المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7835 مرات)

0 الأعضاء و 0 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #240 في: 2026-04-05, 16:01:38 »
"قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ (17) مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ (18) مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ (19)"
قُتل الإنسان...!
  و"قُتل" تقال عند العرب لمن أريد أن يُستشنع عمله ويُستفظع،  فهي دعاء من شاكلة اللعن... 
"مــــــا أكفره"  !!!!
ألا ما أشد كفر الإنسان...!!    ألا ما أسرع خطاه إلى نكران نعمة ربّه الذي خلقه من بعد أن لم يكن شيئا مذكورا...!!
ألا كيف؟!!   ألا أنّى له أن يفعل ذلك!!!   ولولا ربه ما كان ليكون شيئا أصلا...!   بَلْه أن يفعل!!
ألا ما أشد جحوده وكنوده!!   ألا ما أشدّ جرأته على خالقه!!!
ألا ما أجرأه على ربه، وقد خلقه من """ نــــطفة"""!!! 
من قطرة ماء مهين!!
فهي ذي الأرض تعجّ بالكافرين!  هم أولاء العباد المخلوقون من نطفة...!  يعبدون المادة والشهوة والهوى من دون الله!!
هو ذا الإنسان يكفر فيتأله في الأرض...!  فلا عجب!!
لا عجب...  إن الخالق سبحانه يستنكر ويصف العجب من مسارعته للكفر:  "قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ!!!"
ما أكفرك أيها "" "النطفة" ""   يا أيها المخلوق من قطرة!!!  من قطرة قدّرها الذي كفرتَ به... قدّرها "إنسانا"...!!! فكُنتَه!!
«وقليل من عبادي الشكور»...
#عبس
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #241 في: 2026-04-05, 16:02:14 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

يفصّل الله سبحانه في شأن المنافقين وصفاتهم في سورة البقرة العظيمة، ومنها :
"وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آَمَنُوا قَالُوا آَمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ (14) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)  "
يحسبون أنهم الذين يستهزؤون بالمؤمنين إذ يدّعون أمامهم إيمانا، بينما الحقيقة، أن الله سبحانه هو المستهزئ بهم، إذ يمدّهم في طغيانهم، وهو سبحانه الذي لا يكون إلا أمره، ولا يتحقق إلا ما يريد، فإنّ ما حسبوه استهزاء إنما هو بإرادة الله مضى، وما إمضاؤه سبحانه له إلا استهزاء منه بهم وهو يمدّهم في طغيانهم ليحسبوا أنهم على شيء، وأن مكرهم ماضٍ، وأنهم الذين يحققون مرادهم ... !
وحقيقتهم أنهم :
"أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (16)"
ثم لننظر في هذين المثالَين العظيمَين اللذَيْن لطالما تأملتهما، وأسقطتهما، وأبحرت في قرارهما، ولطالما قرأت ما جاء عنهما في التفاسير ...
ولكنّني بربط الآيات بعضها ببعض وقعت على شيء من عمقهما ... وعلى مفتاح لفهمهما...
"مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (17)"
تخيّل من يستوقد نارا، من يوقدها ليستضيئ ... !
فإذا هي نوال أمره، وطوع ما أراد، لقد أضاءت... !
بل أضاءت ما حوله ... ولكأني به الذي يرى ويبصر ما حوله، يرى مراده يتحقق، يرى كيف أضاءت له ناره... !
وإن لاستخدام لفظ النار تحديدا لَدورا عظيما ... وما حقيقة المنافقين في ادعاءاتهم وكذبهم وتلوّنهم إلا نار تخيّل لهم الضوء، وهم في ظلمة سادرون ... !
ولكن ...... ! انظرهم.. تأملهم ....
أين يظنون بمرادهم الوصول؟؟؟ أين يظنون بما نالوا الوصول ؟؟؟
إن الله لهم بالمرصاد ... !
 فما أن أضاءت لهم ما حولهم حتى إذا هي يد الله تعالى، وأمره النافذ، وقضاؤه المُمضى، ومراده الذي لا يعلو عليه مراد أحد ... !
ذهب الله بنورهم، وتركهم في ظلمات لا يبصرون ...  يُملي لهم سبحانه، حتى يأخذهم أخذ عزيز  مقتدر ... وما ذلك إلا قوله في الآية السابقة :
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)  "
ذلك الذي أضاء لهم ما حولهم مَدُّ الله لهم وإمهالهم...
مَدّه لهم في طغيانهم، ليزدادوا ظلمة على ظلمة، وضلالا على ضلال، ولتزداد قلوبهم سوداوية على سوداوية ... فإذا هم يعمهون، إذا هم عُمْيُ البصائر ... من عماهم يحسبون أنهم المنفذون أمرهم، المحققون لمرادهم في الأرض ... !
فهم أولاء عياذا بالله :
" صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (18)"
خُتِم على قلوبهم هم الذين لم يبقَ لهم من طبّ ولا من دواء ...
ولننظر في المثال الثاني :
" أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آَذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (19) "
لكأني بهذه الأوصاف ترسم ملامح أنفس المنافقين، وحقيقتهم، وهم قد عرفناهم الذين يحسبون أنفسهم المستهزئين بالمؤمنين، وأنهم أهل الفطنة والذكاء والدهاء ... إذ يدّعون أمامهم ما يدّعون من الإيمان كذبا وزورا...
ولكنّ دواخلهم ... !!
دواخلهم، ذي يكشفها الله، حقائقهم، حقائق أنفسهم، بينما يبدون الماكرين الدواهي ... !
إنها لوحة ترسم تفاصيل دواخلهم، تفاصيل دائهم العضال، تفاصيل مرضهم المستشري في أوصال أنفسهم:
صيّب، سحاب كثيف قاتم مصحوب برعود مطيرة  ... هو ذاك الصيّب !
إنها الظلمات ... والرعد ... والبرق ... !
إنها الصواعق ... وإنهم تحتها .... ! يجعلون أصابعهم في آذانهم منها حذر الموت .... !
أهوال ... !  صواعق مُهلكة ... تكشف خوفهم، وشدة فَرَقَهم وضعفهم ...
إنها صواعق تنزل من السماء، إنها صواعق الحقّ من القرآن يكشف دواخلهم، ويتوعّدهم، ويكشفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين ... !
قلتُ بهذا، وأنا أستحضر من القرآن ما يصدّقه، في قوله تعالى يكشف من حقائقهم:
"وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا ۚ صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ (127)"
كانت تنزل السورة من القرٍآن وفيها فضائحهم، فكانوا يتغامزون، لينصرفوا من أمام رسول الله، لئلا تكشف وجوهُهم سرائرهم من بعد سماعهم الذي نزل في فضحهم ... !
ولكنّ الله محيط بهم، محيط علما بكل كذبهم وادعاءاتهم، ومكرهم، وما يزعمون أنه استهزاء بالمؤمنين ... !
"يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (20)"
كلما أضاء لهم البرق من إمهال الله ومَدّه مشوا في طريقهم الذي بدؤوه، طريق نفاقهم وكذبهم وتلوّنهم، وإذا أظلم عليهم من فضح القرآن لهم، قاموا، أي توقفوا، وتيبّسوا خشية انكشاف أمرهم ... !
"وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ"
فإنه قد يتساءل عبد ضعيف ... فلمَ لمْ يوقف الله كيدهم، ولم يقهرهم ؟؟
فهي ذي الإجابة أنه سبحانه لو شاء لذهب بسمعهم وأبصارهم، وأنه على ذلك لقدير ...  ولكنه سبحانه قضى  أنه ممهلهم ...:
" اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (15)  "
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #242 في: 2026-04-05, 16:03:57 »
في سورة البقرة العظيمة، من بعد ذكر الله تعالى لأصناف الناس الثلاثة في الاعتقاد، بادئا سبحانه بالمؤمنين، متبعَهم بالكافرين، مُردفَهم بالمنافقين
وهم الناس ... والناس هم ... ! مؤمنون، وكافرون، ومنافقون  ...
يُتبع الله آيات التصنيف تلك  بدعوة يوجّهها للناس كافة  ...
مع بدايات هذا الكتاب العظيم، بترتيب المصحف الشريف ...
لمن يتصفّحه، ويقرأه، وهو يفتتحه ... من الناس ... من الناس كافة ...
من كل جنس ومن كل عرق، من كل لغة ومن كل لون ...يفتح دفّتَي هذا الكتاب، فإذا الفاتحة أول ما يستقبله ... ليكون بعدها مباشرة مع "البقرة"...
عربيا كان أو أعجميّا، هنديا كان أو صينيا، من كل أصقاع الأرض، وهو يقرأ القرآن، وهو يتعرف إليه أول مرة ...  سيعرّفه ربّه بأصناف الناس في الأرض  ... بحالهم الاعتقادية ...ليجد أول ما يجد الدعوة العامة الشاملة لكل البشرية :
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22) وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) "
وإنك لو تأملت في مجمل هذه الآيات الثلاث ... لوجدتَ عجبا ... !
لوقعت على """المفــــتاح""" ... إنه المفتاح الذي تملكه  أنت، ومن دونه لا يُفتَح لك باب في عقيدتك، وفي تصوّرك لوجودك وللغاية من وجودك ...
تأمل...  تأمل الآيات الثلاث ....
"يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (21) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (22)"
إنـــــــــــــــــــها :
أ-🔹اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ---------- الدعوة لعبادة الله.
ب-🔹الَّذِي خَلَقَكُمْ ---------- تعريفهم بربهم بالصفة التي كانوا بها ناسا مدعوّين.(الخالق)
ج-🔹 وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ------ ربّ الناس أجميعن.
د-🔹 الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ --------- الذي سخّر لكم كلّ ما خلق، هو الذي خلقكم وهو الذي يرزقكم .
هـ🔹فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ : جاءت من بعد : " اعْبُدُوا رَبَّكُمُ " حتى تنزهّه عن كل شريك، حتى يُعبد وحده ...
وعلى هذا فإن : (أ+هـ) = سِنّ المفتاح الأولى .
فأمسك بالسنّ الأولى ...  وامــــضِ ... !
"وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) "
و-🔹 وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا ----- إقرار بأنه العبد المنزَل عليه كتاب من الله (رسوله).
ي-🔹 فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ -------- تحدّ إلهيّ لا يُقارَع، بتفرّد الوحي الإلهي، وأنه الذي لا يأتي بمثله أحد.
وعلى هذا فإن : (و+ي) = سِنّ المفتاح الثانية ...
لنخلُص أنّ المفتاح = السنّ الأولى + السنّ الثانية .
المفتاح = (أ+هـ ) + (و+ي) .
المفتاح = لا إله إلا الله + محمد رسول الله...
وهكذا ... ذي هي أول دعوة يقع عليها كل إنسان يفتح المصحف الشريف، عرفه من قبل أم لم يعرفه ... مؤمنا كان أو غير مؤمن ... من أي صقع من أصقاع الأرض كان ... سيجد دعوة ربّه أن يشهد أنه المعبود بلا  ندّ ولا شريك، وأنّ محمدا عبده ورسوله ...
فاللهم أمتنا وبأيدينا المفتاح... واحشرنا إليك وهو بأيدينا وأدخلنا جنانك التي لا تُدخَل إلا به...
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #243 في: 2026-04-05, 16:04:56 »
⚱️⚱️ومرة أخرى مع سورة البقرة العظيمة ....⚱️⚱️
إن من يقرأ القرآن قراءة الآية بالآية، دون ربط بين الآية وسابقتها، والآية ولاحقتها،  دون مراقبة للتناسق والتساوق، الذي لا يقرأ بخلفية أنّه ترابط قائم كائن لا يغادر، ربما وقع على تفرّق بين قطاع آيات وقطاع آيات أخرى من السورة، فيرى أن كل واحد منها يعالج موضوعا منفصلا عن موضوع الآخر ...
ولكن،  من يقرأ بخلفية الترابط الملازم، سيقع على الحلقة الرابطة بين الآيات والآيات ... 
وسأضع ها هنا مثالا من سورة البقرة ..:
"وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (157) إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)"
من الآية 155 إلى الآية 157 نتبيّن موضوع الابتلاء، ومواضع الابتلاء، (الخوف، الجوع، نقص من الأموال، نقص من الأنفس، نقص من الثمرات)، وأن للصابرين المسترجعين جزاء عظيما بُشّروا به، وأن عليهم من الله صلوات ورحمة، وأنهم هم المهتدون .
لننتقل من سياق الابتلاء إلى موضوع يبدو لأول وهلة مخالفا كل المخالفة، مغايرا كل المغايَرة ... !
"إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158)"
أي علاقة هي قائمة بين الابتلاء، والصبر عليه، وجزاء الصابرين عليه، ومكانتهم عند الله، وبين الصفا والمروة ؟؟ !!
لن تجد حلقة رابطة، ما لم تتأمل، ما لم تتعمق، ما لم تتساءل ... !
هكذا هو القرآن ... من إعجازه، ومن جمالياته، أن يترك لعقلك البحث في ما هو وراء العارضة ... فيما هو كائن وراء "السُّورِ" ... !
وليس معنى ذلك الذهاب بعيدا بعيدا عما يصدّقه القرآن، ويصدّقه الخبر الصحيح من رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل بالبقاء في هذا المحيط، وفي إطار اللغة الصحيحة، لا في إطارٍ من ليٍّ لعنق الآيات، ولعنق اللغة في تفسير هوائي  ... !
تأمّـــــــــــــــــــــــل... !
مَن أوّل من سعى بين الصفا والمروة ؟؟
إنها هاجر زوج إبراهيم عليه السلام ...
ما علاقة هاجر بالصفا والمروة ؟؟
أليست قد ابتُليت أكبر ابتلاء ؟؟ !   ألم يتركها زوجها عليه السلام هي ورضيعها في واد غير ذي زرع، وولّى عنها بأمر من ربّه سبحانه ؟؟ !
أليست التي سألته وهو مولّ عنها، وتاركها ورضيعها : "آالله أمرك بهذا؟"  قال لها إبراهيم : نعم ، قالت : إذن لا يضيّعنا .... !
أليست التي صبرت على ابتلاء عظيم ؟ !
إن قولها : "إذن لا يضيّعنا"،  لهو الاسترجاع، ولهو الرضى، ولهو اليقين بالله، وبمعيّته، وبأمره، وبأنه الذي يبتلي، وبأنه الذي لا يضيّع عبده ما صبر ... !
أليس ابتلاء لإبراهيم الخليل عليه السلام، وهو الذي رُزق إسماعيل على كبر، فما أن اكتحلت عينُه به حتى أمره ربّه أن يتركه وأمّه بواد غير ذي زرع وغير ذي أهل، ويولّي عنهما ... !
فهذا إبراهيم المطيع الصابر المؤتمر بأمر ربّه، وهذه هاجر المطيعة الصابرة المؤتمرة بأمر ربها .... !
بل تأمــــــــــل أكثر .... !!
لقد ابتُليت هاجر في هذا الوادي بكل أنواع الابتلاءات ...
💎إنه الخوف، وهي الوحيدة مع رضيعها، لا إنسيّ يؤنس ... !
💎وإنه الجوع، وولدها يتضوّر، وتكاد روحه تصعد لبارئها من فرط جوعه، وهي التي لا تجد ما تسدّ به رمقها لترضعه... !
💎وإنها التي بلا معيل يأتيها حتى بما يَأكل رضيعها، فهو النقص من الأموال ... !
💎وإنها التي بلا أهل، قد غدت في قفار من الأرض، مع رضيع لا حول له ولا قوة، فلا زوج ولا أهل ولا من تعرف .... ! ولا مَن إليه تأوي، فهو النقص من الأنفس ... !
💎وإنه واد غير ذي زرع، فهو النقص من الثمرات ... !
⚱️ولــــــــــــــــــــــــكن :⚱️
"وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ".................
لقد سعت بين الصفا والمروة، تجدّ وتبحث عما تَطْعَمُهُ، أو تشربه، لترضع صغيرها المتضوّر جوعا، الذي يكاد يموت جوعا ... !
وإنه قلب الأم الرؤوم ... ! وهي ترى الموت الحائم الأوحد حول فلذة كبدها .... ! ولكنها تسعى، ولا تقنط، ولا تيأس، إنها التي لم ترَ في قولها: "لا يضيّعنا" وجوب القعود وانتظار الغَوث من السماء !
هذا هو الصبر، الذي نتعلمه في مدرسة هاجر العظيمة ... وهذا معنى الصبر المُراد، وهذا الذي يُجازى صاحبه بالبشرى ... !
فهو ذا الماء ينفجر لهاجر ......... ! 
هي ذي البشـــــــــــــــــــــــرى .... !
هي ذي البشرى من بعد صبرها العمليّ، الصبر الذي يساوي يقينا في الله وفي معيّته مع سعي، مع أخذ بالأسباب... إنه الرضى مع السعي ... إنه اليقين بالله، المدعَم باليقين أن الأخذ بالأسباب حركة من العبد، هي التصوّر الصحيح للتوكّل على الله ...
ولذلك جاءت آية الصفا والمروة، وبيان مشروعية التطواف بهما( أي السعي)،  بعد آية الابتلاء،  لأن أول مطوّفة بهما، أول ساعية بينهما ...مدرسة للصبر العمليّ، للتوكل الحقيقي... هي وزوجها الخليل عليه الصلاة السلام...
أفرأيتَ علاقة آيات الابتلاء، وجزاء الصابرين عليه، بآية الصفا والمروة ؟؟ أمازلتَ تراها الآيات المتفرقة ؟؟ !
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #244 في: 2026-04-05, 16:06:30 »
🌹ومجددا مع سورة البقرة ...🌹
"وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آَيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)"
تلكم أحكام الأسرة التي منها الكثير  في أواخر سورة البقرة، من زواج وطلاق وإيلاء وعدّة وغيرها ...
ولست أريد من الآية الحكم بالإمساك أو التسريح بعد إمضاء الطلاق، وإنما أريد آخرها، وهو قول الله تعالى :
"وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (231)"
يأمر سبحانه عبده المؤمن أن يكون على أمر الله في شأن الطلاق، فلا يطغى، وهو يتحاذق فيتحايل، بادّعاء إمساكها وعدم تسريحها، وإنما مراده أن يضرّها، بإذلالها، وباتخاذها كرة يركلها متى شاء، ويمسكها متى شاء، عابثا بمشاعرها ذات اليمين وذات الشمال ...!
وعلى هذا يذكّره بنعمة الإسلام الذي ارتقى به من مهاوي الجاهلية والظلم والعدوان إلى مراقي الإنسانية والتكريم والعدل والإحسان ...
ثم يعطف على "نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ"  التي هي الإسلام،  تفصيل هذه النعمة في قوله سبحانه : 
"وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ"
تأمـــــل جيدا......  💎الكتاب والحكمة💎...
وأن كليهما منزَلٌ من الله على نبيّه ... فأما الكتاب فهو القرآن، وأما الحكمة فهي سنّة رسول الله صلى الله عليه وسلم ...
تأمـــــــــل يرحمك الله ... !   تأمل مقام السنة التي يُتنادى بإنكارها وبإنكار حجيّتها في الدين ...!!
إنها المُنزلة من عند الله كما هو القرآن منزَل من عنده ... 
إننا أمة الوَحيَيْن لا الوحي الواحد ...!
وكم من المسلمين لا يعي هذا الأمر على حقيقته، ويحسب أن السنة الصحيحة أقوال من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا علاقة لها بتنزيل...
بل إن السنّة وحيٌ من الوحي، بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، السنة التي فيها البيان للقرآن، والتفصيل لما أجمل، والتخصيص لما عمّم، وفيها من التشريع، والتزكية، والتنبؤ بأخبار غيبية، من مثل ما قاله صلى الله عليه وسلم حينما ضرب تلك الصخرة العظيمة في غزوة الخندق، فزُويت له الأرض، وأُرِي ملك أمّته، وأخبر عن امتداده، وأنه سيبلغ ما زُوِي له من الأرض ...
هي ذي السنّة التي يُتنادى اليوم بإنكارها ممّن يسمَّون "القرآنيين" ...
هؤلاء الذين اختاروا لهم دينا جديدا غير دين الإسلام، غير دين الوَحيَيْن، دين بوحي واحد ...!!  وحي بلا بيان ...!
دين بغير بيان، قرآن بغير بيان رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل ببيان الأهواء المتعدّدة، المتناثرة، المختلفة ....!
ولا يفوتني، ولا يغيب عنّي تفسيرهم لآيات الله تعالى على أهوائهم ... !  وهم الذين أوّلوا كل ما ذكره القرآن عن السنة، بأنه القرآن، وكل ما أوجبه الله من طاعة لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بأنها طاعته في أمر القرآن وحده دون ما جاء من أمره في السنة، الذي ليس إلا من أمر الله  ...!
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول فيما يصدّق الآية، وفيما يصدّق أن السنة وحي من الوحي ، وفيما يصدّق أنها الحكمة المنزَلة، التي وردت في الآية جنبا إلى جنب مع القرآن المنزَل :
قال صلى الله عليه وسلم : "ألَا إنِّي أوتيتُ القرآنَ ومثلَهُ معه" -صحيح -
ولقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم بصيحات هؤلاء الأدعياء، حينما قال :
 ""لا ألفينَّ أحدَكم متَّكئًا على أريكتِهِ يأتيهِ الأمرُ من أمري ممَّا أمرتُ بِهِ أو نَهيتُ عنْهُ فيقولُ: لا أدري، ما وجَدنا في كتابِ اللَّهِ، ما وجَدْنا فيه حرامًا حرَّمناهُ ألا وإنِّي أوتيتُ القُرآنَ ومثلَهُ معهُ ."  -صحيح-
وفي رواية أخرى : "ألا إنَّ ما حرَّمَ رسولُ اللَّهِ مثلُ ما حرَّمَ اللَّهُ".
وإنها السنة..... وحيٌ من الوحي ... :
"وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ "
وتأمّــــــــــــــــل.....
تأمل ورود إنزال الوحيين في هذه الآية تحديدا، وهي عن حكم من أحكام الأسرة، وقد فصلت السنة في شؤون الأسرة مما لم يرد في القرآن ... من مثل تحريم الجمع بين المرأة وخالتها، والمرأة وعمّتها ... الذي جاءت به السنة، ولم يذكره القرآن ...ومن مثل كثير من تفاصيل الطلاق والعدّة التي جاءت بها الأحاديث الصحيحة ...
دين الوحيَيْن هو الإسلام، دين الكتاب، بالسنّة بيانا له، بالسنّة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ليس إلا من أمر الله، لا من أمر رأسه وهواه -حاشاه-...!
أمر الله عبر وحي ينطقه رسول الله بكلماته، بخلاف القرآن الذي هو من الله لفظا ومعنى ...
دين الوحيَيْن قرآنا وسنة....
السنة وهي ليست إلا حركة القرآن على الأرض في رسول الله صلى الله عليه وسلم ... وهي ليست إلا بيان القرآن ... وتفصيل ما أجمِل فيه ....!
#السنة_وحي
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #245 في: 2026-04-05, 16:06:54 »
🌴🌊🌴ومرة أخرى مع سورة البقرة العظيمة، التي لا تنتهي عجائبها، كما لا تنتهي عجائب هذا الكتاب العظيم، الذي كان من أحسن مَن وصفه من خلق الله، نفر الجِنّ الرشيد حينما قالوا : " إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا"
هل رأيتم ألوان آيات الإنفاق في أواخر هذه السورة ؟؟
هل تأملتم كيف تأخذ كل آية بطرف من أطراف موضوع الإنفاق، حتى إذا جمعتَها كلّها وجدت قانونا إلهيا، دستورا إلهيا عظيما يُرسي قواعد الإنفاق، وأوجه الإنفاق، وشروط قبوله، ومفسداته ...
لنأخذ آية من تلك الآيات العظيمة التي جاءت في هذا الموضوع الحيويّ في حياة المؤمن، في هذا الأمر العلويّ من الرزاق سبحانه المعطي، الذي يعطي عبادَه من فضله، ويرزقهم من فضله، ثم يخوّل لهم أن يعطوا مما أعطاهم ... !
وليس هذا وحسب ... ! بل يجزيهم على عطائهم من ملكه... مما أعطاهم ... !
الإنفاق ... إخراج العبد المؤمن من ماله، ومما يملك، وهو يملؤه الإيمان بالله واليوم الآخر، إلهه الذي أمره أن يُخرج، وأنّ له الجزاء على ما أخرج في اليوم الآخر ...
سلسلة متلاحقة من الآيات في سورة البقرة، تحضّ على الإنفاق، وتبيّن شروط صحّته، وشروط قبوله، وتبيّن مفسداته، ببيان حالٍ يكون عليها المنفق، وحالٍ، حال المؤمن الذي يبتغي وجه الله، ورضاه، واليوم الآخر، وحال المرائي الذي يبتغي شكر الناس، والظهور ... !
ولنكن مع عيّنة من هذه الآيات العظيمة  الجليلة :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)"
المنّ والأذى من مبطلات الصدقات، من موانع قبول الصدقات، أن يمنّ منفق على من أنفق عليه، فيرى نفسه المتفضل عليه، وأنّ لولاه لما ولما ولما ... ! أو أن يؤذيه وهو يعطيه أو من بعد إعطائه ... !
يضرب الله لهذا المانّ وهذا المؤذي الذي أبطل صدقته بمنّه وأذاه، مثلا ...
فلنتأمـــــــــــــــــــــــل...
"كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ"
إنه من بعد ما توجّه الله للمؤمنين بــ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا "  ...
جاء حرف التشبيه هنا ، الكاف في  "كـــــالذي" ...
لنقع على حال تشبه حال هذا المؤمن المنفق، المانّ المؤذي ...
إنها حال الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر...
وتأمل أكثــــــــــــــــــر ... !
إنها لم تأتِ: "كالذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر" هي الأولى، بل جاءت : " كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ " قبلها...
وما ذلك إلا ليُفهَم أن المؤمن الذي ينفق رئاء الناس، إنما حاله بالتعدّي كحال الذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر –عياذا بالله- لأن غير المؤمن وهو ينفق رئاء الناس، تحصيل حاصل، ونتيجة منطقية لعدم إيمانه، أما المؤمن فليست تلك قاعدته، بل هي الشذوذ، هي الخروج من دائرة الإيمان وقوانين الإيمان، الخروج من تصوّر المؤمن ... !
ثـــــــــــــــــــــمّ :
"فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (264)"
يأتي الآن التمثيل...
يأتي المثل الذي ضُرب للذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر، للذي ينفق رئاء الناس، للمؤمن الذي يمنّ ويؤذي وهو ينفق ... !
أي دائرة هي ؟؟ ! أي خطورة هي على إيمان المؤمن، على أعماله !!
إن مثله كمثل صفوان، والصفوان من "الصفاء" ...  ذلك الحجر الأملس الرطب الزَّلِق.... وإنّ :  "عَلَيْهِ تُرَابٌ " ...
إن عليه ترابا ... ! إنه يُخيّل للرائي، وعليه التراب، أنه يُنبت، أنّ به مادة حياة النبات، أن به رحِم النبات .... !
إن عليه ترابا ... !
"فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا" ...
هذا الصفوان، أصابه مطر غزير، شديد ... فتركه صلدا ...تركه صلبا بلا ذرة تراب عليه، تركه حجرا صلبا لا يُنبت، أعاده لأصله، عرّاه ... فانكشف أصلُه ... !
أزاح الوابلُ ذلك التراب الذي كان يُخيّل أنه المُنْبتُ شيئا ... !
كان عليـــــــــــــه ...
تأمل موقع : "عليه" هنا ... لتجد أن الأصل هو الصفوان، الأصل هو الملاسة، والليونة....لتجد أن الأصل هو لا شيء ... ! وأن التراب عليه، مظهر ... لتعلم أنه كان مظهر الإنبات ... والحقيقة أنه لا مصدر للإنبات ...
أتدري ما هو ذلك الصلد ... ذلك الأصل في المرائي، في المانّ، المؤذي؟ !
إنه عدم إيمانه بالله واليوم الآخر .... "كالذي لا يؤمن بالله واليوم الآخر"
هذا هو الأصل ... هذا هو الخواء، هذا هو الفراغ، هذا هو الهواء الذي قام عليه إنفاق ذلك المنفق، ذلك التراب، فإذا الحقيقة بعد الوابل الكاشف، أنه لا نبات ...  لا جزاء، لا ثواب .... !
أي جزاء هو لمن لا يؤمن بيوم الجزاء ؟ !!! 
أي جزاء لمَن يرائي الرائي، فيُخيّل أنه على تراب ؟ !
أي جزاء لمَن لا ينفق لله ... ليرضى الله ؟ !
إنه الصفوان الذي قام عليه تراب، فإذا هو يوم الحق والحقيقة صلد ... بلا نبات ... !
فكيف لا يخاف """"مؤمن """" يمنّ أو يؤذي ... وهذا مثله ؟ !!
مثله كمن لا يؤمن، لأنه يريد الناس...فكان عليه مظهر الإنفاق، كان عليه تراب في الدنيا، يُخيّل لمن راءى لأجلهم أنه الأرض المنبتة ... فإذا هو عند الله يوم وابل الحقّ صلد.... بلا شيء ... ! لا شيء عليه ! لا ثواب !
أي دقة ! وأي إسقاط ؟ !  وأي مثال ؟ ! وأي خوف، وأي هلاك ... !
دقة هي ليست إلا للقرآن العظيم، ولربّ القرآن العظيم ... !
فاللهم علمنا الإخلاص كما ينبغي لعظيم سلطانك وجلال قدرك ... ارزقنا أصلا ترابا منبتا، وأجِرنا من أصلٍ صفوان ... !
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #246 في: 2026-04-05, 16:07:12 »
💐💐ومع سورة آل عمران العظيمة... 💐💐
""إذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (35) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (36)""
وإني أتأمّل : "محرّرا " لأجد لها وقعا خاصا...!
وأهل الدنيا وعبيدها اليوم يرون البُعد عن الله تعالى وعن تكاليفه تحرّرا، ويرون في الدين وفي التزام تكاليفه تقييدا للإنسان وحَولا دون انطلاقه بالغرائز الحيوانية فيه ليعيث في الأرض فسادا وإفسادا، وليخلط حلالا بحرام، و ليخلط فطريّا سليما بشاذ سقيم، وليغدو الإنسان والحيوان نِدَّين...!!
ليس للإنسان ما يردعه ولا ما يهذّبه، ولا ما يضبط شهوانياته المسعورة ... كلّه في ميزان "الحرية" عندهم صنوان ... ! بل قانون وعنوان ...!
أما امرأة عمران، فهي ذي ترى في خُلوص ولدها لعبادة الله تعالى قمّة التحرّر...!
وهي تجعله له بعيدا عن لوثات الدنيا وعن شواغلها وما تأخذ به. بل وغاية أمنياتها أن يتقبّل الله تعالى منها النذر، لا ترى فيه عملا تتعاظم به وإن على سبيل العبادة ..وتلك سِمات العبد المخلص الصادق...!
ثـــــــــــــــــــــم .....!
نجدنا مع ساعة وضعها لما نذرته لله تعالى... في اختصار قرآنيّ بديع، ينقلنا من الحدث إلى الحدث، من الزمان إلى الزمان في تصوير يأخذ العقل البشريّ إلى كل مقام بما يناسبه، فنَعِي في لمحة بين آية وآية، هي الفارقة بين زمان وزمان، أنّ امرأة عمران لم تغادر مُناها، وأنه لم يكن مجرّد قول منها يمرّ عليه الزمان فيبلى، بل هي الثابتة عليه ...!
نلمس ثباتها في مُناجاتها ربها من جديد وهي التي وضعت، كما ناجته وهي حُبلى : " رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى "..
كم أنت أمَةٌ حقا يا امرأة عمران ...!
كم أنت الثابتة على عبوديتك، كم أنت المعتزّة بعبوديتك لربّك ...!
وكم أنّ مَبْلغ مناك، وغاية رجاكِ أن يكون منك العبد المحرّر ... !
كم ترين نفسك محرّرة بعبوديتك لربّك ....!
ربِّ.............!
ربِّ  إني وضعتها أنثى  ....!
تناجي ربها، وهي التي تعلم أنه يعلم من قبل أن تعلم ... !
تناجي ربّها والحسرة تملؤها، لا لأنها وضعت أنثى، ولأنها التي لم تضع ذكرا، بل لأنّ الذكر أقدر أن يُحَرَّر لله في كل ساعاته ... !
تدعوه ... ثم تدعوه... الدعاء منها يتلوه الدعاء ...!
"وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ"
أجل... إنها الأنثى ... إن لم تكن حقيقة بالتحرّر لله، فهي الحقيقة أن يكون منها المحرّر لله ... !!
تدعو لذريتها ... !
ما تزال امرأة عمران مقيمة على أملها ... في عقِب مريم ...! مايزال مُناها أن يكون منها من يُحرّر لله ... !
ولكنّ الله الكريم الحنّان الذي يصدق عباده الصادقين ... يُدهش إذا أعطى، ويغدق إذا تفضل ... !
فإذا مريم ""الأنثى""    محرّرة لله .... !
وإذا مريم كفيلة النبي زكريا عليه السلام ...!
وإذا مريم أم عيسى النبيّ المحرّر لله عليه السلام ... !
وكلّها إجابة الله لدعوة امرأة عمران العابدة المطيعة المحبّة لربها ... التي تعرف للعبودية لله قدرها  .... !!
وإنه، إن  كان يحقّ لي التأسي بما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يصف نفسه  : "وأنا دَعوةُ إبراهيمَ ...."   فسأقول أنّ سيدنا عيسى عليه السلام دعوة جدّته أم عمران ... !!!
#سورة_آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #247 في: 2026-04-05, 16:07:40 »
💧💧ومع سورة آل عمران مجددا ...💧💧
ومع بلوغنا منها قصة غزوة أحد، وتفاصيل الهزيمة فيها، وأسبابها، والتي على رأسها معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت مثالا حيّا على مغبّة معصية أمره صلى الله عليه وسلم ...
والسورة من مطلعها تؤكّد على طاعته، مع طاعة الله سبحانه، وذلك في قوله تعالى:
"قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (31) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (32)"
لنجد أنها من بداياتها، توجب طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله ... فتأتي من بعد عدد من قطاعات الآيات فيها، قصة الغزوة التي كان سبب الهزيمة الرئيس فيها معصية أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإنك وأنت تدخل مقدّماتها، ومجرياتها، تفاجأ بقطاع من الآيات...
للوهلة الأولى، وبقراءة سطحية مجردة عن التدبّر، والتفكّر، والسؤال، والتساؤل، ستقضي بأنها التي تعالج موضوعا مخالفا كل المخالفة، وأنها التي تقطع تسلسل الآيات التي تُعنى بالغزوة، ثم من بعد انتهائها، تجدك في جوّ الغزوة وتفاصيل أخبارها من جديد ...
تأمــــــــــــــــــــــــل ...
إن مقدمة أحداث الغزوة :
"وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (121) "
ليأتي شأن الفرقَتَين اللتين همّتا أن تفشلا من إلقاء المنافقين بالأراجيف في صفوف المؤمنين، لإفشالهم، ولبثّ الوهن فيهم، مضيّا إلى تذكير الله المؤمنين بغزوة بدر وما كان فيها من نصر الله لهم .... وهكذا ....
لتجد نفسك أمام تلك الآيات التي ليست من نسق آيات الغزوة، وليتساءل من يتساءل، ومن يتفطن لاختلاف موضوعهما، عن سرّ مجيئها في هذا المقام، وهي التي بعد انتهائها، تعود إلينا آيات الغزوة من جديد ... !
إنهـــــــــــــــــا :
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132) وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134) وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136)"
إنها عن الربا، وعن طاعة الله ورسوله، وعن جزاء المنفقين، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، وعن الذين يستغفرون إذا أذنبوا، وهي عن الجنة وعن نعيمها ... !
أي علاقة هي بين الغزوة وبين هذه الآيات ؟؟ !
إنك وأنت تقرأ عن الغزوة، يخيّل إليك أنك ماض في أحداثها، بتسلسل لا ينقطع، حتى تقابلك هذه الآيات ... !
فما سرّ مجيئها في هذا المكان تحديدا من السورة ؟ !
لا تمضِ سريعا، وتكتفي بالثمرة من فهم الآيات منفصلة، وتُعرض عن التساؤل، فإنك كلما بحثت، وانطلقت مع القرآن بخلفية ملازمة الترابط، كلما غمرتك أنوار القرآن أكثر، كلما دهشت من عظمته، ومن تناسق آيِه ... !
إنني لأرى هذه الآيات ذات علاقة وثيقة بالغزوة، وبالهزيمة فيها، بل وبالدروس العظيمة المستقاة من هذه الهزيمة، التي استقاها الصحابة، ويستقيها المؤمنون منها إلى يوم الدين ...
إنني أراها استنهاضا لنفوس المؤمنين، وعودة بهم إلى الأصل، إلى أصل الداء، إلى أصل الهزائم التي تلحق بالأمة، جماعاتها وأفرادها ...
إنه أصل الهزيمة -لا في "أُحُد" وحدها- بل في كل محطات هزائم الأمة في كل زمان ...
أنّ خللا في الأفراد قائم، وأن خللا في الجماعة قائم، وأنّ الدواء في هذه الآيات ... !
إنها بعض ما كسبت النفوس المؤمنة التي انطلقت في هذه الغزوة، وكلّ من يقرأها منهم، وفيه من ذلك الخلل، سيفهم أنه المعنيّ، وأنّ خلله كان سببا في تلك الهزيمة التي لحقت بالجماعة ... !
ليس هو التعيين، ولا هو ذكر المخطئين والمذنبين بأسمائهم، بل إنها التذكرة التي سيعرف بها كل صاحب داء منهم داءه، وسيفهم أن الدواء من الله قد نزل ... له قد نزل، ليُداوى، فتتداوى الجماعة ...
سيتعظ ويتربى كلّ فرد منهم بتلك الآيات.... سيتعظ وسيتربى للجماعة ... !
💎💎أليس فيها الحضّ على عدم أكل الربا بخطاب موجّه للمؤمنين ؟؟ ! حتى يرتدع، ويتعظ كل من كان في حياته شيء منه وهو على الإيمان، وقد أقبل مجاهدا في سبيل الله، ولكنه تعلّق ّ بشيء من الربا ... ! سيرى كل من كان ذلك حاله أنه كان سببا في الهزيمة ... !
إنه الفرد وأثره في الجماعة ... !
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (131)"
💎💎أليس فيها الأمر بطاعة الله ورسوله ؟ !
ولم يُمنَ الجمع بالهزيمة إلا من بعد معصية فئة من المؤمنين لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم... الرُّماة الذين أمرهم ألا يغادروا مكانهم من الجبل، وأنهم إن غادروه فسيُؤتى المسلمون من قِبلهم ؟ ! ولكنهم لما رأوا الغنائم، ورأوا الناس يجمعون منها، سارعوا إليها وتركوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم...
الفئة القليلة التي خرقت الأمر، وأثرها في الجماعة ... !
"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (132)"
💎💎أليس فيها التذكير بالجنان، والدعوة إلى المسارعة إليها، إشارة إلى أن ما فيها خير من الدنيا وما فيها، بمالها وملذاتها وكل زهرتها ... ! خير من الغنائم التي أنست المأمورين أمر رسول الله، وأنستهم وجوب طاعته
.... !
"وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (133)"
💎💎أليس فيها التذكير بأسباب الفوز بالجنان ؟ ! بصفات المتقين ؟ !
في دعوة وتذكير، لما يجب أن يكون عليه حال المؤمن الذي يروم النصر، ويستحقّ نصر الله له ...
"الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (134)"
وتأمل... فإذا هو تحذير من الربا، ودعوة إلى الإنفاق، في تخليص للعبد من أسر المادة، من أسر المال، من أسر ما من شأنه أن ينسي العبد ربّه، وطاعة ربّه، وطاعة رسوله ، وهو الذي ترسف نفسه في أغلال المادة وزينتها ... ! وقد كان شيء من ذلك في عدد من الصحابة في "أُحُد" ...
💎💎أليس فيها فتح باب المغفرة، لكل مستغفر، مسرف على نفسه، ظالم لنفسه ... ! حتى لا يغترّ المؤمنون أنهم المؤمنون، وحتى يذكروا ذنوبهم، فيستغفروا في كل مقام ... !
أجل إن هذه الآيات التي قد تراها ذات موضوع منفصل عن موضوع الغزوة وتفاصيلها، إنما هي العلاج لداء كان أثره على المسلمين في تلك الغزوة ... !  وكائن وقائم هو أثره في الجماعة المؤمنة في كل زمان ...
 وإنك إذا مضيت مع ما بعد هذه الآيات، ستجد التصديق للعلاقة الوثيقة ... !
ستجدها تبيّن أن سنة الله في الأمم السابقة كلها، أنّما الهزيمة أصلها أدواء وعلل في النفوس، وأنّ هذه الآيات إنما هي البيان، والموعظة والهدى ... وذلك في قوله سبحانه :
"قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ (138)"
لتعود بعدها مباشرة إلى شؤون الغزوة :
"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140)"
وتمضي مع الآيات وتمضي ... لتجد تصديقا جديدا لمعنى المعالجة بذلك القطاع من الآيات الذي عرفنا ...
ستجد قول الله تعالى :
"إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (155)"
إنه الشيطان، وقد وجد ما يتسلل به إلى نفوس المؤمنين، فيزيّن لهم، وينسيهم، إنه بعض ما كسبوا .... !
هؤلاء الصحابة الكرام العظام، كان أحدهم إذا اذنب ذنبا، أو وقع بخطأ،  سرعاااان ما يعود ويؤوب، ويندم... 
الذين كانت هزيمة "أُحُد" مدرسة عظيمة دخلوها،  لا تكاد تجد لهم بعدها هزيمة، ولا معصية لأمر من أوامر رسول الله صلى الله عليه وسلم ...! بل النصر يتلوه النصر ... تعلموا منها أيما تعلم، حتى تجدهم في غزوة الأحزاب، مقيمين بالموقعة أياما وليالي، لا يعودون إلى بيوتهم، وهم يسدّون على المشركين كل منفذ ...!
ولكن القضية فيك وفيّ ....!!
إن قصة "أُحُد" لم تأتِ في القرآن لنعرفها، وانتهى .... بل لنُسقط على حالنا...لنتعلم...
فأسقطْ ... أسقطْ على خالك وحالي، على أحوالنا... لتعرف أصل الداء، وأصل الضعف وأصل الهزائم ... ولترى نفسك سببا من أسبابها، وربّك وحده يعلم كمّ ذنوبك، وتقصيرك ... !
فلنتداوَ بتلك الآيات ... ولنستطبّ بها، كلّ منا فيما بينه وبين ربّه ...لنتداوَ من أجل الأمة .... من أجل نصر الأمة، وعودة عزّها .....!
#سورة_آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #248 في: 2026-04-05, 16:08:07 »
🌊🔍ومع سورة آل عمران مرة أخرى في تاسع يوم من أيام رمضان  ... 🔍🌊
قصة غزوة أحد في السورة، هل نزلت آياتها قبل الغزوة أم بعدها ؟؟
آيات الغزوة،  نزلت بعد الغزوة بكل تأكيد، تروي الأحداث، وفيها عتاب من الله لعباده الذين عصوا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيها بيان منه سبحانه لعدد  من الدروس التي وجب على المؤمنين في كل زمان تفهّمها وتشرّبها  ...
💦إلى أهل إنكار السنة، وإنكار أن يكون من رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر من غير القرآن، واجب على المسلمين طاعته ... !
💦إلى الذين يسمّون أنفسهم "القرآنيين" فهم لا يعترفون في الدين بغير القرآن، ولا يقرّون غيره، ولا يرون الحجيّة إلا فيه ... !
💦إلى الذين يشككون في السنة، ويطعنون في صحيحها، ويبحثون على ضوء السُرُج، وضوء الشموع عن شيء يشبّهون به على المسلمين دينَهم ...
لهؤلاء ولمن يتّبعونهم، ويرون في كلامهم جديدا، منبّها، مجدّدا ... !
أقــــــــــــــــول ...
💎أليس أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم للرماة من أصحابه أن يَلزموا مكانهم من الجبل، ولا يزولوا عنه حتى وإن رأوا القوم يجمعون الغنائم... أليس أمره هذا مما لم ينزل به قرآن ؟؟
سيقول كل مَن ما يزال فيه فُتات من عقل، ونزر من فهم أنْ بلى ... !
إنه مما لم ينزل به قرآن ... !
أقــــــــــــول لهم ... 
💎أليس الله يعاتب المؤمنين لما عصوا أمر رسول الله فيهم ؟؟!  أمره الذي لم ينزل به قرآن ؟؟؟ !
سيقول صاحب الفُتات  ... بلى ... !
أقـــــــــــــول... 
💎أليس محور من أهم محاور سورة آل عمران، إيجاب طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مع طاعة الله، في أكثر من آية ... وفي أكثر من تذكير ودعوة ؟ !
سيقول المتنطّعون الذين يفترون الكذب، ويلقون بالشبهات شَرَرا ينال كلّ من هو في دينه على حرف، وكلّ شباب لا يحملون من الإسلام إلا العنوان، وسيقول المتّبعون عن عمى، الناسخون لكلمات الأدعياء على الدين، المنكرين لوحي من الوحي، سيقول هؤلاء الذين يجترّون أقوالهم كما الأنعام، ويرددونها من خلفهم كما الببغاوات : إنما يُعنى بطاعة الرسول فيما هو من القرآن، لا فيما هو عداه .... !
أقول لـــــــــــــــــــــــه .... !
💎فانظر يا هداكَ الله ! وأذهَبَ عنك الغبش ... !
إنّ الله سبحانه يسمي فعلة الصحابة الذين لم يأتمروا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم معصية، ويصفهم بـ : "عصيتم"، ويبيّن أن معصيتهم أمره كانت سبب هزيمتهم ... ويعلّمهم، ويعلم كل الأجيال من بعدهم، أنما المسلمون مهزومون ما عصوا أمر ربهم وأمر رسولهم ... !
اسمع لقول الله تعالى :
""وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآَخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (152)""
حتى إذا : فشلتم+ تنازعتم في الأمر+ 💎عصـــــــــــيتم💎....
تنزل الآيات من الله عزّ وجلّ من بعد الحادثة، ومن بعد وقوعها، ومن بعد ما كان من أمر بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين صحابته، تنزل تعاتب المؤمنين على معصيتهم أمرا كان منه، لم ينزل به قرآن ... !
فهذا الله سبحانه يؤكّد على وجوب طاعته حتى فيما ليس من القرآن، وأين ؟؟ في القرآن ...
فإلى أين المفرّ يا أيها "القرآنيون" المزعومون ... أين المفرّ، والقرآن يحاصركم .... !!
#سورة_آل_عمران
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #249 في: 2026-04-05, 16:08:47 »
🌴⚱️سورة النساء العظيمة ...⚱️🌴
سورة للوهلة الأولى، لمن لا يعرف آياتها، سيحسب أنّها كلها نزلت في النساء، وأنها تعالج شؤونهنّ دون غيرها من الشؤون ...
بينما حقيقة السورة غير ذلك ... !
ففي سورة النساء، جاء عن النساء، وعن حقوقهنّ،  وعن حقوق المستضعفين،  وجاء عن المجتمع المسلم،  بل جاء عن الدولة المسلمة ! وعن عدوّ الداخل فيها، وعن عدوّ الخارج المتربّص بها ... !
سورة النساء مثال لترابط القضايا في حياة الإنسان عامة، وفي حياة المؤمن والجماعة المؤمنة بشكل خاص، جاءت مثالا عن علاج القرآن الجذري لمشاكل الأمة ... !
هكذا هو شأن القرآن، وهذا ما يميّزه ... لا يصف الدواء لعلاج الأعراض، بل يصفه لعلاج العلّة الأصلية الضاربة في جسم الأمة ... !
يتركك لتجمع، ولتؤلف بين القطاع والقطاع من آيات السورة، ولتربط، ولتستنتج العلاقة الحيويّة، بين الموضوع فيها والموضوع، ولتستخرج القاعدة ... !
تلك القاعدة التي تمتثل لك بين يديك من خلال حياة الآيات، واتساقها، وانتظام معانيها ... !
سورة النساء ...بدأت بالتحذير من أكل حقوق اليتامى، وهم تلك الفئة الهشّة، التي ذهب عنها المعيل، والحارس  القائم على حقوقها ...
ليعلن الله سبحانه أنه المتكفل بهؤلاء الذين فقدوا الصدر الذي يدفع عنهم غائلة الدنيا ... ! أنه وليّهم ووكيلهم ... ! وأنه الذي بالمرصاد لكل من يظلمهم ... !
ليعلن سبحانه أنه لن يكلهم لوحوش الدنيا تنهب أطرافهم، وتقطّع أوصالهم ... !  بل هو سبحانه حارسهم، وحاميهم وآويهم بما يرسي من قوانين ربانية، على مَن يكفلهم، ويُعنَى بشؤونهم أن يطبّقها، وأن يكون على حذر من الله تعالى الذي أنزل في شأنهم ما يحميهم، وهو يراقبهم، ويعد بجزاء الإحسان  لمن أحسن إليهم، وخاف الله فيهم، وبالغضب والعذاب على من يتهاون في أمرهم ... !
سورة النساء من بداياتها ... تُرسي قوانين العدل الإلهيّ في عباده ...
فلا يضيع عند الله مستضعف.... !
والمرأة كانت منهم، وقد كانت مهضومة الحقوق كلها، لذلك جاءت سورة النساء تردّ للمرأة مكانتها، وتعطيها قدرها الذي تستحق ...
وإنها من بداياتها تُرسي لقضية بالغة الأهمية، إن لم تكن القضية الأساسية لحياة كريمة للإنسان في الأرض  ... إنه  ""العــــــــــدل""
فتجد الألفاظ المترامية في السورة، ألفاظا تؤكّد على قضية العدل، ليُلبَس اللفظُ ما يليق به بحسب موقعه من الموضوع، والسياق ...
"وَإِنْ خِفْتُمْ 💎أَلَّا تُقْسِطُوا💎 فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ..."
الحث على الإقساط ، على العدل....
"فَإِنْ خِفْتُمْ 💎أَلَّا تَعْدِلُوا💎 فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ"
الحرص على العــــــدل ...
وتمضي السورة ترسم حدودا، هي التي لا يجب أن يتعداها المؤمن في تعامله مع المستضعفين، وعلى رأسهم المرأة ... !
حتى نجدنا معها، وقد بُدئت بالمرأة، بالحجر الأساس في الأسرة المسلمة، تبيّن للرجل حدودا لا يتعداها،  حتى لا يظلمها، ولا يضطهدها، ولا يمتهن كرامتها، فإذا هو عَدَل مع امرأته في حدود تلك الأسرة الصغيرة، خرج للمجتمع وهو الذي ألف العدل، وهو الذي أبجديات تعاملاته عدل وإقساط وإنصاف، وإعطاء كل ذي حق حقه ... !
فإذا الأسرة، والمرأة معه فيها، دُربَته على العدل في النطاقات الأوسع فالأوسع ...
تأمل ستخرجك السورة من الأسرة الصغيرة إلى الأسرة الكبيرة ... !
إلى المجتمع المسلم، الذي يُراد له أن يبنى على العدل، وقد دعت السورة إلى بناء لبنته الأساسية (الأسرة) على العدل ...  على العدل مع المرأة ... !
وبالمقابل، تتناغم تلك الدعوة للرجل مع الدعوة للمرأة، حتى تكون درة مصونة، عفيفة، طاهرة ... تحافظ على عفتها، وتصون كرامتها، فلا تمتهنها بفاحشة أو بابتذال ... !
انظر.... إنك مع المجتمع ..... !
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ 💎بِالْبَاطِلِ💎"
يا أيها المؤمن الذي علمتْه سورة النساء أن يكون عادلا مع زوجه، فلا يظلمها ولا يهضم حقّها، ولا يستعبدها ... !
إنك أنت أنت ذاك الرجل الذي يُدعى، ويُدعى معه الآخر والآخر ... دعوة لإقامة العدل في المجتمع المسلم، دعوة قوامها العدل ...  :   
" لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ"
بل لتكن تعاملاتكم المادية وِفق العدل والحق ....
إنه العـــــــــــــدل ...
بل حتى الإنذار من عذاب الله، جاء متناسبا مع سياق السورة، وهدفها ... فجاء فيه أن الداعي لعذابه سبحانه هو الظلم ... هو ألا تعدل  :
"وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا 💎وَظُلْمًا 💎فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) "
ثم  تمضي مع الآيات وتمضي، حول ما يحب الله من عباده المؤمنين المتكاتفين، المتراحيمن إخوانا ... وهم  يؤسسون بنيان المجتمع المسلم الصحيح ...  لتجد أمامك تلك الألفاظ التي كلّها من رحم  "العدل" :
"إِنَّ اللَّهَ 💎لَا يَظْلِمُ💎مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (40) "
إن الله لا يظلم مثقال ذرة ... بل هو العدل سبحانه ... !
وتمضي مع الآيات  المجتمَعية وتمضي، ليعرّفك الله بعدوّك ... عدوّ الجماعة المؤمنة، عدوّ الداخل المتمثل في المنافقين، وعدوّ الخارج المتربّص بأهل الحق، وأهل دعوة الحق ...
لتجد أمامك دعوة "عدليّة" جديدة، هي من روح هذه السورة، وهدف هذه السورة ....
"إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ 💎أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ💎 إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ 💎أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ 💎إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (58)"
أن تؤدوا الأمانات ... أن تعدلوا، فلا تجوروا، ولا تظلموا ... أن تحكموا ... أن تحكموا بالعدل... !!
وإنك من النساء، واليتامى ... إلى المجتمع، فإلى العدوّ المتربّص ... فإلى الدولة ...  فإلى الحكـــــــــــــــم ...  !!
الرجل العادل مع زوجته في بيته، سيتخرّج رجلا عادلا في مجتمعه، لا يظلم، وسينبني المجتمع عليه وعلى أمثاله، وسيُولّى على العادلين عادل منهم، عادل مثلهم ... !
ثـــــــــــــــــــــــــــــم :
إنه القتـــــال ...
أجل ... القتال في سورة "النساء" ... !  القتال الذي هو في سبيل الله، والذي هو فريضة في الإسلام، إنما غايته دفع الظلم، وإحلال العدل... إحلال كلمة الله، ونور الله ...
فتأمل ... تأمل وأنت تنتقل من تلك النواة إلى هذا المستوى ... !
تأمل والسورة تعلمك كيف تعدل بدءا من النواة(الأسرة) (المرأة)، ليكون خروجك إلى ما بعدها، خروج عادل ...لا خروج ظالم تعوّد ظلم المستضعفين ... !
ثم تأمل الحديث عن الجهاد :
"وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ 💎وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ 💎الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ 💎الظَّالِمِ أَهْلُهَا💎 وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)"
في سبيل الله، وفي سبيل المستضعفين من رجال ونساء وولدان ... !
إنه الجهاد لتحقيق العدل، لإعطاء حقوق المستضعفيـــــــــن ....... !
لتجد أمامك عددا من آيات القتال بأنواعه ...  قواعد القتال في الإسلام، القتال في سبيل إحقاق الحق، لا القتال في سبيل أكل خيرات الشعوب، وهضم حقوقهم .... !
بل لتجد أحكام القتل، القتل الخطأ، والقتل العمد ... !
وكله بعدل نزل، وللعدل نزل .... !
وإنه الكتاب الحق، الذي حكمه حق وعدل :
"إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ 💎بِالْحَقِّ💎 لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105)"
وستجد ورود قصة اليهودي الذي رُمي بجرم لم يقترفه... تنزل فيه آيات تردّ له حقّه، وتنصفه من "المؤمن" الذي رماه عدوانا وظلما، وهو البريء ... ! في سابقة هي ليست إلا لهذا الدين الحق، هذا الدين العدل، الذي ينصف صاحب الحق مجرّدا عن اعتقاده وملّته ... !
ولتجد وأنت في ربوعها "العدليّة"، نصر الله لعبده المظلوم، وأنه الذي يأخذ له المجتمع العادل حقّه من ظالمه :
"لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ 💎إِلَّا مَنْ ظُلِمَ💎وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)"
وإنك وأنت تجوب تلك الربوع... ستقع على شؤون من شؤون اليهود، وأحوالهم مع رسلهم، ونقضهم للميثاق، وخيانتهم للعهد الذي أخذ عليهم ... فتجد الآية معبرة أكبر تعبير عن """ظلمهم""" ...
"💎فَبِظُلْمٍ💎 مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160)"
عن ظلمهم، عن عدم إحلالهم العدل ... عن ظلمهم أنفسهم بالكفر، وظلمهم من حولهم بكتم الحق ... !
وهكذا هي أجزاء هذه السورة العظيمة .... كلها يحفّها العدل من كل جانب ...!
كلها عن العدل، بدءا بالنواة الأولى للأمة ...بالأسرة، بالمرأة، بعدل الرجل مع المرأة... وصولا إلى الحكم، وإلى الدولة، وإلى أحوال الدولة ... وإلى القتال ....!   وصولا إلى العدل في الأمة .... بل إلى العدل في الأرض قاطبة ...!
وهكذا هو القرآن ....يضرب في الجذور الضاربة، العميقة السحيقة ... ليخرّج الدواء النافع .... ! وليؤسس لكل قواعد الأمة، والأرض المُصْلَحة بأمر الله، وبكلمة الله ...!
#سورة_النساء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #250 في: 2026-04-05, 16:09:07 »
🌴🌊ومع سورة النساء  مرة أخرى  : اليوم الحادي عشر من رمضان 🌊🌴
""يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (135)""
جاء أمر للمؤمنين عامة، بأن يكونوا قوّامين بالقسط ...
ولكأني به الفرض، وليس بفرض كفاية، بل فرض عين !
فعلى كل مؤمن أن يكون قوّاما بالقسط ... !
ذلك أنّ كلا منا له دائرته التي يعمل فيها، والتي يتعامل فيها، فكلٌّ منا مأمور في دائرته أن يحرص أيما حرص على إقامة العدل ...
الرجل مع زوجه، مع أولاده، مع من حوله،  المرأة بالمثل ...
المسؤول في دائرة أوسع، فهو مع الذين عُيّن مسؤولا عليهم ... !
وتأمل إنها : "قوّام" على وزن فعّال، للمبالغة ... !
كونوا شديدي القيام بالعدل، كونوا دقيقين أيما دقة، وحريصين أيما حرص على إقامة العدل ... !  وعلى الشهادة لله ... !
وتأمــــل يرحمك الله ويرحمني... !
تأمــــل علاقة العدل بالشهادة ... فإن الذي يظلم، لن يستنكف، ولن يستكثر أن يشهد شهادة زور، أو شهادة محاباة، أو شهادة تعصّب لقرابة أو لصاحب مال ... !
الذي يروّض نفسه على العدل، بل على إقامة العدل ... سيكون ذاك الذي لن يخشى في قولة الحق لومة لائم ... سيقول الحق وإن كان على نفسه ... !
ويْكأنّ العدل قبالتي -مع هذا الأمر- بنيان، يُؤمَر المؤمن بإقامته !!!
بنيان تُرصّ فيه اللبنة إلى اللبنة، ليقام، ليكون قائما كما ينبغي أن يكون القيام ... !
فهي مراحل، وهي مستويات، وهو ترويض للنفس على تلك المراحل، وتلك المستويات ...  من النواة الأولى، من أصغر دائرة يكون فيها المؤمن، وهو يبني، ويضع من الملاط بين اللبنة واللبنة لإقامة بنيان العدل ... !
أو كأنه العين التي لا تنام، من شدّة حرصها، ومن فرط حراستها... ! فهي بالمرصاد لكل من يحاول أن يخترق الحدود ... ! لكل من يظلم...
الذي عاش يروّض نفسه على إقامة العدل، سيشبّ قوّاما له .. ! قوّاما بالقسط ... !
سيقول الحق لا يخشى فيه لومة لائم ...سيشهد لله، لا لأحد، ولو على نفسه، أو الوالدين، والأقربين ...
ستكون غايته أن يقيم العدل بأفعاله، وأن يشهد الحق بأقواله ... !
لن يتأثر بغنى غنيّ، يبحث عما يرضي جانبه، ليغدق عليه، فيشهد له وإن كان ظالما، ولن يتأثر بفقير، فتغلبه العاطفة، فيشهد له وإن كان ظالما ... !
سيتساوى أمامه كل ذلك، سيكون عنده كلّه -ونفسه على رأسه كلّه-، أدنى من الحقّ، وسيقيم بنيان العدل .... !
"فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا"
لن يتعصّب لشيء مهما كانت درجة قرابته منه ولُصُوقه به ... !
لن يكون صاحب هوى يميل معه حيث يميله ... !
بل سيكون صاحب حقّ وعدل.... ! قائم لا تميله الأهواء، ولا تطوّح به ... !
وهكذا يجب أن يكون كلّ مؤمن ... :"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ" ...
فاللهم علمنا كيف يكون الحق أعلى في أنفسنا من كل أهوائها، وكيف نكون بالقسط قوّامين في كل دوائرنا صغيرها وكبيرها ... !
#سورة_النساء
#العدل
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #251 في: 2026-04-05, 16:09:45 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::


ثارت هذه الأيام ضجة حول أحدهم، من بعد ما نشر على صفحته آية من آيات الله الحكيم، وألقى بها قطعا مفرّقة، جمع بينها في النتيجة ...
بطريقة أبانت عن شطط كبير، وخروج عن المعنى الصحيح المراد من الآية ... !
لذلك ارتأيت أن أعرِض اليوم لهذه الآية من سورة البقرة:
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)" -البقرة-
إنك لو اجتزأت الآية من سياقها، ولم تتمعّن كلماتها، لخرجتَ بتصوّر فاسد كل الفساد، ولذهبت بعيدا بعيدا عن الحق ... !
وهذا ما فعله ""داعية"" ... ثارت عليه ثائرة بفضل الله تعالى، وبفضل بقاء من يحرس دينَه، ومن يغار عليه، وعلى قرآنه أن يُنال بسوء، أو أن يُفسَّر على غير المُراد منه ... ! أو أن يُترك ما كتب شُبهة تذبذب عقول شباب لا يعرف عن قرآنه إلا العنوان ... !
إذا أنت اقتطعت الآية من كل سياق، ومن كل متعلقات التصور العقدي المنتشرة في آيات القرآن المختلفة،  لربما فهمتَ أن الله يجمع المؤمنين(المسلمين، أهل القرآن) واليهود، والنصارى والصابئين(عبدة الكواكب أو المتحوّلين عن دينهم)  في سلّة واحدة !
فإذا جميعهم -وقد كان منهم الإيمان بالله واليوم الآخر- لا خوف عليهم ولا هم يحزنون... !!
فعلى هذا التصوّر...ما دور دعوة القرآن كلها  ؟ !
ما دور دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعثته في الناس كافة : "وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (28)"-سبأ-
ولكَم يسعد المطبّلون للتطبيع، والمتفذلكون بدعوى التعايش بهذا الطرح من هذا الداعية، وهو يلقي بأطراف الآية قطعا، ليبلّغها كلها :
"... فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ" ...
سأطرق موضوع الآية، والمُراد منها من ناحيتين اثنتَين، وإنك من كل زاوية ستقع على المُراد منها ...
💎أولا- الربط مع السياق  .  💎 ثانيا- التمعّن في كلمات الآية.
💎أولا : الربط مع السياق  :💎
القرآن لا يؤخذ قطعا مفرّقة، بل يؤخذ قطعا متلاحمة مترابطة، لا ينفكّ فيها المعنى عن المعنى، ولا تنفكّ فيها الآية عن الآية، وهي الحبة حذو الحبّة، في انتظام لؤلؤيّ باهر ... !
تأمـــــل شأن الآيات السابقات لهذه الآية ... !
إنه الخطاب لبني إسرائيل، لليهود المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن أحوال أسلافهم وما أُخِذ عليهم من عهد ...
تذكيرهم بما كان من أسلافهم من كفر وعناد وتكذيب، تذكيرهم بنعمة الله عليهم، من جهة، وأنّ المنعَم عليه مطالب بالوفاء بالعهد الذي قطعه مع المنعِم ... ! ذلك هو إقرار ذكر رسول الله الذي جاء في كتبهم...
"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (40)"
لتُردَف مباشرة بدعوتهم إلى الإيمان بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم :
" وَآَمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآَيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (41) وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (42)"
تأمـــــــل يرحمك الله !
وهذه الآيات الموجهة لبني إسرائيل (الذين هادوا) فيها الدعوة إلى الإيمان بالقرآن، وألا يكونوا أول من يكفر به، وهم أولى من يسارع للإيمان به، لأنهم الذين يعرفون ذكره في كتابهم، فيما بين أيديهم من التوراة، ولكنهم يكتمون ... !
تأمل الإجابة وهي تطلّ برأسها من خلال هاتين الآيتين... !
 تنبّه... إنها ملفوفة في هاتين الآيتين ... !
كيف يبوء بــ "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون"  من ليسوا على الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبما جاء به، الكتاب المهيمن، الشامل الكامل الخاتِم ... !
كيف يستقيم معنى أنّ إيمانهم اليوم هو مَناط نجاتهم، ورضى الله عنهم، فلاخوف عليهم ولا هم يحزنون؟؟ !
ثم يناديهم من جديد في سياق العناية بخطابهم، ودعوتهم، وتذكيرهم بنعم الله عليهم :
"يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (47) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (48)"
لتُتبع الآيتان بذكر تعنّتهم، وما كان منهم من معصية لأوامر موسى عليه السلام، وما كان من تجرئهم على الله وتطاولهم على رُسُله ...مع ما كان من نعم الله عليهم ذات العدد والألوان ... ومع كل نعمة من نعم الله، وآية من آياته تنزل عليهم، كانت المعصية منهم، والصدود والعناد والاستكبار ... !
فبالله عليـــــــــــــــــــــك ... !
آالله سيرضى عن هؤلاء الذين يفضح شنائعهم، ويعدد جرائمهم التي قابلوا بها نعم الله عليهم ؟؟ !   
آالله يبشرهم بألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، من بعد كل ما كشف من كفرهم وتبديلهم للكلم عن مواضعه، ومعصيتهم لرُسله، ومن مقابلتهم الإنعام منه والإحسان بالجحود والكفران ...؟ !
تأمـــــــــــــــــــل دور السياق في بيان المعنى المُراد ... !
تأمل والجواب يُسفر شيئا فشيئا، مع الآيات المترابطات ...
ولأذكر من أواخر هذه الآيات الكاشفات، الآيتين الأخيرتَين مباشرة قبل آيتنا موضوع دراستنا، وهما قوله سبحانه:
"وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60) وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)"
لقد ختم كشف حقائق أسلافهم بهذا التقرير الإلهي المُتَمّ ... !
"...اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُو بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)"
إنها الذلة والمسكنة تُضرب عليهم، وإنه بَوْؤُهم بالغضب من الله .... !
لتُتبع الآيتان مبااااشرة بآيتنا... !
أفيجتمع عليهم من الله غضب ورضوان ؟؟ !
أيحلّ رضوانه على مؤمن وعلى كافر، سواء بسواء ...؟ !
حاشاه سبحانه ... ! وهو الذي لا  يُبدَّل القول لديه ...وهو الحقّ يفصل بالحق، وهو القائل سبحانه :
"إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (34) أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36)" -القلم-
إذن .....
فقد بقي أن نفهم المُراد الصحيح من الآية، في جملة آيات السياق ...
في الآيات السابقة لها، تقرّر الغضب على الكافرين منهم، على المتطاولين على رسله، والعاصين لأوامره سبحانه، والمقابلين لنعمه بالجحود والكفران ... لتأتي آيتنا هذه، وهي تقرر الموازنة، وتقرر العدل الإلهي، لتستثني مِن جَمعهم من آمن .... !
لتستثني من كل فرقة مَن كان مؤمنا، مطيعا لأمر نبيّه، مصدّقا به، مصدّقا بما جاءه به من كتب الله، ومن أمر الله، وهكذا هو القرآن، إقرار بالحقّ لأهل الحق، وذكر الحسن بإحسان ...
ومن كلّ فرقة من تلك  الفرق مع أنبيائهم، كان المؤمنون، المصدّقون، الناصرون .... من اليهود، ومن النصارى، ومن الصابئين ...
اتبعوا الحق الذي جاءهم به أنبياؤهم ... وكلهم صلوات الله وسلامه عليهم جاؤوا بالحق، وبالإسلام، وبالدعوة للإيمان بالله الواحد الأحد...
كلهم جاءت دعوتهم، وفيها ذكر اليوم الآخر، وجزاء مؤمن فيه بإحسان وجِنان، وجزاء كافر فيه بغضب ونيران –عياذا بالله-
إذن... فهي الآية المتمّمة للحق من الله سبحانه، وهو العدل، الذي لا يضيع أجر من أحسن عملا، وإن كان ما كان من كفر ومعصية من ملأ تلك الفرق، ومن كافريهم... !
وهو سبحانه الذي قال أيضا، مستثنيا من جرائم أهل الكتاب، أهل الإيمان فيهم : "كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)"-آل عمران-
وقال أيضا في مؤمنيهم من بعد ما أقرّ أمره في كافريهم، فيما يشبه حال آيتنا :
"ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُوا يَعْتَدُونَ (112) ۞ لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوهُ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115)" –آل عمران-
وعَودا لآيتنا من سورة البقرة، فإن ما يأتي بعدها من آيات، مزيد عدّ لجرائم بني إسرائيل التي كانت داعي غضب الله عليهم، وبوئهم بالتبار والخسران ... !
وهكذا يصلك المُراد الذي لا غبش فيه، ولا لُبس ... !
بل كلّه من سوق الآية للآية، كلّه مما يستسيغه العقل السليم، وهو يربط، وهو لا يقطع آية عن سياقها ليبلغ غاية في النفس، وليحقّق فيها هوى ... ! فهو اللاوي لعنقها حُسبانا منه أنها التي تُلوى، وهي القيّمة القيّمة... ! وهي التي لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي البعض اللؤلؤيّ الذي يصدّقه البعض اللؤلؤيّ ... !
والآن ...تعال معي إلى الزاوية الأخرى، ولنطلّ منها ... !
إلى ألفاظ الآية وتأمُّلِ معانيها ....
💎ثانيا : التمعّن في كلمات الآية :💎
"إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)" -البقرة-
⚱️من آمن بالله ---------> أي إيمان هو بالله يقبله سبحانه ؟
تريدون إيمان هذه الفرق اليوم ؟؟ ! تريدون أن تجعلوهم جميعا مرضيا عنهم من الله ؟؟ !
إن إيمان هذه الفرق اليوم، هو ما حرّفوه، وبدّلوه من كلام الله، ومن التصوّر لله سبحانه وتعالى ...
أفهو إيمانهم أن الله ثالث ثلاثة ؟؟ 
أم أنه  إيمانهم أن الله هو المسيح بن مريم ؟ !
أم أنه الإيمان بأن المسيح وأمّه إلهَيْن ؟؟ !
أيّ هذه الأوجه هو الذي يعنيه الله تعالى في آيته الشريفة ؟؟ !
إنه ليس إلا أنه الإيمان بالله الحقّ، الواحد الأحد، الذي جاء الرسل جميعا يدعون لتوحيده ... !
هذا المعنى الأوحد، والسليم والمنطقي الذي تحمله الكلمة ...
أما كل تلك الضروب والألوان من الخلط في تصوّر الله تعالى فإنها لا تعنيها الآية بأي شكل من الأشكال، وهي آية القرآن العظيم المحفوظ بحفظ الله، الذي جاء بالتوحيد الخالص .... وجاء يكفّر كل تلك التصورات الفاسدة عنه سبحانه ... !
وهو القائل في كتابه العظيم بكفرهم وببوئهم بالعذاب الأليم، وببراءة أنبيائه مما تقوّلوا وحرّفوا :
"لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ (72)لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِن لَّمْ يَنتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) "-المائدة-
وعلى هذا....
فإن الكلمة بتأملها، وباستقراء معناها  تُسفر عن المعنى المُراد، بأن هؤلاء إنما هُم أهل الإيمان منهم على عهود أنبيائهم، الذين اتبعوا الحق .... كما أنها تليق بمَن كن منهم واتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم : وهذا شيء من القرآن يصدّق ذلك، في وصف للراسخين في العلم من أهل الكتاب :
"لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ أُولَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (162)"-النساء-
⚱️وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ----------->   أي يوم آخر به يؤمنون، يعنيه القرآن ؟
أهو اليوم الذي لن تمس اليهود النار فيه إلا أياما معدودة على زعمهم وافترائهم ؟؟ !
أم هو اليوم الذي هو خالص لهم من دون الناس كما زعموا ؟؟ !
أم أنه اليوم الآخر الذي لن يدخل فيه الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ؟؟ !
أم لعله اليوم الذي سينجو فيه كل النصارى لأنّ عيسى -بزعمهم وكذبهم- قد صُلِب، فداء للبشر، ومسحا لذنوبهم ؟؟ !! فإذا هو الذي تحمّل وِزر كل أتباعه ؟؟؟ !  ففداهم ...... !
إنه ليس إلا اليوم الآخر الذي أقرّه كل الرسل الذين بعثهم الله تعالى في أقوامهم، وأقرّه الكتاب الذي بُعث به خاتمهم صلوات الله وسلامه عليهم جميعا .... !
وأنّى للقرآن أن يقرّ بهذه الافتراءات .... حاشاه ... بل هو الذي جاء يقرّ التصوّر الواحد، الثابت، السليم، الصحيح للعقيدة، لله تعالى، ولليوم الآخر ... فيما أقرّ من تصوّرات عقديّة ...
وعلى هذا ... فإن الزاويتَيْن مضيئتان .... !
كلتاهما أسفرتا عن المراد الحق .... !
والْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا ۜ ....!!
#اليهود_والنصارى_والصابئون
#الإيمان_الحق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #252 في: 2026-04-05, 16:10:10 »
☀🌱مع سورة المائدة : ☀🌱  في اليوم الثالث عشر من رمضان
"يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21) "
إنه موسى عليه السلام، وهو يأمر قومَه أن يدخلوا القرية(بيت المقدس)، دخول الفاتحين لها بأمر الله، المسترجعين لها من أيدي من اغتصبها، وتملّكها بغير وجه حق، وقد كانت لبني إسرائيل على عهد يعقوب عليه السلام وبنيه، فلما هاجر وبنيه إلى مصر، اغتصبها قوم من العمالقة ...
فأمر موسى عليه السلام قومَه، بدخولها مقاتلين لمغتصبيها ...
وإنها التي كتبها الله لهم، أي قدّر في حكمه وأمره، أن تعود لهم ...
ففي: "كتب الله لكم"  ... ما فيها من مقدّمات نصرهم عليهم، وهو قضاء الله، أنّها التي قدّرها لهم، وقدّر عودتها لهم ... !
ولكن... ماذا كان منهم ؟؟ ! رغم أنّ نبيهم أعلمهم أنّها المكتوبة لهم، زيادة في تأكيد نصر الله لهم، ما أن يتوكلوا عليه سبحانه، ويعملوا بأمره، فيدخلوها .... !
"قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ (22)"
إن فيها قوما  أهل قوة وجبروت ...
وجاء التأكيد منهم على معصية أمره، الذي هو أمر الله تعالى :
"وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا" ....
تأكيد على عدم دخولهم لها ... إلى أجل ... ! ولكن أي أجل ؟ !
إنه : "حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا" ...... !!
وياللسخرية .... !! وياللعجب العُجاب ! من هذا النكول عن أمر الله، ومن هذه المعصية لأوامره !!
أي جُبن، وأي نكوص، وأي ارتداد ... وأي عذر هو أقبح من ذنب !
عزّ الجبن، وروح الجُبن  قولهم : "حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا"
لن ندخل عليهم لنستردّها، بل ننتظر حتى يخرجوا هم منها بمَلكِهم ... ! بإرادتهم ... !
بربّك ...!  مَن ذا يخرج من بلدة اغتصبها وتملّكها، وأصبح يراها ملكَه ؟ !
كيف يخرج منها من يرون أنفسَهم أهلها ؟ !
إنهم يوارون، وهم يريدون المعصية، فلو أنهم اكتفوا بقولهم : "وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا" لكان خيرا من زيادتهم عليها : " حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا "
فـــ : " حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا "  جاءت بيانا لجُبنِهم وخَوَرهم ...ولإرادتهم نوال الشيء بلا تعب، وبلا جهد، ولرضاهم اغتصاب أرضهم، وتمنيهم العودة بالقعود لا بالعمل، بالحلم لا بالحقيقة، بالارتكاس لا بالانتهاض ...
جاءت تدليلا على عدم ثقتهم بوعد الله، وبقضائه أنها التي كتبها لهم ... !
إنه الجُبن والخَوَر، والخوف من العدوّ، من الناس، مقابل معصية أمر الله، وعدم الثقة في وعده، وعدم خوف مغبّة معصيته ...
لتأتي الآية الموالية، بتركيبها البديع :
"قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)"
تأمـــــــــــــــــــــــــــــــل :
"مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ"
إنهم ليسوا من الذين يخافون الناس، بل من الذين يخافون ربّ الناس... !
الذين عصوا أمر موسى عليه السلام بالدخول، يــــخافون ... وهذان الرجلان من الذين يــخافون ... !
ولكن شتان بين خوف وخوف ... !
نعم... إنهما من قومهما الذين يخافون الناس ... !
ولكنهما لم ينسبا إلى قومها .... بل نُسبا إلى قومية أعلى، إلى قوميّة أشرف عند الله، إنها قوميّة الإيمان، قوميّة خوف الله ... !
إنهما من الذين يخافون الله .... !
نُسبوا إلى أهل الإيمان، فكانوا أشرف نسبا ...نُسبوا إلى الذين يخافون، فكان الخوف المحمود، الذي يحبّه الله، ذلك الخوف الذي لا يجعلهم يخافون الناس، وقد خافوا ربّ الناس، وقد خافوا معصية أمر ربّ الناس ...
إنه ذلك الخوف الذي يجعلهم شجعانا، مقبلين، غير مدبرين، يجعلهم مقبلين على القتال في سبيله غير هيّابين ...
فلا يجتمع في قلب مؤمن خوف من الله، وخوف من عباده، وإن كان فيهم ما فيهم من قوة ... ! وإن كانوا "جبارين"... !
وقد زاد الله بتأكيد مقام هذا الخوف الذي يحبّه الله، هذا الخوف المحمود المحبوب ... بقوله :
"مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا..."
إنه خوفهم الله، وهو نعمة منه سبحانه، أن جعل خوفهم مغبّة معصية أوامره سبحانه ... خوفهم من الإعراض عن أوامره سبحانه ...
وأي نعمة !!
ثم اسمـــــــــــع لهما....
وهما بكل قوة، وبكل إقدام من بين المئات، والآلاف المعرضين عن أمر الله، المتولين عن أمر نبيّهم فيهم، يقومان وهما يعلنان، مخالفتهما لقومهما، لكل مَن حولهما، يعلنان ثقتهما في موعود الله تعالى، يعلنان عدم خوفهما من الناس، وأولى علامات قوتهما بالله، أنهما لا يخافان إعلان المعارضة...معارضة قومهما، والخروج عما أجمعوا عليه ...!
وأي ميزان هو للقلّة الثابتة وسط الجمع الغفير المتزعزع ... !
"ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (23)"
ادخلوا الباب متوكلين على الله ... وهو الذي كتبها لكم، قضى أنها لكم ...فخذوا بالأسباب وامضوا وهو ناصركم... !
وما أشبه حال من سُلبت أرضهم أمس، وهم يخافون الناس، بمَن سُلبت أرضهم اليوم، وهم يخافون الناس ... !!
ما أشبهنا اليوم بحالهم، ونحن لا نقول مثل قولتهم : "حتى يخرجوا منها" ... بل نزيد فنواليهم، ونعطيهم الحقّ في امتلاكها حلالا بلالا ... !
فاللهم أخرج من أصلاب الأمة من يكون على درب الرَّجُلَين، فيخافك ولا يخاف عبادك،  ويثق بموعودك ... ! فيأخذ بأسباب النصر...
#سورة_المائدة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #253 في: 2026-04-05, 16:13:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
🌿🌀سورة الأنعام العظيمة ...وما أدراك ما سورة الأنعام ... !🌀🌿
سورة الأنعام الثقيلة ثقل القول الثقيل الذي أنزل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ... !
سورة الأنعام التي دائما ما أجدني في رحابها الجليلة البديعة في لُحمة واحدة، على كثرة آيِها، حتى أعود فأذكّر نفسي أنها التي نزلت جملة واحدة ... !
وسبحان منزِلها وهي التي تستشعر بقوة، التلاحم بين أطرافها... !
نعم القرآن كله متلاحم مترابط، الآيات كلها في السورة بين السور متلاحمة مترابطة ... ولكنك مع الأنعام تستشعر النزول الواحد، وأنه لا يكون أن تتفرّق حتى نزولا  .... !!
وسآتيكم من بحر الأنعام الزاخر بلؤلؤة من لؤلؤاته ... !
بآية من آياتها العظيمة الجليلة المهيبة  :
"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)"
إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم يواجه قومَه بما عنده ... وإنه تلقين من الله له أن يقول ...
فانظر -يرحمك الله- إلى ما جاء قبلها ... وكلّه تلقين بــ "قُلْ" و"قُلْ"
"قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (14) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ (16) وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17)".
تأمــــــــــــــــل ...
كيف يتّخذ من دون الله وليّا، وهو  الفاطر الرزّاق الذي لا يُرزَق سبحانه،  يعلن انقياده لأمره فيه، يعلن إسلامه له، كما يعلن -بالمقابل- براءته من الشرك، وأنه سبحانه الربّ الذي يخاف -إن عصاه- عذابه في يوم عظيم، وأنه  الذي يرجو رحمته ورضوانه، وجنّاته، وهو الله الذي لا يكشف الضرّ غيرُه، النافع سبحانه، الذي هو على كل شيء قدير.
كلها عن الله تعالى... !عن العقيدة في الله تعالى... !
عن التصوّر السليم للألوهية وللربوبية، وأنه الذي يُعبَد، ويُنقاد لأمره، ويُسلَم له، وأنه الذي لا يُشرك به أحد ... وكلّها تلقين من الله لصفيّه صلى الله عليه وسلم أن يعلنها في قومِه الكَفَرة ...
وكان صلى الله عليه وسلم بما يُؤمَر يأتمر ... فكان يعلن كل هذا على الملأ من قومه ...
لنبلغ آيتنا، وفيها تبليغ من تبليغ رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمر ربّه:
"قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (19)"
فـــــــــــــــيها سؤالهم :
 💎1- أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً  ؟ 
أي شيء أكبر شهادة على صدقي فيما أبلغكم به، من أني الرسول المبعوث من ربّه فيكم، ومن أنني مبلّغكم رسالة ربي ...
أي شهادة هي أكبر من كل شهادة على صدق ما جئتكم به ؟؟
وكأنه سبحانه، يزوّد صفيّه من خلقه وحبيبه صلى الله عليه وسلم، بما يردّ به عليهم، وهم يجترئون عليه فيما يجترئون بأن يطلبوا منه البرهان على صدقه ... وهم الذين يعلمون قبل غيرهم أنه الصادق الأمين !
فيلقّنه سبحانه أن :
"قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ" .... ليس أكبر من الله شهيدا بيني وبينكم، وليس أصدق من شهادة الله على ما أنزل عليّ ...
الله الذي جاء في القرآن الذي جاءهم به هداية الناس إليه ... الله الذي جاءت الأنعام بآيات التصوّر العقديّ السليم فيه سبحانه ...
💎2- وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآَنُ .
هذا الكتاب شهادة الله على صدق نبيّه، كلامه سبحانه، إعجازه، النور الذي فيه، والذي جاء ليُخرَج العباد إليه من غُبن الظلمات،  وانظر إلى أولى آيِ "الأنعام" وقد جاء فيها : "الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (1)"
انظر إلى مقام ذكر "الظلمات والنور"... !
 القرآن وفيه الحقّ الذي يُدعى إليه ... !
تريدون برهانا ؟ تريدون شهادة ؟ تريدون دليلا ؟؟
هذا القرآن الذي أوحي إليّ، الدليل بين أيديكم، أبلّغُكُمُوه...
هذا الهدى، والنور بين أيديكم، هذا وفيه ذكركم، وفيه الحقّ ...وفيه مخاطبة العقول بالحق وبالبرهان، وبالدعوة للنظر، وللاستدلال ...!
💎3- "لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ"
وهذا دور رسول الله بالقرآن، أنه المبعوث نذيرا لكم، نذيرا لكم ولكل من يبلغه القرآن عبر الأزمان ...  لكل من تبلغه هذه الدعوة ...  لكل الناس أرسِل ... !
هكذا صلى الله عليه وسلم، وهو في بدايات الدعوة، في مكة، أبلغ قومَه الذين حاصروه من كل جانب مكذّبين وكافرين، أنه الذي بُعث لا لإنذارهم وحدَهم ... ! بل لإنذار ناس كل زمان !!
إنها ضمنيّة إعزاز الله لهذا الدين... ! وتحقّق أمره به سبحانه، وبنبيّه، أن يبلغ الآفاق ...وهو بعْدُ يخاطبهم بها في مكة، في أوائل بعثته فيهم، وهم الذين لم يكونوا يشكّون في قدرتهم على استئصال شأفته، ووأد دعوته... !
💎4-"أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آَلِهَةً أُخْرَى"
إن هذا هو حالكم يا قومي ... ! إنّ هذا هو داؤكم الذي بُعثتُ بطِبّه وبدوائه ... ! إنه الدرب الذي بعْثتُ  أنذركم مغبّة مواصلة السير عليه !
وتأكيد منه على حالهم تلك، بأداة التأكيد "إنّكم" وبلام التأكيد "لتشهدون"
إنكم لتشركون بالله آلهة أخرى ...
بالله عليك ... تخيّل هذا الموقف ، والآية تصوّره لك تصويرا وأنت تعيش نبض كلماته الحيّة ... !
تخيّل المشركين جماعات، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم، يقوم داعيا، فيلقي إليهم بالحق، وببيان أمره فيهم، ثم يذكر لهم ما هم عليه من حال ... !
💎5- "قُلْ لَا أَشْهَدُ"
أما أنا فلا أشهد بما تشهدون، لا أشهد بشريك لله تعالى ... أنا منكم، ولكني لست مثلكم، أنا منكم، ولكني لست على ما أنتم عليه من حال !
أنا الذي هداني ربي، فإني لا أشهد بما تشهدون ...
هذا الذي هو على خلاف حالهم، هذا الذي هو وحده مع القلة القليلة في بدايات الدعوة، مع القلّة المستضعفة .... يواجه قومَه بخلاف ما يعتقدون ... ! بما ألفوا عليه الآباء والأجداد وأجداد الأجداد ... !
صلى الله عليه وسلم ...بأبي هو وأمي، أيّ ثقل هو على عاتقه ! أي مسؤولية جسيمة هي عليه !
💎6- "قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ"
هذا ما أقول به ... "إنّما" أداة قصر ...
ليس سواه الإله، ليس معه إله، الألوهية له وحده سبحانه، هو إله واحد ... هذا قولي، وهذه شهادتي ...
يعلن التوحيد صلى الله عليه وسلم في جمهرة المشركين ...
💎7- "وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ "   ثم يعلن براءته من الشرك ...
أي لؤلؤة مضيئة لمّاعة هي هذه الآية من بحر الأنعام الزاخر !
آية واحدة، عظيمة بما فيها ... !
إنها المواجهة وفيها استقراء لما يُتوقع منهم أن يقولوه، وأن يسائلوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءت فيها الحجّة الدامغة، والشهادة التي لا تعلو عليها شهادة...
💧 الله شهيـــد بيني وبينكم على صدقي فيما أبلغكم .
💧 بهذا النور الذي بُعثت به، فليتملّاه، وليتدبّره كل من يسأل عن البرهان وعن الدليل.
💧هذا الذي جئتكم به نذيرا، أنتم ومن سيأتي بعدكم عبر الأزمنة، هدى للناس جميعا.
💧وإن حالكم شرك بالله، ودعوتكم الآلهة المتعددة.
💧وإنني لا أشهد بما تشهدون، بل أنا على غير ما أنتم عليه، بلا مداهنة ولا تسييس ولا مداراة ...
💧وإنما حالي أني الموحّد لله الواحد الأحد، البريء مما تشركون .
فيا سورة الأنعام ...يا عظيمة ...! يا سورة العقيدة بحق، يا سورة الحجة والبرهان، يا سورة الخطاب للعقل، واستنهاض العقل ليعمل ...!
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #254 في: 2026-04-05, 16:14:00 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
🌾🌳في سورة الأنعام العظيمة، ينوّع الله سبحانه بين الأساليب...🌳🌾
 فبينما أنت مع خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلقينه الأجوبة على ما سيسألونه،  من جهة، وهي هي الحجّة لدعوته الكافرين من جهة ثانية، بل وهي التي يُلقَّنُها بالتعدّي كل داعية على درب الله في كل زمان، والكفر يعيد نفسه، والكافرون يعيدون أنفسهم ...
بينما أنت مع هذا الخطاب التلقيني الحِجاجيّ، ينتقل بك الله سبحانه إلى الإخبار عن الغيوب، لتجد نفسك في قلب اليوم الآخر... !
فإذا المشركون، وهم المحشورون، يقسمون بالربّ الذي أنكروه في الدنيا أنهم ما كانوا مشركين... ! وإذا وهم يعرضون على النار يتمنون لو يُردّون فلا يكذّبون ... ! وإذا وهم يحملون الأوزار على ظهورهم، يتحسرون على ما فرطوا في دنياهم  ... !
تمتثل لك النهاية، ويمتثل لك المآل، وتدخل قلب الغيب لتنظر... !
لتجد نفسك تارة أخرى عائدا إلى الدنيا... !
وفيها تُعرض عليك أقوال الكافرين، وهي المكرّرة عبر الأزمنة، وليست بالتي تخصّ قوما دون قوم، ولا زمانا دون زمان ...
فتجدك وأنت بين هذه النقلات، ومع هذا التنويع، في جوّ فريد، وفي رحاب مهيبة، وفي حضرة الحق من كل حدب ومن كل صوب ... !
وفيها كلّها أنت تُلقَّن العقيدة في رحاب هذه السورة العظيمة، باستنهاض عقلك، بجمع غيب من الغيب مع الشهادة بين يدَيك ...فيها تجد البرهان والدليل والشاهد الأكبر على صدق نبوّة النبيّ، وعلى صدق الرسالة كلها ...
لتنقلك "الأنعام" بعدها نقلة جديدة، وبأسلوب جديد ... إلى القَصَص ...
فهلمَّ ندخل هذا العالم الرائع، ولنتتأمّل، ولنتملّ ... !
"وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَاماً آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ(74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ(75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَباً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ(76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَـذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَـذَا رَبِّي هَـذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ(78) "-الأنعام-
إنه سيدنا إبراهيم عليه السلام، يدعو قومَه، ويعرّفهم ربَّهم، وهو إذ يدعوهم يدعونا معهم، ويدعو إنسان كلّ زمان إلى الله ...
كيف كان تفاعله عليه السلام في كل مرة ؟
إنه تفاعل تدريجي، فهو يجاري قومَه ليخاطبهم بما يفهمون، وليجعلهم أكثر تقبلا لما سيقرّره أخيرا. إنه المهتدي الذي أراه ربه ملكوت السماوات والأرض، فكان من الموقنين.
1-في المرة الأولى عن الكوكب قال: "لا أُحِبُّ الآفِلِينَ" .
2-في المرة الثانية عن القمر قال : "لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ"
وهو هنا يعرّض بهم ولا يواجههم بقوله مثلا: "لأكوننّ منكم"، فينفي بذلك أنه منهم، لأنّ الآصرة عنده هي آصرة العقيدة لا آصرة الدم، فما  داموا ضالين فهو ليس منهم .كما أنه المهتدي بهدى الله، ولكنه الذي لا يستغني عن هدى على الهدى، "وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى"
3-في المرة الثالثة عن الشمس قال: "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ".
💎" لا أُحِبُّ الآفِلِينَ "----->  إنه هنا وكأنه يتّبع هوى نفسه، وإن كان هواها مع الحق...
هم هنا لن يفزعوا من قولته هذه، ولن يرفضوها، فهو يصرّح عن نفسه وما تحبّ وما تكره، بل سيُلفت بها نظرهم إلى أنّ هذا الذي يتخذونه إلها لا يليق أن يكون إله وهو مِن "جمع الآفلين".
💎" لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ " ---->   إنه من بعد تصريحه عما تَكْرَه نفسه، بدأ الآن بذكر الهدى، ومصدر هذا الهدى الذي يرتجي... !
إن مصدره : "رَبّي"... ! 
إنّه توجّه إلى الربّ الذي لا يأفل ولا يغيب...وإن كان في حسبان قومِه أنه الذي لا يعرفه، فهو يناديه أن يستجيب، أن يغيثه بالهداية ...الربّ الذي لا يغيب لن تغيب عنه نفس تسأله أن يهديها إليه ... !
وكم مِن الملحدين، من بعد رحلة التَّيْه، توجّه صادقا إلى الله بقوله: اللهم دلّني عليك، اهدِني إليك ... ! وأجابه الله وهداه، لما كان من صدق نفسه المستغيثة ... !
لقد انتقل من مرحلة اتباع نفسه إلى مرحلة وكْل أمرها وهُداها لربّه، فكُرْهُه للآفلين، وإن كان سليما، وطريقا صحيحا، إلا أنه يبرأ هنا من نفسه ومن حوْلها ومن هواها، وإن كان هواها مع الحق.... !
إنه يبيّن أول الطريق ... أنّ المنهج الحق الذي يهدينا هو الذي يبيّنه لنا ربنا وليس الذي تمليه علينا أنفسنا .... !
💎 "يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ"----->  أما هذه المرة فهو يعلن براءته مما يشركون، من كل ما يشركون... !
فمن بعد ما أعلن براءته من نفسه، يعلن لهم صراحة أنّ هذه المعبودات إنما شركاء، ليسوا بالقوة التي تقهر، والتي لا تغيب، ولا تأفل... !
وفي هذا تمهيد لإعلانه التوحيد ! براءته من الشرك هي  طريقه للتوحيد !
والذي سيعلن عنه أخيرا إعلانا قويا ظاهرا لا يخالطه لُبس، في قوله :"إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(79)"
💎💎أخيــــــــــــــــرا ....💎💎
إنه يوحّد ربّه، ويوجّه له وحده وجهه، ويقرّ بعظيم قدرته، وأنه الذي فطر السماوات والأرض، فطر السماء التي يعبد منها قومه نجوما وكواكب، وشمسا وقمرا، وفطر الأرض التي يتخذون من حَجَرها ومَدَرِها أصناما، ومن خشبها أوثانا يعبدونها....
أما هو فيعبد ربّ هذا كلّه، ربّ السماوات والأرض وما بينهما، وقد أُرِيَ ملكوت السماوات والأرض وكان من الموقنين...  "حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ"
ما أروع    "حنيفا" هنا...!
وهو الذي أعلن مَيْله عن الشرك، مَيْله عن أهواء قومه وخرافاتهم، مَيْله عما ساد الأرض من شرك وكفر، مَيْله إلى الحق... !
وإن كان وحده بينهم فقد مال عنهم، عن باطلهم إلى الحق: " حَنِيفاً وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ "
  إنه سأل ربه أن يهديه فوق هُداه، ولم يستغنِ عن هدى فوق الهدى، فزاده الله هدى...
زاده الهدى الذي واجه به كل قومه غير آبه بما يصنعون به، ولا بما ينعتونه به، واجه أباه ،وواجه  مَلِكَهم، وواجه به تكذيبهم، وصبر على تعذيبهم، حتى أمر الله النار فتغيّر فعلُها فيه ...! 
عرّض لهم بدايةً أنّه لئن لم يهده ربّه ليكوننّ من القوم الضالين، غير معيِّنهم، فلما زاده الله هدى على هداه، أعلن بين جمعهم "وما أنا من المشركين".... لقد عيّنهم، ووصفهم بوصفهم. ...
ثم تأمّلْ بعدها القوة فيه على القوة :
"وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81)"
لقد هداني الله إليه ... !
وليس معناها أنه الذي هُدِي من بعد قصة نظره في السماء، وإسماعه قومه كلماته نظرا منه إثر نظر ... وإنما معناها اهتداؤه أصلا لله بفضل من الله ...ولكنّهم حاجّوه من بعد قصة النظر .... فكان إعلانه الأتمّ لهداه، وأنه الذي لا يخاف، وقد أمِن في جنب الله، وأنه الأحقّ بالأمن وهو في جنب العليّ الكبير العزيز الذي لا يُغلَب...
فأيّ حجة قد أوتيتَها يا سيّدي يا خليل الله ؟ ! أيّ حجّة قد أوتيتَها يا أمّة وحدك ... !
ولقد علّمتَني يا أسوة في الولاء لله والبراء من أعدائه ...
💎💎💎  أنّ :
هواي وإن كان حقا لا أعوّل عليه---> بل أبرأ من نفسي وأتوكل على الله ربي وأسأله الهدى على الهدى---> عندها لن يَكِلَني ربي لنفسي ولضعفها وسأفصل بالتوحيد وتوجيه وجهي لله مائلا عن كل باطل إلى الحق، وإن عجّ به كل ما حولي... !
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #255 في: 2026-04-05, 16:15:07 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

🌿🏵🌿ومع سورة الأنعام من جديد ...🌿🏵🌿
وهي السورة التي تُرسي قواعد العقيدة في القلوب، وهي التي تعرّف الإنسان بالتصوّر الصحيح لربّه، وللاعتقاد فيه سبحانه، هي السورة المهيبة الثقيلة، ثقل العقيدة ...
وإنّ فيها عددا من الآيات التي تزيد من ترسيخ آليات الاعتقاد في الله تعالى، وفيها من بيان قضية الإيمان والكفر في الإنسان ...
آيات بعينها، فيها من التكامل، في قضية حيويّة من قضايا العقيدة، والتي فيها لبس كبير عند كثير من الناس ...
لذلك ارتأيت أن أجمع ثلاث آيات من هذه السورة العظيمة تُعنى بالموضوع ذاته ... أريد أن نتبيّن المُراد الصحيح منها، دون التباس ولا غموض ... والله المستعَان ...
إنـــــــــــــــها :
1- "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)"
2- "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)".
3- "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)"
إنها عن مشيئة الله تعالى، وعن المشركين، وعن قولهم في شأن شركهم بالله تعالى ...
ونبدأ بقوله تعالى :
💎1💎 "وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا وَمَا جَعَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (107)"
الله تعالى... لو شاء لما أشرك المشركون.
نعم... لو شاء سبحانه ذلك لكان، ولما كانوا مشركين، ولكن الله تعالى لم يشأ، وما شاء سبحانه كان، وما لم يشأ لم يكن ...
ولكنّه سبحانه شاء أن يكون الإيمان والكفر بحسب المتلقّي، وبحسب المدعوّ، فهي النفوس المتفاوتة، التي من بينها من يُقبِل على الداعي وعلى الدعوة، فيقبلها، ويرضاها، ويختار احتضانها، ومن بينها من لا يُقبل على الدعوة ولا على الداعي، فيرفضها، ويختار الإعراض عنها  ...
هذه مشيئته سبحانه التي كانت، فلم يكن الإيمان جبرا من الجبر، ولا قهرا من القهر، ولا كان الكفر جبرا ولا قهرا من قهره سبحانه، بل تجلّت مشيئته أن يكون الإيمان والكفر باختيار العبد ...
شاء أن يجعل في العبد إرادة حرة، وأن يكون منه الاختيار، فإما أن يقبل، وإما أن يُعرض، إما أن يؤمن وإما أن يكفر ...
فلو شاء سبحانه ما أشركوا، ولقهرهم على الإيمان، ولكنه لم يشأ قَهْر عباده على الإيمان، لو شاء سبحانه لغيرّ حالهم بالخارقة، فينقلب شركهم إلى إيمان ... !
ولكنه لم يشأ ذلك سبحانه ... ! ولو شاء ذلك، لكان ... ولكنه لم يشأه سبحانه ...
شاء أن يترك لهم الاختيار، فكان ... واختاروا الشرك على الإيمان، كما كان لغيرهم الاختيار، فاختاروا الإيمان على الشرك ...
هذا هو المعنى ....
أنه سبحانه لو شاء لجعل إيمانهم جَبرا، ولجعله مشيئة قهرية، فلكانوا مؤمنين ... ولكن هذا ليس من مشيئة الله تعالى في عباده... فلم يكن ... !
ثم ... روَيْدَك ... لم ينتهِ الأمر عند هذا ... بل إنّ الآية من السورة لتُلقي بالضوء على أختها  لتُبصرها بها ... ولتفهمها بها أكثر ...
تأمّل ما جاء قبل هذه الآية ...
"قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104) وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (105) اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (106)"
قلتُ في شأن الآية السابقة عن الإرادة، وعن الاختيار، وعن مشيئة الله تعالى أن يكون في العبد ذلك الاختيار ؟؟ !
فانظر ...انظر إلى آيات قليلة قبلها وقد جاءت فيها مشيئة الله التي كانت...
والله علّمنا في الآية السابقة أنه لو شاء ما أشركوا ...هذا ما لم يشأ إمضاءه في أمره...
أما الذي سبق من الآيات، ففيه ما شاء فأمضاه من أمره :
"قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (104)"
نعــــــَــــــم .... !
تلكم هي مشيئته سبحانه، أن أنزل من عنده بصائر ... أنزل الهدايات ... أنزل الحق ... وهدى إليه ...
ولكــــــــــــــن :
تمام مشيئته أن جعل حِيال هذه البصائر للعبد أن يختار ... هي بصائر، والله يريد بعبده أن يبصرها ... ولا يريد به أن يعمى فلا يبصرها ...
ولكن يبقى الاختيار في العبد ... ويبقى العبد مسؤولا عن اختياره :
"فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا "
أنت حرّ في اختيارك ... ولكن لا تقل بعد اختيارك السيء، أنها مشيئة الله فيك، ولو  شاء الله لما اخترتُ هذا ... !
لأن الله أعلمك أنها بصائر، وأنّ من أبصر فلنفسه قد اختار الخير، ومن عمي، فعلى نفسه قد عمي، وسيلقى عاقبة عماه ... !
لقد وكل لك الاختيار، وهداك الطريقَين (النَّجْدَيْن) وهداك أيّهما الطريق المنجي، وأيهما الطريق المُهلك... ! فليس لك على الله من حُجّة ... !
أنتقل إلى الآية الموالية التي فيها من جوّ الآية السابقة  :
💎2💎  "وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ (112)".
جعل سبحانه السُّنة في أنبيائه جميعا، أن يتصدّى لدعوتهم شياطين الإنس والجن من أعدائها، وأن يتمالأ شياطين الإنس والجنّ عليها ...
"وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ "
لو شاء ربّك ما كان لشياطين الإنس والجنّ من فعل، ولا من قدرة على التصدّي للدعوة، ولا من فعل في أنفس الناس، ليصدّوهم عنها ...
ولكن الذي شاءه سبحانه وتعالى أن يكون منهم ذلك ... !
من حكمته سبحانه أن جعل لهم فعلا بالتصدّي والصدّ والكيد والإفساد، عبر الوسوسة من شياطين الجنّ، وعبر الوسوسة والأزّ من شياطين الإنس كذلك ...
وذلك لحكمة منه سبحانه ... إنها حكمته بجعل الابتلاء غاية من الخلق ... الامتحان ...
جعل للشيطان فعلا مع الإنسان ليبتليه به، أيذعن لأمره فيه، أم يذعن لأمر ربّه ... !
ليبتليه أيتخذ ربّه وليّا، أم يتخذ عدوّ ربّه وليّا ؟ !
وما كان الابتلاء منه سبحانه، إلا وقد أودع في العبد الإرادة الحرة للاختيار ...ليختار بين الأمرَيْن ... !
ولقد فقهها خير من يفقه أمرَ الله تعالى ... أنبياؤه، فقالها سيدنا سليمان، والله تعالى قد سخّر له الجنّ فكانوا جندا من جنوده في جيش ليس ككل الجيوش ... !
فقال وهو يفقه عن ربّه، والجنّ تعرض عليه سرعة مجيئها بعرش الملكة بلقيس، حتى رآه بين يديه من قبل أن يرتدّ إليه طرفُه :
"قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40) "-النمل-
"ليبلوني" ....  ليمتحنني ربي ... فأختار بين أمرَين أأشكر أم أكفر ... !
الابتلاء من الله، سنّة ماضية في عباده، أمر من أمره في خلقه ... دستور فيمَن خلق من عباده ...وما يتحقق الابتلاء إلا وفي العبد إرادة للاختيار بين أمرَيْن ...
وهكذا كان لكل نبي عدوّ من شياطين الإنس والجنّ ابتلاء من الله تعالى ... لعباده، أيختاروا أمر الشياطين فيهم فيُعرضوا عن الدعوة، أم يختاروا أمرَ ربّهم عبر أنبيائه ؟
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ .... ولكن الذي شاءه أن يفعلوا، فيتصدوا ويصدّوا، ليُبتَلى بهم الناس أي الأمرَين يختارون، الإيمان أم الكفر ... !
وأمرّ إلى الآية الأخيرة، لنرقب في ظلالها أمر المشيئة  :
💎3💎  "سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)"
إنها حجّة المشركين في ذلك الزمان ... وحجة الكثيرين جدا في كل زمان، بتفاوت أحوالهم ...
وممّن يشبههم، جماعة من الناس يقولون –ويحسبون قولهم هيّنا-  لو شاء الله ما كنا مجرمين ! لو شاء الله ما كنا سارقين، لو شاء لهدانا للإقبال على الصلاة ! ... ومن هذه الشاكلة كثير ... !
إنه التنصّل من مسؤولية مُقَرَّة في الإنسان من ربّه  ... !
إنه تبرؤ المجرم من إجرامه، وعزْوه إلى مشيئة الله ... !
إنه القول بغير مشيئة الله تعالى في عباده ... !
لو شاء الله ما كنا مشركين، وبمثل قولهم يقول كافرون في كل زمان ... لو شاء الله ما كنا كافرين ... !
وإنها للكلمات التي لا تُركَّب، ولكنّ المتنصّلين المتهربين، يركّبونها غصبا، ويحسبون بتركيبها شيئا بين الأشياء ... !
لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ... نحُّوا عن أنفسهم مشيئة الله الحقيقية فيهم ...
تلكم هي مشيئته سبحانه التي بينّاها أعلاه ... مشيئته أن جعل في كل نفس إرادة، واختيارا ...
فالله سبحانه لا يقهر على الإيمان، ليكون الإنسان مؤمنا، بل يدعو إليه، ويهدي إليه ببصائر،  ثم يمتحنك بما أودع فيك من الاختيار ...
أتبصر أيها الإنسان ؟ أم تعمى ؟؟ !!
فالله سبحانه لم يكن ليجعلهم بالقهر وبالجبر مؤمنين، بل الذي كان أن جعل فيهم الإرادة الحرة التي تختار بين كفر وإيمان ... وقد كان ... كان منهم أن اختاروا الشرك ... فكانوا مشركين ... ! هم وآباؤهم سواء بسواء ...
كلٌّ قد دُعِي،  وكلّ قد جاءه نبيّ يدعو للبصائر ...
وتأمّل ... تأمل تتمّة الآية :
"...كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (148)".
إنكم كما كذبتم بدعوة النبيّ الذي جاءكم بالبصائر لتهتدوا، ولتؤمنوا ...كذلك كذّب مَن قبلكم من آبائكم وأسلافكم بمن جاءهم من عند الله بالبصائر ليهتدوا ... !
أيّ ردّ هو  ... لو تتأمله...  !!  لو تُمعِن النظر فيه ... ! لو تبصره على دقائقه ... !
إنه لردّ عظيم .... !
إنما أنتم المكذّبون، وبتكذيبكم قد اخترتم، بإرادتكم الحرّة قد اخترتم التكذيب، الإعراض، الكفر، الشرك .... !
ثم تتمطَّون بقولكم : "لو شاء الله ما أشركنا ".... !
إن الشرك منكم، لا من الله سبحانه جبرا من الجبر ... بل هو منكم اختيار من إرادتكم ... ! كما كان اختيارا من آبائكم وأسلافكم ... !
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #256 في: 2026-04-05, 16:16:08 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::


⭐🍃في سورة الأعراف... ⭐🍃
وإني سآخذك الهُوينى إلى موقع دقيق، وإلى معنى خطير، فاصبر معي على الدرب ....
جاء قول الله تعالى :
"قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30)"
وقد جاء تلقين الله تعالى لنبيّه، أن يردّ على المشركين بهذا، في صيغة "قُلْ" من بعد ما بين سبحانه تقولات المشركين على الله تعالى :
"وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28)".
هذا ما تقوّلوه على الله تعالى...
أنّ الذي وجدوا آباءهم عليه من فعلهم للفاحشة، إنما هو من أمر الله تعالى لهم ولآبائهم –حاشاه سبحانه-
فكان ذلك التلقين الربانيّ لنبيّه أن يردّ عليهم، أنّ الله تعالى أمر بالقسط، بالعدل في كل ما يفعلون، وأن يقيموا وجوههم لله تعالى ساجدين له خاضعين، مسلمين أمرهم له  بعبادات خالصة، فيها توقير الله، وتقديره حق قدره، وفيها الخوف من عذابه، ورجاء رضاه وعفوه ...
"كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ" ...
كما بدأكم من لا شيء...
من لاشيء جعلكم أناسيّ منتشرين في الأرض، كما لم تكونوا شيئا مذكورا، حتى كنتم المبثوثين في الأرض  ...
كذلك يعيدكم إليه، ولا تخلدون، بل تعودون ... !
بدأكم خلقا من لا شيء ... ليبتليكم في هذه الحياة الدنيا ...  وتنتهي مرحلة الابتلاء، لتبدأ مرحلة الجزاء ...
واصبر إنّا إلى ذلك المعنى ماضون ....
هنا تأمّل معي ما هو كائن ... !
"فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ ..."
منكم في هذه الدنيا التي بدأكم فجعلكم فيها خلفاء،من هداه سبحانه، منكم من استحقّ هُدى التوفيق وهُدى المعونة، وقد أقبل على هدى الدلالة ...
أقبل على هدى الدلالة الذي دلّ به الله جميع خلقه إليه... فاستحق أن يهديه ربّه ليصبح من المهتدين ...
فتأمّل مناط الابتلاء ... وهو فيك وفيّ الإرادة الحرة والاختيار أن تهتدي أو أن تضل ...
"وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ"
وهذا الذي استحق أن يضلّه الله، لما كان منه من إعراض وتكذيب وكفر ... فحقّت عليه كلمة الله بأن يكون من الضالين ...
وتأمّل مرة أخرى مناط الابتلاء ... وهو فيك وفيّ الإرادة الحرة والاختيار أن تهتدي أو أن تضل ...
وتأمّل تتمّة الآية لتفهم سبب أحقيتهم بالضلالة، ولتفهم أكثر أنه من الإنسان لا من الله، بل بما يختار الإنسان لنفسه:
"إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ"
أضلتهم الشياطين، وقد اتبعوها بمَلكهم وإرادتهم، بل اتخذوها من دون الله -الوليّ سبحانه- أولياء ...
ولقد بلغت بك المبلغ الخطير ... فاتبه ... !
مربط الفرس في : "وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ" ....
هذه هي العبارة التي أراها دقيقة أيما دقة، وأراها تُسقَط على أحوال كثيرة مما حولنا، قد نتعجب منها، ونحار في سرّ تلبّس الإنسان بها وإصراره عليها ... !
إنه يحسب أنه مهتد .... !  عياذا بالله ... !
حينما يحسب المخطئ أنه يأتي الصواب، وحينما يحسب المسيء أنه يحسن، وحينما يحسب الكاذب أنه يصلح أمره بكذبة، وحينما يحسب السارق أنه يأخذ حقا قد سلبه منه المجتمع والدولة وووو ... وحينما يحسب العامل الذي يأتي أولاده بأوراق من مقرّ عمله،  أنه يأخذ حقا، وقد سلبته الدولة حقوقا كثيرة !
وحينما يحسب الطالب الذي يتقن في غشّه، ويغمّي على عين كل رقيب وهو يغشّ، أنه يأخذ حقا مكفولا له، وهو يعلّق على الأستاذ وعلى الجامعة، وعلى الدولة، وعل كل مشجب أسباب تقاعسه وتكاسله عن الاجتهاد ... !
حينما يجترّ الواحد منا كل تاريخ المشكال الحضارية، ليجعل منها مشاجبه المتعدّدة التي يعلّق عيها خطأه هو، وليبرّئ بها ساحتَه، وليقول بشكل أو بآخر : لست مجرما بل قد جعلوني مجرما... !
ويجعل من علم النفس، ومن مراعاة النفسيات والتاريخ النفسي محاميه المدافع عن إجرامه ... وعن ضلاله ... !
هذا شكل من الأشكال ... أو تلك بعض الأشكال... لمن يضل وهو يحسب أنه مهتد ... !
وإنها للطامة ... أن نبحث عن المبررات لأخطائنا، وأن نعمل على إلصاقها بكل جهة، حتى نحثّ البحث في الأعماق وفي التاريخ لننسبها للحالات النفسية، ولماض من سنوات الحياة ... !
المهم أن نبرئ ساحاتنا... ! ونحن نحسب أننا مهتدون ...!
كما أنّ رفع لواء الباطل على أنه الحق ... على أنه التجديد، على أنه الحرية، على أنه الانعتاق من الحدود والضوابط والأوامر والنواهي، وما هو إلا حب الانعتاق من رقيب حسيب، والانطلاق في فضاء الحرية البهيمية بلا حدّ وبلا رادع .... !
هذا شكل آخر من أشكال تلك التتمّة الدقيقة للآية ... !
فيحسب أنه مهتد، يحرّر، وينوّر ويرقي، ويطوّر ويجدّد .... ! ويُعتق الأسرى من عقال القديم والموروث، والدين عندهم بثوابته أصبح قديما  يجب أن يُجدّد ... !
هذا وغيره من معاني هذا الضلال المتسربل بسربال الهداية ! هذا المعنى الخطير للضلال المغطّى بدثار الهداية  : " وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ "
"قل إن الهدى هُدى الله"
وليس الهدى الذي نراه نحن هدى، ولا الحق الذي تراه أعيننا على مقاسات أهوائنا حقا ... بل إنه هدى الله، كما هو مُراد الله ... ذلك هو الهدى، ولا هدى غيره تصنعه أهواؤنا، ونخلع عليه اسم "هدى" ...
فاللهم نسألك الهدى والتقى... وإنه لا هدى إلا هداك ....
#سورة_الأعراف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #257 في: 2026-04-05, 16:17:01 »
💧☀ومع سورة الأعراف من جديد  ...☀💧
"فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)"
سبحان الله ... !
هذا  الإنسان والحلال أمامه بألوان وأشكال، ولكنه حينما ينسى نَهْي الله تعالى، حينما يتخذ نهيه سبحانه عن الطريق الملتوية ظهريّا سيقع في شِراك عدوّه، في شِراك الشيطان المتربّص به ... !
وهو يغرّر به، ويغرّه، وهو يزيّن له الحرام القليل القليل قياسا إلى الكثرة الكاثرة من الحلال ...
سيجعله يُعرض عن الحلال الكثير أمامه، ويُقبل على الحرام وهو قياسا إلى الحلال أقلّ القليل ... !
عندما ينسى الإنسان أمر ربّه، سيفتح الباب على مصراعَيه للشيطان ... !
ليأخذه عن الصراط المستقيم...ليحيد به عنه، والإنسان هو البادئ...!  حينما يعرض في ساعة المعصية عن نور الله الذي يبقيه على الصراط ... ! 
حينها سيُعرض عن الكثير الحلال، ليُقبل على الحرام وهو القليل ... !
💧ولو أنّ الإنسان عندها يذكر...!
يذكر أن الشيطان هو المزيّن، وهو المسهّل للمعصية، وهو الذي آلى على نفسه قائلا :
"قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17)"
💧لو يذكر الإنسان، والحرام يُزَيَّن له، إحاطة الشيطان به من كل جانب، وهو يوسوس، وهو يزيّن، وهو يجتهد بكل سبيل، عن اليمين وعن الشمال، وبين الأيدي ... !
من كل جانب... يشحن، ويدفع، ويؤزّ أزا، بكل ألوان الكذب،  والتغرير،  والتحايل،  وكبرى أمنياته أن يعصي الإنسان ربّه ... ألا يطيعه... أن يعرض عن أمره، أن يستهين بنَهْيه ... !
أن يلقي بالمشكاة المضيئة لطريقه... ولو لساعة ... !
ساعة قد تُردي صاحبها المهالك عُمرَه كلّه، بطوله وعرضه... !
💧ولو أنه يذكر .... !
تأمّل ... تأمّل ما قاله الله لآدم وحواء:
"وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)"
لقد سبق منه سبحانه النّهي ... وليس النهي وحده، بل النهي مع التحذير من عداوة الشيطان له، من تربّص العدوّ به ... !
هذا العدوّ المتربّص، والذي ينتهز أي سانحة لينفذ إلى نفس قد استهانت بنَهْي ربّها،  ... ففتحت أبوابها للعدوّ ليزيّن المنهيّ عنه،  ... عدوّ بغيته أن يرديه المهالك، وهو يوقعه بالمعصية.... !
💧فيا ليت الإنسان يذكر ... !
يا ليته يذكر أنّ نهي الله لم يكن مجرّدا عن التحذير من تغرير الشيطان، ووسوسته، وتزيينه ... لم يكن مجرّدا عن التحذير من عداوته ... !
وما تربّصه إلا : " لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ"
يتربّص بطريق الطاعة ... ليصرف الإنسان عنها ... يتربّص بالصراط المستقيم، وبأهله، ليصرفهم عن الاستقامة ... !
وتلكُم هي العداوة التي حذّر الله منها، مقرونة بما حرّم ونهى عنه...
يعلم سبحانه أن الإنسان لا يكفيه أن يُنهى، لأنه الذي قد يزيغ به داخله... نفسُه التي بين جنبيه... فيقع بشراك المتربّص بها من خارجها ... ! بشراك عدوّ الخارج... !
فاللهمّ ذكرنا بالتزام أوامرك ونواهيك، وألا نزيغ عنها، وعن الصراط المستقيم ...ذكّرنا بعداوة الشيطان لنا... ! حتى نصبح من المتقين، الذين إذا مسّهم طائف من الشيطان، تذكّروا ... فإذا هم مبصرون ... !
من الذين أوتوا نعمة التذكّر من تقواهم ...!
#سورة_الأعراف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #258 في: 2026-04-05, 16:17:51 »
🌸🍂🌸في سورة المائدة ... جاء قول الله تعالى :🌸🍂🌸
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90)إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)"
جاء تحريم الخمر النهائي في هذه الآيات من سورة المائدة ...
الآيتان الأولَيان جاءتا عن الخمر صراحة، كما أرى أن للآيتَين التاليَتَيْن صلة كبيرة بالأولَيَيْن ...
جاء تحريم الخمر بلفظ "اجتنبوه" ... وجاء بيان وجوب اجتنابه في الآية الموالية، أنه من عمل الشيطان، ومن سُبُله  لإيقاع العداوة والبغضاء فيما بين المؤمنين، ولصدّهم عن ذكر الله، وعن الصلاة  ...
فتأمّـــــــــــــــــــــــــل ....
إنها سبيل للقطيعة مع المؤمنين من جهة، كما أنها سبيل للقطيعة مع الله تعالى ...  وهي إذ تُذهب العقل، وتُذهِب تمييز الإنسان، ستوقعه في الخلط والخبط، وستجعله يساوي بين حلال وحرام، وبين خبيث وطيب، ستجعله بعيدا عن الرشد، وعن وضوح الرؤية، وعن صفاء الذهن، ستجعله بعيدا عن ذكر الله تعالى، وعن التمييز بين ما أحلّ وما حرّم، وبين ما أجاز وما لم يُجِزْ ...
وليس أكبر من هذا، بيانا لحرمة الخمر، وهي التي قرنها الله تعالى بأشهر المحرّمات : الأنصاب، أي الأوثان، والأزلام، وهي التي كان الجاهليون يضربونها لمعرفة المستقبل ... وقد قال الله فيهما : "...وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ " –المائدة: من الآية3-
بينما يقوم مَن يقوم من أهل الخبث والتربّص بعقول المسلمين، وتأويل القرآن على نبض الأهواء، وإنكار السنّة، وإنكار بيانها وتفصيلها للقرآن، والطعن بحُجيّتها، ليتقوّلوا أن القرآن لم يحرم الخمر، ما دام لفظ التحريم لم يرِد في الآية  ... !
وهؤلاء الأدعياء، منهم  جماعة مَن  يسمُّون أنفسهم "القرآنيين" ... يؤوّلون عدم ذكر لفظ التحريم بأن الخمر لم تُحرّم، وهذا كذب وافتراء فاحش على القرآن العظيم، وفيه التحريم صريح، قويّ كما بينتُ أعلاه ...وافتراء على اللغة العربية، وهم أهل ليّ أعناق الآيات، وليّ عنق اللغة لقضاء مآربهم الخبيثة ...
والأمر بالاجتناب، أمر تحريم، إذ أنه لفظ استخدم في الزجر عن الأوثان وعبادتها...قال تعالى: "فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (30)"-الحج: من الآية30-
وقال سبحانه : "وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ..." -النحل:من الآية36-
وقال أيضا سبحانه: "وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَىٰ ۚ فَبَشِّرْ عِبَادِ (17)" -الزمر:17-.
 أضف إلى ذلك إنكارهم لكل ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في شأن تفصيل التحريم، وفي شأن ما كان من فهم الصحابة للتحريم فور نزول الآية .... الصحابة فهموا التحريم من الآية قبل أي تفصيل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم كانوا الأقحاح، أهل اللغة السليمة ... !
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: "لما حُرِّمتِ الخمرُ مشى أصحابُ رسولِ اللهِ بعضُهم إلى بعضٍ ، وقالوا : حُرِّمتِ الخمرُ ، وجُعِلتْ عِدلًا للشركِ" –صحيح الترغيب-
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه حينما سمع المنادي ينادي بنزول تحريمها: "فخرجت، فقلت: هذا منادِ ينادي ألا إن الخمر قد حُرّمت، فقال لي (يعني أبا طلحة) : اذهبْ فأهرِقها، قال: فجرَتْ في سكك المدينة" –صحيح البخاري-
ومن الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم الخمر، وحيثيات تحريمها، الكثير ...
ولكن أحبّ أن أعرض للآيتَيْن اللتَيْن جاءتا بعد آيَتَيْ التحريم، وهما قوله تعالى :
"وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (92) لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)"
تساءلْ يرحمك الله  .... !  ما سرّ مجيء الأمر بطاعة الله مقرونة بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم بعد تحريم الخمر ؟ !
بل جاء التحذير من التولّي عن أمره، بعد الأمر بطاعته... !
أطيعوا الله الذي حرّم سبحانه، وأطيعوا رسوله الذي سيبيّن لكم، وسيفصّل في شأن ما حرّم ...
سبحان الله ... !  وكأنه التنبُّؤ بأهواء هؤلاء الخبثاء ... !  ولكأنها الآية التي تشير ضمنيا إلى وجوب التفصيل في الأمر من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي يبيّن القرآن بسنّته قولا وفعلا وتقريرا ...
بل إنه التحذير من التولّي عن أمره صلى الله عليه وسلم، التحذير من التولّي عن بيانه وتفصيله للقرآن ...
وهو صلى الله عليه وسلم القائل : “لَعَن الله الخمرَ وشاربَها وساقيَها، وبائعَها ومبتاعَها، وعاصِرها ومعتصِرها، وحامِلَها والمحمولَةَ إليه”  - رواه الترمذي وأبو داود في سننهما وابن حبان في صحيحه وأحمد في مسنده عن ابن عباس.-
وهو القائل صلوات ربي وسلامه عليه: "لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهو مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهو مُؤْمِنٌ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ." –صحيح البخاري-
وهو القائل صلى الله عليه وسلم : “إِنَّ اللهَ تَعَالَى حَرَّمَ الْخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ فَلَا يَشْرَبْ، وَلَا يَبِعْ” –صحيح مسلم-
عن هذا البيان النبويّ، الذي هو وحي من عند الله بمعناه، منطوق بلفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم، يريدوننا أن ننصرف، وأن نحيد ...هذا ما يريدوننا إنكاره !! لننكر بذلك الدين برمّته ...!!
والآية جاءت صادعة بالأمر بطاعة هذا البيان من رسول الله، بل وجاءت تحذّر من التولي عنه ....
ثم تأمّل قول الله تعالى بعدها :
"لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (93)"
وكله مرتبط بعضه ببعض ... وقد نزلت هذه الآية تحديدا في ناس من المؤمنين ماتوا في غزوة أحد، وفي بطونهم خمر، لأن الغزوة كانت قبل نزول تحريم الخمر ...
فنزل قول الله، يبيّن ألا جناح على من كان يشربها من قبل التحريم النهائي ... ألا جناح عليهم فيما طعموا  ...
إذا :
1-/مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ.
2-/ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا.
3-/ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا.
فمن آمن ولم ينزل أي نوع من التحريم في شأن الخمر، في زمرة (1) اتقوا، وآمنوا وعملوا الصالحات.
ومن عاش إلى غزوة أحد ولم ينزل التحريم النهائي، في زمرة (2)...
ومن عاش إلى نزول التحريم النهائي، هم الذين ارتقوا درجة إثر درجة، وكلما نزل أمر من الله في شأنها انصاعوا إليه، وطبقوه، وأطاعوه ... حتى كانوا في عداد "المحسنين" ...
فأي هراء وأي هواء يلقي به أهل الكذب والافتراء،  الأدعياء الذين يلقون بالشبهة طُعما يستهوي،  ويوقع بالشِّراك ضعاف العقول، وضعاف البحث والتقصي في شأن دينهم، كما يستهوي السمك الصغير...!
#سورة_المائدة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #259 في: 2026-04-05, 16:18:16 »
🍃🌷🍃في سورة الحشر العظيمة ....🍃🌷🍃
"لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"
لفقراء المهاجرين الذين أُخرِجوا، أخرجهم الكفار من ذوي قرابتهم ورحِمِهم، وبني عمومتهم، من ديارهم وأموالهم، جرّدوهم من أملاكهم وديارهم واستولوا عليها، واضطروهم للخروج بلا شيء ... فلكأنّ الواحد منهم ما سعى، وما بنى، وما ملك، وما كان له  من حطام الدنيا من شيء ... !
بينما قد كان  لهم من كل ذلك، ولكنهم تركوه خلفهم، وما أبهوا له، وما استثقلوا أن يخرجوا بلا شيء.... ما استصعبوا ذهابه كلّه عنهم، وخروجهم أصفار الأيدي. كلّ ذلك يصف الله مبتغاهم  منه بقوله سبحانه : " يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ".
لقد بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنفسَهم بالقرآن، بنى صروحا للعقيدة شمّاء هي بوزن الجبال الرواسي فيهم، عقيدة في الله تعالى أنه سبحانه العظيم الواحد الأحد، أنه الذي يُبتَغى منه الفضل، وفي سبيله وفي سبيل توحيده وتحقيق العبودية له وحده، خرجوا يبتغون الفضل منه وحده ... خرجوا في سبيل الدعوة، وفي سبيل إعلاء كلمة الحق ... !
خرجوا مصرّين على اعتقادهم، لا يَهُزّ تلك الجبال الرواسي فيهم تجريدٌ من مال، أو إخراج من ديار ...كل ذلك في أعينهم هان، وقد عرفوا للمَلِكِ سبحانه حقّ قدره، وعرفوا أنّ دنيا متفتَّحة الزهرات بآلهة كثيرة هي الموت في صورة حياة... !  وأنما الحياة حقا ونبضا هي بتوحيد الخالق المستحقّ للعبادة وحده ... ! ألا حياةٌ تُباع فأشتري بكل ما أملك، ولا أني ... !
خرجوا وهم العُراة الحُفاة، الفقراء من بعد ما كانوا أهل مال وأعمال، وديار وأراض ... خرجوا من حياة كانت لهم في تلك الديار، هي حياة الإنسان المتقلّب بين أدوار الحياة سعيا واسترزاقا...
هاجروا من مكة إلى المدينة أرسالا من بعد إذن رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم بالهجرة، فكانت قريش تتتبّعهم، وتنتهج معهم طرقا في صدّهم عن سبيلهم...  ففرّقت بين الرجل وأهله، كما كان ذلك منها مع أبي سلمة بن عبد الأسد وزوجه أم سلمة، حينما تفطّن أصهارُه لخروجهما بابنَيْهما مهاجرَيْن في سبيل الله، ففرّقوا بينه وبين زوجه وابنه، وغضب آل أبي سلمة فائتَمَروا بينهم أن يأخذوا من أم سلمة ولدَها، فتجاذبوه بينهم حتى خلعوا يدَه.  ولكنّ ذلك لم يفُتّ في عضد أبي سلمة، ولم يفلّ من عزمِه، بل مضى إلى المدينة، وبقيت أم سلمة حبيسة أهلها عاما كاملا، تخرج في كل غداة تبكي حتى تُمسي، حتى مَنَّ الله عليها بمن كلّم القومَ في شأنها، فسرّحوها، واسترجعت ابنَها من عصبته....
وهاجرت به تقطع الفيافي والقفار مسافة خمس مئة كيلومتر، بين شواهق الجبال ومهالك الأودية وليس معها أحد إلا الله ، حتى إذا كانت بالتنعيم، لقِيها عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقد قيّضه الله لها ليبلّغها مأمنها، فكانت تقول رضي الله عنها : "والله ما أعلم أهل بيت في الإسلام أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قط أكرم من عثمان بن طلحة."
كما كان الكفّار يتصدّون لصاحب المال منهم إذا فطنوا لخروجه ليُجرّدوه من  ماله، مثلما فعلوا بصهيب بن سنان الرومي، قالوا له: أتيْتَنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالُك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالِك ونفسك! والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلتُ لكم مالي، أتُخَلّون سبيلي؟ قالوا: نعم، قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ربِح صُهيب، ربح صهيب"، وفيه نزل قول الله تعالى : "وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَاللّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ(207)" -البقرة-.
كما أسروا وحبسوا منهم مَن حبسوا، وهم يرومون فتنتَهم عن دينهم ...
هكذا أُخرِج المهاجرون من ديارهم وأموالهم، وهكذا كانوا يرون للحياة معنى في حياة الدين، فكان هواءَهم الذي يتنفّسون، وكان ماءَهُم الذي يشربون، وكان غذاءَهم الذي تقوم به أصلاب وأعوادُ أرواحهم الخفّاقة في دنيا جديدة كل الجِدّة... !
دنيا لا تعرف قريش سِرَّ الحياة فيها، ولا تفهم معنى أنها التي تُبقيهم رغم إرادتها فناءَهم، وتُعليهم رغم إرادتها حطّهم وإرداءَهم... !
لم تكن قريش تفهم معنى الاعتقاد في الله الواحد العظيم... ! فقد فاتها أن تسمع أو تعقل، فاتها ما لم يَفُتْهُم إذ لم يستكبروا ولم يُعاندوا، ففتحوا أبواب عقولهم وما أوصدوها... ! وبقيت هي تُدندِن بعنادٍ فارغ وبكبرياء خرقاء : هذا ما ألفينا عليه آباءَنا ...هذا ما ألفينا عليه آباءنا... !
 لم تكن تفهم معنى ابتغائهم الفضل من الله الواحد الأحد الفرد الصمد، وهي على كثرة آلهتها حَيْرى، تتخبّط،  تحسب أنّ أدوات دنيا المادة قادرة على أدوات دنيا الروح المعلّقة بالذي نفخها في عبده مؤمنا مصدّقا، قد بَنَتْه مكّة بقرآنها صرحا شامخا، لبناتُه العقيدة، وأعلتْه طَوْدا أشمّا عظيما راسخا ضاربا بأوتاده في أعماق معنى الوجود والغاية من الوجود... !
"يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ..."
هاجروا أرسالا، وقد باعوا الدنيا، وطلّقوها، يبتغون من الله فضلا ورضوانا ... "وعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّي لِتَرْضَى"... بلغوا من القوة أن لم يعودوا يسترضون الكُبراء ليَرضُوا عنهم، وليتركوهم وشأنهم، وليأمنوا جبروتَهم، وسطوتَهم، ويدَ سلطانهم الباطشة ... !  لم يعودوا يُدْهنون صاحب مال وبنين، عُتُلّ زنيم، يقضي بماله كُلَّ مآربه، ويتسلط به على الضعفاء ... !
فخرج بلال الحبشيّ  العبد المملوك، الذي أتعب سيّدَه وجالِده بسياطه اللاذعة ليعود عما اعتنق، وعما اعتقد ... ! ذاك الذي ثبت وهو تحت لذع السياط وثقل الحجر في رمضاء الصحراء القاتلة، يغتذي ويرتوي بـ: "أَحَد ... أَحَد... أَحَد ... أَحَد " ... !
خرج لا يلوي على شيء، وقد قوِي بالتوحيد، ولم يعُد يرى العبودية لغير الأحد ... ! ولم يعد يرنو لغير رضى الواحد الأحد ... !
وخرج عمّار بن ياسر، وقد قتلوا أباه وأمّه، ولكنه الذي تشرّف بوعد رسول الله لهم على صبرهم بالجنة : "صَبرًا آلَ ياسِرٍ؛ فإنَّ مَوعِدَكم الجنَّةُ."... وخرج خبّاب بن الأرت  الذي روى مما أنزلته به سيدتُه أم أنمار ومَن معها : "لقد رأيتُني يوما أخذوني فأوقدوا لي نارا ثم سلقوني بها، ثم وضع رَجُل رِجْله على صدري، فما اتّقيتُ برد الأرض إلا بظهري". ثم كشف عن ظهره فإذا هو قد برِص، وقد كانوا يوقدون له نارا ما يطفئها إلا وَدَك ظهره،( أي شحم ظهره ).
وخرج أبو بكر وحمزة وعمر وعثمان وعلي، وعبد الرحمان بن عوف، والزبير بن العوام  ...وكانوا سادة في قومهم مُهابين، خرجوا والعبيد والفقراء  منهم إخوةً متحابّين، على اعتقاد واحد، وكلّهم بالعقيدة ذلك الأشمّ الراسخ... ! خرجوا ولا فرق بين غنيّ بينهم وفقير، ولا أبيض ولا أسود ... خرجوا وعمر يقول يصف إعتاق أبي بكر لبلال بقوله : "سيّدنا أعتق سيّدنا" ... !
وتزيد الآية  : "...وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"
حملوا على أكتافهم نصر الرسالة والرسول، فكانوا لها، وزيادة ...
كانت أحبَّ إليهم من ديارهم، وعيالهم، وأموالهم، فما وادّوا مَنْ حادّ الله ورسوله، وإن كانوا آباءهم، أو أبناءهم أو إخوانهم، أو عشيرتهم .... !   
إنهم هُم هُم... المُخرَجون من ديارهم، والمُجرّدون من أموالهم،  الذين سينقلبون بعد زمن قصير الفُرسان الأشاوس، الذائدين عن حياض الدعوة والدين، المفتدين له بأرواحهم ...هُم هُم أنفسهم، أولئك المُطرَّدُون، المُخرَجون سيحاربون، وسيَغزون، وسيظْفَرون... ! وقد كتب الله الإيمان في قلوبهم بما قدّموا، و أيّدهم بروح منه، فكان الروح التي بها حيُوا... ! 
هؤلاء الأفذاذ السابقون الأوّلون، يختم الله سبحانه الآية بوصف جامع لخصالهم الفذّة :  "أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ"
ومَن ذا يصفهم بالصادقين ؟ ! إنه الله سبحانه جلَّ في عُلاه، عالم الغيب والشهادة، العليم الخبير، الذي يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، العليم سبحانه بالنوايا والدواخل ... إنهم الصادقون ... !
طوبَى لهم فطوبى ثم طوبى لهم فطوبى ... !
يُخرَجُون من ديارهم وأموالهم عُراة حُفاة، وهم الميمّمون شطر دار هجرة لم يعرفوها، ولم يألفوها، وليس لهم فيها من قرابة ولا أهل ولا ديار ولا مال،  صَوْب أرضٍ جعلها الله تعالى  مُهاجَرَ نبيّه.
يُخرَجون مؤتمِرين بأمر الله ورسوله ...فكانوا الصادقين، وأيّ شهادة عظيمة هي للمهاجرين من ربّ العزة سبحانه بصدقهم ... !
صدقوا الله فصدقهم الله ... خرجوا يبتغون فضلا من الله ورضوانا، وخرجوا نصرةً لله ورسوله، والصدق منطلقهم، وأصل فعلهم...
#سورة_الحشر
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب