المحرر موضوع: في ظلال القرآن -تابع-  (زيارة 7598 مرات)

0 الأعضاء و 0 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #400 في: 2026-04-07, 09:22:10 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

وهكذا سبحانه سخّر طبيعتَه عذابا على عباده المكذّبين الطاغين...
وليس بعيدا ولا مستحيلا في حقّ الله تعالى أن يرسل عذابه على عباده في كل زمان كما شاء وكيفما شاء، وليس لأحد أن يجزم بقَصْر هذه العذابات منه على أقوام سابقة، وأنّها التي لم يعد زمانُها ...
ولا يَبعُدُ أن تكون بعض الكوارث الطبيعية عذابا وغضبا من الله تعالى ... وليس في إغراق الماديّين والطبيعيّين ومَن يُسمَّون العقلانيين في إضفاء تفسيرات علميّة بحتة صمّاء على تلك الكوارث ما يَنفي أن تكون مع طبيعتها وأسبابها العلميّة غضبا من الله ...
بل إنّ المؤمن وهو يفهمها علميّا لا يُنقص من فهمه أن يجعل فيها احتمال الغضب والسّخط من الله، بل إنه بذلك يفتح لنفسه بابا من أبواب التذكّر، والخوف الواجب من جلال الله وعظمته وطلاقة قدرته، يفتح باب الفرصة التي قلنا أنها الحُظوة التي تُولَد من رحم المصيبة ... الفرصة التي تجعله يتذكّر، ويُعظِم قدرة الله، وهو يتذكّر عذاباته التي نزلت بعباد له في أزمنة سابقة ...وأنه القادر على إنفاذ أمره بعذابه كيفما شاء ومتى شاء ...
ليس من نكير على مَن يضع احتمال غضب الله تعالى في كوارث طبيعية عرفنا منها في عالمنا الكثير، أتت على بشر كثيرين، وأهلكت زرعا وحرثا ... بل هو الأمر الملازم للمؤمن، وهو الاعتقاد الراسخ عنده أن كل حركة للطبيعة وكلّ عمل فيها هو بأمر خالقها الذي يسخّرها للعبد متى شاء، كما يسخّرها عليه متى شاء...!
وقد يتعلّل بعضُهم بأنّ عذاباته سبحانه التي ذكرها في القرآن نزلت تزامنا مع رُسُلٍ بلّغوا فكُذِّبوا، فتوعّد الله الأقوام، فتحقق وعيده... وها هنا أذكر ما عرضنا له قريبا في سورة المُلك، قصة أصحاب الجنّة الذين لم يُزامنوا رسولا، ولم يكن العذاب الذي نزل بهم وعيدا مسبقا كذّبوا به فتحقّق، بل لقد كانوا مؤمنين... ولكنهم سدروا في الغفلة نائمين حتى أيقظتهم المصيبة، وانتبهوا أنّ سبب نزولها بهم غضب من الله دونما نبيّ مبعوث فيهم ينجو هو ويهلَكون، لم تجنح عقولهم إلى أنها من فعل فاعل ترصّد بجنّتهم العظيمة وأراد بها شرّا فأنفذه، ولا أنّ مارّا عابثا عبث بنار فألقاها حتى أتت عليها، ولا ذكروا أهل حسد ممّن يعرفون تمنّيهم زوالَها عنهم  كما يفعل الكثيرون من المسلمين اليوم -كلما حلّت بهم مصيبة عزوها إلى عين حاسد أو إلى قلب حاقد- بل إنهم فورَما رأوها أقرّوا بأنهم الذين حرمهم ربّهم من ظلمهم، ولقد كان ما عرفوا حقا أنزله الله في كتابه الأخيرعلى نبيّه الخاتِم ذكرا إلى يوم الدين  .. لقد حظوا بالفُرصة... وأنابوا...!
وكذلك حالُنا ... وكذلك ما يجب أن يكون منّا من تفاعل مع كوارث الطبيعة، ألا ننكر عِلْمِيّة أسبابها وألا ننكر بالمُقابل احتمال أن تكون غضبا من ربّ السماوات والأرض، بل إنه من الخطر ألا ننتبه ...! والأرض اليوم تعجّ وتكاد تضجّ بالبشر وهم عليها يتجرؤون على الله، ويعتدون، ويعتون ...!
وليس الغضب منه سبحانه بحِكرٍ على كافر دون مؤمن، بل إنّ المؤمن أحرى أن يكون المحتمِل لغضب الله تعالى، فلا يستثني نفسَه، وهو يُقِرّ بتقصيره وغفلته، ويجعل من تذكّره ذاك بابا للاستدراك والعمل ...! حريٌّ بنا أن نتعلم من سورة القلم، من قصة أصحاب الجنّة التفطّن والاستفاقة، وأن يكون قولنا عند الكارثة الطبيعية : "سبحان ربّنا إنا كنّا ظالمين"
ونمضي مع الحـــــــــــــــــــاقة ...
"إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12) "
من بعد ذكر عذابات عاد وثمود، وسائر المكذّبين من الأمم السابقة، بما فيهم فرعون والمؤتفكات وغيرهم ... يذكّر الله عباده بنعمة جليلة عظيمة من أكبر نِعَمِه عليهم، لتُقابل هذه النعمة ما سبقها من عذاب :
إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (12)
خطاب لعموم الناس، لعموم البشر، عن تنعّم الله على نوح عليه السلام ومَن كان معه على السفينة بالإنجاء من طوفان الماء الذي عمّ الأرض...
وكائنٌ خِلاف حول ما إذا كان الطوفان قد عمّ الأرض كلها، أو أنّ المعنيّ بالأرض أرض قوم نوح دون غيرها ... ولكنّ هذه الآية تحديدا تعطي إشارة قوية جدا إلى أنّ الطوفان على الأرجح قد عمّ الأرض كلّها، فكان بذلك سيدنا نوح عليه السلام الأب الثاني للبشرية من بعد آدم عليه السلام.
لما طغى الماء حملناكم في الجارية، في السفينة : " وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ" ...
كان هَوْلا عظيما، فطغى الماء، وغشّى الأرض... كان الموج كالجبال، ...جاوز كل الحدود، لولا أن تداركت أهلَ السفينة نعمةٌ من ربهم لما بقي على الأرض من بشر ...
إنه الامتنان من الربّ سبحانه على عباده، أنه الذي أنجاهم بتنجية آبائهم على السفينة ... وهو خطاب لكلّ البشر لا على وجه التعيين ولا التخصيص . مما يرجّح فعلا أنّ الطوفان قد عمّ الأرض كلها ...
وما أشدّ مناسبة مجيئ هذه الآية في هذا المقام، من بعد ذكر العذابات العظيمة ... إن الله تعالى لم يخلق عباده ليعذبهم، إنه سبحانه صاحب المنّة عليهم، وصاحب الفضل... إنّه خلقهم ليعبدوه وليوحّدوه وليقضوا على الأرض ما شاء الله لهم أن يقضوا وهم في ابتلاء وامتحان، ينتهي ليحلّ موعد الجزاء ...
إنّ هذه الآية لَتومئ وتشير بقوة إلى أنّ الدنيا فرصة للعمل، فرصة للنجاة من عذاب عظيم في يوم متحقّق فيه الوعد والوعيد، يوم الحاقة ...في يوم لا عمل فيه، ولا فرصة فيه للعودة وللعمل ...
وأيّ قوة لتلك الجارية تقارع بها جبال الأمواج لولا رحمة الله وقدرته، وأنّه المنجّي والقاضي بما يشاء ...!
"لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ"
إنها التذكرة بمِنن الله ونِعَمِه، وبفضله على عباده، وبإنجائه لهم متى يشاء، وكيفما يشاء، وأنّ الإيمان كما كان سبب نجاتهم في الدنيا، فهو سبب نجاتهم في الآخرة... ثم إنّ المخاطبين هم أبناء الناجين في السفينة، هم السلالة الممتدة منهم والمنتشرة على الأرض...
أنتم أيها الناس بشِراركم وخِياركم، بالمؤمن منكم، والكافر أنتم سلالة المؤمنين الناجين الذين كان الإيمان سببا لنجاتهم ... الإيمان كان الأصل في آبائكم الأولين ... الإيمان جذوركم الضاربة في الأرض ...المتصلة بالسماء ... الإيمان هو الذي خُلِق به الإنسان فِطرة، وهو الذي نجا به من أهوال الدنيا قبل أهوال الآخرة ... وها أنتم أولاء تستكبرون، وتستمرؤون، وتتمرّدون على فطرتكم وعلى أصلكم وجذوركم كالنبتة الطفيليّة التي تنبت شاذة، وتتكاثر فتحسب أنها الأصل ...!
و "أُذُنٌ وَاعِيَةٌ " ... دقيقة هي هذه العبارة أيّما دقّة ... وأستصحب لها ما عرفنا في سورة المُلك، في شهادة الكافرين على أنفسهم يوم القيامة وهم يُلقَون في النار : "وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ "
"لو كنّا نسمع" ... سماع أذن واعية، أذن تعي أي تجمع ما تسمعه وكأنها الوعاء له، فلا تضيّعه، لا تجعله ينساح منها انسياح الماء من وعاء مخروق ... بل تعيه، فتمتلئ به وبأنواره فتنجو ...
فإن كانت عذابات عاد وثمود وفرعون والمؤتفكات وقوم شعيب وغيرهم عظيمة، وإن كان أحدنا يُكبِرُها، ويتعجّب من الحياة بعد إهلاك كُلّيّ لتلك الأمم ... فإنّ الطوفان كان أشمل، كان أكبر... طمّ وعمّ .... ! ولكنّها لم تكن النهاية ...!
طوفان عظيم أحاط بالأرض، وعمّها، وطغى ماؤه، حتى لكأنّها نهاية الدنيا بأكملها من هوله، ومن ضآلة الأرض وهو عليها يطغى... تعود الحياة للأرض من جديد بقدرة القدير سبحانه وبمشيئته، وبقضائه فيها... لم تكن النهاية ... بقي على قيد الحياة ما يُعدّ عدّا من البشر، ولكن تعود الأرض بهم عامرة من جديد، من بشر كانوا يُعدّون قلّة القلّة ... !
إنها لتذكرة... وإنّ الأذن لتعي عظمة أمر الله فيها ...!
لم يحن أوانُ النهاية بعد .... ولكنّه آت آت .... فمتى هو ؟؟!
لا موعد يحيط به البشر خُبرا ... ولكنّ المولى سبحانه يلقي بعلامات له... لقد انتقلنا من الأرض العامرة بعد الطوفان الطامّ العظيم، من الدنيا التي على رغم العذابات التي نزلت لن تنتهِي إلا بأمر الديّان وحده .... عندما :
"فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (13) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (14) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)"
ها هنا .... عند هذه الأحداث ... عندها تحقّ الحـــــــــــــاقّة ...
و"واحدة" هنا تعني أنها الكافية لما يُراد منها، وليس معناها أنّ لا تالية لها، لأننا نعلم أنّهما نفختان، الأولى هي نفخة الصعق للإيذان بنهاية الدنيا وفناء مَن على الأرض وما عليها، أي بموت كل الخلائق، والثانية هي المؤذنة بالبعث ليُبعث كل الموتى للحشر والحساب :
"وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَن شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَىٰ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ"-الزمر:68-
ويُرجّح هنا أنّها النفخة الأولى، لما يناسبها من لاحِق الآيات ... نفخةٌ وُكِّل بها المَلَك منذ أن قضى الله تعالى أمر الدنيا : عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن أعرابيا سأَل النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ما الصُّورُ ؟ قال : ( قَرْنٌ يُنفَخُ فيه ) . –صحيح ابن حبّان-
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن طرفَ صاحبِ الصورِ منذُ وُكّلَ بهِ مُستعدّ ينظرُ نحو العرشِ ، مخافةَ أن يُؤمَرَ قبل أن يَرتدّ إليهِ طرفهُ ، كأنّ عينيهِ كوكبانِ دُرّيانِ"-الألباني: السلسلة الصحيحة-
قد حان الأوان ...... إن الدنيا إلى ذهاب... إنها إلى زوال ... إنّه أمر الله فيها، وإنه إذنُه، وإنه أوانها قد حان أن يعلمَه البشر وهي تحتضر...
نفخة واحدة تُنهي الدنيا، وليس ذلك إلا من هوانها على خالقها سبحانه، تكفيها واحدة ...!!
أين الأرض؟ أين الجبال ؟ أين السماء ؟ ... أين ما ألِفنا وعرفنا ؟! إلى أين ؟!
"وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً"
يا الله ... يا عظيم ...!!
حُمِلت الأرض بجبالها، وكأنها الكرة الصغيرة التي تُطاوِع يد الطفل الصغير...! حُملتا فدُكّتا دكّة واحدة... واحدة هي الأخرى، دكّة واحدة... دقّة واحدة صيّرتهما هباء ... !
تلك التي استكبرتَ عليها أيها الإنسان، وعتوتَ، وتجبّرتَ، وظلمتَ، وعددتَ مالَك عصاك التي تهشّ بها على الناس لينساقوا لأمرك ... لا شيء غير أمرك ...!
تلك التي استعليتَ فوقها حتى قلتَ : "أنا ربّكم الأعلى" ...
عليها رفعتَ رأسك عاليا، وقلت لا إله والحياة مادّة، وعليها قلتَ أنّ الأخلاق ابتداع من ابتداع البشر، وأنّ الخُلُق واللاخُلُق سواء، وأن الإجرام والإسلام سواء، وأنّ العُري والتستّر سواء ... بل إنّك تدّعي التسوية بينهما، بينما أنتَ المنادي بإعلاء الفساد في الأرض شعارا لك ومنهاجا ... !
عليها... على تلك المدكوكة والجبال دكّة واحدة خِلتَ نفسك الأشمّ والأرسخ، وأنّها لن تميد بكَ، ولن تمور ما دمتَ عليها تصول وتجول ...!
عليها كذّبتَ الرُّسُل، وتأفّفتَ من الوحي وعبستَ وبسرتَ وتولّيتَ، ثم قلتَ: إن هي إلا أساطير الأولين ...! عليها ... تلك التي تكفيها نفخة واحدة، ودكّة واحدة من أمر خالقها وخالقك عليها، تشرّفتَ بلقب العلمانيّ والتحرّري والليبرالي والشيوعيّ، وأزلقتَ ببصرك وقلبك الكَارِهِ الحقود كلّ مَن قال بالإسلام قولا أوعمل به عملا ...! وعددتَه الإرهابيّ الدمويّ، وأنتَ بالمقابل تركع وتسجد لمصّاصي الدماء وهم يتوشّحون بالعُرْي والتحرّر من الدين والتطوّر المزعوم فِكرا وعملا ...!
عليها قتلتَ، وأرهبتَ، وسجنتَ بسلطانٍ خوّله لك أسيادٌ أنت لمآربهم قاضٍ بامتياز، لتحفظ لهم خيرات أبناء جلدتك، ولتتقاضى من أياديهم النّجِسة دُريهمات ولتبقى صورة ودُمْية يحرّكونها بخيوطهم، ولكنّها دُمية يُدّعى لها كرسيّ من ذهب ... !
عليها ... شطحتَ ومرحتَ وسرحتَ تدّعي تجديد الدين، وأنت تقطّعه إربا لتُلقي به فُتاتا على شباب تصيّدتَ لَهْوَهُ وانبهاره بالماديّات وغلَبة الشهوات عليه، فصدعتَ أن يا أيها العطشى قد جئتكم بماء معين !! تريد أن تزيد من غرق الغريق وأنت تدّعي امتلاكك لقشّة النجاة ...! تريد وأمثالك أن تصنع دينا مِطواعا للأهواء على اختلافها وتباينها ...!
هي ذي الدكّة الواحدة ... فاين أنتم يا دعاة الإلحاد وأنّ الكون موجِد نفسه بنفسه ... ويا دعاة الجينِ الأنانيّ، ويا دعاة نظرية التطوّر والارتقاء والانتقاء ... ! وأنّ الكون من خليّة أوجدت بنفسها نفسَها ...!!
إنها الدكّة الواحدة ..... إنها الحـــــــــــــــــاقّة ....
"فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (15) "
ليس لوقعتها كاذبة ... إنها الحاقة، وإنها القارعة، وإنها الواقعة ...
كلها اجتمعت في هذه السورة، كل هذه أسماء لمسمّى واحد، وكلّها حقّ، وكلّها وعد غير مكذوب ...
وَانشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (16) وَالْمَلَكُ عَلَىٰ أَرْجَائِهَا وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ (17)
هي ذي السماء التي تظلّك أيها الإنسان ... ! هي ذاتُها التي قال فيها المولى في أوان الدنيا : "...فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ(3) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (4)" -الملك-
لم يكن فيها من فطور، كانت المرفوعة بلا عمد ... فإذا هي اليوم المنشقّة المنفطرة ... ويالعظمة أمر الله وهي المنشقّة يوم تنتهي الدنيا، فهي لا تقع كِسفا على الناس ! بل هي المنشقّة وانتهى ...!
إنها اليوم واهية، ضعيفة بعد أن كانت القويّة الشديدة المرفوع سمكها ... !
وعلى أرجائها المَلَك، كل الملائكة أو عدد منهم ذلك في علمه وحدَه، ولكنه جمع الجنس ...جند الله وخَدَمَته المطيعون، ليقع لنا شيء من التخيّل، أنّها المحاطة بالملائكة ...
وسيأتي اليوم الذي نرى فيه هذه الأهوال ...هو آت آتٍ... فنسأله سبحانه أن نراها ونحن من المطمئنّين ...
"وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ"
فوق الملائكة المحيطة بأرجاء السماء، عرش الملِكِ سبحانه الرحمان، يحمله ثمانية من الملائكة، أو ثمانية صفوف منها ...
إنه ما لا يُقدّر ولا يُتصوّر، ولكنّ القرآن يحيطنا علما بالحق الذي هو كائن يومها ... يعرّفنا بعلامات لذلك اليوم الحقّ العظيم ...وكله من الحقّ المتحقّق يوم الحــــــــاقة ...
يضعنا سبحانه في إطار من تبدّل حال الأرض والسماء، ومن انكشاف الملائكة للأعين يومها، فهم المُبصَرون من البشر وهم بأمر ربهم يأتمرون ... ثمّ ينقلنا إلى حال الناس، وأصحاب اليمين منهم هم الأول ذكرا :
"يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَىٰ مِنكُمْ خَافِيَةٌ " ...
وما أدقّ هذا التعبير القرآنيّ الجليل: لا تخفى منكم خافية، والخافية هي اسمٌ لما يخفى أصلا فلا يظهر... ولكن كلّ خافية للبشر في ذلك اليوم ظاهرة ... لا خفاء .. ما تخفيه الصدور، كتب الكاتبين الحافظين لأعمال الناس ...إنه يوم الحقيقة، يوم الكشف عن كل مستور، يومَ يُذهَل الإنسان من انكشاف أدقّ دقائق شأنه ... فكتابه لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ...!
ويتبع مع تاملات لي أخرى في سورة الحاقة بإذن الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #401 في: 2026-04-07, 09:23:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
تابع...

"فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (19) إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (24)"
فهذا حال الأتقياء، الأنقياء، الثابتين على درب الحقّ الذين لم يبدّلوا ولم يغيّروا، الذين نجحوا في ابتلاء الدنيا، وأيقنوا أنّ للكون ربّا إليه الرُّجعى، فما استغنوا، وما تجبّروا ... ما أن يمسّهم طائف من الشيطان حتى يتذكّروا ويذكروا، فيعودوا ... الذين اغتنموا الفرصة، ولم يضيّعوها بحُسبان الخلود الموهوم، سُرعان ما كانوا يؤوبون ويعودون، كانوا يرون في المصيبة المُرجِعة رحمة ومَقْرُبَة  ...!
هم أولاء .... هو ذا السعيد حقا ... الفائز حقا حقا  ...
وكيف لا يسعد، وكيف لا ينادي فرِحا مسرورا : هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ ...اقرؤوه فهو الكتاب السعيد المُسعِد،  اقرؤوه فهو نتيجة امتحاني... إنه شهادة نجاحي ... !
"إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ"
إنه الظنّ الذي يعني اليقين، وكلّ ظنّ المؤمن في القرآن يقين، وكل ظنّ الكافر فيه شكّ  ...
إنه الذي تيقّن من يوم الحساب، فما أنكره وما أنكر الخالق الباعث سبحانه، وما أنكر الحساب والجزاء، بل تيقّن أنّ كل ذلك حقّ كائن، حتى فاز يوم الحــــــاقّة، يوم وجد ما وعدَ ربُّنا حقا... فهو ذا يلقى شهادة نجاحه جزاء وِفاقا ليقينه في الدنيا...
فيا ربّنا نسألك اليقين ثم اليقين ثم اليقين ...!
لكأنّي بتلك النهايات المتوافقة المتكررة في كلماته وهو يركض سعيدا، وهو مقبل على أحبّته يبشرّهم... يكاد يطير فرحا وسرورا ... لكأني بحرف الهاء في نهايات الكلمات يزيد في بيان حاله التي لا يدانيها حال...! كيف لا وهو الفوز العظيم الذي ما بعده شقاء ولا عناء ولا خوف ولا تحسّب، ولا عمل...لا عمل...بل نعيم ... وحده النعيم ... !
ومن بعد ما أطلعَنا سبحانه على فرحة السعيد الفائزة يمينُه بالكتاب... من بعد ما تمثّلت لنا فرحتُه العارمة، وكأننا نبصرها كعادة القرآن في التصوير ... هذا الله سبحانه يحدّثنا عن عيشة هذا السعيد الأسعد :
"فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ (21) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (22) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (23) "
عيشة مُرضية تمام الإرضاء حتى انقلبت هي الراضية، انقلبت هي الفاعلة مع صاحبها، فهي راضية، فكيف بصاحبها وهو فيها، راضٍ وراضٍ حتى غدا فيها وهي الراضية ...! في جنّة عالية المكانة والمكان، دانية القطوف ذات الألوان والألوان  .... فلا يسعك وأنت تسمع هذا، إلا أن تقول قولة المهنّئ المتمنّي لتلك الهناءة : هنيــــــــــــــــئا هنـيييييييـئا...!!
وهذا المولى الكبير العليّ جلّ في عُلاه يقولها لأصحاب الجنّة، فهي تمام نعيمهم :"كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ" ...
إنما هو التفضّل من صاحب الفضل سبحانه على عبده، وهو يجعله الحقيق بالجنّة بما أسلف من عمل صالح في الدنيا، بينما هي رحمته سبحانه التي تُبلّغُهُ إياها . قال صلى الله عليه وسلم : " ما مِن أحَدٍ يُدْخِلُهُ عَمَلُهُ الجَنَّةَ فقِيلَ: ولا أنْتَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: ولا أنا، إلَّا أنْ يَتَغَمَّدَنِي رَبِّي برَحْمَةٍ."-صحيح مسلم-
فلا شيء ممّا يُكدّر عادةً سيُكدّر على هذا السعيد فرَحَه ... حتى حال الشقيّ التعيس المرتكس، لن يعكّر عليه صفوَه، ولن ينقص ما هو لاحقٌ به مما هو فيه من السعادة التامة المُتَمّة ...
وهذا الآخر هائم على وجهه يصرخ ...يصيح ...!! أيقن أنّ الأمر فيه قد قُضي، وأنه الفَوْت ثم الفَوْت -عياذا بالله من عاقبته-  :
وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27)
تمنّى لو أنه لم يُؤتَه... وهذا ما لا يكون، بل هي الحاقّة ...!!
الحاقة التي كذّب بها، وقال في حقّ مَن جاءه بنبئها اليقين إن هي إلا أساطير الأولين، قالها عتُلُّ ذلك الزمن القديم، كما قالها ويقولها كلّ عُتُلّ في كل زمان ... كلّ من رأى في القرآن ونبئِهِ العظيم شيئا من القديم، ومن العتيد، ومن الذي لم يعد يصلح ... بتلك الكلمات ذاتها أو بأخرى تحمل معناها...!
كلّ من يضجر إذا ذُكِر القرآن وذُكِر الدين، بينما لا يضجر ولا يضجّ ولا يسأم وهو يردّد فلسفات المتفلسفين، وهم يدّعون الحكمة فيما يُنكِرون مُؤتِيَها مَن شاء من عباده سبحانه ...! لا يضجّ بوضع كل وضّاع من البشر لقانون بين القوانين يغدو أيديولوجيا وفِكرا متّبعا، له أنصار ومسبّحون بحمد صاحبه الفلتَة ... !
هي ذي الحاقة يا من كذبتَ بحقّها ... هي ذي، وأنت ذا  ... فلا نراك إلا الصائح الصارخ الذي يفتّته النّدم إرباً إربا قبل أن تفتّته نار الخلود ...!!
لا ...لا بل هي التي يتمنّى فيها لو أنّه قُضي عليه وانتهى، بينما هي التي فيها العذاب المتجدّد، والحياة بأنفاس العذاب ...!! اللهم عفوك وسلامتك...!
تمنّيتَ ما لم يكن ليتحقق، وكذّبتَ بالمتحقّق ... !
تمنّى لو أنه لم يدرِ عن حسابه شيئا، تمنّى لو أنه لم يعرف مآله ...تمنّى لو أنه كان لا يفهم .... ذهب عنه اعتداده بعلم أو بفِكر، آه...!!!  يا ليته كان لا يفهم ...!  "يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ" ...
يا ليت المَوْتة التي ماتها كانت القاضية، فلا بعث بعدها لينال جزاءه، وليحيا حياة عذاب لا ينقطع ...! يا ليت الموت الذي لم يكونوا يتمنونه في الحياة الدنيا كان النهاية التي لا شيء بعدها ...!! إنه اليوم الذي يغدو فيه الموت غاية الأماني !
وما يزال يصرخ .... ما يزال يُوَلْوِل !!    : مَا أَغْنَىٰ عَنِّي مَالِيَهْ  (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)
لقد أقرّ .... إنه ما من شيء بين يديه، وما من شيء هو مُغنيه عن عذاب الله ... !
والسلطان ؟!!! ... أين الحشم والخَدَم ؟! أين الحاشية والجُند ؟ أين الجواري الحِسان، وأين الفُرُش المطرّزة بالذهب؟! وأين الكراسي وموائد الملوك، وأكلات الملوك ؟؟! أين المطيعون المحيطون من كل جانب ؟! .... لا شيء ........!! هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ...!!
وهذا أمر الله سبحانه الملك الحَكَم فيه، هذا أمرُه سبحانه لملائكته المطيعين الذين لا يعصون ما أمرهم، هذا صاحب السلطان الدائم والمُلك الذي لا يُزاحَم، الآمر بالحقّ والعدل  :
خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (30) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (31) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (32) إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35)
يا ما أشدّ هذه الكلمات، ويا ما أشدّ هذا الهول ... ويا ما أغفلَنا عن اليوم الحقّ ...!!
غُلّوه ...قيّدوه... ثم الجحيم صلّوه، قلّبوه فيها كما يجب التقليب، أذيقوه حرّها وجمرَها، من كل جانب... لا يبقيَنّ فيه جزء لا يُصلى ...!! ثم في سلسلة هذا ذَرْعها أدخلوه أتمّ الإدخال، حتى يُصلى وهو المكبّل المقيّد ...!!!
لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ...!
وكما سبق وأن عرفنا حفاوة الله سبحانه بعباده الفائزين: " كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ "
هذا قوله في الخاسئين أهل التبار والخسارمن بعد ما أمر بهم ليُغَلّوا، ويُلقوا في أصل الجحيم  -عياذا بالله-
إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (33) وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) ...
ما أشدّ وَقع هذه الكلمات: إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ ...!
الله العظيم، الذي تتجلّى عظمتُه سبحانه في كل صغيرة وكبيرة في الإنسان وفي الكون مِن حوله، الخالق العظيم يُنكِره المخلوق الضعيف، الفاني، المُحْيَا بمشيئة المُحيي سبحانه، والمُماتُ بمشيئة المميت سبحانه ... هذا الذي يَدين له خالقه بالعبادة والعِرفان والتصديق...
لا يؤمن بالله العظيم سبحانه، ملك الدنيا وأيامها، وملِك يوم الدين ... !
إنّه كان لا يؤمن بالله العظيم ... ! ما أبشعه من نَعت، وما أشدّ جرأة العبد على الربّ ! حسِبَ أنه لن يُبعَث، ولن يُحاسَب، حسب أنّ الدنيا وُجِدت بلا هدف، أو أنّه الذي قال في أيام حياته أنّ الخالق قد خلق ثم ترك ... !
ثم إنّ من دواعي التعجّب ما قرنه سبحانه بهذه الجريمة في حقّ النفس، نعتا فوق النّعت، وشناعة مُضمَّة إلى الشناعة، إنه مما قد يستبعد المرء أن يُقرَن بالكفر بالله، إنه : "وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ"... !!
ألهذا الحدّ ؟!!
أجل لهذا الحدّ ... الشُحّ... البُخل ... الاستئثار بالخير للنفس، ألا تتحرك مشاعر العطف والرحمة والرأفة بالمساكين، والمحاويج والفقراء ... ألا يتحقق التراحم المجتمعيّ، فيغدو مجتمعا غابِيّا حيوانيا، يأكل القويّ فيه الضعيف، ويستأسد فيه القويّ على الضعيف، ومَن كان له مال وجاه وسلطان كان من أصحاب العِلية والمبذول لهم آيات الطاعة والتبجيل، ومَن كان مسكينا، قصير ذات اليد، عُدَّ من الحثالة التي لا يُأبَهُ لها، فلا تُقضى له حاجة، ولا يُعان على نوائب الدّهر، ولا يُتقرَّب منه وهو الذي لن ينفع لا بمال ولا بذكر بين الناس ... !
إنه التراحم الذي لأجله كان المجتمع الإسلامي مجتمعا موحّدا، يهزّ بعضه بعضا، لا يضيع فيه فقير، ولا يُترك فيه محتاج، بل تجتمع الأيادي للشدّ على يده، ولضمّه إليهم واحدا منهم لا ينفصل عن الجماعة، مجتمع لا فرق فيه بين أعرابي وأعجميّ ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى ...
مجتمع صار فيه بلال الحبشيّ سيّدنا كما هو أبو بكر الصديق سيّدنا، على قولة عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "سيّدنا أعتق سيّدَنا"...
مجتمع جُعل فيه إخراج صاحب المال من ماله فرضا محتّما، وركنا ركينا من الأركان، فلا يقوم الإسلام إلا والزكاة عَمد من عماده، ولهذا كان فقه الصدّيق رضي الله عنه عاليا سامقا وهو لا يتراجع عن حرب مَن قال بإلغاء الزكاة بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، مفرّقا بينها وبين الصلاة بحجّة أنّ الذي كانت تُدفَع له قد مات ... لم يتراجع قَيْدَ أنملة عن قراره بحربهم لأنه فهِم أكثر من أيّ كان ساعتَها أنها بداية تقويض بناء الإسلام، وأنّ الحرب لأجلِها واجبة وجوب الحفاظ على الدين وعلى القرآن في الأرض ... فكانت قولتهم رِدّة، ووجبت محاربتهم عليها  ...
وهذا الكتاب الخاتِم جاء وفيه الحضّ الدائم على التراحم، وعلى إعطاء الفقراء عطاء هو الحقّ بثقل معنى الحقّ، حتى إذا ما أخذه المسكين والفقير أخذه وهو مرفوع الرأس يأخذ حقا مكفولا له بموجب قانون ربانيّ علوّي حاكم في الكلّ بالعدل والسَويّة ...
بل إنّها العقبة التي عرف الحقّ سبحانه أنّها التي يضعها الشُحّ في النفس، فأمر باقتحامها : "فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ(11)وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (16) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (17)" -البلد-
وهكذا... وكما عرفنا من سورة القلم علويّة الأخلاق، وأنها المقياس الحقيقي للإنسانية في الأرض التي يعيث فيها أهل المال والجاه والسلطان فسادا واستكبارا، كذلك في الحاقّة يحقّ الوعد بأنّ أصحاب المرحمة هم الناجون، وأنّ الذين لا يحضّون على طعام المسكين هم الخاسرون ...!
إنه التراحم الذي لا يجعل لإنسان على إنسان سطوة، ويمنع ظلم الإنسان للإنسان، ويمنع تكبّر الإنسان على الإنسان ... هذه هي الرسالة الخالدة التي جاءت بهذه القيمة التي تحفظ ماء وجه الأرض ونحن نعايش عِلَلَها وأسقامَها والقويّ فيها يقتّل الضعيف ويذبّحه وينكّل به ولا يبالي، بل يراه الحقّ الذي يكفله له قانون القوة .... قانون نظريّة التطور والجرائم التي ارتُكبَت باسمه، فأهين الزنجيّ والأسود وقُتّل أصحاب العاهات والتشوهات بدعوى الانتقاء والإبقاء على الصفات الأرقى ...!
فلا عجب بعد هذا في عدّ التراحم وإقرار العدل والسويّة بين الناس، فقيرهم وغنيّهم بندا أساسيا من بنود هذه الرسالة الخاتِمة الكاملة ...
فماذا تُراه قد أُعِدّ لهذا الذي كان مستكبرا في الأرض، لا يعرف غير إشباع نزواته وتلبية شهواته... ولا يعنيه أمر أخيه الإنسان في شيء ؟
فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لَّا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ (37)
ليس له من حميم في الحــــاقّة ... هذا جزاؤه من جنس ما عمل، كفر بالله العظيم، فمَن ذا اليوم يُنجيه وينفعه، ولم يحضّ على طعام المسكين، فاليوم طعامُه غِسلين، وهو صديد الأجسام في النار عياذا بالله ...! ذاك الذي لا يأكله إلا الخاطؤون ... !!
فرُحماك يا رحمان رُحماك ... اجعلنا من الراحمين ...
ويتبع مع تدبرات جديدة في سورة الحاقة بإذن الله

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #402 في: 2026-04-07, 09:24:02 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع...

أما الآن فإننا بين يدَيْ أواخر هذه السورة العظيمة المهيبة ...
إنه القَسَم ... القَسم العظيم على عظيم كعادة القَسم في القرآن ...
فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (38) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (39) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (40) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ (41) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ (42) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (43)
وقد جاءت صيغة القسم هنا بـ : "لا أقسم" وهي صيغة معروفة عند العرب ويُراد به أنّه من تمام بيانه لا يستدعي القَسَم، أو على أنّ "لا" تالية لكلام محذوف، جاء القسم مستهلّا بها لنفيه ... كأن يقول الكافرون إنه ليس بالحق، فيأتي القسم مبتدئا بـ"لا" لنفي ذلك القول الباطل ...
"فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ"
القسم بما يبصر الإنسان وبما لا يبصر، جمعا بين المُشاهَد الذي هو تحت مجال الإبصار البشريّ، وبين الغيبيّ الذي لا يتناوله بصر البشر، فهو بذلك قسم عظيم عامّ لكل ما خلق الله سبحانه، ولكلّ ما أقرّ في الغيب عنده من ملائكته سبحانه وعرشه العظيم، ومن الجِنّ، ومن الجنّة والنار وغيرها مما عرفنا بالخبر ومما لم نعرف ...
و قد جاءت : "وَمَا لَا تُبْصِرُونَ" مناسبة كلّ المناسَبة لأمر الحاقّة وهو الغيب الذي لا نشهده في الدنيا ...
فعلامَ هو هذا القَسَم العظيم ؟
إنه على أمر عظيم ...بالغ العظمة ...بل ليس أعظم منه إلا مُنزِله سبحانه ...
"إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ" ....
إنه القرآن العظيم... إنه هذا النبأ العظيم الذي هو حقّ كلّه، وكلّ ما جاء فيه حقّ، ونبأ الحاقّة فيه هو الحقّ المتحقق لا محالة ولا ريب ...فجاء التأكيد بـ "إنّ " واللام في: " لَقَوْلُ " على أنه قول رسول كريم، هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، بلّغه بلسانه عن ربّه : " فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنذِرَ بِهِ قَوْمًا لُّدًّا " –مريم:97-
وهذا الرسول الكريم صلوات الله وسلامه عليه يبرّئه ربّه من كل ما نعتَه به قومُه المكذّبون... ففي سورة القلم قريبا عرفناه سبحانه يقسم بالقلم وما يسطرون على : " مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ " ، وها هنا يقسم بما يبصر البشر وما لا يبصرون على أنه ليس بالشاعر الذي ينظِم الشعر، وأنّ هذا الذي بُعِث به ليس بالشعر: "وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ "
وعلى أنه ليس بقول الكهّان الذين يتكهنون كذبا بمستقبل الناس : "وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ "
وإنه من بدائع المقامات في القرآن العظيم أن نجد قوله سبحانه : "تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ " مؤكّدا ومتمّما، إذ لا تترك كلمات القرآن وعباراته ثغرة ينفذ منها نافذ مُغرِض ليتقوّل ويتأوّل على هواه ...
ذلك أن قسمه سبحانه على أنه قول رسول كريم، قد يتأوّله أصحاب الأهواء والطعن على أنّها كلماتُ محمد الخالصة، فتأتي هذه الآية لتؤكّد على أنّ مصدره ربانيّ علويّ : " تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ " .
ويجدر بنا ألا نفوّت إشارته سبحانه إلى أنّ القلّة هي التي تؤمن وأن القلة هي التي تذّكّر في قوله : " قَلِيلًا مَّا تُؤْمِنُونَ" و " قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ " ... تنويها بشأن هذه الرسالة، وبسنّة الحقّ عُموما الذي لا يتّبعه الأكثرون، بل أتباعه دوما هم القلّة...
ثم ننتهي إلى آيات فيها التحدّي الإلهيّ العظيم الذي يبيّن أيّما بيان ويؤكّد بقوّةِ الذي بيده الأمر والحُكم والتدبير، عُلويّة هذا الكتاب، وربانيّة مصدره، إذ أنّ القائل من نفسه لن يتّهم نفسه، ولن يتوعّد نفسَه لو أنّ هذا القرآن من بنات أفكار وأخيِلة محمد صلى الله عليه وسلم كما زعم المكذّبون اعتلالا بالقشّات الواهيات:
"وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47) "
إنه صلى الله عليه وسلم لو تقوّل على الله " بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ"، و"بعض" هنا دقيقٌ ورودها... البعض منه، الأقلّ منه، لو يتقوّله لأخذه الله تعالى باليمين كناية على القدرة والقوة منه سبحانه في الأخذ...
"ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ " والوتين هو الشِّريان الرئيسُ الذي يغذِّي جسمَ الإِنسان بالدّم النقيِّ الخارج من القلب، فإذا ما قُطع توقف القلب.
إنه لن يحجز عنه عذابَ الله أحدٌ منكم، بل هو الماضي فيه دون رادع من قوّة قويّ ...!
وإنها الشدّة... وأيّ شدّة ...!
الشدّة من الله القويّ العظيم على نبيّه لو أنه تقوّل عليه سبحانه ما ليس منه. لن يُترَك محمد من ربّه لو أنه كان متقوّلا عليه، بل لأخذه الله أخذ عزيز مقتدر ...وإنّ تركَه له لهو من أكبر الأدلّة على صدقه ...
ولقد قالها هِرقل لأبي سفيان وهو يسأله عن أمر محمد فيهم: "وسَأَلْتُكَ، هلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بالكَذِبِ قَبْلَ أنْ يَقُولَ ما قَالَ، فَذَكَرْتَ أنْ لَا، فقَدْ أعْرِفُ أنَّه لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ علَى النَّاسِ ويَكْذِبَ علَى اللَّهِ" –صحيح البخاري-
فإذن قد جاء نفيُ الله تعالى عن نبيّه الشعر والكهانة، وعن كتابه أن يكون من الشعر أو الكهانة في شيء، ثم نفى عنه سبحانه الكذب في آيات بيان العقاب الذي كان لينزل به لو أنه كان متقوّلا عليه في شيء ...
وبهذا جاء النّفي الكليّ لكل تقوّل متقوّل في الرسول صلى الله عليه وسلم أو في الكتاب، أو في كليهما مجتَمعَيْن ...
فماذا بقي بحقّ هذا الكتاب بعد كل ما سلف ؟؟ إنه لم يبقَ إلا أن يكون الحقّ ... إنها الآن الآيات البيّنات بحقّ الكتاب الحق :
وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ (48) وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ (49) وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (50) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (51) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (52)
إنه التذكرة للمتّقين، لأنهم الأرض الصالحة التي تُنبِت خيرَه، فيحصد أصحابها خيرَه، وإن الله تعالى لسابقٌ علمُه بأنّه سيتصدّى لهذه التذكرة المكذّبون ... ولهذا تأتي الآية الموالية تؤكّد أن حصادهم وهُم الأرض البور إنما هو البوار والحسرة : "وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِين"....
إنها حسرة ذلك الصائح الضائع الهائم على وجهه يوم الحاقّة الذي يتمنّى لو أنه لم يُؤتَ كتابه، ولم يدرِ ما حسابه، ولو أنها كانت القاضية ...! إنها الحسرة يوم الحــــــــــاقّة يوم يرى ما كذّبوا به حقا ...فيااااا حسرتهم .... ثم يا حسرتهم ...!!!!
إنه ليس إلا الحقّ ....." وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ "
ثم إن اليقين علمٌ وعينٌ وحقٌّ، فأما علم اليقين فما علمتَه وبلغك خبرُه، وإن هذا القرآن بما فيه من أخبار وأنباء علم يقين، وأما عين اليقين فهو الرؤية بالعين، ذلك حينما نرى ما أخبرنا به ربنا بأعيننا من أمور الغيب يوم البعث، وأما حقّ اليقين فهو مُواقعة الأمر والدخول فيه، كدخول أهل الجنة الجنة ودخول أهل النار النار عياذا بالله منها ...
إنه كل هذا ... وإنه لبالغٌ أعلى درجات الحقيقة، فهو "حَقُّ اليَقِين" ...إنّه المتحقّق والمعايَش حقا، وهو ما يناسب السورة واسمها وجوّها وموضوعها ... وإنّ كل ما جاء فيه لحقّ اليقين .... وإنها الحــــــاقّة
وهكذا تنتهي سورتنا العظيمة، بما فيها من نبأ عظيم ...
ونُجمل....
فإذا بداياتها عن مكذّبين كذّبوا بما جاءهم به رُسُلهم من نبأ القيامة والساعة والحساب وجزاء المحسن بإحسان والمسيئ بسوء ... وأنّ الله الملك الديّان، وكيف كانت عذاباته جزاء وفاقا لما كان منهم من استقواء واستكبار واستعلاء ... فذاقوا العذاب في الدنيا، والذي سيُزاد عليه العذاب الأكبر، الذي لا ينقطع... عذاب الآخرة ... !
فجاءت هذه العذابات التي أنزلها الله بالمكذّبين من أقوام الرُّسُل مثالا على عذاب في الآخرة لاحقٍ بكل مكذّب ... فابتدأت سورة الحاقّة بمثال في الدنيا على ما سيكون يوم الحاقّة، بصورة مصغّرة ...
ثم أردِف بمخاطبة كل البشر الذين هُم سلالة المؤمنين النّاجين من عذاب على الأرض، ذلك أنّ الله لم يخلق ليُعذِّب، بل خلق ليَمتحن عباده أيقرّون ويؤمنون أم يكفرون ويجحدون ... فالإيمان أصلٌ وجذورٌ وأعماق، وسبب نجاة في الآخرة مؤكّد كما كان أصل النجاة على الأرض ...
ثم كانت أنباء الحاقّة المزلزلة العظيمة ... وما فيها من خير مخبّأ لأهل اليمين، ومن عاقبة سوء لأهل الشمال... فتمثّل لنا الفريقان في الفرِح المفاخر بكتابه، الذي يحتفي به ربّه، وفي التّعيس المتحسّر على ما فوّته على نفسه الذي يأمر به ربّه ليُغلّ وليُصلّى الجحيم ...!
ثم تُنهى بالقسم العظيم على أنّ القرآن حقٌّ وما جاء فيه من نبأ الساعة حاقّة متحققة ... فكما بدأت بالحاقة تُكرّر ثلاثا، تنتهي بأن الكتاب وبأنها حقّ اليقين....
فاللهم سلّمنا في هذه الدنيا وأخرجنا منها سالمين، واجعلنا من أصحاب اليقين حتى يأتينا اليقين
ملتقانا بإذن الله مع سورة المعارج.
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #403 في: 2026-04-07, 09:24:34 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

