يولد ...
ولقد أصغيت أكثر للنفر الرشيد .... :
"وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيهُنَا عَلَى اللَّهِ شَطَطًا (4) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (5)"
فوجدتهم  وقد اهتدوا يهتدون للسفيه فيهم وهو يقول على الله الشطط.. والكذب، ويالرشادهم وهم يَميزون السفيه من الرشيد ...!
فيا معشر الإنس ... أيّ الفريقين أحق بصفة الرشاد ... نفر الجنّ هذا  أم المتقوّل منا على جنسهم شططا وكذبا .. ؟!!
أي الفريقين أهدى، آإنسيّ يرى الجن شبحا غازيا مستعمرا ضارا عابثا عائثا في جسم الإنسان فسادا، أم جنيّ يسترشد ويستهدي، حتى يهتدي إلى الحق، فيعلن التوحيد والإيمان كأحسن ما يعلنه عبد موحد مؤمن . ؟!
سفيههُم هو الذي  جعل لله صاحبة وولدا، سواء في ذلك أن يكون إبليس عليه لعائن الله أو الكافر منهم ...
وإنّهم بمقالتهم التالية يُلقون بمعاذيرهم : " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا" ...إذ حسبوا أنّه لا يستقيم ولا يمكن  أن يتقوّل الإنس والجنّ على الله  ...  وهذا مما يشي باتّباع كان منهم عن حسن ظنّ بمَن اتّبعوا، وفيه الإشارة إلى أنّ حُسن الظنّ لا يغني عن الحقّ شيئا... بل إنّ التعقّل، وتقصّي الأمر من مظانّه هو المطلوب، لا أن يُتَّبَع أيٌّ كان دون أن يُستوثَقَ من مرجعيّته ... فإنّ ذلك مما يفتح الباب واسعا للتأويلات الهوائية، وللتصدّر للإضلال باسم الهداية ...!
ومع إيمان النّفر الرشيد، ومع إعلانهم التوحيد... ومع سياق هذه السورة العظيمة التي جاء فيها الجنّ مُحدّثين عن حالهم إزاء سماعهم القرآن، لنعُد قليلا إلى الوراء حيث نوح وقومُه ... حيث القوم الذين دعا عليهم نبيّهم بالهلاك والاستئصال من شدّة كُفرِهم ومن إغراقهم في الشرك والعتوّ والظلم، فأهلكهم الله ولم يَذَر على الأرض من الكافرين ديّارا  ...
أولئك القوم الذين توالدوا وتناسلوا جيلا عن جيل طيلة تسعمئة وخمسين سنة... كلّهم جميعا في كفّة، وهؤلاء النّفر في كفّة،(والنّفر في اللغة ما لم يجاوز العشرة من الناس) ...  فأولئك كلا شيء... وهؤلاء ميزانهم ثقيل ثقيل وأيّ ثِقل ... !
لنلمح الترابط بين السورتَين، و"الجنّ" فيها -مع ما فيها من إعلان الجنّ التوحيد والإيمان- أنّ هذا الرسول الخاتِم، وهذه الرسالة الخاتمة جاءت بالرشاد لأهل الأرض، جاءت امتدادا لدعوة الرّسل السابقين، وهي الظاهرة ولو كَرِهَ الكافرون ... وإنها وإن كفر بها الإنس كما فعل المشركون وهم من جنس قوم نوح عليه السلام، فإنّها تبلغ الجِنَّ، وتهديهم، ويتغلغل في نفوسهم رُشدُها ....!
جاءت لتُبلِّغ الناس مراقيَ الرُّشد لا ريب، من بعد ما عاشت البشرية طفولة الاعتقاد ... !
وملتقانا مع تدبرات جديدة في سورة الجنّ بإذن الله.
(أسماء حازُرْلي) Asma Bent Abdelmadjid
ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا"ااا
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #346 في: 2026-04-06, 16:34:06 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ومازال الجنّ يمدّوننا بالمزيد ...
"وَأَنَّهُ كَانَ رِجَالٌ مِّنَ الْإِنسِ يَعُوذُونَ بِرِجَالٍ مِّنَ الْجِنِّ فَزَادُوهُمْ رَهَقًا (6)"
إنّهم يعلمون عنّا ما لا نعلمه عنهم مثلما أنّهم يروننا ولا نراهم... ففي الآية السابقة جمعوا بين الجنّ والإنس في ادّعاءاتهم بحقّ الله سبحانه، وفي قولهم الشطط عليه...
يعلمون أنّ من الإنس ومن الجنّ مَن قال عليه الشطط سبحانه، كما يعلمون أنّ رجالا من الإنس كانوا يعوذون برجال من الجنّ، ذلك أن العرب كانوا إذا ما حلّوا بوادٍ أو مكان قفْر نادوا مستعذين بالجنيّ سيّد الوادي –كما كانوا يعتقدون- من شرور سفهائهم  ... وكانوا يلجؤون إليهم لقضاء حوائجهم ... وليس ذلك ببعيد عن أيامنا هذه معشر الإنس ، إذ يُعرَف في كلّ المجتمعات المسلمة مَن يرتادُهم الناس بدعوى قضاء ما يُستعصى ... فيفتري الكاهن أوالمنجّم أوالمسهِّل (كما يسميه الكثيرون)  الكذب، ويصدّقه الموهومون من بني الإسلام ... !
فهذه فتاة طال بها عهد العنوسة، فهي في غمّ وهمّ ونكد، تشير عليها صديقة أو قريبة أن تذهب إلى ذاك الذي لا يستعصي عليه شيء ليَسهُلَ أمرُها ... وأخرى تهرع إليه لينفث لها في شيء من أشياء زوجها التائه عنها، أو ليُعِدّ لها خلطتَهُ السحريّة التي تستخرج الحُبَّ من قعر بِئْره السحيقة ...! أو ليأتيها بخبر تلك التي زاغ عنها إليها ...فجِنِّيُّهُ قويّ قادر منتقم ...!
وهذا شابّ بين الشباب يريد أن يعرف المتسبّبَ له في النَّحْس الذي يلازم خطواته، فيشير عليه صديق حميم أنّ فلانا عنده من الخبر ما ليس عند غيره، جِنِّيُّه صادق صدوق لا يرضى بالنّحْس والشؤم، فيُفشي للمنحوس بسرّ نَحسِه واسم ناحِسِه لتستبينَ سبيلُه، ولتتقدّم على الدّرب خطواتُه ... !!
أما النَّفَر الرشيد فيعلم ما لا يعلمه كلّ أولئك الأناسيّ الذين صدّقوا الكهنة، والمنجّمين وانساقوا خلف دعاواهُم الباطلة وهُم خواءٌ من الإيمان والاستمساك بالله تعالى القدير العليم الرزّاق المُعطي، المجيب دعوة الداعي إذا دعاه ...  يعلمون أنّ استعاذتهم بهم لم تزدهم إلا رهقا، إلا ذلّا وضلالا وبُعدا عن الجادّة ... بُعدا عن الرُّشد ونحن في أجواء الراشدين الذين لامس القرآن قلوبَهم وروى غليل عقولهم المسترشدة .. !
وما زال الله تعالى يُعْلِم نبيّه ويُعْلِم كلّ الناس من خلاله عن النّفر من الجنّ وهو إذ يستمع للقرآن فينقل الخبر لإخوانه، يُمِدّنا بخبر الإنس مع خبرهم، فيبيّن اعتقاد المستعيذين بالجنّ  :"وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنتُمْ أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا (7)"
أنْ يا معشر الجنّ إنّ من الإنس مَن هُم على حُسبانِكُم، وعلى ما تعتقدون من أنّ الله تعالى لن يبعث أحدا... لن يبعث أحدا من عباده هاديا داعيا مُحِقّا للحق، ماحِقا للباطل، مبيّنا للناس كذب المُبطلين المتقوّلين على الله الشطط،  الظانّين بأكاذيبهم البقاء والعلوّ أبدَ الآبدين...
ظنوا أنّ الأرضَ لهم، وأنّ أشواكَهُم ضاربةٌ في أعماقها ... وأنّه ما من هادٍ يُبعَث ليقتلعها، وليسقي نبتة الإيمان فتونع من جديد...!
ظنوا أنه لن يُبعث من يستنهض الإيمان في القلوب، ويرفع الرُّكام عن الفِطَرِ المردومة بالهوى، ويفتح نوافذ العقل المُعتِم فيغمُرَ ضوْءُ الشمس  حُجُراته من جديد، ويُزيح الغشاوة عن البصائر لترى الحق حقا فتتّبع وتستبشر، وترى الباطل باطلا فتجتنب وتستنكر  ... !
ظنّوا أنه سبحانه لن يبعث أحدا ... ! حتى هو ذا "محمّد"  للعالمين بشير ونذير، هو ذا صلى الله عليه وسلم تبلغ دعوتُه الآفاق، وتشقّ الأطباق، وتتجاوز المشهود والمُبصَر إلى المَغيب الذي لا تُدركُه الأبصار...فنسمعها من ألسنة النّفَر من الجنّ يدعون بها قومَهُم ... بل ويدعون بها الإنس مع الجنّ ... ! فإذا نحن بين يَدَيْ هذا النّفر الرشيد مُصْغُون متعلّمون ...!
أو ربما عُني بـ : " أَن لَّن يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًا " البعث بعد الموت، فهذا أيضا مما يعتقده الضالّون المضلّون وينشرونه بين الناس دعوة باطلة في كل زمان ... ولو أنني أرى أن الأُولى أنسب وأقوى لأنّ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم خاتِما للرُّسُل، ونزول القرآن خاتِما للكتب السماوية هو الهُدى الذي سيبقى أهلُه يقارعون به أباطيل المُبطلين في الأرض إلى يوم يُبعَثون ... ! ولأنّ بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم بوجه خاص كان لها أثرٌ وعملٌ في شأن من شؤون الجنّ سيُسفِر في الآيات القادمة ...فلنستمع ....
"وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (😎 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ  فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9) "
وفي تسمّع الجنّ للسماء يريدون خبرها حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه بيان:
"عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "انْطَلَقَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ في طَائِفَةٍ مِن أصْحَابِهِ عَامِدِينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وقدْ حِيلَ بيْنَ الشَّيَاطِينِ وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عليهمُ الشُّهُبُ، فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ إلى قَوْمِهِمْ، فَقالوا: ما لَكُمْ؟ فَقالوا: حِيلَ بيْنَنَا وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قالوا: ما حَالَ بيْنَكُمْ وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ إلَّا شيءٌ حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشَارِقَ الأرْضِ ومَغَارِبَهَا، فَانْظُرُوا ما هذا الذي حَالَ بيْنَكُمْ وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانْصَرَفَ أُولَئِكَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهَامَةَ إلى النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وهو بنَخْلَةَ عَامِدِينَ إلى سُوقِ عُكَاظٍ، وهو يُصَلِّي بأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ اسْتَمَعُوا له، فَقالوا: هذا واللَّهِ الذي حَالَ بيْنَكُمْ وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَهُنَالِكَ حِينَ رَجَعُوا إلى قَوْمِهِمْ، وقالوا: يا قَوْمَنَا: {إنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا، يَهْدِي إلى الرُّشْدِ، فَآمَنَّا به ولَنْ نُشْرِكَ برَبِّنَا أحَدًا} [الجن: 2]، فأنْزَلَ اللَّهُ علَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: {قُلْ أُوحِيَ إلَيَّ أنَّه اسْتَمع نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ} .وإنَّما أُوحِيَ إلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. "-صحيح البخاري-
تأمّل فإنّ أول ما قاله النفر المستمع للقرآن هو : "هذا واللَّهِ الذي حَالَ بيْنَكُمْ وبيْنَ خَبَرِ السَّمَاءِ  "... عرفوا أنّ نزول القرآن هو الحدث الأعظم الذي حال بينهم وبين خبر السماء ... !
وعلى هذا رأيتُ أن الآية السابقة جاءت تعني بعث الرسول لا البعثَ بعد الموت ... إنّ بعثه صلى الله عليه وسلم ونزول القرآن الكريم هو الحدث العظيم الذي عمل عمله في شأن الجنّ مع السماء، كانوا يقعدون منها مقاعد للسمع ... فلم يعودوا قادرين على التسمّع، صاروا كلما حاولوا فِعل ما كانوا من قبل يفعلون ترصّدت لهم الشُّهُب ورُجِموا بها : "فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا" ...
"الآن" .... انتهى الأمر الآن ...لم يعد من تسمّع من الجنّ لخبر السماء، ولا من ترصّد، بل إنّ الشُّهُب لكلّ مترصّد منهم رصَد... لم يعودوا يقدرون ... حيل بينهم وبين ما تعوّدوا ...
ولقد ظنّوا أن لن يبعث الله أحدا... ! وخاب ظنّهم ... بل لقد بعث الله النورَ الخاتِم، ولقد بعث الهادي ... بعثه بالحقّ الذي سيصدع به الجنّ مع الإنس، وسيدعو له الجنّ مع الإنس ... !
أيّ حِفظ هو للسماء ولأمرها ...! أيّ طُهر هو لهذا الوحي، وهو يقطع الآفاق، ويشقّ الفضاء بلوغا إلى الأرض، وهو المحفوظ، بدءا بحفظ السماء من أن يُنالَ منها خبر بين الأخبار فيتلقّفه الكهنة الذين تعوّدوا إعداد خلطات أكاذيبهم مع الكلمة والكلمتين من كلمات الحقّ ليلبسوا على الناس أمرَهم ... انتهى الأمر ... وحُفِظت السماء، فخبرُها محفوظ ... ما من كلمة فيها ستبلغ أحدَهم اليوم ....  بل إنّه كلام الله الذي سيبلُغ محمّدا وحدَه ... : " وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ  قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ(42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)" ...
ولقد وعد الله سبحانه بحفظه : "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ"-الحجر:09-  ومن السماء يبدأ الحفظ  : "وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِن كُلِّ شَيْطَانٍ رَّجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُّبِينٌ (18)"-الحِجر-
فإذا بلغ الأرضَ فهو بين يدَي الصادق الأمين صلوات ربي وسلامه عليه، الأمين على وَحي السماء،  والحارس المقيم عليه من عبث العابثين وكذِب الكاذبين ... وإنه للتّفصيل في ادّعاءات المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّه الذي يأتي بخبر الكُهّان يُلقيه للناس على أنه وَحيُ السماء ...
"وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)"
إننا نسمع من الجنّ عن عجز الجنّ ...إنهم يُعلنون فيما يعلنون من إيمان وتوحيد خالص، وتبرؤ من الشرك أنّهم العاجزون ... !
إنهم يدحضون بِصِدْقِهِم كلّ دعاوى الخَرْق والقوة والتسلط  التي ألصقها بهم الإنسُ... كلّ دعاوى علمهم بالغيوب :  " وَأَنَّا لَا نَدْرِي " ...
تلك سيماء المؤمن، وأبرز علاماته عندما يخضع للعليم الخبير، ويوقِن بإحاطة علمه، وبطلاقة قدرته، عندها يعلم ضعفه، وقلة حيلته، وأنّه لا علم له إلا بالقدر الذي يعلّمه ربُّه ... لا يضيق بذكر عجزه، وقلة علمه، وهو العبد بين يدي ربّ عليم قدير ...
ولا ينقضي العَجَب من نفر سمعوا قرآنا عجبا ... وأنت لا تفتأ تقرأ عن استرشادهم واهتدائهم للرشاد حتى تقرأ عن الرشد من جديد وهو نشدانهم ... فإذا هم قائلون : " وإنَّا لا نَدْرِي أشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الأرْضِ أمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدا"
"رشدا" .... إيه ثم إيه للنفر الرشيد ... !
إيه لقوم وعبادٍ هُم للرحمن ظننّا بهم السَّفَهَ والشرَّ المطلق حتى وإن قال مَن قال عابرا غير راكز : "إن منهم مسلمين ومنهم كافرين " ...
يقولونها عابرة ... ودَيْدَنُهم حكايات وروايات التلبس والمسّ وأكاذيبها ذات الألوان والألوان ... !!!
وهم أولاء صادقون، متواضعون، لا يدّعون علما بما لا علم لهم به، لسان حالهم التمييز بين السَّفَه والرشاد ...
جوّ الرُّشد والرشاد هو جوّ هذه السورة ... ظلال وارفة من الحكمة تظلّل معانيها، وتُبرِز مراقيها ... الحكمة... وعلى ألسنة مَن ... ؟ على ألسنة مَن لا يروي عنهم الإنس غير روايات الشرّ والإيذاء والإضرار... نراهم في أجوائها أهلا لأن نتعلّم منهم، ونستقي من إيمانهم الإيمان ومن رشادهم الرشاد ...
فيا نفرَ الجنّ الرشيد ... لا ينقضي العَجب من هذا الكتاب !! تالله لا ينقضي وهو يهدي إلى الرُّشد ... يهدي إلى الحقّ في شأنكم وفي كل شأن ...!
ورغم إيمانهم واهتدائهم ونِشدانهم الرشاد في كل مرة، وتمييزهم بين حق وباطل، بل وقيامهم مقام الدعوة إلى الله، إلا أنهم من تواضعهم -والتواضع من سمات الراشدين- جمعوا أنفسهم مع مَن جمعوا ولم يكونوا حَكَما على قومهم من علُ .. ! فقالوا :
"وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَٰلِكَ  كُنَّا طَرَائِقَ قِدَدًا (11)"
من الجنّ صالحون ومنهم فاسقون، ومنهم كافرون ...ليسوا سواء... حالهم كحال الإنس... بمذاهب وطرائق مختلفة ... بل إننا بين يَدَي نفر منهم مصلحين وهم يقومون مقام الدعوة في قومهم ...
"وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا (12)"
وهذا يقينهم بعجزهم وقُدرة الله يتجسد مرة أخرى في قولهم باعتقادهم أنّ الله قادر عليهم، وأنهم لا يُعجِزونه، في دحض جديد لهرطقات الإنس وهم يصفونهم بما يُقارب القدرة المطلقة، وبما يجعل لهم سطوة ونفوذا وأمرا في مجرى الأقدار على الأرض، وهم يعوذون بهم ينشدون غيبا بين الغيوب، وعلما بمستقبل الأحداث  ...
 فالجِنّ أنفسُهم مَن يُعلِمنا عن حالهم، فهم الذين لن يُعجِزوا الله أينما كانوا لا في الأرض ولا هربا من الأرض ... محيط سبحانه بهم، قادر عليهم ... فأيّ كلام يُقال بعد هذا الذي ينقله إلينا ربّ العزّ سبحانه من قول المؤمنين الراشدين من الجِنّ عن الجِنّ ...!
