
في عَرَض سورة المائدة، وتحديدا في قوله تعالى :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " -المائدة: 90-
تذكّرتُ قول أحدهم وهو الكاتب والسياسي، والمثقّف المسلم، مع قول غيره أيضا من أمثاله، أنّه ما من تحريم للخمر في القرآن، بدعوى أنّ لفظ التحريم لم يرِد بشأنها فيه...!
ولا يغيب عنا أنّ هؤلاء من مُنكري السنّة، ولَيْتَهُم إذ أنكروها لم يُؤوّلوا القرآن بأهوائهم ومُشتهياتهم وأباطيلهم، وهو وحده كافٍ في بيان تحريم الخمر ..
وإنّ الذي لا يوغل مع القرآن ومع لغته، ولا يكون له منها زادٌ لَيَنظُر إلى كلام هؤلاء وإن استشْنَعَهُ واستفظعه، فلا يجد بما يردّ، وكأنّ القائل بهذا جاء بالمُفحِم، وهي عادة هؤلاء المتأولين، الذين يَلوُون المعاني، ويتحذلقون، ويقصدون إلى تحميل كلامهم المنطق والعقل وهو أبعد ما يكون عنهما ...
وكنت قد كتبت من قبلُ شيئا عن بيان هُرائه، وكما عادة القرآن وأنت تقرأه في كل مرة ولّادُ معانٍ، أحاول بعون الله أن أضع جديدا حول هذا الموضوع، أرقُمُه على التوالي:
🔶🔷1🔶🔷 "إنما " أداة تفيد الحصر والقصر، بمعنى أن الموصوف بعدها يقتصر على تلك الصفة لا غيرها، وقد كانت صفة الخمر مع المذكورات الثلاثة معها "الرجس". والرجس هو الخبث والمستقذر .
فهل جاء القرآن ليبيح الخبيث، ويزيّنه أم ليحرّمه ؟
وهو سبحانه القائل: "الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ..." - الأعراف: من 157-
🔶🔷2🔶🔷التفاتة دقيقة جدا ومميزة لابن عاشور كعادته في تفسيره، أحب أن أذكرها، يبين فيها انحصار الخمر على "الإثم" من بعد ما كان في سورة البقرة من ذكر الإثم الكبير فيها مع المنفعة، يقول، وأرجو التدقيق في قوله فهو فائق الأهمية والدقة:
((ألا ترى أنّ الله قال في سورة [ البقرة : 219 ] في الخمر والميسر { قل فيهما إثم كبير ومَنَافع للناس } ، فأثبت لهما الإثم ، وهو صفة تساوي الرجس في نظر الشريعة ، لأنّ الإثم يقتضي التباعد عن التلبّس بهما مثل الرجس . وأثبت لهما المنفعة ، وهي صفة تساوي نقيض الرجس ، في نظر الشريعة ، لأنّ المنفعة تستلزم حرصَ الناس على تعاطيهما ، فصحّ أنّ للخمر والميسر صفتين . وقد قُصر في آية المائدة على ما يساوي إحدى تَيْنِكَ الصفتين أعني الرجس ، فما هو إلاّ قَصْر ادّعائي يشير إلى ما في سورة [ البقرة : 219 ] من قوله : { وإثمُهما أكبر من نفعهما } ، فإنّه لمّا نبّهنا إلى ترجيح ما فيهما من الإثم على ما فيهما من المنفعة فقد نبّهنا إلى دحض ما فيهما من المنفعة قُبالة ما فيهما من الإثم حتّى كأنّهما تمحّضا للاتّصاف بـ: { فيهما إثم } [ البقرة : 219 ] ، فصحّ في سورة المائدة أن يقال في حقّهما ما يفيد انحصارهما في أنّهما فيهما إثم ، أي انحصارهما في صفة الكون في هذه الظرفية كالانحصار الذي في قوله : { إنْ حسابُهم إلاّ على رَبِّي } [ الشعراء : 113 ] ، أي حسابهم مقصور على الاتّصاف بكونه على ربّي ، أي انحصر حسابهم في معنى هذا الحرف . وذلك هو ما عبّر عنه بعبارة الرجس .)) انتهى قوله.
🔶🔷3🔶🔷أضيفَ إلى صفة "الرجس": "من عمل الشيطان" ، وهو هنا تلبّس، إذ أنّ الشيطان من عمله تزيين الخمر للناس لتعاطيها، فيكون عمل متعاطيها من عمل الشيطان .
فهل يُعقل أن تصنّف الخمر هنا بالمباحة على المسلم وهي رجس ومن عمل الشيطان ؟!
والله القائل سبحانه:"إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ"-فاطر:6-
🔶🔷4🔶🔷 قُرِنت الخمر بثلاثة أمور كلها من جاهلية سدَرت في الظلام حتى جاء نور القرآن، وهي الميسر والأنصاب والأزلام، وخاصة منها الأنصاب، وهي النُّصُب التي كانت تُذبح عليها قربات الجاهليين للآلهة، فتساوت بهذا الخمر مع الأنصاب، ومن قال بعدم حرمة الخمر، كمَن قال بعدم حُرمة الأنصاب والآلهة !
وقد قال تعالى في النُّصب:"وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ۚ ذَٰلِكُمْ فِسْقٌ"-المائدة:4-
وقد فهم هذا المعنى الصحابة رضي الله عنهم فور نزوله، قال ابن عباس : لما حُرِّمت الخمر مشى رجال من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضهم إلى بعض، وقالوا: حُرِّمت الخمر، وجُعِلت عِدْلاً للشرك: (أي معادِلةً ومساوية للشرك). رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح..
وجاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أنَّ مُدمِنَ الخمرِ إذا مات لَقي اللهَ كعابدِ وثَنٍ" -المحدث : الهيتمي المكي ، المصدر : الزواجر،الصفحة أو الرقم: 2/136 ،خلاصة حكم المحدث : صحيح-
🔶🔷5🔶🔷 "فاجتنبوها" مع هذا الفعل (الأمر بالاجتناب)، يتسلّل المتسلّلون أصحاب الأهواء والضلالات يظنون أنهم يجدون شيئا، وإنما هم كمَن يُلقي بنفسه لحَتْفه .. 🙂
لفظ التحريم في القرآن لم يقتصر على : "حرّم"، بل جاء التحريم صريحا بألفاظ أخرى كثيرة: كلعن فاعله، أو الوعيد على فعله بالنار، أو ذكر أنه من الكبائر، أو الإخبار بأنه رجس… إلخ.
وقد جاء التحريم ب"الاجتناب" في مواقع من القرآن، كقوله تعالى :
"ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ ۗ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ ۖ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ"-الحج:30-
"وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..." -النحل: من الآية 36-
كما استخدم لفظ الاجتناب في ترك كبائر الذنوب والآثام، قال تعالى: "إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم. "-النساء:31-
وقال تعالى: "الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللّمم"-النجم:32-
فليقل هذا القائل إذن وأمثاله الذين تكاثروا كتكاثر الطفيليات السامّة أنّ الطاغوت غير محرم، وأن الأوثان غير محرّمة !!
🔶🔷6🔶🔷ومازلتُ مع الآية ذاتها لا أخرج منها إلى تاليتها، وفيها وحدها الخير الكثير : "لعلكم تفلحون" تعلّق الفلاح باجتناب هذه المنهيّات، ومن لم يأخذ بتحريمها فإلى خسار وبَوار ..
وإنّ في هذا لكفاية ليتبيّن صريح تحريم الخمر من القرآن وحده فماذا إذا زدنا ما في صحيح السنّة، ولكنني قبل صحيح السنة، أعدو إلى الآية الموالية وهي قوله تعالى :
"إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ"-المائدة: 91-
🔶🔷7🔶🔷 "إنّما" أداة القصر والحصر مرة أخرى، وهذه المرة لوصف ما يريده الشيطان من تزيينه الخمر للإنسان، كما زيّنه لهذا المتقوّل وأمثاله ..
إنه يريد أن :
🔹 يوقع بين المؤمنين العداوة والبغضاء .
🔹يصدّ عن ذكر الله .
🔹يصدّ عن الصلاة .
وبالقصر والحصر، فهذا ما يريده من شرب الإنسان للخمر لا غير.
فهل في هذا أدنى لمحة تشير إلى أنّ الخمر مُباح وغير محرّم في القرآن ؟!!
🔶🔷8🔶🔷 "هل أنتم منتهون"
وهنا أقف وقفة، لأنه لا يُستبعد أبدا أن يطلع علينا من يطلع ليقول أنّ الله تعالى بعد كل ذلك البيان إنما يسأل سؤالا، ومن يجيب له أن يجيب بالإيجاب أو بالسلب، بمعنى أنّ لمجيبٍ أن يجيب عن سؤال الله تعالى بـ : "لا" ...
وهذه واحدة من التأويلات الهوائية التي لا أحب تفويتها، فلنبسط في معنى قوله تعالى عزّ من قائل: "فهل أنتم منتهون" .
في الحقيقة قد قالها قبل متقوّلي عصرنا، متقوّلون في عصور قديمة، وهذا لنفهم كم أنّ هذه الدعاوى وهذه الخلطات الهوائية إنما لها دائما أصول وجذور لمن يبحث ...
قالها عمرو بن معد يكرب فيما روي عنه أنه ردّ بـ : "لا" وبقي على شرب الخمر بعد تحريمها النهائي في هذه الآية ..
يقول الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير :
((فهي لاستفهامٍ مضمَّن تحقيقَ الإسناد المستفهَم عنه وهو { أنتم منتهون } ، دون الهمزة إذ لم يقل : أتنتهون ، بخلاف مقام قوله { وجَعَلنا بعضَكم لبعض فتنة أتصبرون } [ الفرقان : 20 ] . وجعلت الجملة بعد { هل } اسمية لدلالتها على ثبات الخبر زيادة في تحقيق حصول المستفهم عنه ، فالاستفهام هنا مستعمل في حقيقته ، وأريد معها معناه الكنائي ، وهو التحذير من انتفاء وقوع المستفهم عنه))انتهى قوله.
والفرق شاسع بين الجملة الاسمية والفعلية، إذ الاسمية تفيد ثبات الخبر وتأكيده أكثر من الفعلية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ولننتبه لقوله : "المعنى الكنائيّ" وهو الذي يحمل التحذير، التحذير من انتفاء الانتهاء عن الخمر مع السؤال .
كقولك لمدخّن مثلا: إن للتدخين مضارا بيّنها العلم، وبسطها للناس، وإنّ مضار النيكوتين كيْت وكيْت، وإنه يؤدي للإصابة بالعديد من الأمراض والأزمات الصحية كالسكتة القلبية والجلطة الدماغية وأمراض الجهاز التنفسي وسرطان الرئة، بالإضافة إلى مشاكل صحية أخرى وبالتالي الوفاة المبكرة، وإن العلم بيّن وفصّل وقال، وإنّ الشواهد من مآلات المدخنين كذا وكذا، وانظر إليها بعينيك ...ووو...
ثم تُردف كل بيانك بقولك له : "فهل أنت منتهٍ ؟"
فهل أردتَ بعد كل ما بينت، السؤال وحسب؟ أم أنك أردت به التحذير من كل ما ذكرت له من مضار ؟
هذا هو المعنى الكنائيّ للسؤال، حتى لا يتأول متأوّل، ويتقوّل متقوّل ...
🔶🔷9🔶🔷 ثم إن القرآن، -لو دققنا- قد نصّ على تحريم الخمر بلفظ التحريم، قال تعالى: "قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ.." -الأعراف:من33-
فالإثم حرام، والله تعالى يقول عن الخمر: "يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير.." -البقرة:من219-
فإذا كان الإثم حراماً، وكان في الخمر إثم كبير، كانت النتيجة أن الخمر حرام، وهذا واضح، كما هو مصرح به في الآيتين.
🔶🔷10🔶🔷 دائما في إطار أنّ هذه الأقوال الصارخة التي نحسبها جديدة تنزل علينا منزل الصواعق، إنما هي أقوال قديمة تتجدد ..
قيل : إنّ قُدامَة بن مظْعون ، مِمَّن شهد بدراً ، ولاّه عُمر على البحرين ، فشهد عليه مَن شهد بشرب الخمر. فلمّا أراد عمر إقامة الحدّ عليه قال قدامة : لو شربتُها كما يقولون ما كان لك أن تجلدني . قال عُمر : لِمَ؟ ، قال : لأنّ الله يقول : "ليس على الذين آمنوا وعَملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتّقوا وآمنوا وعملوا الصالحات" - المائدة : 93 -
فقال عمر : أخطأت التأويل إنّك إذا اتّقيت الله اجتنبت ما حَرّم عليك»
وبهذا نرى كيف أنّه أوَّلَ الآية التالية للآيتَين أعلاه، على أنه لا إثم على من طعم وشرب، إن كان من المتقين، ولكن عمر رضي الله عنه مع عقله المتزن، ومنطقه القويم عرف كيف يُفحِمه ... إذ كيف يكون متقيا من لا يجتنب ما حرّم الله تعالى، والخمر مما حرمه .
⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩⏪⏩
🔶🔷11🔶🔷 مما أحب أن أطرحه أيضا مع هذه الآيات البيّنات، البيّنات بمعنى أنها واضحة، لا يُضيرها تأويل المتأوّلين لتبدو وكأنها الغامضة، وإنما سَعْيُهم هو المدحوض المردود بالمنطق والبيان.
قوله تعالى مباشرة بعد آيتَيْ تحريم الخمر في المائدة : "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا ۚ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ "-المائدة:92-
عندما تتأمل هذه الآية، وأنت قد عرفت مُراد الله بعظيم بيانه لحرمة الخمر...
أنها الرجس من عمل الشيطان، وأنها المقرونة بالأنصاب في الحرمة، وأنها التي يتخذها الشيطان مرتعا له في سعيه لزرع البغضاء، والإبعاد عن ذكر الله، وعن الصلاة... بعد كل هذا البيان من الله تعالى ... يأتي أمره بطاعة الله، وبطاعة "الرسول"...
وكأنّ الله تعالى يُرشد المؤمنين إلى اتباع سنّته، إلى اتباع طريقه الذي سلكه صلى الله عليه وسلم، اتباع ما قال هو في الخمر بعد أمر الله، واتباع ما فعل بعد أمر الله فيها، واتباع أحواله مع الصحابة بعد أمر الله فيها .... اتباع سنّته ...
لا يكفيكم أن تتبعوا القرآن، وإنما تتبعون السنة معه، وهي المفصّلة للقرآن، الشارحة له، المطبّقة لتعاليمه...
ويأتي من يأتي ليقول أنّ صيغة "التحريم" لم تكن في القرآن، ومع تهافُتِ دعواه هذه، إلا أنّ الله يدعو إلى اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم وما قال في الخمر، وتجد في هذا الأحاديث الصحيحة على أشكالها، تبيّن تحريم الخمر، بالتفاصيل، إذ:
📌📌لقائل أن يقول مثلا أنه ما دام من يشرب قليلا لا ينقلب حاله إلى مبغض، وناسٍ للصلاة، أو مُخلِطٍ فيها، فليشرب... هنا تأتي السنة لتبين فيما لا يدع مجالا لتأويل أنّ "ما أسكَرَ كثيرُه فقليلُه حَرَامٌ"
📌📌وقد يقول متأول من عصرنا مثلا، إن الذي حُرّم في القرآن هو الخمر لا المخدّر ، فتأتي السنة لتصف وتشفي بعبارة في صحيح مسلم : "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام"
📌📌وقد يتقوّل متقوّل، وإن أقرّ بتحريم الخمر في القرآن، وهو يُنكر السنة وحجيّتها أنّ الأمر يخصّ شاربها، أما بائعها وعاصرها فأين الدليل على حرمة فعله؟ !
ولذلك تجد التفصيل في السنة لا في القرآن..
"عن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: “إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ” رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأبو داود في السنن.
"عن ابن عمر قال: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلم: “لَعَن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وبائعَها ومبتاعَها، وعاصِرها ومعتصِرها، وحامِلَها والمحمولَةَ إليه" رواه الترمذي وأبو داود في سننهما وابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده عن ابن عباس.
وفي السنة تجد هذه التفاصيل التي تُحيط بالحالات، حتى يكفّ المتقوّلون، وإلا فما حال من ينكر السنة مع هذه الأسئلة التي لن تجد لها في القرآن جوابا؟!
تأملت موقع هذه الآية الداعية إلى طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله، مباشرة بعد آيَتَيْ تحريم الخمر، فوجدتُ ورودها إعجازا في الإعجاز ...
تكون في هذا المقام تحديدا، لتحيل المؤمن إلى أحضان السنة النبوية فتفصّل له، وتمدّه بالأجوبة مع ما كان من حال الصحابة والقرآن يتنزّل فيهم ليكونوا المثال الحيّ المتحرك لتطبيقات القرآن الكريم وهُم البشر الذين جرتْ عليهم حالات البشر، فكانوا يسألون، ويوغلون في الأسئلة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيب بالتربية المحمدية المستمدّة من النور القرآني ...
فهل جاء ليربيهم وحدَهُم، أم جاء لتنتقل تربيته للنموذج البشري الأول مع الرسالة المحمدية، إلى باقي الأجيال إلى قيام الساعة ؟
وهذه كانت تأملات في آيات تحريم الخمر، من القرآن يكفي بيان تحريمها، أما من السنة، فتفصيلات تضع حدا للتأويلات والتقوّلات، ببيان تحريم مفصّل لها مع كل حالة ...
واللهَ نسأل الثبات على الحق، وأن ينفعنا.