المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7835 مرات)

0 الأعضاء و 0 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #260 في: 2026-04-05, 16:20:30 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

 emo (13): emo (13): emo (13): emo (13):


في قوله تعالى : "وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ(90) " -يونس-
قصة عظيمة هي قصة موسى عليه السلام عند خروجه بقومه...!!
وإنك إذا لملمتَ أجزاء القصة المنتشرة في آيِ القرآن الكريم من سور مختلفة، لغدتْ أمام عينيك وكأنها المتمثّلة بشخوصها، وأدواتها، وحركاتها... وبتفاصيلها...!
فتجدكَ في قلب المغامرة، في قلب الحدث، وكأنما انتقلتَ إلى زمانهم، وإلى مكانهم، فالبحر من أمامك، والعدوّ من ورائك ....!
وإنّ قلبك ليرجف وليهتزّ هلعا، وخوفا على مصير موسى وقومه، في لحظات حاسمة، خطيرة، مصيريّة ....لحظة لا يتبيّن فيها المصير أإلى خير ونجاة، أم إلى هلكة وفوات ...!
تجدُك مع الآيات تُسلط الضوء حينا على موسى، وعلى أتباعه حينا آخر، ولا تنفكّ مراقبا لفرعون وجنده، ويدك على قلبك المنخلع خوفا من مصير خطير مُحدق....!
إن الآية التي بين أيدينا من سورة يونس، تبيّن في إيجاز مُنجز مُعجز، كيف أن الله تعالى جاوز ببني إسرائيل البحر، وكيف أتبعهم فرعون وجنوده، وكيف أدرك الغرقُ فرعونَ ....!
إنها لكلمات معدودات تصف الحدث، لتنتهي إلى مصير فرعون، وحاله وهو يغرق...
ولكنّ الجوامع التي بين يديّ تشوّقني للتفاصيل؟ فهل لي أن أعرفها ؟!
لسائل يقع على هذه الآية، ولم يقع على غيرها أن يسأل: تبدو قصة فريدة، فهل من تفاصيل؟
ولمن يبحث، ويجول بين حنايا القرآن أن يأتي بها شافية وافية كافية ....  !
لقد خرج موسى بقومه خفية عن فرعون وشيعته، ليلا على حين غفلة منهم : "فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23)" -الدخان-
فلنتأمـــــــــــــــــــــــل...!
إنّ موسى عليه السلام لما خرج ليلا بقومه، ممتثلا لأمر ربه، لم ينجُ من اتباع فرعون له، ولكنّه بالمقابل قد نجا نسبيا، نجا بأن قطع بقومه طريقا بلّغهم شاطئ البحر، نجا بالقدر الذي جعل بينهم وبين فرعون وجنوده مسافة لها دورها وإن لحقوا بهم... وإن اتبعوهم...
والقرآن يومِض في عقل السائل والمتتبّع للتفاصيل، بمفتاح جديد ... !
وذلك في قوله تعالى : "فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ(60)".... لقد أتبعوهم مشرقين... وبين الليل والإشراق مسافة، لا بدّ أن لها دورا ...لا بدّ... وإن اتبعوهم ...
إنه الإشراق... إنها الشمس تُسفر بجدائلها عن انقضاء الليل، وابتداء يوم جديد...
أتراه سيكون جديدا مشرقا في حياة بني إسرائيل، أم تُراه سيزيد إلى ظلمتها ظُلمة ؟؟!!
أين سيذهب موسى بقومه؟ أين يفرّ بهم والبحر من أمامه والعدوّ من ورائه ؟!
أمِن أمل في لجّ الخطر المُحدق؟!
إنني لأراني أعود القهقرى... قليلا إلى الوراء... إنها عودتي وحدي إلى الوراء، ذلك الوراء الذي فيه كل الوبال على بني إسرائيل، وإن هلاكهم لفي خطوة واحدة إليه ....!!
أما أنا فعودتي إليه لنتأمل... !
لنتأمل دقة الكلمات القرآنية، ودقّة مواضعها ...!
لنعرف تصديق القرآن بعضه بعضا..."فأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ" ...!
"إنكم متبعون" مؤذنة باتباع فرعون لهم، إنه سبحانه قد أعلم موسى مع أمره بالخروج ليلا، أعلمه أنهم متّبعون... ولا بدّ أن من شأن هذا أن يحثّ في نفس موسى عليه السلام الأخذ الأقصى بالأسباب، فلا يُستبعد أنه قد كان القائد المسرِّع لقومه، يوازن بين التخفّي والإغفال من جهة، وبين تسريعه قومه من جهة أخرى...
وإن لنا أن نتخيل خطورة هذه المغامرة على موسى وهو قائد لكل قومه، فإما بهم إلى نجاة ومَنعة، وإما بهم إلى هلاك ولوعة...!! هلاك لو خُيّروا وهم يُحدَّثونه لاختاروا بقاءهم على ذلّهم وعبوديتهم...!
ولكن... ماذا سبق كل هذا ؟؟
** لقد سبقه توكّل بني إسرائيل على الله ... "فَقَالُواْ عَلَى اللّهِ تَوَكَّلْنَا"
** لقد سبقه دعاؤهم الله ألا يجعلهم فتنة للظالمين وأن ينجّيهم "رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ* وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ"
** لقد سبقته قيادة موسى قومه أولا إلى الصلة بالله قبل أن يقودهم إلى النجاة "وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ "
** لقد سبقه دعاء موسى عليه السلام على فرعون وملئه "رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ"
** ولقد سبقه أيضا إعلام الله نبيَّيْه أنه قد أجاب دعوتهما "قالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا "
** ولقد سبقه امتثال موسى وهاورن عليهما السلام لأمر الله تعالى بالثبات والاستقامة "فَاسْتَقِيمَا وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ"
لقد كان كل هذا من قبل، لنكون اليوم قُبالة هذه المشاهد الحيّة، في غِمار هذا الحدث العظيم، هذه القيادة الرائدة لموسى، والبحر من أمامه والعدو من ورائه ...!!
إننا لا ننفكّ نلتفت إلى الوراء، حيث فرعون وجنوده...
لا ننفكّ نرقب تحركات ذلك الظالم المتجبرّ المتكبرّ المتألّه، وهو وجنوده يلحقون بموسى عليه السلام وأتباعه ...!
إن الضوء مُسلط الآن عليه ...!
تُرى ألَحِقَ بالقوم ليناديهم ويُسمعهم صوتا حمائميا مسالما، وليبثّ عهود الأمن والأمان، وليوادعهم ويحفظ لمملكته قوما لطالما سخّرهم لخدمته، ولخدمة ملكه ... ولطالما كانوا عبيده وطوع إشارة من بَنانه وأمر من لسانه ...؟!!
ها هو القرآن، يفصّل، ويُبين، فلا يترك لقائل أن يتقوّل بغير حقيقة الحال، من الآية ذاتها التي بين أيدينا "فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً"...!
ظلما وجورا، وغاية في الاعتداء، وتماديا في الجبروت، وإسرافا في التألّه ...!!
فأيّ جرم اقترفه من غادر أرضه ووطنه، مفرّطا بحقّ من أعظم حقوقه، منقلعا من جذوره، لائذا بالفِرار...؟!
أي جرم اقترفوه وهم إذ يفرّون، يهيمون في الأرض على وجوههم، لا يدرون أيّها مأواهم، وأيها ملاذهم ...؟!
لقد حكمهم بغيا وعدوا، واتبعهم وهم فارّون بغيا وعدوا ....
ماذا تُراه سيفعل موسى؟؟
إنه الإشراق، إنه الصبح، إنه العدوّ يتبع، وإنه على آثاره وآثار قومه، لا يغادر...لا يرجع.. لا يَني ...!
وها هو القرآن مرة أخرى يومِض، ويضيئ حجرات مظلمة في العقل السائل ...
ها هو الضوء من هناك يأتي بمفتاح جديد... بحبكة من حبكات هذه القصة، لتتلاحم كلها، فتنتج مشهدا متكاملا، متناسقا...
لقد أوحى إلى موسى ربُّه، لقد علّمه ما يفعل ..."وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى(77)" -طه-
فموسى عليه السلام يعلم أنّ عليه ضرب طريق يبس في البحر ... ذلك كان عنوانا... ولكن! كيف سيضرب لهم هذا الطريق؟؟!
لقد بلغت قلوب بني إسرائيل الحناجر، حتى قالوا وأعينهم ترقب العدوّ من خلفهم يلاحقهم، "إِنَّا لَمُدْرَكُونَ "....
عندها ردّ عليهم موسى بيقين العبد المتوكّل على ربه، الواثق به عظيم الثقة، وبهدايته إياه ...!
"قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ(62)"-الشعراء-
يوقن أن ربه سيهديه، سيعلّمه الطريقة، سيُجليها له .... تيقّن أن معه ربه... "سيهدين"
ليأتي بعد يقينه، وبعد كلماته الموغلة في الإيمان بمعيّة الله، بفاء العطف التي تفيد السرعة في الإجابة والهداية.... "فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ(63)"
فضرب البحر... فانفلق... فكان كل فرق كالطود العظيم...
فاءات ثلاث متعاقبات دلّت كلها على سرعة في التعليم والهداية، وسرعة في العون والكفاية ...!
فيجاوز الله ببني إسرائيل البحر، (في آيتنا هذه) .... ويتبعهم فرعون وجنوده، ولكنّ هذا الاتباع، هو اتباع على الطريق اليبس الذي مُدّ في البحر، اتباع على ذات الطريق الذي لم يكن لعقل أن يتخيّله في البحر مُمَهّدا للخطوات ...! اتباع على الطريق الذي ما فتئ بنو إسرائيل يفرحون به خلاصا حتى فوجئوا بالعدوّ عليه يقتفي الخطوات ...!
إن الخطورة ما تزال مُحدقة .... كيف لموسى أن يدفع هذا الخطر المُلازم ؟؟!
إن الأمر سيّان ففرعون وجنوده يستطيعون إدراكهم واللحوق بهم، بل إنهم على خطاهم على يبس البحر ...!! أيضرب موسى في البحر مرة أخرى بعصاه ليعود بحرا بلا يبس؟؟
إن الحلّ هنا... غير بعيد .... إنه مع أمره موسى أن يسري بالقوم ليلا، قد علّمه ما يصنع بالبحر !!
"فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ(23) وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ(24)" -الدخان-
على نسق أمره سبحانه له باتخاذ السبب، مع بيان اتباعهم له رغم اتخاذه السبب، يُعطَف قوله تعالى : "وَاتْرُكْ الْبَحْرَ رَهْواً إِنَّهُمْ جُندٌ مُّغْرَقُونَ"
إنه الأمر مع النّذارة، يليه الأمر مع البشارة ...!
لا تفكر في حلّ جديد لينقطع الطريق على فرعون وجنوده، اترك البحر على حاله، جبالا مائية يتخللها اليبس ... اتركه رهوا، إنهم جند مُغرقون ...!
سيتكفل الله بإرجاع البحر لسُيُولته ...أجل لقد تكفّل سبحانه بذلك ....بإرجاع البحر لأصل حاله، مع نجاة كل قومك، وإغراق فرعون وكل جنده ...
لقد أطبق الله جبال الماء عليهم فأغرقتهم .....!
وتلكُم كانت نهاية هذه القصة العظيمة ... 🙂 بمشاهد متحركة حيّة ... بأضواء مُسلطة على كل موقع... بحبكات منتظمات انتظام الخرز في سلسلة متّسقة منسجمة لا يفرّقها فلل، ولا يشوبها ثَلم...!
وهذا هو القرآن يفرّق الأخبار بين ثنايا السّور لتجتمع في مشهد حيّ متحرّك محتبك متكامل لا تُداني جماله أروع وأحدث ما تصوّره تقنيات وصناعات البشر...!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #261 في: 2026-04-05, 16:25:56 »
☀🌴💦في سورة الأعراف العظيمة ...☀🌴💦
موسى عليه السلام وهو يخاطب فرعون...
فكان أول قوله له، أنه رسول من رب العالمين، وأنه ما جاء إلا بالحق من عنده سبحانه ...
"وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105) "
💎لقد أراد موسى هدايته بالآيات أولا :
" فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ (44)" -طه-
فالرسول لا يروم ملكا ولا سيادة ولا جاها، بل يروم الهداية والحق لعباد الله...
وهذا فرعون من أعتى من عرفت الأرض، لم ينِ موسى عليه السلام في هدايته، وهو يأتمر بأمر ربّه فيه ...
💎أما حاجته الثانية في فرعون، فأن يرسل معه بني إسرائيل، ليحرّرهم مما كانوا يرزحون تحت نيره... من استعباده لهم ...
"...فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)"
فأما الهداية، فقد أعرض عنها فرعون، رغم ما جاءه به موسى -عليه السلام-  من آيات :
"قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108)"
ولقد قال فرعون ما قاله من خلفه ملؤُه، وقد جاء عن قوله بما قاله الملأ في سورة الشعراء : " قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35) "-الشعراء-
لنجد الملأ في ها هنا في آيات سورة الأعراف، يقول بعضهم لبعض بما قال فرعون :
"قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110)"
💧لقد أعرض فرعون وقومه عن الهداية، التي كانت مُراد موسى الأول ...
💧ولقد أعرض فرعون عن مراد موسى الثاني،  عن إرسال بني إسرائيل معه ... !
بل لقد رموا موسى عليه السالم، واتهموه بغير ما قال، وبغير ما جاءهم لأجله، فقلبوا آية الهداية البينة سحرا :
"قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَٰذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34)"
وقلبوا حاجته بتحرير بني إسرائيل، وأن يُرسَلوا معه، حبّ إخراجهم من الأرض، والتسلّط عليها :
"يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)"
وإنما أراد إخراج بني إسرائيل، وتحريرهم ...  !
وتآمر فرعون وملؤه في شأن موسى عليه السلام، فرأوا إرجاءه حتى يجمعوا كبار سحرة البلدة...
فاجتمع السحرة إلى ميقات يوم معلوم، فكانوا أول من عرض ما عنده، فسحروا أعين الناس بما أتوا من سحر، ثم جاء دور موسى عليه السلام فألقى عصاه، فإذا هي تلقف إفكَهم وكذبهم...
فغُلبوا، وخرّ السحرة ساجدين مؤمنين، مذعنين لله تعالى، وقد عرفوا أن آيات موسى عليه السلام هي الحق من عند الله ...!
"فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122)"
فماذا كان من فرعون ؟؟؟ !
ماذا تُراه سيصنع، وسحرتُه المأتمرون بأمره، ينقلبون عليه، ينقلبون مؤمنين، خاضعين خاشعين ...
لقد استرهبهم فرعون، وتوعّدهم لما رأى منهم من الإيمان والتسليم،
وإنهم لم يرهبوه، بل أصروا على إيمانهم، وثبتوا، واستعانوا بالله تعالى، وسألوه الصبر على كل وعيد فرعون ... ! على تقطيعه أيديهم وأرجلهم ... !
