المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7749 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #280 في: 2026-04-05, 17:39:15 »
قمت بتصميمها حول التقوى في سورة الطلاق العظيمة:

ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #281 في: 2026-04-05, 17:40:32 »
من بين ما خلصت إليه من سورة الطلاق،  مع ما يملأ جنباتها من أوامر متعاقبة وملازمة بالتقوى،  وبالابتعاد عن كل ألوان الظلم والأذى، بل الحث على الإحسان وإيتاء الحقوق موفاة، والتمرد على النفس الأمارة، في امتحان هو من أصعب ما يعرِض للمؤمن في حياته.
وقد يبدو طريفا نوعا ما ما خلصت إليه 🙂  ولكنّ به وجها مسفرا من أوجه الحقيقة !  أن الرجل الذي يلتزم بكل أوامر الله تعالى وهو يطلّق،  يأتمر بكل أمر وينتهي عن كل نهي وهو يطلّق(وهي أوامر ونواهٍ تمثل أحكاما رغم بالغ أهميتها إلا أن المجتمع المسلم اليوم للأسف،  يفتقر لدافعية حيوية معرفتها  ولدافعية ضرورة تطبيقها!)؛ هذا الذي يتقي الله حق تقاته وهو يمر بمرحلةٍ،  نفسه فيها متأجحة، متوثبة للخطأ والظلم والانتقام، والتهوّر والتسرع،   هو رجل يستحق ألا تُطلَّق منه المرأة، هو رجل يجب على المرأة ألا تضيّع فرصة الرجعة وهي تتربص بنفسها معتدّة في طلاقها منه 🙂 فهو من حُسن بلائه في هذا الابتلاء،  يُبينُ عن نفاسة معدن نفسه!
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #282 في: 2026-04-05, 17:41:37 »

 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
مالي كلما حللت بسورة من سور القرآن وجدتني أقول : "ولا أجمل ولا أروع  " !
مالي كلما جددت الحلول بها مرة أخرى وجدتني أقول: " كيف لم أرَ هذه الوضاءة من الجمال وهذه القطعة من الحُسن فيها من قبل ؟ !"
إنه القرآن، إنه الجمال، فُلْكُكَ المُبحِر بك في بحر الجمال يغشاه الجمال يغشاه الجمال ! إنها أجنحة الروعة تحلّق بك عاليا في فضاء الروعة ! إنه الذي ليس كمثله إلا القرآن !
بالله عليك يا قارئا ما أقرأ، هل عرفتَ سورة "فصلت" ؟
أدري أنك عرفتَها، وقد عرفتُها، ولكنّها الولّادة كشأن أخواتها في قرآننا
فانظـــــــــــــــــــــــــــــر !
"كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (3) بَشِيرًا وَنَذِيرًا..."
إنّ : " بَشِيرًا وَنَذِيرًا" ليست بالغريبة، ولا بالجديدة؛  إنهما الصفتان الملازمتان لسيدنا وسيد الخلق أجمعين صلى الله عليه وسلم.
ولكن تأمل إنهما هنا عن القرآن ... لكأني به ذاك العاقل الذي يبشّر ويُنذِر، بل لكأني بالقرآن صورة عن محمد، ومحمد عن القرآن صورة  !
وإنه وربّي لكذلك !  أليس قد قالت تلك النبيهة الفهّيمة الفطِنة حبيبة الحبيب صلى الله عليه وسلم، تصفه : "كان خلقه القرآن " ؟ 
فإنّ لـــ : " بَشِيرًا وَنَذِيرًا " بيانا للقرآن  وقعا خاصا خاصا، ما أروعه !
ثم لا تذهب بعيدا .. ! هنا قريبا جدا، وأنت تسترسل في قراءتك صدر "فصّلت"، وأنت في عَرَض حديث الله عن إعراض المشركين عن القرآن، عن البشير النذير :
"...فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (4) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (5)"
انظر لقولهم، واجعله قطعا وأجزاء، وحلّل :
📌"قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ "  : الأكنّة(جمع كِنان وهو الغطاء)؛ قلوبهم في أكنّة بظرفيّة حرف "في"،  لترى صورة القلب وهو يدخل  الغطاء دخولا، وكأنه بالاختيار قد دخل الغطاء !  ثم إنه يغطيه كلّه لا ما قد تعرفه من ستر لجزء منه يظهر دون جزء ! ----> عمى بصيرة
📌 "وَفِي آَذَانِنَا وَقْرٌ "   :  والوَقْر هو الثقل عن السمع، هو الصمم، فهم لا يسمعون ----> صَمم عن الحق.
📌 "وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ"   : حجاب ساتر بينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم وما يبلّغهم من القرآن، وقد جاء في سورة الإسراء عن هذا الحجاب نسبة للقرآن بالأوليّة لا نسبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : "وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا (45) "-الإسراء-
لترى يا يرحمكَ الله ويرحمنا، مرة أخرى أن الحجاب المسدَل كائن بينهم وبين القرآن، وبينهم وبين محمد صلى الله عليه وسلم، في بيان جديد لصورة القرآن في محمد، ولصورة محمد  في القرآن !
وإنه الكنان مع الوقر مع الحجاب!  وإنه للتفاخر بالعمى  وبالصمم، بالموت في ثوب حياة!  فيا رب سلّم سلّم!
وتريّث ... لا ترحل، وانظر مرة أخرى في "فصّلت" ففيها والله العجب!
ولقد قال النفر الرشيد وهو يسمع القرآن : "إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَبا"
إنها قصة الجلود والأبصار والأسماع منك، إنها قصة الأبعاض مني ومنك، إنها قصتك مبعَّضة !
إنها النفس تتبرأ من نفسها !
"حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (20) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (21) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (22) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)"
استمع للسمع والأبصار والجلود تحاور النفس، والنفس تحاورها !
استمع لهذا الحوار الفريد الفريد :
-- لقد شهد السمع والأبصار والجلود على صاحبها .
-- الصاحب: لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا ؟
-- الأبعاض : أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ.
إنها الأبعاض تقرّ بما  عاش صاحبها ينكر !
-- الأبعاض : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ.
كنتم منطلقين في غيّكم وضلالكم وكفركم، وما كنتم تستترون من شهادة لنا عليكم ! ربما سمعتم نبأها من القرآن يوما من أيام دنياكم، ولكنكم كذّبتُم، فما كنتم تستترون منا ! وظننتم أن الله يغيب عنه كثير مما تعملون. لم تكونوا تصدّقون أنّ يوم شهادة أبعاضكم عليكم آت، وأن شهادة أبعاضكم عليكم آتية يوما لا محالة !
-- الأبعاض : وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ
هكذا ظننتم، فأنكرتم، فأرداكم، فخسرتم !
أأتخيّل ؟ أتتخيل معي ؟ ! أيكون الإنسان وأبعاضه عدوّا لعدوّ ؟؟ ! أتقرّ أبعاضه بما أنكر، أتقرّ بالحقّ، فترديه نفسُه، كما أرداها إذ ظلمها في الدنيا باختياره الكفر على الإيمان ؟؟  إنه حقا حقا يوم التغابن !
وما تزال عجائب "فصّلت "، ولكنني آثرت أن أقسمها .. وغدا إن شاء ربي لنا معها لقاء.
الله أكبر الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد. 🌹
#سورة_فصلت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #283 في: 2026-04-05, 17:42:16 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

في هذه الأيام العظيمة المباركة يقدّر الله أن نلامس دُرر "فصّلت "، فلنكمل مع أجوائها :
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (26)"
قالها كفار زمان القرآن الأول، زمان نزوله، ويقولها الكفار في كل زمان، إذ يعيد الكفر نفسه في ورثة أهل الغيّ والباطل في كل زمان .
لا تسمعوا لهذا القرآن، والبِسوا على مَن يسمعه إذا قرِئ، بأن تلقوا بأخلاط القول، فلا يسمعوه، ولا يمِيزوه من الأخلاط التي تُلقى !
لا تسمعوا له، اجعلوا بينكم وبين سماعه حائلا، ولقد قالوها من قبل لو تذكر : "وفي آذاننا وَقر"، فيها صمم وثقل عن سماعه؛ كذلك يأمرون غيرَهم أن يجعلوا حائلا بين آذانهم وبينه.
أفلستَ ترى أنه حالُ الخائف الفرِقِ من أمر يُحدِثه القرآن في النفس؟ ! أفلستَ ترى أنهم يدعون إلى اجتناب السماع "المتعقّل"، سماع يمرّر للعقل ليعمل عملَه !
يخافون أن يعقلوا إذا سمعوا، فهم يأمرون بحجب العقل إذ يأمرون بحجب السمع !
واربط بين السمع والعقل، واذكر قول الله تعالى ينبئنا بكلمات للكافرين يوم يحقّ الحقّ، يقرّون بها أنهم لم يُجبَروا، بل  ملكوا الاختيار، ولكنهم أساؤوا الاختيار: "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (10) "-الملك-
هذا عن دعوتهم الناس ألا يسمعوه،  ثم ثنِّ بدعوتهم لهم أن يَلغُوا فيه، أن يبثوا أخلاطا وهو يُقرأ،  بالفوضى والضجيج وأخلاط الكلام.
و"لغا" في اللغة  الحديث بميل عن الصواب إلى الخطأ، عن الحق إلى الباطل...
فالغوا، اخلطوا، قولوا باطلا، قولوا تفاهات وسفاهات، وليكن منكم أي كلام، كيفما كان ... اعترضوا للحق باللّغو !   
وفي زماننا أيها اللاغون !
 أعْلوا عقائركم بكلام، هو الحرب على القرآن، بتصورات الملاحدة الهبائية والعبثية للوجود، بوجود الصدفة، بلا شيئية الأصل، وبأوْلِه إلى لا شيء ! باللا غاية، بالعَماية !
ارفعوا عقائركم يا أباطرة القوة المادية، يا دولا عظمى "متحضرة" "متقدمة"، ويا أذيالها المُدَلْدلة هنا وهناك من بني الجلدة وبني الجلدات! وهذا مدلّلكم وذاك وذاك من أساطين الإلحاد ورموز الكفر في الأرض، ادفعوا لمَن يلغو بينهم أكثر ! الغَوا في القرآن لتغلبوا !
ارفعوا عقائركم بدعاوى التنوير والتجديد، فإذا السُنّة لا شيء، وإذا القرآن وحده الذي إليه يُحتَكَم !  وإذا الصحابيّ مطعون فيه، وفي كل ما يخرج  من فِيه ! وإذا المعاني في الآيات ملويّة الأعناق لبلوغ عنان الأهواء !
وإذا الأمر عن الخمر ليس التحريم، وإذا الشأن في الزنا ليس التجريم ! وإذا أهل اليهودية والنصرانية أهل جنّة ! من قول الأذناب المدلدَلة من بني الجلدة، حتى أن ذاك الذي يروم هدم الأقصى، ويقتل المسلمين القتل الأقسى، أخوك يا مسلم هذا الزمان يا هذا ! 
ارفعوا عقائركم بالــ"نسوية" المحاربة للأنوثة باسم حرب الذكورة !
ادفعوا لمَن يلغو بينهم أكثر ! الغَوا في القرآن لتغلبوا !
الغَوا بكل باطل، وبكل هراء، وبكل غثاء !
وإنّها  لعَمْري لَصورة الخائف كرّة أخرى تتمثل لي وهو يأمر الناسَ :
📌أولا أن يُصمّوا عن السماع لئلا تعمل فيهم العقول، فينقدح زناد الفكر والنظر، فيتبيّن في النفس الخيط  الأبيض من الأسود، فما تفتأ أن تشرق شمس الحقّ عليها فتستضيء بعد ظلمة، وتستنير بعد عتمة !
ألا أفيقوا ... ولا تفعلوا بأنفسكم هذا ! لا تسمعوا حتى لا تخرجوا من ظلمات الباطل، حتى تبقوا حيث أنتم !
هكذا يقول قائلهم لمَن يُعمِل عقله فيما يقول !
📌ثم يأمرهم ثانيا أن يلغوا، ويخلطوا، أن يعترضوا سبيل الحق، أن يصدّوا أشعة الشمس باللغو، أن يوقفوا مدَّ النور باللّغو، بالكلام الهباء، بالهُراء، بالغُثاء من القول !
وفي كل زمان هما الأمران  :  "لا تسمعوا"  و  "الغَوا" .
لا تتركوا لشعاع الشمس مدخلا  إلى أنفسكم، أغلقوا المنافذ، وأحكموا الغلق، ثم لا تكتفوا، بل أخرجوا منكم باطلكم المظلم في كلمات، في لغو، ليعترض سبيل الحق، ليبتر مدّ النور !
ولا تنسَ الغاية التي لأجلها كان منهم الأمران، التي لأجلها كان منهم الحلّان :
"لَعَلَّكُمْ تَغْلِــــــــبُونَ"
بهذا  المنهج ستغلبون، بهذه الحرب التي تعلنونها على عقولكم قبل القرآن، ستغلبون ! بظلاميتكم، وبهبائياتكم ستغلبون الحقّ ! ستقهرون النور !
فبالله عليك يا صاح !  أوَيُفلِح من هذا سلاحُه قبالة نور مُتَمّ بوعد منزله ؟ !
في كل زمان، في كل عصر، في كل أوان؛ لن يغلبَ باطلٌ ولغو وهوى حقـــــــــــــا ! وإن ألبسوه ثياب أكاسرة الأزمنة،  وأعطوه صولجان قياصرتها !  إنما هو:  " كِتَابٌ فُصِّلَتْ آَيَاتُهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ "
إنما هو : " ...قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (44) "
من "فُصّلت" جاءك الجواب عما هو من "فُصّلت" !
