
إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ(120)-آل عمران-
وهي ذي حالهم... ذي دخائلهم... أولئك الذين أمِرنا ألا نتخذهم بطانة : "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُون(118)"
إنها ذات صدورهم التي يكشفها الله للمسلمين ... للأمة لتعرف عدوها من صديقها ... لتتبصّر، لتعي، لتفهم ... لتعقل ..
إن ينتصر المسلمون، أو يعلو ذكرهم، أو يتوحّد صفّهم، أو يكن منهم الرجال الصناديد الأخيار الواعون، العارفون بأعدائهم وبحقيقة ما يريدون بالأمة ... إن يَكُنْ منهم الثابتون المغاوير الذين لا تفعل الشُبَهُ فيهم فعلها، ولا يضرهم أذى ألسنة الغير، بل يعدّونه الهَمَل من القول والسّفه من الفكر، والعَدَم من الوزن، ويولّونهم الدُّبر وهم المقبلون على طريق الدعوة إلى الخير، على طريق إصلاح الأرض بالعدل والحق...كل هذا في أمة الإسلام يسوؤهم ... وليت شعري ... متى يومُه !
بل إنها : 🔸إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ🔸 ... مجرّد المسّ بخير يسوؤهم، بينما في الشر تُفرحهم الإصابة الثقيلة، يسعدون ويفرحون بالشر الكبير يلحق بالمسلمين: وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ
الصبر والتقوى... معهما لا يضرّ المؤمنين كيد هؤلاء المنافقين ...
ونتوقف عند هذا حتى لا يكون فهمنا ذلك الفهم الذي يستمدّ من السّبح في عالم المعجزات، في عالم يخال من يسمع عنه من أفواه الحالمين أنه عالم صُنِع لأهل الإيمان سواء أعَمِلوا أم قعدوا، أَسَعَوا أم غطوا في النوم العميق، أحققوا الشروط التي علمهم الله أم لم يحققوا ... سواء بسواء، هذا هو عالم المسلمين صُنع لهم ولأجلهم كيفما كانت حالهم ... !!
إن الكثيرين من المسلمين في هذا العصر الذي تأخر فيه المتقدمون، وتراخوا عن دورهم الريادي، وركنوا إلى الدّعة والراحة حتى تداعت الأمم عليهم، يقفز إلى أذهانهم المعنى المهزوم للصبر ... المعنى الذي يحبون أن يلصقوه به ... !
فالصبر عندهم هو القعود وعدم الحركة...
الصبر عندهم أصبح مدعاة لمزيد نوم، ومزيد تقاعس ...
بينما الصبر هنا تاج يُراد ان يُتوّج به أهل السعي والحركة والعمل ...
🔸وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ🔸 لم تأتِ قبل الأمر بالحذر من المنافقين، وقبل الأمر بألا يُتخَذوا بطانة وأهلَ خاصة ومشورة ومعرفة بالدخائل ... لم تأتِ قبل بيان صفات هؤلاء المنافقين للتحذر والاحتراس منهم ... بل جاءت بعد كل هذا ... أليست التقوى توخّي الائتمار بأمر الله تعالى والانتهاء عن نهيه ؟ بلى هي كذلك ...
فما دامت كذلك فإن الصبر مقرون بها، مقرون بهذا الائتمار بأمره سبحانه، أن نحذر المنافقين، وأن نتبينهم من سماهم، وألا نتخذهم بطانة ... هذا كله من الائتمار بأمر الله، وهو بعبارة أخرى التقوى ... فالصبر المُراد هو صبر مع عمل لا صبر مع قعود ...
إنها ليست سحرا من السحر ولا قضاء من القضاء في اللوح المكتوب أنّ أمة الإسلام على كل عِلاتها متقبَّلة، مُشاد بها، معترَف بها، يكفيها عنوان الإيمان لتحظى بكل حظوة ...
حاشا وكلا ... إنه الله العدل الحق، الذي يجزي محسنا بإحسان، ويجازي مسيئا بما يستحق ...
ومن عمل لا يبخسه حقا هو له وإن لم يكن مؤمنا، وإنّا لنرى الأمم الكافرة وهي إذ تسعى وتعمل يعطيها الله في الدنيا جزاء سعيها ولا يبخسها حقا ...
وعلى هذا فإنكِ أيتها الأمة المؤمنة إن تصبري مع أخذكِ بتعليمات القرآن وإرشاداته وبياناته لا يضرّكِ كيد الكائدين شيئا ... بل إنهم سيجدون حصنا حصينا دون كل مكائدهم يردّها عليهم في نحورهم ... ليس ذلك إلا من قوة حقيقية متحققة في هذه الأمة وهي التي تصبر وقد اتقت، وقد سمعت وأطاعت، وعملت بما علّمها ربها ...
تماما كما عرفنا مع "الأذى" الذي يبقى أذى ما قامت الأمة وظلّ حصنها قائما، وينقلب أكبر من الضرر ما سقطت وانخذلت وتهاوى حصنها ....
فلنحذر ثم لنحذر شطحات الأحلام الوردية التي سِمَتها القول والتشدّق بالقول أنّ الأمة منصورة، محصّنة، ممنوعة على كل من يريد بها سوءا ...وليس ذلك من القرآن، ولم يعلّمنا إياه القرآن، وهو بين أيدينا يصدع قويا بإرشاداته وتعليماته المرقومة والمرتبة التي لا يعلو شأن إلا باتباعها ولا يرتكس إلا بالتنكّب عنها ...
إننا إن نَجِدَّ نَجِدْ ونَرْشُدْ وإن نقعد نبعد ونَشْرُد...
(على الصورة المُرفَقة حاولت بيان معنى الصبر المُراد)
#آل_عمران