تأمـــــــــــــل...!
لقد انقلب فرعون على سحرته، كما انقلب  على موسى عليه السلام ... !
هؤلاء الذين قال لهم قبل وقت قصير مما كان، أنهم المقرّبون ... انقلب عليهم هم أيضا، بل واتّهمهم هُم أيضا ... !
" قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) "
أنتم أيضا ماكرون، أنتم متمالئون مع موسى، لتخرجوا أهل المدينة من مدينتهم ... !
وإنه يريد نفسه ويواري بأهل المدينة... يريد مُلكه ويواري بالرعية!!
هو ذا فرعون مقيم على خيالاته ! مقيم على تصوّراته هو ... !
هو ذا يحيد عن المُراد، وعن الحقيقة إلى ما تُصوّر له نفسه الخبيثة ... !
يتصوّر من أهل الحق، ودعاة الحق ما هو طبع فيه  !  من أهل الحق والهداية ما هو مركوز في طويّته من سوء، ومن  مكر ومن خداع ...!
هذا المتأله، حينما يُمسّ في جنابه ! حينما يلقى ممن تعود منهم الطاعة العمياء العصيان والتمرّد ... ! يسارع أول ما يسارع إلى تكفيرهم، وهو يرى منهم معارضة،  مجرد معارضة!
"قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ"
هكذا يرى المتجبر، المتسلط، الذي أعماه الغرور، وشهوة السلطان، ومن فوقهما رضى عبيده بالعبودية له...!
يرى أنه لا ينطق عبد له بغير ما يريد، بغير ما يأذن به هو ... !
فهي ذي ثائرته تثور ... وهو يلقى العصيان ... !
فيقرّر أنّ هذا ليس إلا من مكر، ومن تمالُؤ ... ومن تخطيط مسبق ... !
لا يستطيع المتأله، المتجبر، الطاغية أن يفهم سرّ الهداية والاهتداء ... !
لا يستطيع أن يستوعب أنّ للحق نورا يُلقى في القلوب التي تبصره، فينعكس إيمانا، وتحررا من كل أشكال العبودية ... !
ينعكس تحررا من كل أشكال العبودية ... عبودية البشر للبشر ... عبودية البشر للأهواء ... ! عبودية البشر للشيطان ... !
ينعكس تحررا، رأسه العبودية لله الواحد الأحد، الحق الديّان سبحانه ... !
فيعمَد الطاغية أول ما يعمد لسلطان القوة يُرهب به أهل الإيمان، أهل النور الذي عمِي عليه، وعلى قلبه، وقد طُبِع عليه ... !
يعمد للقوة يُرهب بها أهل الإبصار ... ! يعمَد للعمى الذي مُني به على العمى يحارب به المبصرين...!
فلا أرى فرعون وهو يفعل، وهو يقول ما يقول، إلا ذاك الضعيف.! ذاك الذي جُنّ جنونه، وهو يرى سلطانه في خطر ... ويرى كلمته فيمن تعوّد استعبادهم يُصَمّ عنها، فلا يُسمع لها ... !
إنه جنون السلطان ... وعمى السلطان ... !
وبالمقابل ...
أي قوة قد أصبحت في السّحرة ؟؟ ! فيمن كانوا قريبا عبيدا للسلطان ... طوع أمره ونهيه فيهم ... !
أي قوة قد أصبحت فيمن انقلبوا من الكفر إلى الإيمان ... وهم يتحدّون به السلطان... وأي سلطان... !
فرعون بجبروته، وتسلطه، وتألّهه... !
فاسمع يرحمك الله... اسمع للمؤمن وهو يتترّس بالقوة العظمى.... !
وهو يتقوّى بالقويّ سبحانه، والإيمان فيه قد غدا السلاح الأمضى من كل قوة ومن كل شوكة، ومن كل جنود هي لفرعون ذي الأوتاد !
اسمــــــــــع ....
"قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126)"
وتلكُم قد غدت غاية أمانيهم ....!
أن تميتنا مسلمين ... !
لم نعد نهاب الموت، ولكن صرنا نهاب أن نموت على غير الإسلام ... !
ومازال فرعون ماضيا في غيّه، ثائرا ثورته الجنونية، لا يدري ما يصنع في قوة جديدة، يراها قوة عظيمة، لا قبل له بها... لا قِبل لسلاحه وجنوده بها...!  لم يكن يعرف عنها ... !
ليست بسلاح، ولا بجيوش، ولا بجنود، ولا بمادة ... !
لم يعرف سرّها... لا يفهمه أمثاله، فلا يملكون إلا التخبط والثورة واستحضار المادة كلها... يخال أنها كافيته، ولكنه يعلم انها لا تكفيه... لذلك يُجنّ على الجنون على الجنون...!
قوة أذهلتْه، أذهبت رشدَه، أذهبت عقله، فما عاد يفكّر، بل تحرّكت فيه البهيمية وكل ما يظهر وما يكنّ من شرّه، حركت فيه الترصّد للافتراس ... !
" قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127)"
وبالمقابل ... هذا موسى عليه السلام، وهذه قوّته التي لا تقارَع، ولا تُغلَب :
قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) "
استعينوا بالله ....... !
تِلكُم قوتهم، وذلك حاديهم على درب الصبر، والثبات أمام عدوّ، قد يبدو لمن يحتكم للمظاهر أنه أهل قوة وسلاح ومادة، ولكنه لا يدري أنه الذي يألم ... ويألم ويألم ... !
يألم ألما خاصا، ألما مبرحا ... وهو الذي لا يرى فوق قوته قوة، فإذا الذي هو أدنى منه مظهر قوة، قد أتعبه، قد أضناه، قد جعله مضطربا، متململا ... لا يهدأ ولا يطمئن ... !
إنه الذي لا يستوعب سر تلك القوة ...
لا يستوعب سر : "استعينوا بالله"
وهذا حال كل متجبر في الأرض في كل زمان، بقوة وسلاح ومادة، وهو يرى نفسه في الأرض الإله ....
ضعيف، ضعيف، أمام مؤمن قويّ بإيمانه ... لا أمام من يدعي الإيمان عنوانا ...!!
فيا ليت قومي يعلمون  ...!
#سورة_الأعراف
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #262 في: 2026-04-05, 16:26:22 »
🌾🌹🌾🌿في سورة الأنفـــــــــــــــــال  ...🌾🌹🌾🌿
سورة جاءت بعد غزوة بدر،  أول لقاء كان بين المؤمنين والمشركين، أذلّ فيه الله أهل الكفر، وأعزّ أهل الإيمان ...فكانت فرقانا بين الحق والباطل ... وكانت بابا فُتِح للمسلمين على العزّة والمَكنة ...
جاءت بعد اختلاف الصحابة حول الأنفال، حول غنائم الغزوة، إذ جعل كلّ فريق منهم يقول بأحقيّته وأوّليّته في تحصيلها...
عن عُبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : ((( فينا مَعشَرَ أصحابِ بَدرٍ نَزَلَتْ حين اختَلَفْنا في النَّفَلِ، وساءتْ فيه أخلاقُنا، فنَزَعَه اللهُ مِن أيدينا، فجَعَلَه إلى رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، فقَسَمَه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فينا عن بَواءٍ، يقولُ: على السَّواءِ.)))
فنزلت السورة، ونزل صدرُها يبيّن للمؤمنين أن الأنفال من أمر الله تعالى، وأنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو من يتولى تقسيمها بأمر الله ...
وإنّك وأنت تقرأ أولى آياتها :
" يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ..."
لَتحسِب أنّ ما سيأتي بعد هذا المقطع من الآية هو أمر الله في الأنفال، وتفصيله في  تقسيمها ... !
ولكن .... !!  لم يكن ذلك ... !
إنك لتقرأ من السورة وتقرأ... وأنت لا تقع على آية تقسيم الأنفال .. وتزيد فتقرأ وتقرأ ولا تقع عليها ... !
إلا بعد قطاع طويل من الآيات ... جاء فيه الكثير الكثير من أوجه التربية والهدايات، والتجليات من الله سبحانه لعباده المؤمنين في ذلك الزمان الأول من السابقين، وفي كل زمان ...
إنّ الغاية العظمى منكم أيها المؤمنون في الأرض ... يا مؤمني ذلك الزمان الأول، يا أيها الرعيل الأول من السابقين ...  ويا مؤمني كل زمان ... !
إن الغاية من وجودكم في الأرض أعظم وأكبر وأسمى من غنائم، وأنفال، وفوز بالأموال، وبالسلاح وبفاخر الثياب والعُدّة ...
إن الغاية من وجودكِ أيتها الجماعة المؤمنة المتفردة، أسمى من مادة تزول، ومن غُنم يذهب، ومن زينة مهما بلغت قيمتها هي إلى زوال ...
نعم ... إن الغنائم حقّ لكم لن يُحرّم عليكم ...بل هو لكم حِلّ ...
ولكن ... ! لن تجدوا أول ما ينزل من سورة "الأنفال" في شأن الأنفال ... !
لا بل هو في شأن أهم، وفي غاية أسمى، وفي تذكرة أَولى ... !
دعوكم من أمر المادة –وإن كانت حِلا من الحلِّ وطيّبا من الطيب- ...
دعوكم منها، فإنها ليست الأُولى، ولا الأَولى ....
بل إن الأَولى لكم، والأقوم لأمركم، والأحفظ لجماعتكم :
"...وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)"
أن يُصلَحَ ما يفسد من ذات بينكم، أن تُعاد مياه أخوّتكم إلى مجاريها المنسابة، إلى سابق العهد من الإيخاء والترابط والتلاحم والتراحم ...
ذلك هو أول ما يُسعى منكم لتحصيله، لإعادته إلى سابق صورته الأصيلة الجميلة، ما يُسعى  للفوز به ... !
وتأمل اللغة وهي تُنبيك عن الأنفال... !
هي جمع "نَفْل"، وهي الزيادة التي تُرجى من الحرب، إذ أنّ  غاية العرب من الحروب كانت إبادة الخصم، والنصر عليه، والأنفال هي ما زاد عن هذه الغاية  ...
فسورة الأنفال ... بما تعرِض من آيات مفصّلة في شأن الأخوة وإصلاح ذات البين، ومعنى الإيمان الصحيح ...تُجلي لك أن الأنفال، ليست الغاية الأسمى لجماعة المؤمنين... بل إن ذات بينهم، والحفاظ عليها، ورأب الصدع فيها إذا ما طرأ طارئ صادع أولى أولوياتها، وأقدس حركاتها ... !
أما المادة، والغنيمة ... فليست هي الأسمى، ولا هي الأعلى ... ولا هي التي لأجلها يحصل الشقاق، ويحصل الخلاف بين المؤمنين ... !
إنها الأنفـــــــــــال ... إنها الزائدة ... ! وليست الفرض ... !
إن الفرض الذي يجب أن تحافظوا عليه أشدّ الحفاظ، وأن تحرصوا عليه أكبر الحرص هو وحدتكم، أخوّتكم، دوام اجتماع قلوبكم ...
ثم انتَبـــــــــِه .... إنك مع آيات مواليات ... إنك مع الثالثة والرابعة ووو ..
إنك مع ما هو فرض فيكم ... !
أيتها الجماعة المؤمنة ...أيتها الأمة الخاصة، التي هي خير أمّة أخرِجت للناس ... للناس كافة، هداية ونورا وطِبّا لعللهم، ولعلل الأرض وأدوائها ...
"إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (2) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4)"
""إنَّمَا"" ...أداة  قصر ...
لينتبه المؤمنون وهي تنزل في شأنهم ...وفي شأن الإيمان ...
لينتبهوا إلى الصفات التي ستأتي بعدها، وأنها هي وحدها دون غيرها صفات المؤمنين حقا حقا .... !
💧إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ💧:
💎إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ.
💎وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آَيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا.
💎وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ.
💎الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ.
💎وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ.
💧أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا💧
فأي حال هو عليه جماعة الصحابة الذين اختلفوا، وتنازعوا في غنائم بدر ؟؟ !وهي تنزل فيهم ...
ولكأني بهم وهم يسمعونها ... لكأني بوجوههم، وبقسماتها ... !
إنهم الخاشعون، الذين يسمعون للآيات وفيها صفات المؤمنين، وكأنهم يعرفونها أول مرة ... !
إنه وقع الذكرى، إنه وقع التربية الربانية، والتوجيه الرباني لعباده ... !
سبحانه وتعالى لم ينكر عليهم أن يسألوا عن الأنفال، بل قد بدأ ببيان أنها التي لله تعالى، ولرسوله،  بأمره سبحانه يتولى صلى الله عليه وسلم تقسيمها بينهم ...
لم ينكر عليهم حاجة بشرية، ولا دافعا بشريا ... ولكنه، علمهم وهو يشير إليها إشارة، ويلقي بالحسم فيها، دون تفصيل في شأنها، ثم يبسط سبحانه لما هو أولى، للمُراد من الجماعة المؤمنة في الأرض ...
وتقرأ وتقرأ... ولا تبلغ آية تقسيم الأنفال حتى تستوفي اللازم والواجب من التقويم والتذكير للحفاظ على خصوصية الجماعة المؤمنة في الأرض...!
ومازالت "الأنفال" تدرّ علينا من نفحاتها... ومازلنا لم نبلغ آية تقسيمها...!
وغدا بإذن الله  موعد معها جديد في تتمّة ...
#سورة_الأنفال
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #263 في: 2026-04-05, 16:26:51 »
⚱️☘️في سورة يـــــونس ...☘️⚱️
""وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37) ""
ما كان هذا القرآن  أن يكون من عند غير الله، أن يكون  كلام أحد من دون الله تعالى ...
ليس القرآن من عند أحد سوى الله سبحانه ...
هذا إقرار من الله تعالى على علويّة مصدر هذا الكتاب العظيم ..
وإنك بإيمانك وتصديقك بالله تعالى، وبكلامه، وبتقريراته سبحانه، تصدّق كلام الله هذا في القرآن العظيم ... تصدّق هذه الآية، ولا ترتاب، وتعلم أنها حقّ ويقين...
ولكن ... صبـــــــــــــــــرا ... !!
إن هناك ما يجعلك تستيقن بالدليل وبالحجة، وبملامسة الحقّ في هذا الكلام ملامسة ... !
أجل ... هناك ما يجعلك توقن يقينا لا يتسرّب بعده شك أو ريب، أن القرآن ليس إلا كلام الله ... !
سأخبرك... !  ولكن أقبل معي إلى الآية  الموالية :
""أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) ""
إنهم يقولون أن محمدا –صلى الله عليه وسلم- هو الذي افتراه من عنده، وقال أنه كلام الله ... ! هكذا قال المشركون...
فيتحدّاهم الله سبحانه، أن يأتوا بسورة مثله، وأن يتظاهروا هم وكلّ من يستطيعون إليهم سبيلا، ليجمعوهم، وليعملوا معهم على الإتيان بسورة مثل القرآن ... ! ولقد تحداهم في آية البقرة أن يأتوا بآية واحدة من مثله، ليجتمع التحدّيان، ويجتمع تقرير عجز الإنسان عن الإتيان بالأصغر بلْه الأكبر ... !
هذا التحدّي الإلهيّ المعجِز الذي وجهه الله تعالى للمشركين ...
وما علمناهم، وما روى لنا التاريخ أنهم جاؤوا بسورة من مثل القرآن الكريم ... وهُم مَن هُم فصاحة وبلاغة، ومعرفة باللغة وتمكّنا من أدواتها ...
واصبــــــــــــــــــر... !
إنّ ما أردتُه من ملامسة عقلك لأداة اليقين من أن القرآن كلام الله تعالى، موطنه  في الآية الموالية  ... فاسمع ...
"بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)"
" بل"   حرف إضراب، تبطل ما كان قبلها، تنفي تقوّلهم أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم افتراه  . وتعطي الدافع الذي جعلهم يتقوّلون، ويخرصون :
💧كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ
💧 وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ.
لم يتعرّفوا على القرآن، لم يتدبّروه، لم يبحثوا في معانيه، وفي بلاغته، وفيما يحوي، وفيما نزل لأجله ... ! لم يتقربوا منه ... ! لم ينظروا فيه...! لم يدعوا المجال لعقولهم أن تسيح في أرجائه ... !
من قبل أن أبلغ هذه الآية، استشعرت هذا السبب، وأنا مع كلّ تدبر لي في آيِ القرآن العظيم ... كنت أزداد يقينا على اليقين أنّه ليس إلا كلام الله، ومحال أن يكون كلام بشر كائنا من كان ... !
مع كلّ سورة أعايش آياتها، مع كل آية تسوقني إلى أختها... مع كل آية تضيئ للاحقتها، كنت ألتفت إلى نفسي المنبهرة، أهدّئ من روعها بالنبأ اليقين ... !  نفسي المنبهرة من روعة الحَبْك، ودقّة النظم، وملازمة الترابط، وتساوق المعاني، ومخاطبة العقل، وثراء خطابه بالدليل والبرهان، وشفائه لغليل السائل، وقضائه لحاجة الباحث ... !
مع كلّ سورة كنت أعايشها ... كنت أقول : ألا ليت قومي يعلمون !! ألا ليت قومي يعلمون !!
مع كل فتح من الفتاح العليم سبحانه، صاحب الفضل والمنّة، بفهم ما وراء المعنى القريب، وتبيّن الإشارة، إلى ما هو أبعد، إلى ما يُسفر بعد إشارة أو إشارتين أو أكثر ... !
يُسفِر، ويصرّح ويتضح من بعد الإشارة والتلميح ... كنت أرفع صوت عقلي المرتوي، وقلبي المُغذّى لأسمِعه مَن حولي وأنا أقول: وأي شيء كالقرآن إلا القرآن ... !
أيّ إبداع !  أي نظم ! أي حلّة موشّاة بديعة، متكاملة الأطراف، متناسقة، متسقة ... ! أيّ شيء أروع، وأي شيء أكمل، وأي شيء أعظم من هذا الكتاب العظيم ... !
كنت أُعلي صوت قلبي الذي امتلأ للقرآن حبا على الحب، وولِه به، وازداد بالتقرب منه يقينا على يقين، أعليه ليسمعه غيري...
يا ليتكم تعلمون ... يا ليتكم تعلمون ... ! لتستيقنوا أنه كلام الله ... ! المِسوا الحقيقة بأيديكم، بالعقل فيكم وهو يوغل مع المعاني، فيُؤخَذ خطوة فخطوة من نور إلى نور، يضيئ حجراته كلّها، ويشعّ فيها حقا وحقيقة، والعقل يتفتّح لأنواره، ويُشرق بها على النفس، لينتشر نورُه في الأرض، وهو الذي وجد فيه عمله، وهو الذي يحثّه ليعمل، وهو الذي يعرف كيف يجعله يعمل ... !
مشرك ذلك الزمان الأول، وكل كافر في كل زمان ...كذّب بما لم يحط بعلمه، كذّب بما لم يتقرب منه، ولم يبحث في ثناياه النورانية ... ! كذّب به دون نظر فيه ... دون تعقّل، دون تريّث ...
كرِه النور، وآثر الظلمة لغايات في النفس ولأهواء غشّت العقل، وغشت التعقّل ... أو اتبع عن عمى، والهوى سائقه إلى حيث يحسب أنه المحسن صنعا ... !
في القرآن، تنكشف لك نفسُك... يواجهها، يكشف بواطنها، يعرّيها، يتعامل معها مجرّدة عن كل زيف، وعن كل كذب وعن كل ادّعاء ...
تقع على قصتك، قصة وجودك في هذه الدنيا، والغاية من وجودك ... الغاية من حركتك في الدنيا ...
تُدعى لقانون سويّتك، وسرّ فلاحك ...ودستور نجاتك، وعلوّك، وتحقيقك للتكريم الذي حظيت به من بين كل خلق خالقك ... !
في القرآن، تكتشف أسباب ضعفك، وأسباب قوّتك، وأسباب ضعف الجماعة، ومنهضاتها من كبوتها، وموقظاتها من نومتها ... !
في القرآن تمتثل لك قواعد القوة، والمكنة والسيادة بالحق والعدل...
كما تتبيّن لك حقائق أعدائك، حقيقة ضعفهم، وهم أعداء الله، وأعداء أمره،  بدءا بالشيطان عدوّك الأكبر، وضعيف كيده،  إلى كل عدوّ من الإنس يترصّد لدينك، وللحق والعدل في الأرض ... لتكتشف ضعفه، وهوانه، وهو القائم على هواء ... وهو المنقطع عن رب الأرض والسماء ... ! وهو الذي يحسب أنه على شيء ... ! ولا شيء في شيئه الذي يحسب ... !
بينما أنت الموصول بربّك أيها المؤمن ... والقوة فيك لا فيه ...
في القرآن ...قواعد العزة والسؤدد، تُفرش لك وِطاء، فإما أن تسير عليها، وتعمل بها فتفلح، وإما أن تتخذها ظهريا، وأنت لا يطولك منها غير حظ الحروف، لا شيء غير الحروف ... !
لا تستشعر حياتها التي تدبّ، لا تستشعر روحها المُحيية، فلا تنفخها فيك لتحيا ... !
إنه الروح لحياتك ... فروح فيك تحرّك الجسم منك، وروح هو، إما أن تنفخها في روحك لتحيا الحياة التي أرادها الله لك ... ! وإما أن تبقى علاقتك بالرسم والحرف، فلا تدبّ فيك حياة الروح، حياة القرآن، الذي هو معنى حياتك، حياة هي الحق المطلق، لا حق في غيرها... ولا نسبية في كونها الحق...!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #264 في: 2026-04-05, 16:27:24 »

سورة الحجر العظيمة ... تصوّر طرفا من حال غزة اليوم، ومن حال عدوّها وعدوّنا ...
فتأمــــــل ...
سورة يتناغم اسمها وموضوعها أيّما تناغم ... !
"الحِجـــــر"  إشارة إلى أهل الحِجر، قوم ثمود الذين كانوا في الجزيرة العربية، وجعلوا من مقامهم وموطنهم "حِجرا" فأحاطوا أنفسهم بكل وسائل التحصين والحماية...
"الحِجر"  مشتقة من حَجَر أي منع، حجَر على موضع أي منع الناس من دخوله...
والحِجر هنا هو مكان سكناهم الذي حصّنوه، وجعلوه ممنوعا على الأعداء عصيّا عليهم، وقد أحاطوا أنفسهم بكل ما يمنعهم ويحميهم ...
وهم الذين –كما نعلم- كانوا يتخذون من الجبال بيوتا، يأمنون فيها، وقد جاء وصف أمنهم فيها بقوله سبحانه في هذه السورة :
"وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82)"
في هذه السورة لو تتأمل، مقامات للحفظ والحماية، هي من الله تعالى، مقابل مقام الحفظ من أهل الحِجر...
هم قد أقاموا بأيديهم حمايتهم، ظانّين أنّهم الممتنعون، الذين لن يصل إليهم سوء، ولن ينالهم أذى من قريب أو بعيد ...وهم الذين كفروا بالله تعالى، وتصوّروا أنفسهم القادرين بحول منهم وبقوة، لا بحول من الله ولا بقوة منه سبحانه ...
فهلُمَّ وعُدَّ معي مقامات الحماية والتأمين والتحصين التي هي من الله تعالى في هذه السورة،  التي عنوانها "الحِجر" إشارة إلى الذين احتموا بقوتهم ... ! وما عادوا يرون فوقها من قوة...
💎💎أولا :
"إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) "
إنه مقام الحِفظ الأول، والحِفظ الأعظم من الحافظ سبحانه ...
تكفّل سبحانه بحفظ " الذِّكْرَ " ... بحفظ القرآن والسنة، بحفظ الهدى الذي أنزل على عبده ... استُحفِظ أهل الكتاب من قبل على كتبهم، فما حفظوها، ولكنّ هذا الكتاب الشامل الكامل المهيمن، الخاتِم، محفوظ من ربّ العزّة سبحانه، فلا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا تناله يد بشر بتحريف أو تبديل، ولا تصل إليه يد أحد بعبث أو هوى ... !
إنه مقام الحفظ الأعظم من الله تعالى ... !
فارجع البصر .. ثم ارجع البصر كرّتَيْن ...
هل ترى في الأعداء المتكالبين على هذا الكتاب وعلى ما جاء فيه، الحاقدين عليه المتكاثرين يوما إثر يوم من يد تُمَدّ لتبدّل، أو لتحرّف، أو لتمحو منه ما تحب أن تمحو ولتُثبِت فيه ما تحب أن تُثبت ... ؟ !
على كثرة الأعداء، وعلى تكالبهم، وتحالفهم ضدّ هذا الدين وأهله ... هل ترى من يد منهم امتدّت له بشيء ؟؟ !
ثم ... امضِ مع الآيات ... امضِ مع "الحِجر"  لنعرف مقاما تاليا من مقامات حفظ الله تعالى :
💎💎ثانـــــــيا :
"وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)"
إنه حفظ الله تعالى للسماء...
حفظه لها من كل مسترِق للسمع من الجنّ، من بعد نزول القرآن العظيم ... حُفِظت لأجله السماء، حتى لا يفوز مستَرِق بكلمة من كلمات الوحي فيخلطها بغيرها، ويلقيها إلى أوليائه خلطا من خلطه ... !
استعصى على مَن كانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، أن يسمعوا بعدما أذِن الله بنزول القرآن العظيم، وقد جاء عن هذا الحفظ على ألسنة الجنّ، وقد عاينوا حَوْل الشهب دون استراقهم السمع :
" وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (😎 وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ ۖ فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا (9)"
فتأمّل ... تأمّل مقام الحفظ والحفظ، لأجل بلوغ الهدى تاما كاملا، نقيّا كلمة بكلمة، وحرفا بحرف من ربّ العزّة إلى عباده في الأرض ...
ثم امضِ معي في رحاب سورة الحِجر...
سورة تحمل اسم قوم حسبوا أنهم القادرون وقد استغنوا عن الله، وقد تجبروا بقوتهم، وبعقولهم، وبأيديهم وما صنعت ... ! استغنوا وقد تترّسوا بالجبال ... !
استمع لمقام حفظ جديد من الحافظ سبحانه  ... استمع لتقرير الله تعالى أمره، وإمضائه حكمه، والشيطان يتوعّد أنه الذي سيغوي العباد ... 
💎💎ثـــــالثا :
"قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)"
هذا قضاء الله الذي لا يتحوّل، وقوله الذي لا يُبدّل، أنه ما من سلطان للشيطان على عباد الله، على الذين شرّفهم الله تعالى وهو ينعتهم بـ : " عِبَادِي "  .. الذين هم له وحده عابدون، لأمره طائعون، وعن نهيه منتهون ...
حفظ الله لعباده المؤمنين الذين لا يرضون عن الإيمان بدلا، ولا يبغون عنه حِولا ...لن يصل إليهم الشيطان بغواية، وهم المعتصمون بربّهم، ربُّهم عاصمهم ما اعتصموا به ... حافظهم ما حفظوا عليهم إيمانهم...-جعلنا الله وإياكم-
وما يزال مقام من مقامات الحفظ الإلهي في هذه السورة العظيمة ...
💎💎رابـــــــعا :
"فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95)"
إنه حفظ الله تعالى لنبيّه الكريم صلى الله عليه وسلم، أنه كافيه كل مستهزئ، مستهين بالهدى الذي به جاء، ساخر من أمر الله ...
فاجمَع المقامات يرحمك الله ويحفظك ... يا أيها المؤمن المحفوظ بحفظ الله تعالى :
💧حفظه سبحانه وتعالى لكتابه .
💧 حفظه سبحانه وتعالى لسمائه حفظا لكتابه وأمره، ليجتمع بالحِفظَيْن حفظ الله للقرآن من شياطين الإنس ومن شياطين الجنّ سواء بسواء.
💧حفظه سبحانه وتعالى للعبد المؤمن، بحفظ إيمانه، وبجعله في كنف الله وحمايته.
💧حفظه سبحانه وتعالى لنبّيه صلى الله عليه وسلم حتى أكمل دينه، وحتى أتمّ على عباده نعمته.
فأيّ داع بين الدواعي يجعل شكا أو ريبا يتسلل إلى نفسك أيها المؤمن، أنك الوحيد، وأنّك في مهبّ ريح الأعداء السَّموم ... وأنك الضعيف بين الأقوياء ؟ !
تذكّر حفظ الله لرأس أمرك كلّه، لكتابك من عبث عابث من إنس أو من جنّ....
تذكّر حفظه لإيمانك، فهو معك وهو سندك...
تذكّر حفظه لنبيّه صلى الله عليه وسلم حتى أتمّ عليك نعمته ...
في سورة الحِجر، أولئك الذين ظنوا بأيديهم بطشا وقوة، وبعقولهم سطوة وذروة، حتى أتاهم أمر الله في صيحة فبادوا وهلكوا.... !
إي وربّي ... أتاهم في صيحة ... !
أولئك المتترّسون بالجبال، المحتمون بالرواسي .... !
أتاهم أمر الحافظ سبحانه، الذي لا يذلّ مؤمن والاه، ولا يعزّ كافر عاداه ... الذي يكلأ عباده بحفظه وبعينه التي لا تنام ... الذي يختصّ المؤمن بعين رعايته، ويبسط له يد عطائه وقوته ...
الحافظ سبحانه الذي حفظ الدين في الأرض، وتعهّد بإتمام نوره ولو كره الكافرون، وبإظهار دينه ولو كره المشركون ...