فانظر للآيات وهي رجع صدى بعضها لبعض !  انظر للآيات في السورة وهي "تفصّل" في "فصّلت" بعضها بعضا، وهي تجيبك !
وما تزال عجائب "فصّلت "، ولكنني آثرت أن أقسمها  .. وغدا إن شاء ربي لنا معها لقاء
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد .
#سورة_فصلت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #284 في: 2026-04-05, 17:42:45 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

ونكمل فيما يلي مع  أجواء  سورة "فصّلت"
"وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) "
يوم القيامة، يوم الحاقة، يومَ لا ينفع ندم، يومَ لا ينفع إيمان مَن عاش على الكفر في الدنيا، يوم لا ينفع بصرٌ حديد، ولا ينفع قولهم: "يا رب" ولا قولهم "شهدنا" ولا قولهم "آمنّا" !
يوم لا ينفع قولهم "رَبَّنَا" !
هم أولاء ينادون ربّا كفروا به في الدنيا، أنكروا العبودية له، أو أنكروا الائتمار بأمره والانتهاء عن نهيه، أو أنكروا وحدانيته، أو أنكروا وجوده أصلا !
آالآن ؟؟ آالآن وقد انتهى أوان الامتحان ؟
آالآن وقد حلّ أوانٌ يُكرم فيه أهل الهدى والإيمان ويُهان فيه أهل الجحود والكفران ؟
آالاآن تنادي "رَبَّنَا"  ؟ ! آلآن وقد أصبح الغيب شهادة ؟
ثم إنّك تسأل، الآن تسأل رَبّا لطالما أنكرتَ أن يُسأَل ؟؟ فما عساك تسأل ؟؟
"رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ"
أرِنا الفريقَيْن من الذين أضلونا إنسا وجنّا، نجعلهما تحت أقدامنا، أرِناهما لندوسهم بأقدامنا انتقاما منهم، ومما صرنا إليه من اتّباعهم، ليكونا من الأسفلين !
وبعد ؟ ! أأنتم من الأعلين لتجعلوهما من الأسفلين ؟
وبعد ؟ ! أوسيذهب غيظكم وبَرَحُ ألمِكم من بعدها ؟
وبعد؟ ! أفحسبتم أنّما كُرّمتم بالعقول وبحرية الاختيار، وبالكتب الهادية وبالرسل الهُداة، وبالفطرة المركوزة  ليُقبَل منكم يوم القيامة أنكم كنتم أتباعا لمتبوعين ؟ !  أفحسبتم أن يشفع لكم أنكم كنتم لهم تبعا ؟ ! أنهم أضلوكم ؟
إنّ الذي اختار ألا يكون لهم تبعا قد كُرِّمتَ بالعقل كما به كُرِّم، وقد وُهبتَ الاختيار والإرادة الحرة كما وُهِبَهما، وقد كان لك أن تحسن الاختيار كما أحسن؛ أفتكون أنت وهو صنوان ؟ 
وبعد ؟ ! وإن جعلت اللذَيْن أضلاك تحت الأقدام ؟؟ إنك وهم من الأسفلين، ولم يعد لك حتى أن تنتقم !
فاللهم أجرنا، وثباتا حتى نلقاك .
ثم انظرإلى قولهم في الآية، وتأمل الآية التي تتلوها، وكأن الله بالانتقال من قولهم إليها، يصوّر لنا إعراضه عن قولهم، عن هرائهم، عما لن ينفعهم، يصوّر لنا الالتفات عنهم تحقيرا وتصغيرا إلى مَن هم أهلٌ للثناء وحسن الجزاء، إلى الذين اختاروا حينما امتُحِنوا، إلى الذين نجحوا ساعة كانت الشهادة شهادة والغيب غيبا، ساعة لم تحن الساعة، ولكنهم صدّقوا بها، ولها عملوا :
"إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (32)"
لقد قالوا : "ربّنا"  ساعة نفعهم قولها، لقد قالوها ساعة الامتحان ! وإنهم لم يقولوها وكفى، بل لقد "اسْتَقَامُوا".
استقاموا على الطريقة، ثبتوا عليها، وما تزعزعوا رغم المغريات والملمّات والقوارع والصوارف، والدنيا بكَلّها وكَلْكَلها كانت ابتلاء في ابتلاء...
فهي ذي الملائكة تتنزّل عليهم ساعة أزفت الموت مُطَمْئِنة مبشّرة : " أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ ".
ثم اسمع بعدها لكلمات الملائكة يرحمك الله، فإنها من بديع جمال "فصّلت"  :
"نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)"
هزّني قول الملائكة : " نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " ! تأملتُه مليّا،  فوجدته عظيما عظيما، وجدته رحمة من رحمات الله العظيمة التي يغيب عنا استشعارها، وتلمّس حيويّتها ! وجدتُه رعاية من الله وتحصينا وتأييدا وتولّ منه لعباده المؤمنين ! وجدتها وحدها بشرى، وأي بشرى !
بالله عليك أتتخيل معي هذا المعنى؟ أتتصوّره بحق؟
تأمله فإنه حقيقة، إن الملائكة أولياء للمؤمنين في الحياة الدنيا، أيّ ولاية هي منهم لنا، ما دورهم معنا في الحياة الدنيا ؟ إنها الولاية، النصرة، لا بدّ أن لهم يدا في تأييدنا على الطاعة، في خير يعود علينا، في رحمة تلحقنا، فهل فكّرت بهذا ؟
لستُ عن الملائكة الحافظين الكرام الكاتبين أحدّث، فأولئك يحصون أعمالنا، ولكن عن الولاية أحدّث .
إنك من حيث لا تدري أيها المؤمن، محاط بالملائكة، وهم لك أولياء، نصراء؛ من حيث لا تعلم، يقيّض لك الله من ينصرك، من يعينك على الثبات والاستقامة؛ يعين نفسك، ويدفع بها نحو الثبات.
لا يتركك الله وحدك، يسبب لك الأسباب بكل جنده، ييسر لك أمرك، يجيب دعوتك، يفكّ كربك، يفرّج همّك، يوسع رزقك، عبرَ خَلق من خلقه، عن طريق بشر مثلك؛ يُفتَح لك، ويُيسّر لك الدرب عبر إنسان ما، وما هو إلا فتح الله وتيسيره وستره وعونه؛ وإنه ليس عبر البشر وحسب، بل وعبْر الملائكة أيها المؤمن ... !
ما أروعها ! عبْر أوليائك في الحياة الدنيا، عبر من لا تراهم عينُك !
و لقد استهواني المعنى، فجعلت أبحث عن أحوال الملائكة معنا في الحياة الدنيا، فأذكر من هذا الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن ذاك ما يؤيّد هذا المعنى، وما يزيده تجلية، فأبحِرْ معي في هذا العالم الذي هو عالمك وعالمي، عالمنا نحن المؤمنين، واستشعر كمّ الرحمة، ووزن هذه الصحبة، وهذا الإيناس في دنيا إيمانك ...
آثرت أن أترك شأننا مع الملائكة في الحياة الدنيا، وشأنهم معنا إلى مرة لاحقة بإذن الله تعالى، فكونوا معنا ... 🌹
#سورة_فصلت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #285 في: 2026-04-05, 17:43:28 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

اليوم لقاؤنا كما تواعدنا في منشور أمس، عن الملائكة، وحديث عنهم في سورة "فصّلت"...
"نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (31)"
هزّني قول الملائكة : " نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا " !
تأملتُه مليّا،  فوجدته عظيما عظيما، وجدته رحمة من رحمات الله العظيمة التي يغيب عنا استشعارها، وتلمّس حيويّتها !  وجدتُه رعاية من الله وتحصينا وتأييدا وتولّ منه لعباده المؤمنين ! وجدته وحده بشرى، وأي بشرى !
بالله عليك أتتخيل معي هذا المعنى؟ أتتصوّره بحق؟ !
تأمله فإنه حقيقة؛ إن الملائكة أولياء للمؤمنين في الحياة الدنيا، إنها الولاية، النصرة، فأيّ ولاية هي لنا منهم، ما دورهم معنا في الحياة الدنيا ؟لا بدّ أن لهم يدا في تأييدنا على الطاعة، في خير يعود علينا، في رحمة تلحقنا... فهل فكّرت بهذا ؟
لستُ عن الملائكة الحافظين الكرام الكاتبين أحدّث، فأولئك يحصون أعمالنا، ولكن عن الولاية أحدّث .
إنك من حيث لا تدري أيها المؤمن، محاط بالملائكة، وهم لك أولياء، نصراء؛ من حيث لا تعلم، يقيّض لك الله من ينصرك، من يعينك على الثبات والاستقامة . يعين نفسك، ويدفع بها نحو الثبات.
لا يتركك الله وحدك، يسبّب لك الأسباب بكل جنده، ييسر لك أمرك، يجيب دعوتك، يفكّ كربك، يفرّج همّك، يوسّع رزقك، عبرَ خَلق من خلقه، عن طريق بشر مثلك؛ يُفتَح لك عبر إنسان ما، وما هو إلا فتح الله وتيسيره وستره وعونه؛ وليس ذلك عبر البشر وحسب، بل وعبْر الملائكة أيها المؤمن ... !
ما أروعها ! عَبْر أوليائك في الحياة الدنيا، عبر مَن لا تراهم عينُك !
و لقد استهواني المعنى، فجعلت أبحث عن أحوال الملائكة معنا في الحياة الدنيا، فأذكر من هذا الحديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم  ومن ذاك ما يؤيّده، وما يزيده تجلية.
فأبْحِر معي في هذا العالم الذي هو عالمك وعالمي، عالمنا نحن المؤمنين، واستشعر كمّ الرحمة، ووزن هذه الصحبة، وهذا الإيناس في دنيا إيمانك.
وإنني أستشعره وأنا أذكر قول أحدهم لي: أي عطايا خاصة هي للعبد المؤمن بربّه دون غيره من البشر في الحياة الدنيا، فهو لا يرى العطايا الربانية للمؤمن إلا في شكل مغفرة وعفو وصفح وحسنات تهيئ لمقامه ومآله في الآخرة لا غير ! لا يرى من عطايا ربانية دنيوية خاصة للمؤمن دون غيره من الناس؛ ولقد أجبتُه بذكر عدد منها خُصّ بها، وهذه التي بين أيدينا عن حال الملائكة معنا واحدة منها... فلننظر  :
 💎 ملائكة طوّافون في الطرقات يلتمسون أهل الذكر :💎
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: { إن لله تعالى ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر فإذا وجدوا قوما يذكرون الله عز وجل تنادوا : هلمّوا إلى حاجتكم، فيحفّونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا فيسألهم ربهم وهو أعلم: ما يقول عبادي؟ قال يقولون يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك فيقول :هل رأوني فيقولون لا والله ما رأوك فيقول كيف لو رأوني، قال يقولون لو رأوك كانوا أشد لك عبادة وأشد لك تمجيدا وأكثر لك تسبيحا، فيقول فماذا يسألون ؟ قال يقولون: يسألونك الجنة قال: يقول: وهل رأوها قال: يقولون :لا والله يارب ما رأوها .قال يقول: فكيف لو رأوها ؟ قال يقولون لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصا وأشد لها طلبا وأعظم فيها رغبة، قال: فمِمَّ يتعوذون؟ قال يقولون: يتعوذون من النار. قال فيقول: وهل رأوها؟ قال يقولون : لا والله ما رأوها. فيقول: كيف لو رأوها؟ قال يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارا وأشد لها مخافة. قال فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم.قال يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم إنما جاء لحاجة قال هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم  . } –صحيح البخاري-
أيّ نعمة وأيّ بشرى أيها المؤمن !  تغدو وتروح وما تدري أنك الذي يرعاك ربّك، ويرسل إليك ملائكته، فيحفّون بك وبصحبة الخير والصلاح يرفعون خبرك لله وهو به عليم، ليعلن على ملإ منهم سبحانه أنه قد غفر لك ولصحبتك الخيّرة، بل وحتى لمَن ناله شرف مجالستكم وهو ليس منكم  !
💎 حال الملائكة مع المؤمنين في بيوت الله💎 :
 عن أبي هريرة قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :  {وَما اجْتَمع قَوْمٌ في بَيْتٍ مِن بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عليهمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللَّهُ فِيمَن عِنْدَهُ، وَمَن بَطَّأَ به عَمَلُهُ، لَمْ يُسْرِعْ به نَسَبُهُ.  }-صحيح مسلم-
فانظر، إلى بيوت الله وهي للسكينة والرحمة، والملائكة حافّون بأهلها !
💎ملائكة سيّارة في الأرض يطلبون حِلَقَ الذكر💎:
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : { إنَّ للهِ سَيَّارةً مِن الملائكةِ يطلُبونَ حِلَقَ الذِّكْرِ، فإذا أتَوْا عليهم حَفُّوا بهم ، ثمَّ بعَثوا رائدَهم إلى السماءِ، إلى ربِّ العِزَّةِ تبارَكَ وتعالى، فيقولونَ: ربَّنا أَتَيْنا على عِبادٍ مِن عِبادِكَ، يُعظِّمونَ آلاءَكَ، ويَتْلونَ كتابَكَ، ويُصلُّونَ على نبِيِّكَ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، ويَسألونَكَ لآخِرتِهم ودُنْياهم، فيقولُ تبارَكَ وتعالى: غَشُّوهم رَحْمتي. فيقولونَ: يا ربِّ، إنَّ فيهم فلانًا الخَطَّاءَ، إنَّما اعتَنقَهم اعتِناقًا، فيقولُ تبارَكَ وتعالى: غَشُّوهم رَحْمتي، فهم الجُلَساءُ لا يَشْقى بهم جَليسُهم. } –مجمع الزوائد: إسناده حسن-
فانظر! تصبح وتمسي أيها المؤمن، فإذا كنت لله ذاكرا، حيثما كنت، في بيتك، في عملك في أي مكان كنتَ، غشّتك الملائكة  برحمة الله، مُحصّنٌ أنت، محاط بأنوار الله ما كنت له ذاكرا !