وسورة جديدة، وجنّة جديدة... وتَسَوُّرٌ منّا لسُورِها نريد أن نتملّى بأزهارها، وأن نشتمّ رياحينها، وأن نجلس عند غُدرانِها نشرب ونسقي، وأن نقطف من ثمارها وأن نذوق ونُذيق ...
لا أن نكتفي بالمرور حَذْو السُّور، لا  أن نكتفي بالعُبور ونحن نمنّي النفس بالحروف حسنات كافيات، ونحن غاية مُرادِنا الحروف ! فإذا الجنّة على قربها ظلّت تلك البعيدة، البعيدة التي لا تُمسّ ولا تُدخَل، ليس لأنها الممنوعة من اللمس أو التي كُتِب عليها ألا تدخلوها... بل لأننا لا نفعل ... !
فلنتسوّر ....
وكما تعوّدنا استصحاب السور السابقة لسورتنا، ليس عن تكلّف منا، بل إنها هي التي تدعونا بصوتها، تصدع بالترابط والتسلسل، وبأنها الخَرَزَة التي لا تُفكّ عن الخَرَزة في سلسلة منتظمة انتظاما ... !
فسورة الملك انتهت بقول الملِك سبحانه : "قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءٍ مَّعِينٍ"... ليس ماء حياة الجسم وحده، بل ماء حياة الروح، الذي لا تقوم للإنسان قائمة من دونه... القرآن ... !
لنجِدَنا مع أول القلم حيث القسم به وبما يسطرون على أنّ المُؤْتَى ذلك الماء المعين على خُلُقٍ عظيم، ولنُدرك أن الإنسان قِيَمٌ وأخلاق، وأنّ الكتاب الذي يُدرَس والذي يُعاش والذي يكون في الأرض حُكْمُه هو كتاب الربّ الخالق الملِك سبحانه لا غيره... كتاب فيه العدل والحقّ وألّا سَوِيّة بين مجرم ومسلم ...
ولتنتهي بالإشارة إلى المكذبين بيومٍ يُكشف فيه عن ساق، وأنّما هو الإمهال من الله والاستدراج والإملاء يحسبه الظالمون نعيما مقيما لا يزول، لنُساق سَوْقا إلى "الحـــاقة" التي بها يكذّب المكذّبون، فعرفنا أهوالها مصوّرة تصويرا يهزّ النفوس هزّا، ويزلزل المشاعر، ويوقظ الإنسان من نومة الدنيا ليعي المُنْتَهَى، وليعمل قبل فوات الأوان ...!
ومع نهاياتها هو القسم على أنّ القرآن وما جاء فيه حسرة على الكافرين، وأنه حقّ اليقين ...   وأنّ غاية العقل والبصيرة مع تمام بيانه أن نسبّح باسم ربنا العظيم : "فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ"...
وها نحن تَوَّنَا مع سورتنا الجديدة ...سورة المعارج...
هي سورة مكيّة، يُرجّح أنها رديفة الحاقة نزولا، كما هي رديفتها ترتيبا في المصحف ...
من : " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ " ...إليها ...
"سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ (1) لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ (2) مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ (3) تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (4) فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)"
عرفنا العذاب في سورة الحاقة، وما أنزل الله بأقوام في الدنيا، وعرفنا أنّ عذاب الآخرة أكبر ... فهذا سائل، سائل يسأل ... لا على التخصيص ولا على التعيين، هو سائل وانتهى، حتى مع ما يُروى من أنها  نزلت في النضر بن الحارث أحد عُتاة قريش، إلا أنه في القرآن لم يُعيّن، سائل بالتنكير لا بالتعريف ... وهذا يكفينا لنعيش السياق ونتفهمه ... فأمثاله على مدى الأعصار والأزمنة بمثل سؤاله يسألون ...
"سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ " ...
إنه واقع لا محالة، لا ريب... آت آت... إنه الحق الذي عرفنا في الحاقة ... وقد كان الكفار حول رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألون عن هذا العذاب الذي بلغَهُم عبر القرآن نبؤُه، كانوا يكذّبون ويتجرؤون على الاستهزاء بالنبأ العظيم، كما عرفنا عن تكذيب ثمود وعاد قبلهم، كذبوا بالقارعة وعصوا رُسُل ربّهم، وعلى سنّتهم مضت قريش، ففعلت برسول الله صلى الله عليه وسلم ما فعلوا برُسُلِهم ...
وإذا تأملنا تركيب الخبر عن سؤالهم : " بِعَذَابٍ وَاقِعٍ " وجدنا حرف الباء مكان "عن"، وعادةً يكون السؤال عن الشيء لا به  ... وقد جيئ بهذا التركيب لأن فعل "سأل" بالباء يصلح لمعنى الاستفهام والدعاء والاستعجال. بمعنى أنهم استِهْزاء وتَجَرُّؤاً على الله وإغراقا في تكذيب رسوله يدعون بهذا العذاب الواقع العظيم، وقد أخبر الله تعالى عنهم في قوله : "وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ" –الأنفال: 32-
إنه العذاب المتحقّق المؤكّد وقوعُه وإن استهزأ المستهزؤون، وإن سخرَ مَن سخِر مِن نبئه ومن المبلّغ لنبئه :
" لِّلْكَافِرِينَ لَيْسَ لَهُ دَافِعٌ" ...عذاب واقع للكافرين...
وهنا أيضا مَلحَظٌ دقيق في مجيئ الباء ملابِسة للكافرين بدل : "على" في عادة وقوع الشيء السيئ وحصوله وتحقّقه، فهو يقع عليهم، بينما جاءت اللام في : "للكافرين" تُشعِرك بشدّة ملابسة هذا العذاب لهؤلاء، بلصوقه بهم، واختصاصهم به حتى صار لهم، وأصبح لهم خاصّا ليس لغيرهم، فهو قد جُعِل لهم  ...  وما مِن دافع يدفعه عنهم، زيادة في التأكيد مقابل إصرارهم على التكذيب ...
نعم إنه العذاب الواقع، وإنه لكم، وإنه مع زيادة لِجاجكم وتجرُّئِكم أضيفوا إلى علمكم أنّه الذي لن يُدفَع عنكم بدافع، ولن يدفعه عنكم دافع ...!
فممّن هو واقع ؟ ممّن هو مرسَل عليكم ومجعول لكم ؟
إنه : "مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ"
فمِن إسهاب في الحاقة عن أمر القيامة بما فيها من جزاء بعذاب وهوان، و بنعيم وإحسان إلى حديث عن عذاب واقع يسأل به المكذّبون استهزاء...
مِن قوله تعالى في نهايات الحاقة : " وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنكُم مُّكَذِّبِينَ " إلى مزيد كشف لأمرهم ...وهم يسألون استهزاء ...
من آخر كلمات في الحاقة : " فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ "  إلى : "مِّنَ اللَّهِ ذِي الْمَعَارِجِ" ...
هو ربنا العظيم الذي نسبّحه تنزيها له عن كل عيب وعن كل نقص، وإقرارا له بالكمال والجلال، هو سبحانه العظيم ذو المعارج ...
والمِعراج لغةً هو ما يُصعَد به ... وهي هنا معارج لا معراج واحد فهي الدرجات والرُّتَب العاليات التي بها يُرتقى إلى الله تعالى ...  سبحانه العليّ صاحب المكان العليّ الأعلى، العظيم ... الذي يُرتَقى إليه وكلّ ما سواه دنيّ أدنى  ... !
وفي هذا تمام الاتساق بين السورة والسورة ...
أنت أيها المستهزئ بعذاب واقع عظيم، أنت الصغير الحقير المخلوق من تراب بيد ربك العظيم ، المفتقر إليه مذ لم تكن شيئا مذكورا إلى أن تُوارى التراب، تستهزئ بأمره، وبعذابه ...!!
سورة الحاقة وقد جاءت تصدع بالحقّ الذي في يوم القيامة، تُتبَع بسورة المعارج التي تُستهلّ بسؤال السائل المستهزئ به ...
فلنَرْقُب، ولنتتبّع ...لعلها جاءت تعالج أمر هذا السائل ... لعلها جاءت تُسهب في شأن نفسه المستهزئة ...!  وفي دوافع حالِه...
"تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
إنه الله ذو المعارج سبحانه ...  والروح هي كلمة تحتمل أكثر من معنى، فقد يكون المعنيّ بها جبريل عليه السلام، وقد جاء ذكرُه بعد ذكر الملائكة عطفا للخاص على العام تشريفا للمقام، وقد تحمل معنى الروح التي هي من أمر الله، الروح المنفوخة في الإنسان من ربّه ... وجمع المعنيَيْن أشمل وأنفع ...
تعرج الملائكة والروح إلى الله ذي المعارج سبحانه، فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، هذا هو اليوم المحدّد في هذه الآية والذي يستبين به أمر الزمن المعنيّ ... إنه يوم القيامة ...
وقد جاء في الصحيح عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قرأ : ("في يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ" -المعارج: 4- فقيل : ما أطوَلَ هذا اليومَ ؟ فقال النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : والَّذي نفسي بيدِه إنَّه لَيُخفَّفُ على المُؤمِنِ حتَّى يكونَ أخَفَّ عليه مِن صلاةٍ مكتوبةٍ يُصلِّيها في الدُّنيا ) –صحيح ابن حبّان -
ذلك هو اليوم الحقّ، يوم الحاقة، اليوم الذي يكذّب بالعذاب فيه ذلك السائل المستهزئ ...
فهو عروج الملائكة وجبريل إليه سبحانه في ذلك اليوم العظيم، ذلك اليوم الطويل الطويل الذي يساوي خمسين ألف سنة مما يعدّ البشر ... أو هو عروج الملائكة وأرواح السّعداء الأتقياء من العباد إلى ربها، ونعرف عُروج الأرواح بعد قبضها، وأراها تحتمل أيضا العُروج المعنويّ للأرواح -التي هي من ربّها- إلى ربّها ... عُروجا يليق بالروح التي تستقي من مصدرها العلويّ وهي في الأرض لترتقي حتى تبلغ منتهاها وهي الراقية الحقيقة بالعُروج إلى ذي المعارج سبحانه ...!
وإن المؤكّد في شأن زمن ذلك اليوم من الحديث الصحيح، ومن لاحِق السّياق أنه يوم القيامة  ...
لنتتبّع المعارج ... لننظر إليها وهي تلك المصاعد التي بها يُرتقى إلى العليّ الكبير العظيم سُبحانه ... فإنّ لها في ما هو آتٍ لوَقع ... وأيّ وَقع ...!!
هذه هي حقيقة هذا اليوم العظيم، الذي درَجْنا على تسميته "يوم"....
يوم اللقاء، يوم الحساب، يوم الحشر، يوم الجزاء، يوم القيامة .... على هذا درجنا ... ولكنّ حقيقةَ مقداره خمسون ألف سنة ... هذا هو طول هذا اليوم، هذا دوامُه، من ساعة بَعْث البشر إلى ساعة القضاء في الناس، فدخول أهل الجنة الجنة، ودخول أهل النار النار، خمسون ألف سنة هي مدّة هذا اليوم العظيم ...!
وإنه من هوانِه على الله تعالى سمّاه يوما...
إنه في ميزان الله العظيم يوم، ولكنّه في ميزاننا عدّا وطولا وثقلا آلاف السنوات، وأهوال وأهوال لا يصفها لسان ... ولكنّه سبحانه يرحم عباده المؤمنين، فيجعله أخفَّ عليهم من صلاة مكتوبة يُصَلُّونها في الدنيا ... ! أما الكافرون فهو عليهم طويل بقدر مدّته، بحجم سِنيه : " فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (😎 فَذَٰلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (9) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (10)"
وكذلك ... كما أنه عند الله يوم، فإنه عنده قريب، هكذا هو ميزان الله تعالى،  كلّ شيء عليه هيّن، كلّ أمر عنده يسير، كل بعيد عنده قريب : " فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا (5) إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7)"
إنه القريب عند الله زمانا ووقوعا، وإنه البعيد عند الكافرين، البعيد بُعد الوقوع أصلا، لا بعد الزمان  ...
ولقد أمر سبحانه نبيّه صلى الله عليه وسلم في سورة القلم بالصبر: "فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ... ". ولكنّه هذه المرة يأمره بالصبر الجميل ...!
فمن الصبر إلى الصبر الجميل، الأول صبرٌ أمرَهُ أن يكون منه لحُكْمِه سبحانه الذي لا يمضي في الأرض حكمٌ غيرُه وإن كان المظهر صَول الإنسان وجَولُه بباطله...والثاني صبر جميل ... إنه الارتقاء في الصبر، إنها الدرجة الأعلى ... إنه عُروج في مرتقى الصبر ... وإنها سورة المعارج ... فلنتأمّل...!!
إنه من تمام بيان عظمة الله تعالى ذي المعارج العليّ المتعالي عَدَّهُ خمسين ألف سنة يوما، وفي رؤيته لموعد ذلك اليوم قريبا وهو الذي يراه الإنسان بعيدا بعيدا ...
وعلى هذا الوجه من عظمة الله وهوان كلّ أمرٍ عليه، هو ذا سبحانه يأمر نبيّه صلى الله عليه وسلم أن يصبر الصبر الجميل الذي ليس معه سخط ولا تذمّر ولا تأوّه، صبرُ من يوقن أن العظيم سبحانه ذو المعارج كائنٌ أمرُه، وقريب أمرُه ليس بعيدا، الدنيا بطولها وعرضها عليه هيّنة، والزمان منذ أن خُلق الكون إلى يوم ذهابه وزوالِه قصير عنده، فمهما امتدّ بالإنسان عمرٌ فهو إلى انقضاء، وهو إلى ربه صائر، وبين يدَيه سيُقضى بالقضاء الحق .... قريبا غير بعيد ...  !  : " وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ  وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ  إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" –النحل:77-
وقد وصف سبحانه هوانَ الدنيا على الإنسان بعد انقضائها وحلول الساعة: : "كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا" –النازعات:46-
فاصبر صبرا ......"""جميلا """ .... إنه العروج .... ! إنه الارتقاء ...
فلنرقُبْ ولنتتبّع الآيات خطوة بخطوة ... لعلّ ظلال الارتقاء والعُروج ستلوح لنا من قريب غير بعيد في حنايا سورتنا ...فلنرقُب ...!!
ويتبع مع تدبرات لي أخرى في سورة المعارج بإذن الله
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #404 في: 2026-04-07, 09:25:05 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
تابع....

لقد لمحنا عُروجا وارتقاء مع قضية الصبر والصبر الجميل ... ولقد نوينا التشوّف لعلّ العُروج والارتقاء يلوح لنا من جديد بين حنايا سورتنا ...
"يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (😎 وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (9) "
شيء من أهوال ذلك اليوم وأحواله، وهو السياق اللاحق الذي يؤكّد أنّ اليوم المساوي للخمسين ألف سنة إنما هو يوم القيامة  ...
إنها السماء التي لا نرى لها من فطور، التي بغير عمَد هي قائمة... ذلك السقف المتين المتين... إنها في هذا اليوم ذَوْبٌ كذَوْبِ المعادن المنصهرة، وإن الجبال كالصوف المتطاير ألوانا ... !
فأيّ حال هي ؟! وأيّ خيال يستطيع استيعاب هذه الصور المَهُولة ؟!  فسماؤنا التي تظلّنا ذاهبة ذائبة وجبالنا الرواسي صوف متطايرة !
كيف هي حال الناس ؟! أمُنساحٌ هو ذَوْب السماء على رؤوسهم فمُهلكهم؟! لا ... لا ما عاد من موت، سبحانه الذي رفعها في الدنيا بغير عمد نراها، هو الذي يمنع صهيرَها من أن ينساح على رؤوس الناس فيُذيبهم !
إنّهم في قلب هذه الأهوال قيام يُعرضون على الديّان ...! يتقلّبون في الأهوال
" وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا"
كلّ منهما للآخر حميم، قريب، محبّ حبيب، ولكن ما من سؤال ! أين فلان ؟ ما أخباره ؟ كيف هي حاله في هذا الكرب الشديد الأشدّ ؟؟
لا ... لا...فالأهوال أكبر، والخطب عظيم جلل، والطامّة أشدّ وأعمّ ... تُذهِل العقول، تذهب بالطمأنينة بِدَداً، تجمع كُلّ ذرّات الفِكر في الدهشة والروعة والفزع ...!
سماء ذائبة، وجبال متطايرة ...  وما من حميم يسأل حميما ... !
رغم أنهم : "يُبَصَّرُونَهُمْ"... يَرونهم، يعرفونهم، يدرون بحالهم وبتقلّبهم ... ولكنّه الهول في نفس الحميم يُلجمه عن السؤال عن حميمه، لا يملك من نفسه الذاهلة أن يسأل عنه، أو أن يسأله، لم يعد يستطيع نفعَه...
ذهبت راحة الدنيا، ذهبت كل قرابة فيها وكلّ صداقة ...! ذهب حلفاء القوة والمال أرباب السلاح والعسكر والجيوش الجرارة، والبوارج الحربية والطائرات بغير طيار، والكيماوي، والذرّي والنووي .... ذهبت كل قوة، وكلّ تحالف كان في الدنيا حقّا باسم القوة والمال ... !
ذهبت مؤتمرات التحرّر من الفضيلة، ومهرجانات السينما الهوليودية والبوليودية، والتفاخر بجوائز التمثيل وإشاعة الفُحش والعُري والرذيلة ...
ذهبت مسابقات ملكات الجمال، وتهافت رجال المال والأعمال عليها إعلاء لراية التفسّخ الأخلاقيّ والتحرّر من الإنسانية، والتلبّس بالبهيمية الغريزية ...!
ذهب المتحابّون في جلال الفساد والإفساد ...!
ها هو الإنسان وحده... فردا وحده ليُلاقي ربّه، يسوقه عَمَلُه ... فإما صلاح فإلى بِشر وأنوار وفوز واطمئنان وإمّا طلاح فإلى ظلمات وخسار وخوف وهوان ...
إلا أنه حال غير المتّقين... فالله سبحانه القائل: "الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ" –الزخرف:67-
ونُقابَل بالتأكيد على أنه حال غير المتقين :
" يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ (13) وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ (14) "
ما من حميم منقذ نافع ... بل إنّ المجرم ليودّ لو يفتدي نفسَه من العذاب الواقع الذي ليس له عنه من دافع ببنيه ...!!
بأحبّ الناس إلى قلبه... وإننا لنعرفهم بيننا بني الإسلام، مَن خاض لأجل بنيه المخاضات مساويا بين حلال وحرام، باحثا عن تَرَفِهِم وانتشائهم وفرحهم، لا يهمّ من أين يأتيهم بما يُقيمهم، الأهمّ أن يرضوا، وأن يعيشوا كأحسن ما يعيش لاعبٌ لاهٍ تائهٌ عن ربه ...وذلك حبّه لبنيه ... !
أما اليوم ففيمَ نفعُ مخاضات الدنيا لأجلهم ؟؟  إنّه يودّ لو يجعلهم فِداءه من عذاب به واقع !! أي حبّ هو حبّ لَهْوِ الدنيا، وعبادة الدنيا ونسيان الآخرة !! أي حبّ ؟!
وصاحبته ... صاحبته ذلك المُجرم ..
ولا تذهبنّ بعيدا، لا تقولنّ كافر فهي ذي حاله ...!! بل لنبحث فينا، في تلاطمنا، وترامينا، في اتباعنا سُنن الغرب شبرا بشبر وذراعا بذراع، في دخولنا جُحور الضّباب ...  إن يكن ضبّا أو أسدا جسورا أو غولا أكولا ... إنّ دربَه هو دربي وفعله هو فعلي ... فلستُ بالذي يدري خيرا مما هو يدري !!!
صاحبتُه ...زوجُه، ألصق الناس به، وأعلمهم بأخفى شؤونه ... يودّ الوُدّ لو أنها له الفِداء من العذاب ... لو تُعذَّب مكانه !! وبأخيه .... "وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ"... فصيلته التي تحميه، فهو منها ومن أصلها وجذورها، هي حاميَتُه وهي آويتُه ... يا ليتها تكون الفِداء !!
"وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ " ... لو أنّ كل هؤلاء يكونون له الفِداء، كلّ البشر لا يبقى واحد منهم ... !! المهم أن ينجو ....!
لا أخُوّة لا خِلّة، لا بنوّة، لا أبوة كلها فِداء .... آه لو تكون له الفِداء !!
أيّ حبّ، وأي مودة، وأيّ تضحية كانت في الدنيا كلها كاذبة وهي اليوم تضع الجميع كبش فِداء لو أنه فقط يُقبَل ...!!
وهيهات هيهات أيها المجرم... لم يعد لك من تدبير ولا مكر ولا دهاء ...!!!  لقد سألتَ مستهزئا عن عذاب ها هو اليوم قُبالتك... وها أنت اليوم بلا سلاح ولا مَضاء تمضي إلى حتفك...!
لقد كذّبتَ وقلتَ لا حياة بعد الموت وإنها النهاية ... لقد حثثتَ العقول العاقلة على أن تتحرّر من الإيمان بالغيب، وألا تؤمن إلا بما تحسّ وتلمس وترى ... هكذا جعلتَ للنفس حدود الدنيا فما نفعتْك تلك الحدود وقد خرجتَ منها تقول ألا حياة بعدها، فإذا أنت الآن حيٌّ، تتمنّى لو أنها كانت القاضية !! وهيهات هيهات ...! ما لودّك اليوم من حُسبان ولا حقيقة ولا بيان ... !
ها هي ذي الحقيقة ... وها هو ذا البيان :
كَلَّا  إِنَّهَا لَظَىٰ (15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ (16) تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17) وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ (18)
كلا ... إن هذه هي الحقيقة ... إنها لظى، لهيب حارق، لهيب وأيّ لهيب ! تنزع الشَّوى نزعا، والشّوى جمع "شَواة" وهي كل جارحة في الإنسان، كاليد والرِّجْل، وهي أيضا فروة جلد الرأس، إنها تنزع كل هذا فلا تبقيه ...!! عياذا بالله منها ...
وإنها لتدعو ... وكأنها الكائن الذي به روح وحركة ووعي وإدراك ...
إنها التي تأتمر بما به أُمِرتْ ... فهي ذي تدعو ... تدعو من أدبر وتولّى ...أدبر في الدنيا عن دعوة الحقّ، ولاّها دُبُرَه ...أعرض عنها،  وتولّى عنها إلى غيرها، إلى صنم، إلى دينار... إلى قطيفة... إلى دنيا يعبدها، إلى مادة لم ينفكّ عن إِسارها حتى هو ذا اليوم ذو شَوَى فيُشوى ...!
وإنه الذي أدبر وتولّى، وجمع فأوعى ...جمع المال إلى المال،  دَيْدَنُه حِسابه، وزيادته، وجمعُه، بخِل ومنع ... وأوعاه... فأين مالُك اليوم يا عبده، فليخلّصك وهو ربّك ...!!
أيّ فزع ... وأيّ هلع ... !!  ما بالُه …  ؟ لمَ هي ذي اليوم حالُه ؟!
إنها سورة المعارج، وإنّ هذا ما ستُعالج ... ستعطينا الجواب ...
الحاقة كانت عن اليوم الحق، كانت عن يوم القيامة وأهواله، فجعلت تصف شيئا من أحوال الكون فيها، ثم أسهبت في حال الناجي، وحال الهالك... وكذلك المعارج نجدُنا معها في قلب ذلك اليوم ... ولكنّ فرقا أصيلا بين كلَيْهما ، وإن كان الظاهر أنهما تُعنيان بيوم القيامة كلتاهما .... يكمن في هذه المعالجة، يكمن في التعرّف إلى أسباب هلاك مَن هلك، وأسباب نجاة من نَجا ...  إنها تُصوّر نفس الهالك ونفس الناجي، وكيف يصير كلٌّ منهما إلى ما صار إليه ...
كيف يكون إنسان وإنسان، ولكنّ واحدا يحقق الإنسانية على الأرض، وآخر يحقّق البهيمية عليها ... إنها تفاعلات النّفس مُذ خلقها ربّها، وما تحتاجه حتى ترتقي...
ما الذي يجعل من الإنسان إنسانا يليق بأنوار يوم القيامة ويليق بمعارج ذي المعارج سبحانه ...؟! ما سرّ المعارج ؟؟ ما خصيصتها المميّزة ؟؟ ...
ذلك ما ستجيبنا عليه الآيات القادمات  بإذن الله موعدنا معها في تدبرات لي في سورة المعارج تتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #405 في: 2026-04-07, 09:25:42 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع...

فلنرَ ... فلنمدَّ البصر عاليا لعلها وهي المعارج تحتاج منا أن نستشرف العُلو ...
تُرى لو سئِلنا أيّ الأوصاف أنسب بذاك المجرم، وبحاله الرُّزء... بنفسه المتطايرة التائهة اللاهثة خلف الأماني السرابيّة الهوائيّة ؟
ربّما ...ربما قد تجيب بـ : "الهلع" .. كما قد تجيب بغيرها ...
الآية التالية ستضع لنا الوصف الدقيق :"إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (19) "
نعم، إنها تحمل وصف الهلع، ولكنك ستقول أنه سبحانه هنا يصف خِلقة في الإنسان وطبعا جُبِل عليه، ولا يُحدّث عن حال المجرم الآيل إلى ربه ...
هو ذاك...أدْري...! ولكنني ها هنا أراه مَربطا للفرس، أراه مستقرّا بالغ الأهمية في خصوصية هذه السورة، لن يُسفِر الآن ... سنمضي الهُوينى لنجده بيّنا مُستبينا ... بل وسيُسفر معه الترابط الذي لا يغيب، فيما قد تحدّث نفسك بأنه الانقطاع ... فمن حالٍ في الآخرة ومآل إلى أوّل أمرِ الإنسان ...
خُلق الإنسان """هلوعا""" ... فكيف تُراه هذا الذي هو طبعٌ فيه وخِلقة ؟ إننا  لن نبتعد ولن نبحث في قواميس اللغة عن معناه، ففي الآيَتَيْن المواليتَيْن نبؤه : "إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (20) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (21)"
شرٌّ وخير... طرفان هُما في معادلة الحياة، هما مادّتاها الأصيلتان، واللّبِن في بنيانها، والهواء المُخالط للهواء في أجوائها...
خير وشرّ... فما من إنسان إلا والخير ملابسٌ له، مصاحبٌ لأطواره، تماما كما أنّ الشرّ ملابسٌ له، مصاحبٌ لأطواره ... يتقلّب بينهما حالا بعد حال : "لتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَن طَبَقٍ"-الانشقاق:19-
ألم نعرف ونتبيّن الغاية من إيجاد الإنسان ومِن خَلقه ؟ ألم يعلّمنا الخالق سبحانه أنّما قد خُلِقَ ليُبتلى ؟ ألم نعرف قريبا في سورة الملك أنه: " الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا ..." –الملك: من الآية 02-
وبيّنٌ هو أمر الابتلاء في غير ما موضع من القرآن الكريم، وإننا لنَلمَسُه ونتحسّسه تقلّبا في أطوار الحياة . ولكنّ فهمَنا له قاصرٌ منقوص، إذ كلّما ذُكر تبادر إلى الأذهان الشرّ من مصائب ونوازل وشدائد، بينما الخير عند الناس أمان واطمئنان، يُغفَل وهو  المركّب الأساسي الذي لا يكتمل معنى الابتلاء في الحياة الدنيا إلا وأنت تجعله جنبا إلى جنب مع الشرّ، حالة هو من حالات الابتلاء  : " كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً  وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ"-الأنبياء :35-
هكذا هو طبع الإنسان... إذا مسّه الشرّ جزِع ولم يصبر، وإذا مسّه الخير منع ولم يُعطِ  ... مجرّد المسّ يجعله كذلك . وهو متمثّل أيضا في قوله تعالى : "وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (09) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ(10) " -هود-
وهي ذي حال الإنسان على الأرض، جَزوع مَنوع ... خُلِق كذلك، وتحرّك على الأرض وتقلّب، وركب طبقا عن طبق وهو الجزوع المنوع... بقي على خلقته الأولى ... جَزَعٌ عند الشرّ ومَنعٌ عند الخير.اضطراب، تململ، حركة نستشعر فيها السّرعة والاندفاع والخوف، الخوف من الشرّ إذا مسّ، والخوف من ضياع الخير إذا مسّ ...انعدامٌ في التوازن، ميْل متطرّف إلى الجزع خوفا، وإلى المنع خوفا، ولكأنّك بدابة هائجة جامِحة يُفتَقَد لِجامُها، أو مركبة دون كوابح تنطلق لا تلوي على شيء ...!
وهذه صيحات الملاحدة اليوم تتعالى وهُم يجعلون من وجود الشر في الدنيا عَصَاهم التي يتوكؤون عليها لإنكار وجود الله تعالى، بينما أصل إنكارهم هو للابتلاء، به ينكرون وجود  الله ... جعلوا بينهم وبين فهم المغزى من الوجود حاجزا مانعا، فلا ينفذ إليهم هُدى، يريدون إقرار قانونهم، قانون السعادة التي لا يكدّرها شيء... ميزان السعادة عندهم حدوده الدّنيا، وما وراءها لا وجود له ...الدنيا وانتهى ...فهُم الهلِعون أبدا ...!
ولننتبه ... إن الآيات ما تزال تزيدنا بيانا وما تزال تمضي بنا لتكتمل الصورة :
" إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23) وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25) وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (34) أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ (35)"
سلسلة كاملة من الاستثناءات المعطوف بعضها على بعض، المترابطة المتلاحمة، المتكاملة، لا ينفكّ بعضها عن بعض. كلّها مُنضوية تحت : "إلا" في استثناء مستغرق مفصَّل يضع ويوضّح ما يهذّبُ هذه الخِلقة في الإنسان ويكبح جِماحَها، ما يجعله وهو يتقلّب بين الأحوال ويركب الطبق عن الطبق في أطوار الحياة مستوعبا لمعادلتها الأساسيةّ، معادلة الابتلاء ...
ولقد قال سبحانه في خلق الإنسان : " يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ  وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا" –النساء: 28-
كثيرا ما نجد أنفسنا نجنح إلى هذه الآية جُنوحا متطرّفا نفسّر به الانتكاس والارتكاس والكسل، والخمول وحبّ التقوقع، والخوف من ركوب الصعب من أنفسنا ... بينما الجمع بين الأطراف هو الذي يعطي الصورة كاملة مكتملة، هو الذي يجعلنا ننطلق في مخاضة الحياة ونحن متزوّدون، نفهم الضعف فينا على وجهه الصحيح، فنعرف متى نقرّ أنه الضعف، من بعد استكمال أسباب الحركة والجدّ والاجتهاد والترقّي...
إنّ هذه الاستثناءات هي مربط الفرس في خصوصيّة هذه السورة، والتي يجب أن نتوقّف عندها لنفهم أنّ هذه الخِلقة وهذه الجِبِلّة التي عليها جُبِل الإنسان جعلها الله فيه ليكون هناك ما بعدها، ليكون بعدها عمل الإنسان مع نفسه بموجب المنهج الربانيّ الحكيم الذي أنزله الخالق لعباده ليستضيؤوا به على درب الحياة، فيقطعوه على بصيرة، وبقوّة تُزيح العوائق وتُبقي في النفس نورا لا يذهب ...
الارتقاء... أليس هو العُروج ؟؟! أليس هذا جوّ السورة من أولها ؟
بلى ... هو هو ... إنّ هذه الاستثناءات هي معراج الأنفس إلى الكمالات الإنسانية...هي التي تقابل منطق :"وخُلِق الإنسانُ ضَعِيفا"، ومنطق: "إنَّ الإِنْسَانَ خُلِق هلُوعاً"، هي التي تكتمل بها الصورة ... هي الارتقاء إلى القوة في  النفس، وهي حصنها الحصين دون الجزع من مسّ الشرّ ودون المنع من مسّ الخير ...
فلنرتقِ المعراج المنتصب قُبالتنا في هذه الآيات ... لنضع القدم على الدرجة الأولى من درجاته ...ولنعرُجْ ....
إِلَّا الْمُصَلِّينَ (22) الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (23)
رأس الاستثناءات كلها... الحلقة الأولى من حلقات السلسلة... المبتدأ والمنطلق : " إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ" .
مداومون عليها... لا يقطعونها وهي الصلة بين العبد وربّه، وهي مناجاتُه وسؤاله...  مداومة عليها بأوقاتها الخمسة، بالقيام بين يَدي الله، والاتصال به خمس مرات يوميا، اتّصال به لا ينقطع، وارتباط به لا ينبتّ ... بتكبيرات فيها ملء اليوم والليلة، وتسبيحات، وذكر، وقراءة للقرآن ...
إنها المداومة على الاتصال، إنها الحبل الواصل الممدود الذي  يجب ألا يُقطَع ...فالشرط الأول المداومة ...
ولكن ممّا نعرف ونرقب ونشاهد نجد مداوما عليها ولكنّه الجزِع إذا أصيب، المانع إذا أعطِي ... لا فرق ! بل نعرف ذلك حتى في أنفسنا قبل أن نلتفت إلى غيرِنا ... نكون مداومين ولا نملِك قِياد أنفسنا، ولا نقبض على الكوابح اللازمة ... نعم...ذلك كائن ...
ولكن رُوَيْدَك ورُوَيْدي فإنّها السلسلة المتكاملة لا الحلقة الفريدة ...! ولأذكُر ولتذكُرْ معي أنه المعراج ذو الدرجات لا الدرجة الواحدة، إنه الصعود درجة فدرجة ... إنه الارتقاء ...!
فلتداوِم أولا ... داوِم، لا تقطع ... واذكُرْ معي نهج حبيبنا المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يعلّم المؤمنين أن يأمروا الطفل بالصلاة في سبع، وأن يُضرب على تركها في عشر... لنتأمّل تلك السنوات الثلاث التي هي كلّها تدريب وتكرار، وتربية وحثّ على المُداومة، ليتعود الطفل، ليألفها عادة فلا يقطعها ... إنه في تلك السنّ لن يكون الصبور عند أقلّ أذى يلحقه، ولن يكون المِعطاء الذي لا يستكثر أن يُعطي مما هو له، بل يُعرف عن الطفل سرعة جزعه، واستئثاره بما يحبّ لنفسه  ... ولكنّه أسلوب تربويّ تدريجيّ لتعويد الإنسان على الصلاة أول الأمر، التعويد كغاية في حدّ ذاته في ذلك الطور لاستسهال المُداومة ...
فلا نقفنّ عند  الدرجة الأولى ثم نُدَنْدِن ببقاء العلّة ...! لنَمضِ قُدُما فتحصيل السلسلة لا يُجيز القطع ...
"وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ (24) لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (25)"
مُداومٌ على الصلاة، وفي مالِهِ حقّ معلوم للسائل والمحروم...
"حقّ" بهذه الكلمة الواضحة، لا يجد المسكين في نفسه كسرا أو ذُلا أو مهانة وهو له حقّ مقسوم... كما أنّ المُعطي يعطيه وهو يؤدّي حقا واجبٌ عليه تأديتُه، يواظب على العطاء، ويدرّب نفسَه على ألا يستأثر بمالِه لنفسه، يخلّصها من ربقته...ويحرّرها من إِساره ...
هكذا أراد الله بهذا العِلاج، درجة تُرتقى في هذا المِعراج الذي يُخلّص النفس من حبائل الهلع ... حتى يتعلم الإنسان كيف لا يأسِره الخوف على ضياع الخير فيبخل ويقتّر، ويمنع ظانّا من نفسه المحافظة عليه، بينما هو بذلك يخسر حريّته وهو يحيط نفسه بأسواره وقضبانه، ويُبقي على اضطرابها وتململها وقلقها وعدم اتّزانها ...
صلاة دائمة لا تنقطع، هي صلة بالله دائمة، يفتح منها المؤمن بابا إلى صلة بأخيه المؤمن دائمة تجعله وهو سواء، تجعله يفكّر به كما يفكّر بنفسه، وقد علّمَنا صلى الله عليه وسلم أنه: "لا يؤمن أحدكم حتى يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه" . إيمان منقوص هو الإيمان مع بخل، مع منع، مع تفكير بالنفس لا خروج عن حدودها ...
إنه العُروج ... إنه الارتقاء في سلّم الإنسانيّة بالتّراحُم... بألا نجعل من المادّة حاكما وحَكَما سواءٌ حُكمُها بحق أو بباطل، سواءٌ مع سُلطانها الآسِرِ المسلمُ والمُجرم، سطوتها على رِقابهم أقوى من كل حق ....!
فصلة بالله دائمة، تعقبها صلة بالناس دائمة، صلة رحمة وأخوّة وحبّ الخير للآخر  كما يُحَبُّ للنفس ...
ولننظر إلى الهلع وحال النفس معه ... إلى تلك الخِلقة، والجبلّة التي عليها جُبِل الإنسان ... أليست بهذا الارتقاء تنحصر وتبهَت...؟!
إنه لم يعد من حجّة لمن يتعلّل على ما هو كائن في الأرض من هلع بخلق الإنسان هلوعا ، إلى ما هو كائن فيها من جزع من مسّ الشرّ، ومن منع من مسّ الخير ... لا وَقْع لحُجّة منه وهو يقول بأنّ الخِلقة فيه تجعله لا يُلام على ما يكون منه ...!
إنّ هذا المنهج الربانيّ السامق السَنِيّ يبيّن لنا أنّ التفاعل مع الابتلاء بمادَّتَيْه الشرّ والخير، يكمن في هذا الترقّي،  في أن يأخذ بهذه العلاجات، وفي أن يضع قدمه على الدَّرَج يبتغي العُروج ... تِلْكُم هي آليّة التفاعل مع ما يتقلّب فيه الإنسان من الابتلاءات بخيرها وشرّها.أتعزم على العُروج أم تبقى حيث أنت، كما هي خِلقتك... فلا نجد للتفاعل مع الابتلاء من كينونة ومن وجود في النفس ...
إنّ هذا الترقّي، وهذا العُروج هو مَظَنّة الاختيار في الإنسان، ومدار الإرادة الحُرّة التي جُعلت فيه ...
فقولُنا أن فلانا من الناس قد ابتُلي بمصيبة فصبر، إنما ذلك من فَهْمِه لمعادلة العُروج ...لآليّة التفاعل مع الابتلاء، أما القائل بأنّ جزَعَه جَبْرٌ من الجَبْر مادام الله قد خلقه هلوعا، إنما هو بذلك يُلغي الاختيار، ولا يُعطي المفهوم الصحيح لإرادة الإنسان واختياره في الحياة الدنيا، ويُلغي عمَل هذا المنهج الربانيّ فيه، فهو وِفقَه ووِفْقَ تعاليمِه وتربياته، وترقياته يختار إزاء المصيبة الصبر كابحاً للجزع فيه، ويختار أن يعطي كبْحا للمنع من نفسه  ...
وعَوْداً إلى هذا الحقّ المعلوم في ماله، فإذا هو للسائل والمحروم.
فأما السائل فبيّنٌ أمرُه، وأما المحروم فهو الذي يحتاج ولا يسأل الناس أن يُعطوه، وهذا العطاء من صاحب المال للمحروم في حدّ ذاتِه ارتقاء وترقٍّ في الدرجة الواحدة، فهو لا بدّ باحثٌ عنه لأنه ليس بالذي يُعرِّض نفسَه للناس ويسألهم فيَعْلموا عنه بالضرورة، بل هو المُخفي أمرَه، المتعفّف الذي يحتاج ولا يسأل ... فأن يُبحَث عنه ليُعطَى عطاءٌ من النفس آخر للبذل... المنع فالعطاء فالسعي إليه سعيا ... وإنها المَعارج ... فلا عَجَب ...!