ملتقانا مع تدبرات في الجن قادمة بإذن الله
(أسماء حازُرْلي)Asma Bent Abdelmadjid
"ا""" ا"""ا"""ا"""ا
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #347 في: 2026-04-06, 16:34:36 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

"وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا (13) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ  فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15)"
ويعلنونها للمرة الثانية، أنهم لما سمعوا القرآن اهتدوا...
كان ذلك في: " ...فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا(01)يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ  وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا(02)" ثم في هذه الآية : " وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ "
فأما المرة الأولى فقد وصفوه بـ : "قرآنا عجبا" وبــ : "يهدي إلى الرشد" وأما هذه المرة فقد وصفوه بقولهم : "الهدى" ...
فإذا تملّينا وتأمّلنا وجدنا أن الأجدر ببداية الدعوة وتعريف المدعوينّ بالموضوع أن يبدؤوا بوصف ما وجدوا في القرآن، وما ترك في نفوسهم لمّا استمعوا إليه، لأنهم بصدد نقل ما حدث معهم، فدعوتهم لقومهم ضمنيّة وليست مباشِرة ...
فكان وصفهم للقرآن بما انطبع في نفوسهم عند سماعه "عجبا"، وأنه الذي يهدي إلى الرُّشد ... ثم استطردوا في وصف رأس الرّشد، توحيد الله وعدم الإشراك به، واستغنائه عن الصاحبة والولد من عظمته وجلاله، ثم في وصف حالهم وحال الإنس معهم، حينما يبتعدون عن مَعين الهدى والرشاد، فهم الواقعون بشِراك الأباطيل والأضاليل والتقوّل على جلال الله، ثم في وصف حال السماء التي حُفظت بنزول القرآن من كل استراق للسمع، هنا عرفوا أنّ الأمر جَلل وأنه المنتهى...  وزادوا فوصفوا اختلافَهم طرائق ومذاهب، وأنهم غير معجزي الله أينما ذهبوا، اعترفوا بعجزهم وبالقدرة المطلقة لله تعالى  ...
هذا الاستطراد منهم الذي بيّن سوء حالهم وحال الإنس معهم وهم بعيدون عن الحق، وبيّن قدرة الله تعالى وعظمته وحِفظه لكتابه الخاتِم، وأنّه منتهى الحقّ والهُدى.كان أحرى بعد تلمُّسِهم  لكلّ هذه الحُجج البيّنات والدلائل الواضحات أن يُجدّدوا إعلانَهم الإيمان بالقرآن، واصفين إياه هذه المرة بـ "الهُدى"  ...كيف لا وهو الذي حمل إليهم كل تلك الهِدايات ... !
"وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ"  . وتجدر ملاحظة إيمانهم عن حجّة وتحرٍّ، لا عن اتباع أعمى كما وصفوا أول الأمر أنفسهم حينما كانوا يتّبعون الغاوين منهم عن حسن ظنّ فيهم لا عن تمحيص وبحث، كان ذلك في قولهم : " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا " .
في سورة الجنّ درسٌ عظيم عن خطورة الاتّباع لمجرّد حسن الظنّ فيمَن يدعو، لا عن بحث في مرجعيّته وأدلّته وحُجَجِه ... فيها بيان أنّ هذا القرآن جاء ليستنهض العقل، ويحثّه على العمل والتقصّي وعلى البحث والتأكّد ...
" فَمَن يُؤْمِن بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا"
إنه سبحانه الملجأ والمنجى، والملاذ والعِياذ ...
فأمّا مَن عاذ بغيره فما يزيده المستعاذُ به إلا رهقا، إلا ذُلا وضلالا ... أما من يؤمن بالله فإنه يأمَن ... وهكذا جاءت : "فلا يخاف" لتوحي أن الإيمان بالله أمان، ملجأ، حامٍ من الرَّهق والبخس ... والبخس هو نقص واقع من ظلم، فالمؤمن بالله لا يضيع له عند ربّه أجر ولا ثواب ... آمِنٌ هو من الذلّ ومن أن يلحقه ظلم ...عبدٌ لله وحده، آمِن في رحابه سبحانه ....
وأيّ فهم، وأيّ حكمة ... وأيّ رشاد قد حازه النّفر الرشيد ... !!
"وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ  فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا"
أخبرونا أنّ منهم المسلمون، ومنهم القاسطون، ولعلّهم أرادوا بالمسلمين أنفسَهم، وهم الدعاة للإسلام الحقّ من بعد ما سمعوا الهدى وآمنوا به، إلا أنّهم يتحرّون الحكمة والرشاد وهم يحدّثون بصيغة الجمع، بذلك هم يُشعِرون قومَهم أنّهم القريبون منهم المحبون لخيرهم...
وقد سبق وأن قالوا بأنّ منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، وأنهم كانوا طرائق قددا، أما الآن ... فالأمر قد اختلف ... أصبح وصفُهم موافقا لإيمانهم، إيمانهم الذي عرفوا به الإسلام ...
فمنهم المسلمون ومنهم القاسطون، والقاسط هو الظالم الجائر، بعكس المُقسط الذي هو العادل . وقد قابل الوصف بالظلم الوصف بالإسلام، إذ هو أعمّ من وصف الكافر، لأنّ من المسلمين ظالمين ... فهي إشارة قوية إلى كل ظالم أنّ ظلمَه لا يستقيم مع كونه مسلما ... وكأنّ الظالم ليس في عِداد المسلمين، بل هو إلى الكافرين أقرب ...!
وفي اختيار النّفر لألفاظه رَشد وحكمة ... فهم قد قابلوا : "الصالحون" بـ : "دون ذلك" تدليلا على أنّ الأمر ليس بين أبيض وأسود، بل إنّ الحال درجات، ولكلٍّ جزاء بحسب درجته ...
كما قابلوا الشرّ في : "أشرٌّ أريد بمن في الأرض"  بـالرشد في : " أم أراد بهم ربّهم رشدا" ... والرَّشَد أعمّ من الخير، فهو الحكمة، والحكمة خير كثير :  "...وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا..."-البقرة: من الآية269-
"فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَٰئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا"
المسلم هو صاحب الفِكر والنّظر والتروّي والتبصّر والحِكمة، مَن أسلم ليس إمّعة ولا منقادا عن عمى ولا منساقا خلف شطحات الهوى، بل هو المتعقّل، الذي يُعمِل عقلَه، والذي يُسلِم وقد تحرّى...والإسلام لا يضيق بالسؤال، والبحث والتحرّي، بل هو الذي يحثّ العقل على القيام بعمله، فليس فيه ما يُجافي العقلَ ويُعارضه، بل كلّ ما فيه يتنسّمه ويستسيغه، إلا مما هو خارج حدوده وفوق طاقته، من مثل الغيوب والمُعجزات التي اختُصّ بها الرُّسل .
وقد عرفنا من قبلُ كيف جعل الجنّ يسوقون الحُجج في إخبارهم عن حالهم وحال الإنس معهم ... كلّ ذلك كان لهم فيه  نظر وتبصّر أوصلهم للإيمان ...
ويُعيَّر المسلمون اليوم من أصحاب الهوى وأرباب الفساد في الأرض والفُحش والتبذّل  والتمسّح بمُسوح الغرب المتحرّر من الدين ومن الفضيلة بأنهم الرجعيّون المتخلّفون، المتقوقعون الذين يريدون بالحريّات قمعا، وبالمتحرّرين إلجاما وإرهابا... !
ويضيقُ الكثيرون من بني الإسلام بتعييرهم لا ضيقَ مَن يزيد استمساكا بعقيدته قائلا للمتبجّح المتجرّئ مُتْ بغيظك، بل ضيق الذي يتنصّل من أصله، ويقتفي خطوات المعيِّر ليكون وإيّاه في وَهْم التحرّر سواء، ولينعَم برضاه ...!
"وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا"
هو ذا مصير الظالمين أنفسَهم بالكفر، وهي ذي الإشارة إلى كل ظالم، كافرا كان أو مسلما، أنّ الظالم حطبٌ لجهنّم  ... عياذا بالله !
ثمّ تتقدّم بنا سورة الجنّ في تفصيل لحال مَن أسلم، ولكن هذه المرّة ليس على لسان الجنّ، بل من كلام ربّ العالمين الذي أوحاه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمَرَه أن يخبِر به الناس في مستهلّ السورة بقوله سبحانه : "قُلْ أوحِيَ إليّ ..." والعطف بحرف الواو يقوم في السورة مقامَيْن أوّلهما عطف قول الجنّ بعضه على بعض، والموحَى به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم إخبارا له بقولهم، وهو الذي عرفناه في الآيات السابقات، وثانيهما عطف كلام الله تعالى الموحَى به إليه صلى الله عليه وسلم، الموجَّه إليه مباشرة . بدءا من هذه الآية ننتقل من أقوال الجنّ إلى قول الله تعالى :
" وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا (16) لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (17)
الترابط ملازم، والآية السابقة وثيقة الصلة بهذه الآية، إذ كانت عن حال مَن أسلم، وأنه الذي تحرّى رشدا، وهنا مزيد تفصيل في شأنه ...
"وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا"
الإسلام... وإعلان الإسلام هو البداية وليس النهاية... وكثيرٌ من بني الإسلام اليوم تخلخلتْ في ذهنه المفاهيم ولم تعد راكزة...يرى أنّه المسلم وكفى، أنه المسلم وانتهى  ... حتى نرانا اليوم في حالٍ رُزء، لا تسرّ إلا عدوّا ...
نحسب أن الإسلام إعلان شهادة التوحيد وانتهى الأمر ... ننسى أو نتناسى في غمرة الدنيا وغمرة الانغماس فيها أنّ ذلك الإعلان بداية، وأنّ الإسلام على حقيقته طريق تُقطَع ... طريق تستغرق الحياة ....يعيش المسلم في الدنيا وهو يدندن بأنه المسلمُ، ويأبى أن يكيّف حياته على طريقة الإسلام، يختار ألف طريقة وطريقة، ويقطع طُرُقا شتى، ويتيه عن "الطريقة" الواحدة التي اتخذ لنفسه منها العنوان ...لا شيء غير العنوان  ... يتيه عن الطريقة، ثم يتيه مجدّدا وهو يبحث عن سرّ التأخّر والتقهقر والعناء والشقاء  ... ويطرق أسبابا وأسبابا، وما السبب إلا في الضلال عن الطريق، وفي التّيْه عن "الطريقة" ...!
لذلك فإنّ الكلمات -كعادتها في القرآن- قليلة، ولكنها بوزن ثقيل وبمدلول واسع ممتدّ : "استقاموا" . هم أولئك الذين أسلموا .... ولكنّ الحكمة كل الحكمة  في استقامتهم على ما اختاروا من طريق للحياة، استقامتهم على "الطريقة"... هكذا جاءت معرّفة بـ الألف واللام للتدليل على أنها هي الطريق، هي السبيل الموصِل، هي المبلّغة إلى الرُّشد...إلى خيرَي الدنيا والآخرة ...
الاستقامة ... هي امتحان المسلم في هذه الدنيا... أيستقيم ويثبت ولا يبدّل الطريق، أم يتزعزع، ويهتزّ، ويميل مع كل ريح ؟
أيعتزّ بإسلامه وإن سمّاه مَن سمّاه رجعيا متخلّفا ؟! أتستقيم أم تهتزّ وإن نعتها مَن نعتها بأنها المنغلقة، لا لشيء إلا لأنها التي تحافظ على حجابها، فهي المتعلمة، وهي المعلمة، وهي العالمة المستورة التي لا تخضع بقول، ولا تعرض نفسَها لمَن يهوى ويشتهي ... !
أتستقيم وتعتزّ بالطريقة، أم تترنّح وتهتزّ، وتخجل وهي بين المتحرّرات تلك المتزمّتة المنغلقة المُغيّبة عن دواعي العصر، وصيحات العصر، وجنون العصر...! أتهتزّ والمتحرّرة مُقدَّمة عليها في كل محفل، وفي كل موقع، وهي المؤخَّرَة لأنّها التي لن تكون عرضا بين العُروض المُربِحة ...!
أيستقيم على "الطريقة" أم ينساق خلف مَن يُفتي له بأنه العصر، وبأنه الذي يقتضي، فيرضى بالدنيّة في دينه ليحوز الدُّنيا ... يرضى بفتوى العصر وما يقتضي ويُسكّن آلامَ ضميره بمُسكّن المقتضيات والضرورات ... !! أتُراه يستقيم أم يهتزّ....؟!!  ذلك الابتلاء.... ذلك الابتلاء ...
عن سفيان بن عبد الله الثقفي رضي الله عنه قال: "قُلتُ: يا رَسولَ اللهِ، قُلْ لي في الإسْلامِ قَوْلًا لا أسْأَلُ عنْه أحَدًا بَعْدَكَ. قالَ: قُلْ: آمَنْتُ باللَّهِ، ثم اسْتَقِمْ." –صحيح مسلم-
"قل آمنت بالله ثم استقم" ...-
وهكذا ... قال النّفر من الجنّ  آمنّا، وقالوا منّا المسلمون ومنّا القاسطون ... وكذلك يقول كلّ مَن آمن، ... بها يضع قدمه على الطريق.... اختار الطريق والطريقة ... طريق حياته التي عليها يسير، لا أن يقول ويُعلن، ثم على طريق أخرى هو سائر ... فهو التائه الحائر، الذي لا يُفهَم من إسلامه إلا الإعلان ... أما البيان فما من بيان ... !
وهي ذي حالنا المُحيّرة التي يُشدَهُ منها كلُّ مَن يرى المسلمين وهو لا يرى الإسلام، يرى المعلنين، ولا يرى البيان ...
وإنّ تمام الحكمة، وتمام الرّشاد في الاستقامة والثبات على "الطريقة" ...
"وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا"
الماء الغدق الكثير الذي هو علامة الرّفاه والعيش الرغيد، الماء أساس الحياة، وأساس قيام الحضارات،  فمجيئ : "ماء غدقا" هنا تدلّل على الإنبات، والخضار والحياة، وتوصَف الدنيا بأنها الحلوة الخضِرة، استُعمِل في وصفها الخضار الذي هو من الماء كنايةً عن الحياة المرفَّهة  ...
صلة وطيدة وعلاقة وثيقة هي بين الاستقامة والاغديداق، بين الاستقامة والرّزق الوفير من الله تعالى، ولقد أسهبتُ في هذه العلاقة في تدبّراتٍ لي سابقة في سورة نوح، إذ جاء فيها قوله سبحانه: " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُم مِّدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا(12) "
عرضتُ لقول مَن يعترض على خصوصية العطايا الربانية للمؤمن دون غيره، على اعتبار أنّ الكافر أيضا مُرَفَّهٌ ومُترَفٌ عيشُه، وأنّ المسلمين اليوم هم الذين يكابدون شظف الحياة ... فالعودة لذلك الإسهاب حول الآية يُغني عن مزيد تفصيل هنا  ...
ولمن يريد العودة هذا رابط التفصيل، بدءا من الفقرة التي رأسُها : "ولقد تساءل أناس، منهم من سأل استفهاما، ومنهم من سأل إغراضا وتشكيكا..." :
https://www.facebook.com/asma.bentabdelmadjid/posts/2489030614555790
آيات عديدة في القرآن تعرِض العلاقة بين الاستقامة والرزق الوفير، تُبِين في كل مرة حقيقة هذا التلازم  .... وما حال المسلمين التي نعرفها اليوم، والتي تجعل المتسائلين المغرضين والمتسائلين المستفهمين في واد واحد إلا مِن غلبة العنوان فيهم على البيان... فهم قد قالوا وأعلنوا الطريقة، ولكنهم ما استقاموا عليها ... والاستقامة عليها تساوي الجهاد في سبيل بيان أنّها الطريقة الواحدة للأرض قاطبة، وأنها المناسبة لكل أهل الأرض ...ولكننا نعيش المداهنات، والاستسلامات والمساومات، والتنازلات في سبيل إرضاء مَن لا يرضون إلا أن تُتَّبع طريقتُهم ... : " وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ..." –البقرة: من الآية 120-
( أسماء حازُرْلي)Asma Bent Abdelmadjid
ونلتقي مع تدبرات جديدة مع سورة الجن بإذن الله
ا"""ا""" ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #348 في: 2026-04-06, 16:35:06 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

توقفنا عند قوله تعالى : "وَأَن لَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا"، وعَرَضنا لمراميها العميقة، ونكمل مع :
"لِّنَفْتِنَهُمْ فِيهِ  وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا"
إنّ ذلك الماء الغَدق الذي يُجازَى به المستقيمون على الطريقة ليس النهاية...!  ما تزال الطريق تُسلَك ما بقيت حياة ...
إنه فِتنة، ابتلاء، والحياة كلّها ابتلاء كما عرّفتْنا السُّوَرُ السابقة من هذا الجزء المبارَك  : "الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا  وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ" –الملك:02-   "إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ ..."-القلم: من الآية 17- . وهو القائل سبحانه أيضا : "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"-الأنبياء:35-
فلا تنفكّ الحياة ابتلاء حتى نلقى الله... هكذا... لأنّ الآخرة خيرٌ وأبقى ولأنّ جزاءَها هو المنتهى ... فالجزاء الدنيويّ بالماء الغَدق والعيش الرغيد لمَن استقام ابتلاءٌ من الله لعباده المؤمنين لأنه سبحانه يعلم تقلّب الإنسان، وسرعة تحوّله عند مسّ الخير، تلك جِبِلّة جُبِل عليها لا يتخلّص من إسارها إلا مَن اختار الطريقة، وعرف أنّه الابتلاء بالخير كما بالشرّ، وأنّ الوصول والقُرب يستدعي العُروج. ولقد عرفنا ذلك في سورة المعارج : " إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)....." إلى آخر الآيات الحاملة لعلاج الهلع ...
أما المُعرِض عن ذكر ربّه، الذي أبى أن يختار "الطريقة" بَلَهْ أن يستقيم عليها، فإنه :
"وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا" ...
وجاءت : "ذِكر" مناسِبة تمام المناسبة لمقام الابتلاء، لنفهم أنّ الخلاص والنجاة من الفتنة، والنجاح في الابتلاء يكون بالذّكر، لأنّ الانغماس في الدّنيا مُنسٍ، والذِّكْرُ منبِّهٌ موقظٌ ...
المُعرض عن الذّكر يسلكه ربُّه عذابا صعَدا أي عذابا شاقّا...
كما تحمل "صَعَدا"  أيضا معنى التصاعد، إذ ليس مظهر التنعُّم بدليل على السعادة والراحة، بل قد يكون الإنسان منعَّما في الدنيا وروحُه عطشى، وذلك لعَمْري العذابٌ، وأيّ عذاب ! ويصَّعَّد في العذاب وهو يلهث باحثا عن السعادة على الطريق ذاتها، طريق المظهر، بينما الجوهر خواء...! فيبقى ذلك السعيد المحسود من مظهرسعادته، المنكودة روحُه ...!
وليس بعيدا عنا انتحارُ مشاهير التمثيل والغناء والثراء في العالَم، والشباب يتقافز ليحظى من واحِدِهم بنظرة أو بكلمة، وهو يقتفي أثرَه، فلا يفوّت صيحة من صيحات لباسه أو تسريحات شعره، ويحلم لو أنّ الحظّ حالفَه كما حالف معبودَه ولو أنّه كان مكانَه ... ! ولكنّه في قرارة نفسه هو الغارق في لُجّ الأحزان والاضطرابات والهموم ... روحُه تستغيث ولا يعرف كيف ينقذها... !
وعلى هذا جاء سبحانه بـ : "يسلكه" (بمعنى الإدخال) للتدليل على تغلغل العذاب في أجزائه نقطة نقطة صُعُدا من درجة إلى درجة أعلى ... يُزاد على العذاب عذابا وهو لا يدري أنّ روحا بداخله تتلوّى وهي البعيدة السقيمة ...و لا يدري ألا راحة له ولا حياة لروحه إلا على الطريق الواحدة، "الطريقة" الواحدة ...! ويا ليتَه يدري ...! يظلّ على تلك الحال حتى تُقبَض روحُه فيجد نفسَه وقد عاش مُعرضا عن الحقّ مُقبلا على الباطل خاسرا كلّ الخَسار، وأنه إلى عذاب أكبر فأكبر قد صار ....! أجارنا الله وبصّرنا بالحق وثبتنا على الطريقة  ...
ويتوالى ذِكرُ ما أوحِي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما عرفنا من بداية السورة، ومع كلام الله تعالى نبقى وقد انتهى كلام الجنّ ...
"وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا (18) وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19) "
وبعدما عرفنا ما يلحق المعرضين عن ذكر الله تعالى من عذاب صَعَد، ينقلنا سبحانه إلى الحديث عن المساجد، وهي أمكنة الصلاة وذكر الله تعالى ...
المساجد لله، لا لأحد غيرِه...
وقد كانت قريش تعبد الأصنام في قلب المسجد الحرام، وكانت تمنع رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصلّي فيها، فأنزل الله مبيّنا أنها لله... وأستحضر هنا كيف أنّ الله تعالى أعطى نبيّه صلى الله عليه وسلم خمسا لم يعطِهُنّ نبيّا قبله، إذ نُصرَ بالرعب، وجُعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وأُحِلّت له الغنائم، وأعطي الشفاعة، وبُعث إلى الناس عامّة ... فبِبِعْثتِه صلى الله عليه وسلم جُعلت الأرض كلّها مسجدا، فأينما أدركَت المسلمَ الصلاةُ صلّى ... وهكذا نرى أنّ "المساجد" تعني فيما تعني الأرض كلها...!    كلها لله... كلها مُلكُه.... ولا يملك معه أحدٌ شيئا ...
"فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا"   ... إنها الدّعوة إلى التوحيد، إلى ألا يُشرَك بالله أحدٌ. والسورة عامِرة به من بداياتها، والجنّ قد أعلنوا أوّل ما أعلنوا لمّا هُدوا إلى الرُّشد التوحيدَ الخالص : "يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا " ... الجنّ الذين عبَدَهُم العرب فيمَا عبدوا، يعلنون التوحيد والبراءة من الشرك وأنهم عبادٌ لله المعبود وحده سبحانه... "وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (40) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم  بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ  أَكْثَرُهُم بِهِم مُّؤْمِنُونَ (41) " -سبأ-
كما يجدر بي ذكرُ ما هو عليه حال الكثير من المسلمين اليوم، وهم يتخذون من قبور بعض مَن يصفونهم بالصلاح مزارات، ويقيمون عليها المساجد، فلا تعود تَميزُ بين قداسة المسجد عندهم وقداسة قبر ذلك العبد الصالح !! أيدْعون الله داخل ذلك المسجد أم يدعون ذلك العبد الذي جعلوا زيارتَه للتبرّك بصلاحه وهو المقبور، ولقضاء حاجياتهم وهو المقبور، وللتقرّب به لله وهو المقبور الذي لا حول له ولا قوّة، ولا نصير له من دون الله، مثلُه مثل كل عبد من عباد الله ! فأيّ فرق هو بين شِرك المشركين قديما وشِرك كثير من المسلمين حديثا ؟!!   ولقد قالها المشركون كما يقولها مقدّس قبور الصالحين اليوم، (الأولياء الصالحون) كما يسمّونهم :" أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ ۚ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ" -الزمر:03-
يأتي ها هنا الأمر بدعوة الله وحده، وألا يُدعى معه غيرُه ... فكما أعلن النّفر الرشيد من الجنّ أنهم لله عباد، فهذه مقدّمة لبني الإنسان أنهم كذلك عِبادٌ له ... كلٌّ له عبدٌ ...
"وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا (19)"
لمّا قام عبد الله محمد صلى الله عليه وسلم يدعوه وحده -كما جاء في الآية السابقة-  كاد المشركون يكونون عليه لِبدا، من التلبّد الذي يصوّر تجمُّعَهم حوله بكثرة، لا كثرة استماع لما يبلّغهم، واسترشاد ومعرفة الرُّشد الذي في القرآن، بل كثرة استهزاء وتصدٍّ وكفر...!
وصورتان تتمثّلان لنا في هذه السورة، صورة نفر من الجنّ(ما لا يجاوز العشرة) رشيدٌ، عرف الرُّشد فآمن به وأعلن التوحيد والبراءة من الشرك، وصورةُ كثرةٍ كاثرة من المشركين وهم يحيطون به صلى الله عليه وسلم يحسبون أنّهم مُبلغوه اليأس من هذه الدعوة وهم الكثرة الغالبة، بينما هو ومن تبعه القلّة....
وباجتماع الصورتَيْن نتبيّن ثقل القلّة الرشيدة... وأنّ الحكمة ليست بالعدد بل بثقل الإيمان في القلوب، وأنّ الكثرة السفيهة عند الله كلا شيء ...! وعلى هذا كان استماع الجنّ للقرآن وإيمانُهم به، وتصديقهم بالرسول، في الوقت الذي كان فيه المشركون حول رسول الله صلى الله عليه وسلم الكثرة المتصدّية المتصدّرة لمحاربته ومحاربة دعوته، وعرفنا ذلك في سورة المعارج : "فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ(36)"
ولنتأمّل وصف الله سبحانه لنبيّه بـ : "عبد الله" لنستشعر في أجواء هذه السورة كيف أنّ الكلَّ عبدٌ لله، جِنّا وإنسا، وسيّد الإنس والجنّ "محمّد" له عبدٌ، بَلَهْ مَن هو دونه ... وكُلُّهم دونَه صلى الله عليه وسلم ...!
وفي تسلسل وتناسق واتّساق يأتي الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد ما جاء ذكرُه بـ : "عبد الله" ...وأنه الذي قام يعبد ربّه ...
"قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (21) قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا (22) إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ  وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا (23) "
"إنما" ...أداة حصر وقصر...
يدعو ربّه وحده، ولا يدعو غيرَه، ولا يشرك به أحدا، فهو بعد القيام داعيا أي عابدا لله، هو ذا يُؤكّد لهم ويُعلن أنه يدعو ربّه وحده ... في ذكر آخر للتوحيد في هذه السورة، وقد اجتمع فيها : " يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا".  و : "وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا" . ثم هذه التي هي من تلقين الله لنبيّه : " قُلْ إِنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا ".
وهي شبيهة بما أعلن الجنُّ أوَّلَ السورة، ليجتمع فيها توحيد الله من الفئتَيْن، وليتبيّن أنّ الإنسَ والجنّ لله عبادٌ... وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بُعِث للفريقَيْن...
"قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا" ... لا يملك لأحد من الناس ضرّا ولا رشدا، تبرؤه صلى الله عليه وسلم من أن يكون بيده نفع أو ضرّ، وبأنّ ذلك لله وحده ... فــ : "عبد الله" التي عرفنا في الآية السابقة، يأتي تفصيلها هنا، لتُعلََم حُدُودُ النبيّ صلى الله عليه وسلم، ودورُه... ولقد جاءت : "ضرّا" تقابلها "رشدا" في ورود للرُّشد في هذه السورة مُلاحَظ، سورة حوتْ إعلان رأس الرُّشْد من الفريقَيْن إنسا وجنّا، أنّ الله وحده الحقيق بالعبادة، وأنّ الكُلَّ له عبدٌ ... والضرّ يقابله النفع، وجاء الرشد مكانه وهو أوسع من النفع . كما سبق وعرفنا أنّ المقابلات في هذه السورة جاءت على هذا النَّسَق ..
ويزيد فيلقّنه ربّه سبحانه  :" قُلْ إِنِّي لَن يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا" ...  لن ينجيه من الله أحدٌ ولن يجد من دونه ملجأ وملاذا إن هو تولّى غيرَه كما يُملي عليه المشركون أن يفعل، وهي أيضا شبيهة بما أعلنه النّفر من أنّهم لن يُعجِزوا الله في الأرض، ولن يعجزوه هربا ....
ويزيد الله في بيان حدود الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّه العبدُ المطيع لأمر ربّه، حتى لا يلتبس على الناس أمرُه، فيعبدوه كما عبد مَن قبلهم عيسى عليه السالم وقالوا أنه إله ...وحتى تخلُص الدعوة له وحدَه سبحانه :
" إِلَّا بَلَاغًا مِّنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " ... تلك هي حدوده، وذلك هو دورُه صلى الله عليه وسلم، وهو العبد المطيع لأمر ربِّه... تبليغ أمر الله، وتبليغ رسالاته ... الأمر كلّه لله، وهو المبلّغ عنه .لا يملك أن يضرّ ولا أن ينفع، ما يملك إلا أن يبلّغ كما أمِر صلى الله عليه وسلم.
" وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " .
وهذا الرّسول المبلّغ عن ربّه، جاء من الله تعالى تقرير أنّ من يعصِه فإنّ له نار جهنّم. معصية الله ومعصية الرسول من أسباب الإرداء في جهنّم عياذا بالله . وإنّنا نعيش عصرا يُلبّسون فيه على الناس دينَهم، فيضربون سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطّة تَسَلُّلٍ إلى العقول المسلمة من خلال السنّة، حتى لا يبدهوا المسلمين بضرب القرآن، لأنّ ضربَهم  للقرآن يجعلهم يتفطّنون لما يريدون من جعل المسلمين في دينهم على حرف، وهم إذ يضربون السنّة يضربون الدين كُلَّه، والبُلَّهُ من المسلمين الذين لا يعرفون عن الدين إلا العنوان يصدّقون، ويتّبعون عن عمى، فيشكّون ويذهبون المذاهب في الطعن والتَشَكُّك... حتى صرنا نسمع عن شباب يخرج من الدين جُملة، فيُلحِد بدعوى التحرّر من الموروث  ... !
وهكذا في الآيات السابقة عرفنا حدودَ الرسول صلى الله عليه وسلم، وأنّ ما عليه هو التبليغ، ولا ينفي كونَه مبلِّغا وجوب طاعتِه فيما يأمر به، والله سبحانه إذ يذكر عاقبة العاصي يقرنُ بين معصيته سبحانه ومعصية الرسول صلى الله عليه وسلم في بيان لوجوب طاعة أمره مع أمر الله تعالى...
ونواصل مع جزء متبقِّ من تدبرات في سورة الجنّ بإذن الله
أسماء حازُرْلي(Asma Bent Abdelmadjid)
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #349 في: 2026-04-06, 16:35:44 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

أما الآن فينقلنا سبحانه نقلة أخرى، من الداعية إلى المدعوّين، من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قومه، وينسحب ما يُذكَر عنهم على كلّ كافر وعلى كل مُعرِض عن الحق في كل زمان :
"حَتَّىٰ إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرًا وَأَقَلُّ عَدَدًا (24) "
حتّى إذا رأى الكفّار ما يوعَدون على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم تبليغا عن ربّه سبحانه، ورسالاته التي تحمل النبأ اليقين بالوعد والوعيد، تبشيرا وإنذارا كما هو دور رسول الله صلى الله عليه وسلم، تبشير المؤمنين بالفوز وبالجنّة، وإنذار الكافرين مغبّة معصيتهم لله ولرسوله(كما جاء في الآية السابقة) عذاب جهنّم خالدين فيه أبدا ... يظلّون على تكذيبهم وكُفرِهم ومعصيتهم لله ولرسوله حتى يُفاجؤوا بأنفسهم في قلب يوم عظيم  قياما بين يَدَي ربّ العالمين يرون بأعينهم ما به كانوا يكذّبون من وعيد على معصيتهم أمرَ الله ورسوله !
في ذلك اليوم سيعلمون مَن أضعفُ ناصرا وأقلّ عددا... لأنّ الظالمين في كل زمان أصحاب أموال وحاشية وخَدَم وحَشَم، لا يرتضون عن تأليه أهوائهم وغايات إفسادهم في الأرض بديلا ... عرفناهم في ذلك العُتُلّ الزّنيم المعتدي الأثيم وهو يتقوّل على الله وعلى آياته بأنها أساطير الأوّلين مُعتدّا بماله وببنيه، متعوّدا على كثرة المطيعين له مِن حوله  ...
وقد كانوا يقولون متفاخرين: "وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ"-سبأ:35-. مُعتَدّون بمَن ينصُرُهم مِن خَدمة لهم يأتمرون بأمرهم لأنّهم يدفعون لهم لقاء ما يقضون لهم من مآرب، لا يهمّ في أيّ خانة تُصنَّف مآربُهم، كل ما يهمّ أن يُدفَع لهم مقابل قضائها ...! كما كانوا يستنصرون آلهتهم ويتوسّلون بها، فسيعلمون اليوم مَن أضعف ناصرا، هُم أم المستمسكون بالإله الواحد الأحد ملك يوم الدنيا وملك يوم الدّين ...
سيرى هؤلاء العُصاة المُطاعون من عُبّاد المادة مَن أضعف ناصرا في ذلك اليوم العظيم .... حينما يُلقَون في قعر جهنّم وهي تدعوهم، فما لهم من حميم ولا شفيع يُطاع، كما عرفنا ذلك قريبا في السورة السابقة : " يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (😎 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا(10)يُبَصَّرُونَهُمْ  يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) كَلَّا  إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ (18)" -المعارج-
في ذلك اليوم ما من ناصر من دون الله تعالى ...
ولنتأمّل في هذه السورة توالي ذِكر النّصر والإجارة والإعاذة ...
1-)فالجنّ أعلنوا بدايةً أن رجالا من الإنس كانوا "يعوذون" برجال من الجنّ، فما زادوهم إلا ذُلا وضلالا، ولكنّهم لما آمنوا أعلنوا يقينهم أنّ مَن يؤمن بربّه لا يخاف بخسا ولا رَهَقا، أي أنّه سُبحانه العِياذ والملاذ.
2-) ثمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يُعلن أنه لن يُجيرَه من الله أحدٌ ولن يجد من دونه ملتحدا، فهو سبحانه المُجير وهو الملجأ.
3-)ثمّ ها هنا يبيّن سبحانه أنّ الكافرين المعتدّين بالناصرين سيَرَوْن من أضعف ناصرا يوم لا ناصر غيرُ الله ...!
فهذا من جوّ السورة ... وهو ما يناسب تصحيح ما تَكَرَّسَ من مغلوط المفاهيم أنّ الجِنّ ينصرون، وأنّ لهم القوّة والعُدّة اللازمة للنصر، حتّى بلَغَ بالناس أنْ عبدوهم ... ونعرف اليوم مَن يذكر من مناقب فُلان العرّاف حتى لكأنّه صاحبُ الخوارق الذي يستحقّ أن يُعبَد ... !
في ذلك اليوم العظيم ... سيَرى كلّ مستجير بغير الله، وكلّ مستعيذ بغير الله، وكلّ مستنصر غير الله مَن أضعف ناصرا ...!
وكذلك -وكحال القرآن حمّال أوجُه- تحتمل الآية أيضا النصر الذي وُعِدَهُ المؤمنون في الدنيا والهزيمة التي تنتظر الكافرين على أيديهم  ...وقد تحقّق ذلك في لقاءات عديدة بالمشركين في غزوات وحروب كان النصر فيها من الله لعباده المؤمنين ...ولقد توعّد الله الكافرين الوعيدَيْن : "أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ(44) سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ(45) بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ(46)"-القمر-
وسيعلمون مَن أقلّ عددا ... وهم يعتدون في الدنيا بالعدد ... في ذلك اليوم حينما يرون ما يوعَدون بأعينهم سيعلمون أنّ العدَد الذي لا يعرف الوصول إلى ربّ العزّة هو كلا شيء ...
كذلك عرفنا الكافرين حولَ نوح عليه السلام وهُم عُتاة مستكبرون، يكاد يكون بينهم الوحيد الموحِّد، وهُم عبَدَة الآلهة المتعدّدة، نزل بهم عذاب الله فهلكوا كأن لم يكونوا ...
كما عرفنا الكافرين حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمن البعثة وكما نعرفهم في كل زمَان: "وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا" . "لِبَدا" من كثرة عددهم ... ! كانوا يرون في عددهم القوّة، وأشباهُهم وأمثالهم اليوم يرون في عددهم القوّة، وفي قلّة عدد أتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم الضعف .... حتى هُم أولاء وهم يرون ما يوعَدون ... يعلمون مَن أقلّ عددا ... الأقلّ عددا هو مَن كان على كثرة أتباعه من الغاوين...يُعرض عن ربّه، ويعصي أمرَه، ويعصي أمرَ رسوله صلى الله عليه وسلم.  والجِنّ الذين نقل الله عنهم مقالاتِهم كانوا نَفَرا ... ولكنّهم كانوا قوّة ورَشَدا وفِكرا ونظرا وحكمة ... كانوا ذاك النّفَر الرشيد الذي رأينا أنفسنا بين يَدَيه متعلّمين ...
ويستمرّ تلقين الله لعبده صلى الله عليه وسلم، الذي بيّن عبوديّته لله تعالى، وحدودَه، ودورَه :
"قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا (25) عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
هذه المرّة عن موعد الساعة، وفي الآية السابقة جاء ذكر ما يوعدون من ناحية معاينتهم لها عند حلولها، والآن يأتي الجواب عن موعدها، وقد كان دَيْدَن الكافرين السؤال عنه:" قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ مَّا تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَدًا"
و إنّ من أدوار "إنْ" النّفي، فجاءت هنا تحمل معنى "ما" النافية، أي "ما أدري أقريب ما توعَدون..." .  لا يدري صلى الله عليه وسلم أقريب هو موعد الساعة أم بعيد، أم يجعل له الله أمَدا أي مُدة ...
وفي نَفْيه لعلمه بموعد الساعة مزيدُ بيان لحدوده صلى الله عليه وسلم، يقابله مزيد بيان لاختصاص الله تعالى بهذه الشؤون، كما سبق وأن أعلن أنّ الضرّ والنفع بيده سبحانه وحده، وأن الإجارة والنصر لا يكونان إلا منه سبحانه، كذلك فعلم الساعة له وحده ...
ثم نُساق سَوقا من موعد الساعة وهو غيبٌ كما هي غيبٌ، إلى الغيب عموما في تلقينه سبحانه لعبده ونبيّه صلى الله عليه وسلم :  " عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) " . سبحانه عالِم الغيب، وليس علمه لأحدٍ غيره، ولا يُظهر على غيبه أحدا من عباده ...
لم يُطلع على غيبه الجنّ، لم يكن لهم من علم بالغيب فيُعلموه الناس، كما ادّعى ويدّعي الإنس إلى يومنا، نعرف ذلك فيما يفتريه الكَهَنة والمنجّمون من الأكاذيب، وهُم يزعمون علما بالمستقبل وبالقادم من الأحداث اتكاء على الجنّ الذين يأتونهم بالأخبار ... في سورة الجنّ نفيٌ وقطع بشأن الغيب، وأنه خاصٌّ بالله تعالى، ولا يُطلع عليه أحدا من عباده لا من الإنس ولا من الجنّ ...  وقد تبرّأ الجنّ من كل حول لهم ومن كل قوة...
عرفنا ذلك منهم وهم :
1-) يصرّحون بجهلهم في قولهم : "وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن تَقُولَ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا"
2-)وعرفناه منهم مرة أخرى في  : "وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا" .
3-)وأيضا وهم يُقرّون بأنهم لا يُعجِزون الله : " وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَبًا"
كما قد جاء نفيٌ صريح لعلم الجنّ بالغيب في قوله تعالى : "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ  فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ"-سبأ:14-
ففي سورة الجنّ –كما أسلفنا- تصحيح وتقويم لمفاهيم مغلوطة تكرّست في أذهان الناس، واستشرتْ في حياتهم، وهي ذات تأثير كبير على العقيدة، إذ ينسبون ما هو خاصّ بالله وحده من قدرة مطلقة وعلم تامّ محيط، وتدبير وفِعل وإرادة لغيره ...
ولكن لا يتمّ المعنى حتى نكمل مع الآية الموالية التي جاء فيها الاستثناء :
"إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
شيء من الغيب يُعلِم به الله تعالى عبادا له، هم رُسُله سبحانه الذين ارتضاهم ، بينما هناك غيبٌ لا يُحيط به حتى رُسُله...
فقد كان عيسى عليه السلام ينبئ قومَه بما يأكلون وبما يدّخرون في بيوتهم، وقد أوّل يوسف رؤيا الملِك، ورؤى صاحِبَيه في السجن .... كما أعرِج برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماوات السبع، فرأى من الغيب ما أراه ربُّه سبحانه ...
وهؤلاء الرُّسُل أنفسُهم يعزون العلم لله لا لأنفسهم، فكان عيسى عليه السلام يدعو قومَه بمعجزاتٍ أوتِيَها وهو يُردِفَها بـ : "بإذن الله"   :  " وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ  أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ  وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِ اللَّهِ  وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ  إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ"-آل عمران:49-
ويوسف كذلك يشكر ربّه على ما آتاه من فضله فيقول : "رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ  فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ  تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ" –يوسف:101-
ويخبرنا سبحانه بعَطيّته لنبيّه صلى الله عليه وسلم في قوله : " سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ" -الإسراء:01-
هو سبحانه عالم الغيب والشهادة، هو المحيط علما بالغيب، بل بالغيوب كلّها . علام الغيوب. ولقد كان الوَحيُ غيبا حتى أطلع عليه اللهُ مَن آتاهم الكتُب من رُسُلِه. فكان "القرآن" غيبا من الغيب حتى نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
"إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" ... يسلُك أي يُدخل سبحانه من بين يَدَي الرسول ومن خلفه رصدا قائما على حِراسة الوحي حتى يبلغ الرسول، يحرسه من كل مترصّد، رصدٌ من الله...ملائكته سبحانه هي الرًّصد، هي حارسة الوحي ... جبريل الذي وصفه الله سبحانه بقوله : " إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ(19) ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ(20) مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ(21)"-التكوير-
من أمين السماء إلى أمين الأرض محمد صلى الله عليه وسلم الذي وصفه ربّه سبحانه ووصف معه القرآن بقوله: "إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ  وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ  قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)" -الحاقة-
وهكذا ... عرفنا الرّصَد مرتين في هذه السورة... الرَّصد الحارس لخبر السماء، فما شاء الله أن يُبلِغَه منه أهلَ الأرض أبلغه، وما لم يشأ لم يَبْلُغْهُم.
الوحي ... القرآن ... كلام الله تعالى الذي بُدئ حفظُه من السماء، إذ حَفَظَ الله خبرَها من استراق المسترقين : "وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ  فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا" ... " شِهَابًا رَّصَدًا " مترصّد لكل محاول من الجنّ.... حتى عرفناهم يرسلون رسُلَهم في الآفاق بحثا عن سبب منعهم من الاستماع ...  إنما كان ذلك حفظا للقرآن العظيم ...
ثم حفظه الله تعالى في رحلة نزوله إلى الأرض : "إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27)" وصولا إلى الأمين صلى الله عليه وسلم الذي تولّى حفظَه بتبليغه كما أنزِل عليه، لا يُنقص منه حرفا ولا يزيد :
"لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"
ليعلم الله تعالى، وهو العليم سبحانه بما كان وبما هو كائن، وبما سيكون، ولكن جاءت : "ليعلم" وهي تعني حصول علم المشاهدة من بعد أن كان غيبا... ليتحقق تبليغ الرُّسُل  للرسالة كما هي، ليتحقق تبليغ الرسول صلى الله عليه وسلم للقرآن كما هو .... لا من حيث أنّه الذي قد يبدّل فيه هو صلى الله عليه وسلم فسُلك الرصَد منعا لفعل له هو فيه، بل لأنّ الله سبحانه وقد حفظه بدءا من السماء بالرّصَد الحارسين، تبليغا إلى الأرض بالرّصَد الحارسين من بين يدي الرسول ومِن خلفه  فإنّه حتما سيبلّغُه محفوظا لم يطرأ عليه شيء من تغيير أو تبديل وهو في رحلته من السماء إلى الأرض ...  "ليعلم "   اللام لام التعليل... فقد سلك سبحانه الرّصَدَ ليعلم أنْ قد أبلغ الرُّسُل الرسالة ...أي ليتحقّق تبليغهم للوَحي وقد حُفِظ ...
"وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا"
أحاط بما لدى الرُّسُل وأحصى كل شيء عددا، لا يغيب عليه سبحانه شيءٌ دَقَّ أو جَلَّ، بل إنه سبحانه الذي يعدّ الدقيق منه والجليل عدّا...!
وهكذا تنتهي سورة الجنّ... وهي على مدارها وعلى مدى آياتها، جاءت تصحّح المفاهيم المغلوطة الخطيرة المتكرّسة في الأذهان، والمعشّشة في المجتمعات في كلّ زمان، فإذا أنتَ سألتَ أحدَهم -وهو الذي يصدّق بها، وتنطلي عليه أكاذيبها- إن كان المُوحّد لله، انتفض وزمجَر، وتعجّب وغضب وهو يجيبك : "وكيف لا ؟ ! أيّ سؤال هذا الذي تسألُنيه ؟!" ...
ومَن يَستعصِ عليه أمرٌ فيشيرعليه مشير أن يؤمّ العرّاف والمسهّل ليقضيه له ...يفعل ولا يتأخّر...وإن أنكرتَ عليه، وأخبرتَه أنه لا يجوز، وأن الله هو المدبّر وهو الذي يُسأَل وهو علام الغيوب، وهو القاضي بأمره في عباده بما يشاء، وأنّ الذّهابَ إلى أمثاله طَرْقُ بابٍ للشِّرك، أجابك بأنّما هي منه نيّة وتسبّب، والأحرى ألا نُعقّد الأمور وألا نذهب مذهب العقيدة والحديث عن العقيدة، فإنما ذلك منكَ مبالغة وإفسادٌ للنوايا، وأنّ فعلَه ليس مما يمسّ بالعقيدة... !!
هكذا هُم يسوّغون اللجوء لغير الله، والاستجارة بغيره، وسؤالَ غيرِه في قضاء ما يُستعصى ! هكذا يبسّطون القضيّة ويُبعدونها عن حقيقتها وجَوْهَرِها، ويجعلون من العقيدة شيئا لا متعلّق له في الحياة وفي حركة الحياة، وإنما هي أمرُ القلب ولا يُشترط لصَونِها والحفاظ عليها أن نُقحِم الحياة وحركتها في مدلولها وفعلها، كأنها اعتقاد وكفى ولا فِعل لها، ولا أثر ولا عمل ... !
هكذا هو فصل العقيدة عن الحياة وعن حركتها، هكذا هو فصل الدين عن الحياة، عَلمَانيّة هي بوجه من الوجوه ... !
سورة الجنّ من بدايتها إلى نهايتها هي إعلان من الفريقَين، من الإنس والجنّ على السواء للتوحيد الخالص الذي لا يستقيم بمجرّد الشهادة اللفظيّة أنّ لا إله إلا الله . بل بمقتضيات اليقين بأنّ في كَنَفِهِ سبحانه وحدَه الأمان من البخس ومن الرَّهَق، وأنّ اللجوء إلى غيره ذلّ وضلال، وبأنّ طلاقة القدرة له وحده، وأنّ تمام العلم له وحده، وأنّه لا يُعجِزُه شيءٌ في الأرض ولا في غير الأرض ... وأنّ الأرضَ كلّها قبضتُه سبحانه، فعّال فيها وفي خَلقِه ما يريد، وأنّه لا يكون إلا ما يريد ...فالضرّ منه متى أراد وكيفما أراد، والرَّشَد منه متى أراد وكيفما أراد...
سورة الجنّ بيانٌ وتقرير ناصع ساطع صادع عن وحدة مصدر القرآن العظيم، وأنّه من عند الله الكتاب المحفوظ من كلّ تشويه أو تبديل أو تعرُّض له بعارض أو بخَلْط...
أنه الكتاب الذي حُفِظت لأجله السماء من كلّ استراق فتُرُصِّد لكل مُسترق لخبرها، وحُفِظ وهو النازل منها إلى الأرض، مرفوقا برَصَد من بين يدَي الرّسول ومن خلفِه حتى يبلُغَه كما هو من عند ربّه، فيبلّغه كما هو من عند ربّه...
فبشهادة وإعلان وتقرير بألسنة الجنّ، يذهب ما انغرس من اعتقاد بقوة فيهم  خاصّة تجعل منهم الكائنات التي تعلم غيبا، وتتسلّط، وتسطو، وتفعل في الأرض وفي أهل الأرض ...
سورة الجنّ إعلان الفريقَيْن إنسا وجِنّا أنّ التوحيد الخالص يعني براءة كل مخلوق من كل حول وقوّة، وأنه سبحانه وحده الملاذ والعِياذ والملجأ والمنجى، والمجير والنصير، والضارّ والنافع، وأنّه سبحانه حافظ كتابه، ومبلّغُه عباده، حفظا من السماء إلى ما بين السماء والأرض، بلوغا به إلى الأرض ...  ثم حفظا في الأرض من كلّ تبديل أو تحريف أو خلط أو افتراء ... فهو المحيط علما المُحصي لكل شيء عددا ...
سورة الجنّ جاءت تبيّن اختصاص رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعثته للعالَمين رحمة وهداية، فهو للجنّ رسول، كما هو للإنس رسول.
سورة الجنّ جاءت تبيّن مسيرة الحفظ الربانية للكتاب الخاتِم البالغ الجِنّ والإنس ...فهُمْ كلُّهم لله عبدٌ ...
جاءت تُذهب الاعتقاد الفاسد السائد بأنّ الجِنّ أهل الإضرار والإفساد والشرّ والإهلاك ... حتى نحن أولاء بين يدَي النّفر الرشيد منهم تلاميذ متعلّمون ...!
فياللرَّشَد الذي فيها...
وياللعباد حينما يتبيّنون طريق الرّشاد ...!!
ويا للعباد حينما لا يشركون بالله أحدا، فلا يستجيرون بغيره، ولا يسألون غيرَه، ولا يستنصرون غيرَه، ولا يعوذون بغيره ...!
وياللعباد حينما يستقيمون على الطريقة ...!
وتنتهي تدبراتي في سورة الجن بفضل من الله ومنّة، ولقاؤنا قريبا بإذن الله مع سورة المزمّل
(أسماء حازُرْلي)Asma Bent Abdelmadjid
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا""ا"""ا
#سورة_الجن
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #350 في: 2026-04-06, 16:42:59 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

فلنشنّف الآذان ومعها القلوب ....
"يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1)قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا (2)نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا(4) "
مع أواخر سورة الجنّ عرفنا قوله سبحانه : " عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا(26)إِلاَّ مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا(27)لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا(28) "
فعرفنا حِفظ الله لكتابه وهو يُنْزَلُ على نبيّه، ليبلغه كما هو، وليُبلِّغَه كما نزل، فنجدنا بعدها مباشرة مع نداء الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم، وأمرَه له مع بدايات نزول الوَحْي، في إتمامٍ لمراحل إبلاغ القرآن الكريم، بدءا من حفظ السماء في زمن نزوله كما عرفنا في سورة الجنّ، ثم بحفظه وهو ينزل على الرسول صلى الله عليه وسلم محفوفا بالرّصَد والحرَس... ثم ها نحن بين يدَي نزوله جديدا على رسول الله ... ها هو الرسول صلى الله عليه وسلم وربُّهُ يُعلّمُه ويبيّن له ما يكون له زادا وعُدّة على الطريق الصّعب الذي اختير له، والمسؤوليّة العُظمى التي ألقِيت عليه ...
إنه سبحانه ينادي صَفِيَّهُ صلى الله عليه وسلم، فيصِفُه بـ: "المزمّل"، والمزمّل هو المتلفّف في ثيابه...
إنه التلطّف الإلهيّ بالنبيّ صلى الله عليه وسلم الذي تلفّف في ثيابه مِن وَقْع ما حلّ به، وقد نزل به ما لم ينزل ببشر...
هو البشر الذي حُمِّل ما لم يُحمَّلْه بشر ... لحم ودمٌ وعظام هو جِسْمُه الشريف، أثقلها ما نزل عليه، حتى تهاوتْ وتشعّثَت فتزمّلت عساها تُلَمْلَمُ ...!
نفسٌ شفيفة وقلبٌ رقيق، وروحٌ متشوّفة لأصلها وسِرِّها، ومشاعرٌ ووجدانٌ أثقلها كلّها ما نزل على قلبه فتزمّل... تزمّل وهو المُثقَل المُحمَّل، يبحث لكيانه عمّا يجمعه عليه ...!
واللّغة بدورِها تؤيّد هَرَعَهُ صلى الله عليه وسلم للتزمّل من وطأة ما ألقِي إليه. وفي "التزمّل" معنيان لُغويّان يتظافران في وصف الداعي لتزمّله، إذ "الزِّمْل" في اللغة هو الحِمْل، وزمَلَ الحِمْلَ حَمَله، و"التزمّل" هو التلفّف في الثياب، فيجوز أن نفهم أنّه صلى الله عليه وسلم تلفّف في ثيابه من ثقل ما أُلقِي عليه ... وفي قادم الآيات مزيدُ تأكيد لهذا المعنى ...
يأمره سبحانه بقوله: " قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا (2)نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا(4) "
يأمره بقيام الليل في بدايات نزول الوَحي...
أن يقوم لله متعبّدا، متّصلا به سبحانه... أن يستزيد في هَدْأَة الليل لما ينتظره من عظيم المسؤوليّة في صناعة الإنسان في كلّ مكان، لا في مكة وحدَها، ولا في الجزيرة العربية وحدَها ...
إنها الاستزادة للأرض قاطبة، لكُلّ الناس في كلّ زمان هم كائنون، وفي كل مكان هم حالّون ... ليُعيدنا هذا المعنى إلى سورة الجنّ التي جاء فيها إعلان الجنّ إيمانهم بالقرآن، وتوحيدهم الله كأحسن ما يؤمن مؤمن وما يوحِّدُ مُوَحِّد في إعلان لشمول الرسالة الخاتِمة لكل العوالِم، لا لقومٍ دون قوم، ولا لجنس دون جنس.... لا للإنس وحدَهم، بل للجنّ والإنس سواء...  للعالَم المُشاهَد، وللعالم المَغيب ... جاءت تُدلّل على بعث الرسول صلى الله عليه وسلم رحمة وهداية للعالمين ...
وبهذا نستشعر شيئا من ثقل هذه المسؤولية العظيمة الجليلة الممتدة في المكان كما في الزّمان...  رسالة للعالَمين، رسالة خاتِمة، ونبيٌّ خاتِم، فلا رسالة بعدها، ولا كتاب بعد القرآن، ولا نبيّ بعد محمد ...!
للاستزادة لكلّ هذا، أمَرَهُ ربُّه سبحانه بالقيام.... !
أمرَه أن يأخذ بحظٍّ وافِرٍ من اللّيل ليَعُبّ من أنوار ربّه... أن يقوم اللّيل ليقوم بما حُمِّل، وليُقيم الدّينَ في الأرض ... ليصنع الإنسان، وليُعيده إلى الجادّة من بعد ما ضلّ طريقَه، وتاهَ عن "الطريقة"، ليعيد للرّوح كلمةَ سِرّها فتُفتَح مغاليقُها، وتتفتّح بَتَلاتُ زهرتِها، وتتنفّس الصُّعَداء، ولتتألّق، ولتذهب عنها سَكْرَة التّيه ...!
في جُنَح الليل، وفي سكونه، والسماء مُسدِلةٌ على الأرض ستارَها تُهدهِدها لتَسْكُن وترتاح، وبينما الناس نِيام ليأخذوا من الراحة ما يُذهِب عنهم عناء يوم مضى، وما يستقبلون به حركة يوم آت ... في ذلك الوقت الشفيف الرّفيف ، الساكن الهادئ ...  قُم أنتَ يا محمّد لربّك متعبّدا، داعيا...!
قُم في ظُلمته لتستزيد لنور الأرض ... قُم لتَعُبّ من أنوارٍ هي في دُجى الليل تسري إلى القلوب المتّصلة، الحيّة بذكر ربّها ....
"قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلا (2)نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلا(3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا(4)" .
قُمْ أكثَرَ اللّيل، قُم نصفَه أو انقُص من نصفه قليلا، أو زِد على النصف ...
قُمْ من بين ثيابك التي تلفّفتَ بها تحاول لملمة أشتاتَ نفسِك من ثِقَل ما ألقِيَ إليك ...! قُمْ فالأمر جَلَل ...!
لم يعد لك أن تتزمّل ... حِملُك ثقيل، ثقيل...! وليس عندَ مَن ألقاه إليك إلا الحقّ والحقيقة ...
إنّه سبحانه الرحيم الودود، وهو صلى الله عليه وسلم حبيبُه وصفيّه، وهو يتلطّف معه مناديا إياه بالمزمّل، ولكنّه لا يُخفّف عليه بكلمات تَبعُد عن حقيقة ما ينتظره من عمل شاقّ، كعادة مَن يرأف بحال المُثقَل التَّعِب فيُهوِّنُ عليه، ويُعطيه من الكلمات ما قد يبتعد به عن حقيقة الثّقَل والمسؤولية  إلى وَهْم الراحة والطمأنينة ...!
"أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلا" ...
أو زِد على نصف الليل وأنت قائم بين يدَيْ ربّك، ورتِّل القرآن ترتيلا...
فإذا كانت الصلاة عمادَ الدين، فإنّ القرآن عِمادُ الصلاة ... عِماد الصّلة بالله تعالى ... والشيء المرتّل هو المنظّم بعضُهُ خلف بَعض، يُقال ثَغْرٌ مرتَّل أي مُفلَج الأسنان ...
هكذا أُمِر صلى الله عليه وسلم، أن يقرأ قراءة منظّمة متأنّية، متمهّلة تلمَسُ بها كلمات القرآن شِغافَ القلوب ...تُشبَع الحروف، ويُعطي الصوت للكلمات حقّها وهو يُخرجُها ... فتكون أكثر وَقْعا في القلب، وأدعى لأن تُفهَم وتُتَدبَّر .... وليست الغاية هي القراءة العَدَّادِيّة التي تخال صاحبَها عدّاد حروف وكلمات يُسارع ليُلحِق الكلمات بعضها ببعض، والصفحات بعضها ببعض، لا لشيء إلا ليقول قد قرأت، قد ختمت، قد أنهيت، وقد أعدتُ القراءة مرة ومرات... هكذا قراءةَ عَدد لا قراءة مَدَد تَمُدُّ صاحبَها بحياة الرّوح، وتُمكِّنُه من الغوص في أعماق بحر بعيد القرار، لا تنتهي دُرَرُه ولا تنقضي عجائبُه وروائعُه ...
قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه :" لا تنثروه نثر الرمَل، ولا تهذوه هذَّ الشِّعر وقفوا عند عجائبه، وحرّكوا به القلوب ".
فرتّل يا محمّد القرآنَ ترتيلا، تمهّل وأنت تقرأه...
تمهُّلٌ مع هَدأة الليل وسُكونِه واختلائِك بربّك، وبُعدِك عن الناس، بل عن أقرب المقرّبين إليكَ...  اختلاؤكَ به وقد تجافى جنبُكَ عن مضجعِك تُؤْثِر لقاءَه والتنعّم في رحائب أنوارِه وجمالات قُرْبِه على النّوم والدّعَة والراحة ... وأنت ترتّل القرآن ترتيلا... فلا حُسْنَ يعلو على حُسْن القرآن مرتّلا في صَفْو الليل الهادئ، وسكون العتمة المتناهي ...
"إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا(05)إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلا(06)"
لأجل هذا القول الثقيل الذي أثقلك يا محمّد ... الذي جعلك تتزمّل باحثا عن نفسِك بين شتاتِها، تجمعُها عليكَ من شعثِها ... هذا الذي عُدتَ يرجُفُ به فؤادُك إلى ملجئك في الناس خديجة : "زمّلوني زمّلوني" ...
هذا الذي هو حِملٌ ثقيل ثقيل ...! ثقيلة مسؤوليّة تبليغه، ثقيلة مسؤولية إحياء النفوس به، مسؤوليّة إحياء الأرض قاطبة به ....
تمهّل يا محمّد .... تمهّل ... فهو الثقيل الثقيل، وما من كلمات تجعلك تستخفّه، وتُهوّن عليك ما أحسست من ثقل .... إنه الحقّ سبحانه فلا ينبئك إلا بحقّ ... لا يكون حُبُّه لك سببا لرأفة بنفسك المثقَلة حدَّ أن يصوِّرَ لك الثقيل خفيفا، والكبير صغيرا، والعظيم هيِّنا...!
إنه الكبير... إنه العظيم ... وإنه الثقيل، الثقيلة مسؤوليّة تبليغه أيّما ثِقل ... أيّما ثقل !!
بل لنتأمّل .... لقد أنبأه الله تعالى بأنّه "ســــ"يُلقي عليه قولا ثقيلا ...لاحقا... إنها ليست السورة الأولى نزولا، ولا الآية الأولى نزولا ... لقد نزلت قبلها آيات، وسُوَر عُدّت ثلاثا .... فإن كان الذي نزل عليك يا محمّد جعلك تشعر بثقل خِفتَ منه على نفسِك الشَّعَث والذهاب، فإنه سينزل عليك بَعْدُ قولٌ ثقيل...! مازال ينتظرك الثقيل!! : " إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلا ثَقِيلا ".
ثقيل هو القرآن... لا ثِقَلَ فهم، فلقد وصفه الله باليسير : " وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ "-القمر:17-  بل ثِقل وزن وقيمة، ثقل دَوْرِه، وعظيم أمره ونبئه وهدايته، وحَمْلِه للهُدى والرشاد ...  ولقد عرفنا من نفر الجنّ وصفَهم له أول مرة إذ قالوا : " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا " ... ثمّ ثنّوا واصفين إياه : " يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ " ثم وصفوه مرة أخرى بقولهم : " وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَىٰ آمَنَّا بِهِ "
فهو العجب، وهو الذي يهدي إلى الرشد، وهو الهدى ... وليس ذلك بهيّن، بل هو رأس الأمر في وجود الإنسان على الأرض، وحركته عليها .... هِدايته إلى ربّه، وتعريفه سبب إيجاده، والغاية من إيجاده، ومِنّة موجِدِه سبحانه عليه، وتعريفه بمآلِه بين يديه وأَوْلِ أمره إليه، ومُجازاة كلّ بما عمل ...
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "ولقد رأيته صلى الله عليه وسلم ينزل عليه الوحي، في اليوم الشديد البرد فيُفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"-صحيح الترمذي-
عن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: " سألتُ النبيَّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ فقلتُ يا رسولَ اللهِ هل تُحسُّ بالوحيِ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ : نعم أسمعُ صَلاصلَ ثمَّ أسكتُ عندَ ذلكَ فما من مرةٍ يوحَى إليَّ إلا ظننتُ أنَّ نفسي تَفيضُ"-مسند الإمام أحمد-
وحدّث زيد بن ثابت رضي الله عنه عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أوحِي إليه وهو معه فقال: " فأنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى علَى رَسولِهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وَفَخِذُهُ علَى فَخِذِي، فَثَقُلَتْ عَلَيَّ حتَّى خِفْتُ أنَّ تَرُضَّ فَخِذِي"-صحيح البخاري-
وفي هذا السياق، وبهذا الاتّساق بين الآيات نفهم اشتراك التلفّف في الثياب والحِمل الثقيل في معنى التزمّل الذي كان وصفا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ناداه به ربُّه...
ولأنّه سبحانه مازال سيُلقي عليه قولا ثقيلا، فقد أمرَه بقيام الليل، هذا هو التِّرياق، وهذا هو الزّاد، وهذا ما سيشحذ همّة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الدّرب الذي اختاره له ربُّه ....
أن يظلّ موصولا بربّه، فهو في النهار داعٍ، معلّم، قائم بأمر الرسالة، لا يفتُر، وهو بالليل قائم بين يدي ربّه يتزوّد لكَدح نهاره الذي هو لربّه ولتبليغ رسالة ربِّه، ولأداء الأمانة التي ألقِيت على عاتقه الشريف ... قائم هو باللّيل، وقائم هو بالنهار صلى الله عليه وسلم ... وفي هذا جاءت المدثّر التي سبقت المزمّل نزولا تأمره بالقيام للدعوة : " يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (01)قُمْ فَأَنذِرْ (02)"
"إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلا(06)" ...
وفي هذا تعليل للأمر باتخاذ الليل خاصة للقيام تعبّدا وصلاة وقراءةً للقرآن، إذ أنّ ناشئة الليل، هي العبادة الناشئة في جوف الليل، وكأنّها تنشأ بخروجها في غمرة السكون والهدوء المخيّم على الأرض، فالعامّ والسائد أنّ الكُلَّ إلى النوم يَخْلُد بالخِلقة التي خُلِق عليها الإنسان، وبمَيل الفِطرة الذي جعله الله رحمة وسكينة ليرتاح الإنسان وليتزوّد لكدح جديد ...
 في تلك الأجواء، يُكسَر المَيْل الطبيعيّ، ويستيقظ المأمور بالقيام ليلا ليتعبّد، ليدعو وليتّصل، ليحيا بينما الناس ذاهبون في الموت الصغرى...!
هذه الناشئة هي أشدّ وطأ وأقوم قيلا، هذا الوقت للصلاة والتعبّد هو أشدّها وقعا وأثرا في النفس لخُلُوِّ بال الإنسان من انشغالات النهار، وحركة الحياة، وحتى ممّن حولَه من أقرب أقربيه ...
وهي أقوم قيلا، يكون فهم القَول في هذا الوقت أقربَ للذّهن، ويكون القلب أكثر حضورا، والروح أندى وهي التي تستسقي ربَّها أنوارَها وحياتَها  في قلب هدأة وسكونٍ وصمتٍ مُطبِق ...! وكيف لا يكون ذلك والليل على الدنيا وحركتها غَشْيٌ ولباس وسَكَن  ...!
ونلتقي مع تدبرات لاحقة في سورة المزمّل بإذن الله.
أسماء حازُرْلي(Asma Bent Abdelmadjid)
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا""""ا"""ا""""ا"""ا"""
#سورة_المزمّل
« آخر تحرير: 2026-04-06, 16:47:10 بواسطة حازرلي أسماء »
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #351 في: 2026-04-06, 16:46:55 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ولقد فُرِض قيام الليل على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أصحابه أول الأمر بنزول هذه الآيات، ثم خفّف الله عنهم فأصبح نافلة .
عن سعد بن هشام رضي الله عنه عن عائشة رضي الله عنها وهي تجيبه عن قيام رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أَلَسْتَ تَقْرَأُ يا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ؟ قُلتُ: بَلَى، قالَتْ: فإنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ في أَوَّلِ هذِه السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّمَاءِ، حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ في آخِرِ هذِه السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ..." –صحيح مسلم-
ولكنّ الأمر بالقيام وجوبا بقي خاصا برسول الله صلى الله عليه وسلم بعدها، وقد جاء في ذلك قوله سبحانه : "وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا"-الإسراء:79- .  أي زيادة لك خاصّة، فكانت عائشة رضي الله عنها إذا سألته عن سبب قيامه حتى تتفطّرَ رجلاه، أجابها صلى الله عليه وسلم قائلا : "يا عَائِشَةُ أَفلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا." –صحيح مسلم-
وهكذا صلى الله عليه وسلم كان كلّما أمره ربُّه ائتمَر، وأدّى على التمام والزيادة والكمال ....
فكان قيامُ الليل القوّة التي كان يَجدُها صلى الله عليه وسلم وهو قائم يدعو ويربّي ويعلّم، ويوجّه، ويؤدّب، ويصنع الأنفسَ، ويُخرجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم والحقّ، ويزيح عن البصائر غشاوة الاتّباع الأعمى لكلّ ناعق، ليُشِعّ فيها الانصياع لأمر الخالق الهادي الملِك سبحانه، واتّباع رسوله إلى عباده .
"إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا (7) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (😎 رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)"
وهذا نهار محمد صلى الله عليه وسلم...يخبره سبحانه أنّ له فيه سبحا طويلا، أي له فيه تقلّبا وانشغالا بأمور الدنيا، وبأمور الناس ...
لقد كان صلى الله عليه وسلم يقضي نهارَه داعيا لربّه، معلّما للناس، مُجاهدا، ثابتا رغم تصدّي الكافرين لدعوته، وصُدودهم عنها، وترصّدهم وكَيْدهم له ولمَن تبعه، ورَمْيه بالجنون والشعر والسحر... !
كان دَيْدَنُه الدّعوة، والعمل دائبا على تبليغ الرسالة وأداء الأمانة ...
ويعود بنا هذا إلى آخر ما جاء في سورة الجنّ : " عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا (26) إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)" .
لقد كان صلى الله عليه وسلم يتزوّج النساء، وكان له منهنّ الوَلَد، وكان يأكل ويشرب، ولكنّه كان في كل ذلك يتزوّد ليبلّغ رسالات ربّه، فهو القائم نهارا، القائم ليلا ...
"وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا "
تربية ربّانيّة، وإعداد ربّانيّ له صلى الله عليه وسلم على درب الدعوة، ذلك الدرب الشاقّ المُضني الذي ينوء بالعُصَب أولي القوّة، والذي لم يكن له إلا محمد صلى الله عليه وسلم إمام أنبياء الله ورُسُله، وسيّد وَلَد آدم ...
يربّيه سبحانه أن يكون له ذاكرا: " وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ"
فمِن بعد أن أمره بالقيام ليلا، هو ذا يوجّهه للذّكر نهارا، ليجتمع عليه يومٌ هو فيه مع الله بِطرفَيْه... بِلَيْلِه ونهارِه ... فهو بذلك منقطع لربّه، متّصل به على الدوام، لا تشغله الحياة ولا حركتها ولا حركة الناس مِن حوله عنه سبحانه ...
ويؤكّد سبحانه هذا المعنى بقوله : " وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا " .
إذ أنّ التبتّل هو الانقطاع، الانقطاع عن الدنيا إلى الله سبحانه ...
وهنا وجبتْ مني وقفة أبيّن فيها ما استسهل كثيرون فَهْمَهُ على نحو ليس هو المُرادَ من قول الله تعالى : " وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا "، وأسقطوا ذلك الفهمَ على الحياة، فأصبحت الدنيا وكأنّما خُلِقَت لنجافيها مجافاةً، فلا نهوض لنا فيها، ولا دَوْرَ ولا أثر... بل ويُؤخَذُ هذا الوجود الهامشيّ فيها على أنّه الدّين، وأنّه من الدين، وأنه ما يقتضيه الدين ...!
التبتّل الذي دعا الله إليه عبدَه وصَفِيَّه محمدا صلى الله عليه وسلم لا يعني الانقطاع الكليّ عن شؤون الدنيا، وعن الحياة، ولو كان ذلك لما جاءت: " إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا " . ولو كان ذلك هو الفهم الصحيح لما تزوّج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولما عرفناه يردّ على مَن جاءه يقول باعتزال النساء فلا يتزوج أبدا، وبالصوم فلا يفِطر، وبقيام الليل أبدا بأنه أخشاهم لله وأتقاهم، ولكنّه يصوم ويُفطِر ويتزوج النساء، ويقوم وينام. فكان يدعوهم للتأسّي به صلى الله عليه وسلم وقد بُعِث وللمؤمنين فيه أسوة.
بل المعنى أن يعيش المؤمن ويقضي مآربَه، ولا ينقطع إلا عمّا يُغضب الله...ذلك ما يُجانبه كل المجانبة... أما شؤون الحياة، فيقضيها، ويعمل ويتحرّك ويتعلم ويعلّم، ويكتشف ويخترع، ويُعلي، ويُواكب العلوم وهو ذاكر لربّه، فلا يتألّه بعقله في الأرض إذا ما علِم وإذا ما اكتشف، موقنٌ هو أنّ العليم سبحانه هو الذي علّمه، ولا يعبد المادّة والملموس والمحسوس، ويُنكر أنّ للكون خالقا، وأنّ غيوبا تتلفّف عنّا في عالَم أوانُه لأعيننا له كتابٌ موقوت، والإيمان بها أهمّ علامات المؤمن ...
فَهْمٌ خطير طغى على الأمّة في قضيّة العبادة، فتصوّر مَن تصوّر أنّما العبادة الحقّة، والتقوى وسامق درجات الوَرَع أن ننقطع عن الدنيا، وأن نتركها لغيرنا هنيئا مريئا،  فَهُم أربابُها وأسيادُها، والمنعَّمون بها، ولنا نحن نعيم الآخرة وهو خير وأبقى ... ! وما هذا الفهمُ منا للتبتّل إلا المِشْجبَ الذي نعلّق عليه تقصيرنا وقعودنا وتكاسلنا، وجُنوحَنا إلى الدَّعة والراحة ... !
فكثيرٌ ممّن يُطلِق لِحيتَه لتكون له سِمة من سمات التعبّد والتبتّل لله، فلا يغادر المسجدَ إلا إلى مسجدٍ غيره ...معتكفٌ هو أبدا...! ولعلّك لو تقصيتَ أمرَه لوجدتَه قد غادر مقاعد الدّراسة وطلب العلم، بدعوى أنّ العلمَ الشرعيّ وحدَه الذي يُطلَب، أما علوم الدنيا فالغربُ أهلُها لأنهم أهل الدنيا وناسُها، أما نحن فأهل الآخرة وناسُها ...!
حالٌ عرفناها في الأمّة، كان من أهمّ أسبابها دعاةٌ وعلماء أخذوا التبتّل على أنه الانقطاع عن الدنيا وعن العمل فيها، وعن أن يصنع المسلمون لأنفسهم مكانا وجانِبا مُهابا في عالَمٍ القويُّ العامل فيه يأكل الضعيفَ القاعِدَ...!
ولكنّا لا نَفْطِن لخطورة هذه الحال إلا حينما تُستَباح أراضينا من أقوياء عملوا، واخترعوا وتترّسوا بسلاح صنعتْه أيديهم، وهم من قبلُ أغنياء بغذاء زرعتْه أيديهم عن فُتاتٍ يُلقي به إليهم غيرُهم ليُغيثُهم ... !
عندما تُداسُ رقابنا بنِعالهم ... عندما تُستَباح أوطانُنا وتغدو كعكة تُسيل لُعابَهم، فيتصارعون على تقاسُمِها... عندها نفطنُ أن التبتُّل كما فُهِم لم يكن هو التبتّل الذي أراد الله  ... !
بعيدون نحن بذلك كلّ البُعد عن التأسّي برسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن فَهم مُرادات القرآن العظيم، فقد كان أول ما فكّر به صلى الله عليه وسلم وقرّر العمل عليه عند دخوله المدينة المنوّرة، أن يكون للمسلمين سوقٌ، وأن يكون لهم مورِد ماء، وقد كان اليهود فيها أصحاب تجارة ونفوذ ماليّ، فتشوّف بنظره البعيد إلى وُجوب الاستقلال الغذائيّ عنهم كمُنطَلَق، إذ أنهم هُم أصحاب الحقّ وهم الذين سيضطلعون بمهمّة نشره في الأرض وإعلاء كلمته، وإذهاب الباطل وتسفيل كلمته. وبذلك سيصبحون سادة قراراتهم، وأهلا لتبليغ رسالة الحقّ، فلا يضطرّهم جوع أو ظمأ لأن يخضعوا لأهل الباطل ...!
عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: "رَدَّ رَسولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ علَى عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، ولو أذِنَ له لَاخْتَصَيْنَا " –صحيح البخاري-
وإنّ البطولة ليست في الانقطاع عن الدنيا إلى التعبّد، بل البطولة في خوض غِمار الدنيا والقلب ذاكر لله، فهو المتحسّب في كل خطوة تُخطَى، يُراعي عينَ ربّه، فلا يكذب، ولا يخدع، ولا يتملّق، ولا يُداهِن وهو يتعامل، وهو يعمل، وهو يتعلّم ... وهو يبيع ويشتري، وهو يتحرّك حركةَ الحياة ... في ذلك تكمُن البطولة، ويتبيّن معنى سَبح النهار الطويل، وذكرُ الله والتبتّل إليه ...
قلبٌ معلَّقٌ بالله، موصول به، فهو في الحياة تراه صاحب وظيفة أو في مقعد دراسة، أو في مقام مسؤولية كيفما كانت، وقلبُه موصول، يتحرّى الرَّشَد، ويتحرّى مرضاة ربّه وهو حيث وجَدْتَه ... عابدٌ هو في صومَعة لا تدْرِكُها الأبصار، بل يُدرِكُها عالم السرّ وأخفى ...!
وإن كنّا نوقِن أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم -وهو أعرف عباد الله بالله، وهو أتقاهم وأخشاهم له ، وهو صاحب المسؤولية والرسالة الخاتِمة العظيمة التي لم تُنَط ببشر قبله، ولن تُناطَ ببشر بعده- لا يكون ائتمارُه بأمر الله إلا على قدرِ عظيمِ معرفتِه به سبحانه، وعظيم خشيته له... فكان يقوم الليل حتى ترِم قدماه، وكان يقضي نهارَه داعيا لله، مجاهدا في سبيل تبليغ الرسالة.
إلا أنّ هذا الذي يُؤمَر به صلى الله عليه وسلم ينسحب على كلّ من يحمل على عاتقه مسؤولية الدّعوة إلى الله . كما ينسحب على المؤمنين كافّة على اعتبار أنّ كل مؤمن راعٍ ومسؤول عن رعيّته كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإنّ ما يفرّق بين مؤمن وغير مؤمن، أنّ المؤمن يعيش اعتقاده بربّه الواحد حياةً وحركة في الحياة، فلا يفصل الدين عن الحياة ثم يتمطّى بمقولة العلمانيّين الشهيرة : "الدين لله والوطن للجميع"  . وذلك بفصل الدين عن شؤون السياسة في علمانية مصغّرة كما يسمّونها، ثم تدرّجا إلى فصله عن الحياة كلها ... !
"رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (9)"
إنّ الذي يأمره صلى الله عليه وسلم أن ينقطع إليه في كلّ حركات الحياة، هو ربّ المشرق والمغرب، والمشرق مكان شروق الشمس، والمغرب مكان غُروبها، كما أنّهما الزمان أيضا، فالشروق علامة بداية النهار، والغروب علامة بداية الليل.
ربّ المكان والزمان سبحانه، خالقُهُما، وخالقُ الإنسان في محيطهما، فهو فيهما وُجِد ... أما هو سبحانه فهو الذي لا يحويه مكان، ولا يحدّه زمان، هو الذي كان سُبْحانه ولا مكان ولا زمان...
ربُّ المشرق والمغرب، الربّ الخالق المالك سبحانه، لا إله إلا هو، الإله الذي يُعبَد ولا يُعبَد سِواه ...
ولقد كان العرب يقرّون بربوبيته، ولكنّهم لم يكونوا يتخذونه إلها معبودا، لم يكونوا يأتمرون بأمره وينتهون عن نهيه، بل كانوا يختلقون العبادات، فيَرضَون بالتذلّل لصنم من حجر، ولوثن من خشب يعكفون عليه، ويأبون التذلّل لخالق كل شيء ومالك كلّ شيء ...ويدّعون اتّخاذ الصنم قُربى وزُلفى إلى الله على اعتبارهم له رمزَ الرّجل الصالح الذي كان فيهم، ويأبون التقرّب إلى الله بطاعة رسوله بدعوى أنه بشر مثلُهم، وكأنّ الصالح فيهم لم يكن بشرا ...!! وذلك خَلْط الإنسان وخَبْطُه حينما يترك نفسَه نَهبا للشيطان، ويزْوي عقلَه حتى يهوي إلى دركات الهباء ...
وليست أصنام وأوثانُ العرب وحدَها التي كانت شِركا بالله وكُفرا بل إنّ الإنسان في كل زمان إذا ما أعرض عن أمر ربّه وقع في شِراك السَّفَهِ واللاعقل ... وبين بني الإسلام اليوم مَن لا يعرفون من القرآن إلا اسمَه، أو حرفَه، فإذا عرضَتْ له الشُّبُهات ألْفَيْتَه متخبّطاً وقد تلجلج فِكرُه وترجرج وشكّ واضطرب، وليتَه كان شكَّ السّؤول الباحث الذي يتشوّف للحق، بل هو الذي كان القرآن بين يدَيْه فما عرف منه إلا حروفَه...!
ربّ المشرق والمغرب، ربّ الليل والنهار، ربّ الزمان والمكان، فكيف يُعبَد غيرُه ؟! هكذا يخاطِب القرآنُ العقل وهو يَعلَم قُدرتَه على العمل والاستدلال والنّظر ... فيدعوه لينظر ويستدلّ ويستنتج ...
وكيف لا ينقطع الإنسان إليه في حركات حياته كلّها وهو الذي يَعُدّ عليه حركاتِه وسكناتِه، وأحاط بما لديه وأحصى كل شيء عددا ... وكالعادة تعود بنا آيات السورة إلى آيات السورة التي سبقتها : "لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا"-الجنّ:28-
ونتأمّل كيف تسُوقُنا المعاني في الآية الواحدة إلى ما يتمّمها في منهجيّة خطابيّة تحرّك العقلَ حركة الفِكر والنظر والاستنتاج ...
إنه الربّ الإله الواحد... فاتخذه وكيلا ... ومن يكون لك وكيلا ومعتمَدا وتُفوّض له كلّ أمرك غيرُه وهو الربّ والإله ؟!
إنه سبحانه يُعِدّ نبيَّه لحمل القول الثقيل والمسؤولية الجسيمة، فيأمره أن يقوم الليل بين يَديه، وأن ينقطع في سائر أوقات اليوم إليه انقطاع مَن هو في حركة الدنيا ومع حركة الناس وقلبُه موصول بربّه ...فكما ألقى عليه سبحانه قولا ثقيلا، يوجّهه لأن يُلقي هو حِملَه على الله، فلا يخاف ولا يجزع، وقد علّمتنا الجنّ أنّ من يؤمن بربّه فلا يخاف بخسا ولا رهقا ...
وفي تدرّج وترابط نعرفه بين الآيات، وفي تخلّص حَسَن من شأن إلى شأن يأخذنا هذا الأمر لنبيّه صلى الله عليه وسلم أن يفوّض أمرَه كلّه إليه وأن يُلقي بما يُثقِله من هموم الدعوة إلى ربّه، إلى بيان أصل هذه الهموم في قوله سبحانه :
"وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (10)وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (11) "
اصبِر على ما يقولونه فيك وفيما بُعِثتَ به...
وإننا في هذا الجزء المبارك العامِر الفيّاض عرفنا توجيهَه له إلى الصبر في قوله سبحانه : "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ" –القلم:48-   وفي قوله بعدها: "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا"-المعارج:05-    وفي قوله ها هنا : "وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا"
وقبل أن يأمرَه بالصبر، جهّزه بالعُدّة اللازمة، جهّزَه باليقين، وهو يوجهه للقيام ليلا ونهارا بين يَدَيه سبحانه لا يغفل عنه، ولا ينشغل عن أمرِه في كل حال يكون فيها، وعلّمه أنّ مَكْرَهُم وكلّ ما يلقون به من أشواك على طريق دعوته إلى ربّه، ومآلَهم له وحدَه، فهو الذي لا يغفل ولا تخفى عليه من شأنهم خافية ...وهو ناصرُه وكافيهم شرَّه ...
الصّبر قد سُبِق بالصلة التي لا تنقطع... بالصلاة ...هكذا على أنها الصلة الدائمة كما عرفنا ظلالها في سورة المعارج، إذ هي المبتدأ وهي المنتهى في معراج الرقيّ الروحي، وهي الأساس وهي السقف الحافظ ...لا ركعات موقوتات بوقت ينتهي جوّها ما أن يُسلّم العبدُ يُمنة ويُسرة ...
وقد كان الصبر الجميل مِرقاة رُقّي إليها صلى الله عليه وسلم من بعد أمره بالصبر المجرّد، ويُزاد إليه ها هنا الهجر الجميل "وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا".
اهجُرْهم هجرا لا يُتبَع منك بأذى، لا من قول ولا من فعل...
فتتمثّل لك بهذا الأمر صورة العبد المنيب المطيع الربانيّ العامر قلبُه بربّه، المشحون يقينا، الواثق في علم الله وفي تدبيره، الثابت، الجَلْد الذي يقوده يقينُه بربّه إلى الصبر على أذى المُؤذين المتجرّئين عليه بكل صنوف التدبير والكَيْد والمَكر، وهو يعلم غلبة تدبير الله وكيْده ومَكره سبحانه...
ولنا لقاء مع تدبرات لاحقة  في سورة المزمل بإذن الله
(أسماء حازُرْلي)Asma Bent Abdelmadjid
ا""" ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""
#سورة_المزمل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #352 في: 2026-04-06, 16:47:53 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

"وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا"
تكذيبُهم به وبما بُعِث به... رضاهم بالحجارة المُخلِّدة لبشرٍ صالحين كانوا بينهم تُقرّبهم إلى الله زُلفى باعتقادات مُختَلَقة وافتراءات من صنع أخيِلتهم، وتكذيبُهم بمَن بُعِث بأمر ربّه مبلّغا لكمالات أوامِره التي لا يعتريها هوى بشر متقلّب ولا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها ...ويزعمون أنّهم الذين لا يصدّقون الإيحاء إلى رجل منهم، بينما يتقرّبون إلى الله بحَجَرٍ رمزٍ لرجل منهم !! وبين بشر وبشر فاصل بين الحقّ والباطِل ...!
لقد أمره أن يُلقِي بكلّ أمره إليه سبحانه، فيتوكّل عليه وهو العليم الخبير، يعلم حال المكذّبين أصحاب النّعيم والتّرف والمال الكثير ...يعلم عُتُوَّهم وشدّة صدودهم، وتآمُرَهم على الدعوة والداعي، ويعلم كَيْدَهم له، ومكْرَهُم، ويعلم تمالؤَهم عليه وهم كُبراء القوم، ويعلم شَوْكتهم فيهم، ويعلم تأثير كلمتهم عليهم ... كل هذا يعلمه ...
فيأمره صلى الله عليه وسلم أن يذَرَ أمرَهم إليه ...
أنت يا محمّد عليك البلاغ، والاعتداد بعُدّة روحيّة يُزوّدك بها ربّكَ، فأنت القائم بين يديه ليلا، والقائم داعيا إليه نهارا ... أنتَ المنقطع إلى ربّك فلا يفتُر قلبُك عن ذكره، ولا تأتمر بغير أمرِه ... أنتَ المزّمّل الحامل زِملا ثقيلا المتوكّل على ربّك ... ثمّ ذَرْ أمرَ هؤلاء المكذّبين الصّادّين العُتاة إلى ربّك، هو من سيتولاه عنك ... أنت استزِد لتبلّغ على درب الدعوة، وتوكّل على ربك وهو الذي سيحمل عنك أمرَهم ...
"وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا" ... إنه سبحانه يُمْهِلهم وأنت تراهم أصحاب قوّة وسلطان ومَكر، والناس من تحتهم يأتمرون بأمرِهم ... مهّلهم قليلا ...
وليسوا في هذا وَحْدَهُم... بل كلّ مستكبر عاتٍ يظنّ بنفسه الإله ، يقضي بماله وبقوّته فيمَن هُم دونَه، فيزيدوه بتأليهه اغترارا وتجبّرا في الأرض... وهم اليوم رُتَّعٌ فيها، يرون أنفسَهم مُلّاكَها وأصحاب الأمر والنّهي، يمدّهم الله في غيّهم مدّا، فتجد سلطانَهم يكبر ويكبر، وتجد المتملّقين إليهم أذلّة تحت أقدامهم...!
وذلك حال مسلمين لا يعرفون من الإسلام إلا العنوان، عبيدٌ هُم للأقوياء رغم ظلمهم وجبروتهم ... وكأنّهم فتنةٌ من الله للمسلمين، أينصاعون ويذلّون ويستسلمون،  أم يفهمون معنى إمهاله سبحانه للمكذّبين، ومَدَّه لهم فلا تغرّهم فيهم قوّة ولا سلطان وربُّ العِزّة يملأ عليهم أنفسَهم ...
"إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا وَجَحِيمًا (12) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (13)"
إنّهم المُمهَلون في الدنيا، حتى إذا أخذهم الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر، أعدّ لهم أنكالا أي قيودا ثقيلة شديدة تشلّ حركتَهم...
أولئك الذين دأبوا في الدنيا على الحركة بالمَكر والكيْد والتنكيل بأهل الحق وبدُعاة الحق ...فهي ذي القيود الثقيلة المُشِلّة لهم عن أدنى حركة لا يستطيعون منها فِكاكا ...!
وجحيما مُحرِقة مُصْلِية لا يتخلّصون من نارها طرفة عين، لا تقتلهم فيستريحون، بل هم المتقلّبون في نارِها أبدا .... وطعاما ذا غُصّة ينشِبُ بالحلق فلا يمرّ، هو الضريع والغسلين والزقوم... طعام هو زيادة في الحَرق والصَّلْي والإلهاب...! أجارنا الله .
عذابات مروّعة، أعدّها الله للمكذّبين أولي النَّعْمة ...يُمهَلون في النّعمَة ويُغرَقون فيها، ويراهم الرائي فيحسبهم على خير كبير، بينما ما ينتظرهم مروّع مُفزِعٌ لا يصف هولَه لسانٌ ...! ومن هوله يذكر سبحانه الأنكال والجحيم والطعام، ثم يزيد فيذكر العذاب الأليم وحدَه ... ولك أن تتخيّل عذابا عظيما قد صوّرتْه لك الأنكال والجحيم والطعام يُزاد عليه : "وَعَذَاباً أَلِيماً" ...!!
كلّ هذا ينتظرهم في هذا اليوم :
"يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَّهِيلًا (14)"
الأرض وهي التي حملتهم وتحمّلت كُفرَهُم، وباطِلهم وعتوَّهم وظلمَهم فيها، الأرض التي تحمّلتْهم وكان ثباتها تحت أرجُلهم من إمهال الله لهم ليَمُدّ لهم في طُغيانهم عليها ... والجبال الراسية الثابتة التي تحمي الأرض أن تميدَ بمَن عليها... يومها ترجف كلّها ... !يوم يضطرب الثابت والمثبّت سواء بسواء ...!
يا مَن حسبتُم أنفسَكم آلهة حاكمة بأمرِها، فظلمتُم وتجبّرتُم، وأذللْتُم الناسَ لكم وِطاء، يا مَن لن تخرقوا الأرض ولن تبلغوا الجبال طولا ... يا كُلَّ الجبابرة في كل زمان وفي كل مكان ... يا مَن تنكرون الإله الواحِد الذي يُملي لكم في الطغيان ويُمِدّكم بالقوّة لتطغوا ...!
إنّ الأرض والجبالَ يومَها مضطربة متململة، فإذا طلبتَ أيها الكافر الظالم الأرضَ لتتجبّر عليها وتطغى ... فيومَها ضعُفَ الطالب والمطلوب ...!
يومَها تُهَدّ الجبال فإذا هي كثيب من الرمال المُجمَّعة حبة إلى حبّة، كثيب مَهيلٌ، كالشيء الذي يصبُّه صابّ وينثره نثرا بعد اجتماعه ...!
هانت الجبال حتى جعلها ربُّها كالشيء المُهالُ المُفتَّتِ من ضعفه وهوانه ...! هذه الجبال العظيمة، فكيف بكَ أنتَ أيها الإنسان ؟؟!!!
إنّك وأنتَ في الدّنيا لستَ أقوى ما أوجِد فيها، ولكنّ الكونَ المسخَّر لك كلّه إمهال من إمهال الله تعالى لك حتى يراك وما تفعل ...! فإذا انتهت الدنيا صار أقوى وأصلبُ وأشدُّ ما عليها كثيبا مهيلا ... فأين أنتَ أيّها الظالم منه يومَها ؟؟!!
وينتقل بنا السّياق نقلة فيها تغيير الوجهة المُخاطبة في تخلّص حَسَن لا يكاد يُشعِرك بالانتقال ... فهو ذا سبحانه في مخاطبة للكفّار، في استئناف يطرُق موضوعا جديدا، من بعد ما كنّا مع صيغة الغيبة في مخاطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأنهم ومصيرهم يومَ القيامة :
"إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ رَسُولًا (15) فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (16) "
إنه سبحانه يُذكّرهم ويذكّرنا بحال أقوام سبقوهم، وبأمر رُسُل كانوا قبل رسولنا صلى الله عليه وسلم، جاؤوا بالبينات والهدى... في تذكير دائم بالامتداد في حبل الرسالة، وبوِحدة ما جاء به الرُّسُل، وبأنه الربّ الواحد الإله الواحد الذي أرسَل الرُّسُل جميعا منذ بدأ الخَلقَ إلى خاتمهم صلى الله عليه وسلم ... وفي بيان لهذا الامتداد جاء الحديث عن الرسالة والرسل في أواخر سورة الجنّ بصيغة الجمع : "إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا (27) لِّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (28)"-الجنّ-
إنّ محمدا فيكم ليس بِدْعا من الرُّسل، إنه امتداد لإخوته الذين سبقوه في الرسالة... أرسِل شاهدا عليكم، شاهدا على تكذيبكم لما جاء به، وهو بذلك من تمام عدله سبحانه يقيم الحجّة على البشر : "...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا"-الإسراء: من الآية15-  "رُّسُلًا مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا"-النساء:165-
ولقد أشبَهَ المشركون فرعونَ وقومَه، لمّا كذّبوا موسى وهارون بدعوى أنهما بشران : "فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ"-المؤمنون:47-   وقد قال أهل مكة : " وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ"-الزخرف:31-
كما حكى الله عنهم أنهم قالوا : "وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَىٰ رَبَّنَا  لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا" -الفرقان : 21-
"فَعَصَىٰ فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا"
وهكذا هي الإيماءة لكفار قريش ولكل كافر في كلّ زمان، أنّ الله قادرٌ على إهلاكهم كما أهلك مَن قبلهم لمّا عصوا الرُّسُل ... وفرعون من القوة بمكان عظيم، ومن الجنود والعَتَاد بمكان عظيم حتى رأى نفسه الإله الذي تجب له الطاعة، وكانت رعيّتُه تراه كذلك...  فالذي أهلك فرعون وجنده وكأن قوتَه لم تكن أليس بقادر على إهلاك مَن هم دونَه ؟!
سبحانه ألحقَ بقريش من ألوان العذاب، فهُزِموا شرّ هزيمة أمام المسلمين في لقاءات كثيرة، وأصابهم القحط، وذلّوا ونصر الله جندَه، حتى دخلوا مكّة فاتحين أعزّة ودخل الناس في دين الله أفواجا، ولكنّه سبحانه لم يُنزل بهم عذاب استئصال كُرْمَى لنبيّه، وقد قال سبحانه : "وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ  وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ"-الأنفال:33-
كما أنّ الرسالة الخاتِمة تقتضي ألا يُستأصَل المدعُوّون إليها، لأنه لا نبيّ بعد محمد، ولا كتاب بعد القرآن، فيبقى القرآن في الأرض سليما من يد كل محرّف وكلّ مبدّل عابث، امتحانا للناس إلى يوم الساعة أيُّهم يُقيمه ويُقدّر طِبَّه، فيداوي الأرضَ بدوائه ... ولكنّ يوما عظيما أهوالُ الدنيا كلّها لا تساوي أهوالَه، ذلك اليوم الذي فيه القضاء بين الناس، وفيه جزاء كلٍّ بما قدّم ...
"فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (17) السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ  كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (18) إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ  فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (19)"
فيا أيها الظّلمة المترصّدون لهذا الدين ولإمام الدعاة إليه محمد، ولكل داعية له في كل زمان، إن أنتم نجوتُم في الدنيا من الإهلاك، فأين تفرّون من يومٍ هولُه يجعل الوِلدان شيبا ؟!
ألم يقل سبحانه لنبيّه : "فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا(05) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا(06) وَنَرَاهُ قَرِيبًا(07)"-المعارج-   وها هنا يقول له : "وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا".  هذا الإمهال القليل هو الذي يراه الكافرون بعيدا.
يُتبِعُها سبحانه مباشرة بذكر ما ينتظرهم من عقاب وعذاب أليم في ذلك اليوم.
كيف تتقون ذلك اليوم إن أنتم مِتُّم على كفركم، كيف تحتمون منه وتنجون منه ؟! .... لا مفرّ ...
"السَّمَاءُ مُنفَطِرٌ بِهِ  كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا"
ومن قبلُ في سَوق ما ينتظرهم من عذابات جاء ذكرُ رجفة الأرض والجبال، وها هنا يأتي ذكرُ حال السماء، فلا تعود تلك المتماسكة القائمة بغير عَمَد ... وعْدُهُ سبحانه بكل هذه الأحوال والانقلابات اللاحقة بالكون مفعولٌ لا محالة... وذلك محكّ الإيمان والابتلاء، الإيمان بالغيب الذي بمجيئ يومِه وَعَدَ الله .
"إِنَّ هَٰذِهِ تَذْكِرَةٌ  فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا (19)"
إنّ ما جاء من ذكر ما ينتظر الكافرين من عذابات، وما جاء من تذكير بأهوال وانقلابات اليوم الآخر تذكرة نافعة... ناقوس يدقّ في غمرة الدنيا وشَغْلِها للقلوب، وامتلاء النفوس بها، وسيطرة شهواتها وملذاتها على الناس...
تذكرة للمؤمن حتى لا يعدّ نفسَه الذي قد تقرّرت نجاتُه وانتهى، وهو ما يزال في دار الابتلاء، وما تزال عجلة الابتلاءات  فيها تدور وتدور ولا تنفكّ حالّة بالعبد في صورة خير ونعمة كما في صورة شرّ ونِقمة مادام في دار الدنيا، وعلى هذا فإنّ التذكرة منبّهٌ وموقظٌ من الغرق في لُجّ النعمة حَدَّ نسيان المُنعِم سبحانه، وحدّ حُسبانها النعيم المقيم، وحُسبانَ صاحبها نفسَه خيرا من كلّ نفس !
في هذه السّورة التي نزلت فيها العُدّة لرسول الله صلى الله عليه وسلم على درب الدّعوة، العُدّة لتبليغه القرآن، هي ذي التذكرة فيها تنزل، وقد جاءت وفيها وَصف القرآن ذاتُه ودَيْدَنُ فِعله في النفوس "التذكرة". القرآن كلّه تذكرة، وقد قال فيه سبحانه : "وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48)"-الحاقة -.   "طه (1) مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَىٰ (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ (3)" -طه-    "كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ (54)"-المدثر-
وبعد بيان أنّ ما جاء من زواجر وقوارع في الآيات السابقة إنما هي تذكرة، يتبيّن لكلّ ذي عقل أنّ عليه سلوك طريق الإيمان للنجاة، فجاءت : " فَمَن شَاءَ اتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِ سَبِيلًا " .
واتخاذ السبيل إلى الله هو المنجاة، فمن شاء اتخذَ إليه بعد ما كان من تذكرة... أما من لم يشأ فقد اختار الهلاك، اختار أن تحلّ به تلك العذابات التي ذُكِرت في الآيات... وفي قوله سبحانه " فَمَن شَاءَ " حضٌّ وحثٌّ على النجاة، مع ما فيه من بيان التخيير في الإنسان، وأنّه هو الذي يحدّد طريقَه بخير ووصول إلى الله وهي التي يرتضيها الله، أو بشرّ وبُعدٍ عنه سبحانه وهي التي لا يرضاها لعبده ... وتمامُ بيان تحذير الله عبادَه منها، ما يجيئ من إنذار وتخويف وذِكر لأهوالها يقرع القلوب وترجُفُ منه الأفئدة ليخاف الإنسان العاقل ويرتدع ...!
ولنا لقاء مع تدبرات أخرى في سورة المزمّل بإذن الله.
أسماء حازُرلي(Asma Bent Abdelmadjid)
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""
#سورة_المزمّل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #353 في: 2026-04-06, 16:48:24 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وتتصل الآيات بعضُها ببعض ولا تنفكّ، ويتّصل المعنى ويُفتَح إلى اللاحق بابٌ من السابق فنجدُنا بعد ما عرفنا بين يَدَي قوله تعالى :
"إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ  وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَعَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ  عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ  وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ  وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ  وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا  وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)"
سبق وأن عرفنا من عائشة رضي الله عنها : "أنّ  اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ في أَوَّلِ هذِه السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا في السَّمَاءِ، حتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ في آخِرِ هذِه السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ..." –صحيح مسلم-
وعلى هذا نرى في هذه الآية الأخيرة من السورة عودة إلى أمر قيام الليل، لتنتهي بما بدأتْ به، فلكأنّها السورة التي تؤكّد على دور القيام للاستزادة من فيوضات الإيمان ولِلْعَبّ من نورانيات الاتّصال بالله الذي له الليل والنهار، له ساعات المعاش وساعات السُّكون، له ما سكَن وما تحرّك، وله مكان الحركة والسكون ...
لقد نزلت أمرا لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام فرضا فاتّبعه عليه أصحابُه، حتى نزلت هذه الآية الأخيرة تَذْكُرُهم وتذكر تأسّيهم به، واتّباعَهم لفِعله وائتمارِه بأمر ربّه صلى الله عليه وسلم.
قام صلى الله عليه وسلم عاما كاملا، وكان الصحابة كذلك يفعلون، فتارة كان صلى الله عليه وسلم يقوم أدنى من ثُلُثَي الليل، وتارة كان يقوم نصفَه، وأخرى كان يقوم ثلُثَه. وهذه المقادير كلُّها ائتمار بما جاء في أول السورة، النصف أو ما ينقص منه أو ما يزيد عليه "نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا(03) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ..."
فكانوا يقومون أدنى من ثلُثَي الليل، وهو ما يزيد عن النصف. وقد ذُكِرَت أولا لأنه صلى الله عليه وسلم بحكم تمام ائتماره بأمر الله كان يؤدّي الأوفى، فجاءت "أدنى من ثلثي الليل" وهي الزيادة عن النصف، وجاءت بعدها "نصفَه" كما جاء الأمر بنصفه في البداية، وجاءت "ثلُثَه" وهو الأنقص من النصف كما جاء أيضا في البداية ...
كما جاء التشريف بمعيّة تلك الطائفة : " وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ " . كان القيام فرضا على الجميع ابتداء، فمنهم مَن كان يقومه في بيته، ومنهم مَن كان يقومه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. فـ "طائفة" لا تعني أنّ بعض الصحابة فقط مَن كان يقومه، بل تعني المعيّة.
"وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَعَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ "
سبحانه هو الذي يقدّر الليل والنهار واختلاف طولهما بين فصل وفصل، علم أنه لا قدرة لكم على إحصاء مقداره على الوجه الدقيق، فتاب عليكم أي خفّف عنكم، فلم يعد القيام فرضا، بل صار نافلة يُثاب من أدّاها، ولا يُؤثَم من تركها . ولكنّها بقيت فرضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجاءت الدعوة إلى قراءة ما تيسّر من القرآن في قيام الليل، ولم يأتِ ذكرُ الصلاة، ذلك أن القرآن عِمادُ الصلاة، ولا تصحّ صلاة بلا قراءة قرآن فيها، فيُفهَم على أنّها الصلاة، كما يُفهَم على أنّها قراءة القرآن خارج الصلاة، وكلاهما من عمل القيام . فكلٌّ وما يتيسّر له ...
"عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ  وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ  وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ  فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"
يذكر سبحانه في هذا المقطع دواعي التخفيف والتيسير :
1-) " عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُم مَّرْضَىٰ"  : داعي تقلّب الحال البشريّ من الصحّة إلى المرض ومن القوّة إلى الضعف.
2-) "وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ" : داعي العمل والحركة في الدنيا والاعتياش فيها. من تجارة واسترزاق لسدّ حاجات الإنسان من مأكل ومشرب ومسكن وشؤون الحياة المختلفة .
3-) "وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" : داعي الدفاع عن الدين وعن الأرض والأهل. ونشر دين الله في الأرض. (الجهاد)
هي علل التيسير والتخفيف، سبحانه جعل القيام فرضا ابتداء، فعرف الناسُ من أنفسهم ظروفا تحول دون أن يقوموا جانبا كبيرا من الليل، والله حينما فرض عليهم تركهم ليعلموا ، بينما عِلمُه سبحانه بذلك كائنٌ من قبل أن يفرضه عليهم، ولكنّه يَفرض امتحانا لمدى طاعتهم أمره وأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم، ثم يخفّف لتُعلَم الرحمةُ واليسرُ في هذا الدين وهم يلمسون دواعي التّخفيف لمسا .ويلمسون مراعاته ومواءمته للطوارئ والحاجات البشرية...
سبحان الله إنك وأنت تتأمّل هذه الحكمة الإلهية العظيمة في تدبير الأمور، وفي تقدير عمل عقل الإنسان الذي يُدرِك ويفهم ويَعي، ويقتنع بالتجربة، تُبهِرُك مدى مواءمة هذا التشريع الإلهيّ الحكيم للنفس البشرية، ومدى الفُسحة التي يتركها لعقل الإنسان ليقتنع وهو يجرّب.
وإذا تأملنا وجدنا أن الحاجة البشرية في الإنسان ذُكِرت أولا، الحاجة للشفاء من مرض وللراحة من تعبه، ثم الحاجة للاعتياش والحركة في الحياة، ليأتي ذكر الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الدين آخر الأمر .
جاءت الحاجة البشرية، وضرورة الحركة في الحياة، مقَدَّمَة، زيادةً في  بيان وتوضيح ما سبق وأنْ وقفتُ عنده من فهم مغلوط ساد في مجتمعاتنا الإسلامية لقوله سبحانه :"وَتَبَتَّل اِلَيْهِ تَبْتِيلا" .
ذلك الفهم الذي جعل من حركة الحياة والاعتياش والعمل والعلم والتعلّم شيئا لا يُقَرُّ عند المسلمين وكأنّ الدنيا خُلِقت لغيرهم، حتى كان ذلك عاملا من عوامل ضعفنا وسيطرة الآخر علينا ... إذ ملك هو زِمام الأمرِ بامتلاك زِمام العلم ووسائله وكشوفاته، وقبع المسلمون خلف قضبان الهزيمة النفسية من جهة، والانقطاع عن الدنيا من جهة أخرى... وهذه تلويحات القرآن تارة، وبياناته الساطعة تارة أخرى تؤكّد براءة هذا الدين العظيم من هذا التقاعس والتكاسل والقعود المغلَّف بغلاف الدين زورا وبهتانا .
"فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ"... تُكرّرَ للمرة الثانية في هذه الآية المخفِّفة للتأكيد على التخفيف، فجاءت مرة بعد ذكر عجز الإنسان عن إحصاء الليل وتقديره على الوجه الدقيق، وجاءت هذه المرة بعد بيان دواعي التخفيف.
وإنّ قراءة اليسير من القرآن مع ترتيل يسمح بالتدبّر والتشرّب لمعانيه، وفهم آليّة عمله في النفس ليُربّيها ويُرْبيها ويزكّيها خيرٌ من قراءة وكأنّ صاحبَها يلهث خلفَ النهاية ليبلغَها وهو يَعُدَّ بلوغه إياها منتهى الغايات ...!
ليست البطولة في سباقات لا تنتهي، السُّرعة فيها سيّدة ورائدة، بل البُطولة في رَويّة وتأنٍّ يخلّفان فهما وتأثرا وعملا ...
ولنا عِبرة فيمَن يزعم أنه يسقي أرضَه فيغمُرُها ماء بينما لم ينتبه إلى صلادتها التي تحول دون نفاذ الماء إليها مهما أغدق وأكثر،فإذا هي المغمورة، تبدو لرائيها المتشبّعة التي لا تفتقر للسُّقيا وهي التي يملؤ ماؤُها عينَ الرائي ولا يعرف إلى أعماقها سبيلا ...
وفيمَن يحرُثُ أرضَه ويهيئها ثم لا ينفكّ متعهّدا لها بين حين وحين بماء رذاذا يرذُّه ...فتراها في كلّ مرة تتشرّبُه وهي المُتندِّية التي سريعا ما تُسفِر عن خضار يكسوها .... وشتّان بين المُسرِع بغمرها، والمتعهّد لها بالرّذاذ...!
وبعد هذا التخفيف، وهذا البيان للرحمة المُهداة عبْرَ آيِ الله في تكليفه لعباده، يأمُرُ سبحانه المؤمنين بعدم التفريط فيما فُرِض عليهم وقد خفّف عليهم ما علم سبحانه أنه مُثقِلُهم :
"وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  ..."
وهكذا وقد خُفِّف عن المؤمنين قيام الليل فأصبح نافلة بعد أن كان فريضة، يحضّ الله على إقامة صلاة الفريضة، وعلى إيتاء الزكاة المفروضة، ويقرن الزكاة بما هو زيادة ونافلة في باب الإنفاق : " وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا  "  في بيان لأهميّة النافلة في الطاعة، وأهميّة رفعها لمقام صاحبها، وتقريبه من ربّه، بل وحبّ ربّه له ...
وقد جاء تأكيد هذا المعنى في الحديث القدسيّ :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: "...وما تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بشيءٍ أحَبَّ إلَيَّ ممَّا افْتَرَضْتُ عليه، وما يَزالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّهُ، فإذا أحْبَبْتُهُ: كُنْتُ سَمْعَهُ الذي يَسْمَعُ به، وبَصَرَهُ الذي يُبْصِرُ به، ويَدَهُ الَّتي يَبْطِشُ بها، ورِجْلَهُ الَّتي يَمْشِي بها، وإنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، ولَئِنِ اسْتَعاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ...." –صحيح البخاري-
ثم يأتي تأكيد مقام الزيادة والتنفّل في الطاعة بقوله تعالى :
"وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا  وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (20)"
كلّما زاد العبد من الخير كلما جمع لنفسه عند ربّه خيرا، هو واجدُه عنده سبحانه يوم يلقاه،  بجزاء خيرٍ مضاعَفٍ أضعافا : "وأعظمَ أجرا" .
وهذا الدين العظيم السامق، يُرقّي العبدَ ويرقى به، ويحبّ له الخيرَ العظيم، وقد عرفنا في سورة المعارج كيف يرتقي بالروح، حتى يفوز الإنسان بالعُروج إلى ربّه في يوم عظيم مجموعٌ له الناس...يومٌ يُخزى فيه الظالم لنفسه بالكفر والتكذيب والاستعلاء على الحقّ، كما عرفنا في الآيات السابقة ...
وقد بقِي قيام الليل واجبا على رسول الله صلى الله عليه وسلّم، وعرفنا ما فيه من عظيم استزادته به لما يَعرض له من شدائد ومصاعب ولأواء في طريق الدعوة، وعلى ذلك بقي فضلُه ودورُه فاعلا في ترقية نفس المؤمن، وتزكيتها، وتصفيتها وتقويتها على ما تُلاقي من ابتلاءات الدنيا...
وفي فضل قيام الليل جاء في البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه رأى رؤيا  . قال: "... فَرَأَيْتُ في النَّوْمِ كَأنَّ مَلَكَيْنِ أخَذَانِي، فَذَهَبَا بي إلى النَّارِ، فَإِذَا هي مَطْوِيَّةٌ كَطَيِّ البِئْرِ وإذَا لَهَا قَرْنَانِ وإذَا فِيهَا أُنَاسٌ قدْ عَرَفْتُهُمْ، فَجَعَلْتُ أقُولُ: أعُوذُ باللَّهِ مِنَ النَّارِ، قالَ: فَلَقِيَنَا مَلَكٌ آخَرُ فَقالَ لِي: لَمْ تُرَعْ، فَقَصَصْتُهَا علَى حَفْصَةَ فَقَصَّتْهَا حَفْصَةُ علَى رَسولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فَقالَ: نِعْمَ الرَّجُلُ عبدُ اللَّهِ، لو كانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَكانَ بَعْدُ لا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إلَّا قَلِيلًا. " –صحيح البخاري-
وفي الحديث بيان ساطع لدور قيام الليل في رفع مقام صاحبه.
كما جاء الأمرُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالقيام وجوبا في صيغة بديعة تصفُه بالنافلة، وهو النافلة من حيث التكليف على سائر المؤمنين، كما أنه النافلة من حيث معنى الزيادة في الخير له هو صلى الله عليه وسلم، : "وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا" –الإسراء: 79-
لتُعطي بهذا المعنى المزدوج عظمة دورِ القيام في إعلاء مقام العبد، فهو صلى الله عليه وسلم وهو الأعلى مقاما بين المؤمنين وبين كلّ عباد الله تعالى، يجعله له قُربى ومرقاة، إذ هو الذي يبعثه به ربُّه مقاما محمودا، وهو مقام الشفاعة يوم القيامة التي يُؤتاها صلى الله عليه وسلم دون غيره من الأنبياء والرُّسُل ...
إنّك وأنت تفهم التخفيف الذي جاء في نهاية السورة، لينتقل الأمر بالقيام من الفرض إلى النافلة، تستشعر رغمَ ذلك عظيم فضل القيام، ذلك وأنت ترى بقاءه فرضا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، لعظيم دورِه في تقوية نفسه، ووَصلِها بالله تعالى، ثمّ وأنت ترقُبُ قرنَه سبحانه للفريضة بالنافلة، فتفهَمَ أنها الزيادة المرجوّة للعبد تدرّ عليه عظيم الأجر والثواب والتقريب من ربّ العزّة، والسموّ بالنفس الإنسانية ...
"وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ  إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" الاستغفار دوما هو استدراك العبدِ على تقصيره في كلّ ما أمِر، هو المنجاة، وعرفنا من قبلُ في سورة نوح كثرة وروده، مع تعداد أفضاله، بل وعرفنا أنّه المنجاة حتى من اغترار النّفس بالطاعة والتديّن ...
وهكذا هو المزمّل صلوات ربي وسلامه عليه، قائم بالليل قائم بالنهار، لا يفتُر...! دائم الاتصال بربّه يستمدّ منه القوّة على وعثاء الطريق العظيم الذي اختاره له، وختم به رسالاته إلى أهل الأرض ... ليبقى المزّمّل قائما بحفظ القرآن ما بقيت الدنيا، وبسنّته الشريفة المطهّرة المُشبَعة حِكمة ونورا ... !
هكذا هي مسيرة حفظ هذا الوحي الذي عرفنا في سورة الجنّ حفظ السماء لأجله، ثم حَفَّه بالحرس والرّصَد وهو ينزل على الرسول، لنعرف مع "المزّمّل" تتمة المسيرة ومحمد قد بُعِث ليقوم فقام حتى أقيم على الأرض ... أقام به رِجالا صنعهم على عينه، قاموا به من بعد ذهابه عن الدنيا ... ! وما يزال كتاب ربّنا محفوظا إلى يوم الساعة بحفظ الله له ...فلا حرمنا نورَه وهَدْيَه حتى ساعة الرحيل إلى لقاء ربنا العظيم ...
والحمد لله على سورة المزمّل، وعلى بعث المزمّل العظيم فينا الذي أدّى الأمانة وبلّغ الرسالة... وكان لنا هاديا، وكان سِراجا منيرا...
ولنا لقاء مع سورة المدثّر بإذن الله تعالى .
(أسماء حازُرْلي) Asma Bent Abdelmadjid
ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""ا"""
#سورة_المزمّل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #354 في: 2026-04-06, 16:55:58 »
"يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون" -الصف:08-
تذكروها في غمرة ما يصدر من أفواه أعدائه ! بأفواههم يريدون أن يطفئوه؟!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #355 في: 2026-04-06, 16:56:34 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

شيء من تدبر ات لي  في سورة "الصفّ" العظيمة .....
في قول الله تعالى : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11)" -الصف-
الجود بالمال جهادا في سبيل الله لا يقتصر على  المساهمة في حروب ضد أعداء الله بالعُدة اللازمة...
وإنما هو كل‌‌‌ جهاد في سبيل إعلاء كلمته سبحانه بتمويل مشاريع لنشر هُدى القرآن تحفيظا وتدبرا وتفسيرا... لتشجيع الشباب على الفضيلة، وعلى التزام الطريق المستقيم...
جهاد بتمويل الدعاة المخلصين لله لنشر كلمة الله، وهُداه في الأرض ...
مجاهدة بالمال في سبيل تنئشة جيل مسلم على الموالاة لله ولرسوله، وعلى البراء من أعداء الله، باتخاذ ثقافتهم وسلوكياتهم ظهريا، وتبنّي تربية القرآن،  وهدايات السُّنة المطهّرة بغاية التكريس للخُلُق القويم في المجتمع المسلم.
بذل المال جهادا في سبيل توحيد صفّ المسلمين، ونبذ الفرقة ...
توحيد الصفّ بدءا من النواة الأولى، الأسرة ...بضرورة الحفاظ على تلاحم أفرادها، وتحابّهم، انطلاقا من مودّة ورحمة تقوم بين الزوجين في سبيل تخريج مؤمنين موصولين بالله...
انتقالا إلى التلاحم المجتمعيّ، بالتكافل والتعاون، بعَضْد القويّ للضعيف، وإعطاء الغنيّ للفقير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحبّ المؤمن الخير لأخيه المؤمن حبه لنفسه، وانشغاله بحال أخيه المؤمن...
بدوام الدعوة إلى الثبات على الولاء لله، وإن تكبّد الداعي في سبيل ذلك ما تكبّد من صعاب، مع ما يُعرف من هجمات على الإسلام، وترصّد له من الداخل والخارج، في خضمّ هذا التواصل العالميّ بالوسائل  المختلفة المتاحة، والتي نفَذَتْ من خلالها عوامل الشقاق والنفث في روح الجسد الواحد بالتفريق، والتحريض على تقاتل أطرافه فيما بينها لإضعافه وخلخلته ...!
الصفّ الواحد ......
إنه الذي يعلم أعداء الله وأعداء الإسلام علم اليقين أنه الحصن المنيع دون إنفاذ إرادتهم استئصال شأفته باستئصاله من قلوب المسلمين ومن فكرهم ... بالتمكين للغزو الفكريّ الذي يعمل عمله اليوم بشراسة على كل الأصعدة، مع ما مهّد له من انبطاح المنبطحين المنافقين الذين هم العدوّ الأكبر وهم منّا وفينا .... !
بذل المال في سبيل توحيد الصفّ جهاد في سبيل الله... !
بذل المال في سبيل إجهاض محاولات التفريق والتشتيت والإبعاد عن الهويّة الحقيقية، وتلبيس الأمر على شباب الإسلام، بتشكيكه في دينه، وبجعله الفريسة السهلة بين أنياب أعداء الدين وهم يقتحمون عليه أخصّ خصوصياته في عُقر داره ويضربون انتماءه في مقتل ... !
بذل المال في سبيل إعادة شباب المسلمين إلى جادّة الحق، وفي سبيل تشريبهم الولاء لله وللدين، جهاد في سبيل الله، في نار هذا العصر المسعور  بالحقد على الإسلام، المُسَعّر بكُرهه ... !
بذل المال في سبيل توحيد الصفّ المسلم، وفي سبيل التنئشة السليمة للأنفس المؤمنة على موافقة الفعل للقول، ونبذ الازدواجية، وشيطنة النفاق...
كلها جهاد في سبيل الله، في ظل اشتعال الحرب على الإسلام... حربٌ الأرض كلها اليوم ساحتها، وكل الطُّرق أسلحتها...! 
بل إن "السلام العالمي" و"الأخوة في الإنسانية" "والتعايش" و "العولمة" و "كَفْل الحرية العقدية للفرد"  كلها أسلحة ماضية في عصرنا لضرب الإسلام ولحربه ...!!
وإن التفطّن لكل هذه الوسائل الخبيثة الملتوية، ولهذه الحرب المعلنَة والمقَنَّعة في آن ... المعلنة عند أولياء الله وأولياء دينه، البيّنة عندهم علاماتها ... المقنَّعة بقناع الإنسانية وحرب الإرهاب عند المطبّيعن والغافلين عن قضايا دينهم، المولعين بالدنيا،  العابدين لمظاهرها .... !
التفطّن لهذه الحرب الشّرسة، ولما يُراد بالإسلام من الداخل ومن الخارج على السواء ...  سلاح وجب أن يتسلح به المؤمن في إطار اعتقاد منه جازم بأن الله متمّ نوره ولو كره الكافرون، ومظهر دينه ولو كره المشركون، يدعمه العمل المصدّق للاعتقاد والقول، جهادا في سبيل الله بالمال وبالنفس ... !
إننا في حرب من نوع آخر ... حرب بلغة العصر، بلغة الخبثاء الذين يحاربون الحقّ  باسم السلام وباسم المؤاخاة وباسم الحريّة .... ولكنها في حقيقتها حلال فيما بينهم، حرام نحوَ المسلمين ... !
هُم هذا اعتقادهم وهذه عقيدتهم ...! والمسلمون اليوم متخلّفون عن موالاة بعضهم بعضا، متناحرون متقاتلون ... بينما  يوالون أعداء الله ... ! 
ويالسُخريّة المفارقات !! ويالِبُعد القول عن الفعل ... !
كله من روح هذه السورة التي تبدأ أوّل ما تبدأ بإنكار أن يقول المؤمن ما لا يفعل ... !
#سورة_الصف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #356 في: 2026-04-06, 17:10:50 »
نصيحة من القلب... أسألكم بالله أن تسمعوها مني يا كل إخوتي وأخواتي...!
شربوا أبناءكم معرفة القرآن وسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أي معارف أخرى...!
اجعلوها أساسا لبنيان شخصياتهم المرصوص...   
حينما يتشوف  أولادكم للقراءة،  وأنتم تسعون لتنشئتهم على حب المطالعة...  مكنوهم أول أمرهم من معرفة معاني قرآنهم،  وسيرة نبيهم ثم تاريخهم الإسلامي... قبل أي معارف أخرى...
لا تغتروا حينما ترونهم يحبون القراءة والمطالعة، ويكثرون منها وهم في جهل مطبق بقرآنهم وسيرة نبيهم،  وأحداث التاريخ الإسلامي...  فإن ذلك من شأنه أن يجعلهم فريسة سهلة للثقافات الواردة...  للفكر الآخر..! فيشبوا على ذلك،  ويكبروا عليه،  وقد انبهروا به وتشربوه بدل تشربهم لأساسيات دينهم، ولخصائص ثقافتهم،  فَتَفْخَروا بهم وبزادهم المعرفي، بينما قد أصبحوا منافحين شرسين عن ثقافات الغير، وعن فلسفاتهم المتهافتة...!!! وعن تصورهم للوجود، الذي يرونه التصور الذي على المسلمين اليوم تبنيه إن أرادوا فلاحا...!!!!! 
احذروا أن تتركوهم لذلك العالم، قبل أن يفهموا قرآنهم، ويتشربوا تربيته وهداياته... قبل أن ترسخوا فيهم التصور الإسلامي للغاية من وجودهم،  ولدورهم في هذا الكون...  !
لا تغتروا بعنوان القراءة والمطالعة... فمن القراءة ما يصنع ابناً للعلمانيين وأعداء الدين لا ابنا للإسلام...!!
إن كنتم حقا تريدون نصرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاصنعوا من أبنائكم أبناء للإسلام،  مخلصين له،  متفطنين للحروب الشرسة المعلَنَة عليه... 
هكذا تنصرون رسول الله حقا...  !!
فإن من بني الإسلام من تسمى بعنوان الثقافة وسعة الاطلاع، وما هي إلا السلاح يصوبه ابن الجلدة نحو دينه...!  وقد صار منافحا ومدافعا عن الآخر وعن حضارته،  وثقافته لا عن الإسلام...!!
فاحذروا ثم احذروا....  !!!! 
#الثقافة_الإسلامية
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #357 في: 2026-04-06, 17:11:18 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

الله سبحانه جلّ في عُلاه،  كان كلما تطاول على الناس الزمن وارتكسوا،  وأنكروا التوحيد الذي جاءهم به رسلهم،  بعث رسولا جديدا...  ليُحيي التوحيد في الأرض، وليعيد الناس لعبادة ربهم الواحد...
حتى كان الخاتم صلى الله عليه وسلم...
فها نحن في تجاذب وصراعات وصدامات...  وها نحن بين ضعف وضعف أكبر...  وهوان،  وذلة واستباحة لحرماتناومقدساتنا، واستلاب لأراضينا وخيراتنا، وظلم واستبداد... وبين حين وحين هي الاستفاقة والهزة، والرجّة والانتهاض...!
فرغم كل ما هو كائن...  التوحيد باق،  وذكر الله باق،  وحب رسول الله صلى الله عليه وسلم باق... والقرآن محفوظ وباق   
ومواجهة الباطل باقية...!
لن يرسل الله رسولا بعد محمد صلى الله عليه وسلم...  لذلك فإنه على كل ما نعيش من استضعاف، وعلى كل ما نعرف من علوّ لأهل الباطل وقوة المادة،  وعلى ما نعرف من انتفاش لباطلهم،  ومن طغيان للظلمة الماديّين...  وعلى ما نشهد من تفسخ أخلاق وانحلال،  وخروج عن الفطرة الإنسانية إلى البهيمية والحيوانية باسم المظلومة "حرية"...!  فإن الجذوة باقية...!
لن نصير بأي حال من الأحوال إلى ما صار إليه أقوام ارتكسوا حتى تجدد فيهم بعث الرسل...  !
فلنُفق من سدرنا في غيّ دندناتنا بأننا الضعفاء،  وبأننا الذين علينا وعلينا وعلينا...  ولنصنع من الإيمان الباقي فينا قوة وعزة،  ولا نيأسنّ من رَوح الله...  فإننا أتباع الرسول الخاتم الذي لن يأتي بعده رسول،  ولن ينزل بعد كتابه كتاب...  !
إن الأرض لن تخلو من نبتة الإيمان، ولن يشحّ ماء لسقياها، ولإيناعها، ولإزهارها...
لدينا ما يكفي لصناعة قوة...  الإيمان فينا  ينبعث قوة بين كل حين وحين ليصنع الحدث الأكبر على الأرض...  حتى تنضج انبعاثاتنا المتوالية،  وتصبح قوة فاعلة ناهضة لا تعود للفتور...!!  إننا أتباع النبيّ الخاتم الذي لن يأتي بعده نبي...  !
#النبي_الخاتم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #358 في: 2026-04-06, 17:20:23 »
شجرة واحدة من بين لفيف شجر الجنة، وسوس بشأنها إبليس لآدم ...! وإنها دائما وأبدا الشجرة الواحدة بين لفيييف الشجر المحيط بنا، لفيف من الحلال، ولكن هي ذاتُها التي يزيّنها لنا إبليس ...! تأمل إنه لأكبر دليل على أنه لا يهمه إلا أن يحيد بك عن طاعة أمر الله ! فاحذرْه، فإن الشجر غيرها كثير وفير ... !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #359 في: 2026-04-06, 17:20:59 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تأمّلوا أمنيات سيدنا إبراهيم عليه السلام ... تأمّلوا شغله الشاغل، الذي ملأ عليه عقله وقلبه ما حيِي ... فلازمَه التفكير فيما يكون بعد ذهابه ... !
تأملوا "التفكير الإبراهيميّ البعديّ" الفريد ...!
لقد تمنّى الإمامة في ذريّته، كما جُعل هو للناس إماما ... لتستمرّ الإمامة للخير من بعده، وليطمئنّ على دوام التوحيد والدعوة إلى الله :
"وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ ..."
ولكنّه سبحانه بيّن له أنّه ليس شرطا أن تكون الإمامة في كل ذريّته، بل إنّ منهم ظالمين ليسوا لها أهلا :
"قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ"
وما يزال الخليل يلحّ على ربّه، وما تزال أمنيّته، وما يزال عليها مقيما، بل إنها لأوسَع وأشمَل... :
"رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ ..."
يا ربّ... أمّة كاملة مسلمة لك ... !
هكذا فلتكن الأمنيات، هكذا فليتطلع المؤمن إلى عطاءات ربّه العظيم الواسع الكريم الذي لا ينقص من ملكه مقدار ذرّة وهو يعطي كل مَن سأل ...  هكذا فلتكن غاية أمانينا أن يدوم التوحيد في الأرض، وألا تنْبَتَّ صلة العبد بربّه الواحد الأحد.... هكذا فلنُجمِل في الطّلب.. ولتكن أمنياتنا للأمّة ... وللأرض قاطبة بالأمة المسلمة...
لقد دعا بالأمّة المسلمة ....  ولقد استجيب دعاؤه... ولقد كانت !!
ثم قال بعدها :
"رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ "
ابعث يا ربّ من أهل هذه الأرض -حيث نرفع قواعد بيتك- رسولا ... ابعثه فيهم... ! لم يقل من ذريّتي، فلقد فقِه عن ربّه أنّ من ذريّته ظالمين، وأنّ عهد الله لا ينال الظالمين ... فدعا على الإطلاق والتعميم، لا على التخصيص،  برسول يُبعَث فيهم... فإن ما يهمّه وما يتمنّاه أن يُبعث رسول بالتوحيد والهُدى، لا أن يُختَصّ بذلك ذريّتُه دون غيرِهم...
فاستجيب دعاء الخليل وتحقّقت أمنيته العُظمى....
حقّق الله دعاءه بالأمّة، بل وجعل الرسول من ذريّته ... جعله إماما من ذريّته، وجعل الأمّة من ذريّته ...
فتأمّلوا صدق الداعي، وتأمّلوا كيف صدقه ربُّه لما صدق ... !
#إبراهيم_عليه_السلام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب