
عرفنا في حديثنا السابق حادثة التفاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم حوله يسألنَه النفقة...
وكنا قد عرفنا كيف كان معهنّ متفهّما، رحيما مستوعبا لبشريتهنّ ومطالبهنّ، فلم يزجرهنّ ولم يُلجمهنّ بتذكيرهنّ أنهنّ يسألن الدنيا من النبي المرسل من ربه والذي هو مثال الإعراض عن ملذات الدنيا، ومثال الصبر على شظف العيش ...
لم يُلزمهنّ بغير ما نطقت به بشريتهنّ ...
وعرفنا بالمقابل كيف اعتزلهنّ شهرا كاملا يختبر مدى تحملهنّ فراقه والبعد عنه، حتى نزلت آية التخيير تأمره أن يخيرهنّ بكل حرية بين الدنيا أو الله ورسوله والدار الآخرة، وكان صلى الله عليه وسلم مثالا للعدل والرقيّ، فبدأ بعائشة رضي الله عنها، وطلب منها أن تتمهل ولا تتسرع في قرارها، مقدّرا لعقلها ولاختيارها، فكانت منها المسارعة إلى اختيار الله ورسوله والدارة الآخرة دونما تلكؤ أو تردّد ...
اليوم سنكمل مع السياق ذاته، ولكن مع حديث جديد، ومحطات جديدة تستوقفنا ...
إنها قضية اعتزاله نسائه صلى الله عليه وسلم، ما تزال تعلّمنا ...
في حديث صحيح يرويه سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه دخل المسجد يوما، فوجد الناس ينكُتون بالحصى كفعل المهموم الذي يحدّق بالأرض ويضرب عليها بالحُصيّات، يقولون أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاته، وذلك من عِلمِهنّ باعتزاله إياهنّ لأيام كثيرة، إذ كان صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس في المسجد ثم يأوي إلى مَشرُبةٍ له فوق حُجراته...
والمَشْرُبة مكان يُتخذ لجمع الأثاث والحاجيات غالبا ما يكون في الأعلى ...
ويُتخذ إليه دَرَج من جذوع النخل يُرتَقَى به إليه ...
فكان صلى الله عليه وسلم يتجاوز كل حجرات زوجاته ويأوي إلى تلك المَشرُبة، والناس يعلمون منه ذلك وهم يرَوْنَه بين غدوّ ورواح منها إليها ...
فقال عمر : "لأعلمنّ ذلك اليوم" يريد أن يتحقّق من الأمر بنفسه، ولم يكتفِ بما سمعه من الناس المهمومين بالمسجد ...
وكعادتنا يستوقفنا الحديث من بداياته .... 🙂
هؤلاء المؤمنون ينكُتون بالحَصى مهمومين منشغلين مفكّرين يَرُوعُهم أن يسمعوا أنّ رسولهم صلى الله عليه وسلم قد طلّق زوجاتِه ...
هؤلاء المؤمنون مِن حوله لا يجرؤون على سؤاله والاستفهام منه عن أمر من خاصّ خصائصه ولكنهم يهتمون لأمره صلى الله عليه وسلم أيّما اهتمام ...
يغتمّون، يخشون أن يكون الخبر حقيقة، ينظرون في مآله، وفي حال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مطلّق لكل زوجاته ...
هكذا عَلَّمهم صلى الله عليه وسلم أنّه لا يؤمن أحدهم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه، فكيف إن خصّ الأمر رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أحبّ الناس إلى قلوبهم، وأقربهم إلى نفوسهم، وأحنّهم عليهم، وأرأفهم بحالهم...؟!
الذي لا يعنّتهم ولا يشقّ عليهم ولا يطمئنّ ولا يسكُن وأحدهم مشغول البال أو مكسور أو مخذول أو مظلوم حتى يقتصّ للمظلوم ممّن ظلمه، وحتى يشفي غليل السائل إذا سأله، وحتى يُغيث الملهوف، وحتى يقضي للمضطر حاجته، وحتى يعلّم المتعلم المستزيد، وحتى يُريح بال المهموم المحزون ... وحتى ييسّر على كل مُعسِر، وحتى يؤلّف بين القلوب...
كيف بمَن هذا دَأبُه ودَيْدنه معهم ألا يهتمّون لهمّه ولا يغتمّون بغمّه ... ؟!!
هكذا كسب القلوب صلى الله عليه وسلم، فكان أوْفاهم إذا وعد، وأدمثهم خُلقا إذا عاشر، وألْيَنهم عريكة ومَوْطئا ...
ولقد شهد له ربّ العزة سبحانه إذ قال في كتابه الحكيم : " لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ (128)"-التوبة-
ولقد سئلت عائشة رضي الله عنها عن خُلقه فقالت في كلمتين : "لقد كان خُلُقُه القرآن "
فهلا تعلّمنا منه صلى الله عليه وسلم ؟!
هلا تعلّم منه الزوج كيف يكسب قلب زوجته ؟
وهلا تعلمت منه الزوجة كيف تكسب قلب زوجها ؟!
بالرحمة، بالرأفة، بحُسن الجمع بين حروف البشرية لقراءة حالة المخطئ منهما إذا أخطأ، ولفهم نفسيّة الزالّ إذا زلّ ... و ليتفهّم أمر الذي يلازمه الصبر إذا ما ضجر يوما فنطق ...
عندها سيكون لذلك الودّ موقعٌ من الحياة، وستكون للرحمة مكانة منها، وسيهتمّ الزوج لحال زوجته، وسيفعل ما بوسعه للتّسرية عنها، وسيكون طبيبها إذا اعتلّت نفسها، وستكون طبيبته إذا اعتلّت نفسه...
