
سورة الحجرات العظيمة؛ كم قرأتُها، ولكنني معها هذه المرة على غير حال كل مرة .. سورةٌ، "الحُجُرات" اسمُها و"الحجرات" واردة فيها في قوله تعالى :
" إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ (4)" ..
وقد سبقت هذه الآية ثلاث آيات، كلها في تربية المؤمنين على توقير رسول الله ﷺ :
**يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِ
**يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ..
كما ختمت تلك الآيات بالحال الباعث لهم على غضّهم لأصواتهم وهم بين يديه توقيرا وحياء منه :" إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ (3)"
إنهم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، ولكأن توقير رسول الله ﷺ وتقديره حقّ قدره واحد من أهمّ مقاييس التقوى، توقيره بالاستحياء من رفع الصوت في حضرته تقوى، امتثال منهم لأمر الله تعالى ..ليُعقَب هذا البيان المهم بقوله سبحانه في ضدّ حال هؤلاء الأتقياء، في الذين يرفعون أصواتهم، فينادون رسول الله ﷺ من وراء حجرات نسائه، من خارجها، لا يصبرون حتى يأتي هو ﷺ بطَوْعه، بل يعملون على إخراجه من حجراته بندائهم له ﷺ : " إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ (4)"
أكثرهم لا يعقلون ... ولو أنهم صبروا ... : "وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ (5)"
تأمّل ... إنها الحجرات، وإنه النداء من ورائها، تلك الأمكنة التي يخفى على المؤمنين وعلى الناس جميعا حال رسول الله ﷺ فيها، هي الحائل بينهم وبينه، هي خاصة أمره وخاصة أحواله، وهي ذاتُها الأوقات التي يختلي فيها رسول الله ﷺ بزوجاته، والتي يخلد فيها لنزر يسير من راحة لا تكاد تُحسب في حياة جعلها بكَلّها وكَلْكَلِها لله تعالى ولدعوة الناس ..
إنها الجدران التي تخفي حقيقة ما يكون عليه رسول الله ﷺ في خاصة خاصّة أمره.. تخفي حقيقة تَعَبه البشريّ وهم لا ينفكّون ينادونه، حقيقة حاجته للراحة وهم لا ينفكّون مقبلين عليه في حاجاتهم، حقيقة ما يجب له من اختلاء بخاصّة أهله، وهم لا ينفكّون مرتادين لكل مكان يكون فيه، حتى بيته.. !
حتى هذه الآيات الخمس، نعرف التربية الربانية للمؤمنين في تعاملهم مع رسول الله ﷺ، وهو سبحانه يعلن فيها ما يحول استحياءُ رسول الله ﷺ من أصحابه دون أن يكون هو ﷺ مُعْلنَه، من حرصه على إجابة سائلهم، وقضاء حاجة محتاجهم وإغاثة ملهوفهم، والقيام بكلّ أمرهم؛ وكلّه من حرصه على تبليغ الرسالة وتأدية الأمانة؛ أوَلم يقل له ربّه، من قتله نفسه في سبيل الدعوة: "فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَٰذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6)"[الكهف:06]
ونمضي مع الآيات، ليبدو الأمر للوهلة الأولى مختلفا :
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ (6) وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ (7) فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (8 ) }
إلى غيرها من آيات تبدو وكأنها منبتّة الصلة عن مفتَتَح السورة ..
ولكن ....تريّث .. ! فلقد تعوّدت النظر في ارتباط الآيات وتناسقها وتناسبها، تعوّدت البحث في الرابط الذي قد يكون خفيّا، فلا يظهر من الوهلة الأولى، قد يكون كمثل النسيم الرقيق الشّفيف الذي يمرّ بنعومة وسلاسة وهدوء حتى لا تكاد تراه، حتى لا تكاد تتبيّنه، إن كان دخولك ساحة الآيات دخول المستعجل المسارع، الذي يكتفي بظاهر المعنى .. ! عندها ستحول ريح سرعتك من تحسّس هبوب ذلك النسيم .. !
فتعوّد التُّؤْدة ومَشْي الهُوينى في رياض الآيات الغنّاء حتى تتملّى الجمال والحسن والنسائم وتشتمّ العَبَق والنفحات، فالجري والمسارعة يحرمانك الاستمتاع، يحرمانك الجمال، بلْهَ عُمق الجمال .. !
تأمّــــــــــــــل...
إنها الحجرات، إنها الجدران الفاصلة، الجدران الحائلة دون معرفة الحقائق، إنها التي لا تستطيع أن تتبيّن ما خلفها، فهي التي تحتاج أن تسعى وتبحث لتتبيّنها؛ فأما رسول الله ﷺ، فلقد جعل له الله من المقام والمكانة ما بيّنه تمام البيان دفاع الله تعالى عنه، وتزويد المؤمنين بآليّات توقيره واحترامه ومراعاة خصوصياته وحاجته الذاتية التي زهد فيها ﷺ من فرط حرصه على خير الناس، واستماتته في خدمتهم وحبّ نفعهم، فجعل سبحانه الخير كل الخير في صبر المؤمنين حتى يخرج ﷺ بنفسه من حجراته، لا أن ينادوه من ورائها ..
وعلى هذا النسق، على قاعدة "الحجرات"، كونها حاجزة وفاصلة ومُخفية للحقائق وحائلة دون تبيّنها، ننظر في لاحق الآيات :
أولا : ))
جاء الحديث عن الأخبار التي يتناقلها مَن يحجز عن تصديق كلامه والأخذ به فُسوقُه.. إنها الحجرات في شكل معنويّ .. إلا أن حجرات رسول الله ﷺ هي التي لا يجوز البحث فيما وراءها، لأن حاله عكسيّة في المؤمنين، إذ أنّ كلّ أمره ﷺ فيهم بيّنٌ واضح إلى الحدّ الذي استدعى دفع الله عنه ليكون له قسط من الخصوصية.. ! على عكس ما يستدعي تبيّن الحقائق، وأوّلُه وأَوْلاه وأخطره حال حاجز الفسوق، "حجرات" الفاسق إذا جاء بنبأ :
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ (6) }
ورسول الله ﷺ هو صمام الأمان في المؤمنين، وهومنقذهم من الوقوع في الظلم، إذ لا يُقبِل على كل ما يسمع إلا أن يتثبّت ويتبيّن وهو المبعوث فيهم لإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن من رحمة الله بهم تحبيبهم في الإيمان وتزيينه في قلوبهم وتكريههم في الكفر والفسوق والعصيان، وما الإيمان وتمامه إلا طاعتهم لرسول الله ﷺ، واتباع أمره، والتربّي بتربيته :
{وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ (7) فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ (8 ) }
بل إن من تمام نعمة الله على المؤمنين، تعليمهم التثبت من الأنباء حتى لا تحدث بينهم فتنة؛ كما هو تعليمهم عدم استبعاد صحة ما يُتناقَل بعد استيفاء التثبّت والتبيّن والبحث والتقصي عن الحقائق، ففي حال أدّت إلى نشوب ما لا يُرجى بين المؤمنين من تقاتل، على باقي المؤمنين أن يسعوا في الإصلاح بين المتقاتلين، فإن زاد تبيُّن بَغْي طائفة على أخرى وجبت مقاتلة الفئة الباغية حتى تفيء إلى أمر الله، فإن هي فاءت يكون الإصلاح من جديد هو الترياق الأصيل الذي يوصَف للحفاظ على لحمة المجتمع المسلم :
{وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ (9) إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ (10)}
وهكذا، نكون قد لاقينا في طريق السورة أول ما جاء على نسق "الحجرات" الحائلة دون تبيّن الحقائق، ذلكم هو فسق الفاسق .. فكان التبيّن والتثبّت واجبا من واجبات الحالة، حتى لا يُؤخَذ بالكذب والافتراء وبالشعلة المُذْكِية لنار الفتنة بين الإخوة ..
ونمضي مع الآيات ..
ثانيا: ))
{يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ (11)}
إنها "الحجرات" الثانية على التوالي بالوجه المعنويّ .. سخرية قوم من قوم أو نساء من نساء، والتلامز والتنابز بالألقاب، من احتكام الساخرين إلى المظهر، بينما يحجزهم عن حقيقة المسخور بهم حاجز المظهر : {عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ }، { عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ }، لعلّهم أن يكونوا خيرا منهم، لعلهم أعلى مكانة عند الله وهم المسخور بهم لقلة ذات يدهم أو لمظهر في خِلقتهم، أو لمكانة اجتماعية متدنيّة بين الناس.. فهي إذن التربية الربانية أن يجتنب المؤمنون أن يحطّ بعضهم من قدر بعض أوأن يتكبر بعضهم على بعض، وإنما ذلك كله من الفسوق، حتى أن الله تعالى في سياق التنابز بالألقاب، بين أنّ الساخرين أنفسهم والنابزين واللامزين هم المستحقّون لاسم، بئس الاسم هو، "الفسوق" مكان "الإيمان"؛ إذ لا يليق بمؤمن أن تكون صفاته الانتقاص من الناس !
أسماء حازُرْلي
ويُتبع مع جزء موال بإذن الله تعالى