💎بيان تواجدهم مع المؤمنين وتلمّسهم للطاعات💎 :
عن حنظلة بن حذيم الحنفي رضي الله عنه قال: {كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَوَعَظَنَا، فَذَكَّرَ النَّارَ، قالَ: ثُمَّ جِئْتُ إلى البَيْتِ فَضَاحَكْتُ الصِّبْيَانَ وَلَاعَبْتُ المَرْأَةَ، قالَ: فَخَرَجْتُ فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ فَذَكَرْتُ ذلكَ له، فَقالَ: وَأَنَا قدْ فَعَلْتُ مِثْلَ ما تَذْكُرُ، فَلَقِينَا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وَسَلَّمَ، فَقُلتُ: يا رَسُولَ اللهِ، نَافَقَ حَنْظَلَةُ فَقالَ: مَهْ فَحَدَّثْتُهُ بالحَديثِ، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَنَا قدْ فَعَلْتُ مِثْلَ ما فَعَلَ، فَقالَ: يا حَنْظَلَةُ سَاعَةً وَسَاعَةً، ولو كَانَتْ تَكُونُ قُلُوبُكُمْ كما تَكُونُ عِنْدَ الذِّكْرِ، لَصَافَحَتْكُمُ المَلَائِكَةُ، حتَّى تُسَلِّمَ علَيْكُم في الطُّرُقِ.}-صحيح مسلم-
زيادة على ما علمنا من مصاحبة الملائكة لك ما كنت لله ذاكرا، تأمّل الدرجة التي تبلغها تلك المصاحبة، درجة الملامسة والرؤية !
ولقد حدثت حقا، مع ذلك الرّجل الذي زار أخا له في الله؛ عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : { أنَّ رَجُلًا زارَ أخًا له في قَرْيَةٍ أُخْرَى، فأرْصَدَ اللَّهُ له علَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا فَلَمَّا أتَى عليه، قالَ: أيْنَ تُرِيدُ؟ قالَ: أُرِيدُ أخًا لي في هذِه القَرْيَةِ، قالَ: هلْ لكَ عليه مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّها؟(أي تصلحها له وتتمّها) قالَ: لا، غيرَ أنِّي أحْبَبْتُهُ في اللهِ عزَّ وجلَّ، قالَ: فإنِّي رَسولُ اللهِ إلَيْكَ، بأنَّ اللَّهَ قدْ أحَبَّكَ كما أحْبَبْتَهُ فِيهِ} –صحيح مسلم-
قيّض الله ملكا لهذا الرجل بعينه على طريقه لزيارة أخ له في الله، ليبلّغه حبّ الله له كما أحبّ أخاه في الله، وإنها علامة لنا وإعلام لنا من خلاله عن مكانة هذا الصادق في حب أخيه لا لعَرَض من أعراض الدنيا، بل لله تعالى، كما أنه إعلام لنا أن الملائكة مصاحبةن ملازمة لنا ما كنا على درب الله .
💎 تسجيل الملائكة من يحضر الجمعة💎 :
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إِذَا كانَ يَوْمُ الجُمُعَةِ وقَفَتِ المَلَائِكَةُ علَى بَابِ المَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الأوَّلَ فَالأوَّلَ} . قال: { فَإِذَا خَرَجَ الإمَامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ، ويَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ.} -صحيح البخاري-
ما أروعه من مشهد ! إنهم يقفون على باب المسجد، إنهم هناك !
تلك المخلوقات النورانية السَنيّة، تلك التي تسبّح ربّها لا تفتر؛  تَعرفك، تعرف اسمك وأنت المقبل على المسجد ترنو لأجر الجمعة ولوحدة الجماعة، تراك  ولا تراها،  تسجّل اسمَك أيها المؤمن، لتحمله إلى العليّ الكبير، العليم بك وبمقدمك وبسعيك، ولكنّه شرف حمل اسمك بأيدي سفرة كرام بررة ! فيا حبّذا الملائكة من أولياء !
💎 ملائكة يتعاقبون في الناس ليلا ونهارا، ويشهدون للمؤمنين عند ربهم💎:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ باللَّيْلِ ومَلَائِكَةٌ بالنَّهَارِ، ويَجْتَمِعُونَ في صَلَاةِ الفَجْرِ وصَلَاةِ العَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وهو أعْلَمُ بهِمْ: كيفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فيَقولونَ: تَرَكْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ، وأَتَيْنَاهُمْ وهُمْ يُصَلُّونَ}-صحيح البخاري-
يحيطون بالمؤمنين، طائفة تحرسهم نهارا، وأخرى تحرسهم ليلا، حتى تلتقي الطائفتان وقت صلاة الفجر، لتعرج ملائكة الليل وتبدأ ملائكة النهار عملها، ووقت صلاة العصر، لتعرج ملائكة النهار وتبدأ ملائكة الليل عملها؛ فيَسألُ الله عَزَّ وجَلَّ كل طائفة عما تركت عليه عباده، فتشهد طائفة النهار أنها تركتهم يصلّون، وتشهد طائفة الليل أنها تركتهم يصلّون .وهو سبحانه في غِنًى عَن سُؤالِهم هذا لأنّه عَليم بهم، وإنَّما يسألُهم عن ذلك في المَلأِ الأعلى، تَنويها بشَأنِ بَني آدَمَ، وبَيانا لِفَضلِهم، ولِيُباهي بهم الملائكةَ... !
💎ملائكة يبلّغون رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة كل مؤمن عليه💎:
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {إنَّ للَّهِ ملائِكةً سيَّاحينَ في الأرضِ يُبلِّغوني من أُمَّتي السَّلامَ}-صحيح النسائي-
💎 دعاء الملائكة للمؤمنين : يدعون للمؤمنين في مواقف عديدة، وهي💎 :
أ-) 💧يتنزلون كل يوم للدعاء للمنفق وللدعاء على الممسك:
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : {ما مِن يَومٍ يُصْبِحُ العِبادُ فِيهِ، إلَّا مَلَكانِ يَنْزِلانِ، فيَقولُ أحَدُهُما: اللَّهُمَّ أعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، ويقولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا.} -صحيح البخاري-
ب-)💧 دعاء الملائكة للمصلي ما دام في مجلسه :
هذا المؤمن وهو ينتظر الصلاة، أو يذكر بعد فراغه منها، في بيت الله كان، أو في بيته.  قال صلى الله عليه وسلم: {إنَّ المَلَائِكَةَ تُصَلِّي علَى أَحَدِكُمْ ما دَامَ في مَجْلِسِهِ، تَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ له، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، ما لَمْ يُحْدِثْ، وَأَحَدُكُمْ في صَلَاةٍ ما كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ.} –صحيح مسلم-
ج-)💧 ملائكة تدعو للمتسحّرين :
قال صلى الله عليه وسلم :{إِنَّ اللهَ و مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ على المُتَسَحِّرِينَ} –الألباني: السلسلة الصحيحة-
يدعون للمتسحّرين بالخير عند ربّهم، فأيّ بشرى هي وأيّ صحبة، وأيّ ولاية !
د-)💧 ملائكة تدعو للمصلّين على النبي صلى الله عليه وسلم:
قال صلى الله عليه وسلم : {ما مِن مُسلِمٍ يصلِّي عليَّ إلَّا صلَّت عليهِ الملائِكةُ ما صلَّى علَيَّ فليُقلَّ العَبدُ من ذلِكَ أو ليُكثِرْ} –صحيح ابن ماجه-
وفي هذا التخيير بين الإقلال والإكثار حثّ ضمنيّ على الإكثار؛ تَدْعو الملائكة لِمن يُصلّي على النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ما دامَ مُستمِرًّا في صَلاتِه عليه؛ والصَّلاةُ مِن الملائكةِ الاستِغفار للعبد وطلبُ الرّحمة له مِن الله، فمن منّا غنيّ عن المغفرة والرحمة ؟ !
هـ-) 💧ملائكة تدعو للذين يعودون المرضى:
عن عليٍّ رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قالَ: {ما مِن رجلٍ يعودُ مريضًا مُمسيًا، إلَّا خرجَ معَهُ سَبعونَ ألفَ ملَكٍ يستَغفرونَ لَهُ حتَّى يُصْبِحَ، وَكانَ لَهُ خريفٌ في الجنَّةِ(الخريف في الجنة هو البستان في الجنة). ومن أتاهُ مُصبحًا، خرجَ معَهُ سبعونَ ألفَ ملَكٍ يستغفرونَ لَهُ حتَّى يُمْسيَ، وَكانَ لَهُ خَريفٌ في الجنَّةِ} . -صحيح الترغيب-
استغفار من جمهرة من المخلوقات النورانية، وبستان في الجنة، من زيارة مريض ؟ ! أنعم بالملائكة من أولياء، أنعِم بهم من أولياء !
و-) 💧ملائكة تدعو للذين يدعون لإخوانهم:
قال صلى الله عليه وسلم : {ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، إلَّا قالَ المَلَكُ: وَلَكَ بمِثْلٍ.}"-صحيح مسلم-
فكيف لا يدعو الواحد منا لأخيه، والملك موكَّل أن يدعو لنا بالمثل ؟ !
💎استغفار الملائكة للمؤمنين💎 :
أخبرنا الله تعالى أن الملائكة يستغفرون لمن في الأرض": تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ". [ الشورى: 5 ].
وفي آية سورة غافر": الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ" [ غافر: 7].
💎ملائكة يحضرون قراءة القرآن💎 :
 عن أسيد بن حضير رضي الله عنه :{بيْنَما هو(أسيد بن حضير) يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ، وفَرَسُهُ مَرْبُوطَةٌ عِنْدَهُ، إذْ جالَتِ الفَرَسُ(أي اضطربت وتحركت بعنف)، فَسَكَتَ فَسَكَتَتْ، فَقَرَأَ فَجالَتِ الفَرَسُ، فَسَكَتَ وسَكَتَتِ الفَرَسُ، ثُمَّ قَرَأَ فَجالَتِ الفَرَسُ، فانْصَرَفَ، وكانَ ابنُهُ يَحْيَى قَرِيبًا مِنْها، فأشْفَقَ أنْ تُصِيبَهُ، فَلَمَّا اجْتَرَّهُ رَفَعَ رَأْسَهُ إلى السَّماءِ، حتَّى ما يَراها(أ ي جُعِل حاجز بينه وبين السماء)، فَلَمَّا أصْبَحَ حَدَّثَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم، فقالَ: اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ، اقْرَأْ يا ابْنَ حُضَيْرٍ، قالَ: فأشْفَقْتُ يا رَسولَ اللَّهِ أنْ تَطَأَ يَحْيَى، وكانَ مِنْها قَرِيبًا، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فانْصَرَفْتُ إلَيْهِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي إلى السَّماءِ، فإذا مِثْلُ الظُّلَّةِ(سحابة) فيها أمْثالُ المَصابِيحِ، فَخَرَجَتْ حتَّى لا أراها، قالَ: وتَدْرِي ما ذاكَ؟ قالَ: لا، قالَ: تِلكَ المَلائِكَةُ دَنَتْ لِصَوْتِكَ، ولو قَرَأْتَ لَأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْها، لا تَتَوارَى منهمْ."-صحيح البخاري-
تلك الظُّلة فيها أمثال المصابيح إنما هي الملائكة دنتْ من أسيد بن حضير وهو يقرأ، ازدانت السماء بالملائكة مصابيحا من قراءته القرآن، وهي فضيلة لابن حضير رضي الله عنه، وفيها التدليل على مصاحبة الملائكة لقارئ القرآن، وهي التي تتحرّى مجالس الذكر والطاعة .
وعند هذا، لك أن تنظر في هذه المصاحبة، وهي التي تستحق حقا أن تُسمّى ولاية: "نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَياةِ الدُّنْيَا"
كل هذا الخير العميم، هذه المؤانسة، وهذه المصاحبة، من استغفار للمؤمنين، ودعاء لهم بالرحمة، وشهادة لهم عند ربّ العزة، وحمل أسمائهم وأخبارهم إلى جلاله سبحانه، وحراسة آناء الليل وأطراف النهار، وتأييد على الطاعة، وحفّ لمجالس الذكر ... !
 فاذكر، ولا تنسَ أنك المصاحَب بالملائكة، المحاط بأنوارها، المحروس، المؤيَّد، اذكر دوما أنك لست وحدك ! الله معك، ومن كان الله معه، فمن ذا يقدر عليه ؟ !
أنّى لك أن تيأس، أو أن ترى نفسك الضعيف، أو المهيض، أو المكسور، أو الذي يعلو صوت الباطل على صوت الحق الذي معه، فهو اليوم الضعيف بالحق ؟ !  إنك المبتلى، وفيما أنت تُبتلى الله يرعاك ويحفظك، ويؤيدك، ويسخّر لك أولياء من نور، أنت أيها المؤمن المصدّق بالله وبرسوله وبالنور الذي أنزل،  دون كل مَن خلق ! أنت صاحب العطايا الربانية الخاصة، التي ليست إلا لمؤمن!
فكيف يرى المؤمن نفسَه وحيدا، وكيف يرى نفسه ضعيفا، وأولياؤه في الدنيا ملائكة !