وليس الأمر قصرا على الزوجين، بل فيما بين المؤمنين كافة، بالرحمة وبالرأفة، وبإحساس الأخ بأخيه، وباستشعاره لألمه إذا تألم، وبحبّه للفرحة تغمر قلبه...وبأن يكون سَنَده...
فلا يشقى مؤمن بين المؤمنين، ولا يموت جوعا، ولا يُهلِكُه حزن وإخوانه مِن حوله، هذا يشدّ من أزره، وهذا يُسعفه في حاجة، وذاك يُدخل السرور عليه بكلمة، وذاك يبشّ في وجهه ...
تِلْكُم هي حياة الجماعة، وذَلِكُم هو تصديق كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم : "المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدّ بعضُه بعضا " ...
نعَم ... تلكُم كانت ثمارَ التعليم النبويّ السامي لأصحابه ...
فهُم أولاء اليوم همُّ نبيّهم همُّهم، وفرحه فرحهم ... فهُم اليوم ينكتون الحصى اغتماما بأمره وقد أشيع أنه قد طلق نساءه صلى الله عليه وسلم ...
ولنتأمل ...💡
هذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يرى ما يرى، يؤلي على نفسه أن يتحقّق مما سمع، أن يأتي بالنبأ اليقين من مصدره ... أن يتثبّت ...
هذا هو رضي الله عنه وعلامات الوصاية على المؤمنين والمبادرة إلى حلّ مشاكلهم والفصل في أمرهم تلوح في شخصيته من قبل أن يُوَلَّى أمرَهَم لعشر سنوات كاملة بعد أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وأرضاهما ...
ها هو ذا وهو الذي يتحمّل دون غيره من المؤمنين أمر هذه المهمّة...
أن يذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ويستفهمه في شأن من شؤونه الخاصة، يريد أن يقطع الوهم بالحقيقة ...
وهذا عمر الآن ببيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعائشة أول من يكلّمها، ومن بعدها حفصة ابنتُه، يروي عمر فيقول :
"فَدَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ، فَقُلْتُ : يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟، فَقَالَتْ : مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ، قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
عمر رضي الله عنه يعتب على عائشة، فيستنكر عليها أن كانت سببا من أسباب اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لها ولصويحباتها من نسائه...
ولَعَمْري إني لأرى هذه الكلمات منه هي كلمات كُلٍّ منا وهو يستغرب ويستهجن أن يبلغ بواحدة من نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم من المبلغ أن تتسبب في إغضابه، وأن تسأله ما ليس عنده، وأن تعكّر صفو الحياة عليه وهو الذي يتحمّل ما يتحمّل من هموم الأمة، ويتجشّم ما يتجشّم من صِعاب، ويواجه ما يواجه من عقبات وعراقيل...
هي كلمات لا أحسبها إلا قد نطق بها كلُّ مَن عرف عن أمر نسائه معه...
أرى ابن الخطاب رضي الله عنه يقولها عنّا جميعا ... 🙂
يقولها ونقولها، بينما لم يقلها رسول الله صلى الله عليه وسلم لواحدة منهنّ ...!!! 🙂 : "أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ "
لم يُخْفِها عمر في نفسه، لم يُكبِر أن يكون منه تجرؤا على مقام زوجة من زوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدفعه حبه الشديد لرسول الله، وقد عرفنا كيف أقبل يجُؤُّ عنق حفصة حينما فهم أن أمرها من أمرصويْحباتها الملتفات حوله يسألنه النفقة ...
هكذا هو عَهْدُنا بعمر رضي الله عنه... القوة، والصدع بالحق، والمُواجهة العَيْنيّة ...
وهذه عائشة رضي الله عنها تردّ عليه قائلة : "مَا لِي وَمَا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، عَلَيْكَ بِعَيْبَتِكَ ؟"
لنتأمل .... 🙂 وإنها لكلمات منها تدعو للتأمل والتأمل ... 🙂
عائشة لم تصمت، لم تنحنِ، لم ترَ في عمر القوي الشديد المُهاب حائلا دون أن تدافع عن نفسها، ودون أن تقول له كلمات رأتْها حقا لا يعيبُها أن تنطق بها ...
"مالي ومالك يا ابن الخطاب؟ عليك بعَيْبتك" و "العَيْبَة" لغةً الوعاء يكون فيه المتاع، وهو هنا كناية عن خاصّة الرجل وأهله، وقد أرادتْ بذلك حفصة، أي أنها الأَوْلى بكلماتك منّي وهي ابنتك، وألا شأن لك بي أنا ...
ولنتأمل كيف أنها لم تُدْلِ حتى بعُذرها لتبرّئ نفسها عنده ... 💡
ترى الأمر يخصّها، وترى حبّها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهي زوجُه ليس بالذي تُعلن عنه على الملأ ليقال عنها أنها المُحبّة التي لا ترتضي غضب محبوبها منها ...
بل هي القوية التي تترك أمرها وأمره لنفسها، كشأن من يحبّ حبّا عظيما فلا يجد ما يصفه به كالذي يصفه به عند محبوبه، فلا أفْقَهَ من محبوبه لحبّه ...
أيّ اضطهاد هو للمرأة ؟؟ أي انتقاص من قدرها ومن حقها هو المُدَّعَى على الإسلام ؟؟
وهذه عائشة تردّ بكل قوة على أشد رجال المسلمين قوة وأوفرهم مهابة ...
عمر الذي أخاله إذ أخال طلعتَه علينا والرجولة تنضح منه نضحا يجعل القامات تنحني أمامها... !!
أخال طلعته علينا طلعة "الرجولة" في أبلغ تعريفاتها، وأبهى حُللها.... !! 🙂
هي ذي عائشة تردّ ردّ التي لا تخشى أن تُوصَم بشيء وهي زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم، ربما أسكنوا بأذهاننا صورة لنساء النبي، فلكأنهنّ الملائكة لا البشر، لكأنهنّ الصمّاوات البكماوات اللاتي لا ينطقن، ولا ينبِسْن ببنت شفة ...
هكذا أرادوا أن يصوّروا لنا المرأة المؤمنة المثالية..!!
أن يجعلوها خشبة مُسنّدة...فهي تلك الخانعة، الذليلة، الضعيفة التي لا يحِقّ لها بوجه من الأوجه أن تتكلم، ولا أن يسمعها الرجال، ولا أن يعرف الرجال منها حقا...
هكذا هي الكائن الذي خُلِق ليُدفَن حيّا لا وَأْدا كوأد الجاهلية، بل أشد ....!!
فليس الوأد بإهالة التراب وحده يكتم الأنفاس، بل بإهالة تراب الاضطهاد والكَبْت يكتم الفِكر والنظر والرأي والصوت ...!!
ماذا عساي أقول في هذا المقام ؟!! إلا أنّ كلّ مَن مكّن لتلك الصورة الذهنية عن المرأة المسلمة قد ظلم وهو يحسب أنه يُحسن صنعا، قد ظلم أيّما ظلم وقد جاء بما لم يجئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم -حاشاه- ولا مَن بعده من أكابر صحابته العظماء الحُكماء ...
لقد ابتدع وهو يكرّس لتلك الصورة في أذهان النساء وأذهان الرجال على السواء ...
بينما هذه عائشة بكل قوة، بلا إسفاف، ولا غلط، بل بكلمات بيّنة لا غُبار عليها، تردّ على ابن الخطاب أنه لا شأن له بها، وأن يلتفت إلى ابنته ويدَعَها ....
هكذا تعلّمتْ عائشة في بيت النبوة، أنها صاحبة رأي وصاحبة مقام، وأن لها الحقّ في أن تدافع عن نفسها، وتنتصر لنفسها...
ويحضرني حالها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسابقها وهي تسابقه إذ تباعدا عن الجيش مسافة في أحد أسفاره ... وهو ينحني لترى مِن خلف ظهره الأحباش وهم يستعرضون ألعابهم...والجاريات عندها يُنشِدْن، وهو لا يرفض منها هذا كله، ولا يصدّها عنه...صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي ....
ويدّعي من يدّعي رجولة زائفة كاذبة، فيُضيّق على امرأته أو ابنته أو أخته، وهو إذ يفعل لا يرى إلا نفسه و"أنَاه" يخشى أن يقولوا عنه، أو يتكلموا عنه أنّ فلانا ابنتُه تفعل أو تفعل ....
بينما الحلال بيّن والحرام بيّن، والعيب بيّن ....
وما عدا هذا لا تُحرم المرأة منه، ولا تكون في معزل عنه، وكأن الرجل إنسان وهي إنما شبه إنسان ... شُبّهت بالإنسان لتتواءم وحاجة الرجل لا غير .... !!!
ألا سُحقا لكل هذه الأفكار المتطرّفة التي نسبها الظّلمة للدين وما هي منه ...!!
والآن ..... 🙂
أين عمر من ردّ عائشة رضي الله عنها ؟ أين القوي الشديد من ردّها عليه وصدّها له ؟ ومن إحالته على ابنتِه ؟
إنه الشديد الشديد ... فلربما كبُر عليه أن تصدّه امرأة، لربما كبُر عليه أن تردّ غضبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم ... !
عمر ما جاء لينتصر لنفسه، بل جاء لينتصر لحبيبه صلى الله عليه وسلم...
عمر على شدّته وصعوبته فإنه ليس بالذي يخلط حابلا بنابل فيرى في حقّ الرد تعدّيا، بل هو اللبيب العادل الذي لا يمنع أحدا من حقّ ...
أجَلْ هي ذي معالم القيادة ترتسم في شخصية عمر، معالم الحق ترتسم فيه وهو لا يرد صاحب حق في قول أو فعل ...
هي ذي معالم عدله وهو يعرف للمرأة قدرَها، فلا يسارع لوصْمها والطعن بما تأتيه بحجة أنها "المرأة" الضعيفة المَهيضة التي لا يحقّ لها أن تقارع الرجال وإنْ بوجه حق ...
وهُو هُو عمر الذي تخطّئه امرأة بعد حين وهو أمير المؤمنين على الملأ، فلا يملك إلا أن يقول: "أصابت امرأة وأخطأ عمر" مُحقا للحق لا يبالي في ذلك أن يُخطَّأ على الملأ من امرأة...
وسيّان عنده في الحق المرأة والرجل، وسيّان عنده في إبطال الباطل المرأة والرجل ...
الحق عنده أولى من عمر...
فلنتأمل.... 💡
" فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ، فَقُلْتُ لَهَا : يَا حَفْصَةُ ، أَقَدْ بَلَغَ مِنْ شَأْنِكِ أَنْ تُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ وَاللَّهِ ، لَقَدْ عَلِمْتِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يُحِبُّكِ ، وَلَوْلَا أَنَا لَطَلَّقَكِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَبَكَتْ أَشَدَّ الْبُكَاءِ "
ها هو ذا مع ابنته أكثر راحة منه مع عائشة، يقرّعها، ويؤنّبها، ويربّيها، ولا يعنيه -والهمّ همّ حبيبه المصطفى صلى الله عليه وسلم- أن تغضب ابنتُه، لا يعنيه أن تبكي، وقد علم شدّتها ساعة سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم النفقة مع مَن سألتْه ... وهذا هو عمر 🙂
ثم سألها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبرتْه أنه بالمَشرُبة، فتوجه إليه حيث هو:
يقول رضي الله عنه : "فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ الْمَشْرُبَةِ ، مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ - وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَنْحَدِرُ - فَنَادَيْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ قُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَنَظَرَ رَبَاحٌ إِلَى الْغُرْفَةِ ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَيَّ ، فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ، ثُمَّ رَفَعْتُ صَوْتِي ، فَقُلْتُ : يَا رَبَاحُ ، اسْتَأْذِنْ لِي عِنْدَكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِنِّي أَظُنُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ظَنَّ أَنِّي جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ ، وَاللَّهِ ، لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَرْبِ عُنُقِهَا ، لَأَضْرِبَنَّ عُنُقَهَا ، وَرَفَعْتُ صَوْتِي ، فَأَوْمَأَ إِلَيَّ أَنِ ارْقَهْ "
هذه المَشرُبة حيث يرقى رسول الله صلى الله عليه وسلم إليها عبر جذع يُدلّي عليه غلامه رباح رِجلَيه، وهذا عمر يستأذن للدخول عليه من خلال رباح....
وإذا رباح ينظر إلى المَشْرُبة حيث رسول الله، ثم يولّي وجهَه قِبَلَ عمر، وهكذا مرة ومرة، وقد فهم عمر من ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يأذن له بالدخول...
وكعادتنا نعرف من عمر النباهة والفطنة وسرعة البديهة، بل وسرعة التصرف يعقب سرعة الفهم، فرفع صوته ليُسمِع رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ما جاء من أجل حفصة ليشفع لها عنده، بل إنه لو أمره أن يضرب عنقها لفعل ... 🙂
وهذا عمر رضي الله عنه، لا يخفى عنا وإن وُورِي عنا اسمُه، صحنا أنه عمر 🙂
رضي الله عنه وأرضاه ... شديد في الحق، قوي في حُبّه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، هو أحب إليه من ابنتِه، لا يؤُدُه أن يضرب عُنُقها إن هو أمره أن يفعل، لا يريد إلا أن يطمئن رسول الله ويهنأ...
رفع صوتَه بحبه لرسول الله صلى الله عليه وسلم، رفعه يُعلِن أنك يا رسول الله أحبّ إليّ من فلذة كبدي.... أنّ شأنك الذي يعنيني ولا يعنيني شأنها ...
وكيف لا يُحبّ الذي كان سببَ خروج عمر من الظلمات إلى النور...
كيف لا يُحَبّ من اقتلع عمر من براثن الجاهلية إلى سنا الإسلام يحمل رجلا مثله إلى المكان الذي يستحقّ ...
كيف لا يُحِبّ مَن أعلن أنه حين رأى ما رأى ليلة أُعرِج به، مرّ بقصر وعليه جارية، فأبى أن يرفع عينَه بها وقد عرف أنها لعمر في الجنة حين ذكر غيرتَه.... 🙂
هكذا كانوا يقولون : "بأبي أنت وأمي يا رسول الله" قولة الصادق الفاعل ...
وباء عمر بالفلاح، وقد أذِن له رسول الله بعْدها، أذِن له وقد فطِن ابن الخطاب أنّ هذا ما كان يريد سماعه، أنه لم يأتِ ليشفع لحفصة عنده ...
بل لنتأمل ...... 🙂 💡
** كيف يشفع لحفصة أبوها -وهو الذي قرّعها قبل قليل- عند مَن لم يقرّعها ساعة التَفَفْن حوله يسألنه ما ليس عنده !
** كيف يشفع لها عنده وهو الذي إن أذِن له بقطع رأسها لفعل مقبلا غيرَ مُدبر ... !!
والآن وقد أذِن رسول الله لعمر بالدخول، يبدأ عمر رضي الله عنه بوصف الحال التي وجد عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ عَلَى حَصِيرٍ ، فَجَلَسْتُ ، فَأَدْنَى عَلَيْهِ إِزَارَهُ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ ، وَإِذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِهِ ، فَنَظَرْتُ بِبَصَرِي فِي خِزَانَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَإِذَا أَنَا بِقَبْضَةٍ مِنْ شَعِيرٍ نَحْوِ الصَّاعِ ، وَمِثْلِهَا قَرَظًا فِي نَاحِيَةِ الْغُرْفَةِ ، وَإِذَا أَفِيقٌ مُعَلَّقٌ "
عليه إزارُه صلى الله عليه وسلم، والإزار ما يغطّي الجزء السفلي من الجسم، وليس عليه غير هذا الإزار، مضطجع على حصير قد أثّر في جنبه من خشونته، وقبضة من شعير وقبضة من قرظ يُدبغ به الجلد، وأفيقٌ (أي جِلد) معلّق ...
هذا كلّ ما بغرفة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوى إليها ...!
لنتأمل ....
لقد اعتزلهنّ بعدما سألْنَه النفقة، وهو ما ليس عنده، وها هو بالمَشرُبة يصف عمر كلَّ ما بها...
لعلّه اعتزلهنّ فرارا من الحياة الزوجية وفيها ما فيها من طلبات الزوجة وتأفّفاتها، فها هو إذ يعتزل ويعيش وحيدا ذلك كل ما يملك ... ليس بالذي فرّ من الطلبات ليستقلّ فيستمتع وحده !
بل هذا ما يملك لنفسه، وهذا ما يملك لهنّ ...
لقد بكى عمر ..... !
لقد بكى القويّ الشديد ... لقد جادتْ عيناه وهو يرى ما يرى، وهو يرى جنب الحبيب المصطفى يأكل منه الحصير لا يرأف به .... !!
ولكنه لا يشتكي 🙂 لا يشتكي ولا يتأفف، ولا يعنيه إلا أن يبلّغ الرسالة ويؤدّي الأمانة ...
يقول عمر:
"فَابْتَدَرَتْ عَيْنَايَ ، قَالَ : مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَمَا لِي لَا أَبْكِي وَهَذَا الْحَصِيرُ قَدْ أَثَّرَ فِي جَنْبِكَ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ لَا أَرَى فِيهَا إِلَّا مَا أَرَى ، وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ ، فَقَالَ : يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
حصير وقبضة من شعير كل ما يملك نبي الأمة، والنور المبعوث للأرض ... !!
لسنا ندعو للزهد إذ ندعو أو لعَيش الفقر غصبا إذا قلنا أيّ شظف يُعاني منه مَن يُعاني مقارنة بحال رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!!
أيّ فاقة وأيّ حال هي الصعبة يتحجج بها مَن يتحجج لئلا يدرس أو يعمل، أو يعيش، أو يتبسم ...
أو يعطي للأمة مما يعطيه الله من عطاء فكر أو نظر أو وعي ...
حصير وقبضة شعير تلك هي الدنيا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عنده بمعناها الحقيقي ...
وإنّ هذا الحديث والذي قبله وما فيهما من أحداث كانت في العام التاسع للهجرة، في عامٍ الأمة فيه ميسورة الحال، الدولة الإسلامية فيه ممكّنٌ لها، والغزوات والغنائم ألوان ...ولرسول الله صلى الله عليه وسلم نصيبه منها، ولكن أين هو مِن هذا الذي عليه وعليه زوجاته ؟؟؟ !!
نعم له منها نصيب، ولكنّ جُلَّه إلى الصدقة وإلى ذوي الحاجة والعوز من المؤمنين ....
ولمَن سيرى ما أقول بِدْعا في زمنٍ الدنيا فيه متفتّحة أزاهيرها، أقول: تأمل قول عمر رضي الله عنه : " وَذَاكَ قَيْصَرُ وَكِسْرَى فِي الثِّمَارِ وَالْأَنْهَارِ ، وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَفْوَتُهُ ، وَهَذِهِ خِزَانَتُكَ" ...
لقد كان بمَلْكِه أن يملك ولم يملك، ولقد كان بمَلْكه أن يتملك وما تملّك ...
ولقد كان في عصره مَن يغوص في النعيم غَوص مَن لا يُطلّ له رأس، فهو الغوّاص أبدا ....
إنني لا أدعو للزهد أو لتعمّد الافتقار أو للتلذذ به، بل أتعجّب من أمر مَن لا يبلغ به الاحتياج مِعشار ما بلغ برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو القانط المشتكي، المتأفف، المتشائم، المتطلع إلى ما عند غيره لا يشبع إلا إذا كان عندَه مما عند غيره وغيره وغيره وغيره ....
وأنّى لهذا أن يشبع أو أن يرى نفسه صاحب كفاف ؟!!!
وهذا رد الحبيب المصطفى صلوات ربي وسلامه عليه: " يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، أَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَنَا الْآخِرَةُ وَلَهُمُ الدُّنْيَا ؟ ، قُلْتُ : بَلَى "
كلمات قليلة معدودة ... هي من الجوامِع، هي من الشوامِل، هي الكافية الوافية الشافية ...
وردّ عمر القصير، كلمة .... ولكنها كلمة المتيقّن الصادق : "بلى" ...
ولكلمة الصدق من صاحبها القول والفعل والمثال ....
يقينٌ هو عند عمر رضي الله عنه لا يزحزحُه مزحزح ... نعم نختار الآخرة ...
فلنتعلم ... ولنتعلم .... حتى نرضى بما قسم الله لنا، لا رِضى المستدلّ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم على كسله ونوْمِه، بل رضى الذي هذا هو قَسَمُه من بعد سعيه وأخذه بالأسباب لا يتطلع إلى ما عند غيره تطلّع النَّهِم الذي لا يشبع وإن عبَّ ما عبّ ....
يُكمِل عمر وقد تعلّم من أول دخوله على رسول الله، ومن أول سؤاله، من الذي بكى لحاله، عبّ منه وهو تلك حاله مع الدنيا، وهو على حاله من الفقر، تعلّم منه وهو الغنيّ بإيمانه الفيّاض...
يُكمل فيقول : "، قُلْتُ : بَلَى ، قَالَ : وَدَخَلْتُ عَلَيْهِ حِينَ دَخَلْتُ ، وَأَنَا أَرَى فِي وَجْهِهِ الْغَضَبَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا يَشُقُّ عَلَيْكَ مِنْ شَأْنِ النِّسَاءِ ؟ فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ ، وَقَلَّمَا تَكَلَّمْتُ وَأَحْمَدُ اللَّهَ بِكَلَامٍ ، إِلَّا رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَوْلِي الَّذِي أَقُولُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ آيَةُ التَّخْيِيرِ : { عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ } ، { وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ ، وَحَفْصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "
لنتأمل ....
إنني لأرى عمر يتأمل دقائق حال رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتفحّص وجهه يريد أن يطمئن، فلا تجيبه الكلمات، بل تجيبه ملامِحه، يرى في وجهه الشريف الغضب... فيسأله عما يشقّ عليه من أمر نسائه، وقال له كلمات رجا عمر أن ينزل من عند الله ما يصدّقها، وعمر رضي الله عنه يُعرف بتصديق القرآن لكثير مما قال، لقوله في حجاب نساء رسول الله، ولقوله في مقام إبراهيم عليه السلام، وفي أسارى بدر، وفي طلاق زوجات الرسول، وفي تعقيبه بــ: "تبارك الله أحسن الخالقين" وفي غيرها كثير ....
ولنا أن نتأمل مقام مَن يصدّق القرآن كلماته ....
لنا أن نتأمل حكمتَه ورزانة عقله ...
لنا أن نتأمل مع هذا ومع ما عرفنا في الصحابة من استسقائهم للقرآن استسقاء...
في هلال بن أمية وهو يقسم أن الله منزل ما يبرئ ظهره من الحد فتنزل آية اللِّعان، وفي فَهْم خويلة بنت ثعلبة وهي التي تدفع عنها زوجها وقد قدِم عليها بحاجة له فيها من بعد أن ظاهر منها، ولا حُكم تستند عليه فيما فعلتْ، وهرعت إلى رسول الله تشتكي حتى نزل قرآن يصدّقها ...
وفي عائشة تعلن فرارها إلى الله وحده ولَوَاذَها به وحده فينزل قرآن يبرئها ...
وفي الصحابة على رأسهم عمر رضي الله عنه يسألون عن الخمر ويسألون ويسألون حتى يحرّم ويحرّم تدريجا إلى أن يُبَتّ في أمر تحريمه كليا ....
وفي الصحابة يسألون عن كَيْت وكَيْت .... وينزل القرآن مصدّقا لما يقولون، مجيبا لحاجتهم ...
لنا أن نتأمل حالهم مع القرآن، وحال القرآن معهم وقد فقهوا معناه ودوْره من قبل نزول آياته...
"فَإِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهُنَّ ، فَإِنَّ اللَّهَ مَعَكَ ، وَمَلَائِكَتَهُ ، وَجِبْرِيلَ ، وَمِيكَائِيلَ ، وَأَنَا ، وَأَبُو بَكْرٍ ، وَالْمُؤْمِنُونَ مَعَكَ"
تلك كانت كلمات عمر رضي الله عنه ...
إن طلقتهنّ فإنك لست بالوحيد، ولا بالمحزون، ولا بالمتروك، بل إن الله معك، وملائكته، وجبريل، وميكائيل، وعمر وأبو بكر، والمؤمنون ....
هكذا يريد عمر أن يُفهِم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريد أن يخفّف عنه إن هو فعل وطلّق زوجاته حقا، لا يخفف عنه بكلام وَهْم، بل بكلام حق ....
ونزل كلام الله تعالى يصدّق كلمات عمر رضي الله عنه :
" عَسَىٰ رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِّنكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا (5)"-التحريم-
"وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ " -من الآية 4 من التحريم-
من الآية الأولى لنا أن نتأمل تأثيرها في نفوس زوجاته صلى الله عليه وسلم : "مُسْلِمَاتٍ مُّؤْمِنَاتٍ قَانِتَاتٍ تَائِبَاتٍ عَابِدَاتٍ سَائِحَاتٍ ثَيِّبَاتٍ وَأَبْكَارًا"
لنا أن نتخيّل تأثيرها بنفوسهنّ...
ولمَ لا يكنّ المسلمات المؤمنات، القانتات، التائبات السائحات ؟؟
وكأنّه تحفيز لهذه الخصال في نفوسهنّ، وكأنها إثارة لغيرة إيمانية في نفوسهنّ، وهنّ أهل لمثل هذه الغيرة، وهنّ بما يتميّزن به أهل لأن يتذكّرن بنزول قول الله هذا فيهنّ ... فيزددن إيمانا على إيمان، ويزددن رضى على رضى، ويعتَبِرن ويتربَّيْن وتتحفّز فيهنّ أخلاقهنّ وتتأهّب بعُدّة أكبر ....
أما الآية الثانية فنزلت في شأن تمالُئ حفصة وعائشة على زينب بنت جحش رضي الله عنهن،
إذ اصطلحتا على أن تدّعي كل واحدة منهما أنها تشم في رسول الله ريح مغافير إذا ما دخل عليها، وهي ريح منتنة لنبتة بين النبتات، فكانت ليلة حفصة، فما أن دخل عليها حتى قالت ما قالت، فأجابها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أكل عسلا عند زينب، وأقسم ألا يعود لأكله، وطلب منها ألا تخبر أحدا. وفي هذه الحادثة نزل صدر سورة التحريم مُستَهلّها قوله تعالى : "يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ ۖ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (1)"
وجاء في السورة عتاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم على تحريمه العسل وهو المُحلَّل له، وجاء فيها إخبار الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم أن حفصة أخبرت عائشة بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لها وهو الذي أوصاها ألا تخبر أحدا ...
وفي هذا السبب، مع سؤال نسوته النفقة، وفي غيره من أمر مارية القبطية...
من الأسباب كلها مجتمعة كان اعتزال رسول الله صلى الله عليه وسلم لنسائه، ولم يكن من سبب واحد، وهذا الأرجح مع تحمّل رسول الله صلى الله عليه وسلم لهنّ وهنّ يعشن بروح الغيرة البشرية في الضرائر إذ يَجْتمِعن ....
وفي الروايات الأخرى والأحاديث الصحيحة الأخرى، من مثل الحديث الذي عايشناه المرة الفارطة ما فيه نزول آية التخيير التي عرضها رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهنّ بعد الانتهاء من اعتزاله، فكان التخيير، وكان منهنّ الاختيار، اختيار الله ورسوله والدار الآخرة ....
هكذا نتعلم أن البشرية وزلاتها، وحاجات النفس البشرية، وميولها ... كلها من الطبيعة البشرية التي لا خِلاف عليها، والتي لا يخالف فيها إلا كل مدّعٍ للرهبنة وللملائكية تتلبس به، وهو في ذلك كثيرا ما تغلبه نفسه فتُظهر منه عكس ما كان به يتشدّق من الانقطاع عن الدنيا والتبتّل المغرِق ....
نتعلم أن هذه البشرية لا تتعارض والتديّن، والتعلق بالله، والعودة لله، واختيار الله ورسوله والدار الآخرة .... لا تكون تلك الميولات في الإنسان أو تلك الزلات أو الأخطاء حائلا دون عودة ورجوع وتوبة تجعل منه الأقوى والأقوى في طريقه إلى الله ....
ويستطرد عمر رضي الله عنه :
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقْتَهُنَّ ؟ قَالَ : لَا ، قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنِّي دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَالْمُسْلِمُونَ يَنْكُتُونَ بِالْحَصَى ، يَقُولُونَ : طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، أَفَأَنْزِلُ ، فَأُخْبِرَهُمْ أَنَّكَ لَمْ تُطَلِّقْهُنَّ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إِنْ شِئْتَ ، فَلَمْ أَزَلْ أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الْغَضَبُ عَنْ وَجْهِهِ ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ ، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ ثَغْرًا ."
هذا عمر رضي الله عنه بعد أن واسى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبادر إلى إذهاب همّه قبل أن يبتدره بالسؤال، هذا الآن يسأله عن حقيقة ما سمع من المؤمنين بشأن تطليقه نساءَه ...
فأجابه رسول الله أنه لم يفعل....
فأخبره عندها أن المؤمنين ينكُتون بالحصى ويقولون أنه صلى الله عليه وسلم طلّق نساءه، وسأله إن كان له أن يخبرهم أنّه لم يطلقهنّ....
"قال صلى الله عليه وسلم : نعم، إن شئت"
لنتأمل ....
هذا عمر يستوثق من المصدر عن صحة ما سمع من المؤمنين...
هذا هو وقد جاء لرسول الله صلى الله عليه وسلم ليتأكّد وليتحقّق وقد وجد المؤمنين على مَا هُم عليه مِن حال ...
ولكن بعد ماذا؟؟
بعد أن سرّى عنه، وبعد أن حاول أن يُذهب من همّه وغضبه ...
لم يأتِ يؤدي مهمّة كالآلة يوكَل بها العمل فهي التي لا تشعر بل تتحرك فتنفّذ، لم يأتِ وهو الذي
لا يهتمّ لحيثيات الموقف، ولحيثيات الوضع، ولحال من يحدّث ...
1- جاء وقد فعل أول ما فعل أن طمأنه أنه لم يأتِ شفيعا لحفصة، بل جاء لأجله لا لأجلها ...
2- جاء وعينُ بصيرته تعمل مع عينه، فوعى جيدا عُسر الحال التي هو عليها حتى دمعت عيناه مما وجده عليه.
3- جاء وجعل يؤيّده على ما هو عليه، وأنه إن هو طلقهن، فليس بالمتروك، ولا الوحيد، بل إنّ الله معه وملائكته وهو وأبو بكر والمؤمنون.
"نعم .... إن شئت" ....
أي رقيّ هو رقيّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟!! "نعم إن شئت"..
أي تواضع هو تواضعك يا رسول الله ؟!! وأنت إن أمرتَ ابتدروا لأمرك ولم يألوا جهدا لإرضائك ...
ولم يزل عمر رضي الله عنه يحدّثه، حتى تحسّر الغضب عن وجهه...حتى ضحك ..
يصفه عمر فيقول : "كان من أحسن الناس ثغرا"...
إني لأرى عمر يتملّى وجهَ حبيبه وهو مُسفر بضحكته، وأرى بالَه يهنأ، وقلبه يطمئن وهو قد قلب غضبه ابتساما، وقلب حزنَه ضحكا ... 🙂
لَكَمْ أستشعر حبّ عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم...! لكم أستشعره قويا كقوته، شديدا كشدّته...لَكَمْ أستشعره حُبّا خاصا من ذلك الرجل الذي دَيْدَنه قطع رأس مَن تسوّل له نفسه مسّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بسوء ... !!
لله درّك يا عمر، ولله درّ حُبٍّ عُمريّ الملامح، عمري الحركة، عُمريّ التعابير ...
ويستطرد عمر رضي الله عنه، فيقول:
"فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ ، قَالَ : إِنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، فَقُمْتُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ ، فَنَادَيْتُ بِأَعْلَى صَوْتِي ، لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } فَكُنْتُ أَنَا اسْتَنْبَطْتُ ذَلِكَ الْأَمْرَ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آيَةَ التَّخْيِيرِ. "
لنتأمل ....
إني لأعرف في عمر رضي الله عنه وأرضاه فيما أعرف من سِماتٍ، التدقيق ومدى تحرّيه الحقيقة والصواب ... !!
تأملوا ....
"يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنْتَ فِي الْغُرْفَةِ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ" لا يُخفيها عمر رضي الله عنه في نفسه، يسأل، يريد أن يتثبّت، يريد أن يعرف على وجه الحقيقة ...
إنها سِمة عُمريّة عظيمة .... ويحضرني هنا ما قاله عن تقبيل الحجر الأسود : "إني أعلمُ أنك حجرٌ لا تضرُّ ولا تنفعُ ولولا أني رأيت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلمَ يُقبِّلُك ما قبَّلتك"
عمر كما وصف نفسه مرة بقوله : "لست بالخِبّ ولا الخِبّ يخدعني"
عمر لا تنطلي عليه الأكاذيب، ولا تخدعه المظاهر، ولا تقنعه دغدغة المشاعر في عقله الراجح الموزون ...
يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو قد عدّ له تسعا وعشرين يوما، وقد آلى أن يعتزل شهرا، فيجيبه أنّ الشهر يكون تسعا وعشرين ...
وهكذا ينتهي الأمر بعودة عمر إلى المؤمنين بالمسجد، يصدع بالحقيقة على أسماع الناس، يُذهِب ريح ما شاع من أنه طلق زوجاته : "لَمْ يُطَلِّقْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ "...
وهكذا هي السِّمات العُمريّة، هكذا هي استباقات شِيَمِه قبل توليه أمر الرعية.... !!
هذا هو يقطع دابر فتنة كانت ستحلّ بين الناس وقد شاع بينهم أن رسول الله قد طلّق زوجاتِه ...
بدأنا مع الحديث، وهو قد سمع منهم ما سمع، فعزم على إتيان رسول الله ليتحقق، وها نحن ننهيه وقد تحقّق، وذهب بالحقيقة ليشيعها بين الناس، وليكفي الألسنة عناء النقل بلا دليل، ليكبر الوهم من واحد إلى واحد ... ويكبر ويكبر إلى أن يشيع ما يشيع من أكاذيب....
وضع لها عمر حدّا ...وبفعله هذا نزل قوله تعالى : "وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ"
فكان درسا عظيما عظيما للأمة ألا تكون أُذْنَ شرّ تلقف أي خبر وتنشره على أنه الحقيقة...
ولننظر ... ولنتأمل....
لنتأمل حال المسلمين اليوم، وهُم يطوّح بهم كل موج ... وتتمايل بهم الأهواء...وإذا العقول في غفلة ... ألِفتِ السُّبات والغطّ ...
فلا يكلّف مسلم نفسَه تحرّي دقة خبر، بل ينقل وينقل وينقل ... وينشر وينشر دونما أدنى احتراس، أو شك، دونما محاولة للتثبّت، وسعي للتحقّق ...
حتى عاد الدين محطّ أخذ بلا تمحيص، فيُنشر ضعيف الحديث، والمكذوب منه، ويصدّق القراء، ويصدّق المستمعون، وكأن كل ناقل نبي لا يُشك في كلامه ...
وهذه الصورالمُفَبرَكة يتناقلها المسلمون على أنها المعجزات، فحصان يركع، وقط يسجد، وطائر يسجد ... وجذع شجرة يركع، وسحاب يكتب اسم الجلالة ... ووووو !!
وتؤخذ المعلومة كيفما اتفق ومن أي مكان على أنها الحقيقة لا مِراء ولا جِدال ... فاختلط حابل بنابل...
وليتَنا ....يا ليتَنا تحلّينا بالسّمة العُمرية ...
ليتنا عرفنا أنه ما تحقّق العدل على يد الفاروق عمر إلا لأنه ما كان الخبّ ولا الخبّ خدعه ....
ما كان له أن يحقق العدل، ويكون بابا على الفتنة لو أنه كان أذنا تصدّق كل ما هبّ ودبّ ... ويتأثر بكل ما يسمع...
لو كان كذلك لعرف كل ظالم كيف يصطنع الوَداعة ويلبس جلد الحَمَل ويفوز بخداع عمر...
لو كان كذلك لانطلت عليه الأكاذيب، ولكانت عاطفتُه في مهبّ رياح الاجتذابات يُمنة ويُسرة، ولتميّع الدين، ولأصبح على حرف ...
لو لم يكن صاحب العقل الراجح المفكّر المتدبّر الممحّص لما حقّق العدل على الأرض كما لم يحقّقه أحد ...
إنها السِّمة العُمَرِيّة البارزة ....
ولم يكن عُمر إلا ابن هذه الأمة، ولم يكن إلا أحد أحب أصحاب رسولها الذي ما جاء إلا بالحق، وما دعا إلا للحق، وإلا لنِشدانه ....
فلِمَ لا نعرف من عمر التفكير العُمريّ، والحِرص العُمريّ على الحقيقة، والسعي العُمريّ لمعرفة الحقيقة ...
لماذا لا نُدندِن إلا بكونِه الفاروق العادل، وغاب عنا البحث عن سبب تحقيقه للعدل ...
وما هو إلا ذاك العقل الذي ليس بعقل خبّ ولا الخبّ يخدعه .....
وهكذا مع هذا الحديث ....
** عرفنا علامات القيادة في عمر رضي الله عنه من قبل تولّيه أمر الرعية، وهو الذي سارع لدرء فتنة تطلّ برأسها في شكل رجال ينكُتون الحصى ويتناقلون خبرا كَذِبا مفاده تطليق رسول الله صلى الله عليه وسلم لزوجاته، ولو أنه بقي دون ساعٍ للبحث عن حقيقته من مصدره لانقلب فتنة عظيمة ...
** عرفنا كيف لا يُهدّئ من ثورة عمر إلا الحق يدق باب عقله، فينشرح له صدره، وفي سعيه نزل التعليم الرباني للأمة جمعاء أن تتوخى الخبر من مصدره لا من أفواه النقلة عن النّقَلة دون دليل ولا تمحيص...
** وعرفنا الحبّ العُمريّ القوي كقوته، والشديد كشدّته في الحق ...
وأخيرا فلنتعلم ولنتعلم ولنتعلم .... 🙂