اليوم وأنا أتأمل سورة الأعراف، وأمشي بين آياتها الهُوَيْنى...
فأجد عقلي يلقف من هذه الكلمة سرا، ومن ذلك التعبير سرا آخر... ومن ترابط الآية بالآية سرا، ومن تفصيل آية لأخرى سرا...
وجدتُ لذة وطعما، وحلاوة تعقد لساني، وتستوقف كل ذرة في نفسي، وتُبهتني، وتُذهلني عن الدنيا وما فيها، فلا أرى شيئا في الدنيا بأكملها يساوي تلك اللحظات... !
لحظات "أقرأ" فيها القرآن حق القراءة ...
لحظات أرى فيها القرآن يُقرأ آية فآية...
كما يخبئ معنى في الرابط بين الآية والآية، ويخبئ آخر في الآيات تقدّم لمعنى الآيات اللاحقات، وفي الآيات تفصّل لمعنى الآيات السابقات ...
في ظاهر الآيات معنى، وبين ثناياها وطواياها معانٍ ومعان ... لن يقرأها من يقرأ الحروف ... !
عندها تذكرت المتسابقين على الختمات، المعتدّين بالعدد والعدّادات... !
فصدعت مستنكرة منتفضة مع ما يعتري نفسي من تلك الحالة التي أجدني معها في كل مرة مجددة العهد بالإيمان واليقين، أنّما هذا قول إله حكيم عليم، وما هو بقول البشر ... !
في كل مرة ينكشف لي سرّ من أسرار الكتاب، وتبرز لي ميزة من ميزاته التي تجعله الفريد المتفرّد، وتجعلني في كل مرة بين يديه أجدد الإيمان بأنه المعجزة وبأنه كلام الله لا كلام سواه...
صدعتُ ...
أي شيء هو حاصل من قراءة الحروف، واللهث خلف الحروف، وتقليب صفحات الكتاب سِراعا، وطيّ الكتاب دفّةً تنطبق على دفة ليُفتح مع مرور جديد سريع غايته الوصول لطيّ الدّفتَين من جديد... ؟!
وهكذا ... !
تلك هي البطولة ... !!
صدعتُ، وانتفضتُ مستنكرة...
ما حصّل صاحب الختمات ؟ صاحب الطيّات تتلوها الطيّات ؟!!
ما تُراه يرى نفسه قد جنى ؟!
سألت وتساءلتُ، وكنت السائلة والمجيبة في آن...
سيقول أنه قد حصد الحسنات، وذاك الجنى من جنّة القرآن دان... !
الحرف بحسنة، والحسنة بعشر أمثالها ...
وعدد حروف القرآن يا صاح بالآلاف مع المئات مع العشرات، وضربها بعشرة الحسنة الواحدة عددٌ مضاعف الآلاف والمئات والعشرات، بعشرة أضعاف يا صاح ... !!!
وما هذا بقليل... !!!
ونستكمل عمل العدّ والعدادات ...
ويغدو كل من سلك هذا السبيل رياضيا حاسبا، محاسبا ...
وبعد ُ .... !!
وماذا بعد ؟!
أتُراك تدري ميزانك وما بكفَّتَيْه فعملك ودأبك الحرص على كفة الحسنات ؟!!
في سباق أنت لترجّح كفة على كفة ...
كم تراه سيدوم هذا السباق ؟ سباق على مجهول ؟ على سراب ؟
أتُراك تيقنت من قبول عملك بَلَه من عَدِّه حسنة مسجلة ؟!
كم سيدوم سباقك ؟! العمر كله ؟!
ونفسك ؟! ما أخبار نفسك ؟ ما أخبار حالها ؟!
هل فكرتَ فيها قليلا وأنت تعدّ وتحسب ؟
ستقول إنما تفكيري بها، لا بغيرها، وأنا لها أعد وأحسب لا لغيرها ...
ألهذا جُعل القرآن ؟ أللعدادات يسرّعها ؟!
أم للنفس أرضا يحرثها ويقلّبها ليخلّصها من الآفات والطفيليات والمفسدات، وليزرع وليسقي وليُنبت وليحيي ما فيها من موات ؟!
أحساب للحسنات أوقع وآكد وأقرب وأحق أم محاسبة للنفس وتغيير لما بها، وعزم على الفهم، وعلى العقل، وعلى الوعي مع كل "أفلا تعقلون ؟". ومع كل " أفلا تتقون" ومع كل "أفلا تتذكرون" ومع كل "أفلا يتدبرون" ...
اسمع واعقل.... وإني معك أسمع وأعقل ...
أفحبة دواء تُذهب الحُمّى تأخذها لحُمّى تصيبك خيرٌ وداؤك من أعراضه الحمى، لا الحمّى ذاتها ... أم دواء يُذهب داءَك لا "موْهومَ" دائك ... ؟!
ستأخذ تلك الحبة ... وستخفّ عنك الحمى إلى حين ... لتعاودك بعد ساعة حمى أشد وطأ وأكثر إيهانا ...
لأنك حاربت الحمى لساعة، ولكنك أبقيت على أصل الداء ينخر جسمك ... وتحسب أنك الطبيب المداوي وما أنت إلا المسكّن لألم ساعة يعاود أضعافا بعد ساعة ...
فدع عنك الحبة تحارب الحمى، وابحث عن دواء يُذهب أصل الداء في جسمك ...
عِش معه حياة وحركة وروحا تنفخ فيك الحياة وستكون نفسا تتحرك على الأرض بالحسنات، لا عدّادا يعدّ الحسنات... !