وعسى إخوتي أن تكون لقاءاتنا عبر هذه المنشورات مجالس تحفّها الملائكة، فتغشينا رحمة الله وسكينته، ودعاء الملائكة لنا .🌹
#سورة_فصلت
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #286 في: 2026-04-05, 17:48:29 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

 قوله تعالى :
{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}-البينة-
تأمل حينما ذكر الله تعالى الكافرين من أهل الكتاب والمشركين كيف أعقب وصفهم مباشرة بمآلهم في الآخرة : {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6)} فعلى الترتيب :
1-) جاءت صفتهم: "إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ"
2-) مآلهم في الآخرة:  "فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا" .
3-) تصنيفهم : "شر البرية".
بينما  للذين آمنوا، لم يكن الترتيب ذاته، بل :
1-) صفتهم مع قرنها بالعمل الصالح : "إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ"
2-) جاء تصنيفهم قبل مآلهم في الآخرة: "أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ".
3-) جاء مآلهم في الآخرة مع إسهاب أكثر: "جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ"
فهلا تساءلت عن الفرق، وقد عُكس الترتيب فيما بين الفريقين ؟
تأمل... إن الكافرين وكأن أعمالهم في الدنيا لا وزن لها ولا قيمة ولا معنى، حتى أنه سبحانه لم يقرن وصفهم بعملهم في الدنيا لا بالإيجاب ولا بالسلب، بل كفى أنهم كفروا وأشركوا لتُعقب صفتهم بالمآل السوء !
فهم -وقد ماتوا على كفرهم- لم يكن لوجودهم من تحقّق ! لذلك تجدك مباشرة مع مآلهم، النار خالدين فيها عياذا بالله .  ليعقبها الله تعالى بتصنيفهم شرّ البرية، شرّ في الدنيا هو الحكم الحق عليهم، لأنه قد كفى أنهم كفروا بربّهم ليكونوا شرّ الخلق ! ولا تشفع لهم أعمالهم الخيّرة، إنها لا وزن لها عند الله !
بينما المؤمنون العاملون للصالحات المحققون لإيمانهم عملا وحركة في الأرض، هم الذين كان لعملهم ولحركتهم في الأرض وزن ومعنى، فجاء تصنيفهم : "خير البرية" موافقا لخيريتهم التي حققوها في الدنيا، إذ قد حققوا وجودا إنسانيا ساميا راقيا بإيمانهم وعملهم الصالح ...ثم جاء مآلهم في الآخرة..
سبحان الله ! لكأني بالمؤمن العامل للصالحات بهذا الوجود الإيماني هو الذي حقق معنى الوجود في الدنيا، فكان أهلا لها، ثم كان بعد انتهائها أهلا لخير الآخرة.
بينما الكافر لم يكن أهلا للدنيا على حقيقة ما يُراد أن تكون، وأن تُحقّق الحياة فيها، كما لم يكن أهلا لخير الآخرة سواء بسواء !
وهذا خلافا للاعتقاد المُقعِد الذي مفاده أن المؤمن له الآخرة، والكافر له الدنيا، إنما الدنيا والآخرة للمؤمن، بإصلاحه في الأولى، وبفوزه في الثانية!
وأستحضر في هذا المعنى تصديق القرآن بعضه لبعض، في قوله تعالى :
{وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) }-العصر-
الإنسان -على إطلاق معنى الإنسان- في خسر، في تبار في ضياع في لامعنى ما لم يكن من الذين آمنوا وعملوا الصالحات .
وعلى هذا ...!  أين نحن من وجود إيماني عمليّ صالح نحقق به معنى الخلافة في الأرض، خلافة العدل والحق والنور والهداية؛  تلك التي أراد الله، ولأجلها خُلق الإنسان؟!
ولا يغرنّك تقلب الذين كفروا في البلاد، متاع قليل ! ما لهذا التقلب المادّي التَّرَفي المحفوف بالظلم والجبروت والأنانية، والانخلاع من الدين والأخلاق  خُلِق الإنسان !
ولا يتهالكنّ متهالك على قضية أن الغرب يقدّم ونحن لا نقدّم، فإن الحضارة التي تقوم بها للأرض قائمة "إنسانية" لن تتحقق إلا بــ:  (مؤمن + عامل للصالحات)، لا بكافر يُعلي رايات التفسّخ الأخلاقي والظلم وقانون الغاب والحيوان في دنيا الإنسان، فإذا الأرض والإنسانية معها تتلوّى عللا وأمراضا وأسقاما وإن بدا ما بدا من إنجازات "الغرب"  !
وإن هذا الإنسان (المؤمن+ العامل للصالحات) المتحرك في الأرض عقلا وروحا آت آت بوعد الله تعالى : "والله مُتِمٌّ نُورَه وَلَوْ كَرِهَ الكَافِرُون"
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #287 في: 2026-04-05, 17:48:48 »
"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (30) " -النساء-
سورة النساء هي عندي سورة العدل بكل المقاييس، سورة يحفّها العدل من كل جانب، اقرأها وأنت تستظل بهذا المعنى فيها، وسترى العدل الربانيّ، الميزان الذي أنزل الله لعباده، فما فوقه ميزان وما فوقه عدل يدّعيه البشر من أنفسهم ! تجده في كل صغيرة وكبيرة، في الفرد وفي المجتمع، بدءا بالخلية الأساسية(الأسرة: الزوج والزوجة) إلى المجتمع إلى الدولة إلى خارجها ... هكذا هي النقلات في سورة النساء العظيمة ... كلٌّ هو بعض من بعض، هو من قاعدة وأساس ...
"...وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ  إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا .."
أي لا يقتل بعضكم بعضا، ومن فرط عدّ الآخر المؤمن جزءا منك، جاء التعبير عنه بــ : "أَنْفُسَكُمْ" . وكأن المؤمن إذ يقتل مؤمنا يقتل نفسه!
رحم الله جمال، واقتصّ له من الوحوش التي قتلته.
#سورة_النساء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #288 في: 2026-04-05, 17:49:09 »
فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (41) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)} -النساء-
جاء قول الله تعالى : { يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (42)}
فقرن الله تعالى بين "كَفَرُوا" و " عَصَوُا الرَّسُولَ "..
والكفر هو عدم الإيمان بالله تعالى وهو يعني عدم الإيمان برسوله، و (كفَرُوا) هنا  كفيلة وحدها بأن تنقل إليك معنى أن الكافر عاصٍ لأمر من كفر به، عاص لأمر الله تعالى، وبالمعنى هو عاص لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنّ الله تعالى أكّد على دور طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بزيادة : " وعَصَوُا الرَّسُولَ "، ليبيّن سبحانه مقام ووزن ودور طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم مما لم يجئ به قرآن، سواء بسواء مع ما جاء به القرآن، لأن أمره صلى الله عليه وسلم من غير القرآن من أمر الله، وحي هو من الوحي ... بخلاف من ينادي بأن أمره صلى الله عليه وسلم مقتصر على أوامر القرآن، ويبعد السنّة عن نطاق الوحي ! فلا يرى لها حجيّة ولا تشريعا ولا دورا !
فإنّ "كَفَرُوا" وحدها تؤدي المعنى المطلوب من عدم الإيمان بالله المؤدّي بالضرورة إلى عدم  طاعة أمره سبحانه وأمر رسوله، ولكنّ زيادة الثانية تأكيد من الله منفصل على أنّ أمر النبيّ صلى الله عليه وسلم من غير القرآن هو أيضا من أمر الله تعالى، أمره الذي لا يكون في القرآن  سيّان هو وأمر الله في القرآن، من أمر الله أمره وإن لم يكن في القرآن .
وتمضي مع " النساء"  لتجد فيها عددا من الآيات تؤكد على طاعة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفة خاصة زيادة على طاعة أمر الله  تعالى ، من أهمها : {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ...}   وقوله تعالى : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}.
وقوله تعالى : {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (80)} .
#سورة_النساء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #289 في: 2026-04-05, 17:49:39 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36)} -البقرة-
لقد  كان الشيطان سبب الزلل الذي أدّى إلى إخراج آدم وحواء مما كانا فيه من نعيم الجنة، فكان الأمر من الله تعالى لهما وللشيطان  بالهبوط إلى الأرض : {وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ}.
فعُلّم الإنسان -من خلال أبيه آدم نموذجا- عدوَّه، كما عُرِّف غاية هذا العدوّ منه، إيقاعه في الزلل بمعصيته أمر ربّه، ومن ثمّ إيقاعه فيما هو أعظم، في سخط الله تعالى عليه، وإخراجه من رحمته، وبوئه بالخسار.
ولكن بالمقابل، لننظر ... !
إن الله سبحانه وتعالى قد جعل لعبده طوق نجاة، يخرجه من دائرة الخسار والبوار إلى الدائرة الأولى، دائرة الطاعة والرضوان، إنه طوق التوبة ! فكما عُلِّم الإنسان فعل عدوّه فيه، وغايته من فعله بإيقاعه، أُمِدّ بالمقابل بالحبل الذي ينجيه، بالعلاج، عُلّم أن باب الله لا يوصد دونه !
لقد علّمه سبحانه كيف يتوب من خلال ما علّم آدم :
{فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}
ربٌّ عظيم كريم يخلق ويمنّ ويتفضّل، ويعلّم ويكرّم ويُعلي ويُرقّي ! يبيّن لعبده أنه خلقه والأصل أنه المكرّم بالعقل، وبإسجاد الملائكة له، وبإدخاله الجنة أول أمر خلقه، ثم يقابل العبدُ فضل ربّه بالمعصية، فلا تجد الربّ العظيم بالمقابل إلا معلّما ذاك العبد العاصي المذنب الناسي فضل ربّه عليه، كيف يتوب، كيف يؤوب، كيف يعود، كيف ينجو ... !
وإنه ما أن تعلّمها آدم(العبد النموذج) حتى قابله ربّه بأن تاب عليه : { فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37)}..
سبحانك ما أرحمك، سبحانك ما أحلمك !!
فأما الأمر الأول منه سبحانه بالهبوط، فجاء وفيه تعريف الإنسان بعدوّه وبمراده منه، وأما الثاني ففيه :
{ قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39)}
أمر ثانٍ بالهبوط وربُّه يُعلِمُه أنه آتيه منه هدى، فهو ليس بمتروك للأهواء تتقاذفه، ولا للشيطان يخرجه من الرحمة والتكريم والنعمة دون سلاح ودون نور يكشف له العدوّ ويذكّره بمراده منه، ويذكّره بباب التوبة الذي لا يوصَد وبالرحمة التي لا تُعدّ !
فالإنسان في هذا بين :
💎إهباط فيه تعريفه بعدوّه .
💎وإهباط فيه إمداده بسلاحه في حربه ضدّ عدوّه.
سبحانه ما أهبطك إلا وقد أمدّك بالسلاح هدايةً وتوبة !
فالعبد بين ""تبيّنه العداوة"" ، و ""تسلّحه بالهداية""  ناجٍ لا محالة : {فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ}.
فاللهم ارزقنا التبصّر بعدوّنا وألاعيبه، وبعيوب أنفسنا، وثبتنا على الهدى حتى نلقاك .
#سورة_البقرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #290 في: 2026-04-05, 17:49:53 »
وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا (110) } -النساء-
"وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا" ----->  يضرّ به غيره  أو  "يَظْلِمْ نَفْسَهُ"  --------> يأتي ما يضرّ به نفسه من الفواحش والمعاصي.  ثم  "يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ" ---->  يجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا...!
سبحانك ما أرحمك !  فلتعُدْ ولأعُدْ، فإن بابه مفتوح لا يوصَد سبحانه !
ما أكثر ما نعمل سوءا وما نظلم أنفسنا، وما أكثر ما تغفر وما ترحم سبحانك !!
يكفي منا استغفار باللسان يصدّقه ندم بالجَنان!   فاللهمّ غفرانك .
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #291 في: 2026-04-05, 17:50:13 »
ي سورة الذاريات، جاءت آية من الآيات الشهيرة التي يُستشهد بها وتُستحضر كلما بُحث في الغاية من خلق الإنسان :
"وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)"
فلا تقطعها عن سياقها، بل أكمل ما بعدها...
إذ أنّ لسائل أن يسأل، وقد يسأل من يبحث ويستفهم وهو سليم طويّة، كما قد يسأل مؤوّلٌ مغرض سيّئ طويّة : "ولماذا يحتاج الله أن يعبدَه الناس، ألمَن خلق حاجة  عند خلقه ؟ " 
وليس هذا السؤال وما شاكله، بغريب اليوم عن أهل التشكيك والإغراض، والإلحاد وإرادة  الفاجر الفجور أمامه !
فانظر، وهذا القرآن ذو الحُبُك، المُحكَمة آياته، يجيبك قبل أن تسأل، ويجيبه قبل أن يسأل؛  انظــــــر،  كيف تُتبَع الآية مباشرة بقوله سبحانه :
"مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)"
سبحانه وقد خلقهم ليعبدوه، ليس عن احتياج منه لمن خلق -حاشاه-، ولا أنّ في عبادتهم له زيادة أو نفع له، وهو سبحانه الذي لا يُطعَم ولا يُرزَق، بل هو الرزّاق ذو القوة المتين.
هو الذي يُطعِم سبحانه، وهو الذي يرزق، وهو ذو القوة؛ هو "المتين" أي  ذو القوة الشديدة الفائقة المطلقة التي لا تحدّها حدود .
هذا الربّ الذي خلق وأطعم ورزق وأنعم، وهو ذو القوة التي لا تُحدّ، أي حاجة له فيمن خلقهم ليعبدوه ؟ ! 
بل إن الحاجة كل الحاجة لهم هُم فيه، وهو رازقهم ومطعمهم، ومن غير رزقه هم لا يَطعَمون، هم الضعفاء وهو القوي المتين، فأنّى يُصرَف مخلوق ضعيف محتاج عن عبادة خالق قوي متين غنيّ؟!
فالخير من عبادتهم له إليهم راجع، لا إليه سبحانه وهو الذي يَرزُقُ ولا يُرزَق، ويُطعِم ولا يُطعَم، قويّ متين لا يضعف، ولا يحتاج، غنيّ عن عبده وهو إليه محتاج، وعنه لا يستغني؛  وإن طغى فرآه استغنى  !
#سورة_الذاريات
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #292 في: 2026-04-05, 17:51:02 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

سورة الواقعة العظيمة تأخذ عقلك لجولة في أطراف قريبة منك بعيدة في آن !
تعرّفك بالبعث وأنت في الدنيا !  تجول الآيات بعقلك لتُريك البعث في أصل ما هو حولك،  في أصل الخلق !  فلنركب قطار الآيات ...
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (59) }
هذا المنيّ الذي تلقون في أرحام نسائكم، أأنتم من ينشئه خلقا من بعد خلق حتى يصير جنينا، فيخرج إنسانا ؟؟
أنتم تُمنون، فمَن ذا يخلق ؟؟
وإنه سبحانه كما يخلق ما تُمني، قد خلقك ممّن أمنى قبلك فممّن أمنى قبله، فمَن قبله، إمناء عن إمناء وصولا إلى أوّلِكَ التراب !
ثم في آية لاحقة يأتي معنى مشابه في قوله تعالى :
{أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (64)}
ويُسمَّى البذر في اللغة حرثا، "مَا تَحْرُثُونَ" ما تبذرون من بذور من بعد تقليبكم الأرض وتهيئتها، أأنتم من يصيّره زرعا ونباتا ينمو حتى يخرج نافعا يُؤكَل ؟؟
بل هو الله تعالى من يتكفّل بالنتيجة . وإنه كما يزرع سبحانه ما تبذر بيدك، فإنّ أصله من زرع قبله عن زرع قبله، عما قبله، وصولا إلى أول خلق منه !
{لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (65)}
وإنه لو شاء سبحانه لما بلغك نضِرا، مثمرا، بل لوجدتَه هشيما لا نفع منه، ولكنّه سبحانه برحمته يُنْميه لك، ويثمِّرُه لتأكل منه وتقتات وتنتفع .
خلْق الإنسان، وزرع النبات، أستحضر فيهما وصف الله تعالى للمرأة بالحرث مقابَلةً بينها وبين الأرض، وهي التي يُمنَى في رحِمها ليتخلّق الإنسان : "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ..." [البقرة: من الآية223]، كما يُبذَر في الأرض لينبت الزرع ! فهنا تتمثل لنا صورة:
💎التسبّب من الإنسان ------> تقابله النتيجة من الله.💎
ثم امضِ معي مع آيات أخرى، مشابهة ولكنّها بالمعنى المعاكس:
{أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (69)}
هذا الماء الذي به قوام الحياة، أأنتم من أنزله من السحب؟؟
إنما الله تعالى منزله . {لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (70)}
لو شاء سبحانه  لما جعله لكم شروبا، ولجعله ملحا أجاجا لا يُستساغ بل يزيدكم على العطش عطشا ! وبالبحر أيضا ماء، ولكن تأمّل دقة القرآن والحبك في ألفاظه الذي لا يترك من منفذ لمشكّك أو متأوّل :
«الَّذِي تَشْرَبُونَ»  قد صنعت الفارق، وقد ميّزت، حتى لا يُقال: ولكنّ ماء بالبحر أجاج !
وفي آية لاحقة ما يشابه آية الماء :
{أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (71) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (72)}
هذه النار التي توقدون، مَن ذا قد أنشأ شجرتها ؟؟ والعرب كانت توقد النار من احتكاك غصن "شجر المَرخ" بغصن "شجر العَفار"  (دون أي مؤثر خارجي فقط من احتكاك الغصنين). فمن ذا أنشأ هذا الشجر الأخضر الذي يُخرج نارا؟ من أنشأ أصل النار ؟
وعلى هذا فمن الآيتين الأخيرتَين تتمثل لنا صورة أخرى :
💎الأصل من الله ------> يقابله الانتفاع من الإنسان. 💎
بتركيب معاكس للذي عرفناه في الآيتين السابقتين.
فلنجمع الصورتين 1 و 2:
1-)💎التسبّب من الإنسان ------> تقابله النتيجة من الله.
2-)💎 الأصـــــــــــــل من الله ------> يقابله الانتفاع من الإنسان.
لنعرف من اجتماع الآيات الأربع هذه الثنائية الوجودية، الأصل من الله والنتيجة منه؛  المبتدأ من الله كما أن المآل إليه، منه سبحانه السبب، كما أن منه سبحانه النتيجة.
في تسبّب الإنسان -وهو يخال الأمر منه- النتيجة والتوفيق من الله، فهو الخالق وإن أمنى الإنسان، وهو المخرج للزرع وإن بذر الإنسان، ومنه سبحانه الأصل، بماءٍ عذب يُحيي الإنسان، لا يملك معه إلا أن ينتفع به، وهو سبحانه منه النار التي بها الإنسان ينتفع .
فأيّ شيء هو "من"  الإنسان من غير ربّه ؟؟ وأي شيء هو "له"  من غير ربّه ؟؟
الأصل منه سبحانه، والمآل إليه... الخلق الأول منه، والخلق الثاني إليه!
وتأمل عظمة السورة وتناسق آيِها لتقع في آخرها على ما يُجمل هذا المعنى، وهو يبلغك به المراد الأعظم،  والحقيقة اليقينية  الكبرى، والله يقول:
{فَلَوْلاَ إِن كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ(86)تَرْجِعُونَهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ(87)}
فيا أيها الإنسان، بحُسْبانك وزعمك وتكذيبك، أنه ما من يوم للحساب والرُّجعى بين يدي من خلقك، إن لم تكن حقيقا بالمحاسبة، وبالمثول بين يدي ربك بعد موتك، هلا منعت روحك من الخروج، ومن أن تُقبَض؟!  بل هلا أرجعتَها للدنيا التي كانت فيها وكنت بها راتعا فيها، وكنت فيها مكذّبا ببعث بعد الموت، هلا "أرجعتَها" أنتَ وحُلتَ دون "رجوعها" إلى ربّها ؟؟ !
هذه التي فيك منه، وهي منك راجعة إليه، فهي منه وإليه أصلا ورجوعا، هلا حبستَها عن طريق الرجوع؟ عن الرُّجعى؟! هلا أرجعتَها فيك، لا أن ترجع هي بأمر خالقها إليه؟!! هلا حبستها عن الأَوْل إلى نافخها فيك؟!
ويالتناسق المعاني كلها فيما رأينا، بلوغا إلى قضية البعث، بعد الموت، الخلق الثاني بعد الأول !
فأنت يا من تُمني لا تخلق، ويا مَن تحرث لا تنبت ولا تزرع، ويا مَن تشرب عذبا فراتا لست بمُنزِله، ويا من توري نارا،  لست بمنشئ شجرتها...
وفي الواقعة، لا بعيدا عنها :
{أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (82)}
أفبهذا الحق الساطع الذي ينصاع له العقل وكلّه يقبَلُه،  وهو يُؤخذ به في رحلة إلى الواقع، إلى ما حولك أيها الإنسان، تعيشه، وتعايش تفاصيله؛ أفبهذا الحقّ وأنت ترى الأصل منه والأَوْل إليه سبحانه، تدْهن وتكذّب ؟؟
ومن آخر السورة ارجع إلى أولها، وكلّها يصدّق بعضها بعضا... إنه البعث لا ريب :
{إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (1) لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (2)}
منه الكلّ وإليه، كما أنت منه وإليه، كما روحك منه وإليه، وما لك يدٌ إلا بإذنه وإرادته ومشيئته ...
هكذا تعمل معك آيات هذه السورة(الواقعة) حول ما هو "واقع" يوما قريبا ليس من أيام الدنيا، من وحي ما تحيا من "واقع"، من أصل الخلق وما حولك تعرف البعث!
سبحانه الخالق الباعث، الخالق الخلق الأول والبعث أهون عليه، سبحانه الأول فليس قبله أحد، والآخر فليس بعده أحد، والظاهر فليس فوقه أحد، والباطن فليس دونه أحد !
#سورة_الواقعة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #293 في: 2026-04-05, 17:51:46 »
قال لي أحد "العقلانيين" يوما أن المؤمن ليس له من عطاء رباني "دنيويّ" خاص دون غيره من البشر، فهو يرى المغفرة والعفو وإتيان الطاعات سُبُلا للعطايا الأخروية دون الدنيوية.
فذكرت له عددا من العطايا الدنيوية الخاصة للمؤمن، ولكن وأنا أطالع المقاصد التشريعية من الأوامر والأحكام الإلهية في قضية الطلاق، رأيتها كلها عطايا ربانية "دنيوية"  خاصة للمؤمن دون غيره ! يا رجل إن الدين برُمّته بمقاصد أحكامه وتشريعاته وبهداياته لَعَطايا  "دنيوية" للمؤمن دون غيره من البشر !
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #294 في: 2026-04-05, 17:55:54 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)}.
إنه سؤال الصحابة رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن شؤون النساء، عن المزيد من شؤونهنّ، من بعد ما أنزل الله فيهنّ في شأن الميراث في هذه السورة تحديدا (النساء)، مع ما أنزل عنهن في سورة البقرة في شؤون  الأسرة من زواج وطلاق وإيلاء وعُدد تعتدّها المتوفّى عنها والمطلقة، وما أنزل في شأنهنّ في الظهار في سورة "المجادلة"، وما علّم الرجال من وجوب حسن معاملتهنّ، وإيتائهنّ حقوقهنّ كاملة غير منقوصة كما نصّ عليها الكتاب، وكما نصّت عليها الهدايات النبوية ...
وأولاء هم الصحابة يرقبون نزول الكثير من شؤون النساء مفرّقة على سور القرآن العظيم، يرقبون ما خصّ الله به المرأة من قدر وما آتاها من كرامة !
فكان من السور ما أنزل وهو يحمل اسم امرأة بين النساء صريحا، أو يحمل صفة من صفاتها تلميحا، فنزلت "مريم" بمكّة تعلّم الناس جميعا حقيقة تلك العظيمة المصطفاة على نساء العالمين العابدة القانتة الصابرة العفيفة الطاهرة التي أعيذت بالله وذريّتها من الشيطان الرجيم، ونزلت "المجادِلة " بالمدينة مصدَّرَة بقصة خولة بنت ثعلبة رضي الله عنها مدرسة للانتماء للجماعة المؤمنة وللولاء لله ورسوله ولمحادّة أعداء الله ورسوله،  ونزلت "الممتحَنة" تحمل قصّة الممتحَنات في إيمانهنّ اللاتي فرَرْن إلى الله ورسوله مولّيات عن كل قريب وعن كل حبيب، بائعات للدنيا بما فيها برضى الله ورسوله،  وعلى رأسهنّ أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، كما جاءت في "الممتحَنة" أيضا قصّة المبايِعات لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الإيمان والسمع والطاعة .
ونزلت "التحريم" وفيها شأن من أخصّ شؤون رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته، وفيها ضرَبَ الله مريم وامرأة فرعون مثالا للمؤمنين رجالا ونساء، كما ضرب سبحانه امرأة لوط وامرأة نوح مثالا  للكافرين ...
ونزلت "الطلاق" الملأى بالأحكام التي تعلّم آليات العدل مع المرأة وإعطاءها حقوقها وهي المتزوجة وهي المطلّقة، وهي المعتدّة، وهي الحامل وهي المرضعة... ! وكلّها أحكام  يُؤمَر بها الرجل بروح التقوى والعدل والإحسان ...
كلّ هذا كان يرقبه الصحابة وهو ينزل قرآنا يتلوه عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويزكيهم به، ويعلمهم مقتضياته وتمام الائتمار به ...
فكانت تربية تدريجية لرجال الأمة، لإخراجهم من ظلمات جهل كانوا فيه يظلمون المرأة ويبخسونها حقوقها، ويعدّونها أُلهِية بين الأُلهيات وشهوة بين الشهوات ما أن تُقضى حتى تُلقى وتُهمَل وتُهدَر حقوقها !
فأصبح الصحابة يسألون، ويستفتون المزيد في شأن النساء، لأنّ الوحي ربّاهم وعلمهم –كما علّم المرأة- أن المرأة لم تُخلَق لتكون بين أيديهم لعبة متى شاؤوا لهوا بها ساعة، ومتى شاؤوا ألقوها ساعات، لا حقّ لها ولا وزن ولا مكانة ...
وها هم اليوم والسورة التي بين أيديهم تحمل اسم "النساء"، تكرّمهنّ وتُعلي من شأنهنّ وهنّ النازلة فيهنّ سورة من الطوال، باسمها وبرسمها، سورة تعلّم الأمة وتعلم الأرض قاطبة العدل في الأرض ! وأنه الذي يتحقق بدءا بالعدل في الأسرة، بالعدل مع النساء :
💎{وَآَتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (4)}
💎{لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (7)}
💎{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (11)}
💎{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آَتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19)}
💎{وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآَتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (20)}
💎{وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (32)}
والآيات أعلاه من السورة على سبيل المثال لا الحصر، فهي ملأى بأحكام تعطيهنّ حقوقهنّ في الميراث، كما تعطيهنّ حقوقهنّ النفسيّة والمعنويّة، وتبيّن مقام المرأة في المجتمع، ودورها في تخريج رجال للأمة عادلين صالحين مصلحين !
ويستزيد الصحابة، يستفتون عن المزيد، وهم يُعَلَّمون ما سبق من حقوق كفلها لهنّ الشرع، كما يُعَلَّمون آخر كثيرا من حقوقهنّ ومن بيان لمكانتهنّ ودورهنّ المبثوث في آي سور مختلفة ...
فانظر كيف أخرج القرآن العظيم -هذا النور المنزّل من الله تعالى- الرجال والنساء على السواء من ظلمات الجهل والظلم والسفاهة والهبائية والعبثية إلى أنوار الحق والعدل والسويّة والغاية من وجوده رجلا ومن وجودها امرأة... !
فإنهم يا محمد (صلى الله عليه وسلم) يستفتونك في النساء، لتُلَقَّنَ من ربّك الجواب : {...قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127)}
كما كان سؤالهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يستسقون به أحكاما ربانية يريدونها منهجا للحياة وطريقا للعيش، وليجعلوها قانونهم ومحتكَمَهم، فكان : {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ ۖ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (222)}. -البقرة-
وكان سؤالهم عن واحد من شؤونهنّ أيضا : {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (4)} -الطلاق-
وقد جاء أنها نزلت في سؤال الصحابة عما تبقى من أحكام النساء في أمر الطلاق (بدليل "إن ارتبتم" التي عنت طلبهم ما يذهب ريبتهم) في حالات بعينها لم ينزل فيها حكم(الآيسات واللائي لم يحضن والحوامل)، فأنزل الله هذه الآية وفيها أحكامهنّ .
بالله عليكم تخيّلوا معي مجتمع الصحابة !
ذلك المجتمع الراقي، المتحضّر، الذي يضع المرأة موضعها اللائق بها، وهو يُعلَّم حقوقها، ووجوب العدل معها، ووجوب الإحسان إليها،  بالقرآن وبالسنة سواء بسواء ...
ورسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمهم من خلال حركة حياته مع نسائه كيف تُوَقَّر المرأة وهي شقيقة الرجل ! فهو هو الذي أخذ برأي أم سلمة في وقعة الحديبية حينما أبى الصحابة أن يحلقوا رؤوسهم وهم تغلي بهم أنفسهم التي ضاقت من صدّ قريش لهم، ومنعهم دخول البيت الحرام معتمرين؛ أشارت عليه أن يحلق هو ليقلّدوه، فأخذ بمشورتها وفعل فحلقوا؛ وهو هو صلى الله عليه وسلم الذي تروي عنه عائشة رضي الله عنها، كيف كان  يخصف نعله ويخيط ثوبه ويعمل في بيته؛ وهوهو الذي سئل يوما في جمع الصحابة عن أحب الناس إلى قلبه، فلم يرَ غضاضة في قوله : "عائشة"، فلما قيل له : لسنا عن النساء نسألك بل عن الرجال، لم يجد غضاضة مرة أخرى في أن ينسب إليها أحب الرجال إلى قلبه(أبو بكر الصديق) قائلا : "أبوها" !
 وكم علّمت عائشة رضي الله عنها من بعده رجال الأمة ونساءها من خصال سامقة وخِلال رفيعة كانت له صلى الله عليه وسلم مع نسائه، كان فيها مراعيا لطبائعهنّ، معاملا لهنّ  بما يوائم الرقة والعاطفة التي جبِلْن عليها.
فكيف لا يستفتي الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في النساء، وهم قد عُلِّموا كل هذا عن النساء ؟ !
وعمر الشديد القويّ الجَلد الذي يهابه أعتى الرجال، يروي كيف راجعته زوجُه مرة فأنكر عليها، فإذا هي تجيبه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدراك ما رسول الله تراجعه نساؤه، بل وتهجره إحداهنّ اليوم إلى الليل، فبُهِت عمر لما عرفه عنهنّ وهنّ اللائي يهجرن سيد الخَلق عظيم الخُلُق بشهادة ربّه !
لقد تعلّموا منه كيف يصبرون على تقلبات النساء، ومتى يجب الحزم معهنّ، ومتى لا يجب !
وكما كان من أول ما علّمه رجالَ الأمة صيانة النساء، كُنّ من آخر ما أوصاهم به : "استوصوا بالنساء خيرا".
من أجل كل هذا الذي تعلمه أولئك العظماء على يد العظيم صلى الله عليه وسلم، أولئك الذين صنعهم على عينه، كانوا يستفتونه في النساء، حتى لا يجوروا عليهنّ، وحتى يحفظوا كرامتهنّ !  من أجل كلّ ذلك كانوا يخافون أن يظلموا المرأة أو أن يبخسوها حقّا وقد جاء القرآن –ووحده القرآن- بحقّها كلّه موفّى وافيا ليس عليه ما يُزاد !!!
#سورة_النساء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #295 في: 2026-04-05, 17:56:57 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

 أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)} -المائدة-
هذه الآيات المتتابعة من سورة المائدة العظيمة؛ الفهم المغلوط لها يطرح إشكالا، بل إنّ الذين يبتغون الفتنة ويبتغون التأويل من أهل الزيغ والضلال والإضلال يجعلون منها الحقّ الذي يرومون به باطلهم .
إن "المائدة " هي السورة العظيمة الجامعة التي جاء فيها آخر آية نزلت من القرآن، وجاء فيها إعلان إتمام الله تعالى نعمته على عباده، ورضاه الإسلام لهم دينا، وجاء فيها إعلان يأس الكافرين من المسلمين وقد أتمّ الله نعمته عليهم: { الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ...}
جاء في روايات أنها من آخر ما نزل، وفيها تحليل الحلال وتحريم الحرام، حتى قالت فيها عائشة رضي الله عنها : "ما وجدتم فيها من حلال فاستحلوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه".
هذه السورة التي تظلّها ظلال الحسم في أمر الحلال والحرام، والحق والباطل،  حتى تجد فيها نداء المؤمنين مرات في قضايا التحليل والتحريم للمأكل والمشرب، والزواج والمناسك، والشهادات؛ فيها جاءت المرحلة الأخيرة والحاسمة من مراحل تحريم الخمر...
فيها جاء التذكير بنعمة الله تعالى على عباده، بل بإتمامه النعمة عليهم، وهو سبحانه يأمرهم مقابل هذه النعمة أن يوفوا بالعقود، وعلى رأسها العقد بين العبد المؤمن وربّه وقد أعلن قبوله بشروطه كلها، وعلى رأسها السمع لأمر الله تعالى والطاعة، عقد الإيمان هذا ذاتُه هو رأس النعمة من الله تُزاد على كل إنعامه سبحانه على عباده .
هذه السورة الجليلة، التي جاء فيها التقرير الحاسم بكفر من قال أن الله هو المسيح بن مريم، وبكفر من قال أن الله ثالث ثلاثة؛ جاء فيها الحسم بأنّ هذا الكتاب (القرآن العظيم)  هو الكتاب المهيمن الذي تُحكَم الأرض بأحكامه :
{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ...}
كل هذا السياق في السورة، كل الآيات تؤخذ لُحمة واحدة ليحصل الفهم الصحيح وليبلغنا مُراد الله تعالى من عباده ... ولا تؤخذ الآيات قطعا منفصلة وأطرافا مشتتة كدأب أهل الزيغ والترصّد والتشبيه، أن يقتطعوا من السياق، من المعنى الإجمالي، أن يقتطعوا من جرّ السابق للاحق، وتفصيل اللاحق للسابق ...
ولنتأمل الآية الأولى من قطاع الآيات التي وضعتُ :
{يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (67)}
إنه الأمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبلّغ القرآن العظيم، وإن لم يفعل فإنه ما بلّغ، وهو الأمر له أن يبلّغ القرآن كاملا في هذه السورة تحديدا التي أسلفت أن من أهمّ سماتها  الجمع والحسم والتكميل والتتميم، والبيان الفصل .
إنه صلى الله عليه وسلم يُؤمر أن يبلّغ منه كل آية، كل كلمة، كل حرف، لا يُنقص ولا يزيد، فلئن زاد أو أنقص فإنه ما بلّغ رسالة ربّه، لئن زاد كلمة من عنده –حاشاه صلى الله عليه وسلم- فما بلّغ رسالة ربّه، ولئن أنقص كلمة فإنه ما بلّغ رسالة ربّه..لئن فعل فإنه ليس القرآن، بل هو شيء آخر  !
هكذا هو القرآن إنما هو كل شيء فيه، أو أنه لا شيء ! { وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ } !
غاية الدقّة وتمام الحزم ومنتهى الحسم وأتمّ الحفظ !
إن نقصت من القرآن آية أنّ القرآن هو المهيمن فإنه ليس القرآن، وإن نقصت منه آية كفر من قال أن الله ثالث ثلاثة فإنه ليس القرآن، وإن نقصت منه آية كفر من قال أن الله هو المسيح ابن مريم فإنه ليس القرآن، وإن نقصت منه الآيات التي بينت تحريف أهل الكتاب لما أنزل عليهم فإنه ليس هو القرآن ... !
كلها تُؤخذ لُحمة، تؤخذ معنى يعضّد ويكمّل معنى، ويفصّل معنى، تؤخذ منظومة متكاملة متشابكة متناغمة متراصة صفا كالبنيان المرصوص !
تُؤخذ "رســـــــــــــالة"
هذا معنى أمره صلى الله عليه وسلم بتبليغ كل ما أنزل عليه، ففيه ضمنيّة معنى تكامل معاني القرآن وعدم انفصال بعضها عن بعض، ونقصه وانقلابه شيئا آخر إن هو نقص منه شيء !
هكذا تقدّم هذه الآية للآية التالية :
{ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)}
هيا... افهم الآية الآن في سياقها، فيما قدّمت لها الآية التي سبقتها، ولا يجتزئنّها من سياقها من يجتزئها ليلقي بأباطيله وأضاليله ومفهومه هو لا مفهوم "رسالة القرآن" المبلَّغة كاملة، التي وفّى الرسول في تبليغها كل التوفية فكان المبلّغ عن ربّه كما أنزل ربّه، كان أوفى من جسّد أمره سبحانه في بداية هذه السورة : "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " !
لستم على شيء يا أهل الكتاب (يا أيها اليهود ويا أيها النصارى) حتى تقيموا التوراة والإنجيل..
فكيف تفهم -يا مَن يُلقى إليك بالتفاسير الهوائية المجتزَأة-  أنّهما توراة اليوم وإنجيل اليوم، أو هما توراة وإنجيل أي يوم كانا فيه مُحرَّفَين ؟ كيف تفهم أنهما هُما هُما اللذان أخبرنا الله تعالى عنهما وعن تحريفهم لهما ؟ !
كيف ينطلي عليك تشبيه من يقول لك : انظر إن الله يأمر أهل الكتاب بإقامة توراتهم وإنجيلهم في أوان نزول القرآن !! انظر إنه الأمر الصريح من الله أن يقيم أهل الإنجيل وأهل التوراة اليوم إنجيلهم وتوراتهم !
كيف تنسى كلّ ما قدّمت له الآية السابقة، أن القرآن لا يؤخَذ أبعاضا فيُفهم بالأهواء، بل يُؤخذ لُحمة ...يُؤخَذ  "رسالـــــــة" كاملة شاملة جامعة !
وقد بين لنا القرآن في مواضع كثيرة كيف حرّف أهل الكتاب كتب الله، وكيف نسبوا كلام رؤوسهم وأخيلتهم إلى الله تعالى : {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (78)} –آل عمران-
بل ليس بعيدا عن سورتنا هذه، قد علمك سبحانه :"{ فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً ۖ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ ۙ وَنَسُوا حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُوا بِهِ..}-المائدة:13-
لستم على شيء أبدا يا أهل الكتاب حتى تقيموا التوراة والإنجيل  اللذين أنزل الله لا ما تدّعون أنهما من عند الله !
هذا هو الفهم السليم الذي قدّمت له الآية السابقة .
وإنه ما لم يكن منكم يا أهل الكتاب، لم تقيموهما، وعلى هذا فإنكم لستم على شيء !
كان عليكم أن تقيموا ما أنزل الله عليكم كما نزل، التوراة والإنجيل، و " وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ " وما أنزل إليكم هو القرآن الذي أنتم اليوم تُنبَّؤون به كما يُنبَّأ به كل من حضر نزوله، وكلّ من يبلغه إلى يوم الدين !
 هكذا جمع الله تعالى بين كتبه(التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم) وما يُفترض أن يكون من تجاوب معها، وهي كلها كتبه السماوية، التي هي كما نزلت من عنده كلها حق، وقد جاء في المائدة ذاتها بيان أنها –كما نزلت من عند الله- كلها هدى ونور (**إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ –من الآية44- ** وَآَتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى وَنُورٌ وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ –من الآية46-   )
كما جاء في آيات قريبة من هذه أن من لم يحكم بما أنزل الله في التوراة وفي الإنجيل فأولئك –على التوالي- هم  الظالمون، الفاسقون ، الكافرون  من مثل قوله تعالى : { وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.   تأمل جيدا (بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ)
فكيف يُعقَل بهذا الفهم المجتمعة أبعاضه إلى الأبعاض الأخرى، المتكامل وحدة متناسقة متراصة، أن نقول بقول من يوهِم الناس أن الله تعالى يأمر أهل الكتاب أن يقيموا التوراة والإنجيل اللذَين هما النسخة المحرّفة بأياديهم !!
أين يذهب معنى "الرســــــالة" الواحدة الموحّدة هنا والذي أمِر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يبلغها لا يُنقص منها حرفا ولا يزيد، فإن نقص منها شيء فإنما هي لا شيء ! هي ليست القرآن، هي ليست المنزَل من ربّ العزة سبحانه !
هذا الذي لا ينقص منه شيء، فهو الكامل المهيمن الحاكم (كما جاء في المائدة).
{...لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ...}
اجتمعت الكتب الثلاثة، واجتمع ما يفتَرض بالنازلة فيهم أن يفعلوا بها، أن يقيموها ! وإنهم لم يفعلوا بالتوراة والإنجيل، فإنهم ليسوا على شيء !
فهلمّوا والفرصة بين أيديكم مع القرآن وهو المهيمن الشامل الذي جاء فيه بيان ما فعِل بالكتب السابقة، هلمّوا أقيموه، فإن إقامتكم له تعني إقامتكم للتوراة التي أنزل الله، وللإنجيل الذي أنزل الله !
لأنه الكتاب الذي بيّن أنها كلها –كما نزلت- هدى ونور ! ولأنه الكتاب الذي يعلن أنها كما نزلت حق، وكما حرفوها باطل !
ثم تأمّل الكلمات ولا تمرّ بها  سريعا ...انظر فيما هو آت :
{وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (68)}
كثير من أهل الكتاب سيزيدهم ما أنزل إليك يا محمد(القرآن) طغيانا وكفرا   !
تأمل جيدا ... ماذا ترى ؟؟
من ذا يُزاد كفرا وطغيانا ؟؟ أمُؤمن ؟ أمشهود له بالإيمان ؟؟
لا بل لا نقول : "ازداد حُسنا"  إلا لمن كان أصلا حسَن الوجه، ولا "ازداد بطرا" غلا لمن كان أصلا بطِر، فلا نقول :  "ازداد كفرا" أو "زاده هذا كفرا" إلا لمن كان أصلا كافرا .. !
أرأيـــــــــــــــــــــــــتَ ؟؟؟
إنها الشهادة من الله أنهم أصلا كافرون،  ما لم يقيموا كتبهم، ما احتكموا للمُحرَّف بين أيديهم وهم ينسبونه لله بهتانا وزورا !
ففي تتمة الآية (كنا رأيت) بيان لكفرهم؛ فكيف تريد أن تلقي يا أيها المشبِّه أن الله يأمر أهل الكتاب أن يقيموا كتبهم المحرّفة، وأنها الشهادة من الله أنها الكتب التي تُقام اليوم ويُحتَكَم إليها ؟؟ !
أفرأيت اجتماع الأدلة من المَعين ذاته ؟ من الآية ذاتها التي يعطيها مَن يعطيها مفهومه المعوجّ ليسوّغ سلامة الكتب التي بيّن القرآن تحريف الناس لها !
إنه يفعل هذا وهو يجتزئ، وهو يلهو بعقل المسلم الذي لا يعرف عن دينه إلا القشور، فهو يهيم معه حيث يهيم، فيحتار، ويبهَت، ولا يجد جوابا !!
وهكذا يبقى معنى الآية الأخيرة من هذا السياق- بعد هذا العيش مع الإجمال وروح "الرسالة" الجامعة الشاملة – تحصيل حاصل ...
{ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (69)}
وإنهم هُم هُم الذين يأخذونها أيضا -كالسابقة- منقطعة عن سياقها، ليشبّهوا بها، وليقولوا أنها الآية التي تبيّن أنّ كلّ هؤلاء مقبول عند الله !
المؤمنون(أهل القرآن) واليهود والنصارى والصابئون !  كلهم متقبل، وكلهم على ما هم عليه اليوم متقبّلون عند الله، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون !!
دائما مع خطة الاجتزاء، ومع خطة الضرب صفحا عن كل ما في القرآن من بيان أنّ الكتاب المهمين هو القرآن، وأن من يبتغِ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين، وأن الدين عند الله الإسلام ! كلّه يُضرَب صفحا عنه !
بالخطة ذاتها يؤوّلون ويسوّغون لكل العقائد الفاسدة، بخطة الاجتزاء، وأخذ القرآن قطعا عن سياقاتها ! وما هو إلا "الرســـــالة" الواحدة الموحدة الجامعة التي تؤخذ جملة وتفصيلا، الرسالة التي إن نقصت منها كلمة فهي شيء آخر ! آخر غير القرآن !
بالخطّة ذاتها يهيّئون الناس لاحتضان الديانة الإبراهيمية الجامعة الجديدة، التي يقولون فيها بسلامة الكلّ وبوحدة الكل يهودا ونصارى ومسلمين !!
فالحــــــذر الحذر ... ! وإنه من مَعين القرآن لا من غيره تتضح لك الرؤية، وتتبين لك الطريق !
#سورة_المائدة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #296 في: 2026-04-05, 17:59:11 »
«إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ۘ وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ»-الأنعام-
أي آية هي هذه الآية العظيمة العظيمة من سورة الانعام الجليلة !!
الذين يسمعون؛  الأحياء هم الذين يسمعون،  أما الأموات فأنّى لهم أن يسمعوا أصلا، بله أن يستجيبوا ؟!!
إن الذي حجب قلبه عن نور الهدى ميت،  ميت القلب لا حياة له وإن أكل وشرب وراح وغدا  ..!
عديم الإيمان ميت القلب،  وميت القلب لا حياة له!
وإنما الحياة حياة القلوب،  وحياتها بهواء الإيمان وبمائه،  حياة تحقيق العبودية لله الخالق،  حياة الإقرار بألوهيته وربوبيته،  وما عداها موت...! موت زؤام !
موت وإن رأيتَ صاحبها يرفل في الزينة،  ويتنعّم بملاذ الدنيا..!  وإن رأيته يمسك بزمام القوة ويضرب في الأرض بفاتك السلاح،  وبيده صولجان الملك من البحر إلى البحر، وعلى رأسه قلنسوة عنان السلطان، وعليه الأبّهة والهيلمان !!!
ألا ليتنا علمنا وفقهنا، كيف غلبت القلة المؤمنة الكثرة الكافرة في كل زمان! إذ قد كان لقاء الحياة بالموت! يوم كان للقلوب حياة جامعة على قلب واحد ! قد كانت الحياة فيهم فوق الحياة،  وقد كان لعدوهم الموت فوق ظاهر الحياة !
ولكن لما ذهب الاعتزاز بحياة القلوب ذهب منا فقه معنى الحياة !
«...  وَالْمَوْتَىٰ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُون»
إنها تحمل فيما تحمل أولا أنه كما انه وحده سبحانه الذي يبعث الموتى،  فهو وحده الذي يبعث الحياة في موات القلوب بالهداية فيؤمنون، فينجون !
ثم هي تحمل أيضا معنى عموم بعثه سبحانه لكل عباده،  أليس سبحانه باعث كل الموتى؟  أليسوا إليه يرجعون؟! 
فميت القلب الذي عاش ميتا ومات ميتا سيبعث،  وإلى ربه سيرجع!!
فما تراه سينفعه "موته" الذي عاشه ؟! 
اللهم حياةً لقلوبنا بها نلقاك..! 
#سورة_الأنعام
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #297 في: 2026-04-05, 17:59:37 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

{قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)} -الأعراف-
هذا شيء مما لقّنه الله تعالى لنبيّه في سياق ما لقّنه أن يردّ به عن أمور وتصاريف هي لله وحده، حتى يبيّن للناس كيف أنها ليست لأحد سواه سبحانه، وإن كان هذا "الأحد" رسول الله وصفيّه من عباده !
إنه صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، الأمر بيد الله تعالى، لا يكون إلا ما يشاء، ولا يجري على العبد إلا ما يريد سبحانه وما يكتبه له وما يقدّر.
تأملوا كيف يُلقَّن صلى الله عليه وسلم أن يزيد فيقول :
"... وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"
هذه هي التي استوقفتني مرارا كلما قرأتها !
"لو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء "
ربما للوهلة الأولى وأنت تقرأها ستفهم أنّ الأمر لو كان بيد العبد، ولو كان يعلم الغيب، لما كتب لنفسه إلا خيرا، ولأبعد عن نفسه كل سوء !
ويكأنّ العبدَ هنا لو علم الغيب لجعل حياته أفضل مما هي عليه وهي من أمر الله ومن تدبيره !
أليس يلقي إليك هذا الاستكثار من الخير والإبعاد الكليّ للسوء أن العبد سيصطفي كل خير ويبعد كل شر، فيكون تدبيره وأمره الأحسن والأوفق والأنسب ؟!
تأمــــــــــــــــل جيدا ! 
إن هذا الذي تفهمه للوهلة الأولى، هذا الذي يومض في عقلك، أنّ تدبير النبيّ لنفسه خير من تدبير ربّه له، وهو الذي سيستكثر من الخيرات والمسرّات ويبعد كل المصائب والرزايا والبلايا !
إن هذا الذي تراه خيرا  لهو الأسوء، وهو الذي لا يناسب ولا يوائم الخلقة التي خلق الإنسان عليها، والهدف الذي خلق له، والوظيفة التي خلق لأجلها، وهو ما لا  يكون فيه خير له قطّ !
أجل... ألا يُصيب الإنسانَ إلا خير، وأن يُمحى الشر وأن تُدفَع كلّ المصائب والبلايا من الأقدار لهو العبث بعينه، وهو الذي لم يقدّره الله لتمام حكمته وإحاطة علمه وطلاقة قدرته؛ فما قدّره وكان من ابتلاءات ومن مصائب هو حقيقة الخير للإنسان وحقيقة نفعه، وما يناسب دوره بحق في دنيا هي إلى فناء ! وما يناسب مآلَه وما ينتظره في أخرى لا تفنى ولا تنتهي.
ما معنى خلقه أصلا إن لم يكن ليُبتلى ؟؟
ما معنى خلق الموت والحياة إن لم يُخلقا للابتلاء ؟؟
ما معنى الدنيا وما معنى إيجادها أصلا إن لم تكن دارا للابتلاء بالخير كما بالشر ؟؟
ما معنى أن تكون  الدار الآخرة دار الجزاء إن لم تكن الدنيا للامتحان والابتلاء ؟
الابتلاء بالخير كما بالشر : {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ (35)}-الأنبياء-
تأمل .. ثم تأمل...
 إن إقرار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه الذي لو كان يعلم الغيب لاستكثر من الخير وحده، ولما مسه شيء من السوء، إنما هو الإقرار بالنقص البشريّ، بالقصور البشريّ،  بأنّ هذا من أكبر الدلالات على أنه ليس إلا لله أن يقدّر، وأن يعلم الغيب، وأن يكتب لعبده الخير كما يكتب الشر، أن يكتب الخير كما يكتب السوء، وفي كلٍّ للمؤمن خير، وهو عند الخير شاكر، وعند الشر صابر ! بل تتفاوت درجات الصبر والشكر من مؤمن إلى مؤمن، كما تتفاوت درجات الجزاء !
وهو على شكره وعلى صبره مجازى من ربّه خيرا ونعيما !
إنّ إيماض الكمال من عبارة : "لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ"
هو الفهم المجتزأ لمعنى مجتزأ،  هو الفهم المبتور للمعنى المبتور.
إنّ العبارة على ما يظهر منها من خير، إنما هي دليل النقص والقصور، ودليل عدم اختصاص العبد بهذا الشأن، ولو أنه تُرِك له لكان هذا الاستكثار من الخير، والذي هو شر، ولكان هذا الإبعاد الكليّ للسوء، حتى إنك لترى: "وما مسني السوء"...  تلقي "ما مسني" بالإبعاد الكلي، مجرد المسّ بالسوء لا يكون، وهو شرّ تُظهره العبارة -لمن يفهم بعيدا عن تشرّب الغاية من الحياة ومن الوجود ومن الدنيا -  خيرا ...
بينما هو الإقرار من رسول الله العبد أنه الذي ليس له، ولا يليق أن يكون له، ولا لبشريته التي ترى بعين القصور أن الاستكثار من الخير وحده خير، والإبعاد الكليّ للسوء خير .
بينما التصور الإسلامي، التصور القرآني للوجود في هذه الدنيا، أنها للابتلاء بالخير وبالشر، للجزاء في الآخرة على الصبر على السوء، وعلى الشكر على الخير .
وإنه صلى الله عليه وسلم وهو خير من خلق وأحبهم إليه سبحانه، جرى عليه الخير كما جرى عليه السوء،  وعلى كل الأنبياء والرسل،  بل لقد كانوا أكثر عباد الله ابتلاء! 
لقد كُذّب،  ولقد رُمي بالجنون وبالسحر وبالكهانة،  ولقد ضُرب،  ولقد جرح،  ولقد هُزِم كما نصر...  ولقد لاقى ما لاقى في سبيل الدعوة وهو من هو!
وتأمل –يرحمك الله ويرحمني-  تتمة الآية :
"إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ"
إنك لتلمس فيها الضعف البشري من بعد ما كان من قوله صلى الله عليه وسلم عن نفسه لوكان له من علم بالغيب : "إن أنا إلا" ...
ليس لي التدبير والقضاء والعلم بالغيب، ليس لي أن أكتب لنفسي شيئا، ولو كان لي لأخطأت وأنا أراني المصيب، لأخطأت وأنا أستكثر من الخير وأبعد السوء، وأنا أرى الخير التام والنفع الجزيل في مظهر الخير، وأرى الشرّ المحض في مظهر السوء الذي يصيبني !
بينما التصور القرآني يعلمنا : " كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216) " -البقرة-
تكره القتال أيها الإنسان، ويبدو لك شرا، ولكنّ خيرا كثيرا فيه، أنت لا تعلمه ! تماما كما هو الحال مع كثير جدا من مظاهر الخير ومظاهر الشر، التي تخبئ كل منها حقيقة هي عكس ما تظهر به !
لذلك، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرّ أنّ ذلك الأمر عظيم عظيم، التقدير والقضاء والكتابة، والتدبير والإصابة بالخير والإصابة بالسوء، وعلم الغيب، أمر عظيم لا يكون إلا لله ! الذي يعلم ونحن لا نعلم ! الذي وهو سبحانه يعلم الغيب، هو الذي قد كتبه، وهو الذي يقدّره على عباده وليس المظهر هو مناط الحكم !
ولذلك يقرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم  : { إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ }.
ينذرهم مغبّة المعصية والحياد عن هدى الله، ويبشر المتقين المطيعين بالخير العظيم المخبّإ لهم في الآخرة على صبر وعلى شكر. على تفاعلهم مع شرّ يصيب، ومع خير يصيب .
فسبحان الله ! أي عظمة هي في معنى لا يعطيه الفهم الظاهري للآية، بل يعطيه الفهم المدعم بالتصور القرآني للوجود ولإيجاد الإنسان، وللغاية منه .
وعلى هذا لا يليق أن يؤخَذ بفهم مَن لا يتشرّب التصور الإيماني والقرآني للوجود، ولمحدودية العبد، ولمحدودية حكمته وعلمه، مقابل طلاقة القدرة الإلهية والحكمة الإلهية والتدبير الإلهيّ الذي شاء أن تكون دار للابتلاء، ودار للجزاء، فكان، والذي شاء أن يكون للعبد حدود، وللربّ طلاقة فكان !
#طلاقة_القدرة
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #298 في: 2026-04-05, 18:00:06 »
أجعلتم سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين» -التوبة-
لا يستوون عند الله !!
وما أشبه الأمس باليوم ! سقاية حاج و عمارة مسجد ! نعم موجودتان.
وبعد ؟! أين إيمان بالله من أهم مقتضياته الولاء له سبحانه والبراء من عدوّه ؟! أين فيمن يسقي ويعمر وهو يوالي عدوّ الله ؟! 
ويكأنّها فيهم نزلت !
وإنه فيما يُروى أنها نزلت في جمع من الصحابة جعلوا يفاضلون بين السقاية والعمارة والجهاد في سبيل الله، فقال من قال أنها العمارة وقال من قال أنها السقاية ومن قال أنه الجهاد في سبيل الله، فأنزل الله تعالى في جمع الصحابة المفاضلين بين ما لا يُفاضل بينه هذا الاستنكار !
أفتُجعل السقاية والعمارة كالإيمان والجهاد في سبيل الله ؟
وحاشا وكلا، أولئك كانوا يفاضلون وكلهم مؤمنون مجاهدون في سبيل الله، ولكن أصحاب السقاية والعمارة اليوم هُم هُم أصحاب الولاء للعدوّ !
فأين السقاية اليوم والعمارة من واجب جهاد عدوّ الله لا ولائه والتواطؤ معه والاستعانة به على إخوان الدين الواحد ! تلك اليوم منهم صورة وقناع ! بينما نصرة الدين تحتاج إيمانا وبراء من عدوّ الله وإن لم تكن سقاية وعمارة !
#الولاء_والبراء
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #299 في: 2026-04-05, 18:00:38 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) }-يونس-
هكذا كانوا يتجرؤون على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهم تارة يسألونه الآيات الحسيّة، وتارة يسألونه أن يأتي معه ملك، وأخرى يسألونه أن يحيي لهم موتاهم، وأخرى أن يجعل لهم جبال مكة ذهبا، في تردّدهم وتخبّطهم وعنادلهم ولجاجهم يعمهون !
هؤلاء الذين وصفهم الله تعالى بــ: " الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا" ، الذين لا يصدّقون به أصلا، فلا رجاء لهم فيه، يقولون : "ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْه"
إنهم يأمرون رسول الله صلى الله عليه وسلم  بلغة مستكبرة، بلغة الذين لا يعرفون للرسول قدرَه، وهم الذين كذّبوا به، واستهزؤوا به، ونالوا منه كل نيل !
هيا يا محمد ائتِنا بقرآن غير هذا الذي تتلوه علينا صباح مساء ! أو بدّلْه !
بدّله كليا بقرآن آخر، أو بدّل منه ما لا يعجبنا، أنت بين خيارَين !
أنت يا حبيبي يا رسول الله –في أعينهم- بين أحد أمرَين، لا حَسَن بينهما، ليكون بينهما الأحسن !
هكذا هو إملاء الكافر بربّه الذي لا يؤُدُه أن يكفر بالنبيّ وبكلامه وبأمره، وإنما أصل كفره بما جاء من ربّه  !  ولقد أقرّ القرآن هذه الحقيقة في أنفسهم : {قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ ۖ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَٰكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)}-الأنعام-
ثمّ هلمّوا ننظر في أطراف "يونس" !   هلمّوا نعود القهقرى، إلى بداياتها، فإنّ فيها ما يقدّم لهذا الذي عرّفنا الله من تجرؤات الكفرة !
تأمل قوله تعالى في بدايتها :
{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ...}
أكان لهم عجبا أن أوحينا إلى بشر من البشر؟؟ إلى رجل من بينهم، إلى واحد منهم، إلى من يعرفهم ويعرفونه ؟؟
آستعجبوه ، آستهجنوه، آستغربوه ؟؟ !
وإنهم لما أنكروا أن يتلو عليهم آيات الله بشر مثلهم، جعل سبحانه يبيّن في لاحق الآيات من السورة الانقياد الكلي لهذا البشر لأمر الله، يبيّن مقام نبوّته ومعنى نبوّته، ومعنى تبليغه أمر الله وآيات الله بأمر الله لا بأمر أحد، لا بأمر نفسه !
فتأمّل،  تأمّل ما يلقّنه ربّه من ردّ فيه التعليم الدقيق والمعنى العميق لمعنى أنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، لمعنى أنّ ما يبلغهم إياه وما يأمرهم به إن هو إلا الوحي لا شيء غير الوحي يوحَى !
اسمع ...اسمع لردّه، اسمع للردّ وهو يعَلَّمُهُ من ربّه دقيقا لا ثلمة في جانب من جوانبه، ولا ثغرة في طرف من أطرافه :
{...قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)}
"مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي" ... تأمل !   
لعله قد يتبادر إلى ذهنك أن يجيبهم بالنفي، برفض طلبهم، كأن يقول صلى الله عليه وسلم : "لا لن أبدّله" . 
لا ! ما كان له أن يقرّر صلى الله عليه وسلم أنه الذي لن يُبَدَّل، لأنه لا يعلم عن أمر ربّه ومراد ربّه، لا يتجرأ أن يقرر مكان ربّه، لا يعلم الغيب، لا يعلم ما سيكون . لا يعلم منتهى مراد الله تعالى من أمره، ومن تنزيله !
"مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي"  ... فإن أراد ربّي تبديله فإني طوع أمر ربّي، طوع مراده سبحانه وإرادته .
لست موكّلا بتبديله، فإن شاء هو تبديله سيبدّله، أما أن أفعلها أنا كما تُملون أن أفعلها، فليس ذلك لي !
"...إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ "
هذا هو دوري، هذه هي حدودي، ما يُوحى إليّ هو ما أتّبعه، فإن شاء سبحانه أن يبدّل شيئا منه فإني أتبع مشيئته، وإن شاء ألا يبدّل فإني متبع مشيئته.
التبديلان، كلاهما إن شاء أن يكونا منه سبحانه فأنا طوع أمره، وأنا متّبع لما يكون من وحيه، تبديل قرآن بقرآن غيره، أو تبديل آيات منه، ليس لي من أمر في أحدهما أو كليهما، الأمر فيهما لله وحده !
"...إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ " 
مفتوحة لكل الاحتمالات، ولكنها الاحتمالات المضبوطة بمشيئة الله، فأن يبدّل أو أن يترك الوحي على حاله، أو أن يُزاد عليه، كلّه من الله، وهو منه وحي ومنه أمر، وأنا حدودي السمع والطاعة والتبليغ لما يوحي إليّ ... !
ويستطرد صلى الله عليه وسلم أمام جموع المستكبرين المتجرئين المتعنّتين قائلا:
"... إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)"
إنّ ما تأمرونني به من تبديل قرآن بقرآن غيره، ومن تبديل آيات بآيات هو معصية لأمر ربّي الذي أنا تحت أمره، ولا يكون لي فوق أمره أمر !
"إني أخاف " .... يالهذه العبودية الحقّة ! 
يالعظمة الإله الموحي الملقّن عبده ما يردّ !
ياللألوهية !  وياللعبودية بالمقابل، تجسيد لمعنييهما في هذا الجواب، في هذا الردّ .. في هذا الإعجاز !
إلهٌ يقضي ويأمر ويحكم ويريد ويشاء ويوحي وينزّل أمره، ولا يكون إلا ما يريد، وعبد سامع مطيع مذعن لأمر ربّه، واثق من عظمته وحكمته وإرادته وعلمه وأمره ! يخاف أن يعصي له أمرا !
لن أعصيه استرضاء لكم ! حتى وإن كنت متلهفا لتصديقكم وإيمانكم، حتى وإن كنت قاتلا نفسي ومهلكها حبّا في إيمانكم؛ ولقد وصف الله شدّة تلهّفه على إيمانهم وعظيم تمنّيه له بقوله سبحانه : {فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)}-الكهف-
حتى وإن كنتُ ذاك الرجل القاتل نفسه لتؤمنوا–وأنا هو- ، فإنني لن أسمع لما تطلبون، لن أجيب حتى على سبيل حبّي إيمانكم !
"... إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ "
إني عبد أخاف ربّي ! هذا مقامي !
وتِلكُم هي العبودية، وتلك حقيقتها، أن يخاف العبد معصية ربّه، وهو هو العبد الذي يرجو لقاءه بخلاف أولئك الذين تجرؤوا لأنهم : " لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا "
مقام العبودية الحقة بين رجاء وخوف، بين طيّات هذه الآية تجّلى !
ومقام الألوهية وعظمتها في هذه الآية تجلّى ! وثبات القرآن من بداية نزوله إلى آخر ما نزل منه تجلّى في هذه الآية، وما هو إلا الوحي الذي أوحاه لعبده، فما تبدّل وما تحوّل !
وعُــــــدْ ...  عُدْ مع كل مرة تنظر فيها في آيات هذه السورة إلى ما بدأتْ به !  عُد إلى عجبهم من أن يوحي الله إلى رجل منهم !
لتعرف كيف عرّف الله في عَرَض السورة وآياتها القابلات معنى الوحي إلى رجل منهم، مقام هذا الرجل من ربّه، ومقامه من أمر ربّه ! لتفهم انقياده التامّ لأمره لا في هذه الآية وحدها، بل في آيات من السورة أخَرْ...
ولن نذهب بعيدا، بل سنتأمل الآيتين المواليتين لآيتنا هذه :
{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)} -يونس-
إنه يزيد فيلقّن نبيّه، يلقّن الرجل الذي هو منهم، ولكن أوحى إليه ربّه من بينهم، وكان لهم عجبا أن أوحى إلى رجل منهم !
{قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ(16)}
💎 لو قضت مشيئته سبحانه ألا أتلوه عليكم أصلا ما تلوته عليكم.
💎 ولو قضت مشيئته سبحانه ألا تدروا به ما أدراكم به .
مشيئته القاضية، وقد شاء أن يُتلى عليكم وأن يُدريكم به، فهي ذي هذه الكلمات المحفوفة بالمشيئة الإلهية القاضية الحاكمة تزيد الآية السابقة بما فيها من انقياد رسول الله التام لأمر ربّه، وأنه الذي لا ينبس ببنت شفة من عنده، إن هو إلا وحي الله يبلّغه، تزيد هذه المشيئة الآية السابقة  توثيقا ... !
بل  وأكثر : " فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ"
خطاب للعقول ...  لا تُبخَس العقول حقَّها، وهي تخاطَب بما يوائم مجال عملها؛  أن تنظر،  أليس محمد فيهم من قبل ؟؟ ألا يعرفونه من قبل ؟؟
أليس رجلا منهم ؟؟؟ إن "رجلا منهم" المتصدّرة في بداية السورة وهي مصدر عجبهم، لهي هي مصدر الحقّ والحقيقة !
هذا الرجل منهم الذي يعرفونه، يقتضي العقل وعمله أن يقرّ بأنه الذي فيهم من قبل، فلِمَ لم يكن شيء في كل ذلك الزمان مما حدّثهم به الآن ؟؟ !  رجل منهم يعرفون حاله أشدّ المعرفة، من أوسطهم نسبا، يعرفون أباه وجدّه وأصل أصله وفصل فصله، يعرفون أنه الأميّ الذي ما قرأ يوما وما كتب، وأنه الذي ما تعلّم على يد أحد، وأنه الذي تقلّب يتيما بين الجدّ والعمّ صغيرا وغلاما وشابا غضا، ورجلا شهما عظيما بخُلُقه فيهم وبنقاء سيرته بينهم حتى أسموه الصادق الأمين من قبل أن يبلّغهم وحي ربّه إليه !
فيـــــــا    :  " أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ "
إنها التي تُفصَّل بهذه المقامات، وبهذا التلقين الرباني لعبده ونبيّه، للرجل منهم الذي شاء سبحانه أن يوحي إليه من بينهم!
وتزيد الآية الموالية توثيق الآيتين السابقتين :
{فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)}
من أظلم من أحد اثنَيْن : مفترٍ على الله الكذب فهو يقول بما لم يكن منه سبحانه، وهو ما وصموا به النبي صلى الله عليه وسلم إذ كذّبوه، أو مكذّب بآيات الله، وهم هؤلاء الذين عجبوا أن يوحي الله إلى رجل منهم !!
من أظلم من أحد اثنَين مفترٍ الكذب على الله، وهو ما لا ينطبق على "محمد" (الرجل منهم) ومكذب بآيات ربه، وهو ما ينطبق على مكذّبيه(المتعجبون من وحي الله لرجل منهم) !
إن ما تعجبون منه، لهو مصدر الحق لا مصدر العجب، لهو مصدر العقل والتعقّل لا مصدر العجب والاندهاش !
#سورة_يونس
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب