
«هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا (1)»-الإنسان-
**** "هل" تعمل عمل "قد"، فتعني هنا التقرير في صيغة سؤال، كقولك : "هل رأيتَ أخلاق فلان ؟" "هل رأيت جمال فلان ؟"، وإنما وأنت تسأل تريد أن تؤكّد على حسن خُلُق فلان، وتريد أن تؤكد على جمال فلان...
**** كما تُلقي بالسؤال على الإنسان، ليتفكّر في أصله، وفي أول وجوده، فلا يثق العاقل الرّصين إلا في جواب الخالق الحكيم الهادي سبحانه، الذي أرسل رُسُلَه، وأنزل كُتُبه هُدًى وقصّاً للحقّ من النبأ ...
يُسأَل فلا يملك إلا أن يُصغي لما يقرّره الخالق سبحانه حول بدء خلقه، حول أول أمرِه في الأرض ...سؤال لا يملك الإنسان حِياله إلا مزيد إذعان، وتفكّرٍ في عظمة قدرة الله سبحانه ...
إنه قد كان الكون، ولم يكن الإنسان... ! إنّه قد خُلِق الكون، ولبث بكلّ الموجودات فيه ولم يكن الإنسان فيه شيئا مذكورا... !
أما أصحاب الهوى ودعاوى الإنكار والتكذيب، ومُجانبة الحقّ، والإصرار على الإعراض عنه، فهم يتقافزون ليعلنوها "تطوّرا" ... ليعلنوها "داروينيّة" صُدَفِيّة، هبائيّة عبثيّة ... !
قالوا بأنّها الصّدفة، وبأنها الخليّة الصُّدفة، وبأنّ أصل الإنسان الأول "شيء" ... ! أعلنوها مخالفة لتقرير الله تعالى: ﴿لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾..!
مخالفة لها كلّ المخالفة ... والله سبحانه يعلنها أنّه لم يكن شيئا مذكورا، لم يكن "إنسان" ثم كان بإرادته سبحانه "إنسان" ... بينما يعلنون أنّ الإنسان كان ولكنّه لم يكن "الإنسان" ...!
فصيّروا الأب الأعلى قِرداً ! صيّروا الإنسان متطوّرا بطفرات "عشوائية" عن أسلاف حيوانيّة ! صوّروا الأحافير، وزوّروها، وجعلوا منها دليلَهم على تقاريرهم لدَعم نظرية الصّدفة، واللاخلق ... ! والله تعالى قد قرّر في كتابه الذي أنزل بالحقّ، والذي نزل بالحقّ أنه ﴿ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا﴾ .
وعلى هذا ... ! الذين يتململون، ويتخبّطون، وهُم يريدونها داروينية إيمانية ! يريدونها داروينية تطوّرية، لا تقرر مبدأ الصّدفة، بل تُقِرّ بالخلق، فتراهم يقولون بالتطوّر الموجَّه ، لا يلغون فيه النظرية وأساساتها، بينما يدعون فيها بالخلق لا بالصُّدفة ...
هؤلاء وإن جعلوا يربِّتُون على كتف ضميرهم الإيمانيّ، يُطمئنونه، ويهدّؤون من رَوْعه، إلا أنهم يقرّون بأن الإنسان كان في هذا الكون شيئا غيرَ الإنسان ... !!
لا يستبعدون القول بأنّ أصله قرد...يُقِرّون بشَيْئِيّته قبل صيرورته إلى "إنسان" ... !
وتستمرّ المجامع العلميّة العالميّة في تأييد النظرية وتوجيهها بما يتناسب وعَزْوَ الوجود إلى الصُّدفة، وإسقاط الخلق بخالق والإيجاد بموجِد ! ويستمرّ المُسايرون من بني الإسلام لهذه السياسات العالَمية الموجّهة، في البحث عمّا يُسكِت صوتَ الضمير الإيمانيّ فيهم من جهة، وما يُبقي عندهم على أوّليّة تلك المجامع ومصداقيتها التي لا يرضون بأدنى طَعْن فيها من جهة أخرى... ! فأخرجوا "نظرية التطوّر المُوَجّه" كحلّ بين الحلول التي تُبقي على إيمانهم بخالق، مع الإيمان بشيئيّة للإنسان قبل إنسانيّته... !
ألقى داروين بالنظريّة، وتلقّفها الهوائيّون ليجعلوها ربَّهُم المعبود، وهي التي تُسوّغُ لهم العبثيّة، واللاهَدَف، والإعلاء من دعوى التفسّخ واللاأخلاق واللاقِيم بإلغاء الدين، ومُحاربة أهله... ! ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) ﴾[القلم].
فيا أيّها الإنسان من أين تأخذ النبأ اليقين ؟؟ أمِن الخالق المصوّر الموجِد الملِك، أم مِن مُغتصبي الفِطرة في الإنسان، وحابسي أنفاسِها فيه ؟!
ولا عَجَب في تكذيبهم، وفي إعراضهم عن الحق، وفي إصرارهم على أهوائهم وأكاذيبهم وتفاهاتهم التي يُلبسونها لبوس العلم، وقد علّمنا الله السبب الحقيقيّ وراء إصرارهم وإعراضهم فيما سبق من السّور، فألقى لنا بالعلّة الأولى في سورة المدثّر :﴿ كَلَّا بَل لَّا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ ﴾ [المدثر:53].
ثم زادنا في سورة القيامة بيانا بالعلّة من خلف العلة، فهم لا يخافون الآخرة ولا يؤمنون بها لأنهم يريدون فجورا يسوق إلى فجور.... وليس ذلك فيهم إلا من حبّهم العاجلة...
لقد ظلّ الكون زمانا مديدا، ودهرا طويلا ولا وجود للإنسان فيه ... ! لقد كان الإنسان إنسانا ولم يُخلَق قبلها شيئا آخر...كانت المخلوقات بأوصافها وأشكالها ولم يكن المخلوق العاقل بعدُ موجودا ...
هو الذي بعقله -الذي هو عطيّة الله له، وخصيصته دون مخلوقاته كلها- أصبح ذاكرا تُذكَر عنده الأشياء. وقد قال سبحانه : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ...﴾[البقرة : من الآية31].
وقال أيضا : ﴿وَيَقُولُ الْإِنسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا(66)أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا(67)﴾ [مريم].
ويحضرني حالا إخبار الله ملائكته عن جعله في الأرض خليفة ...كانت تلك اللحظة التي علم فيها غيرُ الله بإرادته سبحانه إيجاد الإنسان... فكانت أوّل صفة عُرِف بها الإنسان عندهم : "خليفة" ...
إذن... وقد انتهت "القيامة" بذكر خلق الإنسان: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِّن مَّنِيٍّ يُمْنَىٰ (37) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّىٰ (38) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَىٰ (39) ﴾ بيانا لهوان أمر البعث على الله تعالى، وهو الذي لم يَعْيَ بالخلق الأول من نطفة ...
يتدرّج القرآن ليتّصل بسورة "الإنسان" بيانٌ أكبر لهوان أمر الإنسان على الله، ثم لتذكيره وهو الحيّ العاقل المتحرك على الأرض، المتفاخر بعلم عنده، المستكبر بجاهٍ أو بسلطان، المستكثر من مال أو ولد، بأنّه الذي لم يكن نطفة وحسب، بل لم يكن شيئا مذكورا... !
#أصل_الخلق