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #406 في: 2026-04-07, 09:26:20 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

فلـــــــــــــــنعرُج ...
وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (26) وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ (27) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ (28)
الذين يصدّقون بيوم الدين، فلا ارتياب في أنفسهم من وقوعه ولا شكّ ...
هم المداومون على صلتهم بربّهم، وهم الذين لا يقطعون ما بينهم وبين إخوانهم، بل يصلونه  بأن يُعطوا المسكين ويرحموا، ويلامسوا بذلك قول ربّنا : "إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ"... وهُم هُم المصدّقون بيوم الدين...
وإنها الصلة أيضا ... الصلة والاتصال في وجه آخر، في معنى آخر...
إنه وصل دنياهم بالآخرة، إنهم الذين لا يقطعون ما بين حياتهم الدنيا وحياتهم الأخرى، بل هم الموقنون من ذلك اليوم الذي فيه الحساب والجزاء، ليسوا الذين يُقصِرُون وجودهم على الدنيا، بل إنهم الممتدّ بصرهم امتدادَه إلى الدرجات العُلى على مِعراج السموّ الروحيّ، إلى ما هو خير...ليسوا بالقاصرين المحدودين ...!
فصَلاتُهم صِلة بالله حتى يلقوه، وعطاؤهم من مالهم لمن هُم أدنى منهم مبتغين رضى الله حتى يلقوه، وتصديقهم بيوم الدين واقرٌ في القلب، به يلقون الله ...إنه المُرتقى ...  وإنها الصلة بالله معزّزةٌ بالحركة في الأرض لله...
ولنا أن نتخيّل مداومة على الصلاة مقرونة بهذا الاعتقاد المجسّد أفعالا، وإذا بهذه المداومة تأخذ يوما عن يوم طابع الحبّ والقوّة، فلا تبقى في إطار العادة وحدها، بل تصبح بنكهة التراحم، والسعي للرأفة بعباد الله، والتصديق بوعد الله تعالى وبلقائه يوم الدين، ستتعزّز تلك المداومة باستشعار القُرب من الله والحركة لوجهه ولنيل رضاه، ستصبح صلة أقوى ورابطا أوثق ...! إنّه كلما ولّى وجهَه شطر القِبلة مصلّيا قرأ في كل ركعة : "الحمد لله ربّ العالمين ** الرحمن الرحيم** ملك يوم الدين **إياكَ نعبد وإياك نستعين** اهدِنا الصراط المستقيم..." هكذا في كل ركعة "بصيغة الجمع"  يقرّ بالعبودية لملك يوم الدين، ويسأله العون، ويستهديه، وهو على الأرض يتحرك متصلا بإخوانه، محقّقا الوصل المجتمعيّ، مُعطيا مما أعطِي، محققا روح الأمّة، فيُعانُ ويُهدَى... وهكذا في مداومة على تلك الصلة العظيمة(الصلاة) يبعث في نفسه رُوحَها وحياتَها وفعلََها بالعمل...  إنّ صاحبَها ليَعرُجُ مبتغيا قُرْب ذي المعارج... !
ومع تصديقهم بيوم الدين، هم مِن عذاب ربهم مشفقون، عذاب لا يأمنونه: " أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ"-الأعراف: 99- .  مُعْظِمون هُم لطلاقة قدرة الله تعالى، فلا يرون من أنفسهم ورعاً لا يُدانَى، بل هم المستقلّون لما يفعلون، الرّانون بإشفاقهم للاستزادة من الأعمال ... إنّه الحَذَرُ الذي يولّد العمل ... ثم إن الإشفاق من عذاب الله لازمة تهوّن على صاحبها كل مصائب الدنيا،  فلا يعود ذلك الجزوع وصبره عليها أجر وثواب يُنجيه من عذاب هو أحرى أن يُشفَقَ منه ... ! فلنتأمّل الدرجات المرقّيات ...! وإنهم الواصلون دنياهم بأُخراهم، لا ينقطعون عنها وهي الغائبة عن أعينهم، بل إنّ قلوبهم موقنة بها، متشوّفون لخيرها ونَعمائها، حريصون على الفوز فيها ...
وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (29) إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (30) فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (31)
إنهم الذين يصونون أنفسهم إلا من العلاقة الزوجية المُباحة التي هي أصل الأسرة الطبيعية، لا ما يَشْهدُه عالَمُنا من انطماس للفِطرة وقلبٍ لها...!
فهذه القوانين تُسنّ وتُشرَع ليُشرَع بها باب المعاشرات الشاذة بين الجنس الواحد تحت سقف تحميه قوّة القانون، وتجتمع لأجله البرلمانات ويحتّج فيها الرّجالات، لتُصادِق عليه في قفزة تحرّرية نوعيّة يُؤرّخ لها أرباب الفساد والإفساد في الأرض... !
أيّ انتكاسة وأي ارتكاسة يعرفها عالمنا اليوم ! ورئيس دولة يقف مُلوّحا بيدٍ لشعبه وعشيرُه باليد الأخرى ! زوجُه بلغة قوانينهم، بل ويفخر به في المحافل الدولية، وهو يأخذ صورة في مَجمعٍ لنساء رُؤساء الدول العُظمى ...!!
ويُدندن أرباب هذا الانخلاع الكليّ من الفطرة بأن الإسلام دين الرجعية والتخلّف، ويردّد خلفَهُم ببغاوات من بني جلدتنا منبهرين بحضارة تجعل من الأسرة مَسْخاً بجنس واحد !!!
هذا عالمنا في نُسَخِهِ المتجددة، ليصبح أمام هولها وقذارتها الحديث عن زنا واختلاط أنساب نافلة... وهو الذي تترنّح الأرض من لأوائِه وثِقَله... !!
وهذه المعارج، وهذا العُروج الإنسانيّ ليواجِه ابتلاءات الدنيا وتقلّباتها، هذه درجة أخرى تُضاف إلى صلة بالله لا تنقطع، يعزّزها الفعل وصلة بالناس تجسّد المساواة والتراحم، ويقين بلقاء الله لا يتزعزع .. إنه حفظ للشرف الإنسانيّ، وللوجود الإنسانيّ حتى لا يصبح والوجود الحيوانيّ سواء ... غريزة مهذّبة، منضبطة بضوابط حافظة، فلا تَرَهْبُن ولا إنكار لمَيْل الجنس من البشر إلى الجنس الآخر في امتداد للترابط الآدميّ الحَوّائيّ، لنَعِي أنه الاتصال البشريّ على  الأرض والامتداد للأسرة الطبيعية التي جبل الله الناس عليها مُذْ بدأ الخلق. وليس هو الإطلاق العنانيّ للغريزة لتصبح الأرض غابة بذوات اثنَيْن لا أربع ...!
ولنتأمّل صُعُدا مدى الحرص على الحفاظ على المجتمع من خلال صَون الفرد والحفاظ على إنسانيّته بضبط الغريزة مقدّمة لضبط الهلع في النفس وكبح جِماحِه ...
"فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ"
وهذه وحدها إعجاز تعبيريّ ليس إلا للقرآن، وهي تكفي للتّدليل على الإبداع في مضمار الفساد والتفسّخ الأخلاقي، فالعلاقات خارج إطار الزواج أصبحت بموضات وصيحات ... عياذا بالله !
وارتقاء جديد، وعُلِّيَّةٌ جديدة .... : "وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (32) "
فإذا الأمانات المادية بأنواعها هي أول ما يتبادر إلى الذهن، بينما تُغفَل أولى الأمانات وأَوْلاها بالأداء...
استخلافٌ في الأرض هو دورُ الإنسان المُلازِم لكَيانِه، بإحقاق لكلمة الله عليها وإبطال لغير كلمته... وكلٌّ موكّلٌ به، وليس حِكراً على قائد يكون سببا من أسباب نصر الله لعباده المؤمنين أو على جنديّ يقاتل في سبيل الله، بل هو الاستخلاف فيها بأن نمشي في مناكِبها برؤوس مرفوعة، معتزّة بالإسلام، تحيا به نبضا وروحا، ولا يغرّها مَشيُ تَيْهٍ بغيره، فهي القائدة المعلّمة لا المَقودة المقلِّدة: "إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ  إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا " .
وأَوْلى الأمانات بالأداء نفسٌ بين الجَنبَيْن ترتاح وتطمئنّ وترتقي بنهج خالقها، فإما إيمان فامتثال وائتمار وإمّا كفرٌ فانتكاس وارتكاس ...
وَأَوْلى الأمانات بالأداء نفسٌ تخرج من نفس، فهي وليّها، وهي راعيها، وهي المسؤول عنها يوم اللقاء أحسنت تنشئتها أم أساءت، علّمتها منهج العُروج أم تركتها فالهلع  كما هو فيها... خِلقةٌ وساكنٌ لا يبارح ... !
وهي ذي العهود مقرونة بالأمانات، فأوّلها عهد العبد مع ربّه أن يؤمن به ويكون له العبد المطيع، ومن ثمَّ عهود منبثقة تستوجب الوفاء والإيفاء، وكلّها الائتمار بأمر الخالق المربّي سبحانه، والانتهاء عن نهيه ... فهو الذي لا يخون ولا يخدع الناس، وقد أوفى مع ربّه ...
ولنتأمّــــــــــــــــــــــــــــل...
فكُلُّها الصلة والاتصال والامتداد ... !
لكأنّي بها الدّرجات الموصولة المُصعِدة، فلا انفصال بين واحدتها وأخرى، وكلّ واحدة منها بذاتها وصلٌ واتصال...  ومع العهود والأمانات هو اتصّال الأرض بالعهد الأوّل للخلق، العبوديّة للربّ الخالق منذ عهد الذرّ فطرةً مركوزةً في الإنسان، يدعو أولها آخرَها أن أوفِ ووفِّ فهو العهد الأول كما كان للخلقِ أوّلُ ...!
ولنرتقِ... ولنصعد... ولنعرُج .......
"وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ (33) "
الركن الأول من إسلام المسلم وإيمان المؤمن أن يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله... شهادةٌ تحتاج أن يكون بها قائما، فلا يقعد، ولا يتنازل، ولا يُداهِن، ولا يطأطئ بها رأسا لمَن لا إله لهُم يشهدون بوحدانيته، ولمَن إلهُهُم الهَوَى في الأرض فهُم يَقْلِبون به الفطرة والحق نافِثين في الأرواع أنّ الظُّلمَةَ نور كما تعوّدوا النّفث بسحر البرمجات اللغوية العصبية وألاعيب الآلة الإعلامية ...!!!
إنّ هذه الدّرجة من مِعراج النفس لسميكة ...وأيّ سماكة ...! إنها القيام بالدين في النفس على الأرض، إنها الثبات عليه ...!
ويالِأنوار هذا المِعراج النفسيّ...! ويالأنوار هذا العُروج  !!   ويالِسورة المعارِج ...!!
"وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ "
سبحانك ربي ...! أوَّلُها المداومة عليها، وآخرها المحافظة عليها ... !
ولكأنّ الصلاة وهي الصلة بالله، وهي القُرب منه، وهي بذرة الارتقاء، تترعرع وتنمو وتكبر ليس على أنها تولية الوُجوه شَطْر القِبلة، والحركات والركعات التي تنتهي بإلقاء السلام يُمنة ويُسرة...لا... لا... إنما ذلك الفهم القاصر المخلخَل الذي كُرِّس في أذهاننا عن الصلاة ... ولكأنّي بـ : "الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دائِمُون" تعني تلك الصلة التي لا تنقطع أصلا، فالعبد يستشعر أنه بين يدَي ربّه في كل حين، يقوم بين يدَيه وقتَ الصلاة يقرّ بالعبودية، ويستعينه ويستهديه للقابل من حركة له على الأرض، ويستغفره على ما مضى بين صلاته الآنِفة وصلاته التي هو فيها ... يأخذ من قيامه بين يَديه مصلّيا الطاقة والقوة والزاد والمَدَد لحركة على الأرض لا تنقطع فيها صلتُه بربّه  ...
ليست حياة منفصلة منقطعة، تدوم دقائق من الزّمن، وما تلبث أن تنتهي بالتسليم... بل هي حياة ممتدة، تستمدّ حياتَها من الحركات الأخرى، من حركات الحياة....فحقٌّ معلوم للسائل والمحروم مُؤدّى في حركة اتصالٍ بالمُجتمع، وتراحم، وإحساس بالآخر، في حركة الإنسان مع أخيه الإنسان لا مع نفسه وجُدرانها وحسب ... هي اتصال، وهي معاملات، وهي بحثٌ عن نفس تُخْفي ألَمَهَا وحاجتها لتستشعر إحساس الآخر بها وهي المعثور عليها، وأنّها في المجتمع الحيّ بالله، الموصول بالله... لا تُترَك  ...
هي ذي بذرة القُرب والاتصال بالخالق تستمدّ حياتها وسُقياها من امتداد ليس يُحدّ ببصر ولا بمسافات، بل بالماورائيات، فهي تصِل دنياها بأُخْراها، تعمل في الدنيا بيقين فنائها لتحصد عملها في الآخرة الباقية، وكأن الدنيا في نفس المؤمن يدٌ تُمدّ للآخرة تُمسِك بها لئلا يقع صاحبُها بل ليرتفع  ... !
لتعرج روحُه في ذلك اليوم ... لا بمِعراج بل بمعارج ...!
معارج القُرب من الملِك الديّان سبحانه ... رُتب ودرجات وعلاليّ ... !
فهل تذكرتَ معي بدايات السورة ؟! " تعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ " ....
لقد عاشت تلك الروح -وهي النفخة من الخالق-  تعرج وتعرج ... لم تَبْقَ على هلعٍ خُلِقت عليه، لم تُبعَث على ما خُلقت عليه من هلع .... بل بُعثَت وهي العارجة التي أتمّت عُروجها بنَوَالها خير الآخرة ونعيمه ....!
لقد كانت في الدنيا موصولة بذلك اليوم العظيم ... اشرأبّت إلى الآخرة وتشوّفت إليها وإلى درجاتِها العُلا ... !
أفرأينا كيف هي بذرة الصلة بالله، كيف هي الصلاة  وهي تنمو وتُزهِر ؟! أفرأينا كيف لصاحبها هي الناهية عن الفحشاء والمنكر، إنها وهي تستمدّ حياتَها، وتنمو من حركة في الحياة تحقّق الوصل أبدا ...! بل تزيد وتزيد في القُرب ...!
لقد كانت الدرجة الأولى من مِعراج الروح "المداومة على الصلاة"... فهي المداومة بالإنماء والتعهّد والرعاية والسُّقيا ... فأصحابها أصحاب تشوّف للآخرة، أصحاب خوف وإشفاق من عذاب الله الواقع الذي ليس له من دافع، أصحاب إشفاق يعلو بالنفس، لترنو للعمل يعضّد العمل، يرفع العمَل...
وبذرة الصلة بالله تُرعَى وتُسقى، فصاحبها يصل النّسل الإنسانيّ بأصله الإنسانيّ وهو يهذّب الغريزة فيه ويضبطها، فلا يجمح، ولا ينساب حيوانا لا يفرّق بين حلال وحرام ... بل هي الأسرة، هي الأخرى بذرة تنمو وتكبر مُجتمعا طاهرا ساميا لا خلط فيه ولا فساد ... لا غابة تُصنع من ذوات الاثنَيْن، بل هي لذوات الأربع ....!
لقد زاد القُرب ... لقد نما، لقد أينعت ثِمارُه ... لقد ارتفعت النفس وسمت وعلتْ... لقد عرجتْ الروح، ولقد حييت وارتاحت...لقد سُقِيت وارتوت ... وكيف لا وهي المعارج ؟!!
والأمانة، وتقدير ثقلها، وأولاها تحقيق الاستخلاف في الأرض،  فصدقٌ وحفاظ وأداء... والعهد فوفاء وإيفاء، وأوّله العهد بالعبودية لجلال الربوبية والألوهية الواحدة ...فما كان مع الربّ موصولا لن يُقطع بالخيانة مع العبد ...
فكيف هي الصلاة التي بُدئ بالحضّ على المُداومة عليها ... ولم يقتصر الأمر على المُداومة... بل نُصب المِعراج ... وتبيّن الدَّرَج ... واعتلت الدرجة منه تؤدّي إليها الدَّرَجة ...!
إنها الصلاة المُحافَظ عليها ... إنها الصّلة المُحافَظ عليها ... إنها التي زرعَتْ الطمأنينة والسكينة في النفس، فأذهبَت ريح الجُموح والاندفاع ... ريح """الهلع"""....
أيّ هلع ؟؟ وما الهلع ؟؟ ....إنه الجزع عند مسّ الشرّ والمنع عند مسّ الخير ...  لقد ترقّت تلك النفس المخلوقة على الهلع ... فعاشت تستطيع أن تصبر عند الابتلاء بشرّ فلا تجزع، فزَعُها إلى الله، إلى صِلَتها به، إلى صَلاتِها تبثّ الهمّ والحزن والشكوى :" يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ "-البقرة:153-   بل تستطيع وهي تترقّى أن تبلغ مبلغ : " فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا " ..كما عرفنا الدرجة الواحدة وهي ذات ترقّيات ...
نفسٌ تشكر عند الابتلاء بخير فلا تمنعه ... بل تعطي وتجود، وترحم، وليس دَيْدَنُها ودأبها أن تجمع وتجمع وتوعي، بل الحقّ المعلوم معلوم تُعطيه برحابة صدر، بل وتبحث وتسعى لتعطي ... فلا تستكبر في الأرض بمادة، بل هي الشاكرة أبدا ...
وهكذا .... كان الحفاظ على تلك الصلة، الحفاظ على الصلاة، على القُرب ... على الدرجات العاليات ... على التشوّف لمَعارج الآخرة ...!
لقد كانت الصلاة البداية ... وهي ذي المُنتهى ... ليست نهاية المُرتقى، بل إنّ المِعراج الروحيّ الذي عرفْنا هو  في ذلك اليوم العظيم معارج... معارج قُرب تستحقّها النفس فتُجزاها وهي في الدنيا قد عرفت المرتقى، فارتقت، فلم تعد على هلعها ...بل لم تُلاقِ ربّها وهي على هلعها...!
تعديل المشاركة
ونلتقي بإذن الله مع تأملات لي أخرى في سورة المعارج

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #407 في: 2026-04-07, 09:26:56 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::
تابع....

وبهذا الذي عرفنا ... نجدنا عَوْدا على بدء، نعود إلى ذلك المجرم الذي يودّ لو يفتدي يوم اللقاء العظيم ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومَن في الأرض جميعا ثم ينجيه ... ! وقد أسلفتُ أنّ رابطا قويا كائنٌ بين تلك الآيات وبين التقرير الإلهي في آية خلقه الإنسان هلوعا ...
ألا نراه وهو بما يودّ وبما يصنع من أوهامٍ بالياتٍ لن تُجديه نفعا هلِعا ؟؟!
إنه الهَلِع الهلوع ... إنه الذي لم يرتقِ درجات ذلك المِعراج الروحيّ العليّ ... لقد خُلق هلوعا، وبُعِث هلوعا ... لم يترقّ ... لم يؤمن بالله العظيم، لم يُعظِم الصلة به.... لم يذق حلاوتها....  لم يمدّ حياة صلاته ونماءها من حركة له على الأرض هي لله وبالله وفي الله ... كان مُنْبَتّ الصلة بخالقه، فلم يترقّ  ليزداد قربا ... فكان ابتلاؤه بالخير أكبر... ويا ما أشدّ ابتلاء الخير على المنقطعين غير الموصولين ... !!
ابتُلي بالخير وزيدَ فيه إغراقا له واستدراجا وإملاء ... فجمع وجمع وجمع وأوعى، ومنع ... ألم يصفه الله ولظى تدعوه  : " تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّىٰ (17)وَجَمَعَ فَأَوْعَىٰ(18) "
بقي هلعُه ...  وبقيت روحُهُ ظمأى، وبذرة الصلة فيه ذاوية ذاوية .... فهو لا يودّ إلا الفِداء ... وكلّا  ثم كلّا ... إنها لظى تنزعه شوى ... !
أما أهل المِعراج الروحيّ الذين ارتقوا درجاته ...فتقوّت الصلة وأحكِم الرباط، بالحفاظ على الصلاة ... فهُم أولاء :
"أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ"
في جنّات .... ليست جنّة ... بل جنّات ... كما هي معارِج لله تعالى يرتقيها  أصحاب الأرواح المؤمنة يوم اللقاء، كما ارتقوا في الدنيا مِعراجا نُصب في القرآن، نُصب في هذه السورة ليعتليه المؤمنون، فيكونوا عند الابتلاء من الناجحين ... إنهم يومئذ في جنّات... وهي المنتهى ....
وسبحان الله ... كم بات التساؤل من حَسَنِ النية ومِن سَيّء النية قائم عمّن يصلي وفِعاله شرّ، وسلوكه شرّ ... بل وتجد حتى من يقع في جُبّ الشكّ والحيرة والتفلّت من الدين وهو يرى أفعال أحدهم مخالفة لكونه مصلّيا ...
ربما غفلنا عن مِعراجٍ أولى درجاته المداومة، وآخرها المُحافظة ... مِعراج بذرتُه الصلة بالله، وسُقياه درجات ملازمات مرقّيات للصلاة وحياتها وقيامها، مُمِدّات لها بالنبض والمعنى...درجات مقرّبات من الله، موطّدات للصلة به، مُحكِمات للرباط، فهي مجتمعةً كوابح على درب الابتلاء، ورأسها تلك الصلة التي دوامُها أساس في البناء، والمحافظة عليها سقف له حافظ ...
وإننا الآن إلى نقلة...وهي في حقيقتها الوصلة مع الوصلة :
فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا قِبَلَكَ مُهْطِعِينَ (36) عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ عِزِينَ (37) أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (38)
الذين كفروا ... تصويرٌ لحالهم وهم حَول رسول الله صلى الله عليه وسلم، هؤلاء المستهزؤون، الساخرون من رسول الله ومن كتاب الله الذي جاء به، وهي ليست حال كفار قريش وحدهم، بل هي حال كفار كل زمان ...
مُهْطِعون  ... والمُهْطع من يُقبل ببصره على الشيء فلا يرفعه عنه، مادّا عُنُقه، مصوّباً رأسه... إنهم باتجاهك، مسارعون حاردون، لكأني بهم مقبلون نحوك بأجسامهم  كلها ...!!
هم عن يمينك... وعن شمالك عِزين، جماعات متفرّقين... وإنّه لَلإدبار منهم في شكل إقبال، إذ هم المستهزؤون من جنس ذاك السائل الذي افتتِحت به السورة، السائل سؤال استهزاء عن عذاب واقع، سؤال تكذيب به... كذلك حالهم وهم نحوك مقبلون ... كأنّهم وهم يمدّون أعناقهم يحملون رؤوسا خالية من عقل، فالله يتمّم وصفهم مستنكرا حالهم في قوله : " أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ أَن يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ"
لا تجني عقولهم ولا قلبوهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا، يحيطون به وهُم على تكذيبهم قائمون ... بل يتخذون كلامه هزؤا، إذ يتبجّحون فيظنّون بأنفسهم أهلا لجِنان الرحمان وهم يسمعونه يحدّث عنها  ... يحسبون أنّ نوالَها كنوالهم الخير في الدنيا وهم كافرون...! هم به في قلب الابتلاء ويحسبون أنهم المُصطفون المنعّمون...! يكذّبون ويكذّبون، حتى إذا ذُكِرت رأوا أنفسهم وهُم في الدنيا كُبراء وعِلية أهلا لكل ذكر عِلية وإن كان مما يكذّبون ...!
أيطمع كل امرئ منهم أن يُدخل جنّة نعيم ؟!  أيحسبون الجنّة لأمثالهم؟؟ وقد سُبقت هذه الآيات بحال مَن استحقوها فهي جنات هم فيها مُكرمون ... عملوا، جاهدوا، ارتقوا... لم يكتفوا بالقُعود وإن آمنوا، فكيف بمَن لم يخالط الإيمان قلبَه ؟!
وإنّ تصوير القرآن لإحاطتهم برسول الله صلى الله عليه وسلم جماعات متفرّقة لتمتثل لنا به صورتان... إحداهما لتضييقهم الخِناق عليه صلى الله عليه وسلم، وما كان يُعاني من محاصراتهم وتتبّعاتهم بسفاهاتهم وتجرؤاتهم عليه وعلى القرآن، والأخرى صورة حالهم المضطربة المهتزّة وهُم شغلُهم الترصّد لصاحب دعوة الحق بما يجعلهم أهلَ دركات تهوي بهم دركة إثر دركة في مهاوي الإجرام والخسار والتّبار ...خِلافا وضدّا لأهل ذلك المِعراج الروحيّ العليّ الذين هُم أهل الجنّات والدرجات العاليات ...
لنتأمل ... إنهم يكرّسون للهلع فيهم وهُم بهذا الاهتزاز وبهذه السّفاهة والهَبائيّة ...!   فهذه المعارج ... وذاك مِعراجٌ للمؤمنين ينصبه لهم القرآن ليرتقوه في الدنيا، حتى يكونوا أهلا لعطايا ذي المعارج ودرجاته العالية ... وهذه دركات الكافرين وهُم فيها يتهاوون ويَهْوُون إلى القعر السحيق ... ولذلك حقّ فيهم  : "كلا إِنَّهَا لَظَى(15) نَزَّاعَةً لِّلشَّوَىٰ(16) "
وهو ذا إنكار جديد ... إنكار عليهم، وإبطال لأمانيهم ... كَلَّا  إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّمَّا يَعْلَمُونَ (39)
وهذا ما يؤكّد هوانَهم وأنهم هَباء، تذكيرهم بأنهم المخلوقون من ماء مهين، يعلمون جيدا أنهم منه مخلوقون ... وفي هذا ما فيه من كسر لكبريائهم الزائفة ... حقيقتهم ماء مهين، كان هيّنا على الله سبحانه أن يخلقهم منه ... وهو هيّن عليه سبحانه أن يبعثهم ويُحييهم بعد موتهم لينالوا جزاءهم، والعذاب الذي به يكذّبون ...
فجاء في ذلك قسم من الله عليه :
فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ (40) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (41)
المشارق والمغارب بعَدِّ مطالع الشمس ومغاربها على الأرض على مدار اليوم، إذ هي في مكان ما من الأرض تطلع في ساعة، وفي مكان آخر منه تطلع في ساعة أخرى حسب دورة الأرض اليومية حول نفسها بمقابل الشمس الثابتة ...
أقسم سبحانه بمشارقها ومغاربها أنه القادر على تبديل خلقه بآخر خير منه، سواء في ذلك تبديل بعث بعد الموت، أو تبديل حياة بحياة، تبديل بَشَر ببشر آخرين، هم أطوع لله ...... "وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ" سبحانه على كل شيء قدير، لا يعجز عن ذلك ولا يُفات ولا يُسبَق إليه ...
"فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّىٰ يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (42)"
إنه سبحانه يأمره أن يتركهم توعّدا منه لهم بما ينتظرهم جزاء وِفاقا لِلََعِبِهم وخوضهم ... لأنّه كان حريّا بهم وهم يبلُغُهم هذا القرآن أن يتأمّلوا هداياته، وأن يتداووا بعلاجاته، لا أن يُعرضوا عنه، ويتخذوه لعبا ويخوضوا بأحاديث هي الاستهزاء والسُخرية، حريّ بهم أن يعرجوا والمعارج منتصبة في هذا القرآن ارتقاء بالأنفس، وإبقاء لحياة الأرواح ... لا أن يختاروا الدّركات ويحسبون الأمر لهوا ولعبا وخوضا عابرا .... وقد عرفنا في سورة القلم : " فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بِهَٰذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ"
ولنرَ ... إنه على مدار سورة المعارج العظيمة، نحن بين صعود وهبوط، بين عُروج في الدرجات وتهاوٍ في الدّركات ...
سبحانه بيّن خلقه للإنسان هلوعا، فعرفنا المُجرم وهو يُبعث هلوعا كما خُلِق وهو الذي لم يعرف صعودا ولا قربا ولا ترقّيا، بل تهاوى، وانحطّ، وابتعد... ثم عرفنا أهل العُروج الروحيّ الممتثلين لهدايات القرآن وإضاءاته على درب الابتلاء، وكيف يُدرَّبُون ويترقّون فينجحوا في مواجهة الابتلاء إن بشرّ أو بخير ...
ثم عرفنا مَن يقابلهم من أهل الدّركات المتهاويات المُهوِيات وكيف هُم وقد خُلقوا على الهلع ... هم حول رسول الله صلى الله عليه وسلم في زمانه وفي كل زمان يستهزؤون ويتجرؤون ويخلطون ويخبطون، يرفعون رؤوسهم في كبرياء كذّابة ...بالأهواء رؤوسهم وقلوبهم مَلْأَى لا بالتعقّل والتبصّر والحكمة والتروّي ...
فها هُم أولاء في ذلك اليوم العظيم :
يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَىٰ نُصُبٍ يُوفِضُونَ (43) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ  ذَٰلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (44)
إنّهم لم يكونوا يسمعون، ولم يكونوا يبصرون : "وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ  لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا  أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ  أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" –الأعراف :179-
كالأنعام  عاشوا، وكالأنعام يُبعَثون ... خلقوا هلوعين، وبُعثوا هَلوعين، لم يقدّروا هذا القرآن حقّ قدْرِه، فاستهزؤوا وكذّبوا وتهاووا، لم يفهموا أنّ القرآن معراج الروح في الدنيا وقربةٌ من نافِخها في عبده، أنه الروح للروح :" يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَىٰ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ..." -النحل: من الآية02- ...وأنه لها معارج في الآخرة وارتقاء وفوز بالدّرجات العُلا ...
كأنهم إلى نُصب يوفضون... كما أدبروا في الدنيا عن دعوة الحق، وتولوا أصنامهم وباطلهم، فهم اليوم كأنهم يسرعون إلى أنصابهم، إلى أصنامهم التي سَفَهاً اتخذوها من دون الله الواحد ذي المعارج سبحانه ...! هم أولاء كما اختاروا الدّركات في الدنيا، أذلّة هلِعون مقبلون على الهلاك بأرجلهم...بل إليه هُم مسارعون ... !
ذلك ما كانوا يُوعَدون، وكانوا به يكذّبون ... إنه اليوم الذي سيفوز فيه أهل المِعراج ...أولئك الذين ترقّت أرواحهم وسمتْ حتى هي اليوم عند ذي المعارج المترقّيةُ  القريبةُ :  "تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ "
وينتهي موعدنا مع المعارج لأضرب لكم موعدا جديدا مع سورة نوح قريبا بإذن الله تعالى ...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #408 في: 2026-04-07, 09:28:17 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

عشنا في رحاب أربع سُوَرٍ من سُوَر هذا الجزء الحافل العامر :"الملك"، و"القلم"، و"الحاقة"، و"المعارج"... وكلُّها بفضل الله تنعّمنا بأجوائها، وتفيّأنا ظِلالها، وتملّينا حُسنَها وجَمالها...كلّها من الماء المعين الذي أتانا به المولى العظيم سبحانه خالقُ خلقِه ومُربّيهم ...كلّها الرُّوح للروح، فهي التي لا تستقيم حياةٌ بِلاها ...
وعرفنا الترابط والاتّساق البديع بين كلّ سورة وسورة، وتناغُمَ آيات السورة الواحدة فإذا هي الخطوط المتكاملة المتعاضدة ترسم الصورة رسما، فلا تكتمل ولا تستبينُ إلا بالأخذ بها مُجتمِعة  ... !
وإنّا اليوم مع سورة جديدة ... سورة "نوح" الحاملة لاسم الرسول نوح عليه الصلاة والسلام ...
هي واحدة من سور القرآن المسماة بأسماء رُسل حوت قصصهم مع أقوامهم، نزلت فيما نزل على خاتمهم صلى الله عليه وسلم، وقد جاء فيها وفي مختلف سور القرآن ذكرُهم، وقصص جهادهم وعملهم على دعوة الناس لدين الله الواحد...كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يَعلم من خبر السماء عن صبرهم، وثباتهم، وجِهادِهم، وعمّا تحمّلوا وتكبّدوا في سبيل تبليغ رسالات ربّهم...عن نَصَبِهم، ولأوائهم وما قوبِلوا به من صدّ وصدود وتكذيب وهم المصطفَون من خلق الله ... هُم جميعا حلقات في سلسلة دُريّة سَنِيّة واصلة بين السماء والأرض، بين الخالق وخَلْقِه ... كلّهم بالدعوة الواحدة جاؤوا، وبالدين الواحد جاؤوا ...
فكان يستأنس بذكرهم، ويتزوّد مِن عَزْمِهم لدربِه، ومن صبرهم وتجلّدهم في سبيل إحقاق كلمة الله لما يَلْقَى من صدّ وصدود، وتتسلّى الأحزان عن قلبه الشّفيف وهو يسمع عن تأييد الله ونصره لهم...يهون عليه تعذيب أو تكذيب أو رميٌ بالسحر أو بالجنون وهو يعلم عن إلقاء إبراهيم في النار، وعن مكابدة موسى لتقلبات يهود ولإملاءاتهم، وعن همّ قوم عيسى بقتله، وعن سجن يوسف لجريمة تعفّفه... يهون عليه، ويصغر بعينه ما يحيط به من تعنّت وعتوّ وهو يعلم عن فعل الله لما يريد حسِب مَن حسب أنه المريد...
كما كان ذكر أنبياء الله ورُسُله في القرآن سَمْتاً لعالميّة الرسالة، ونحن نقرأ قصصهم مع أقوامهم، من مختلف بقاع الأرض.  رُسُلٌ ذَوو ألسنة متباينة، وأعراق وأجناس مختلفة، كان كلٌّ منهم بلسان قومه يُبعَث...
تقرأ قرآنا عربيا مبينا، وأنت تستحضر في ذهنك اختلاف ألسنة الأقوام ورُسُلهم، فتستشعر وِحدة الرسالة، ووِحدة الدين، تستشعر أن الأرض برُمّتها موصولة بالسماء عَبْرَ رُسُل الله  إلى خَلْقِه لتنطق توحيدا وإيمانا... !
إنّ الإنسان لم يُخلَق، ولم تُخلق له الأرض ليُترَك هَمَلا وهباءة ضائعة، بلا هدف ولا جذور تجذبه نحو أصله فتنقذه من التَّيْه في صحارى الأهواء وفيافي الباطل، وتمنعه غوائل الشيطان ونفثه وصُروف النفس وتقلّباتها ... ! بل خُلِقَ وأنبِت من الأرض نباتا ليتعهّده الخالق بالسُّقيا حتى لا تظمأ فيه الروح، ولا يموت فيه القلب ...!
إنها الرسالة العالمية، وإنه الكتاب الذي جاءت فيه قصّة الإنسان على الأرض، منذ أن أوجِدت وهُيّئت لأجله، وأوجِد عليها إلى أن تنتهي الدنيا، كما جاء فيه دواؤه من أدوائه ...
سورة نوح مكية، جاءت تحمل اسمَ النبي نوح عليه السلام، وهي بكل آياتها تحكي قصّته مع قومِه .... ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان في مكة أحوَجَ ما يكون إلى معرفة سنّة الرُّسُل من قبله، وهو يُلاقي الصّدود ألوانا، والتكذيب والتعذيب، والتحريش ...
ولقد صوّرتْ لنا أواخر سورة "المعارج" حالَ الكفّار قُبالته مهطعين،  محيطين به في تضييق وتخنيق، واستهزاء وسخريّة، ومحاولات منهم يائسة أن يُثنوه عن  دعوته ويردّوا الناس عنه... لنجدها متبوعة بهذه السورة  تروي له ما لاقاه نوح من قومه في دعوة دامت تسع مئة وخمسين سنة :" وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ"-العنكبوت:14-   ليعلمَ صلى الله عليه وسلم أنه ما كان بِدعا من الرّسل، وما كان ما حولَه بِدعا من شأن البَشَر ...
وهذا من الترابط الذي ألِفْنَاهُ بين السورة والسورة، وسنقع على أوجه ترابط أخرى في لاحِق الآيات ...
فماذا تُراها تحمل سورة نوح ؟ ماذا تعالج ؟
هذا ما نعرفه ونحن نستكشف أمرَها:
"إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (1)"
إنّه الرسول من ربّه، وإنّه تقريرٌ لعُلويّة أمره ومصدره، فهو ليس المتقوّل من نفسه، ولا رسول ملِك من ملوك الدنيا إلى ملك مثله، بل هو رسول الخالق إلى خلْقِه، هو الواسطة بين الموجِد سبحانه وبين مَن أوجد، وإنها رسالته يضعها في المصطَفَين من عباده ليكونوا المبلّغين عنه ...
يرسل للبشر بشرا، ولا يرسل لهم ملائكة وهُم جُندُه المطيعون، -ولو شاء ذلك لكان-  حتّى يستأنس الجنسُ بجنسه، وحتى يأخذ عنه وهو الذي من طينته، وحتى يكون له قدوة في إنسانيّة الإنسان المخلوق بضعف، والمخلوق مختارا بين كفر وإيمان، والمخلوق هلوعا –كما عرفنا في سورة المعارج- فهو الذي سيكون للبشر بشرا في صورته المترقّية، في صورة روحِه المنفوخة فيه من ربّها المرتوية بمائه، المتنفّسة هواءَه المُحيِي...ليكون الأثر المُقْتَفَى على درب استخلاف "الإنسان" في الأرض، في صلة بالخالق لا تنقطع ...
ولقد تأوّل الناس على مدى الأزمنة وعلى مدار مبعث الرُّسُل بعثتَهم رجالا منهم، واتخذوها محجّة لهم في رفض ما يبلغونَهُموه، ليس إلا مِن استمساكهم بالقشّات في محاولة يائسة بائسة لإنقاذ باطلهم وللإعراض عن الحقّ في صفاقة وسفاهة تتلبّس بلَبوس الحجّة...!
نوح عليه السلام كان الرسول الأول للبشرية، بينما كان آدم وهو الإنسان الأول نبيّا ربّى ذريّة البشرية الأولى على الصلة بربّها، فأرسل الله نوحا من بعد ما تطاول الزمن على بذرة البشر الأولى في الأرض، فاجتالها الشيطان عن ربّها وعن الحقّ الذي تركها آدمُ عليه.
عنِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهُما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " كان بين نوحٍ وآدمَ عشرةُ قرونٍ كلُّهم على شريعةٍ من الحقِّ فاختلَفوا فبعث اللهُ النبيين مُبشِّرينَ ومُنذرِين" –الألباني: السلسلة الصحيحة-
وأما عن أوّليّته في الرسالة ففي الصحيح حديثُ استشفاع الناس الأنبياء يوم القيامة أن يقيم الله الحساب، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم في نوح عليه السلام: " فَيَأْتُونَ نُوحًا، فيَقولونَ: يا نُوحُ، أَنْتَ أَوَّلُ الرُّسُلِ إلى أَهْلِ الأرْضِ، وسَمَّاكَ اللَّهُ عَبْدًا شَكُورًا "
وإنّ ما بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون استشهادا بما جاء في الصحيح عن رجل قال :" يا رسولَ اللهِ أنبيٌّ كان آدَمُ ؟ قال : ( نَعم مُكَلَّمٌ ) قال : فكم كان بيْنَه وبيْنَ نوحٍ ؟ قال : ( عشَرةُ قُرونٍ )"
و"القرن" ها هنا لا يعني بالضرورة مئة عام، إذ هو في معناه الصحيح الزمن الذي يجتمع فيه الناس  بمختلف الأعمار قصرا وطولا، فهم الجيل من الناس... ونعلم أن نوحا مثلا عاش ما يربو عن تسعمئة سنة يدعو قومَه، فلك أن تتخيل جيلَه ومُدّته ... وقد تفوق بذلك عشرة قرون ألف سنة.
إنّ مُفتتَح السورة إخبارٌ عن أمور ثلاثة، عن عُلويّة المصدر المرسِل، وعن المرسَل إليهم، وعن فحوى الرسالة :" إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ"
"إلى قومه" المرسَل إليهم.  فهو منهم، ليس بالغريب عنهم... وهكذا الرسول يُبعَث في قومه، فهم له ولأصله ولمكانته بينهم عارفون، وهو بالمقابل الحريصُ على قومه بحكم طبع حِرص الإنسان على ذويه وأقربائه وأهل أرضه ...
أرسله ربّه، وأمره أن يُنذر قومه... أن يخوّفَهم عذابه الأليم، الذي يُنزِله بالكافرين المُعرضين. فالرُّسُل رحمة من الله، تذكرة وإنذار وإعذار منه سبحانه لئلا يكون للناس على الله من حجة : " ...وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا " –الإسراء: من الآية15-
ونُفاجأ بالآيات التاليات وهي تحمل سرعة استجابة نوح عليه السلام لأمر ربّه بالإنذار :  "قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ (2) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (3) يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى  إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (4) "
إنه العبد المطيع، إنه المُحَدَّثُ من ربّه سبحانه أن يبلّغ قومَه رسالته...
وإنه لأمرٌ عظيم... والسماء تتعهّد سلسلتها الوضيئة الممتدّة إلى الأرض برسول مُصطفى من أهلها، فيأتي أوانُ التذكير والإنذار من ربٍّ خالق لعباد له زاغوا وتاهوا عن الجادة ... إنه يحدّث قومَه بأمر ربّه وربهم، فهو ذا بادئا يعرّف بوظيفته الجديدة بينهم، وبما كان من أمر الله فيه : "يَا قَوْمِ إِنِّي لكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ"  ... مبين تعرفونه، وليس عنكم بغريب، وتعرفون سويّة عقله وطُهر سيرته بين ظهرانيكم، مبين بدعوة واضحة جليّة لا لُبسَ فيها ولا إبهام... دعوة حقّ ساطعة ناصعة، ولكنّ الحق في أعين سواد المُبطِلين باطل ...!
وإنه على تواجده بين سواد ضال من قومه الكفَرة، فهو الذي يعلن أمرَه بينهم، ويصف إنذاره لهم بالمبين ليقينه من الحقّ الذي معه، ولقوّة في شخصيّته تجعله يعلنه وهو لا يهاب سوادَهم، بل متوكّل على ربّه وهو الوحيد الأوحد فيهم الذي يقول بغير ما يقولون ...
ينذرهم، فلا يكون للإنذار وَقعٌ إلا وهو يذكّرهم، ويدعوهم ... فيذهب أولا مذهب الدعوة إلى ما ينجيهم ممّا جاء يُنذرهم إياه، فيدعوهم ليكونوا في كَنَف الله العظيم : "أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ"
ثلاثة أشياء إليها قد دعاهم ... أن يعبدوا الله، فيكونوا لأمره مطيعين، وأن يتقوه فيجتنبوا سَخَطَه بانتهائهم عن نواهيه، وأن يطيعوه هو فيما يأتيهم به، لأنه الواسطة بينهم وبين الله، ولأنه المبلّغ عنه فليس يأمرهم إلا بما يوافق أمر ربّه ... وحريٌّ بي هنا أن أنوّه بهذه الآية جنبا إلى جنب مع الآيات التي فيها الأمر بطاعة الرسول صلى الله عليه وسلم من مثل قوله تعالى : "يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ"-محمد:33-   "وأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ"-النور:56-
، وفي قول الطاعنين بالسنّة -في أيامنا وفيما خلا من أيام- تأويلٌ لهذا الأمر بطاعة الرسول أنّها الطاعة لما جاء به قرآنا لا فيما جاء من أوامره عدا القرآن ...ففي دعوة نوح لهم بطاعته مزيد بيان لهذه الطاعة الخاصة للرُّسل.
ثم ها هو ذا عليه السلام في ضمنيّة إنذارهم : "يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى  إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ"
 يزيد عليه السلام في إعذارهم بتعريفهم ما ينتظرهم في كَنَفِ الله تعالى. فهو الإعذار بدءا، التذكير من جهة، والفرصة الممنوحة لهم رحمة بهم من جهة أخرى نجاةً من عذابه مكلّلةً بالمغفرة لما فرط منهم من كفر ونُكران، "وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى" تأخير إلى أجل مسمّى عنده سبحانه، أجلٌ هو أجل الموت المحتوم، يؤخّرهم إليه بألا يستأصلهم بعذاب ساحق ماحق يُهلكهم جملة واحدة ...
"إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ  لَوْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ" فأما الأول فتأخير فيه تنجية من عذاب الدنيا، تأخير إلى أجل محتوم، وأما هذا، فهو يصحّ للأجل الذي هو ساعة موت الإنسان، كما يصحّ لأجل العذاب الذي يُمضي الله أمره بإنفاذه في عباده الذين يستحقونه ...
وعلى هذا ...نلاحظ أن امتثال نوح عليه السلام لأمر ربّه بإنذار قومه، كان أولا بدعوتهم إلى عبادته سبحانه وإلى طاعة أمره هو فيهم، ثم بترغيبهم فيما يجلبه إليهم الإيمان من مغفرة للذنوب وتأخير للعذاب.

يتبع...
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #409 في: 2026-04-07, 09:29:11 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

والآن ... إننا نسمع صوت نوح عليه السلام يناجي ربّه ... يبثّه شكواه، وهَمَّه ... نوح الذي لبث في قومه داعيا تسعمئة وخمسين سنة.
إنه الآن نوح العبد المطيع المنيب المُخبِت لربّه ... وفي كلٍّ هو كذلك ...قبل قليل... على بعد آية، حينما سمعناه داعيا لهم، مستجيبا لأمر ربّه بإنذارهم، مُعذِرا ومذكّرا رحمةً بهم، وهو يناديهم نداء القريب لقريبه، مشفقا عليهم إشفاق المحبّ على حبيبه : يا قومي ... يا قومي ... يا مَن أنا منكم وأنتم مني... !
والآن كذلك وهو العبد المنطرح بباب ربّه، المنكبّ على عتباته ... المتذلّل له وحده، الخاشع المتضرّع، الذي يعلم أن ربّه أعلم بما يُكنّ وبما يعلن :
"قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (5) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (6) "
وإنّ "ربِّ"  لو نتملّى، وحدها تُشعِرك بالملجأ والمَنجى والمَفرّ ... يا مُربِّيَّ ويا سيدي وخالقي وآمري ...يا طبيبي...!
إنه يُمِدّ ربّه العليم بتقرير حول عمله الدؤوب وسعيه الحثيث لدعوة قومه، وهدايتهم : "إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا" ... لم يألُ جهدا، لم يدعْ وقتا إلا واغتنمه لدعوتهم  وهو من أولي العزم من الرُّسُل ...
أذكر وأنا على عتبات الله في أوائل شبابي مقدار ما أثّرتْ بي قصّة نوح عليه السلام وأنا أستحضر حالَه وهو يدعو لا يفتُر ولا يَني تسعمئة وخمسين سنة ... !لكم أكبرتُ عزمَه، ولكم دُهِشْتُ من صبرِه إزاءَ ما لاقاه من صنوف الصدود وألوان السخريّة ... قرون تلتْها قُرون وهو مقيم على دعوته، ثابت صابر، لا ييأس، مستمسك بعُروة الله الوُثقى، لم يهتزّ ولم يتزعزع، وهو القائم على أمر ربّه ... !
حتى هي ذي شكواه التي بثّها ربَّه، شكوى مَن هو قائم داعٍ، ثابت صابر والقرون والأجيال قد أكل بعضها بعضا، وتكاثر قومُه وتكاثروا، وهُم يتوارثون تكذيبه، فالسّلف منهم يوصي الخَلَف بالبقاء على تكذيبه والسخريّة من دعوته .... وهو هو نوح الصابر الثابت لا يتراجع ...!
ها هو ذا في مناجاته ربّه، وشكوى همّه يصف حالَهم، وربّه أعلم بها، ولكنّه يُفرِغ كأسَ نصبِه المُتْرَعة المُفعَمة بالآلام لمَن هو طبيبُه : "فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا"
من فرط كُفْرِهم وعصيانهم وتعنّتهم هم الفُرّار من دعوة الخير، وكأنّه الذي يدعوهم لشرّ...! كلما دعاهم زادوا فِرارا ... وأيّ دقة في وصف هؤلاء، وكأنّنا نُبَصَّرُهم وهم يفرّون منه فِرار الهَلِع الفَرِقِ من مجذوم ...!
ولنتأمّل حتى نرتّب هذه الدرجات المتواليات في هذه الآيات، ونوح وهو يُلقي بحِمْلِه على ربّه الوكيل، يتدرّج، ويضع منهجيّة، وليس ذلك ببِدع من حكمة الرُّسل وكمال بيانهم ... فلقد  :
أولا : أجمَل في الآيتين السابقتين، وهو يخبر عن مسلك دعوته وكيفيّتها(آية05)، ثم يُجمل في كلمات معدودة عن حال قومه بالمقابل(آية06)
ثانيا : لننظر كيف سيفصّل تفصيلا أوليّا  :
"وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (7)ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (😎 ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا (9)"
يزيد في بيان كيفية إصرارهم على كفرهم وإعراضهم،  وفي بيان إصراره على دعوتهم ... يُعطينا صورة أكثر تفصيلا عن فِرارهم، فهو كلما دعاهم مرغّبا إياهم في مغفرة الله لهم: " وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ..." وهي نوالٌ من نوالات الآخرة ... مقدّما لها على نوالات الدنيا إقرارا لأفضليّتها ولكونِها الغاية الأسمى والعطاء الأدوم ...
هم أولاء يفعلون فعل الأطفال إذ يسدّون آذانهم امتناعا عن سماعه، ومن فرط فِرارهم، وكُرهِهم لدعوته، وكأنّهم قد أدخلوا أصابعهم كلّها في آذانهم، فهم يسدّون ويسدّون ويشدّدون ويصرّون  .... !
ولا يكتفون بذلك، بل يستغشون ثيابهم، لئلا يبقى من منفذ لسماعه ... فرار، هلع... هروب ... وكأنهم يخشَون صوت الفِطرة في أعماقهم، فهم يغلّقون دونَها المنافذ  قبل أن يُغلّقوا دون صوت نُوح ...! ....واستكبروا استكبارا، تأكيدا لفرط استكبارهم...
وهو رغم كل ما يرى منهم، يدعو ويدعو ... فتارة يجهر بالدعوة على الملأ، وتارة هو المزاوِج بين إعلان وإسرار ... أساليب الدعوة يلقّنها نوح لكل داعية على دربه، وعلى درب رسول الله صلى الله عليه وسلم... إصرار الداعية يبثّه في أرواع الدّعاة، صبره العظيم الجميل حلّة مُوشّاة بديعة رفيعة تسحر الألباب...!  ولنستصحب أمر الله لنبيّه صلى الله عليه وسلم بالصبر الجميل في سورة المعارج : " فاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا" ... وهو ذا في سورة نوح متمثّل له صلى الله عليه وسلم، ولكل داعية تَمَثُّلَ الحقيقة المصوّرة، صبر على عتوّ واستكبار بالغٍ المنتهى... صبرُ من اشتكى إلى ربّه لا إلى أحد غيرِه بعد لأْيٍ ولأيٍ ...!! وأي صبر هو على أيّ لأي ...!
فماذا كان يقول لهم ليفِرّوا كل هذا الفِرار ؟!  إنه :
ثالثا : مزيد بيان لما كان في دعوته ... بيان تفصيليّ تلا الأوليّ الذي سبق، إنها المرحلة الثالثة في منهجيّة بثّه :
فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا (12)
من بعد ما رغّبهم في خير الآخرة، المقدّم على كل خير فانٍ، هو ذا وهو الذي نوّع وصرّف أساليب دعوته لهم، يرغّبهم في خيرات الدنيا يُمددهم بها الله تعالى إن هم أطاعوا واستغفَروا ...
ويالِذكر الاستغفار في هذه السورة ...! " يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ... "  "وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ..."  وهذه : " فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ..."
فهي على الترتيب في هذه الثلاثة : جزاء أخرَويّ ، وغاية الدعوة، ومفتاح خيرات الدنيا ...
الاستغفار غاية المُراد من المدعوّين ... الاستغفار مفتاح خَيْرَيْ الدنيا والآخرة  ...
إنه الغفّار سبحانه، الذي يقبل عباده، والذي يعفو ويُسامح، فلننظر ولنتأمّل كمّ ما يريد سبحانه بعباده ولعباده من خير، بابه مفتوح مُشرَع لا يوصَد... يكفي أن يُطرَق، بل إنه يدعو من لا يطرقون له بابا ليُجزِل لهم من فضله فيغفرَ لهم ...! "إنه كان غفّارا"...  و"كان" هنا للاستمرار  ولثبوت الحال.
فإذا استُغفِر غَفَر، وأعطى في الدنيا قبل الآخرة ... هو الرزّاق سبحانه، وإن من شيء إلا يسبّح بحمده... هو الذي سخّر لعباده الكونَ وما فيه... هو سبحانه يأمر مخلوقاته كلّها فتطيع... فـــ:  "يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12)"
تُدرّ خيرا على عباده المستغفرين... وكأنّ الكون والإنسان يتناغمان وهما يتناسمان التوحيد والعبودية لله الواحد الديّان ...!
و"السماء" في اللغة تُطلق على المطر، فهي على المستغفرين مرسَلة مِدرارا، خيرا وبركة ونماء وحياة... والأموال والبنون كلّها عطايا الرحمان سبحانه، كلّها بأمرِه ... والجنّات والأنهار من فيض عطائه ...
ولقد تساءل أناس، منهم من سأل استفهاما، ومنهم من سأل إغراضا وتشكيكا، ومنهم من جعل ملاحظته قرارا مُنتَهًى منه ...
أنّ الكفار اليوم يُنَعَّمون بخيرات وعطاءات في الأموال والبنين والجنات والأنهار ...حتى أنّ أغلب شباب المسلمين غاية أمانيهم أن يهاجروا إليهم، لأنهم أهل خيرات، بينما تشتكي ديار الإسلام الفقر والحاجة وضيق العيش، وكثير من أراضيها مصحرة، وكثير منها مُجدبة ... فأيّ الفريقَين هو المستغفِر إن كان الاستغفار مجلبة للخيرات والعطاءات الربانية ؟!
إنّ ما هُم فيه ابتلاء، مما عرفنا من الابتلاء بالخير، هو إملاءٌ لمَن إلهُهُ في الأرض المادة والمال، لا اعتبار لعبوديةٍ بين يدي ربّ خالق عظيم جبّار، لا اعتبار لما وراء الدنيا، كلّ اعتبارهم للدنيا ولحدودها، وللجاه وللسلطان وللمادة إلها حاكما ... ولقد عرفنا الترقيّ لمجابهة الابتلاء شرّا كان أو خيرا حتى يُكبح في النفس الهلعُ... أما هُم فهلوعون لا يعترفون بمنهج المكابح... جَزِعون عند الشرّ كلّ الجزع، محبّون للخير كل الحب، لا يعرفون للترقي من درجات وهم البعيدون عن الربّ الخالق المُرقّي، فهُم فيما يحبون مُغرَقون، فإذا أصيبوا بسوء رأيتَهم كالدابة الهائجة لا يقرّ لهم قرار ...!
منعَّمون ظاهرا وأنفسهم مريضة، وأرواحُهُم عطشى وهم الذين باقون على ما خُلقوا عليه من هلع... يطاولون الحياة لا بحثا عن الحقّ وعن مصدر ارتواء أرواحهم، بل عمّا يحقق لهم سعادة وهميّة ينخلعون بها عن الأخلاق انخلاعا، يسمونها حرية !!
لا يعرفون اللجوء إلى الربّ الخالق الطبيب... منعَّمون بأموال ...نَعَمْ مُترَفون... نَعَمْ ... ولكنهم مرضى، عطشى، جَوعى والروح فيهم لا تجد ما تقتاتُ ...!
وإنّ المسلمين اليوم في قصوٍ عن دينهم، وعن ترقّياته التي عرفنا شيئا منها في سورة المعارج ... هم في انبهار بفُتاتِ الغرب، وبسعادتهم الظاهريّة ... هُم في مرحلة من الاتّباع الأعمى الذي أوقعهم فرائس تُعفَس وتُرفَس، لذلك بعُد عنهم التّمكين، وابتعد عن الأمّة ما اختصّ به الله أمّة الإسلام من العطايا الدنيوية جزاء وفاقا لتأخّرهم عن سنا دينهم وعن غاياته السامقة، وعن معنى الاستخلاف في الأرض بإعلاء أمره وكلمته سبحانه ...
ورغم كل ذلك فإننا لا نملك أن ننكِر اختصاص المؤمن بعطايا ربانية دنيوية، يُنكِرها كثيرون في غِمار عقلنة الأمور الذي يبلغ حَدَّ استبعاد خصوصية في عَيْش المؤمن، مستدِلا على السويّة بينه وبين غيره بأنه الذي يُصاب، ويفتقر، ويجوع ويعرى، ويألَم، ويحزن ....!
إنّ ذلك عندنا ليس أبدا مَحَجّة، بل هو طبيعة الحياة، وما عليه خُلِقت الدنيا من تقلّب بين حال وحال، هو الابتلاء الذي هو غاية الوجود أصلا ... ولكن رغم كل ما يلحَق بالمؤمن من المصائب والبلايا إلا أنه المختصّ دون غيره بعطايا دنيوية ...
لنتأمّل مثلا آية أخرى مشابهة لآية عطايا الاستغفار الدنيوية في سورتنا. قوله سبحانه : "وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ" –هود:3-
نعَمْ الكافر أيضا له من هذا العطاء، له من المتاع، ولكن متاع المؤمن حسن : " مَّتَاعًا حَسَنًا "  ...حُسْنٌ مقرون بالإيمان...  هو العطاء المبارَك فيه من رب العزة للمؤمنين، متاع ليس فيه ما يغضب الله، فهو إن كان مالا لا تَهُمّ كثرته، بل تهمّ نوعيته... لن يكون رِباً، ولا مردود بيع خمر مثلا، لن يكون من مقامرة، ولا مِن بيع هوى... نعم للكافر أموال بل وأموال طائلة ولكن ميزة مال المؤمن المستغفر الذي وعده الله به مال طيب يقبله الله، تُرضيه طريقة اكتسابه وأوجُهُ صَرْفِه... له في اكتسابه وفي صرفِه منهاجٌ بأحكام يتّبعُه، لا يحيد عنه ...
ولننظر  : عن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من سَرَّهُ أن يُبسطَ له في رزقِه ، أو يُنسأَ له في أَثَرِهِ ، فليَصِلْ رحِمَه" –صحيح البخاري-
وهذا من عطاء الدنيا للمؤمن ... نعم هناك بسط للرزق للكافر، ورغم ذلك هذه خصوصية المؤمن، إذ أن الله تعالى وقد بسط الرزق لواصل الرحم هذا، إنما بسطه طيّبا حسنا لا يأتي إلا من طيب... لا من خبيث كما قد يكون عند كافر ..
هذا شيء مما يُختصّ به المؤمن، طبعا فضلا عن مصائب مكفّرات  وأمراض مكفّرة طهور، وهذه لا تُعطى لكافر ... هي عطاءات دنيوية خُصَّ بها المؤمن... بل إنّ مما خُصّ به من عطايا ما هو في شكل مصائب ... ثوابها في الآخرة جزيل، ولكن هي ذاتها عطاءات دنيوية، إذ المؤمن وهو يتعرض لها ويعلم ما تُدِرّ عليه من الله، يحدث له رضى وصبر وتسليم ...صبر هو غير صبر الكافر لأنه تفاعل دنيوي من أجل غاية أخرويّة، وعلى هذا فهو العطيّة الدنيوية ...  قال صلى الله عليه وسلم : "عجبًا لأمرِ المؤمنِ إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ إنْ أصابَتْه سرَّاءُ شكَر وإنْ أصابَتْه ضرَّاءُ صبَر وكان خيرًا له وليس ذلك لأحدٍ إلَّا للمؤمنِ" –صحيح ابن حبان-
شاء من شاء وأبى من أبى ... يُختَصّ المؤمن بالعطايا الدنيوية، ذلك أنّه وهو يحيا مؤمنا فقد أوثق رباط تلك العُقدة ما بينه وبين خالقِه، عُقدة هي بمثابة الحبل السُريّ الذي يزوّد الجنين بحاجته من غذائه لتستمرّ حياتُه، ولينمو ...
كيف لا يكون "للمؤمن" الذي عرف الابتلاء بخيره وبشرّه، فصبر عند الشر، وشكر عند الخير حياة غير حياة غيره ؟!
كيف لا يكون عنده فهمٌ للحياة على حقيقتها وهو يُحسن قراءة الرسائل فيها...كيف لا يكون هناك تأثير من هذا الفهم وهذا التصوّر في نفسه وفي حياته ؟!
كيف لا يكون للإيمان من أثر على الحياة يجعلها عند صاحبها من جنس ما وعد به الله عباده المؤمنين : " مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً  وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ "-النحل:97-
هكذا "طيبة"  وهي ابتلاء بالخير وبالشر... بكليهما... لِما ينغرس في نفس المؤمن من فهم لمعنى الابتلاء ومآل وقوعه فيه خيرا كان أو شرا ...
و"الطيّبة" لغويا هي الحسنة ....فكل شيء حسن، ملائم، مريح مُرضٍ يدخل في معنى  الحياة الطيبة ...-وكما أسلفنا- لا ينفي أن تتخلّلها الابتلاءات، ولكنّها بصبر عند الشرّ وبعطاء وشكر عند الخير، وفي التفاعل الإيماني مع الابتلاء حياة طيّبة تلقي بظلالها الوارفة على المؤمن ...
نعَمْ ...يضيق المؤمن، يتعب، ينسى، يخطئ، يزلّ، يصيبه همّ، يصيبه غمّ، يحلّ به كرب... نعم كل هذا يلحَق بنفسيّته، يتعبها، لن يكون مبرءا من التعب النفسي لأنه مؤمن، بل لأنه مُبتلى وهو البشر الضعيف، سيكون في نفسه كل هذا، ستتقلب نفسه ... ولكن في أعماقه الرضى والفهم... في قلبه الطمأنينة بالإيمان... باليقين ...وفي دينه الدعم والذكرى وفُسحة العودة، فسحة الاستغفار، استزادة في الإيمان، استزادة في الهدى والتّقى  وهذا ما يجعل حياته طيّبة رغم كل ما فيها : "الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَىٰ لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ"...
وبهذا نستضيئ لفهم الفرق بين خيرات يعيش بها الكافر على الأرض، وخيرات يعيش بها المؤمن على الأرض جزاء استغفاره وإنابتِه ...فالأولى رزقٌ من الرزق لا يضِنّ به الله على من يكفر به لعطاء ربوبيّته، ولجلال سلطانه وعظمته، وهوان الدنيا عليه، وابتلاءً له بالخير استدراجا وإملاء وإغراقا فيما يصرّ الكافر على أنه غاية أمانيه مُنكِرا لحياة دائمة باقية بعد الحياة الفانية... والثاني عطاءٌ مبارَكٌ هو سرٌّ من أسرار العهد الموثّق بين عبد مؤمن وبين ربّه، فهو نِعمةٌ، وطمأنينة ورضى وسَكَنٌ في الدنيا لا ضرر منه ولا ضِرار، خيرٌ يُعطاه فيشكر ولا يمنع لأنه المترقّي بالحبل الإيماني الموصول بين السماء والأرض ...!

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #410 في: 2026-04-07, 09:29:53 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....

ثم ينتقل نوح عليه السلام في تدرّج  إلى مرحلة جديدة من منهجيّة بثّه :
رابعا: يستنكر على قومه عدم توقيرهم لله تعالى . فيدعوهم إلى النظر في أنفسهم وفي الكون مِن حولهم ليتدبّروا عظيم خَلق الله تعالى، وعظيم ما سخّر لهم .
"مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (13) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (14) "
أطوار يعيها الإنسان، وهو يعرف بالسّليقة الإيجاد من خلال التزاوج، والحمل، ومرور الأم بمراحل حتى تضع حملها، ثم خروجه من رحم الأم إلى رحِم الأرض ليمرّ في الدنيا بأطوار جديدة، فمن الطفولة إلى الصِّبا، إلى الشباب ثم الكهولة ثم الشيخوخة.
كُلُّها مُشاهَدة، وكلّها أطوار في حياة الإنسان الذي يعلم بالطبيعة كيف أنّ خلقَه من ماء مهين... وهو من دواعي تدبّره في الخَلق، وفي المشيئة والقوّة الكامنة خلف إيجاده وتقلّبه في أطوار الحياة ...
ثمّ يدعوهم إلى النظر مجدّدا فيما هو مسخّرٌ لهم، يُخلَق الإنسان وقد أودَع الله في فِطرَته استخدام هذا المسخّر وتطويعه لحركة الحياة، نواميس يألفُها  فتُذهب ألفَتُهَا الإحساس من نفسه، بينما التدبّر والنظر فيها عملٌ للعقل يُرجِعها لأصلها بالسؤال الذي يكشف للنفس اليقينيات الكُبرى :
"أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (16) "
فهذه السماوات، والقمر والشمس فيها، فأما القمر فنورٌ على حقيقته، وهو الوصف الأدق لضوئه الذي ليس من أصله بل من انعكاس الشمس عليه، بينما الشمس كتلة متوهجة تضيئ من ذاتها، فكان وصف السّراج كذلك الألْيَقَ بها ...
"وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (17) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا (18)"
وأما الأرض فهي أصله، وإنبات الإنسان منها عرفناه في أجواء سورة الطارق التي ساقتنا شيئا فشيئا حتى بَصُرْنا بالماء الدافق الذي يخرج من بين الصلب والترائب، دافق دافع كما يسقي الماء الأرض بعد حرثها، صورة مُسقَطةٌ بكاملها على الإنسان، والله يصف المرأة بالنسبة لفعل الرجل فيها بالحرث في قوله سبحانه : "نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّىٰ شِئْتُمْ  ..."-البقرة: من الآية223-...فهي الأرض، وهو حارثُها، والماء الدافق منه سُقيا لأرض تُنبِتُ، ونبتُها الإنسان، تلك المرأة الحَرث وأصلها تراب، وذلك الرجل الحارِث وأصله تراب، والنبتة من أمشاجهما كائنة بإذن ربّها الخالق المُنبِت سبحانه ...
إنه التكامل بين أوصاف القرآن لخَلق الإنسان يُعطينا إسقاطا لمعنى إنبات الإنسان من الأرض نباتا، لا ما تأوَّلَهُ متأوِّلُون من المُخلِطين الذين يتصيّدون لإرضاء أهواءٍ لهم تقضي بالتمكين لنظرية التطوّر التي يكتسح بها الملاحدة والطبيعيّون المجامع العلمية، يُسلِطونها عصاً فاتكة باسم العِلم زيفا وبُهتانا، فهم يُقحِمونها إقحاماً لتكون المنطَلَقَ العلميّ لا لشيء إلا لإنكار الإله الموجِد سُبحانه، ولكنّهم بلغوا مبالغ العجَب العُجاب من تسفيه العَقل وهم يقولون بالعشوائية والصّدفة إلها يجيِّشون له المادة والملاحدة والقوم التُّبَّع لإنكار العبوديّة ولإنكار المراقي الأخلاقية الإنسانية، ولإطلاق العنان للبهيمية وهم ينادون أنْ حُريّة......! حُرية  ...!
وإلى الأرض يُعاد الإنسان، ومنها يُخرَج إخراجا...سبحانه الخالق المُحيي المميت الباعث ...
هكذا في كلمات جامعات يدعوهم للنظر في أنفسهم، وهو يعطيهم النبأ اليقين ضِمنا، يُحدّثهم عما سيُفعَل بهم مما لا يرون، من بعد ما حدّثهم عمّا فُعِل بهم، وعما هو بهم مفعول مما يرون ...
"وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (19) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (20)"
وهكذا هي الأرض، منها خُلِق الإنسان، وفيها يُعاد، وهي التي عليها يحيا ويتحرك ويعتاش ويقتات... فهي له بساط ممهَّد رغم أنها الكرة المكوّرة في رحمةٍ من الله بعباده، مبسوطة للإنسان قرارا هو عليه مستقرّ، مركوزة بالجبال الرواسي لا تميد بمَن عليها، فهي من فرط كِبَر حجمها لا تبدو للعين ولمَن يعيش عليها إلا مبسوطة ... فهي البساط الذي تُسلَك فيه السبل الواسعة التي يقطعها الإنسان وهي ممهّدة من رحمة خالقه وخالقها به ...
وهكذا كانت دعوته لعقولهم أن تعمل وأن تجتهد في النظر والتدبّر، والتساؤل عن أنفسهم وعما هو حولهم ... وهو أسلوب من أساليبه التي انتهجها في الدعوة، فلقد عرفناه يعرّفهم بواجبهم نحو خالقهم عبادةً ونحوه طاعةً، ثم كيف شرع يرغّبهم في المغفرة لإنجائهم من عذاب الآخرة، ومن عذاب دنيويّ مُهْلِك... وهو تارة بينهم مجهِرٌ، وتارة مسرّ، وأخرى مزاوج بين إسرار وإعلان ... وهو داعيهم للنظر والاستدلال ...في توجيه دعويّ متكامل الأطراف  يليق بكل داعية لدعوة الحق في كل زمان ...
ومازال نوح عليه السلام يبثّ ربَّه شكواه وما به ... ولقد ألقى إلى ربّه العليم بعمله الذي عمل، وبجهده مع قومه، وبقوله الذي قال، في درجات مرتّبة ترتيبا منهجيّا ...  حتى ها هو الآن مُحدِّثٌ عما هو كائن منهم بعد كل ما انتهجه معهم، وبعد طول عناء، وجميل صبر :
"قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (21) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (22) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (23) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا  وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24)"
تلكُمْ هي النتيجة معهم ... لقد عصوه، ولم يطيعوه، بل لقد قدّموا آيات الطاعة لكبرائهم الذين عتوا وتجبّروا وكفروا وصدّوا عن سبيل الحق بما كان لهم من مال وولَد ...!
ولم نبعد كثيرا عن "القلم" التي عرفنا فيها أمر الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وسلم ألا يطيع المكذّبين الذين كانوا يتمنّون أن يُدهِنَ ويتنازل ليُدهِنوا ادّعاء منهم للتنازل بالمقابل ... وأمَرَهُ ألا يطيع الحلّاف المهين الذي كان ذا مال وبنين، وهو الذي تعوّد أن يطيعه الناس لسطوته بماله وببنيه، لا يبحثون في أمرِه عن حق أو باطل بل يبحثون عن فُتات المادة... وحدَها المادة... فكان مهينا أثيما مكذّبا بآيات الله : "أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14)إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15)"  -القلم-
وكذلك ذَوُو المال والبنين في قوم نوح، سبقوا مَن كان على شاكلتهم في قريش بقرونٍ وقرون، بذرة البشرية الأولى، كانوا من أوائل من حملت الأرض، وكانت تلك مساعيهم الخاسرة المُخسِرة، وأعيدت نُسَخُهم على الأرض في كل زمان ... فكان أن لم يزدهم مالهم وولدهم إلا خسارا ... المال والبنون زينة الحياة الدنيا، المال والبنون وقد عرفناها في الآيات السابقة نِعَماً وعطايا من الرحمان من ثمار الاستغفار، حرِيٌّ بمَن يكون صاحبَها أن يكون شاكرا للمنعِم بها ... ولكن هكذا هو الإنسان الإيمان فيه للمنعِم  شُكْران، وانعدام الإيمان فيه كفر به ونُكْران ...! عند الأول ابتلاء بالخير ففوز وفلاح، وعند الثاني ابتلاء بالخير فخسار وطلاح...!
وإن عالمَنا اليوم لَيَعُجّ بهؤلاء الذين لم تزدهم أموالهم إلا خسارا وهم البعيدون عن الرحمان المُبعِدون عنه ... وهُم المُطاعون لمالهم، فالعالَم مؤلّهٌ  للهوى، لكل خبث وكل فسق وكل فجور... والمتّبِعون والمطيعون من بني الجلدة وبني الإسلام اليوم جحافل...! ولكنّها العددُ لا شيء غير العدد ... ولو قيس أمر الحق بالعدد  لكان نوح الوحيد لتسع مئة وخمسين سنة بين قومِه الضالّ الذي لا يأتي أمرُه بشيء ...!
بل لقد كان الحق الوحيد بين جحافل المُبطلين، الحقّ الذي نُصِر، وكانت الأعداد من البشر حوله كلا شيء ...!
ولقد مكر أولئك الكُبراء، خططوا بليل، أعدّوا مُجتمعين الخُطط المُحكَمة لإهلاك نوح الواحد الوحيد بينهم بما يدعو وبما يقول،  العِلية بمالهم وبأولادهم ... ولقد كان مكرُهم "كُبَّارًا" ... ولقد قالوا هم كذلك، قالوا عن آلهتهم : "لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا "
ودّ وسواع، ويغوث ويعوق ونسر، آلهة عبدوها من دون الله، وقد كانوا في الأصل عبادا صالحين، وسوس لهم الشيطان أن يجعلوا لهم نُصُبا...عن عطاء بن أبي رباح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عنْهمَا قال: " صَارَتِ الأوْثَانُ الَّتي كَانَتْ في قَوْمِ نُوحٍ في العَرَبِ بَعْدُ. أمَّا ودٌّ كَانَتْ لِكَلْبٍ بدَوْمَةِ الجَنْدَلِ، وأَمَّا سُوَاعٌ كَانَتْ لِهُذَيْلٍ، وأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتْ لِمُرَادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بالجَوْفِ، عِنْدَ سَبَإٍ، وأَمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ، وأَمَّا نَسْرٌ فَكَانَتْ لِحِمْيَرَ لِآلِ ذِي الكَلَاعِ، أسْمَاءُ رِجَالٍ صَالِحِينَ مِن قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحَى الشَّيْطَانُ إلى قَوْمِهِمْ، أنِ انْصِبُوا إلى مَجَالِسِهِمُ الَّتي كَانُوا يَجْلِسُونَ أنْصَابًا وسَمُّوهَا بأَسْمَائِهِمْ، فَفَعَلُوا، فَلَمْ تُعْبَدْ، حتَّى إذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وتَنَسَّخَ العِلْمُ عُبِدَتْ." -صحيح البخاري-
نوح عليه السلام هو الوحيد الذي ينادي بالواحد سبحانه، وهم الكثرة الذين يدعون بالآلهة الكثيرة ...  فأيّ كفّة هي الراجحة ؟!
بمنطق العدد كفّة العدد الأكبر ترجح ...! ولكن بمنطق القوة والسلطان والأمر والحكم الحقّ كفّة الوحيد الداعي بالواحد العظيم هي الراجحة ... ولقد كانت كذلك ...!
فهل عملوا بمكرهم، وهل عملت دعوتهم وهم الكثرة بالآلهة الكثيرة، عملا بنفس نوح الوحيد ؟!
بل لقد ذكر القرآن في موضع آخر مقالته لهم :"...إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِن كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُم مَّقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنظِرُونِ"-يونس: من الآية71-
أجمعوا أمركَم وشركاءكم  فالله وكيلي ... !
"وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا (24) "
لقد أَضلوا كثيرا ... كانوا هم القادة، والمدبِّرين، والآمرين المُطاعين ... ولا يملك نوح إزاءَ ضلالهم وإضلالهم إلا الدعاء عليهم وهو يصفهم بالظالمين : "وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا" ...لعنادهم ومكرهم وإضلالهم مَن حولهم وهم المُطاعون لمالهم ... ولقد دعا موسى عليه السلام على مَن كان على شاكلة كبراء قوم نوح، كذلك تجبّروا بمالهم : " وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ  رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ " –يونس:88-

يتبع....
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب

غير متصل حازرلي أسماء

  • أحلى.شباب
  • *****
  • مشاركة: 7039
  • الجنس: أنثى
  • غفر الله لنا ما لا تعلمون
رد: في ظلال القرآن -تابع-
« رد #411 في: 2026-04-07, 09:30:35 »
 :rose::: :rose::: :rose::: :rose::: :rose:::

تابع....
وها هي العقوبة الإلهية، ها هو المكر الإلهيّ العظيم يتحقّق، فيحلّ العذاب فورا ... يتقدّمه علّة نزوله بهم :
"مِّمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا فَلَمْ يَجِدُوا لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ أَنصَارًا (25)"
أغْرِقوا في الطوفان العظيم الذي اكتسح الأرض... والغالب والراجح أنّ الطوفان قد أهلك كل أهل الأرض لاجتماع قرائن الآيات من جهة، وقد عرفنا منها أخيرا قوله سبحانه في سورة الحاقة : " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ" وفيها خطاب للناس عامة على أنهم المحمولون في السفينة، أي أنهم ذريّتهم، وَلِمَا عرفنا من صحيح الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من جهة أخرى، أنّ ما بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون، فيكون الطوفان قد أهلك كل من على الأرض، ويُرجّح أنهم لم يكونوا منتشرين على كلّ أرجائها لقصر المدة الفاصلة بين آدم ونوح عليهما السلام .
أغرِقوا فأدخِلوا نارا ... مقابَلة بين الماء والنار... أُهلِكُوا بالنقيضَيْن، الأول كان مادة إهلاكهم في الدنيا، والثاني مادة عذابهم في الآخرة ...
هُم قد أعدموا حياة الروح على الأرض، وأعدموا المعنى والغاية من الوجود عليها، فكانت مادة الحياة الأولى هي مادة إهلاكهم .... ولكأنّي بهم وقد أهلكوا بطغيانهم وعنادهم وكفرهم معنى الحياة قد سُخِّرت عليهم مادة الحياة فأهلكتهم، ولكأنّي بها تصرخ أنها الكائنة بإذن ربها رغم تحالف المُعدِمين .... ! وبالمقابل كانت تلك المادة منجاة مؤمني السفينة وقد غدت الأرض بحرا يحملها وهي تجري فيه نجاة بالمؤمنين وحياةً للأرض تنبعث بهم وبإيمانهم من جديد ...!
فأين النصير من دون الله ؟!! أين ودّ وأين سواع وأين يغوث ويعوق ونسر ؟؟ لماذا لم يُنقذوكم كما تحالفتم لتنقذوهم ...؟!
وها هنا أيضا موضع ربط واضح بين هذه السورة والتي سبقتها ... وقد عرفنا في أواخر المعارج قوله تعالى : "فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ(40) عَلَىٰ أَن نُّبَدِّلَ خَيْرًا مِّنْهُمْ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ(41)"
فيها القسم منه سبحانه على أنه الذي لا يُعجِزُه إهلاك الكافرين، فجاءت سورة نوح تخبرنا أنّ هذا الإهلاك قد تحقّق في عهد نوح عليه السلام، فكان استئصالا لكلّ  كافر على وجه الأرض...
كان استجابة لدعوة نوح عليه السلام : "وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (26) إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا (27)"
لا تذَرْ على الأرض من الكافرين ديّارا ... أي ساكن دار ... وأرى أن في هذه الدعوة منه إشارة أخرى إلى أنهم كلّ أهل الأرض وجُملةُ مَن سكنها آنذاك، وأنه لم يكن عليها غيرُهم.
ولنَرقُب خوف نوح على عباد الله، على مستقبل البشرية.. إنه وهو يدعو عليهم بالاستئصال من على الأرض يفكّر بالحياة على الأرض ! وهذه لمن لا يُثقِب النظر ولا يَحُدّه مفارقة عجيبة ... كيف يخاف على عباد الله على الأرض وهو يدعو باستئصالهم جُملة مِنْ على الأرض ؟!
إنه يرى بعين المؤمن الحكيم، الذي يغشى اليقين كل نقطة فيه، فهو يعلم أنّ القلة القليلة التي آمنت معه هي الكثرة، لأنها التي ستزرع الإيمان، ولأنها التي ستحقّق غاية الوجود، وهي التي ستعطيه معناه. أما الكثرة مِن حوله فلا يراهم شيئا وهم الكفرة الفَجَرة الضالون المضلون، الذين عرف منهم الأمر وعرف فيمَن حولهم من السواد الطاعة والاتباع ...فهُم الهباءة التي لن تزيد في الحياة إلا إهدارا لمعنى الحياة ... !
وهو رغم دعائه عليهم وهم الأغلبية الساحقة التي هي كلّ مَن على الأرض لولا القلة التي لا تكاد تُعدّ ممن حملتهم السفينة، إلا أنّ القنوط واليأس لا يعرفان لقلبه سبيلا، وعزمُه وعزيمته لا يفلّهما فالٌّ من ضعف أو وَهَن ... إنه الذي يبني مع بنائه لسفينته -التي لطالما مرّوا به وهم يسخرون منه ومن صناعته لها- إيمانا على الأرض، يعيد إقامة بُنيان قديم، يرفع قواعده بهذه القلّة القليلة المحمولة بالسفينة ...!
إنك إن راقبتَ الأمر من زاوية دعاءٍ بالسحق والمحق فسترى أكثر ما ترى رجلا طال صبرُه حتى نفد فهرع إلى ربّه داعيا منتقما ... ولكن... تريّثْ ولترقُب معي من زاوية أخرى، لترى معي هذا الرجل المفعَم بالأمل من بعد ما عرفناه مفعَما بالصبر وهو يعكف على صناعة السفينة ولا يفتر ولا ييأس، وكلّ مَن حوله ساخرون مستهزؤون، ماكرون... وأي مكر ؟ إنه المكر الكُبّار !
ولا ينقطع أمله وهو يبني الحياةَ... حياةَ الأرض برُمّتِها على مَن لا يكادون يُعَدُّون...بل وهو يدعو بالاستئصال، يدعو من خوفه على القلة المؤمنة من الضلال، وعلى ما سينبُت مِنهم من نَبات  ...  وعندها ستستشعر بقوة قول الله تعالى لعبده الصبور الشكور : " وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا..." –هود:من الآية 37-
فكيف يُغيّب عن الأمل من كان تنفيذه لأمر ربّه بأعين ربّه ... ؟!
فتذوّق معي الآن حلاوة هذه الآية التي عرفنا في سورة الحاقة... تذوّقها بحلاوة جديدة : " إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(11) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ(12)" ...
فأيّ نعمة هي نعمة الإنجاء بالإيمان وللإيمان، نعمة الإحياء بالإيمان، والحياة بالإيمان ...!
ونأتي على نهاية السورة ... نهايتها ونوح عليه السلام مازال يدعو ... ولكنّ هذا المقطع من دعائه هو للذين بنى بهم الحياة على الأرض من جديد... حياة هي الحياة،  لمن بدّل بهم الله، فهُمْ خيرٌ... وما أعجزه سبحانه أن بدّلهم، وما يُعجِزه أن يبدّلهم في كل زمان ...
"رَّبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (28)"
إنه الدعاء بالمغفرة .... ويالِوُرود المغفرة في هذه السورة ...!! تلك التي عرفنا أنها مفتاحٌ لخيرَيْ الدنيا والآخرة، وأنها غاية المُراد من المدعوّين ...
يدعو نوح أن يغفر له ربُّه ... يدعو هذا الرجل العظيم الصابر الصبر الجميل، الثابت، المُقبل على درب ربّه لا يعرف الإدبار، ولا يعرف اليأس ... الحامل للأمل أبدا... الباني للأمل... المجدّد لبنيان البشرية، الباعث لحياتها حقّ الحياة ... يدعو بالمغفرة ! " رَّبِّ اغْفِرْ لِي "
ولا بدّ أنه وهو يستغفر يطمع في عطاءات الله تعالى، عطاءات الدنيا والآخرة معا .... ولقد أعطِيَها كلّها ... وقد نجّاه ربّه ومَن معه، وأبدِلت حياة الأرض على يديه...! ولقد سماه شَكُورا ...!!
"وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَن دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا".... يا ما أجمل دعواتك يا سيدنا نوح !! وكأني بهم أولئك الذين حملتْهم الجارية ...  إنني لأستشعر شدّة حبّك للمؤمنين، شدّة حبّك لمَن أعلن الإيمان بالله الواحد ... لمَن عرف ربّه ... وليس ذلك إلا من حبّك لربّك ...!
"وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ" ... أما هذه فلكأنّها دعوة بالمغفرة لكل مؤمن ديّار على الأرض إلى يوم الساعة ...!
وإنني يا سيّدي يا صلى الله عليك وسلم لأستبشر بدعوتك لي، ولأجدُها في قلبي نديّة قويّة وهي صدى الإيمان من عهد بذرة البشرية الأولى، من أبي البشر الثاني ... تعمل عملها بإذن ربها إلى يوم الدين ....
دعاء بخَيْرَي الدنيا والآخرة لكل مؤمن إلى يوم الدين ... ومنّي كلماتٌ صادقات أن قد بلّغتَ يا سيدي وقد وفّيتَ، وأنْ جزاك الله عنا وعن كل مؤمن على الأرض إلى يوم الدين خير الجزاء وأوفى الجزاء ...
"وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا" ودعاء على الظالمين يُزاد إلى  الدعاء .... دعاء بالتّبار والخسار هو بإذن الله بالغٌ كل ظالم على الأرض إلى يوم الدين ... !
واقتُلِع شَوك الكُفر وأُنبتَ الإيمان من جديد... وسُقِي ...!
وهذه الأرض اليوم وإن كان ما كان فيها من كفر ومن عتوّ ومن عناد ومن فجور إلا أنّ الإيمان فيها أيضا يصدع ... الإيمان فيها باقٍ ... منذ أن حمل نوح ذريّة البشرية الباقية في الجارية والإيمان فيها كائن ...
نعَمْ... تجبّر عليها جبابرة، وطغى عليها طغاة، وأفسد فيها مفسدون، وأهلك الحرثَ والنسلَ عليها مهلكون، ولكنّ الإيمان باقٍ يصارع بأصحابه كل ريح سَموم ... !
وإنه سبحانه كما أهلك الكافرين فلم يذَرْ منهم على الأرض ديّارا لَقادرٌ على أن يهلكهم مرة أخرى ... وإنّ الكثرة الفاسدة المفسدة المستأسدة بالمال والعُزوة والسامعين الطائعين وإن بلغت منها القلوب الحناجر، وإن مكرت المكبر الكُبّار، وإن دعتْ بكل آلهة لها من آلهة الأهواء فإنّما هي الهباءة  في وزن أمر الله وحُكمِه وسلطانه ووعده أن الأرض يرثها عباد الله الصالحون : "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ"-الأنبياء :105-
ثم أتدرون ما أجد من كثرة ورود الاستغفار في هذه السورة ؟!
لقد عرفنا في سورة المعارج الدرجات والرُّتَب العاليات، عرفنا المرتقى إلى الله لكبح الهلع فينا... وإن الإنسان ليغترّ أحيانا حتى بترقّيه في درجات الإيمان ... فتُعقَب "المعارج" بسورة "نوح" حافلة بالاستغفار، مختَتَمة باستغفار نوح العظيم لنفسه رغم كل ما قدّم ... على صبره الجميل، وعلى أمله الباقي فيه رغم صدود الماكرين المستكبرين ...  تُذكّر ذلك المترقّي بالمعارج أن الاستغفار لازمةٌ لا تغادر المؤمن، كابحة مع الكوابح لئلا تجمح النفس فتغترّ ... !
وأخيرا .......
سلاما سيّدي نوح ...سلاما أهديكَهُ عبْرَ النّسائم... نسائم الإيمان الحيّ الممتدّ من سفينتك إلى آخر الدهر... وعَبْر الحمائم تنوح على أيْكِها نَوْحَ تسبيحٍ بحمد ربّها... أُهديكَه يا سيّدي من وَقْع إيمان أصحاب السفينة على الأرض، ومن خطوات المقتفين ...
منْ أتباع خيرة ذريّتك، وخيْر مَن حملت الأرض فأشرقتْ بأنواره محمد عليك وعليه الصلاة والسلام بالكمال والتمام...كما بلغَتْنا دعواتك من مبتدأ الأمر على الأرض... من أصل الوجود ....
وكما في كل مرة يا سيدي يا أوّل رُسُل الله ... وحده الله يعلم مقدار ما يوقِع ويُوَقِّعُ في نفسي ذِكْرُك... يا مَن سمّاكَ ربك "عبدا شكوار".........!!
وملتقانا مع سورة الجنّ بإذن الله تعالى
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهبْ لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب