
تابع....
وهكذا سبحانه سخّر طبيعتَه عذابا على عباده المكذّبين الطاغين...
وليس بعيدا ولا مستحيلا في حقّ الله تعالى أن يرسل عذابه على عباده في كل زمان كما شاء وكيفما شاء، وليس لأحد أن يجزم بقَصْر هذه العذابات منه على أقوام سابقة، وأنّها التي لم يعد زمانُها ...
ولا يَبعُدُ أن تكون بعض الكوارث الطبيعية عذابا وغضبا من الله تعالى ... وليس في إغراق الماديّين والطبيعيّين ومَن يُسمَّون العقلانيين في إضفاء تفسيرات علميّة بحتة صمّاء على تلك الكوارث ما يَنفي أن تكون مع طبيعتها وأسبابها العلميّة غضبا من الله ...
بل إنّ المؤمن وهو يفهمها علميّا لا يُنقص من فهمه أن يجعل فيها احتمال الغضب والسّخط من الله، بل إنه بذلك يفتح لنفسه بابا من أبواب التذكّر، والخوف الواجب من جلال الله وعظمته وطلاقة قدرته، يفتح باب الفرصة التي قلنا أنها الحُظوة التي تُولَد من رحم المصيبة ... الفرصة التي تجعله يتذكّر، ويُعظِم قدرة الله، وهو يتذكّر عذاباته التي نزلت بعباد له في أزمنة سابقة ...وأنه القادر على إنفاذ أمره بعذابه كيفما شاء ومتى شاء ...
ليس من نكير على مَن يضع احتمال غضب الله تعالى في كوارث طبيعية عرفنا منها في عالمنا الكثير، أتت على بشر كثيرين، وأهلكت زرعا وحرثا ... بل هو الأمر الملازم للمؤمن، وهو الاعتقاد الراسخ عنده أن كل حركة للطبيعة وكلّ عمل فيها هو بأمر خالقها الذي يسخّرها للعبد متى شاء، كما يسخّرها عليه متى شاء...!
وقد يتعلّل بعضُهم بأنّ عذاباته سبحانه التي ذكرها في القرآن نزلت تزامنا مع رُسُلٍ بلّغوا فكُذِّبوا، فتوعّد الله الأقوام، فتحقق وعيده... وها هنا أذكر ما عرضنا له قريبا في سورة المُلك، قصة أصحاب الجنّة الذين لم يُزامنوا رسولا، ولم يكن العذاب الذي نزل بهم وعيدا مسبقا كذّبوا به فتحقّق، بل لقد كانوا مؤمنين... ولكنهم سدروا في الغفلة نائمين حتى أيقظتهم المصيبة، وانتبهوا أنّ سبب نزولها بهم غضب من الله دونما نبيّ مبعوث فيهم ينجو هو ويهلَكون، لم تجنح عقولهم إلى أنها من فعل فاعل ترصّد بجنّتهم العظيمة وأراد بها شرّا فأنفذه، ولا أنّ مارّا عابثا عبث بنار فألقاها حتى أتت عليها، ولا ذكروا أهل حسد ممّن يعرفون تمنّيهم زوالَها عنهم كما يفعل الكثيرون من المسلمين اليوم -كلما حلّت بهم مصيبة عزوها إلى عين حاسد أو إلى قلب حاقد- بل إنهم فورَما رأوها أقرّوا بأنهم الذين حرمهم ربّهم من ظلمهم، ولقد كان ما عرفوا حقا أنزله الله في كتابه الأخيرعلى نبيّه الخاتِم ذكرا إلى يوم الدين .. لقد حظوا بالفُرصة... وأنابوا...!
وكذلك حالُنا ... وكذلك ما يجب أن يكون منّا من تفاعل مع كوارث الطبيعة، ألا ننكر عِلْمِيّة أسبابها وألا ننكر بالمُقابل احتمال أن تكون غضبا من ربّ السماوات والأرض، بل إنه من الخطر ألا ننتبه ...! والأرض اليوم تعجّ وتكاد تضجّ بالبشر وهم عليها يتجرؤون على الله، ويعتدون، ويعتون ...!
وليس الغضب منه سبحانه بحِكرٍ على كافر دون مؤمن، بل إنّ المؤمن أحرى أن يكون المحتمِل لغضب الله تعالى، فلا يستثني نفسَه، وهو يُقِرّ بتقصيره وغفلته، ويجعل من تذكّره ذاك بابا للاستدراك والعمل ...! حريٌّ بنا أن نتعلم من سورة القلم، من قصة أصحاب الجنّة التفطّن والاستفاقة، وأن يكون قولنا عند الكارثة الطبيعية : "سبحان ربّنا إنا كنّا ظالمين"
ونمضي مع الحـــــــــــــــــــاقة ...
"إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) "
من بعد ذكر عذابات عاد وثمود، وسائر المكذّبين من الأمم السابقة، بما فيهم فرعون والمؤتفكات وغيرهم ... يذكّر الله عباده بنعمة جليلة عظيمة من أكبر نِعَمِه عليهم، لتُقابل هذه النعمة ما سبقها من عذاب :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)
خطاب لعموم الناس، لعموم البشر، عن تنعّم الله على نوح عليه السلام ومَن كان معه على السفينة بالإنجاء من طوفان الماء الذي عمّ الأرض...
وكائنٌ خِلاف حول ما إذا كان الطوفان قد عمّ الأرض كلها، أو أنّ المعنيّ بالأرض أرض قوم نوح دون غيرها ... ولكنّ هذه الآية تحديدا تعطي إشارة قوية جدا إلى أنّ الطوفان على الأرجح قد عمّ الأرض كلّها، فكان بذلك سيدنا نوح عليه السلام الأب الثاني للبشرية من بعد آدم عليه السلام.
لما طغى الماء حملناكم في الجارية، في السفينة : " وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ" ...
كان هَوْلا عظيما، فطغى الماء، وغشّى الأرض... كان الموج كالجبال، ...جاوز كل الحدود، لولا أن تداركت أهلَ السفينة نعمةٌ من ربهم لما بقي على الأرض من بشر ...
إنه الامتنان من الربّ سبحانه على عباده، أنه الذي أنجاهم بتنجية آبائهم على السفينة ... وهو خطاب لكلّ البشر لا على وجه التعيين ولا التخصيص . مما يرجّح فعلا أنّ الطوفان قد عمّ الأرض كلها ...
وما أشدّ مناسبة مجيئ هذه الآية في هذا المقام، من بعد ذكر العذابات العظيمة ... إن الله تعالى لم يخلق عباده ليعذبهم، إنه سبحانه صاحب المنّة عليهم، وصاحب الفضل... إنّه خلقهم ليعبدوه وليوحّدوه وليقضوا على الأرض ما شاء الله لهم أن يقضوا وهم في ابتلاء وامتحان، ينتهي ليحلّ موعد الجزاء ...
إنّ هذه الآية لَتومئ وتشير بقوة إلى أنّ الدنيا فرصة للعمل، فرصة للنجاة من عذاب عظيم في يوم متحقّق فيه الوعد والوعيد، يوم الحاقة ...في يوم لا عمل فيه، ولا فرصة فيه للعودة وللعمل ...
وأيّ قوة لتلك الجارية تقارع بها جبال الأمواج لولا رحمة الله وقدرته، وأنّه المنجّي والقاضي بما يشاء ...!
"لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ"
إنها التذكرة بمِنن الله ونِعَمِه، وبفضله على عباده، وبإنجائه لهم متى يشاء، وكيفما يشاء، وأنّ الإيمان كما كان سبب نجاتهم في الدنيا، فهو سبب نجاتهم في الآخرة... ثم إنّ المخاطبين هم أبناء الناجين في السفينة، هم السلالة الممتدة منهم والمنتشرة على الأرض...
أنتم أيها الناس بشِراركم وخِياركم، بالمؤمن منكم، والكافر أنتم سلالة المؤمنين الناجين الذين كان الإيمان سببا لنجاتهم ... الإيمان كان الأصل في آبائكم الأولين ... الإيمان جذوركم الضاربة في الأرض ...المتصلة بالسماء ... الإيمان هو الذي خُلِق به الإنسان فِطرة، وهو الذي نجا به من أهوال الدنيا قبل أهوال الآخرة ... وها أنتم أولاء تستكبرون، وتستمرؤون، وتتمرّدون على فطرتكم وعلى أصلكم وجذوركم كالنبتة الطفيليّة التي تنبت شاذة، وتتكاثر فتحسب أنها الأصل ...!
و "أُذُنٌ وَاعِيَةٌ " ... دقيقة هي هذه العبارة أيّما دقّة ... وأستصحب لها ما عرفنا في سورة المُلك، في شهادة الكافرين على أنفسهم يوم القيامة وهم يُلقَون في النار : "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ "
"لو كنّا نسمع" ... سماع أذن واعية، أذن تعي أي تجمع ما تسمعه وكأنها الوعاء له، فلا تضيّعه، لا تجعله ينساح منها انسياح الماء من وعاء مخروق ... بل تعيه، فتمتلئ به وبأنواره فتنجو ...
فإن كانت عذابات عاد وثمود وفرعون والمؤتفكات وقوم شعيب وغيرهم عظيمة، وإن كان أحدنا يُكبِرُها، ويتعجّب من الحياة بعد إهلاك كُلّيّ لتلك الأمم ... فإنّ الطوفان كان أشمل، كان أكبر... طمّ وعمّ .... ! ولكنّها لم تكن النهاية ...!
طوفان عظيم أحاط بالأرض، وعمّها، وطغى ماؤه، حتى لكأنّها نهاية الدنيا بأكملها من هوله، ومن ضآلة الأرض وهو عليها يطغى... تعود الحياة للأرض من جديد بقدرة القدير سبحانه وبمشيئته، وبقضائه فيها... لم تكن النهاية ... بقي على قيد الحياة ما يُعدّ عدّا من البشر، ولكن تعود الأرض بهم عامرة من جديد، من بشر كانوا يُعدّون قلّة القلّة ... !
إنها لتذكرة... وإنّ الأذن لتعي عظمة أمر الله فيها ...!
لم يحن أوانُ النهاية بعد .... ولكنّه آت آت .... فمتى هو ؟؟!
لا موعد يحيط به البشر خُبرا ... ولكنّ المولى سبحانه يلقي بعلامات له... لقد انتقلنا من الأرض العامرة بعد الطوفان الطامّ العظيم، من الدنيا التي على رغم العذابات التي نزلت لن تنتهِي إلا بأمر الديّان وحده .... عندما :
"فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)"
ها هنا .... عند هذه الأحداث ... عندها تحقّ الحـــــــــــــاقّة ...
و"واحدة" هنا تعني أنها الكافية لما يُراد منها، وليس معناها أنّ لا تالية لها، لأننا نعلم أنّهما نفختان، الأولى هي نفخة الصعق للإيذان بنهاية الدنيا وفناء مَن على الأرض وما عليها، أي بموت كل الخلائق، والثانية هي المؤذنة بالبعث ليُبعث كل الموتى للحشر والحساب :
"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ"-الزمر:68-
ويُرجّح هنا أنّها النفخة الأولى، لما يناسبها من لاحِق الآيات ... نفخةٌ وُكِّل بها المَلَك منذ أن قضى الله تعالى أمر الدنيا : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أعرابيا سأَل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ما الصُّورُ ؟ قال : ( قَرْنٌ يُنفَخُ فيه ) . –صحيح ابن حبّان-
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن طرفَ صاحبِ الصورِ منذُ وُكّلَ بهِ مُستعدّ ينظرُ نحو العرشِ ، مخافةَ أن يُؤمَرَ قبل أن يَرتدّ إليهِ طرفهُ ، كأنّ عينيهِ كوكبانِ دُرّيانِ"-الألباني: السلسلة الصحيحة-
قد حان الأوان ...... إن الدنيا إلى ذهاب... إنها إلى زوال ... إنّه أمر الله فيها، وإنه إذنُه، وإنه أوانها قد حان أن يعلمَه البشر وهي تحتضر...
نفخة واحدة تُنهي الدنيا، وليس ذلك إلا من هوانها على خالقها سبحانه، تكفيها واحدة ...!!
أين الأرض؟ أين الجبال ؟ أين السماء ؟ ... أين ما ألِفنا وعرفنا ؟! إلى أين ؟!
"وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً"
يا الله ... يا عظيم ...!!
حُمِلت الأرض بجبالها، وكأنها الكرة الصغيرة التي تُطاوِع يد الطفل الصغير...! حُملتا فدُكّتا دكّة واحدة... واحدة هي الأخرى، دكّة واحدة... دقّة واحدة صيّرتهما هباء ... !
تلك التي استكبرتَ عليها أيها الإنسان، وعتوتَ، وتجبّرتَ، وظلمتَ، وعددتَ مالَك عصاك التي تهشّ بها على الناس لينساقوا لأمرك ... لا شيء غير أمرك ...!
تلك التي استعليتَ فوقها حتى قلتَ : "أنا ربّكم الأعلى" ...
عليها رفعتَ رأسك عاليا، وقلت لا إله والحياة مادّة، وعليها قلتَ أنّ الأخلاق ابتداع من ابتداع البشر، وأنّ الخُلُق واللاخُلُق سواء، وأن الإجرام والإسلام سواء، وأنّ العُري والتستّر سواء ... بل إنّك تدّعي التسوية بينهما، بينما أنتَ المنادي بإعلاء الفساد في الأرض شعارا لك ومنهاجا ... !
عليها... على تلك المدكوكة والجبال دكّة واحدة خِلتَ نفسك الأشمّ والأرسخ، وأنّها لن تميد بكَ، ولن تمور ما دمتَ عليها تصول وتجول ...!
عليها كذّبتَ الرُّسُل، وتأفّفتَ من الوحي وعبستَ وبسرتَ وتولّيتَ، ثم قلتَ: إن هي إلا أساطير الأولين ...! عليها ... تلك التي تكفيها نفخة واحدة، ودكّة واحدة من أمر خالقها وخالقك عليها، تشرّفتَ بلقب العلمانيّ والتحرّري والليبرالي والشيوعيّ، وأزلقتَ ببصرك وقلبك الكَارِهِ الحقود كلّ مَن قال بالإسلام قولا أوعمل به عملا ...! وعددتَه الإرهابيّ الدمويّ، وأنتَ بالمقابل تركع وتسجد لمصّاصي الدماء وهم يتوشّحون بالعُرْي والتحرّر من الدين والتطوّر المزعوم فِكرا وعملا ...!
عليها قتلتَ، وأرهبتَ، وسجنتَ بسلطانٍ خوّله لك أسيادٌ أنت لمآربهم قاضٍ بامتياز، لتحفظ لهم خيرات أبناء جلدتك، ولتتقاضى من أياديهم النّجِسة دُريهمات ولتبقى صورة ودُمْية يحرّكونها بخيوطهم، ولكنّها دُمية يُدّعى لها كرسيّ من ذهب ... !
عليها ... شطحتَ ومرحتَ وسرحتَ تدّعي تجديد الدين، وأنت تقطّعه إربا لتُلقي به فُتاتا على شباب تصيّدتَ لَهْوَهُ وانبهاره بالماديّات وغلَبة الشهوات عليه، فصدعتَ أن يا أيها العطشى قد جئتكم بماء معين !! تريد أن تزيد من غرق الغريق وأنت تدّعي امتلاكك لقشّة النجاة ...! تريد وأمثالك أن تصنع دينا مِطواعا للأهواء على اختلافها وتباينها ...!
هي ذي الدكّة الواحدة ... فاين أنتم يا دعاة الإلحاد وأنّ الكون موجِد نفسه بنفسه ... ويا دعاة الجينِ الأنانيّ، ويا دعاة نظرية التطوّر والارتقاء والانتقاء ... ! وأنّ الكون من خليّة أوجدت بنفسها نفسَها ...!!
إنها الدكّة الواحدة ..... إنها الحـــــــــــــــــاقّة ....
"فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) "
ليس لوقعتها كاذبة ... إنها الحاقة، وإنها القارعة، وإنها الواقعة ...
كلها اجتمعت في هذه السورة، كل هذه أسماء لمسمّى واحد، وكلّها حقّ، وكلّها وعد غير مكذوب ...
وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)
هي ذي السماء التي تظلّك أيها الإنسان ... ! هي ذاتُها التي قال فيها المولى في أوان الدنيا : "...فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" -الملك-
لم يكن فيها من فطور، كانت المرفوعة بلا عمد ... فإذا هي اليوم المنشقّة المنفطرة ... ويالعظمة أمر الله وهي المنشقّة يوم تنتهي الدنيا، فهي لا تقع كِسفا على الناس ! بل هي المنشقّة وانتهى ...!
إنها اليوم واهية، ضعيفة بعد أن كانت القويّة الشديدة المرفوع سمكها ... !
وعلى أرجائها المَلَك، كل الملائكة أو عدد منهم ذلك في علمه وحدَه، ولكنه جمع الجنس ...جند الله وخَدَمَته المطيعون، ليقع لنا شيء من التخيّل، أنّها المحاطة بالملائكة ...
وسيأتي اليوم الذي نرى فيه هذه الأهوال ...هو آت آتٍ... فنسأله سبحانه أن نراها ونحن من المطمئنّين ...
"وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ"
فوق الملائكة المحيطة بأرجاء السماء، عرش الملِكِ سبحانه الرحمان، يحمله ثمانية من الملائكة، أو ثمانية صفوف منها ...
إنه ما لا يُقدّر ولا يُتصوّر، ولكنّ القرآن يحيطنا علما بالحق الذي هو كائن يومها ... يعرّفنا بعلامات لذلك اليوم الحقّ العظيم ...وكله من الحقّ المتحقّق يوم الحــــــــاقة ...
يضعنا سبحانه في إطار من تبدّل حال الأرض والسماء، ومن انكشاف الملائكة للأعين يومها، فهم المُبصَرون من البشر وهم بأمر ربهم يأتمرون ... ثمّ ينقلنا إلى حال الناس، وأصحاب اليمين منهم هم الأول ذكرا :
"يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ " ...
وما أدقّ هذا التعبير القرآنيّ الجليل: لا تخفى منكم خافية، والخافية هي اسمٌ لما يخفى أصلا فلا يظهر... ولكن كلّ خافية للبشر في ذلك اليوم ظاهرة ... لا خفاء .. ما تخفيه الصدور، كتب الكاتبين الحافظين لأعمال الناس ...إنه يوم الحقيقة، يوم الكشف عن كل مستور، يومَ يُذهَل الإنسان من انكشاف أدقّ دقائق شأنه ... فكتابه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ...!
ويتبع مع تاملات لي أخرى في سورة الحاقة بإذن الله