48
أي جدال هو جدال نوح عليه السلام لقومه !!
وهو كما في الآيات من 28 إلى 31
{قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28) وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ ۚ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا ۚ إِنَّهُم مُّلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَٰكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29) وَيَا قَوْمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمْ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا ۖ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ ۖ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (31)} [هود : 28-31]
يقول بالآتي :
📍 أنه على بينة من ربه.
📍 آتاه رحمة من عنده ببعثه نذيرا لهم لينقذهم من العذاب.
📍 فإن عميت عليهم الرحمة ... واللفظ لو نتأمله مقابل لتكرارهم : "ما نراك"
"عميَتْ" توحي بأنهم لم يروا شيئا من الحق الذي أريد لهم أن يروه... لقد حالت أهواؤهم وحال كِبرهم دون أن يروا الحق، إذ عميت عليهم الرحمة ...
وفي قول نوح عليه السلام ما فيه من التلويح لهم أن يزيحوا أهواءهم الحاجبة، وكِبرهم الحائل دون الرؤية، وقد استعمل لذلك قوله : " أرأيتم" ... رغم أن الرحمة عميت عليهم، وما عميت إلا من الحواجب...
ثم هذا نوح عليه السلام يعلم نزوع قومه إلى الماديات حتى حقّروا أتباعه، فهو :
📍 يبين غِناه عن مالهم.
📍 لن يطرد أتباعه ويحقرهم نزولا عند رغبتهم، واتباعا لنظرتهم المادية السطحية.
📍 مواجهتهم بوصفه لهم بالجهل وهم هذه نظرتهم وهذه سطحيتهم .
📍 يبين لهم أن الله يغضب لأوليائه المتقين الصالحين وأنه لن ينصره منه سبحانه أحد وهو يسايرهم فيما يريدون ...
تأملوا قوته وثباته على ما عنده، وعدم تزعزعه وهم يسألونه غير ما أرسِل به...
مازال نوح يجادلهم ... مازال يستبق ما يريدون سؤاله إياه ...
تريدون الخوارق لتؤمنوا ؟
تريدون الكنوز ؟
تدّعون انكم لن تؤمنوا لبشر، ولو أنه كان ملكا لآمنتم ؟
تريدون أن يُزدرَى الفقراء، وتكون لكم الأولوية في الظهور ؟
فهذا نوح عليه السلام يستبق كل هذا منهم :
📍 لا أقول لكم عندي خزائن الله.
📍 لا أعلم الغيب.
📍 لا أقول إني ملك.
📍 لن أزدري الضعفاء وأقلل من قيمتهم.
تأملوا قوته وثباته وصبره...
تأملوا ثقته بما عنده، لا يضيق صدره بما أرسل به وليس فيه مطالبهم، ولا يلبيها ...
سيثبت عليه لقرون، وهم يخرصون، ويسألون، ويتمطّون، ويكذبون... سيثبت على ما جاء به كما أراده الله لا كما يريدونه لقرون.. !!!
هكذا هو الوحي، شئتم أم أبيتم، قولوا أنه العجز عن الإتيان بمسائلكم... تراجعوا ومطالبكم لا تُلَبّى ولا تأتيكم المعجزات لتؤمنوا، ولتزدادوا تعنتا وعتيا وأنتم تحكمون على الوحي بالنقص والعجز وهو لا يأتيكم بمرادكم ولا يحقق مطالبكم...
ليكن ما يكُن منكم، لن يرضيكم النبي على حساب الوحي...
وعلى هذا يعود بنا الحال إلى آية سابقة لكل هذه الآيات... وفيها تثبيت الله لنبيه صلى الله عليه وسلم :
" فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَىٰ إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَن يَقُولُوا لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ ۚ إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ -هود : 12-
هكذا كان نوح عليه السلام في جداله لقومه مدرسة لرسول الله صلى الله عليه وسلم يتعلم منها لقومه ...
وهي المدرسة لكل صاحب دعوة حق إزاء دعاوى الباطل.. لا يُبدَّل القول لإرضاء المدعوّين، ولا تُختلق الخوارق ولا يُزَجّ بها زجا بدعوى التقوية والتأييد لاسترضاء أصحاب الأهواء على اختلاف صيحاتهم.. ففي دعوة الحق ما يكفيها من ظهورها بذاتها
فأي قوة وأي ثبات وأي ثقة وأي جدال بالحكمة والحق هو لسيدنا نوح عليه السلام .. !!