الحافظ الذي في كنفه "غزّة" وأهلها، وفي رحابه رجالها ونساؤها وأطفالها وشيوخها وعجائزها ... سبحانه الذي أتى على أهل "الحِجر" الظانين بأنفسهم ألوهية واستغناء عن الله... بصيحة ...!
تأمّل  يحفظك الله بحفظه ... بـ💎صيحـــــة💎 ... !!
دُكّت بيوتهم ذات الجدران الجَبَليّة ... ! بصيحة...
صيحة أتت على جبالهم التي اتخذوها بيوتا، فدُكّت ...
بما شاء أهلكهم، وكيف شاء أهلكهم ... بصيحة ... !
أهل الملاجئ... أهل المخابئ ... أهل القِباب الحديدية، والصواريخ الباليستيّة والفسفوريّة ... المتوارون بالجُدُر ... المُحصّنون في القرى ...
يا أهل كل هذا، وكل ما ستبنون، وما ستُعِدّون ... إنه الذي أهلك أهل الحِجر بصيحة ... !
يا أهل صيحات القوة في الأرض... لقد أهلك أهل الحِجر بصيحة...!
إنكم بكل قوتكم،  وبكل حِجر تتخذونه... تقومون على هواء... وإن المؤمنين المستمسكين بحبل ربهم يقومون على حفظ الحافظ وكفاية الكافي سبحانه...!  الذي حفظ كتابهم الهادي،  وحفظ عليهم إيمانهم،  وحفظ نبيهم حتى أتمّ عليهم نعمته... القويّ المتين سبحانه...
وإنك يا ربّ...  يا حافظ، يا كافي...
أنت الحيّ الذي لا يموت، يا من أهلكت أهل الكفر –على قوتهم- بصيحة ... احفظ أهل الإيمان الآوين إلى ركنك ... واكفِهم عدوّهم وعدوّ دينك الذي حفظت، وعدوّ كتابك الذي حفظت، وعدوّ نبيك الذي حفظت، وعدوّ عبدك المؤمن الذي حفظت وتحفظ،  بما شئت وكيفما شئت ...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #265 في: 2026-04-05, 16:27:45 »
❇️✴️❇️في سورة النحل جاء قول الله تعالى : ❇️✴️❇️
"وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95)"
كثيرا ما تأملت رأس هذه الآية، وبدا لي غريبا يحتاج إلى تفكيك لفهمه ...!
"وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا "
الثمن يُعرَض من البائع ليبيع به، ويُدفَع من المشتري ليشتري به ...
وهنا لم تكن الصيغة : "لا تبيعوا عهد الله بثمن قليل" وهي الصيغة البسيطة التي لا تُستَغرَب، وإنما جاءت: "وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا"...
ولهذه الصيغة معنى عميق يرمي بعيدا، إلى  ما وراء الظاهر ...
فالعهد هنا-مع صاحبه المشتري- ثمنٌ يُراد به اشتراء ثمن ... !
💧صاحب العهد مشترٍ ... وعهد الله هو ما سيدفعه ثمنا، متلبّسا بحرف الباء "بــ" عهد الله.
💧 "ثمنا قليلا" ... الثمن القليل هو السلعة المُشتَرَاة، هو ما سيقتنيه المشتري، إذن فهو سيدفع عهد الله ثمنا ليقتني ثمنا ...!
تأمل يرحمك الله ... !
إن المشتري شيئا، يبذل لأجله مالا، يسعى للفوز به ...
وهذا عهد الله الذي لا يُباع لا بقليل ولا بكثير، لا يساوي عهد الله ثمنا، ولا يُقدَّر بثمن ... فهو الذي لا يُباع ...
ولكنّ هذا الضال، الفاقد لمنطق الحكمة والنظر السديد، والبصيرة النافذة التي يقدّر بها عهد الله، لا يقدّر عهد الله، فهو يجعله ثمنا ليشتري به، فهو عنده أقل قيمة مما يريد اشتراءه...!  وبغيته ومُراده أن يشتري ما يراه أعلى قيمة من العهد...  إنه تلك السلعة الأغلى عنده...  إنها المادة...  وإنها هي أيضا ثمن ... !  وبما أنها ثمن فالطرف الآخر هو الآخر مشترٍ ...!
هذا المشتري دفع ما لا يُقدّر بثمن، ليشتري ثمنا يُدفَع له من الطرف الآخر ليتخلّى عن عهد الله...
وعلى هذا،  فإن  الضال هنا مشتر بائع في آن،  والطرف الآخر بائع مشترٍ في آن  ...!!
وبالتالي فالعملية هنا تشبه المقايضة ...!
إن الضال الذي يشتري الثمن بعهد الله، هو البائع لعهد الله، وإن الطرف الآخر يبيع للراغب الضال سلعته، وسلعته ذاتها ثمن،  ثمن يدفعه بالمقابل  للضال، فهو المشتري لعهد الله ... ! ولكنه إذ يشتريه يشتري ذمّة صاحبه، هو لا يشتري عهد الله ليتولاه بل ليتخلّص منه، ليتخلّص من تبعته... فيشتري ذمّة متولّيه... !
ولا أرى مثالا أوضح وأنسب من حال عالم السلطان...  فهو الذي تُشترى ذمّته  فيصبح عالم سلطان ... ! وهو الذي اشترى  الثمن، زهد بالعهد مقابل الثمن الذي دُفع له...!
هذا العالم قد اشترى الثمن، رغب بالثمن وزهد بالسلعة التي لا تُقدّر بثمن، زهد بعهد الله، وبالمقابل السلطان الذي دفع الثمن اشترى العهد، والسلطان إذ يشتري عهد الله، إنما يشتري ذمّة العالم، ليتخلّص من  التبعة وليجعل العالم طوع أمره وهواه،  يفتي بما يحب، ويلوي عنق الأحكام لما يحبّ ... !
فقد دفع الثمن ليشتري عهد الله، فكأنه قد جعل عهد الله في صالحه وهو يجعل صاحبه ومتولّيه والمؤتمَن عليه في صالحه !
وكذلك الذي يبيع قضيته، ودينه لقاء فُتات الأسياد، منافق هذا الزمان، المطبّع... يشتري بعهد الله ثمنا يدفعه له سيده بالمقابل ليشتري هو عهد الله...! وطبعا  ليس رغبة من سيده في عهد الله، بل يشتري ذمة صاحبه، الذي يصيّر التطبيع وموالاة العدو معايشة وسلاما وإنسانية...!!
وهكذا فالمشتري هنا راغب بالمادة، زاهد بالعهد الثقيل، والمادة التي رغب بها جعلته مشتريا، ساعيا لها كسلعة يقدّم لقاءها عهد الله ثمنا، والمادة التي سعى لها هي بدورها ثمن مبذول ممن يريد إسكات صوت الحق فيه، صوت العهد ... فكان المشتَرى(المادة) ثمنا لمن اشترى وهو يبيع ...
فمشترٍ للمادة بالعهد ثمنا، وهو البائع للعهد على الحقيقة، وبائعٌ للثمن لراغبٍ به هو مشترٍ للذمّة على الحقيقة، وهو إذ اشترى الذمّة، يُخيّل إليه أنه اشترى عهد الله ليخدم هواه ... !
 وتأتي نهاية الآية تؤكد على هذا المعنى الدقيق: "إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ"
ما عند الله خير لك يا أيها العالِم... يا من اشتريت المادة بعهد الله الذي اؤتُمنت عليه! ويا من دُفِع لك الثمن الذي سعيت له سلعة رأيتها أغلى من العهد... دفعه لك السلطان فاشترى ذمتك...!  نا عند الله خير... ولكن...!
وهكذا نرى حال علماء السلطان في زماننا... زاهدون بعهد الله، جاعلوه ثمنا يشترون به ثمنا يُدفع لهم ليُخرَس صوت الحق...!  وهيهــــات هيهـــات....!! فإن للحق رجاله الذين يُعرفون به، يا من تحسبونه يُعرف بالرجال...!
أجارنا الله وثبتنا على الحق...  ! 
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #266 في: 2026-04-05, 16:28:07 »
⛰️سورة طه... العظيمة الجليلة....⛰️
وإني لست ألقي عليها خاصا من الصفات إذ أصفها بالجلال والعظمة، وكل سور القرآن كذلك ... !
كل واحدة منها إذا أطلت المكوث في رحابها، وإذا تدبّرت آياتها الهُوينى، عشقتَها، وهِمتَ بها، وقلت مع كل سورة، وفي كل مرة إنها الأروع، إنها الأروع ... !
فإذا أنت مع كل سور القرآن لا تعرف لأفعال التفضيل من مستقرّ وهي التي تنتقل بين السور كلها، لا تدري أين تستقر ... !!
سورة طه عليها مسحات الجمال مع مسحات الجلال ...
فيها أول كلام الله تعالى لنبيّه موسى عليه السلام... فيها الجلال مع الهيبة مع الرهبة، مع العظمة ...  فيها صوت الله  جلّ في عُلاه وهو يكلّم عبدَه وصفيّه،  يكلم كليمه بين أنبيائه ...!
فهل أتاك حديث موسى يا محمد (صلوات الله وسلامه عليهما)...
هل أتاك حديث أخيك موسى ... ؟ !
اسمع لحديثه ... اسمع لما كان معه، ولما كان منه ...
لقد كان مع أهله ... مع زوجِه التي كانت يوما ما إحدى اثنَتَين ذائدَتَيْن تسقيان مع الناس عن أبيهما الشيخ الكبير، تانِكَ اللتان كانتا تنتظران صدور الناس عن الماء لتسقيا ...فسقى لهما موسى عليه السلام، وتولى إلى الظلّ، في شيمة من شِيَم الكِرام العِظام الذين لا يملكون غضّ الطرف عن كَلّ فلا يحملوه ... ! ثم من بعد أن يحملوه، يتولّون وهم –من عظمتهم-لا يرون في فعلهم العظيم شيئا ... !
هي ذي اليوم زوجُه وهو العائد من مَدْين إلى مصر بعد عشر سنوات هي أوفى الأجَلَيْن، قضاه موسى بالتمام والكمال على ما خيّره أبوهما، فما كان للكليم الكريم إلا أن يختار الأوفى ... !
هي ذي طريقه إلى مصر ... إلى مسقط رأسه... إلى أرضه التي وُلِد فيها، إلى يمّها الذي فيه ألقِي بيد أمّه من أمر ربّه ... ! إلى اليمّ الذي أنجاه به ربُّه... ! لعلّ لليمّ قصة أخرى تنتظر موسى !!
إلى مصر التي خرج منها بسعيٍ من رجلِ أقصى المدينة ... خرج هاربا من بطش فرعون ...
"إذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) "
أراه الله نارا ... فآنَسَها...
وانظر إلى اللفظ يتناغم مع الحالة التي عليها موسى عليه السلام، وهو الذي استوحش القفار، وهاجت عليه صحراء مصر العظيمة، فما عاد يتبيّن فيها طريقا موصِلا ...
فلما رأى النار، آنَسَها ...
آنَسَ الطيفَ، أبصره، وآنسَ الصوتَ سمعه، ولكنّها هنا هي التي تقضي المأرِبَين لا المأرب الواحد  ... !
فهي الرؤية والإبصار وهي الاستئناس من بعد الوحشة ...
لقد أنِس، لقد أمِل، لقد برق له بارق الخلاص،  حتى قال:
 "لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى"
لعلّي آتيكم بشعلة منها تُدفئكم، أو أجد عليها طريقنا الذي نسلك ...
وانظر للكلمة تارة أخرى، وهي التي تقضي المأربَين لا الواحد ... !
" أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى "
الهدى للطريق الذي يبلّغه مأمَنه، الذي يبلغه مصر أخيرا ...
وإنه للهُدى ... إنه هُدى طريق مصر، وإنه للهُدى الأعظم ... !
ولقد أتى النارَ موسى ... !
فاسمــــــــــــــــــــــــــــــع ....!
اسمع لما يهزّك من الرهبة... ! ومن الجلال ... اسمع لكلمات الله سبحانه بصوت الله سبحانه ...
اسمع وهو يخاطب نبيّه، ثم يسأله، ثم يعلّمه، ثم ينبئه، ثم يأمره ...
هنالك نُبّئ موسى، واستلم مهامّ النبوة ... !
لقد وجد على النار الهُدى على الهُدى ... !
اسمع لموسى عليه السلام، وهو الذي في رحاب النور في ذلك الوادي المقدس طوى، يخلع نعلَيه امتثالا لأمر ربّه العليّ ... !
يخلعهما وهو داخلٌ رحابَه ... داخلٌ أنواره، فما يليق به أن يدخل بنَعلَين وإن كان في تراب ... !
ولكنّه ليس ككل تراب ... !
وإنه الفضاء، والأرض مع السماء، ولكنه ليس ككل فضاء، بل هو الفضاء المُحاط بقدسية الله تعالى، بصوت الله تعالى ... فالتراب له عبدٌ خاضع خاشع مسبّح ... والوادي له عبد خاضع خاشع مسبّح ... والسماء والأرض ... والطير وما يدبّ في ذلك الفضاء القدسيّ ... ! كلّه له عبدٌ، كلّه شرُف بالصوت والقدسيّة والطُّهر ... !
بالله عليك أتتخيّل ؟ !!  أبلغتْك من نفحات ذلك الطُّهر وذلك الجلال، وتلك العظمة ... ؟ !
أبلَغَك من هواء الوادي المقدّس طوى ؟؟ أبلغك من حبات ترابه المسبّحات ؟ ! أبلغك من ذرّات هوائه ؟؟ ! وقد شرُفت كلها بكلمات الله... بصوت الله تعالى ... !  إذ قال لنبيّه :
""إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) ""
لعَمري إنّ الوادي ليهتزّ من جلال الله ... ! وإنّ موسى لتهتزّ فيه كل ذرّة من عظمة الله تعالى، من صوت الله ... من : "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا "
وسأتركك وأتركني مع جلال الكلمات ... ولنا بإذن الله  تتمة مع جلال الكلمات لاحقا...
#سورة_طه
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #267 في: 2026-04-05, 16:28:30 »
🌿🌴وتكملة مع سورة طه، ومع جوّها المهيب، وصوت الله تعالى يملأ أرجاءها القدسيّة ... !🌴🌿
لعَمري إنّ الوادي ليهتزّ من جلال الله ... ! وإنّ موسى لتهتزّ فيه كل ذرّة من عظمة الله تعالى، من صوت الله ...!
إنه سبحانه يُعلم عبدَه موسى أنه ممن اختار واصطفى :
"إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13)"
أنـــــــــــــــا ربّــــــــك ... !
أنا الذي تسمع صوتَه، وقد آنستَ نارا، ووجدتَ عليها الهدى ...
إنه الهُدى الأعظم يا موسى... إنك ستقطع الدّرب إلى مصر ... لا كيفما كان ستقطعه، بل إنّك المصطفى المُختار ...
إنك ستدخل مصر منبّأ ... ! ستدخلها وقد هُديتَ إليها من بعد ما زاغ عنها بصرك،  ستدخلها وقد هُديت دورَك، وعملك الذي ستعمل فيها ... !
إنك رسول ربّك إليها... إلى فرعونها... إلى الذي خرجتَ قبل سنوات خَلَتْ فارّا من بطشه ... إلى الذي هو عدوّ لله وعدوّ لك، وعند العدوّ يا موسى قد رُبيتَ ... !
وآن الأوان ... آن أوان أمر قد أعدِدتَ له يا موسى ... واختِرتَ له يا موسى ...
إنه سبحانه قد عرّفه أنه :
💎 بالوادي المقدّس طوى، وأنه في رحاب القدوس سبحانه، وأنّ أول ما عليه إجلال قدسيته.... "فاخلع نعليك" ... !
💎عرّفه أنه ربّه .
💎وأنه قد اختاره..."فاســـــــتمع لما يُوحى"...
أرعِ سمعَك يا موسى ... إنك آمن، إنك في غمرات أنوار، وهدايات لم تكن تحتسبها... !
فهذا موسى المختار، موسى الكليم، وهو يُؤمَّن، ويُهدّأ من روعٍ فيه قد غشّى كل ما فيه، يُؤمَّن من رجفة رهبة ملكت عليه كيانه ... !
"إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14)"
قال له من قبل : "إِنِّي أَنَا رَبُّكَ" ، ويُسمعُه الآن :  "إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ"...
أنا ربّك وأنا الله ... ربّك صاحب الفضل عليك والإنعام والخلق والرزق والهداية، وكل منّة، ربّك الذي هو الله الذي لا إله إلا هو ...
الواحد الأحد الذي لا يُشرَك به أحد ...
وله وحده تجب العبادة، ولكل أمر منه يجب الامتثال... واجبات العبد مع مقام الألوهية، تفاعل العبد المخلوق مع الخالق البارئ، عبادة وإذعان وتوحيد، وامتثال، وائتمار ...وألا يُنسى، بل لذكره تُقام الصلاة..   
وإن موسى ليسمع لما يُوحَى ... !
إنه لتغشاه القداسة والطُّهر والقضاء الذي أمضِي فيه...
أنه الذي اختاره ربّه، وأنه الذي أسمعه كلامَه بصوته ... ! وأنه الذي أعدّه لما يُسمِعه ...
ومن بعد تعريفه بذاته العليّة، وبعظيم جنابه سبحانه، وبما يجب من عبده نحوه ... هو ذا سبحانه يزيد فيعرّفه :
"إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16) "
يا موسى... إنّ ربّك قد قضى أنّ الحياة الدنيا بطولها وعرضها، بمن كان فيها، وبمن خرج منها، بمَن هم بين يديك، وبمن هم خلفك،  وبمن هم آتون بعدك،  قد خُلقت لتلك الساعة ... !
للعبادة قد خُلق الكلّ ... وللساعة الكلّ آيلٌ ... !
ساعة من خفاء أمرها عن عباد الله جميعا يكاد الله يخفيها عن نفسه.. ساعة للجزاء على ما يكون من تفاعل العبد مع ابتلاء الدنيا...
وإنه سبحانه يرسّخ لموسى الإيمان بها، وهو يوقد فيه جذوة العمل لها...
وها هو الحوار يبدأ ... بين الربّ الإله الواحد المعبود، الذي بأمره يأتمر عبده في الدنيا، وعن نهيه ينتهي، وإليه يؤول في ساعة آتية لا ريب فيها...
يبدأ الحوار بين الخالق وعبده الذي اختار ....
فاذكر معي يرحمك الله، فقد مررنا بمراحل ... تلك التي مرّ بها موسى عليه السلام وهو يتلقى مهامّ النبوة ...
1-🔹 يُعلَّم تقديس ربّه وإجلاله، وهو داخل في رحابه.
2-🔹 يُعرَّف بربّه.
3-🔹  يُعرّف وجوب إفراده بالعبادة وطاعة أمره في الدنيا.
4-🔹 وأنه الآيل إليه ليُجزَى على ما قدّم في الدنيا.
وقد استأنس بربّه موسى ... هو ذا يسمع المزيد من أمر الوحي... هو ذا وربّه يحاوره ... ويالِجلال المحاوِر سبحانَه، ويالِوافر حظّ المحاوَر عليه السلام ...
"وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى (17) قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآَرِبُ أُخْرَى (18) قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى (19) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (20) قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)"
إنك تعلم يا ربّ أنّ تلك التي بيمينه عصاه ... ! ولكنك تسأل موسى... !
تسأله ليزيد استئناسا في رحاب جلالك، وفي رهبة صوتك الذي يسمع ...!
تسأله بصوتك يا ربّ ... وأيّ فضل، وأي نعمة، وأي اختصاص قد خُصَّه موسى من ربّه  ؟ !
إنه يعلم يا موسى أنها عصاك، وأنها التي تهشّ بها على غنمك، وأنها التي لك فيها مآرب أخرى... !! ولكنّك لا تدري بعدُ عن مأرب لك فيها قد أعدّه لك ربّك ... عن مأرب جديد هو مأرب النبوة، هو مأرب جعله الله لك فيها آية ... !
وهذا أول أمره لعبده الذي اختار : ألقِــــها يا موسى .... !
وهذا أول ما كان من موسى من ائتمار :  فألقاها ...فإذا هي حيّة تسعى ... !
ولقد وصفها الله هنا بالحيّة، بينما وصفت في سورة الأعراف بالثعبان المبين : "فَأَلْقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ (107)"
ووصفت تارة أخرى بالجانّ في كل من النمل والقصص:
" وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)" -النمل-
وبين الحيّة والثعبان المبين والجان .
الحيّة اسم جنس يُراد به الذكر والأنثى والصغير والكبير، والثعبان العظيم منها، والجانّ هو الحية صغيرة الجسم سريعة الحركة، وعلى هذا فلا تنافي بين الأوصاف الثلاثة ...
وإن موسى ليسمع ... ! وإنه ليرى ... !
إنه يرى عصاه وقد انقلبت حيّة تسعى... "قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (21) "
وها هنا نقع على قول الله له : " خُذْهَا وَلَا تَخَفْ "، وليس ذلك من الله تأمين من غير خوف كان من موسى، بل لقد خاف موسى ...
"... فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10)"-النمل-
لقد ولّى مدبرا من خوفه ... ! واجمع كل ما قاله الله لنبيّه من مواقعها في السُّوَر لتجد أنه سبحانه قد أمّنه، وهدّأ من روعه بقوله :
💎خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى.
💎يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ.
💎يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ
اطمئنّ يا موسى، فإن ربّك الذي قلبها حيّة، معيدها عصا كما كانت، يا موسى إنك الآن من المرسلين، والمرسلون في رحاب الله وأمنه لا يخافون، ويا موسى أقبل، وذرِ الخوف، فإنك بأمرالله مُرسَل، ومنه مأمور، والإقبال واجب منك، لا الإدبار، وإنك لن تكون إلا من الآمنين...
واستمع يا موسى لما يوحى، استمع .... واستمع يا محمد ... !
استمع لأمر الله نبيّه، كما جاءك أمرُه يا نبيّه ...!
"وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آَيَةً أُخْرَى (22) لِنُرِيَكَ مِنْ آَيَاتِنَا الْكُبْرَى (23)"
ولكأني به سبحانه، وهو يؤمّن موسى من الحيّة، ويطمئنه أنه معيدها حالتها الأولى، يزيده اطمئنانا، وهو يأمره أن يضمّ يده إلى جناحه، أن يلملم شتاته من الرَّهَب ... أن يطبطب بعضه على بعضه، بيده...
فإذا يدك يا موسى تخرج بيضاء مشرقة بنور ربّها آية أخرى ...!
يدك التي أمِرتَ أن تأخذ بها العصا الحيّة، وهي العائدة عصا، هي يدك التي تشرق بأمر ربّها، وتنير وتضيء ...
وسنكمل لاحقا بإذن الله ما مان بين الله سبحانه وبين كليمه...
#سورة_طه
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #268 في: 2026-04-05, 16:28:58 »
🌹في سورة الطلاق العظيمة الجليلة 🌹
"لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا"
"...وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)"
في قلب الحدث الجَلَل، في قلب الطلاق والفراق، قطرات نديّات من رحمات الله تذكّرك أن الله معك، أنك لا تدري، لعلّ الله يحدث أمرا بعد ذلك الضيق والغضب، والضجر والحزن، لعله يحدث أمرا بعد ذلك الانقلاب من الهدوء والسكينة والدّعَة والراحة إلى التململ والاضطراب، والخوف والتعب .
لعلّ ما يُصوّره الشيطان لك الآن من لهائب الغضب، وما يُشرِبك من كؤوس اليأس من عودة المياه إلى مجاريها، مع نَفسَيْن ضعيفَتَين تقعان في جبٍّ من دواعي الكُرْه والحقد والحزن والضيق، حتى أن الواحد منهما لم يعد يطيق النظر في وجه الآخر...
لعلّ كل هذا إلى ذهاب قريبا، وأنت لا تدري، وأنتِ لا تدرين !
إنك لا تدري ... أجل لا تدري، رغم كل ذلك، رغم براكين النوازل التي انفجرت في ذلك البيت الذي كان عامرا بضحكات المتحابَّيْن المتوادَّيْن،  لعلّ الله الذي يسمعكما ويراكما يُحدث أمرا ...إنك لا تدري، إنكِ لا تدرين !
إنه الأمل في قلب الألم وفي عزّ الملل.
"وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ"
اتّقيتَ الله فيها ؟ ائتمرت بأمر الله فيك وفيها، حتى وأنت تطلق ؟
سيجعل لك ربّك مخرجا، سيجعل لكِ مخرجا ... إما برجعة تعود فيها نسائم الودّ ونفحات الحبّ إلى ذلك البيت الذي ظُنّ من قريب جدا أنه المهدود !
أو بباب يُفتح لكليكما، إن أنتما اتقيتُما الله، فيه خير لم تكونا تحتسبانه !
يالِلنداوة ! يالِيَد الرحمة الإلهية الممدودة لك وأنت في أحلك حالاتك ! فلا تجزع .
نعم ... في قلب الطلاق، هي هذه الكلمات، في قلب الأزمة العُظمى الحالّة بالزوجَيْن...
 وما يذكّرني هذا الندى الربانيّ الرفيف بشيء أكثر من قوله سبحانه :
""فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (6)""
"مع"  لمن يتّقي، ولمن يوقن بمعيّة الله، وبرحمته.
ليت شعري، إنّ التقصير منا،  لو أننا التزمنا أوامره سبحانه كلّها، لما كان الطلاق أسرع إلى الإنفاذ من الرّجعة !
#سورة_الطلاق
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #269 في: 2026-04-05, 16:29:30 »
🌀💡في سورة الحـــج💡🌀
جاء ذكر يوم البعث، فبُدئ بذكر أهوال زلزلة الساعة، ووصفها بـ : "شَيۡءٌ عَظِيمٞ"
ومن شدة هوله، جاء وصف حال المرضعة والحامل  بوجه خاص، فإذا كل مرضعة ذاهلة عما أرضعت، ذاهلة عن ولدها، عن فلذة كبدها الذي تصبّ عليه الحنو صبّا، وهو لا يقيم لنفسه أمرا إلا أن تقيم له هي كل شأنه، والحامل التي تعدّ أيامها تنازليا لتبلغ يوم الوضع الموعود ...!
 كل ذات حمل تضع حملها من قبل يومه الموعود السعيد، ولا يعود للدنيا من معنى، إلا أنها المنتهية !
بعد هذه الأهوال العظيمة المختصَرَة في ذهول أكثر الكائنات حنوّا، ورفقا بفلذات الكبد وسعادة العمر، وهي تعطي صورة الدهشة العظيمة، والشده وذهاب العقل من الأهوال ... !
تأملوا ما يأتي بعدها :
"وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَٰدِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ(03) كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ(04)"
يأتي ذكر المجادلين في ذات الله تعالى وفي فعله وأمره وإرادته وحكمته، وما قضى لعباده، وما أنزل لهم من تصوّر للوجود وللغاية منه، الذي يجادل في الله بغير علم، وما العلم الحق إلا ما أنزل الله تعالى الخالق الباعث، الذي يخلق بالحق، ويبعث بالحق، والذي له الخلق الأول من عدم، فحق له الخلق الثاني وهو عليه أهون  ...
الذين يجادلون في أمر الحياة وأمر الموت، وأمر البعث بعد الموت بغير علم، الذين يقرّرون أنّه لا بعث، وكأنما كان لهم من الخلق حظّ، ليقرروا ما يكون بعد الموت، ومن لم يكن له في شأن الخلق حظ ولا يد، فأنّى يكون له في شأن البعث شأن أو تقرير أو رأي ؟ !
الذين لا يملكون أن يكونوا مصدرا عن أمر الخلق الأول، كيف يرون أنفسهم المقررين في شأن الخلق الثاني ؟ !
أي علم يستندون إليه ؟ أي عمل منهم كان ليكون لهم القرار بألا بعث ؟ !  أمِمّن خلق يُؤخذ الحق في شأن البعث، أم ممّن لم يخلق؟ !
رؤوس الإلحاد في الأرض، وفرّهم وكرّهم، وتفلسفهم، وتقعّرهم، وادعاء العلميّة لأهوائهم وتفاهاتهم، وتصديرها علما وكتبا وماورائيات، أنّ الكون من لا شيء وإلى لا شيء صائر ..!  أنه -على تناهي الدقة في كل صغير وكبير فيه – صدفة في صدفة !
هؤلاء الملحدون عن غير علم، ومتبعوهم عن غير علم ...هؤلاء شأنهم معروف، ومتوقّع،  وهم المنكرون للإله أصلا .. ولكنّ الغرابة فيمن لا ينكر الله، ولا ينكر الدين (بلسانه) وهو يجادل في الله بغير علم، وهو يا أُخَيّ ابن الجلدة، وهو القائل بأنه المسلم المؤمن الذي يقرّ بالله ربّا، وبالأنبياء، وبالكتب ...  ولكنّه يجادل في أمر الله بغير علم ... !
يجادل في الدين، في القرآن، في آياته، في مرامي الآيات، وفي أحكام الدين، يريد أن يصيّر القرآن طوع هواه وطوع كل الأهواء، وهو ينادي في أتباعه و"عابديه" بشنّ الحرب على ما يسميه "موروثا" ... !
والموروث كلّ فهم للدين، للقرآن وللسنة من أولي الفهم الأوائل، الأقرب زمنا للنزول، والأقرب فهما لنصوص التنزيل العظيم، أهل اللغة، الحاذقين في أدواتها، الذين أحاطوا بالدين فقها وتأصيلا، وتنظيما، واستدلالا، راجعين في ذلك كلّه إلى أصل الدين، وإلى مصادر تشريعاته وأحكامه بالبيان والتفصيل والتنظيم ...
هم اليوم ضروب وألوان،  وهم رواد يعتلون منابر المواقع،  بجماهير عريضة، كلهم يدعون "تجديدا" في الدين و "عصرنة" بلا علم ولا مؤهلات، ويفهمون التجديد على أنه الخروج بالجديد، بينما هو تطهير الأصل وتنقيته مما طاله من إفساد المفسدين، وإعادة بريقه الأول!
 هم الذين يمارسون الطقوس والطقوس، ويبرمجون أتباعهم ذوي الفهم السطحي للدين بأنّ الموروث ظلم، وجمود وركود وحرب على التجديد، وأنهم هم أهل التجديد، الناسفون لأصل الدين، المريدون عقيدة التابع لا شيء غير عقيدته ! 
الذين يجعلون من الدين أبعاضا وأشتاتا وأهواء، ونظرا بغير علم، ولا قاعدة ولا فهم، ولا إحاطة بالأدوات اللازمة ... !
فانظر -يرحمك الله- إلى موطن ذكر هذا المجادل في الله بغير علم... سورة الحج، وأهوال القيامة، وزلزلة الساعة ...
ماذا سيغني عنه تشدّقه اليوم بالأتباع الغثاء ؟ !  المسبحين اليوم بحمده، العابدين له، الذين يرونه فهّيم الزمان وفلتَتَه، الذين لا يؤدهم أن يتنبأ ويدّعي النبوة، ويضع نفسه بمقام الأنبياء وأعلى ...
لا يرون في ذلك غضاضة ولا غرابة !  وقد جادل بغير علم، وجادل وجادل، وهو يدّعي لنفسه العلم ويدّعي، حتى رأوه العالم المجدّد ...بينما هو الباني بالهوى صروحا من هواء... !
إنه : " يُجادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيۡطَٰنٖ مَّرِيدٖ(03) كُتِبَ عَلَيۡهِ أَنَّهُۥ مَن تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُۥ يُضِلُّهُۥ وَيَهۡدِيهِ إِلَىٰ عَذَابِ ٱلسَّعِيرِ(04) "
هو المتَّبَع صاحب الأتباع، وهو ذاته تَبع ... فمن تراه يتّبع ؟
إنه تبع لكل شيطان مريد، تولاه فأضله، وبإضلاله إنما قد هداه عذاب السعير... !
ويالبديع التقاء "يضلّه" بـ "يهديه" ! وكلتاهما إضلال، وإن بدت لصاحبها ولأتباعه هداية !
ثم تأتيك الآيات من بعدها تترى، وهي كلّها عن بيان عظيم خلق الله تعالى الذي كما خلق بالعظمة، يبعث بالعظمة، كما خلق بالحق يبعث بالحق ... مبتدئا سبحانه بيانه ودليله لعقل الإنسان بـفرضية الارتياب في قضية البعث :
"يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّنَ ٱلۡبَعۡثِ..."
مردِفها بالدليل على وقوعه :
"فَإِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن تُرَابٖ ثُمَّ مِن نُّطۡفَةٖ ثُمَّ مِنۡ عَلَقَةٖ ثُمَّ مِن مُّضۡغَةٖ مُّخَلَّقَةٖ وَغَيۡرِ مُخَلَّقَةٖ لِّنُبَيِّنَ لَكُمۡۚ وَنُقِرُّ فِي ٱلۡأَرۡحَامِ مَا نَشَآءُ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى ثُمَّ نُخۡرِجُكُمۡ طِفۡلٗا ثُمَّ لِتَبۡلُغُوٓاْ أَشُدَّكُمۡۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡلَا يَعۡلَمَ مِنۢ بَعۡدِ عِلۡمٖ شَيۡ‍ٔٗاۚ وَتَرَى ٱلۡأَرۡضَ هَامِدَةٗ فَإِذَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡهَا ٱلۡمَآءَ ٱهۡتَزَّتۡ وَرَبَتۡ وَأَنۢبَتَتۡ مِن كُلِّ زَوۡجِۢ بَهِيجٖ(05)"
لينهيها سبحانه بأن البعث حقّ بيد الحقّ سبحانه، الذي خلق بالحق :
"ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّهُۥ يُحۡيِ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَأَنَّهُۥ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ(06) وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ ءَاتِيَةٞ لَّا رَيۡبَ فِيهَا وَأَنَّ ٱللَّهَ يَبۡعَثُ مَن فِي ٱلۡقُبُورِ(07) "
وتأمل ..إننا بعدها  نلتقي مرة أخرى بذلك المجادل بغير علم !
من بعد كل هذا البيان، والدليل والبرهان  :
"وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي ٱللَّهِ بِغَيۡرِ عِلۡمٖ وَلَا هُدٗى وَلَا كِتَٰبٖ مُّنِيرٖ(08)ثانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ(09) ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ(10)"
أما هذه المرة، فزِيدَ إلى "بغير علم"   "الهدى" و "الكتاب المنير"
إن الله سبحانه الذي هذه صفاته وهذه افعاله، الذي بدأ الخلق من لا شيء، وصيّره بقدرته وأمره كونا بكائناته، هو سبحانه الذي بحكمته ولحكمته لم يخلقه هباء، بل خلق وهدى وأنار لعبده عتمة الحياة! هو سبحانه الذي علّم الحقّ وأعلن الحق، والذي أمر بالتعلّم، والذي أمرُه كلّه دليل وبرهان وحق وبيان، هو سبحانه الذي هدى، وهو الذي أنزل الهدى، وبعث أنبياءه بالهدى، بالكتب المنيرة.
فعلى أي علم وعلى أي هدى وعلى أي كتاب منير أيها المجادل تجادل في الله ؟ !
أأنت من خلق؟؟ أأنت من قضى ؟؟ أأنت من بعث الأنبياء الهُداة ؟
أأنت من أنزل الكتب المنيرة الهادية ؟ أأنت الإله الذي يقضي بأمره  لتختار "هُداك" هدى، ولتختار "كتابك" كتابا ؟؟
تجادل في أمر الله يا أيها المدّعي تجديدا في الدين، وأنت تنسف الدين بأصوله وفروعه، بثابته ومتغيّره، وتريد دينا جديدا على مقاس الهوى، لا على مقاس كتاب الله، ولا على مقاس هُدى الله، ولا على مقاس العلم الذي أنزل الله ... !
" مَا لَكُمۡ كَيۡفَ تَحۡكُمُونَ(36) أَمۡ لَكُمۡ كِتَٰابٞ فِيهِ تَدۡرُسُونَ(37) إِنَّ لَكُمۡ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ(38) "-القلم-
يا دعاة التجديد المزعوم المعوجّ  بألوانكم!
يا دعاة البرمجات واللغويات العصبية، ويا دعاة طقوس الطاقة والتأمل، والجذب والريكي والشيكي والبيكي!  والارتقاء بالذات حتى تبلغ شأو الإله ! حتى تؤلّه نفسك يا تابعه من فرط ما يدّعي لك ارتقاء وارتقاء ... !
وشتان بن ترقيات القرآن لك وتزكياته وسموّه بك وبإنسانيتك لتبلغ سامق الإنسانية والأهلية للخلافة في الأرض وأنت عبد لله خالص، وبين أن ترى نفسك الإله مع الإله !!
ثم تأمل صفات هذا المجادل في الله بغير علم ولا هدى من الله ولا كتاب منير، بل بالهوى الذي يسميه "التجديد" وهو إذهاب ريح العقيدة في الله على مراد الله وإبدالها بالعقيدة في الله(بزعمه) على مراد الهوى والضلال:
"ثانِيَ عِطۡفِهِۦ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۖ "
مستكبرا، وهو يرى أنه أهل لأن يقارن نفسه بالأنبياء.. حتى قال ذلك المشعوذ بينهم -يوم ميلاده- وهم يدّعون له علما:  "كل عام وأنا رحمة للعالمين" !!
ثم تأمــــل مآله !
"لَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَا خِزۡيٞۖ وَنُذِيقُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ(09) ذَٰلِكَ بِمَا قَدَّمَتۡ يَدَاكَ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَيۡسَ بِظَلَّٰمٖ لِّلۡعَبِيدِ(10)"
ثم لا تذهب بعيدا ... بل هنا قريبا، في الآيات المواليات من السورة، انظر حال الأتباع من بعد حال المتَّبَع :
"وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَعۡبُدُ ٱللَّهَ عَلَىٰ حَرۡفٖۖ فَإِنۡ أَصَابَهُۥ خَيۡرٌ ٱطۡمَأَنَّ بِهِۦۖ وَإِنۡ أَصَابَتۡهُ فِتۡنَةٌ ٱنقَلَبَ عَلَىٰ وَجۡهِهِۦ خَسِرَ ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةَۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡخُسۡرَانُ ٱلۡمُبِينُ(11) يَدۡعُواْ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُۥ وَمَا لَا يَنفَعُهُۥۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلضَّلَٰلُ ٱلۡبَعِيدُ(12) يَدۡعُواْ لَمَن ضَرُّهُۥٓ أَقۡرَبُ مِن نَّفۡعِهِۦۚ لَبِئۡسَ ٱلۡمَوۡلَىٰ وَلَبِئۡسَ ٱلۡعَشِيرُ(13)"
إنما قد استُعبِدتم، واستطاع أن يجعلكم له عبيدا مخلصين، ذلك المجادل في الله بغير علم، بل بالبرمجة اللغوية العصبية وبطقوس الطاقة، والهالات... لأنكم تعبدون الله على حرف ... !
ويا ما أصعب عبادة الله على حرف ! عبادة سطحية، عنوانية، اسمية، لا رسم فيها، ولا معالم، ولا بيان، ولا فهم، ولا فقه ولا تدبّر، ولا عيش بأمر الله، وبهداه، ووفق كتابه المنير ! لا حركة على الأرض بمراد الله في خليفته في الأرض !
وكلّه فينا من  قابليتنا للاستعمار يا مالك يا بن نبي، وللاستحمار يا محمد يا قُطب ... !
#بديننا_نرتقي
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #270 في: 2026-04-05, 16:29:48 »
💦"فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنتَ وَمَن مَّعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (28)"-المؤمنون-💦
بمجرد ركوبك السفينة ومن معك، واستقراركم عليها قل:"الحمد لله الذي نجانا"!
لأنه قد قضى سبحانه أن ينجيكم، ولأنه فيكم اليقين بمعيته وبوعده،  فمهما رأت عينك وأعينهم من أهوال الطوفان، من انهمار أبواب السماء  ماء، ومن انفجار عيون الأرض،  والتقاء الماء على الأمر العظيم الجَلل...!
وأعينكم ترى كل هذا، وتعاين انفسكم الأهوال... استيقنوا النجاة، بل واحمدوا الله أن نجاكم! وأنتم بعدُ في قلب الأهوال، احمدوه على النجاة!
ولم يقل سبحانه احمدوه على النجاة من تلك الأهوال بل: "مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"...!
فهم بكفرهم وعتوّهم أخطر من كل تلك الأهوال!
فاللهم نجنا من القوم الظالمين، وارزقنا ركوب فُلك النجاة(الإيمان)، وثبتنا عليها،  وارزقنا اليقين بالنجاة وحمدك عليها  في قلب الأهوال!
#المؤمنون
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #271 في: 2026-04-05, 17:26:29 »
🌴من سورة الفرقان تأملت قوله سبحانه:«وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا...»🌴
واستحضرت من يحسب أن هذا معناه المبالغة في طأطأة الرأس لإظهار التواضع!
بل إن المشي هونا هو المشي بوقار وبسكينة،  لا أن يتكلف المرء مشية تكاد تراه فيها الذي يقترب من الارض ليقبلها،  لئلا يقال مستكبر..!
الحكمة دائما وسط،  والصدق يبعد عن التكلف.
وأعجبني ابن كثير رحمه الله وهو يذكر في هذا السياق مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم:
عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: " كاَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا مَشَى تَكَفَّأَ تَكَفُّؤًا ؛ كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ"
وصححه الألباني في " صحيح الترمذي "
أي أنه كان يمشي مشيا قويا،  يرفع رجله به رفعا بائنا،  يسرع،  دون ان تذهب السرعة له وقارا وهيبة.
وفي رواية أخرى وصفت مشيته من قوتها  بـ"كأنما تطوى له الأرض. "
فلا نحسبنّ الهون بمعنى المشي المُهين من اصطناع التواضع،  بل هو مشي الوقار والسكينة، إذ لا تمنع قوة وهيبة من تواضع!
#الهون
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #272 في: 2026-04-05, 17:26:50 »
🌿{قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ (12) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَىٰ هَارُونَ (13) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ (14)} [الشعراء]🌿🌿
خاف عليه السلام إن هُم كذّبوه أن يضيق صدره من تكذيبهم، ويملأه الغضب، فينحبس لسانه ولا ينطلق بالحجة الكافية الشافية، فسأل الله عز وجل أن يرسل إلى هارون معه معينا.
كما أفصح عن خوف آخر، أن يقتلوه بما لهم عليه من قتله القبطي.
فكان جواب من رب العزة سبحانه، مجمل جامع في كلمة!
إنه قوله سبحانه «كـــلا».
"كـــلا" جمعت جوابه سبحانه على نبيه في كل ما أبداه من مخاوف:  لن يضيق صدرك، بمعنى أن لسانك سينطلق، ولن يقتلوك...!
{قَالَ كَلَّا ۖ فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُونَ(15) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ(16)}
كما أن جوابه إلى إرسال أخيه معه جاء في:
«فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا ۖ إِنَّا مَعَكُم مُّسْتَمِعُون».
وإن القرآن ليطوي لك المشاهد، حتى تجدك في قصر فرعون، وموسى وهارون عليهما السلام يدعوانه. وها أنت تسمع فرعون:
«قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (18) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (19)»
فترقب...! ترقب ما خافه موسى عليه السلام،  أن يضيق صدره،  ولا ينطلق لسانه!
اسمع إجابته،  ولتنظر إن كان ما خافه قد كان أم لم يكن:
«قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (20) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (21) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (22)»
أيّ انطلاقة في لسانك يا سيدي يا موسى عليك السلام!!
إنها الــ "كــلا" تتحقق،  ولا يتحقق ما خفتَه!  بل يذهب عنك كلّه، وإنها الــ "معـــكما أسمع وأرى"
معونة الله تعالى ومعيّته،  جعلا لسانك منطلقا،  فإذا أنت وقد أراد إلجام لسانك بذكر ما له عليك من منّة التربية، مع ما  لهم عليك بقتل القبطي! 
إذا أنت ولا شيء منهما  يلجمك !
بل تنطلق...  وتقرّ بالفعلة،  وبمنّة الله عليك أن وهبك حكما،  وجعلك رسولا،  ثم تمضي وأنت تتهكم بما يراه منّة منه عليك تربيته لك،  تتهكم  وهي عندك النقمة لا النعمة،  فأن يعبّد قومه فلا معنى لعنايته به!  لا معنى لكونه المربّى في القصر وقومه مستعبدون  !
وأي انطلاق هو للسانه عليه السلام  !
وانظر أيضا، انظر ماذا يكون من موسى عليه السلام الذي ألقى بين يدي ربّه بهواجسه،  فثبته ربه:
«قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (23) قَالَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (24)»
فأين خوفه والله معه؟! هو ذا يعظّمه وهو يعرّف به!
وانظر أيضا، فإن اللسان قد انطلق :
فرعون يشنّع وهو يكذّب:
«قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (25)»
فينطلق موسى ولا يبالي: 
«قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آَبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (26)»
ويزيد فرعون من نبرة التكذيب:
«قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (27)»
ولا يبالي موسى عليه السلام،  بل ينطلق:
«قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (28)»
ويتهدد فرعون ويزبد ويرعد:
« قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (29)»
ويزيد موسى فيبين ويحاجّ:
«قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (30) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (31) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (32) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (33)»
يتعنت فرعون رغم كل آية،  وينعته بالسحر،  ويؤلب عليه:
«قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (34) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (35)»
فيتآمرون عليه،  ويحشرون السحرة،  ويجتمع الناس لوقت معلوم!   
ولقد اتسع الفتق على الراتق يا فرعون!
وإن موسى عليه السلام لمنطلق اللسان،  منطلق الهمّة،  لا يلوي على شيء، لا  معك وحدك،  بل والناس مجتمعون،  والسحرة محشورون!
فهو ذا عليه السلام يصدع للسحرة:
«قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (43)»
لا  خوف!  لا خيفة،  والله معه،  والله يحقق ما وعد بــ «كــلا»
وموسى يحقق اليقين بالمعيّة:«إني معكما»
إنه الحق قوي كالماء  يبدأ مع الصادق قطرة،  ويفيض بحرا...  نقيّ كالهواء يبدأ مع المستيقن شهقة ويَعظُم حياة!
فاللهم صدقا ويقينا بوعدك وبمعيتك تفيض علينا وتحيينا!
#معية_الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #273 في: 2026-04-05, 17:27:17 »
كنت في المنشور السابق قد طرحت سؤالا حول لازِمة  سورة الشعراء، أي الآية المكررة فيها، ومقام هذا التكرار، فسعدت بمشاركة إخوة وأخوات، والغاية كانت عندي أن نتشارك تدبّر سورة، وفعلا كان ذلك ولله الحمد، فمن يطرح جوابا، ومن يفكر مجددا لجواب أصوب، ومن يجيب جوابا كاملا بذكر مقام تكرارها وسببه.
هذا بحدّ ذاته عندي الهدف الأسمى.
تكرر في سورة الشعراء ورود قوله تعالى :
"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (9)"
تكررت ثمان مرات، فكان أول ورودها في صدر السورة بعد قوله تعالى :
"وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمَنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كَانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (5) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءُونَ (6) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (7)  "
💎 إنباته في الأرض من كل زوج كريم، وأن ذلك دليل على عظمته،إلا أنه: "وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (8( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ"
💎 ثم تأتي بعد تنجية قوم موسى عليه السلام، وإغراق عدوّه
💎  ثم بعد قصة إبراهيم عليه السلام مع قومه، وعظمة إيمانه وهو الأمة القانت لله، متبَعَة بمصير الكافرين وحسرتهم وندمهم يوم لا ينفعهم الندم
💎  ثم بعد تنجية نوح عليه السلام ومن معه وإغراق الكافرين.
💎 ثم من بعد إهلاك قوم هود عليه السلام مع تنجيته ومن اتبعه.
💎  ثم مع صالح عليه السلام وإهلاك قومه مع تنجيته ومن اتبعه.
💎  ثم مع لوط عليه السلام وإهلاك قومه مع تنجيته ومن اتبعه.
💎  ثم مع شعيب عليه السلام وإهلاك قومه مع تنجيته ومن اتبعه.
ثم في أواخر السورة، حينما يأتي الحديث على رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره الله تعالى بقوله:
"وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (219)"
وكما رأينا جاءت كلها في مقامات إهلاك الكافرين ونصر الرسل والمؤمنين.
واجتمع فيها "العزيز"  و "الرحيم"، فأما العزيز فاسم للقوة والقهر، وأما الرحيم فاسم للرحمة، ويجتمعان تدليلا على أنه سبحانه الذي لا يُغلَب، فجاءت في مقامات إهلاك أعدائه، وأنه بالمقابل الرحيم الذي يُهلك أعداءه ويحيي هُداه، بدوام بقاء رحمته، وما رأس رحمته إلا بقاء هداه في الأرض عبر رُسله، وعبر ما بعثهم به .
وأما خاتمهم فهو صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة بالرحمة من الرحيم، ستحيا، وستبقى وستُنصر، وستُعزّ، وسيُغلب أعداؤها .
العزيز الذي لا يُغلَب من قويّ فهو القوي القاهر، والرحيم الذي لا تغيب رحمته عن الأرض عبر هُداه الذي لا يغيب .
#الله_العزيز
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #274 في: 2026-04-05, 17:30:26 »
في سورة العنكبوت، والتي مدارها حول الإيمان، والفتنة في الإيمان ليستبين مؤمن من كافر، ثابت من متزعزع، وليّ لله، من عدوّ .
وأنّ الذي اتخذ من دون الله وليا، كمثل العنكبوت اتخذت بيتا !
"مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)"
أوهن البيوت بيتها، أضعف البيوت، وأسهلهم ذهابا، وأبعدهم عن الثبات بوجه  التقلّبات !
انظر في أرجاء السورة، قلّب بصرك فيها ! تأمل علاقة هذا المعنى المحوريّ فيها، بما يرد من قطع قَصَصية للرسل وأقوامهم، ومن قطع عن حال قريش مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعن حال الكفار في كل زمان.
سأعطيك بضعة أمثلة  :
💎 "وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13)"
الذين كفروا حاولوا إغراء الذين آمنوا بأنه على فرض أن هناك بعثا، (وهم لا يؤمنون به)  فإنهم مستعدون لحمل خطاياهم عنهم، إن كان اتباعهم لهم يجر عليهم الخطايا ! والحقيقة أنهم كاذبون، ولن يعتقوهم من خطاياهم، بل إنهم سيحملون الأثقال، أثقال ذنوبهم مع ذنوب من استمعوا لهم وأضلوهم .
تأمل النصرة هنا والولاية، أي نصرة حقيقية هي منهم  ؟؟ اربط مع مدار السورة، ولاية الله من عدمها .
💎 وهذه أخرى  : "وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (14) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آَيَةً لِلْعَالَمِينَ (15)"
نوح عليه السلام، وقد أنجاه ربه وأصحاب السفينة، وأهلك الظالمين، اربط النصر والخذل مع قضية ولاية الله، أو اتخاذ وليّ من دونه .
💎 ثم انظر هذه : "وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (22)"
"وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ"
الولي سبحانه، النصير، لفظان ذوا علاقة حيوية قوية بولاية الله تعالى، وبنصره لأوليائه. هو وحده سبحانه الولي النصير،  مدار السورة، البيت العنكبوتيّ الذي هو بيت من يتخذ من دون الولي سبحانه وليا، ومن دون النصير سبحانه نصيرا .
إليك الخط الآن 🙂  ايتِ بآيات من سورة العنكبوت حول هذا المدار، تأمل تمحور الآيات حول هذا المِحور، واذكر آيات تجده فيها .
#سورة_العنكبوت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #275 في: 2026-04-05, 17:31:27 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

🍀في سورة الروم آيات وآيات، آيات هي لبِن بنيان كل سورة من سور القرآن العظيم، هي قطعها اللؤلؤية التي تنتظم مشكّلة اللؤلؤة الكبرى.
وآيات كونيّة في قالب قرآني، تفتح عين الإنسان على كتاب الله المنظور، على ما يحيط به، على ما هو حوله، على ما هو من الناموس الذي يُذهب إِلفُه الإحساس من النفوس !
فأنت تبتغي من فضل الله تعالى تحت ضوء الشمس، وتسعى وتغدو وتروح، ولا تُلقي لها بالا تلك المضيئة لك بأمر ربّها !
تلك الكتلة المتوهّجة المأمورة أن تصنع لك النهار، أن تكون منبع الضياء ! لتُبصر بها، فتبتغي من فضل من سخّرها لك ! ولكنك ساعة تتأملها، وتقعد مع نفسك في هدأة النفس، تذكر محاسنها وفضلها في حركتك، فإذا انت الغافل المغيّب عن كبير، كبير !
في سورة الروم آيات تجعلك تتأمل الآيات من حولك، تُحِدّ بصرَك، توقد جذوة النظر فيك، تزيح عن قلبك ركام الغفلة، وتذهب بعقلك مذهب العمل والاستدلال والنظر :
"يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (19) "
انظر !  إنها مطيّتك، تطوف بعقلك حول ما هو حولك، تُسعيك بين النظر والنظر !
حيّ من ميت، وميت من حيّ، إنسان من نطفة، نبات من حبّ، مؤمن من صلب كافر ! وميت من حيّ، نطفة من إنسان، وحبّ من نبات وكافر من صلب مؤمن !  وكثير مما تنظر فيه بدرجة من علم، فدرجة أعلى وأعلى، لتعرف من هذا الإخراج الثنائيّ الكثير، وأنه ليس إلا لله !
وإنه حولَك، ولكنه ساعة انهماكك في الدنيا، وعكوفك عليها، وكأنه الذي ليس حولك ! هو الناموس الذي سُخِّر لك، ولكنك من إِلفه لا يعود لك الإحساس به إلا بهذا الاستنهاض ! لتجدك تنتبه، ولتجد الكلمات القرآنية تعمل عملها في قلبك وفي نفسك، عمل الماء الذي يُنضَح في وجهك لتستفيق !
وإخراجٌ أمام ناظرَيْك تُستفاق لتراه، وإخراج آخر لك حيا من بعد موتك هو كائن، أنت عنه غافل في زخم الدنيا وزحمة الحياة، تُدعى لتذكُره فتذكر معه وجوب سعيك لساعته، بل وجوب المسارعة !  وكائن وكائن مَن هو عنه مولٍّ، في إعراض منه صريح عن أمر البعث بعد الموت، جملة وتفصيلا، وهو يتبجّح بالكفر ويفخر !
ثم انظر تارة أخرى في آيِ "الروم" الموقظات، انظر إنك تراها حولك ولكنك الذي لا تراها ! فشتان بين رؤية بعين ذاهلة ، ورؤية بقلب وفكر !
"وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (20)"
من تراب أنت، يا من تنكر البعث من "تحت" التراب !
من تراب أنت يا ابن تراب !
وهذا البعث مرة أخرى،  والتذكيربه في صيغة أخرى وتركيب جديد !
يا ابن تراب ! ويا أنا يا ابنة تراب ! ويا كلّنا يا أبناء تراب !  من التراب نحن بشر منتشرون ! من التراب وحده، من التراب أصلا، فأنّى نُكبر أن تُنشر "العظام"  منا من "تحت" التراب ؟ !
ثم انظر من جديد ! إنه حولك آية، وكأنه الذي ليس آية ! فأفِق وانظر:
 "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) "
من جنس البشر خلق لك أيها الجنس زوجا، للرجل المرأة، وللمرأة الرجل، ليَكمُل الجنس بزوجه، وليسكن الجنس إلى زوجه، والمودة والرحمة مادة البناء بينكما !
تعرفها، أجل تعرفها، لست بالذي يجهلها، لا تحتاج علما لتعلمها، ولا ثقافة واسعة لتدرك كُنهها، ولكنّها الآية !!
مَن ذا خلق للبشر زوجا إليه يسكن ؟ !
تفكَّر إنها الآية ! أزِح عن عينك أتربة الإلف والعادة، وانظر إلى ربك وما أنعم عليك ! انظر إلى نعمة الزوج، أيها الرجل، أيتها المرأة، وهو داعي طاعتك له، وتقواك وإخباتك وشكرك ! وليس داعيا للغفلة عنه سبحانه، وللسَّدر في غيّ الهوى والضلال عن درب لك بيّنه وأبانَه، عن حدود خطّها لك فلا تتعدّاها، عن حلال أحلّه لك وطيّبه، وعن حرام حرّمه وأغلظه!
"وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (22)"
سماء تظلك، وأرض تقلّك، ليس غريبا ولا جديدا، ولا بِدعا !  بل هو الأصل وهو العادة، وهو الطبيعة !
ولكن، احذر إنها عندهم "هُم" طبيعة وحدها، وعادة وحدها ! أما عندنا فالأعلى من ذلك كلّه، أنها من خلق الله، أنه سبحانه الذي يحملها بغير عمد لتظلك، وأنه الذي يسوّيها لك ويبسطها لتقلّك !
فسبــّـــح ! سبّح إن الغاية من خلقها أن تكون لك، أن تُسخَّر لك، وأن تفقه أنّها بالحقّ خُلقت، وأن هذا الحق، هو أنك بينهما لتُبتلى، ثم لتلقاه فتُجازى ! لتُبعـــــــــــــث !
"وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ..."
لغات وأولوان ! ليست عليك بالجديدة، ولكنّك جديد وأنت تتأملها، وأنت تجمعها إلى الآيات السابقات، وأنت تستفيق من غفلتك، من إِلفِك، من عادتك، لتتأمل عبادةً، ولتعبد تأملا !
فتأمل ! تأمل إن التأمل عبادة، به تُخرج الخبء من سماء نفسك ومن أرضها، فتفقه، وتزداد إيمانا، وتزداد يقينا !
ثم امــــــــــــــضِ ! امضِ وانظر، وخذ لعقلك عقلَك !
"وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (23) "
وما الجديد ؟ ! إنه ما من جديد !
أدري !  ولكنّ الجديد هو أنت، وأنتَ توقن أنّه لولا إنعام ربّك لما كان !
إنك النائم، الذاهب في غيابات النوم، ثم ها أنت المستفيق الساعي في نهارك الجديد ! من أين ؟؟ لعلك صنعت فيك شيئا يجعلك تُكيّف نفسك مع الليل ومع النهار !  لعلّ الليل والنهار كانا قضية في حياتك شغلت التفكير فيك لتصنع لها من نفسك مكيّفا !
من غير شيء منك، أنت النائم، وأنت المستفيق !
"وَمِنْ آَيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (24)"
البرق ! ذلك الضوء العظيم المومِض، ذو الصوت المُرعِد ! يأتيك بالخير ويأتيك بالخوف !  وبين الخوف والخير أمر من الله أن يكون أحدهما فيكون !
وينزل الماء من السماء المُغدقة المعطاءة ! يُحيي الأرض بعد موتها، فاعقِل أيها الإنسان، اعقِل ! إن الماء ينزل من السماء من بعد إنذار الحالَيْن، إنذار واحد لحالَين، إما للخوف وإما للطمع !
تنزل مادة الحياة ! وكذلك ستنبعث الحياة بعد الموت، حياتك بعد موتك !
 "وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) "
ويا ما أعظم هذه الآية يا مَن خلقك آية ! ويا ما أعظم فعلها في النفس وهي تسمع وتعقل وتتفكر ! ما تقوم للأرض قائمة، ولا للسماء قائمة إلا بأمره !
سبحانك ربي يا عظيم  !
ثــــــــــــــــــــــــــــــــمّ !
إنها دعوة واحدة، إنه برق البعث، ورعد البعث !
إنها دعوة منه سبحانه من بعد تزلزل الأرض زلزالها وإخراجها أثقالها، من بعد سؤالك مالها ؟ ! من بعد تحديثها أخبارها بأن ربك أوحى لها ! من بعد إلقائها ما فيها وتخلّيها !
من بعد طيّ السماء كطيّ السجلّ للكتاب !  من بعد انشقاقها، من بعد انفطارها، من بعد انكدار نجومها، وتكوّر شمسها !
هي الدعوة منه سبحانه، لا من غيره ! الدعوة الواحدة، فإذا أنتَ تَخرج، تخرج للحياة بعد موتك، فمَن ذا لك في ذلك اليوم العظيم ؟ ! مَن ذا لك بعد ذهابك، وذهاب الدنيا التي كنت فيها، وذهاب السماء التي أظلّتك، والأرض التي أقلّتك ! مَن ذا لك يومها إلا ربّك الذي خلقك، ثم هو ذا يعيدك !
هو ذا يعيدك يا من أنكرت إعادة، يبعثك يا مَن أنكرت بعثا، فأنكر اليوم، أنكر !!
#سورة_الروم
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #276 في: 2026-04-05, 17:31:50 »
🌾🍁🌾لقمان وهو يوصي ابنه،  كان أول ما بدأه به ألا يشرك بالله:
«... يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيم»
وإنك-بعد هذه الوصية- لن تجد الكلام متتابعا بباقي وصاياه،  بل ينقطع،  ليُعتَرَض بوصية من الله مقابلة،  أنك يا أيها الذي أوتي الحكمة،  وأنت توصي أول ما توصي،  ألا يُشرَك بالله،  فإن الله تعالى يوصي ابنك بك!  يوصي كل إنسان بوالديه:
«وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ»
فيُجمَل الوالدان أولا، ثم تُختص الأم، ثم يؤمر أن يشكر لله ولوالديه؛  وليس ذلك القرن بين شكر الله وشكرهما إلا من علو مكانتهما !
أيها الإنسان إن كنت قد أوصيت ابنك بألا يشرك بالله، فالله قد أوصاه هو ابتداء أن يشكر له سبحانه ولك، لوالديه.
بل وأكثـــــــــر !
«وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ۖ وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تعملون»
حتى وإن كان أكبر سعيهما،  وغاية دأبهما ان تشرك بالله، فـــــــ  :
💎لا تطعهمـــا.
ولكــــــــــن!!
💎صاحبهما معروفا!
لا تؤذهما، بل أحسن إليهما،  وإن كانا يحثانك، ويلحان في دعوتك  للشرك بالله!
فأي فضل، وأي سبق إحسان !  وأي رحمة! 
توصي ابنك  بتوحيده وهو صاحب النعم كلها عليك وعليه، ويوصي ابنك بالإحسان إليك، وأنت صاحب الكفر  به والنكران!!
وإنه لمن دواعي نظرك بالعقل أيها الإنسان،  في أنه الرب المستحق إفراده بالعبادة، وهو سبحانه يدعو من دعوتَه أنت أن يشرك به أن يحسن إليك؟!
وحدها تكفيك يا من تدعو للإشراك به لتؤوب وتتوب وتقرّ له بالألوهية والوحدانية! ولنفسك بالعبودية له وحده!
#الوالدان
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #277 في: 2026-04-05, 17:32:18 »
💦في سورة السجدة مشهد مهول، مزلزل :
"وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (12) "
أي مشهد هو؟ ! أي تصوير لحالهم يومها؟ !  وكأنك تشهد الغيب بعينك، وتسمعه بأذنك، وكأنه المشاهَد لا المَغيب ! بوزن حقيقته وتحقّقه هو وزن تصويره !  إننا معشر أهل القرآن، نُدخَل الغيب  بالقرآن إدخالا ! نشاهده به عيانا هو هو كما ساعة أوانه !
ناكسو رؤوسهم، مُقِرّون بين يدي ربّهم، إقرار جَنان وإقرار لسان !
ها هُم يقولونها : "ربّنا" !
ثم هم أولاء يعلنون إيمانهم : "أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا " !
بعد ماذا أبصرتم، وبعد ماذا سمعتم ؟ !  أبعدما انتهى زمان الامتحان، أبعدما جفّت الصحف ورُفعت الأقلام؟
أبعدما أعلِن الجواب على الملأ، وأعلنت النتائج  وتبيّن خائب من فائز ! أبعدما لهوتُم في ساعته، ولعبتم، واستهزأتم، وكذبتم أنه الامتحان ؟ ! بل وأقسمتم بآلهتكم العديدة وبنظرياتكم "التطورية" والمادية المديدة المديدة، أنه ما من يوم لبعث وجزاء كلٍّ بما قدّم في أيامه ؟ ! 
أبعدما عرفتم الإجابة في اليوم الموعود، يوم شاهد ومشهود، يوم يغدو البصر حديدا لا يفلّه الحديد ! ويوم يتبدّد الغيب عن سماء القضاء، فتُشرق على الناجين شمس الوعد، وتُطبِق على الهالكين عتمة الوعيد  ؟ !
أبعدما صرتم """عنـــــد""" ربّكم ؟ !
أبعدما أبصرتم يوم لا ينفع البصر منكم، وسمعتم يوم لا ينفع السمع ؟ ! فأيقنتم يوم لا ينفعكم يقين ؟ !
إنما كان لينفعكم يوم كان امتحان، يوم عُلِّمتُم أنّ ربكم الذي خلقكم يبتليكم أتبصرون وتسمعون، أم تُعمَون وتُصَمُّون ؟ ! يومها،  لا يوم إعلان النتائج ! لا يومَ يصبح الغيبُ شهادة !
فما نفع أمانيكم بعد أمانيِّكُم : "فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ"
موقنون ؟ ! وأي يقين هو يقين ساعة الجزاء لا ساعة "امتحان أتوقنون"  ؟ !
ساعة الجواب المكشوف لا ساعة السؤال المطروح ؟ !
ما نفع الدنيا إن كنتُم ستُبعَثون، لتأخذوا الجواب عن سؤالات امتحانها الذي ولّى كما ولّت ؟ !
ثم تُرجَعون ؟ إلى ما لن يُرجَع وقد انتهى زمانُه ! إلى دنيا تتمنون لو أنها تعود لتعودوا فتجيبوا ولم يجرِ عليكم امتحان، إنها دنيا خيالكم المهزوم ! دنيا وهمكم المشؤوم، دنيا سعيكم المذؤوم !
أما السعداء اليوم، فهم من أبصروا وسمعوا وأيقنوا يوم نفعهم بصر وسمع منهم ويقين، يوم نفعهم العمل، فانظروهم يومَها :
"إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآَيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (15) تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (16)"
لم يكونوا يعلمون، ولم تكن نفس من الأنفس تعلم ما أخفِي لهم من قرّة أعين ! جزاء وِفاقا لقلب أبصر، وعقل سمع، ويقين قدمّوه !
"فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) "
أفمن كان مبصرا كمن كان أعمى ؟؟ "أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)"
فاللهم إيمانا ويقينا وثباتا عليه حتى نلقاك.
#سورة_السجدة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #278 في: 2026-04-05, 17:37:07 »
🍁جاء في صدر سورة سبأ، في الآيات الخمس الأولى تحديدا :
"الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآَخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (1) يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (2) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (3) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (4) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آَيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (5)"
فإذا حاولت ن تُجمل عناوين لهذه الآيات، وجدت أنّه :
💎 مالك السماوات والأرض وما فيهما، الذي له الحمد في الدنيا وفي الآخرة. (الملك الحميد).
💎محيط علما بما في السماوات وما في الأرض، وما بينهما من صاعد ونازل وباطن وظاهر، وهو مع علمه بكل شيء، يغفر ويرحم، (والمغفرة إيماءة لليوم الآخر)
💎إنكار الكافرين للقيامة والبعث، وقسم الله تعالى على وقوعها، وما يكون فيها من جزاء حسن للمؤمنين، ومن عذاب للكافرين.
فتأمل كيف اشتركت الآيات الخمس كلها في ذكر اليوم الآخر، لتفهم مدارها ومحورها، الذي هو محور الوجود كله والحياة كلها !
الحقّ الذي خلقت السماوات والأرض ""بـــــه""، خلقت متلبّسة به : "خلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ (3)" -التغابن-
خلق السماوات والأرض بالحقّ الذي هو البعث للجزاء على ما كان من ابتلاء . غاية خلق السماوات والأرض البعث !
لتأتي الآية التالية لهذه الآيات وفيها وصف خاص جدا، وبالغ الأهمية :
"وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (6)"
" الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ "
وصف للمؤمنين ليس بالدارج في القرآن، ولا بالكثير، " الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ "، فهم الذين على بيّنة من ربهم بهذا العلم الذي لا يعتريه شك، ولم يخضع لتجارب البشر حتى أنتج فرضياته، ولا لملاحظاتهم وحكمهم حتى صاغ نظرياته، فهي القابلة بعدها للنقد وللدحض على عادة النظريات العلمية .
إنه العلم الذي لم يُنتجه بشر ! إنه العلم الذي هو من رب البشر للبشر، العلم الذي يليق به وصف "الحق"؛  العلم الحق.
فهذا العلم(القرآن)، وهؤلاء هم الذين أوتوه (المؤمنون).
وهم أولاء يرون(يرى)؛  وهي رؤية منهم لهذا العلم، رؤية للعلم اليقيني الذي لا ريب ولا شك فيه، هي رؤية علمية يقينية(علم اليقين) التي ستصبح يوم القيامة عين اليقين، وعند نيل الجزاء حقّ اليقين.
فماذا يـــــــــــــــــــــــــــرون ؟
"الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ"
هذا ما يرى المؤمنون بالقرآن، الذين أوتوا القرآن،  أنّ الذي أنزل إليك من ربّك الحقّ، وأنه يهدي إلى صراط العزيز الحميد، الحق الذي يهدي إلى صراط العزيز الحميد، إلى  الصراط المستقيم.
لتجتمــــــــــــــع :
"أوتوا العلم" + "العلم"+ "يرى" + "الذي أنزل إليك من ربك(القرآن)" +  "الحق"  + "يهدي".
فإذا هي أطراف علم اليقين.
من حيث فضل أهله، وهم الذين شُرّفوا به وصفا لهم، وأنهم الذين يرون رؤية علمية قائمة على الحجة اليقينية والبرهان والدليل اليقينيَّيْن؛  وكلها يعجّ بها القرآن، ومن حيث صفته هو بأنه "الحقّ" المطلق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه "الهدى" الذي يهدي إلى الصراط السويّ .
فكل أساساته يقينية، وكل مادته يقينية، وكل نتائجه يقينية . ومَن أوتيه وكانت له تلك الرؤية فهو الذي أوتي رأس العلوم كلها، وأشرف العلوم، وأعلى العلوم، وغاية العلوم .
ومن أوتي علوم الدنيا كلها ولم يكن من الذين "يرون" هذه الرؤية اليقينية في هذا العلم اليقيني، فكأن لم يُؤتَ شيئا !
ثم تأمّل ... إن مدار الوجود والخلق هو "الحقّ" الذي هو البعث للجزاء على ما كان من ابتلاء الإنسان بين السماء والأرض، وإن الذي أنزِل هو العلم "الحق" القائم على الحق، المقيم للحق، الذي يهدي أهله لتبيّن الغاية من الوجود (البعث للجزاء على ما يكون من ابتلاء).
وكيف أن الذين ينكرون الآخرة والبعث والحساب (الحق الذي تلبّس به الخَلق)، هم مَن ينكرون القرآن أصلا، ولا يعرفون لهذا العلم اليقيني رؤية يقينية، فتجد بعد آيتنا هذه مباشرة قول الله تعالى :
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (7) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (😎"
أجل... هم الذين يُجعَل بينهم وبين القرآن حجاب مستور : " وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) "-الإسراء-
#سورة_سبأ
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #279 في: 2026-04-05, 17:37:48 »
ما أزال مع سورة الطلاق، بل مع الآيات الأولى من السورة 🙂
تُبحِر فإذا أنت في عالم قائم بذاته، بعلم قائم بذاته؛  سبحان الله ! حالات وحالات تخطر ببالك ولا تخطر ببالك تكون عليها المرأة، فأيَّ عدّة تعتدّها هذه بعد طلاقها، وأيّ عدّة تعتدّها الأخرى ؟أهي عدّة ذوات القروء، أم عدّة التي لم يدخل بها زوجها، أم عدّة الآيسة، أم عدّة الصغيرة التي لم تحض أصلا، وتحت هذه الحالات العامة حالات وحالات تطرأ على المرأة، فبأيّ عدّة عليها أن تأخذ، ووِفق أيّ عِلل تكون تلك عدّتها ؟ !
كلها تطرّق لها العلماء، واستنبطوا لها الحكم الملائم من خلال عموم ما دلّت عليه الآيات، فتبهَتُ وتندهش من سعة هذا الدين، ومن شموليته، ومن علاجه لكل الحالات، ومن كفاية جوامع الكلِم (القليل الجامع)  للكثير المنتشر من الحالات !
كما تنبهر حقا بتبحّر الفقهاء (القدامى الأوائل) وبدقة استنباطهم، وعميق فهمهم !
الحكم على الشيء جزء عن تصوّره، فبالتبحّر والبحث والاطلاع تعرفهم من كثب، وتعرف تميّزهم وعلوّ كعبهم؛  وتعرف بالمقابل مدى سطحية مَن ينتقدون العظماء الأوائل، ويسارعون للقدح في "التراث" وهم لا يتبيّنون أصلا سرّ ما جعلهم أفذاذا لا يُقارَعون ! 
لله درّهُم، حقيق علينا أن نجلّهم ونجلّ عملهم، لا أن يُتَّبَع كل ناعق يطعن فيهم وفيما قدّموا، بحكم أنهم القُدامى وأنّ عملهم قديم، وبدعوى أنه الذي يدعو للتجديد ! وهو لا يبلغ معشار معشار معشار ما كانوا عليه ! ليس حاله إلا كحال من يطعن بالشمس لقدمها !
كما لا يفوتني أن أشير إلى جهل كبير يلفّنا ورجال المسلمين ونساؤهم يقبلون على الزواج وهم لا يعرفون عن هذا العالم وتفاصيله إلا سطح السطح !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب